يقول المؤلف ﵀: (يجب صومُ رمضان برؤية هلاله) وهذه الجملة لا يريد بها بيان وجوب الصوم؛ لأنه مما عُلِمَ بالضرورة، ولكنه يريد أن يُبَيِّن متى يجب، فذكر أنه يجب بواحد من أمرين:
الأول: رؤية الهلال؛ قال: (بِرُؤْيَةِ هِلَالِهِ) وسيأتي بيان مَنْ تثبت به رؤية هلال رمضان.
وقوله: (بِرُؤْيَةِ هِلالِهِ) مستفاد من قوله صلى عليه وآله وسلم: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا» (٢)، بل من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] أي: من القرآن والسُّنَّة؛ فمن القرآن في قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، ومن السُّنَّة في قوله: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا»، وعُلِم منه أنه لا يجب الصوم بمقتضى الحساب، فلو قرر علماء الحساب المتابعون لمنازل القمر أن الليلة من رمضان، ولكنه لم يُرَ فإنه لا يصام، فلا عمدة على الحساب؛ لأن الشرع علَّق هذا الحكم بأمر محسوس وهو الرؤية.
[ ١ / ٣٢٨٨ ]
الشيء الثاني مما يثبت به دخول رمضان إتمام شعبان ثلاثين يومًا، فإذا كان شعبان قد ثبت وتم ثلاثين يومًا فإنه يجب صوم رمضان في اليوم الحادي والثلاثين؛ لأن الشهر الهلالي لا يمكن أن يزيد على ثلاثين يومًا، ولا يمكن أن يَنْقُص عن تسعة وعشرين يومًا، فهو بين التسعة وعشرين والثلاثين.
(فإن لم يُرَ مع صَحْوٍ ليلةَ الثلاثين أصبحوا مفطرين) (إن لم يُرَ) نائب الفاعل يعود على مَنْ؟
على الهلال.
(مع صَحْوٍ) أي: صحو السماء؛ بأن تكون خالية من الغَيْم، وخالية من القَتَر، خالية من الدخان، خالية من الضباب، من كل مانع يمنع الرؤية ليلة الثلاثين أي: من شعبان أصبحوا مفطرين، حتى وإن كان قد هلَّ في الواقع، ما دام لم يُرَ فإنه وإن كان في السماء وقد هلَّ في الواقع فإنهم يصبحون مفطرين، وفي هذه الحال لا يصومون؛ يعني: أصبحوا مفطرين إما وجوبًا وإما استحبابًا؛ لقول النبي ﵌: «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ إِلَّا رَجَلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ» (٣).
(وإن حال دونه غيم أو قَتَر فظاهر المذهب يجب صومه)، (حال دونه) أي: دون الهلال، أي: دون رؤيته، (غيمٌ أو قَتَر)، الغيم معروف: السحاب، والقَتَر: التراب تحمله الرياح، وكذلك غيرهما مما يمنع الرؤية.
[ ١ / ٣٢٨٩ ]
(فظاهر المذهب يجب صومه) هذه العبارة غريبة من المؤلف؛ لأنه لم يَرِد مثلها في هذا الكتاب، (فظاهر المذهب)، وكأن المؤلف ﵀ يشير إلى أن في المذهب خلافًا قويًّا على خلاف هذا القول، وسيأتي إن شاء الله، (فظاهر المذهب يجب صومه)، يجب صومه وجوبًا ظنيًّا احتياطًا، ما هو قطعيًّا، لماذا لا يكون قطعيًّا؟ لأنه لم يُرَ، وإنما كان احتياطًا، فالوجوب إذن مبنيٌّ على الاجتهاد والظن، لا على اليقين والقطع، فظاهر المذهب يجب صومه، لماذا؟ احتياطًا، كيف يكون احتياطًا؟ لاحتمال أن يكون الهلال قد هَلَّ، ولكن لم يُرَ بواسطة الغيوم أو القَتَر، أو الضباب أو ما أشبه ذلك؛ وحينئذ يكون للناس -في ليلة الثلاثين- حالان:
الحال الأولى: وجوب الصوم.
والثانية: الفطر، متى يكون الفطر؟
إذا كانت السماء صاحية، ويكون الصوم إذا كان عليها غيمٌ أو قَتَر أو نحوهما فظاهر المذهب يجب صومه، وهذا هو المشهور من المذهب المعتمد عند المتأخرين، حتى قال بعضهم: إن نصوص الإمام أحمد ﵀ تدل عليه، أي: على الوجوب واستدلوا -كما قلت لكم- بأن هذا من باب الاحتياط، وبأن ابن عمر ﵄ كان إذا كان ليلة الثلاثين من شعبان وفيه غيم أو قَتَر أرسل من ينظر إلى الهلال، فإن رآه وإلَّا أصبح صائمًا، أصبح هو بنفسه صائمًا، ولا يأمر أهله بالصيام، لكن لورعه وشدة تحريه -﵁- كان يُصبِح صائمًا، إلَّا أننا نعلم أنه لا يرى الوجوب لأنه لم يأمر بذلك أهله.
فصار الفقهاء ﵏ استدلوا لوجوب الصوم بنظر وأثر؛ النظر الاحتياط، لاحتمال أن يكون الهلال قد هلَّ ولكن منعه هذا الحاجب، والأثر أثر ابن عمر ﵁.
ولننظر إلى هذا الاستدلال هل هو صحيح أو لا؟
فنقول: أما الاحتياط فإنما يكون فيما كان الأصل وجوبه، فشككنا في سقوط الوجوب، وأما ما الأصل عدمه، فلا احتياط في إيجابه، هذه واحدة.
[ ١ / ٣٢٩٠ ]
ثانيًا: ما كان سبيله الاحتياط فقد ذكر الإمام أحمد وغير الإمام أحمد فيما أظن أنه ليس بلازم، وإنما هو على سبيل الورع والاستحباب؛ وذلك لأننا إذا احتطنا وأوجبنا فقد وقعنا في غير الاحتياط، من حيث تأثيم الناس بالترك، والاحتياط أن تؤثِّم الناس أو لا تؤثِّمهم؟
طالب: أن لا تؤثِّمهم.
الشيخ: أن لا تؤثِّمهم؛ فلذلك نقول: إن باب الاحتياط إنما يكون فيما الأصل وجوبه، والأصل هنا عدم الوجوب أو الوجوب؟
طلبة: عدم الوجوب.
الشيخ: عدم الوجوب، فتبين ضعف هذا الاستدلال.
أما الأثر -أثر ابن عمر- فلا دليل فيه أيضًا؛ لأن ابن عمر إنما فَعَلَه ﵁ على سبيل الاستحباب لا شك؛ لأنه لو كان على سبيل الوجوب لأمر الناس به، ولو على الأقل أهْله، ولم يأمرهم بذلك، فسقط الاستدلال بهذين؛ بالأثر، وبالنظر.
بقي أن يُقال: هل في المسألة قول آخر؟
نقول: فيها ستة أقوال غير هذا القول، وهذا السابع؛ فمن العلماء من قال: إنه إنه يَحْرُم صومه، على العكس من القول بالوجوب، واستدل هؤلاء بقول الرسول ﵊: «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ» (٣)، وإذا كان لا يصوم صومًا فصام هذا اليوم الذي فيه الشك فقد تقدم رمضان بيوم، وبحديث عمار بن ياسر الذي علقه البخاري ووصله أصحاب السنن: «مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ» (٤)، ولا شك أن هذا يوم يُشَك فيه؛ لوجود، أيش؟ الغيم والقَتَر، وبقول النبي ﵌: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ» (٥)، فقوله: «أَكْمِلُوا الْعِدَّةَ» أمر، والأصل في الأمر الوجوب.
[ ١ / ٣٢٩١ ]
وإذا وَجَب إكمال شعبان ثلاثين يومًا حَرُم الصوم، وهذا القول هو الصحيح، هو الراجح، أنه لا يجوز صومه احتياطًا، وربما نستدل بدليل رابع وهو قوله ﵌: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» (٦) فإن هذا من باب التنطع في العبادة، والاحتياطِ لها في غير محله.
القول الثالث: أن صومه مستحب، وليس بواجب؛ استدلالًا بفعل عبد الله بن عمر.
القول الرابع: أن صومه مكروه، وليس بحرام.
والقول الخامس: أن صومه مباح، وليس بواجب، ولا مكروه، ولا مستحب، كم هذه؟ خمسة، الأحكام الخمسة تجري في هذا؛ الوجوب والتحريم والاستحباب والكراهة والإباحة.
القول السادس: العمل بعادةٍ غالبة، العمل بعادةٍ غالبة؛ يقولون: إذا مضى شهران كاملًان فالثالث ناقص، أو شهران ناقصان فالثالث كامل، هذا الغالب، فيُعمل بالعادة الغالبة، فإذا كان شهر رجب وشعبان ناقصين فرمضان كامل، وإذا كان رجب وجمُادى الثانية ناقصين فشعبان كامل.
والقول السابع: أن الناس تبعٌ للإمام، إن صام صاموا، وإن أفطر أفطروا؛ لقوله ﷺ: «الْفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُ النَّاسُ، وَالْأَضْحَى يَوْمَ يُضَحِّي النَّاسُ» (٧)، والناس يَتْبَعُون إمامهم في هذا.
فهذه أقوال سبعة أصحُّها التحريم، ولكن إذا رأى الإمام وجوب صوم هذا اليوم وأَمَر الناس به فإنه لا تنبغي منابذته، ويحصُل عدم منابذته أن لا يُظْهِر الإنسان فطرَه، فيفطر في هذه الحال سرًّا.
والمسألة الآن كلها ما ثبت الشهر، أما لو حكم ولي الأمر بدخول الشهر فالصوم واجب، لكن الآن لم يثبت دخول الشهر، فهذه سبعة أقوال، وقد عرفتم أدلة كل قول.
[ ١ / ٣٢٩٢ ]
(وإن رُئِيَ نهارًا) (إن رئي) الضمير يعود على الهلال (نهارًا فهو لليلة المقبلة)، وكلام المؤلف في قوله: (فهو لليلة المقبلة) لم يُرِد به الحكم بأنه لليلة المقبلة، بل أراد به رَدَّ قول من يقول: إنه لليلة الماضية، فإن بعض العلماء يقول: إذا رُئِيَ الهلال نهارًا قبل غروب الشمس من هذا اليوم دلَّ ذلك على أنه لليلة الماضية، ومنهم من فصَّل بما إذا رُئِيَ قبل الزوال أو بعده.
ولكن القول الصحيح أنه ليس لليلة الماضية، اللهم إلَّا أن يُرى بعيدًا عن الشمس؛ يعني مرتفعًا عن الشمس كثيرًا، فهنا ربما نقول: إنه لليلة الماضية، إذا قدَّرنا أن بينه وبين مغرب الشمس، يعني: مسافة طويلة، فهذه قد يقال: لليلة الماضية، وأنه لم يُرَ في تلك الليلة لسبب من الأسباب، لكن مع ذلك لا نتيقن هذا الأمر.
ثم إن قوله: (إنه لليلة المقبلة) ليس على إطلاقه أيضًا؛ لأنه إن رُئي تحت الشمس فليس لليلة المقبلة قطعًا، إن رُئي تحت الشمس يعني: أقرب إلى المغرب من الشمس فليس لليلة المقبلة؛ لماذا؟ لأنه سابق لها، والهلال لا يكون هلالًا إلَّا إذا تأخر عن الشمس، فمثل: لو رأيناه قبل غروب الشمس بنصف ساعة، ووجدناه -أي الهلال- قد بقي عليه ربع ساعة أو عشر دقائق والشمس بقي عليها نصف ساعة فهنا قطعًا لا يكون للمقبلة؛ لماذا؟ لأنه سيغيب قبل أن تغرب الشمس، وإذا غاب قبل أن تغرب الشمس فلا عبرة برؤيته؛ إذ إن العبرة بالرؤية رؤيته بعد الغروب متخلفًا عن الشمس، هذا العبرة.
[ ١ / ٣٢٩٣ ]
ثم قال: (وإذا رآه أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم)، (إذا رآه): أي الهلال، (أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم)، والمراد بالأهل هنا: من تثبت به رؤيته، فهو عامٌّ أُريد به الخاص، فليس المراد به أن جميع أهل البلد من صغير كبير وذكر وأنثى يراه، المراد إذا ثبتت رؤيته بمكان من بلاد المسلمين لزم الناس كلهم الصوم في مشارق الأرض ومغاربها، وشمالها وجنوبها؛ لقول النبي ﵌: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» (٨). والخطاب موجه لعموم الأمة، فيُصام للرؤية، ويُفطَر للرؤية في جميع أقطار الأرض؛ لأنه خطاب عام، «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ»؛ ولأن ذلك أقرب إلى اتحاد المسلمين، واجتماع كلمتهم، وعدم التفرق بينهم بحيث يكون هؤلاء صائمين وهؤلاء مفطرين، هؤلاء مُعَيِّدين وهؤلاء صائمين، ففيه تفريق للأمة، وإذا اجتمعوا فصار يوم صومهم واحدًا ويوم فطرهم واحدًا كان هذا أقوى في الاتحاد، واجتماع الكلمة.
ففيه إذَن دليل أثري ودليل نظري معنوي؛ الأثري قوله: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأْفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ»، والنظري: أن فيه اجتماع كلمة المسلمين واتحادهم، وهذا أمر يَنْظُر إليه الشرع نظر اعتبار، وعلى هذا فإذا ثبتت رؤيته في أقصى المغرب، بل في أمريكا وجب على أهل الصين أن يصوموا مع تباعد ما بين المطالع، فإن مطالع الهلال في أمريكا ومطالعه في أقصى الشرق متباعدة جدًّا لكن مع ذلك يجب الصوم لما سمعتم من الدليل الأثري والدليل النظري.
وقال بعض أهل العلم: لا يجب إلَّا على مَنْ رآه أو كان في حكمهم، من رآه أو كان في حكمهم، ومن هو الذي في حكمهم؟ مَن وافقت مطالع الهلال عنده مطالع الهلال عند مَنْ رآه، فإذا اتفقت المطالع فإنه يجب الصوم، وإذا اختلفت لم يجب.
[ ١ / ٣٢٩٤ ]
قال شيخ الإسلام ﵀: تختلف مطالع الهلال باتفاق أهل المعرفة، أهل المعرفة بالفلك وجرائم الشمس والقمر، فإن اتفقت لزم الصوم، وإلَّا فلا، وهذا القول أقوى من الأول وأصح بدلالة الأثر والنظر الصحيح عليه، أما الأثر فلقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ﴿مَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾، والقوم الآخرون الذين لا يوافقون من شهده في المطالع لا يقال: إنهم شهدوه، لا حقيقة ولا حكمًا، والله ﷿ إنما أوجب الصوم على مَنْ شهده، ولقول النبي ﷺ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» فعلَّل الأمر بالصوم بالرؤية، ومن يخالف من رآه في المطالع لا يقال: إنه رآه، لا حقيقة ولا حكمًا.
وأما القياس فإن التوقيت اليومي يختلف فيه المسلمون بالنص والإجماع، التوقيت اليومي إمساكًا وإفطارًا يختلف فيه المسلمون بالنص والإجماع، فإذا طلع الفجر في المشرق فهل يلزم أهل المغرب أن يُمسكوا؟
طالب: لا.
الشيخ: كيف؟ ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ الخطاب للأمة ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، تبيَّن لنا في المشرق، نقول لأهل المغرب: أمسكوا؟
غابت الشمس في المشرق، وأهل المغرب صائمون والوقت عندهم أول النهار، نقول: غربت الشمس فأفطروا؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليش ما نقول؟ أليس إذا دخل هلال شوال ورُئي هلال شوال، وهو وقت في الفطر، على هذا القول اللي هو المذهب يُفطِر الناس جميعًا؟
وإذا رُئِي هلال رمضان أمسك الناس جميعًا؟ يعني: صاموا، أليس كذلك؟ إذن ما الفرق؟
الخطاب واحد موجه للعموم معلق بطلوع الفجر وبغروب الشمس.
[ ١ / ٣٢٩٥ ]
إذن القياس الصحيح أنه كما يختلف المسلمون في الإمساك والإفطار اليومي يجب أن يختلفوا كذلك في الإمساك والإفطار الشهري إذا اختلفت المطالع، وبناء على هذا القول لو رآه أهل المغرب -أي الهلال- ولم يره أهل المشرق لم يلزمهم الصوم، ولو رآه أهل المشرق ولم يره أهل المغرب لزمهم الصوم.
طالب: ما يصير.
الشيخ: كيف ما يصير؟ نعم هو حقيقة ما يصير، متى رآه أهل المشرق والخط واحد فلا بد أن يراه أهل المغرب؛ لأنه إذا رُئي متأخِّرًا عن الشمس في المشرق فإنه لا يزداد في مسير الشمس إلَّا تأخُّرًا، وإذا رُئي خَفِيًّا في المشرق فسوف يُرى في المغرب ظاهرًا قويًّا، ولا يمكن أن يُرى في المشرق ثم يقول أهل المغرب: ما رأيناه، أبدًا، بل إحدى الدَّعْوَيَيْنِ كاذبة، إما أن المشرق لم يروه، وإما أن المغرب قد حُجِب عنهم، أمَّا أن يقول المشرق: رأيناه ثم يقول أهل المغرب: ما رأيناه فهذا لا يمكن، أليس كذلك؟
لكن لو قال أهل المغرب: رأيناه، وقال أهل المشرق: لم نره؟
طلبة: احتمال، يمكن.
الشيخ: صحيح، هذا يمكن.
إذن القول الراجح على هذا أنه إذا اختلفت مطالع الهلال لم يلزم مَنْ خالفت مطالعهم مطالع الرائين أن يصوموا أو أن يُفطِروا.
القول الثالث في المسألة: أن الناس تبعٌ لإمامهم، إذا صام صاموا، وإذا أفطر أفطروا، فإذا كان تبع المملكة أو الإمارة إذا ثبت في بلد الأمير رؤية الهلال لَزِم جميع مَنْ ينتسب لهذا الأمير أن يصوم.
وعلى هذا فلو كانت الخلافة عامة لجميع المسلمين فرآه الناس في بلد الخليفة، ثم حكم الخليفة بالثبوت لَزِم جميع من تحت ولايته في مشارق الأرض ومغاربها يصوم أو يفطر؛ لئلَّا تختلف الأُمَّة وهي تحت ولاية واحدة، فيحصل التنازع والتفرُّق.
[ ١ / ٣٢٩٦ ]
وعَمَلُ الناس اليوم على هذا: أنه إذا ثبت عند ولي الأمر لَزِم جميع من تحت ولايته أن يتبعوا ما ثبت عنده من صوم أو فطر، وهذا من الناحية الاجتماعية قول قويٌّ، وحتى لو صححنا القول الثاني الذي نحكم فيه باختلاف المطالع فينبغي لمن رأى أن المسألة مبنيَّة على اختلاف المطالع ألَّا يُظْهِر مخالفةً لما كان عليه الناس؛ لأن الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس.
طيب، على هذا القول إذا كانت الحد بين الدولتين فاصلًا فقط، كالمراسيم بين الأرضَيْن، أهل القرية الذين في هذا الحكم يلزمهم الصوم، وأهل القرية التي ليس بينها وبينها إلَّا ذراع واحد لا يلزمهم الصوم، بناء على أن المرجع الولاية، لكن الذي تدل عليه الأدلة ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من أن المسألة مبنية على اختلاف المطالع.
وذهب بعض أهل العلم -ولا سيما المتأخرين- إلى أنه يلزم حكم الرؤية كلَّ من أمكن وصول الخبر إليه في الليلة؟ وهذا في الحقيقة يشابه المذهب في وقتنا الحاضر؛ لأنه يمكن وصول الخبر لجميع أقطار الدنيا في أقل من ليلة، هذا القول -في الحقيقة- إنما يختلف عن المذهب فيما لو كانت وسائل الاتصالات مفقودة، فيكون ما يصل إلى الخبر في الليلة يجب أن يصوم، وما لا يصل الخبر إليه إلَّا بعد يوم لا يجب.
فالآن باعتبار المواصلات والاتصالات يمكن أن يصل الخبر في دقيقة، إذا أُعلِم مثلًا في الإذاعة هنا في المملكة يَسْمع الإذاعة الذي في المملكة والذي في خارج المملكة كل من يصل إليه صوت الإذاعة.
قال: (وإذا رآه أهلُ بلد لزم النَّاسَ كُلَّهُم الصَّوْمُ)، أو (لزم النَّاسُ كُلُّهُم الصَّوْمَ)؟
طلبة: الأول: (النَّاسَ).
الشيخ: هل الناس يَلْزمون الصوم، ولا الصوم يلزمهم؟
طلبة: الصوم يلزمهم.
الشيخ: الصوم يلزمهم؟
طلبة: ().
الشيخ: لكن ما اللازم؟ هل الناس يلزمون الصوم ولَّا الصوم يلزمهم؟
طلبة: الصوم يلزمهم.
[ ١ / ٣٢٩٧ ]
الشيخ: إي، الصوم يلزمهم، صحيح، كما نقول: يجب الصوم؛ يعني: يلزم الصوم.
طالب: وإذا قال قائل: يا شيخ، وهذا القياس قياس رؤية الهلال على الإمساك والإفطار غير صحيحة؛ يعني: في المملكة العربية السعودية مثلًا بهذه المملكة عشر أوقات للإمساك والإفطار؛ يعني: في ستة ونصف، ستة مثلًا ونصف ودقيقة، إلى عشر دقائق مع أنه رمضان في يوم واحد.
الشيخ: عمل الناس الآن مبنيٌّ على القول بأن الناس تبع للإمام في مسألة دخول الشهر وخروجه.
الطالب: ().
الشيخ: لا، هذا بالإجماع.
***
() تختلف، قد يُرى في المغرب ولا يُرى في المشرق، وقد يُرى في الشمال ولا يُرى في الجنوب؛ لأن القمر دائمًا متأخر عن الشمس؛ قال الله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ [الشمس: ١، ٢]، بعض العلماء يقول: المعنى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ هذا أول النهار، ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ هذا أول الشهر؛ لأنه في أول الشهر يتلوها، لكن الواقع أن القمر دائمًا يتلو الشمس، دائمًا متأخر عنها، صحيح؟
إي، لكن قد يقول قائل: في آخر الشهر القمر يطلع قبل الشمس.
نقول: هو بسبب تأخره طلع قبلها؛ يعني: هو كل يوم يتأخر كل يوم يتأخر.
الطالب: ما الذي يترتب على هذا؟
الشيخ: يترتب على هذا نفي قول من يقول: إنه لليلة الماضية، فهؤلاء يقولون إذا رُئِيَ الهلال يلزم الإنسان، إذا رُئِيَ الهلال نهارًا يلزم الإنسان؛ لأنه تَبَيَّن اليوم من رمضان.
طالب: إذا رُئِيَ نهارًا فهو لليلة المقبلة.
الشيخ: كلام المؤلف، لليلة المقبلة، فيه مَنْ يَرى أنه لليلة الماضية، وعليه فيجب الإمساك إذا رُئِي في النهار.
الطالب: () أحسن الله إليكم.
الشيخ: ما ندري مَنْ قال، لكنه قول العلماء، لكنه مثلما قلت لكم أنا؛ قلت: حتى كلام المؤلف قوله: (لليلة المقبلة) ليس على إطلاقه.
[ ١ / ٣٢٩٨ ]
طالب: أحسن الله إليكم، بالنسبة إذا رآه أهل بلد لزم الناس الصوم؛ يعني: الذين قالوا: إنهم تبع الإمام، ماذا يجيبون عن قضية ابن عباس ﵁ عندما ..؟
الشيخ: حديث أم الفضل أنها أرسلت مولى لها إلى معاوية، فرجع من معاوية إلى المدينة وقال: إن معاوية أفطر لأنهم رأوا الهلال ليلة الجمعة، قال ابن عباس: أما نحن رأيناه ليله السبت، ولا نزال نصوم حتى نراه، فالفقهاء يجيبون عن هذا بجواب ليس بصواب؛ يقولون: إن ابن عباس لم يعتدَّ بقول الواحد؛ لأنه فِطْر ولا يُعتدَّ بقول الواحد، فهمت؟ ولكنَّ هذا ليس بصحيح والحديث لا يدل على أنه لم يعتدَّ بقول الواحد، بل يدل على أنها لما اختلفت المطالع صار أهل المدينة لا يلزمهم الفطر حتى يروا الهلال.
طالب: () ابن عباس () رضي الله تعالى عنه.
الشيخ: نعم، لكن معاوية لا يخالف ابن عباس في هذا؛ لأنه يوافقه بعلمه وفقهه.
طالب: شيخ، قد يكون الفرق يومًا بين المطالع يُقْبَل من الناس، لكن المشكلة الآن يوجد يومين؛ لأن قد يصوم الناس في المشرق ويجلس بعض أهل المغرب يومين ما صاموا.
الشيخ: لا، هو الغريب أحيانًا أن أهل المغرب يصومون وأهل المشرق يصومون بعدهم بيومين.
الطالب: بالعكس ().
الشيخ: لا بالعكس، الباكستان يتأخرون أحيانًا عنا يومين.
الطالب: والمغرب كذلك.
الشيخ: المغرب لا بأس، المغرب قد يكون.
الطالب: بس يومين يا شيخ، هذا السؤال () أحدهما يكون كاذبًا.
الشيخ: أحدهما يكون كاذبًا الذي يقول: رأيناه في المشرق، والمغرب يقولون: ما رأيناه.
الطالب: () ما صاموا؛ لأنهم ما رأوه.
الشيخ: إذا قال: أهل المشرق رأيناه، وقال أهل المغرب: لم نره، فأحدهما كاذب.
الطالب: هذا الواقع.
الشيخ: لا هذا ما هو بالعكس، هذا الصواب.
الطالب: بس هذا الواقع.
[ ١ / ٣٢٩٩ ]
الشيخ: لأنه إذا رُئي في المشرق لا بد أن يُرى في المغرب، لا بد؛ لأنه إذا كان متأخِّرًا عن الشمس في المشرق فلا يمكن أن يقفز يروح قدامها فلا يُرى، ولهذا تذكرون قبل ثلاث سنوات أننا أفطرنا وكسفت الشمس بعد غروبها، وصار في ضجة كبيرة، قالوا: إفطار السعودية خطأ، لماذا؟ لأن كسوف الشمس سببه أن القمر يحول بينها وبين الأرض، وهذا يقتضي أنها حين غابت عنا غابت بعد القمر، غابت بعد القمر ثم لحقته وكسفت، وصار فيها ضجة كبيرة في الصحف الخارجية، نعم؟ وهذا ما فيه شك، يعني: لا يمكن أن تكسف الشمس بعد الغروب، ثم يُقال: إن الهلال قد هلَّ، أبدًا، مستحيل.
لكن لو قال الإنسان: إن الله على كل شيء قدير، نقول: الله على كل شيء قدير، صحيح، يمكن يجعل الهلال ليلة البدر، القمر ليلة البدر يمكن أن يجعله هلالًا، على كل شيء قدير، لكن كلام العادة والسُّنَّة التي أجراها الله ﷿ أن هذا لا يمكن أن يقال: هَلَّ الهلال ثم تكسف الشمس بعد الغروب.
ولما قال الفقهاء ﵏: إذا وقع خسوف القمر يوم عرفة صلَّى صلاة الكسوف ثم دفع، قالوا: لأن الدفع وقته واسع، والكسوف غير واسع؛ لأنه ربما ينجلي فتفوت الصلاة، لما قالوا هذا قالوا: ويتصور كسوف الشمس والقمر كل وقت والله على كل شيء قدير، فقال شيخ الإسلام: نعم، لا نعارض في قدرة الله، كما أنه يمكن أنه تخرج الشمس في نصف الليل، ولَّا ما يمكن؟ والله على كل شيء قدير، في آخر الزمان تخرج من مغربها، لكن يقول: أجرى الله العادة أنه لا خسوف للقمر إلَّا في زمن الإبدار، ولا كسوف للشمس إلَّا في زمن الاستسرار في آخر الشهر، ولا يمكن أن يقع خسوف القمر في عَرَفَة أبدًا، مستحيل، وتعرفون أظن قبل شهرين عندنا هنا في عُنيزة ().
***
[ ١ / ٣٣٠٠ ]
(ولو أنثى) لأن النبي ﵌ لما أخبره عبد الله بن عمر أنه رآه صام وأمر الناس بالصيام، (ولو أنثى)؛ لأنه خبر ديني فاستوى فيه الذكر والأنثى، كما لو قالت لك الأنثى: غابت الشمس تُفْطِر على قولها.
إذا رآه على المذهب يُصام بأمر ثالث وهو إذا كان في ليلة الثلاثين من شعبان غيم أو قَتَر فإنه يجب أن يُصام، وعليه فيكون صيام رمضان يثبت بواحد من أمور ثلاثة: رؤية هلاله، إكمال شعبان ثلاثين، أن يحول ليلة الثلاثين من شعبان دون رؤيته غيم أو قَتَر.
والصحيح في الثالثة أنه لا يجب صومه، بل لا يجوز صومه؛ لأنه اليوم الذي يُشَكُّ فيه.
إذا رُئي الهلال نهارًا، هل يكون لليلة الماضية أو المقبلة؟
المذهب يقول: إنه لليلة المقبلة ومرادهم أنه ليس لليلة الماضية خلافًا لمن قال: إنه لليلة الماضية، وقد ذكرنا في ذلك تفصيلًا: هل يُرَى تحت الشمس أو فوق الشمس؟ ذكرناه فيما سبق.
إذا رآه أهل بلد فهل يلزم جميع الناس أن يصوموا؟
المذهب: نعم، يلزم جميع الناس أن يصوموا، والصحيح أنه إن اختلفت المطالع لم يلزمهم، وإن اتفقت لزمهم، كما يدل على ذلك الأثر والنظر، وأظن أنَّا بَيَّنَّا الأدلة على ذلك؛ الأثرية والنظرية.
ثم قال المؤلف: (ويُصامُ برؤية عدل ولو أنثى)، (يُصام): نائب الفاعل يعود إلى رمضان، أي: يصوم الناس على التفصيل السابق، (يُصامُ برؤية عدل ولو أنثى)، وبعضهم يعبر: برؤية ثقة وهو أعم.
(برؤية عدل) مَن العدل؟
العدل في اللغة: المستقيم، ضد المعوج، وفي الشرع: من قام بالواجب ولم يَفْعَل كبيرة ولم يُصِرَّ على صغيرة، هذا العدل، مَن قام بالواجب: يعني أدى الفرائض كالصلوات الخمس، ولم يفعل كبيرة ولم يصرَّ على صغيرة؛ وحينئذ نحتاج في هذا التعريف إلى معرفة ما هي الكبائر؛ لأن الكبيرة بمجرد ما يفعلها الإنسان يخرج عن العدالة ما لم يَتُبْ، والصغيرة لا يخرج بمجرد فعلها ما لم يُصِرَّ عليها؛ فما هي الكبيرة؟
[ ١ / ٣٣٠١ ]
من الكبائر النميمة، وهي نقل كلام الناس بعضهم ببعض لقصد الإفساد بينهم، فيأتي إلى شخص ويقول: قال فيك فلان كذا وكذا، مما يؤدي إلى العداوة والبغضاء، هذه النميمة.
وقد ثبت عن النبي ﵌ أنه قال: «لَا يَدْخُلِ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ» (٩)، أي: نمَّام، وثبت عنه أنه كُشِف له عن رجلٍ يُعَذَّب في قبره بالنميمة كما في حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ مَرَّ بقبرين، فقال: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ» (١٠)، فإذا نَمَّ الإنسان مرة واحدة ولم يتب فليس بعدل.
من الكبائر أيضًا الغيبة، وهي: «ذُكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ» (١١) من عَيْبٍ خِلْقي، أو خُلُقي، أو ديني، هذه الغيبة، خِلْقي كأن تقول: هذا الرجل أعور، هذا أنفه مائل، هذا فمه واسع، وما أشبه ذلك، هذا عَيْب خِلْقي.
خُلُقي مثل أن تقول: هذا أحمق، سريع الغضب، عصبي، وما أشبه ذلك.
ديني مثل أن تقول: مُتَهاوِن بالصلاة، لا يَصِلُ رحمه، لا يَبَرُّ بوالديه، وما أشبهها، هذه الغيبة «ذُكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ» في غَيْبته ولَّا في حضوره؟
في غَيْبته؛ ولهذا تسمى غِيبة فِعْلَة، من الغَيْب، أما في حضرته، فلا تُسَمَّى غِيبة وإنما تُسَمَّى سبًَّا وشتمًا؛ ولهذا قال النبي ﵊: «إِنِ امْرُؤٌ سَابَّهُ»؛ يعني: الصائم «سَابَّهُ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» (١٢).
رجل اغتاب شخصًا في المجلس، نقول: إنه خرج عن العدالة ما لم يتب من ذلك، هذا هو العدل.
[ ١ / ٣٣٠٢ ]
يقول الفقهاء أيضًا -يزيدون على ذلك-: ولم يخالف المروءة، فإن خالف المروءة فإنه ليس بعَدْلٍ، ومَثَّلوا لذلك بمن يأكل في السوق، ومَثَّلوا لذلك أيضًا بمن يَتَمَسْخَر بالناس؛ يقلِّد أصواتهم وما أشبه ذلك؛ قالوا: هذا ساقط المروءة فيكون ساقط العدالة.
وظاهر كلام أحمد فيمن ترك الوتر: أنه رجل سوء لا ينبغي أن تُقْبَل له شهادة، أنَّ مَنْ ترك عبادة مؤكدة فإنه تَسْقُطُ عدالته، ولكن ينبغي أن يقال: إن الشهادة في الأموال ليست كالشهادة في الأخبار الدينية؛ في الأموال ينبغي أن نُشَدِّد، لا سيما في وقتنا هذا؛ فما أكثر الذين يشهدون زورًا، لكن في الأخبار الدينية يَبْعُد أن الإنسان يكذب فيها إلا أن يكون هناك مُغريات توجب أن يكذب، مثلما يقال: إنه في بعض الدول إذا شهد شخص بدخول رمضان أعطَوْه مكافأة، أو بشهادة شوال أعطوه مكافأة، هذه ربما تُغْرِي ضعيف الإيمان فيشهد بما لم يرَ.
يُشْتَرط مع العدالة -وهي قد فاتت المؤلف ﵀- أن يكون قويَّ البصر بحيث تَصْدُق دعوى أنه رآه، فإن كان ضعيفَ البصر فإنه -وإن كان عدلًا- لا تقبل؛ لأنه إذا كان ضعيف البصر وهو عدل فإننا نعلم أنه متوهم، لكن لعدالته خاف أن يتعلق بذمته شيء فشهِد بما هو متوهم فيه، أليس كذلك؟
لهذا لا بد مع العدالة من قوة البصر بحيث يحتمل صدقُه فيما ادَّعاه، وإلَّا فلا، فلو جاءنا رجل أعمش ضعيف البصر لكنه عَدْل في دينه لا يُخِلُّ بواجب ولا ينتهك محرمًا وقال: لقد رأيت الهلال، قلنا: هات غيرك، قال: تقدح في ديني؟ ماذا أقول له؟
لا، صَوْمُ الناس، خَفْ ربك، يقول للقاضي: خَفِ الله، فيقول له: أنا أشك في إدراكك لهذا، أقدح في رؤيتك، ولا مانع، وإن شاء أن يختبره اختبره، فيضع له علامة في الجدار يكون بينه ويبنها كما بيني وبين الجدار كم أرى؟ ثلاثة متر، علامة كبيرة، علامة استفهام، يقول ما هذه؟ فيقول: هذا رقم تسعة. هل يكون هذا ثقة؟
[ ١ / ٣٣٠٣ ]
لا ما هو ثقةً، فلا نقبله وإن كان عدلًا في دينه، وعندنا في ذلك دليل من القرآن وهو أن الله ﷿ جعل القوة والأمانة من مُسَوِّغَات إجراء ما يترتب على العمل، ففي قصة موسى مع صاحب مَدْيَن؛ قالت إحدى ابنتيه: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]، وقال العفريت من الجن الذي التزم أن يأتي بعرش ملكة سبأ قال: ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل: ٣٩]، فهذان الوصفان رُكْنان في كل عمل، ومنها الشهادة.
إذن نقول: برؤية عدل، فات المؤلف أن يقول: قويّ البصر، لكن لو أراد شخص أن يعتذر عن المؤلف ويقول: إن العدل إذا كان ضعيفَ البصر فلا يمكن أن يشهد بما لم يره، ما تقولون؟
نقول: لا هذا ليس بعذر؛ لأن العدل إذا تَوَهَّم وتَخَيَّل أنه رأى الهلال فسوف يُصِرُّ على أنه رآه؛ لما عنده من الدِّين الذي يرى أنه من الواجب عليه أن يبلِّغ لأجل أن يصوم الناس أو يُفْطِر الناس، فلا بد من إضافة قوي البصر.
قال: (ولو أنثى) قوله: (لو) غالبًا ما تأتي إشارة للخلاف، والمسألة كذلك في هذا.
قوله (ولو أنثى) إشارة خلاف؛ فإن بعض العلماء يقول: الأنثى لا تُقبل شهادتُها في رؤية الهلال، رمضان ولا غيره؛ لأن الذي رأى الهلال في عهد رسول الله ﷺ رجل فلا يُقبل إلَّا الرجال؛ ولأن النبي ﵌ قال: «فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فُصُومُوا وَأَفْطِرُوا» (١٣)، شاهدان، والمرأة شاهدة، وليست شاهدًا.
ولكن الفقهاء ﵏فقهاء المذهب- يقولون: إن هذا خبرٌ دينيٌّ يستوي فيه الذكور والإناث، كما استوت الذكور والإناث في الرواية، والرواية خَبَرٌ ديني، فكذلك الخبر برؤية الهلال؛ ولهذا لم يشترطوا لرؤية هلال رمضان ثبوت ذلك عند الحاكم، ولا لفظ الشهادة، بل قالوا: لو سمع شخصًا ثقة يحدث الناس في مجلسه: إنه رأى الهلال فإنه يلزمه أن يصوم بخبره.
[ ١ / ٣٣٠٤ ]
وهذه المسألة تحتاج إلى تحرير؛ يعني كون الإنسان إذا سمع شخصًا يُخبِر بأنه رأى هلال رمضان فإن يلزمه الصوم؟ هذه تحتاج إلى نظر؛ لأنه لا بد أن تُضبط الأمور ويقال: لا بد أن يذهب هذا الشاهد إلى الحاكم ليحكم برؤيته.
قال: (فإن صاموا بشهادة واحدٍ ثلاثين يومًا، فلم يُرَ الهلالُ، أو صاموا لأجل غَيْمٍ لم يُفْطِروا)، (إن صاموا) أي: الناس (بشهادة واحد) أي: في دخول شهر رمضان، ولم يُرَ الهلال حينها أتموا ثلاثين فإنهم لا يفطرون، بل يصومون واحدًا وثلاثين يومًا، فإن لم يُرَ الهلال صاموا اثنين وثلاثين يومًا.
طلبة: ().
الشيخ: بلى، كيف.
طالب: ().
الشيخ: كيف؟
الطالب: ().
الشيخ: طيب، ربما يكونوا أخطؤوا في شعبان.
الطالب: ().
الشيخ: يكون فيه خطأ في شعبان يوم، وفي دخول رمضان يوم.
طلبة: يومين.
الشيخ: هذان يومان، على كل حال، إذا صاموا بشهادة واحدٍ ثلاثين يومًا ولم يُرَ الهلال، وجب عليهم واحدًا وثلاثين يومًا، لماذا؟ لأنه لا يثبُت خروج الشهر إلَّا بشهادة رجلين، وهنا الصوم مبنيٌّ على شهادة رجل، فهو مبنيٌّ على سببٍ لا يثبُت به خروجُ الشهر.
الآن الصيام ثابت بشهادة واحد، والإفطار لا يثبُت إلا بشهادة اثنين إذن لا تُفْطِر؛ يعني: إذا أفطرت فقد بَنَيْتَ على شهادة واحد، هذا هو المشهور من المذهب، وعرفتم التعليل.
وقال بعض أهل العلم: بل إذا صاموا ثلاثين يومًا بشهادة واحد لزمهم الفطر؛ لأن الفطر هنا تابع للصوم ومبنيٌّ عليه، والصوم ثبت بطريق شرعيٍّ مقبول، ويثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا، فشهادة شوال لا تُقبل إلَّا برجلين لكن لما ثبت دخول شهر رمضان شرعًا كان دخوله مبنيًّا على أصل شرعي، فيكون خروجه مبنيًّا على هذا الأصل تبعًا، ويثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا.
[ ١ / ٣٣٠٥ ]
وهذا القول هو الصحيح أنهم إذا صاموا بشهادة واحد ثلاثين يومًا لزمهم الفطر؛ لأن الشهر لا يمكن أن يزيد على ثلاثين يومًا، كذلك إذا صاموا لأجل غيم فإنهم لا يفطرون، وهذا الذي قالوه نوافقهم عليه؛ لأن صيامهم في أول الشهر ليس مبنيًّا على بَيِّنَة، وإنما هو احتياط، كما ذكروا أنه يصومه احتياطًا حكمًا ظنيًّا؛ وعلى هذا فإذا صاموا لأجل غيم لم يفطروا لو صاموا ثلاثين يومًا، وعلى القول الصحيح: هل تأتي هذه المسألة؟
طلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟ لأنهم لن يصوموا لأجل الغيم، فهذه المسألة إنما تتأتى على قول مَنْ يُلزِمُهم بالصيام يوم الغيم.
طالب: قال بعض العلماء: يجوز شهادة رجل غير عدل في الصيام وفي () لا يجوز؛ لأن هذا الرجل غير عدل عنده تهاون في الواجبات، وإذا قال ()، وإذا قال () عنده تهاون في الواجبات ()، فما تقول في قول هذا؟
الشيخ: أقول: ليس بصحيح.
الطالب: ()؟
الشيخ: نعم، غير صحيح؛ لأنه حتى وإن كان غير عدل يمكن يريد أن يُضِرَّ الناس فيشهد.
الطالب: ().
الشيخ: هو يأكل أو ما يأكل.
طالب: شيخ لو أن إنسانًا فاعلًا كبيرة، ثم رأى الهلال، فهل يجب أن يخبرهم أنه فعل كبيرة أو يمكن أن يشهد؟
الشيخ: ما تقولون؟ سؤال: يقول إذا كان الإنسان غير عدل فاعل كبيرة ورأى الهلال، فهل يلزمه أن يخبر القاضي بأنه فعل كبيرة ليرد شهادته، أو يسكت ويجعل الحاكم يحكم بالظاهر؟
طلبة: يسكت.
طالب آخر: يشهد.
الشيخ: يُخبر، يفضح نفسه؟ !
طلبة: ().
الشيخ: لا، يتوب ويبلِّغ.
الطالب: () يُخبر عن نفسه ().
الشيخ: إي نعم، هذا إن حصل فطيب، يعني: لو فرضنا إنسانًا مبتلى بشرب الخمر -والعياذ بالله- ويعرف أنه ما هو براح يترك الخمر، لكنه رأى الهلال قطعًا، فهل يلزمه أن يُخبر؟ فيجيء القاضي يقول: يا حضرة القاضي، لقد رأيت الهلال يقينًا، وأنا أشرب الخمر؟
طالب: أحسن الله إليكم، نلزمه أنه يصوم.
[ ١ / ٣٣٠٦ ]
الشيخ: إي، ما يخالف، هو يمكن يصوم، لكن الكلام على أنه هل يشهد عند القاضي ولَّا لا؟
طالب: () القاضي ما فيه فائدة؛ لأن القاضي لا ().
الشيخ: لا، هو إن أخبر القاضي ما هو بقابل شهادته، لكن هل يلزمه أن يُخبر أو يقول: أنا تيقنت الآن إني رأيت الهلال، هو إذا حصل أن يتوب إلى الله ويُخبر، هذا هو الواجب، لكن إذا لم يحصل فالظاهر لي أنه يَلْزَمه أن يخبر، ما هو بأنه يشرب الخمر، يلزمه أن يخبر بأنه رأى الهلال، ولا يُخبِر بأنه شارب الخمر؛ لأن الأحكام تتبعض.
طالب: ().
الشيخ: ما يمكن ().
الطالب: ترائي الهلال () هل يؤثر على ()؟
الشيخ: لا، يقول: ترائي الهلال في الصباح يوم الثلاثين أو التاسع والعشرين هل يؤثر؛ يعني: هل نستفيد؟
لا نستفيد منه من حيث ثبوت دخول الشهر، لكن نستفيد منه من حيث أنه يُقرِّب أن يُرى الليلة أو لا يُرى؛ فمثلًا إذا رُئي رفيعًا فهذا يبعد أن يُرى، لكن إذا لم يُرَ فإن الناس يزداد تحرِّيهم له بعد الغروب.
طالب: أحسن الله إليكم () استعمال النظارات، هل تقبل رؤيتهم بالعين المجردة هكذا؛ () نظارات () مكبر؛ ميكروسكوب ولَّا؟
الشيخ: إي، معناه: أنه قَوِيَ النظر.
الطالب: إي، لكن يلبس نظارت.
الشيخ: إي ما يخالف؛ يعني: بواسطة؟
الطالب: بواسطة.
الشيخ: ما في بأس، أنا أذكر لما كان ما فيه أنوار كهرباء كان الناس يصعدون على المناير ومعهم مكبر النظر، إي نعم ما فيه شيء؛ ولهذا نرى أن هذا حجة في استعمال مراصد، لكن المراصد أنا أرى أنه يُعمل بها في ردِّ شهادة مَنْ شَهِد ولم يُرَ في المرصد، لا في إثبات الهلال إذا لم يَرَه أهل الأرض؛ يعني: مثلًا لو جاءنا إنسان في الأرض قال: أنا رأيت الهلال قطعًا، وأهل المرصد عدول ثِقات يقولون: ما رأيناه، بل رأيناه قد غاب قبل الشمس؛ لأن المرصد يمشي مع القمر، فهل نَرُدُّ شهادة هذا الرجل؟ نعم، أنا أرى أنه يجب أن تُرَد؛ لأنه كذَّب الواقع.
[ ١ / ٣٣٠٧ ]
لكن لو قال أهل المرصد: رأينا الهلال، ولكن أهل الأرض لم يروه فلا عبرة بالمرصد؛ لأن قول الرسول «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ» (١٤) يعني: الرؤيا المعتادة.
***
طالب: () شيخ لو ثبت دخول شهر رمضان بعدلين، فهل () الثلاثين أو لا؟
الشيخ: لا، يُفطرون.
الطالب: الذين قالوا: إنه إذا ظهر الهلال في بلد ولم يظهر في الآخر لم يلزمهم الصوم واستدلوا بالليل والنهار، قالوا: يكون أهل البلد الصائمون () هؤلاء صائمون، شيخ، ما نرد عليهم ونقول: إن الاختلاف القمري أوسع من الاختلاف الشمسي؛ الاختلاف الشمسي يكون دقائق، لكن الاختلاف القمري يكون أكبر.
الشيخ: لا، نفس الشيء، دقائق.
الطالب: هذا الاختلاف ما هو اختلافًا شهريًّا.
الشيخ: لا، دقائق؛ لأن هذا مُقَيَّد بالغروب ويكون يومًا كاملًا، لكن هو دقائق؛ يعني: يمكن يغيب عن أهل المشرق قبل الغروب بدقيقة، ويتأخر عن أهل المغرب بعد الغروب بدقيقة فيُرى.
طالب: لكن هذا مثلًا بشهر.
الشيخ: لا، ما هو بشهر، هذا يوم، الفرق يوم؛ لأن هذا اليوم موقت برؤية الهلال عند الغروب، إنما نفس الهلال يتأخر عن هؤلاء بدقيقة أو دقيقتين.
الطالب: وأيضًا يا شيخ نفس الصائمون يكونون مشتركين في اليوم؛ يعني: مثلًا هؤلاء مثلًا بينهم دقيقة ().
الشيخ: ما يهم، كله واحد، ما فيه شيء، هذا غير مؤثر، كونهم يشركون في اليوم، وإذا لم تغيب الشمس قبل أن يصوموا ما يؤثر.
طالب: مَنْ عرَّف الكبيرة بأنها ما حُدَّ لها عقوبةٌ دنيوية يترتب على فعلها عقوبة دنيوية ..
الشيخ: عقوبة دنيوية أو أخروية.
طالب: يعني هل ..؟
الشيخ: هذا حَدُّ لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وبعضهم قال: ما فيه حَدٌّ في الدنيا أو وعيد في الآخرة واقتصر على ذلك، وبعضهم قال: ما فيه حَدٌّ في الدنيا أو وعيد في الآخرة أو ترتيب لعنة أو غضب أو نَفْي إيمان فجعلها خمسة.
[ ١ / ٣٣٠٨ ]
وبعضهم عدَّها عدًّا: الزنا، الربا، السرقة، وحَدَّ وعَدَّ، لكن ما ذكره الشيخ وجيه؛ كل ما رُتِّبَ عليه عقوبة خاصة فهو كبيرة؛ لأنه يتميز عما نُهي عنه نهيًّا مجرَّدًا.
طالب: ينبغي لنا أن نتراءى الهلال بالمكبرات؟
الشيخ: بالميكروفونات؟ !
الطالب: بمكبرات النظر.
الشيخ: إي نعم، لا بأس.
الطالب: يعني: مطلوب يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم، مطلوب.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- بالنسبة لمستور الحال ()؟
الشيخ: المذهب لا يقبلون مستور الحال في هذه المسألة، في بعض المواضع يقبلون مستور الحال، لكن في هذه لا يقبلون.
طالب: ().
الشيخ: والله الذي يظهر لي أن القاضي إذا وثق بالرجل ما يحتاج للبحث عن عدالته.
طالب: () يجب عليه الشهادة؟ تاب، هل يجب عليه أن يشهد عند القاضي؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ().
الشيخ: يقول: إذا رأى الهلال وقد فعل كبيرة ثم تاب، فهل يلزمه أن يبلغ القاضي؟
نقول: يجب، نعم يلزمه.
طالب: لكنه غير عَدْل، واشتراط العدالة؟
الشيخ: العدالة عند الأداء.
طالب: ().
الشيخ: لا، ما هو عند التحمل، عند الأداء؛ ولهذا لو تَحَمَّل الشهادة وهو فاسق، ثم أدَّاها وهو عَدْل قُبِلْ، بل لو تَحَمَّل الشهادة وهو كافر ثم أسلم فإنه يُقبَلْ.
طالب: بالنسبة للعدالة ().
الشيخ: إي هذه المشكلة.
الطالب: فإن بعض الناس ().
الشيخ: ويش تقولون في هذا؟ هذا حق أن ننبه عليه.
الطالب: ().
الشيخ: يقول: لو قلنا بهذا القول ما وجدنا أحدًا عدلًا، مَن يَسلَم من الغِيبة؟ مَن يَسلَم من السخرية بالناس؟ مَن يَسلَم من التهاون في الواجبات؟ مَن يَسلَم من أكل المحرَّم؟ ما أكثر الذين يتخلفون عن الواجب في الوظائف، يتأخر في الحضور أو يتقدم في الخروج، وما أكثر الذين يقولون في إخوانهم ما لا يرضَون، مشكلة هذه، ويشرب الدخان ويحلق اللحية.
[ ١ / ٣٣٠٩ ]
فيه بعض الناس يحلق اللحية ويشرب الدخان ويشرب الخمر، لكن لا يمكن أن يشهد إلَّا على حق، أبدًا، هذا شيء مُشاهَد؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فجعل المسألة راجعة إلى ما يرضاه الناس، والصحيح في هذه المسألة أنه يُقْبَل مِنْ شهادة الفاسق ما يترجح أنه حَقٌّ وصدق؛ لأن الله لم يأمرنا بِرَدِّ شهادة الفاسق، قال: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] تثبَّتوا، فهذا هو الصحيح.
***
طالب: الحمد لله رب العالمين، وأُصَلِّي وأسلِّم على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: وإن صاموا بشهادة واحدٍ ثلاثين يومًا، فلم يُرَ الهلال، أو صاموا لأجل غيم لم يُفْطِروا، ومن رأى وحده هلال رمضان ورُدَّ قولُه أو رأى هلال شوال صام، ويلزم الصومُ لكل مسلم مكلَّف قادر، وإذا قامت البينة في أثناء النهار وجب الإمساك والقضاء على كل مَنْ صار في أثنائه أهلًا لوجوبه، وكذا حائض ونفساء طَهُرَتَا ومسافر قَدِمَ مُفْطِرًا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق أن الناس يلزمهم الصوم على المشهور من المذهب بواحد من أمور ثلاثةٍ:
الأول: رؤية الهلال.
والثاني: إكمال شعبان ثلاثين.
والثالث: أن يحول دون منظره ليلة الثلاثين من شعبان غيم أو قَتَر.
أمَّا الأول والثاني فصحيح، وأما الثالث فلا، الصواب: أن الثالث إذا حال دون منظره غَيْمٌ أو قَتَر فإنه لا يجب الصوم، بل يحرُم، وبناءً على ذلك إذا صاموا من أجل الغيم وأتموا ثلاثين، فما الحكم؟
طالب: إن صاموا من أجل الغيم وأتمَوا ثلاثين فإنهم يصومون.
الشيخ: يفطرون أو لا؟
الطالب: يفطرون.
الشيخ: بناء على؟
الطالب: على الصحيح ().
الشيخ: على الصحيح.
[ ١ / ٣٣١٠ ]
طالب: () حفظكم الله () يصومون واحدًا وثلاثين؛ لأنهم ().
الشيخ: إذن لا يبنون على الصوم الأول، إذا صاموا ثلاثين من أجل الغيم ولم يُرَ الهلال أتمُّوا.
الطالب: واحدًا وثلاثين.
الشيخ: يعني: استمروا في الصوم.
إذا صاموا بشهادة واحدٍ ثلاثين يومًا، على المذهب؟
الطالب: لا يفطرون.
الشيخ: لا يفطرون، لماذا؟
الطالب: قالوا: لأن ..
الشيخ: دخول شوال لا يثبت؟
الطالب: لا يثبت إلَّا بشهادة إلَّا باثنين.
الشيخ: نعم، إلَّا باثنين، ودخول رمضان ثبت بواحد فلا يُبنى عليه، وهل هناك قول آخر؟
طالب: ().
طالب آخر: () على تحريم صيام يوم ..
الشيخ: لا، هل هناك قول آخر أنهم إذا أتموا ثلاثين بشهادة واحد يُفطرون؟
الطالب: نعم.
الشيخ: فيه قول، ما حجة هذا القول؟
الطالب: الذين قالوا ().
الشيخ: لأنهم يفطرون، الذين قالوا: لا يفطرون عرفنا.
الطالب: نعم يقولون: ().
الشيخ: نعم.
الطالب: يدخل في () ما لا يثبت بالاستقلال ().
الشيخ: ودخول رمضان ثابت شرعًا؟
الطالب: بشهادة واحد ().
الشيخ: تمام، صحيح، وهذا القول هو الصحيح.
ثم انتقل المؤلف إلى مسألة أخرى مهمة؛ (وَمَنْ رأى وَحْدَه هلالَ رمضانَ ورُدَّ قولُه) (وَحْدَه) أي: منفردًا عن الناس، سواءٌ كان منفردًا بمكان أو منفردًا برؤية.
مثال المنفرد بمكان: أن يكون الشخص في برية ليس معه أحد فيرى الهلال، ويذهب إلى القاضي فيَرُدُّ قوله؛ إما لجهالته بحاله، أو لغير ذلك من الأسباب هذا انفرد بالمكان، أو انفرد بالرؤية؛ بحيث يجتمع معه ناس يتراءَون الهلال فيراه هو ولا يرونه، فهذا أيضًا رأى وحده هلال رمضان منفردًا بالرؤية لا بالمكان، لكن رُدَّ قوله.
[ ١ / ٣٣١١ ]
يقول المؤلف: (صَامَ)، (صام) يعني: لزمه الصوم؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وهذا الرجل قد شَهِدَ الشهر فوجب عليه أن يصوم؛ ولقول النبي ﵌: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» (٨)، وهذا الرجل رآه فوجب عليه الصوم، وفي لفظ: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا» وهذا الرجل رآه فيلزمه الصوم، وهل يلزمه الصوم فقط أو كل ما يترتب على دخول الشهر؟
كل ما يترتب على دخول الشهر؛ لأنه رآه، فيلزمه الصوم.
المسألة الثانية: (أو رأى هلالَ شوالٍ) يعني: وحده، إذا رأى هلال شوال فإنه يصوم، والفرق بينهما أن هلال شوال لا يثبت إلَّا بشاهدين، لا يثبت شرعًا إلَّا بشاهدين، وهنا لم يشهد به إلَّا واحد، فلا يكون داخلًا شرعًا، فيلزمه الصوم مع أنه رآه، رأى الهلال بعينه وتأكَّد.
نقول: يلزمه الصوم، والتعليل: لأنه لا يَثْبُت دخول شوال إلَّا بشاهدين، وإذا شهد واحد لم يثبت دخوله شرعًا.
وقال بعض العلماء: بل يجب عليه الفِطر سِرًّا، إذا رأى وحده هلال شوال، يجب عليه أن يُفْطِر سِرًّا؛ لماذا؟ لقول النبي صلى الله عليه وآلهوسلم: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا» (١٤) وهذا الرجل قد رآه، ولقوله: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» وهذا الرجل قد رآه، فيلزمه الفطر، ولكن يلزمه ذلك سرًا؛ لئلا يُعْلِن مخالفة الجماعة، لئلا يُعلن مخالفة الجماعة.
واختار شيخ الإسلام ﵀ في هاتين المسألتين أنه يَتْبَعُ الناس وأنه لو رأى وحده هلال رمضان لم يلزمه الصوم؛ لأن الهلال: ما هَلَّ واستهل واشتهر، لا ما رُئِي، وعلى هذا -على رأي الشيخ ﵀- يلزم هذا الرجل أن يصوم كما قال المؤلف، لكن كلامنا نريد على رأي الشيخ في مسألة رؤية رمضان لا يلزمه أن يصوم.
[ ١ / ٣٣١٢ ]
ويَلْزَمُ الصومُ لكلِّ مُسلمٍ مكَلَّفٍ قادرٍ. وإذا قامت البَيِّنَةُ في أثناءِ النهارِ وَجَبَ الإمساكُ والقضاءُ على كلِّ مَن صارَ في أثنائِه أَهلًا لوُجوبِه، وكذا حائضٌ ونُفَسَاءُ طَهُرَتَا، ومسافرٌ قَدِمَ مُفْطِرًا، ومَن أَفْطَرَ لكِبَرٍ أو مَرَضٍ لا يُرْجَى بُرْؤُه أَطْعَمَ لكلِّ يومٍ مِسكينًا،
فيلزمه الصوم مع أنه رآه، رأى الهلال بعينه وتأكد، نقول: يلزمه الصوم، والتعليل: لأنه لا يثبت دخول شوال إلا بشاهدين، وإذا شهد واحد لم يثبت دخوله شرعًا.
وقال بعض العلماء: بل يجب عليه الفطر سرًّا إذا رأى وحده هلال شوال، يجب عليه أن يفطر سرًّا لماذا؟ لقول النبي ﵌: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا» (١)، وهذا الرجل قد رآه، ولقوله: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» (٢)، وهذا الرجل قد رآه، فيلزمه الفطر، ولكن يلزمه ذلك سرًّا؛ لئلا يُعلن مخالفة الجماعة.
واختار شيخ الإسلام ﵀ في هاتين المسألتين أنه يتبع الناس، وأنه لو رأى وحده هلال رمضان لم يلزمه الصوم؛ لأن الهلال ما هلَّ واستهل، واشتهر، لا ما رُئي، وعلى هذا -على رأي الشيخ ﵀- يلزم هذا الرجل أن يصوم وكما قال المؤلف، لكن كلامنا نريد على رأي الشيخ في مسألة رؤية رمضان، لا يلزمه أن يصوم إذا رأى وحده هلال رمضان ورد قوله.
وهنا المؤلف -﵀- يقول في هلال رمضان: (ورد قوله)، ولم يقل في هلال شوال (ورد قوله)؛ لأن هلال شوال لا يثبت به دخول الشهر مطلقًا حتى لو قُبل، وقيل له: أنت رجل عدل، ونصدقك بأنك رأيته فإنه لا يعتبر، بخلاف رمضان.
[ ١ / ٣٣١٣ ]
والخلاصة الآن ليتضح المقال: دخول رمضان يثبت بشهادة الواحد، ودليله حديث ابن عمر: أخبرت النبي صلى الله عليه أني رأيته، فصام، وأمر الناس بصيامه (٣)، هلال شوال وغيره من الشهور لا يثبت إلا بشاهدين؛ لقول النبي ﵌: «فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا» (٤)، فقال: «إِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا»، ومثل ذلك أيضًا دخول شهر ذي الحجة، لو رأى الإنسان وحده هلال ذي الحجة، فهل يثبت دخول الشهر؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، وعلى هذا فلو وقف هذا الرجل بعرفة في اليوم التاسع عنده الذي هو الثامن عند الناس، فإن ذلك لا يجزئه، ولو أراد أن يصوم في اليوم التاسع عنده الذي هو الثامن عند الناس بنية أنه من عرفة، فإن ذلك لا يجزئه عن عرفة. وفي اليوم التاسع عند الناس الذي هو العاشر عنده، هل يجوز أن يصومه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، يجوز؛ لأنه وإن كان عنده حسب رؤيته العاشر، لكنه عند الناس التاسع، لم يثبت شرعًا دخول شهر ذي الحجة بشهادة هذا الرجل، وعلى هذا فإذا وقف في اليوم العاشر عنده، وهو التاسع عند الناس أجزأه الوقوف.
والذي يظهر لي في مسألة الصوم ما ذكره المؤلف -﵀- أنه يصوم سرًّا، أما في مسألة الفطر فإنه لا يفطر، وهذا من باب الاحتياط، نكون احتطنا في الصوم، واحتطنا في الفطر، ففي الصوم قلنا له: صُم، وفي الفطر قلنا له: لا تفطر، صُم؛ لأنك وإن رأيته فإن الاحتياط ألا تفطر، تبعًا لمن؟ تبعًا للجماعة، هذا عندي أقرب، مع أن المسألة تحتاج إلى نظر، أما شيخ الإسلام ﵀ فقال: المعتبر ثبوته شرعًا لا عبرة برؤيته؛ لأن الهلال هو ما استهل وظهر وبان، وأما أن ينفرد برؤية رجل فهذا لا ينبني عليه حكم.
ثم قال المؤلف مبينًا من يلزمه الصوم: (يلزم الصوم لكل مسلم مكلف قادر)، يلزم الصوم لكل مسلم وضده؟
طلبة: الكافر.
[ ١ / ٣٣١٤ ]
الشيخ: الكافر، فالكافر لا يلزمه الصوم، بل لو صام لم يجزئه، ولم يصح منه، والله أعلم.
طالب: () رؤية، ما هو احتياط أنه يصوم؟ لأن اليوم العاشر يوم العيد ().
الشيخ: نعم.
الطالب: نفرض عليه الصيام؟
الشيخ: بلى، لكن ما صار يوم العيد.
الطالب: ().
الشيخ: إي نعم؟
الطالب: عنده احتياط، ما هو الأولى أنه ما يصوم احتياطًا؟ لأن اليوم العاشر عيد عنده.
الشيخ: يقول: إذا رأى هلال ذي الحجة وصار عنده اليوم العاشر، فلماذا لا نقول: إنه يحتاط ولا يصوم؛ لأنه يوم عرفة؟
نقول: لأن دخول الشهر لا يثبت شرعًا إلا بشاهدين، أما رمضان فلأن دخول الشهر يثبت بشاهد واحد، فلهذا نقول: إذا رأيت هلال رمضان فصم.
طالب: جزاك الله خيرًا، طيب إن احتطنا يا شيخ.
الشيخ: نعم.
طالب: () هلال شوال () يصوم احتياطًا؟
الشيخ: كيف يصوم احتياطًا؟
طالب: ().
الشيخ: يصوم تبعًا للجماعة.
طالب: () احتياطًا.
الشيخ: يصوم تبعًا للجماعة، لا، هو الآن لو أنه اعتبر رؤيته في هلال شوال لكان الصوم حرامًا عليه.
الطالب: لا، أقصد يا شيخ، إحنا الآن ثلاثين من رمضان () رأى الهلال- هلال شوال، قلنا احتياطًا: إنه يصوم احتياطًا.
الشيخ: طيب.
الطالب: وهذا يا شيخ () هل يصوم احتياطًا؟
الشيخ: لا، لأن هنا قلنا له: يتبع الجماعة، حكمنا بأنه يتبع الجماعة احتياطًا في دخول شوال، نحكم بأنه يتبع الجماعة احتياطًا أيضًا في دخول ذي الحجة.
الطالب: رجل صام يومًا من رمضان، ثم ارتد ()، ثم فاته يوم أو يومان، هل يلزم القضاء؟
الشيخ: يعني ثم عاد للإسلام؟ ما يلزمه القضاء، في حال الكفر لا يلزمه القضاء.
طالب: شيخ، على قول المذهب ومن تبعه إذا هل الهلال في بلد لزم الجميع، الآن العالم الإسلامي الآن متفرق، والإعلام منتشر يعني لو ظهر في السعودية يراه في المغرب يسمع به، هل نقول للذي في المغرب مثلًا يصوم؟
[ ١ / ٣٣١٥ ]
الشيخ: الآن عمل الناس -بارك الله فيك- كل دولة لها رؤيتها، إلا إذا حسنت العلاقات مع الدولة الأخرى.
الطالب: صاروا مع بعض.
الشيخ صاروا مع بعض، إنما نقول للإنسان: إذا صام الناس في بلدك صُم، وإذا أفطر فأفطر.
الطالب: بالنسبة للشعب؟
الشيخ: الشعب إي نعم نقول: لا تفده.
الطالب: () عندنا مثلًا ().
الشيخ: هذا غلط من بعضهم، يقول بعض الناس العامة: عَيِّدوا والناس صائمون، ما هو بصحيح.
طالب: لا، هم يتبعونه في الصيام، لكن في العيد يتبعون.
الشيخ: لا، أنا سمعت أنهم عيَّدوا، فيه ناس أقاموا صلاة العيد.
طالب: أحسن الله إليكم، الأقليات في الدول الكافرة من تتبع؟
الشيخ: في الدول الكافرة، نعم، تتبع إذا كان هناك رابطة أو مكتب إسلامي تتبع ما يقول هذا المكتب، وإذا لم يكن كذلك فهم يخيرون، والأحسن أن يتبعوا أقرب بلد إليهم.
طالب: إذا شهد شاهدان في شوال، وكل واحد يقول: رأيت الهلال، ولكن أقوالهم متعارضة، يقول واحد: هلال هكذا، والثاني قال: هلال هكذا؟
الشيخ: ما تقبل شهادتهم.
الطالب: ولا واحد؟
الشيخ: إي، ولا واحد؛ للتناقض.
الطالب: وكذلك في الصيام مثلًا قال: رأيت شهر رمضان، وكان هو الآخر الآخر قال: رأيت رمضان هكذا.
الشيخ: هلال رمضان ما يشترط فيه التعدد.
الطالب: يعني يسقط قول هذه بهذه، ولا ما يسقط؟
الشيخ: لا، ينظر للأرجح منهما.
طالب: المشهور عندنا ().
الشيخ: المحبوس.
الطالب: ().
الشيخ: يجب التحري، ().
الطالب: () وافق العيد ().
الشيخ: إي؛ لأنه يكون وافق وقت نهي، أيش عندنا الآن؟
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، أما بعد:
[ ١ / ٣٣١٦ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: ويلزم الصوم لكل مسلم مكلف قادر، وإذا قامت البينة في أثناء النهار وجب الإمساك والقضاء على كل من صار في أثنائه أهلًا لوجوبه، وكذا حائض ونفساء طهُرتا، ومسافر قدم مفطرًا، ومن أفطر لِكبر أو مرض لا يُرجى برؤه أطعم لكل يوم مسكينًا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
لما ذكر المؤلف -﵀- ما يثبت به دخول الشهر، ذكر من يلزمه الصوم، فقال: (ويلزم الصوم لكل مسلم)، يعني لا كافر، الإسلام ضده الكفر، فالكافر لا يلزمه الصوم، ولا يصح منه الصوم، ومعنى قولنا: لا يلزمه أننا لا نلزمه به حال كفره، ولا بقضائه بعد إسلامه، أما دليل الأول فقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: ٥٤].
فإذا كانت النفقات -ونفعها متعدٍّ- لا تُقبل منهم لكفرهم، فالعبادات الخاصة من باب أوْلى، وأما كونه لا يقضي إذا أسلم؛ فلقول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا﴾ يعني عن كفرهم ﴿يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، وثبت عن طريق التواتر أن الرسول ﵊ كان لا يأمر من أسلم بقضاء ما فاته من الواجبات.
[ ١ / ٣٣١٧ ]
ولكن هل يُعاقَب على تركها في الآخرة؟ الجواب: نعم، يعاقب على تركها في الآخرة، وعلى ترك جميع واجبات الدين؛ لأنه إذا كان المسلم المطيع لله الملتزم لشرعه يعاقب عليها، فالمستكبر من باب أولى، وإذا كان الكافر يعذب على ما يتمتع به من نِعم الله من طعام وشراب ولباس، ففعل المحرمات وترْك الواجبات من باب أوْلى، هذا بالنظر للقياس، أما بالنظر للنص، فقد قال الله تعالى عن أصحاب اليمين أنهم يقولون للمجرمين: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٦]، فهذا هو الذي أدخلهم في سقر.
فإن قال قائل: تكذيبهم بيوم الدين كُفر، وهو الذي أدخلهم في سقر؟
قلنا: لكنهم ذكروا أربعة أشياء، ولولا أن لهذه المذكورات، مع التكذيب بيوم الدين أثر في إدخالهم النار لم يكن لذكرها فائدة، ولولا أنهم عُوقبوا عليها ما جرت على بالهم.
﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ الصلاة، ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ الزكاة، ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ مثل الاستهزاء بآيات الله، ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾.
إذن فالكافر لا يُؤمر بالصوم حال كفره، ولا يُقبل منه لو صام، ولكنه يُعذَّب عليه في الآخرة.
قال: (مُكلَّف) وإذا رأيت كلمة (مكلف) في كلام الفقهاء فالمراد بها البالغ العاقل؛ لأنه لا تكليف مع الصغر، ولا تكليف مع الجنون، والبلوغ يحصل بواحد من أمور ثلاثة بالنسبة للذكر: تمام خمس عشرة سنة، إنبات العانة، إنزال المني بشهوة، وللأنثى بأربعة أشياء هذه الثلاثة، ورابع وهو.
طالب: الحيض.
الشيخ: الحيض، فإذا حاضت فقد بلغت ولو لم يكن لها إلا عشر سنين.
[ ١ / ٣٣١٨ ]
العاقل ضده المجنون، أي: فاقد العقل، من مجنون ومعتوه ومُهذر، وما أشبه ذلك، كل من ليس له عقل بأي وصف وُصف فإنه ليس بمكلَّف، وليس عليه شيء من واجبات الدين لا صلاة، ولا صيام، ولا إطعام، ولا شيء، يعني لا يجب عليه إطلاقًا، وعليه فالمهذرم الكبير المُخرِّف، لا يجب عليه صوم، ولا إطعام، لماذا؟ لفقد الأهلية، أهلية التكليف؛ وهي العقل.
(قادِر) يعني قادرًا على الصيام احترازًا من العاجز؛ فالعاجز ليس عليه ليس عليه صوم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، لكن بالتتبع والاستقراء تبين أن العجز ينقسم إلى قسمين: قسم طارئ، وقسم دائم.
فالقسم الطارئ هو المذكور في الآية عليه ﴿عِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، والدائم هو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]، حيث فسرها ابن عباس ﵄ بالشيخ والشيخة لا يُطيقان الصوم، فيطعمان عن كل يوم مسكينًا.
والحقيقة أنه بالنظر لظاهر الآية ليس فيها دلالة على ما فسرها به ابن عباس ﵄؛ لأن الآية في الذين يطيقون الصوم ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
[ ١ / ٣٣١٩ ]
وهذا واضح أنهم قادرون على الصوم، لكنهم مخيرون بين الفدية والصوم، وهذا في أول الأمر، أول ما نزل وجوب الصوم كان الناس مخيَّرين فيه، إن شاؤوا صاموا، وإن شاؤوا أطعموا، كما ثبت في الصحيحين عن سلمة بن الأكوع ﵁، لكن غور فقه ابن عباس ﵄ عجيب، هذا في الحقيقة يدل على عمق فقهه ﵁؛ لأن وجه الدلالة من الآية أن الله تعالى جعل الفدية عديلًا للصوم لمن قدر، فإذا لم يقدر بقي عديله وهو الفدية، وهذا في الحقيقة من غور فقهه ﵁ ورسوخ علمه، وإلا فالإنسان إذا قرأ الآية ما فيها تعرُّض لمن لا يطيق بل فيها لمن يطيق، لكن هذا وجه الدلالة، فصار العاجز عجزًا لا يرجى زواله، الواجب عليه الإطعام عن كل يوم مسكينًا، ولكن كيف الإطعام؟ ومتى؟
أما كيفيته، فله كيفيتان:
الكيفية الأولى: أن يصنع طعامًا فيدعو إليه المساكين بحسب الأيام التي عليه، كما كان أنس بن مالك يفعله حين كبر ﵁.
الكيفية الثانية: أن يُطعمهم طعامًا غير مطبوخ، قالوا: في هذه الحال يُطعمهم مُد بُرٍّ أو نصف صاع من غيره؛ أي: من غير البر، ومد البر رُبع الصاع النبوي، خمس الصاع الحالي عندنا في القصيم، فالصاع النبوي أربعة أمداد، والصاع النبوي أربعة أخماس صاعِنا، وعلى هذا فيكون صاعنا، كم؟
طالب: ().
الشيخ: خمسة أمداد، يكون خمسة أمداد، فيُجزئ من البُرِّ عن خمسة أيام لخمسة مساكين، لكن ينبغي في هذه الحال أن يجعل معه ما يؤدِّمه من لحم أو نحوه، حتى يتم قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، هذه الكيفية.
أما متى؟ فهو بالخيار إن شاء فدى عن كل يوم بيومه، وإن شاء أخَّر إلى آخر يوم لفعل أنس ﵁.
[ ١ / ٣٣٢٠ ]
وهل يُقدِّم قبل ذلك؟ يعني لو قال: أنا أريد أن أُخرج الفدية في أول يوم من رمضان، نقول: لا تقدم؛ لأن تقديمك الفدية كتقديمك الصوم، فهل يجزئ أن تُقدِّم الصوم في شعبان؟ لا، إذن لا تقدم الفدية، فإما أن تجعل كل يوم بيومه، أو في آخر يوم من رمضان.
الخلاصة الآن: أن قول المؤلف قادر ضده؟
طلبة: العاجز.
الشيخ: العاجز، وأن العجز ينقسم إلى قسمين، وعرفتم حكم كل منهما ودليله، بقي عليه شرط خامس أو رابع.
طلبة: خامس.
الشيخ: مسلم، مكلف، قادر، رابع على كلام المؤلف، وهو المقيم، أن يكون مقيمًا، فإن كان مسافرًا لم يجب عليه الصوم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وقد أجمع العلماء -الظاهرية وغير الظاهرية- أنه يجوز للمسافر الفطر، واختلفوا فيما لو صام؛ فذهبت الظاهرية وبعض أهل القياس إلى أنه لا يصح صوم المسافر، وأنه إذا صام فقد قدَّم الصوم عن وقت وجوبه فيكون كما لو صام في شعبان، وحجتهم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، فأوجب عليه عدة من أيام أخر؛ لأن ﴿عدَّة﴾ هذه مبتدأ خبرها محذوف، التقدير؟
طلبة: ().
الشيخ: فالواجب: أو فعليه عدة، ولكن قولهم ضعيف، فإنه ثبت عن النبي ﵌ أنه صام في سفره في رمضان (٥)، وثبت أن الصحابة كانوا يسافرون في رمضان فمنهم الصائم ومنهم المفطر، فلا يعيب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم (٦)، وحينئذٍ يكون المراد بالآية بيان البدل أن عليه عدة من أيام أخر، لا وجوب أن تكون عدة من أيام أخر.
إذن المسافر لا يلزمه الصوم، لكن يلزمه القضاء كالمريض، وحينئذٍ نسأل: أيهما أفضل للمريض والمسافر أن يصوما أو يفطرا؟
طلبة: ().
[ ١ / ٣٣٢١ ]
الشيخ: نقول: الأفضل أن يفعل الأيسر، فإن كان في الصوم ضرر كان الصوم حرامًا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]. فإن هذه الآية تدل على أن ما كان ضررًا على الإنسان فإنه منهي عنه.
ولكن لو قال قائل: الآية في القتل لا في مطلق الضرر؟
قلنا: نعم، هذا ظاهر الآية، أنه في القتل لا في مُطلق الضرر، لكن عمرو بن العاص استدل بها على نفي الضرر فأقرَّه النبي ﷺ على ذلك، وذلك في قصة أنه بعثه مع سرية فأجنب، فتيمم ولم يغتسل، فقال له النبي ﷺ: «أَصَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟» (٧). قال: يا رسول الله، ذكرت قول الله ﷿: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، وكانت الليلة باردة فتيممت، فضحك النبي ﵌ تقريرًا أو تحذيرًا؟
طلبة: تقريرًا.
الشيخ: تقريرًا لفعله، وهذا يدل على أن الآية تتضمن النهي عن القتل، وعن ما فيه الضرر، وعليه فنقول: إذا كان الصوم يضر المريض كان الصوم حرامًا عليه.
فإن قال قائل: ما مقياس الضرر؟
قلنا: مقياس الضرر قد يُعلم بالحس، وقد يُعلم بالخبر، أما بالحس فأن يشعر المريض نفسه بأن الصوم يضره، ويثير عليه الأوجاع، ويُوجب تأخر البرء، وما أشبه ذلك، وأما الخبر فأن يخبره طبيب عالِم ثقة بذلك، أي بأنه؟
طلبة: مريض.
الشيخ: بأنه مريض، سبحان الله!
طلبة: يضره.
الشيخ: بأنه يضره. إن أخبره عامي ما هو عالم ما هو بطبيب، فهل يأخذ بقوله؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، إن أخبره طبيب غير عالم، ولكنه متطبب، فإنه لا يأخذ بقوله، إن أخبره طبيب غير ثقة، فإنه لا يأخذ بقوله، ولكن هل يشترط في الثقة أن يكون مسلمًا؛ لأن غير المسلم لا يُؤْمَن؟
الطالب: لا.
[ ١ / ٣٣٢٢ ]
الشيخ: لا، الصحيح لا، وأننا متى وثقنا بقوله عملنا بقوله في إسقاط الصيام؛ وفي إسقاط الصلاة قائمًا مثلًا وما أشبه ذلك؛ لأن مِثل هذه الأشياء صنعة، وقد يحافظ الكافر على صنعته، وسُمعته فلا يقول إلا ما كان صوابًا في اعتقاده وهو حادِث، وها هو النبي ﵌ وثق بكافر في أعظم حال خطرة، وثق بكافر في أعظم الحالات خطرًا، وذلك حين هاجر من مكة إلى المدينة استأجر رجلًا مشركًا من بني الديل، يقال له: عبد الله بن أريقط على أن يدله على الطريق، وهذه مسألة خطرة؛ لأن قريشًا كانت تبحث عنه، وأخرجت مئة بعير للنبي ﵊، ومئة بعير لأبي بكر، يعني أخرجوا مئتي بعير على من دلهم على رسول الله ﷺ وأبي بكر، ومثل هذا عِوض مغرٍ لهذا الرجل المشرك، لكن الرسول ﵊ كان واثقًا منه، فدل هذا على أن المشرك أو الكافر إذا وثقنا منه فإننا نأخذ بقوله.
بالنسبة للسفر هل الأولى أن يصوم أو الأولى ألا يصوم؟ نقول: مذهب الحنابلة أن الأوْلى ألا يصوم؛ بل كرهوا الصوم، والشافعية قالوا: الأولى أن يصوم.
والصحيح التفصيل في هذا؛ أنه إذا كان الفطر والصوم سواءً فالصوم أفضل، وإن شق عليه الصوم من أجل السفر.
طلبة: الفطر أولى.
[ ١ / ٣٣٢٣ ]
الشيخ: فالفطر أولى، الدليل على هذا التفصيل هو أن النبي ﵌ كان يصوم في السفر، ولم يفطر إلا حين قيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنهم ينتظرون ما تفعل، فإنه في غزوة الفتح صام حتى بلغ كراع الغميم فأتوا إليه، وقالوا: يا رسول الله، الناس قد شق عليهم الصيام، وإنهم ينتظرون ما تفعل، مع علمهم بأن الإنسان مخير، لكن يريدون تمام التأسي برسول الله ﵌، فدعا بقدح من ماء بعد صلاة العصر -يعني ما بقي على الغروب إلا قليلًا- ورفعه على فخذه حتى رآه الناس، فشرب، والناس ينظرون إليه ﵊؛ ليقتدوا به؛ لأنه إمامهم، وهم ينتظرون ما يفعل، فجيء إليه، فقيل: إن بعض الناس قد صام، قال: «أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ» (٨)؛ لأنهم صاموا مع المشقة، ومع أن رسولهم ﵊ وإمامهم أفطر، ثم يبقون هم صيامًا، هذه معصية، فسماهم عصاة.
فإذن نقول: الصواب هو هذا، أنه مع المشقة يكون الفطر أولى، وإن كانت المشقة شديدة يخشى من ضررها كان حرامًا، أما مع عدم المشقة فعلمتم أن الصوم أفضل.
وأما قول الرسول ﵊: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ» (٩) الذي استدل به الحنابلة عل كراهة الصوم في السفر فهذا خاص، وليس عامًّا، خاص بمن؟ بالرجل الذي رآه النبي ﷺ قد ظُلِّل عليه، وازدحم الناس عليه ينظرون حاله، فقال ما هذا؟ قالوا: صائم، قال: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ»، فنقول: إنه خاص بهذا الرجل.
طالب: ().
الشيخ: إي نعم، قولوا: العبرة بعموم اللفظ.
طلبة: لا بخصوص السبب.
[ ١ / ٣٣٢٤ ]
الشيخ: لا بخصوص السبب، وحينئذٍ نجيب على هذا فنقول: الخصوصية نوعان: خصوصية شخصية، وخصوصية نوعية، نوع وشخص؛ فالخصوصية الشخصية أن تقول: هذا الحكم خاص بهذا الرجل لا يتعداه إلى غيره، هذا يحتاج إلى دليل، وهذا هو الذي تقول فيه: العبرة بعموم اللفظ.
طلبة: لا بخصوص السبب.
الشيخ: لا، بخصوص السبب، فآية اللعان وردت في قصة رجل معين، آية الظهار كذلك، فهل العبرة بالعموم أو بالخصوص؟
طالب: بالعموم.
الشيخ: بالعموم، كل أحد يثبت له هذا الحكم.
النوع الثاني من الخصوصية: الخصوصية النوعية، وإن شئت فقل: الخصوصية الحالية؛ يعني التي لا يثبت بها العموم إلا لمن كان مثل هذا الشخص؛ أي مثل حاله، أو مثل نوعه، فيقال: ليس من البر الصوم في السفر، لمن؟
طلبة: لمن شق عليه.
الشيخ: لمن شق عليه، كهذا الرجل، ولا يعم كل إنسان صام، فهذا هو التفصيل في شرط أن يكون مقيمًا.
فيه الشرط الخامس: الخلو من الموانع، وهذا خاص بالنساء؛ فالحائض لا يلزمها الصوم، والنفساء لا يلزمها الصوم؛ ودليل ذلك قول النبي ﵌ مقررًا ذلك: «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ» (١٠)، فلا يلزمها الصوم إجماعًا، ولا يصح منها إجماعًا، ويلزمها قضاؤه إجماعًا، ثلاث إجماعات؛ أن الصوم.
طالب: لا يلزمها.
الشيخ: لا يلزمها، وأنه.
طالب: . لا يصح منها.
الشيخ: لا يصح منها، وأنها تقضيه، والنفساء كالحائض في هذا.
ثم قال المؤلف: (وإذا قامت البينة في أثناء النهار وجب الإمساك والقضاء على كل من صار في أثنائه أهلًا لوجوبه)، يعني: وإن لم يكن حال الفطر من أهل الوجوب، ولهذا قال: في أثنائه، أي أثناء النهار (أهلًا لوجوبه)، (إذا قامت البينة)، البينة في دخول الشهر واحد أو متعدد؟
طلبة: ().
الشيخ: واحد.
طالب: ().
[ ١ / ٣٣٢٥ ]
الشيخ: لا، البينة، ما أقول متى يجب الصوم، واحد، إذا قامت البينة في أثناء النهار مثل أن يكون الذي رآه في مكان بعيد، فحضر إلى القاضي في أثناء النهار، وشهد، يقول المؤلف: (وجب الإمساك والقضاء)، أما وجوب الإمساك فلا شك فيه، ودليله أن النبي ﷺ حين وجب صوم عاشوراء أمر المسلمين بالإمساك في أثناء النهار، أمرهم بالإمساك في أثناء النهار فأمسكوا؛ ولأن هذا اليوم من رمضان فهو يوم محترم، له حرمته، فلا يمكن أن ينتهك بالفطر.
وأما القضاء فيلزم؛ لأن من شرط صيام الفرض أن يُنوى قبل الفجر؛ لأنه إذا لم يُنوَ إلا في أثناء اليوم صار الصائم صائمًا نصف يوم إذا قام في نصف اليوم، إذا نوى في نصف اليوم صار صائمًا نصف يوم فلا يجزئ، وعلى هذا فيلزمه القضاء لهذه العلة.
أما وجوب الإمساك فلا أعلم هل فيه مخالف أم لا؛ لأنه لا شك قول جمهور العلماء، ودليله واضح، وأما وجوب القضاء فليس فيه دليل، ولكن فيه تعليل وهو عدم النية قبل الفجر، فإذا كانت النية من أثناء اليوم لم يَصدُق عليه أنه صام يومًا، بل صام بعض اليوم؛ لقول الرسول ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (١١).
وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- إلى أنه لا قضاء، يجب الإمساك دون القضاء، وعلَّل ما ذهب إليه أن هؤلاء الذين كانوا يأكلون ويشربون قبل ثبوته بالبينة كانوا يأكلون ويشربون بأمر الله، بإذن الله، قد أحله الله لهم، فهم لم ينتهكوا حرمة، بل هم جاهلون بها، بكون هذا اليوم من رمضان، فيدخلون في عموم قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وبناءً على قوله: لو لم تقُم البينة إلا بعد الغروب؛ غروب ذلك اليوم لم يلزمهم قضاؤه، فإذا كان الشهر تسعًا وعشرين فقد صاموا بالفعل، كم؟
طلبة: ثمانية وعشرين.
الشيخ: ثمانية وعشرين يومًا.
[ ١ / ٣٣٢٦ ]
وأجاب عن قولنا باشتراط النية من قبل الفجر بأن النية تتبع العلم، وأن الله لا يكلف أحدًا أن ينوي ما لم يعلم، والعلم لم يحصل إلا.
طالب: بعد ().
الشيخ: في أثناء النهار، فلو أنه نوى بعد العلم ولو بلحظة، يعني لو أخَّر النية بعد العلم لم يصح صومه لا شك، لكن الرجل من حين أن علم نوى، ولا يُكلَّف أن ينوي قبل أن يعلم.
وفيه أيضًا القياس على من أكل قبل غروب الشمس ظانًّا غروبها، ثم تبين أنها لم تغرب، أو من أكل شاكًّا في طلوع الفجر، ثم تبين أنه قد طلع الفجر فإن صومه صحيح.
ولا شك أن تعليله قوي ﵀، لكن يرجح قول الجمهور عندي أن من أفطر قبل غروب الشمس ظانًّا غروبها، أو أكل بعد طلوع الفجر ظانًّا أن الليل باقٍ كان عنده نية؛ نية الصوم، فأكل في آخر النهار ظنًّا أن الوقت قد انقضى، أما هؤلاء فليس عندهم نية أصلًا، ولهذا كان الخلاف في المسألتين الأخيرتين في من أكل قبل الغروب أو بعد طلوع الفجر كان أشهر من الخلاف في المسألة الأولى، والمسألة الخَطْب فيها يسير، فكون الإنسان يقضي يومًا ويُبرئ ذمته عن يقين خير من كونه يأخذ بقول شيخ الإسلام ﵀، وإن كان له حظ قوي من النظر فيكون في الحقيقة مخاطر.
وقوله: (على كل من صار في أثنائه أهلًا لوجوبه) ومن كان من قبل هذا اليوم أهلًا للوجوب؟
طلبة: من باب أوْلى.
الشيخ: من باب أوْلى، مثال الذي يكون في أثنائها للوجوب: صبي بلغ في أثناء النهار، ثم قامت البينة فيلزمه.
طالب: الإمساك.
الشيخ: الإمساك؛ لأنه صار في أثناء اليوم من أهل.
طلبة: الوجوب.
الشيخ: من أهل الوجوب، وكذلك لو فُرض أنه قامت البينة وهو لم يبلغ، لكن بلغ بعد قيام البينة فإنه يلزمه الإمساك؛ لأنه صار أهلًا للوجوب، ولكن سيأتينا الخلاف فيما إذا طرأ شرط الوجوب في أثناء النهار، هل يلزم القضاء أو لا يلزم؟ سيأتي إن شاء الله.
[ ١ / ٣٣٢٧ ]
(على كل من صار في أثنائه أهلًا لوجوبه، وكذا حائض ونفساء طهُرتا ومسافر قدم مفطرًا) هذه ثلاث مسائل: حائض طهُرت في أثناء النهار، ماذا يلزمها على كلام المؤلف؟
طلبة: الإمساك.
الشيخ: الإمساك والقضاء، نفساء طهرت في أثناء النهار يلزمها الإمساك والقضاء، مسافر قدم مفطرًا، يلزمه الإمساك والقضاء، لماذا؟ لأنه بزوال المانع صار من أهل الوجوب، فألزمناه بالإمساك، ولكونه متلبسًا بمانع في أول النهار وليس من أهل الوجوب ألزمناه بالقضاء، وهذه المسألة فيها عن أحمد روايتان: رواية ما ذهب إليه المؤلف، ورواية أخرى لا يلزمه الإمساك في هذه الصورة، لكن عليهم القضاء، والفرق بينهم وبين ما إذا قامت البينة في أثناء النهار أن هؤلاء لهم الفطر في أول النهار ظاهرًا وباطنًا، هؤلاء الثلاثة لهم الفطر في أول النهار.
طلبة: ظاهرًا وباطنًا.
الشيخ: ظاهرًا وباطنًا، فاليوم في حقهم غير محترم، لكن إذا قامت البينة في أثناء النهار، وكان الرجل في أول النهار قد أكل وشرب، فإن له الفطر ظاهرًا لا باطنًا؛ لأنه لو علم في أن أول النهار من الشهر لزمه.
طلبة: الصوم.
الشيخ: الإمساك، بخلاف من قدم من السفر وهو مفطر، أو طهرت الحائض والنفساء، فإنهم يعلمون أن اليوم من رمضان، لكن لا حُرمة لهذا اليوم في حقهم، ولهذا ذكر صاحب المغني عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: من أكل في أول اليوم فليأكل في آخره، يعني من حل له الأكل في أول اليوم حل له الأكل في آخر اليوم، وهذا هو الصحيح، الصحيح أن المسافر إذا قدم لبلده مفطرًا فإنه لا يلزمه الإمساك، وأن الحائض إذا طهرت مفطرة لا يلزمها الإمساك، العبارة سليمة؟ الحائض إذا طهرت مفطرة.
طلبة: ().
[ ١ / ٣٣٢٨ ]
الشيخ: هذا لا يستقيم، لأنك إذا قلت: الحائض إذا طهرت مفطرة مفهومه إذا طهرت صائمة، وهذا لا يستقيم، ولهذا الحائض يقول المؤلف حائض ونفساء طهرتا، ومسافر قدم مفطرًا، فقيد المسافر بكونه مفطرًا بخلاف الحائض والنفساء؛ لأنه لا يمكن بحقهما الصوم، فإذا طهرت الحائض لم يلزمها الإمساك، وإذا طهرت النفساء لم يلزمها الإمساك، وحينئذٍ يمكن أن نأتي بمسألة معاياة؛ يعني (لُغْز)، فيقال: رجل بالغ عاقل قادر مسلم في بلده جاز أن يجامع زوجته في نهار رمضان.
طالب: قدم مسافرًا.
الشيخ: مسافر قدم مفطرًا على امرأته التي طهرت من الحيض، فيجوز له أن يجامعها؛ لأن كل واحد منهما لا يلزمه الإمساك.
هذه المسائل الثلاث يمكن أن نعبر عنها بعبارة عامة فنقول: إذا زال مانع الوجوب في أثناء النهار، فهل يلزم القضاء؟ الجواب؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، هل يلزم الإمساك؟
طلبة: لا.
الشيخ: فيه خلاف؛ المذهب نعم، يلزم الإمساك، والصحيح لا يلزم الإمساك، وعرفتم التعليل؛ أن هؤلاء الثلاثة ليس لهذا اليوم حرمة في حقهم؛ لأنهم يجوز لهم الأكل في أول النهار ظاهرًا وباطنًا. المريض إذا برئ في أثناء النهار.
طلبة: ().
الشيخ: وهو مفطر.
طالب: ().
الشيخ: مثلهم.
طالب: ().
الشيخ: لأنه زال مانع الوجوب كالمسافر إذا قدم مفطرًا.
رجل اضطر إلى الفطر لإنقاذ غريق؟ غريق أو حريق، قال: لا أستطيع أن أنقذه وأنا صائم، أنا تعبان، قلنا: يجب عليك أن تفطر لإنقاذه، فأفطر لإنقاذه، هل نقول: إذا أنقذه يلزمه الإمساك؟
طلبة: لا يلزمه.
الشيخ: لا؟ لماذا؟
طلبة: ().
الشيخ: لأن هذا الرجل حلَّ له الفطر لسبب مباح، فلا يلزمه، امرأة أفطرت خوفًا على رضيعها؛ لأنها ترضعه، وفي أثناء النهار مات الرضيع.
طلبة: لا يلزمها.
الشيخ: يلزمها الإمساك؟
طلبة: لا يلزمها.
الشيخ: ينبني على الخلاف.
طالب: على القول الصحيح؟
الشيخ: على القول الصحيح: لا يلزمها، إذن يُعنون عن هذه المسائل بماذا؟
[ ١ / ٣٣٢٩ ]
طلبة: ().
الشيخ: إذا زال مانع الوجوب هل يلزم الإمساك؟ الجواب الصحيح أن نقول: الصحيح لا، والمذهب؟
طلبة: يلزم.
الشيخ: يلزم، طيب، ما دخل؟
طلبة: () المؤذن.
طالب آخر: شيخ، هل يشترط بالنسبة إلى النية بصورة جماعية، ولا لكل صوم نية.
الشيخ: إي، يسأل: يقول: هل يجب لكل صوم نية أو تكفي نية رمضان في أوله؟
الصحيح أنه يُكتفى بنية واحدة من أول الشهر ما لم يوجد عذر يبيح الفطر في أثناء الشهر فيفطر فإنه لا بد من تجديد النية.
طالب: شيخ، إذا قامت البينة في أثناء النهار ().
الشيخ: يسأل: يقول: إذا قامت البينة في أثناء النهار، وقلنا بوجوب الإمساك والقضاء، فما فائدة الإمساك؟ فائدة الإمساك أن الأصل في هذا الرجل أن يمسك، لكن رُفع عنه الوجوب من أجل الجهل فتبين الآن أنه يلزمه الإمساك، وبقي النظر لماذا لا يجزئ الإمساك بعض النهار؛ لأنه غير عالم، فقلنا: إن هذا الرجل لم ينوِ من أول، من قبل الفجر.
طالب: () في آخر الوقت، وأنه لا يجوز له أن () لأنه معذور، لا يجوز له أن ()؛ لأنه معذور ().
الشيخ: نعم.
الطالب: وأما لو تعمد التأخير لآخر الوقت فإنه، فإنه لا يجوز له () يجوز له ().
الشيخ: نعم.
الطالب: ليش؟ لأنه ما وجب عليه، النائم ما يجب عليه.
الشيخ: نعم؛ لأن النائم لم تجب عليه الصلاة إلا حين استيقاظه.
طالب: الفرق بينها وبين مسألة الإمساك لمن وجدت البينة على أن رُئي الهلال في ليلة رمضان.
الشيخ: يعني في أثناء النهار، ما الفرق بين هذا وبين ما إذا قامت البينة في أثناء النهار. هكذا؟
الطالب: شيء ثانٍ، شيخ، ألزمنا مثلًا شيخ () قلنا: إن الراجح.
الشيخ: اترك الشيء الثاني، الآن؟
الطالب: نحن قلنا: صيام يوم الشك يحرم، وأنه لو صامه يبطل ولا يصح.
الشيخ: نعم.
الطالب: () لو نام عن الصيام يوم الشك، فلما تبين.
الشيخ: ليس هذا يوم شك.
الطالب: يوم ثلاثين.
الشيخ: ليس هذا يوم شك.
الطالب: لا.
[ ١ / ٣٣٣٠ ]
الشيخ: قد يكون عندهم ليس شك، قد يكون الجو صافيًا، وقد يكون يظنون أن اليوم هذا تسع وعشرين.
الطالب: طيب، ().
الشيخ: الفرق بين المسألة هذه والمسألة الأولى أن النائم معذور بنومه، مرفوع عنه القلم، وهذا معذور بجهله؛ ولذلك لا نُؤثِّمه ولا نقول: تأثم بأكلك وشربك بفعل المفسد، هذا مفسد في الصوم، لكن نقول: لما لم يوجد الشرط وهو نية الصوم من أول النهار فسد المشروط؟
الطالب: مريض يا شيخ يضره الصوم، هل يعتبر صومه منهيًّا عنه؟
الشيخ: نعم.
الطالب: المذهب هل يقضي ولا يقبل صومه؛ لأنه منهي عنه ()؟
الشيخ: لا، يقولون: إن هذا النهي لا يعود إلى ذات العبادة، يعود إلى ضرر ().
الطالب: () المذهب ().
الشيخ: لا، ما يرون هذا؛ لأن الضرر عندهم، الضرر ممنوع في الصلاة وغير الصلاة، ويحتمل أنه إذا قالوا بالتحريم، لكنهم لا يقولون بالتحريم أبدًا، المذهب ما رأيتهم قالوا بتحريم الصوم على المريض، لكن القاعدة: إذا ثبت التحريم -ولو لضرره- فإنه يقتضي أن يبطل صومه، هذه القاعدة.
طالب: (). النهي لم يعُد ().
الشيخ: إي نعم، رجع إلى أمر خارج، وهو ضرر الرجل به، مثل الحرير، الحرير يعود إلى أمر خارج وهو يكون محرمًا على الرجال؛ لأنهم ليسوا أهلًا للبس الحرير.
الطالب: ويش الحكم؟
الشيخ: الحكم لو قالوا بالتحريم يلزم على قاعدتهم ألا يصح.
الطالب: وما الصحيح يا شيخ أنه يصح؟ وهو صحيح ().
الشيخ: الظاهر أنه يصح؛ لأن هذا الأمر خارج.
طالب: ويأثم؟
الشيخ: يأثم ما فيه شك، يأثم.
طالب: شيخ، ليس من عادته أن يصوم يومًا من الأيام المعتادة، ثم صام مثلًا يوم الإثنين أو الخميس، وقال: إن كان غدًا صومًا فهو يوم من رمضان، وإن لم يكن صومًا فهو يوم عادي.
الشيخ: فهو نفل.
الطالب: فهو نفل.
الشيخ: نعم.
طالب: وهو ليس من عادته أن يصوم.
الشيخ: نعم، عند شيخ الإسلام يصح، وعلى المذهب لا يصح.
الطالب: ().
[ ١ / ٣٣٣١ ]
الشيخ: والله أرى أنه ما يجعل () إن كان من رمضان فهو فرض، وإلا فليس بفرض، ولا يمنح لهذا اليوم، لكن مثل لو صادف مثل الليلة الأخيرة.
الطالب: ().
الشيخ: لو قال: أنا أصوم يوم الإثنين إن كان من رمضان فهو فرضي، وإن كان من غير رمضان فهو نفل، فهذا عند الشيخ يصح.
طالب: بس هذا يا شيخ تقدم رمضان به وهو مو من عادته؛ ليس من عادته.
الشيخ: إي، لكن فيه احتمال أن يكون من رمضان.
الطالب: مو بصوم شك؟
الشيخ: لا، يوم الشك الذي نشك في دخوله من أجل غيم أو قتر.
طالب: أحسن الله إليكم، في مسألة إذا قامت البينة بالرؤية في أثناء النهار قلتم: لا نعلم خلافًا في وجوب الإمساك.
الشيخ: نعم.
الطالب: أحسن الله إليكم، إن كان بعض العلماء ذكر رواية، ولا أدري هل تصح أو لا؛ بأنه لا إمساك، واستدلوا بقول ابن مسعود: من أكل في أول النهار فليأكل في آخره (١٢).
الشيخ: نعم.
الطالب: وكانوا عللوا بأن الاستدام أفضل من الابتداء، فهل هذا؟
الشيخ: لا، ما هو صحيح، أولًا: معنى كلام ابن مسعود: من حلَّ له الأكل.
الطالب: وهذا ينطبق في مسألة الحائض والنفساء؟
الشيخ: إي نعم، والمسافر، ولا ينطبق على هذا.
طالب: ().
الشيخ: نعم، والثاني أنه لما تبين من رمضان ما صار يوم شك، ولا صار سابقًا عليه بيوم أو يومين، صار الآن من رمضان حسب الواقع.
طالب: وإن لم يكن من رمضان ().
الشيخ: نعم؟ إي، إذا كان من عادته أن يصوم يوم الإثنين فلا يدخل.
الطالب: ().
الشيخ: لا، سيدخل في النهي، لكن هو ما صام يوم الإثنين، صام لاحتمال أن يكون من رمضان، فاشترط في نيته إن كان من رمضان فهو فرْض وإلا فهو نفل؛ لأن فيه احتمالًا أنه يكون من رمضان، فإذا تبين من رمضان صح، وإن لم يتبين يكون داخلًا في النهي.
طالب: يعني نقول: الأوْلى أنك لا تصوم؟
الشيخ: إي نعم، الأوْلى ألا يصوم ما فيه شك.
[ ١ / ٣٣٣٢ ]
قال أبو بكر لعمر ﵁: يا عمر، إن لله حقًّا في الليل لا يقبله في النهار، وحق في النهار لا يقبله في الليل، وإنها لا تُقبل نافلة حتى تؤدَّى فريضة (١٣)، إي نعم، ويش السؤال؟
الطالب: يمكن توضيح المسألة، ما معنى كلمة؟
الشيخ: يعني معناه أنه إذا أخَّر الإنسان عمل النهار إلى الليل لم يُقبل، كما لو أخَّر صلاة الظهر فصلَّاها في المغرب ما صحت ولا قُبلت، ولو أخَّر صلاة العشاء إلى النهار لم تُقبل.
قوله: لا تقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة، هذا ليس على إطلاقه؛ لأن من الفرائض ما يكون موسعًا فتصح النافلة فيه، فصلاة الظهر مثلًا فريضة، ويجوز للإنسان أن يتنفَّل ما بين الأذان والإقامة؛ لأن الوقت واسع، لكن لو ضاق الوقت على صلاة الفريضة لم تُقبل النافلة.
الطالب: كالفائتة يا شيخ؟
الشيخ: كالفائتة أو مثلًا رمضان، بقي على شعبان أربعة أيام، وعليه أربعة أيام، ما يصح.
يقول: نحن طلاب، نتردد من المجمعة كل يوم، أنتم ممن تتردد من المجمعة؟
طالب: ().
الشيخ: وتدركنا صلاة الظهر في بريدة، فهل لنا أن نجمع مع صلاة العصر جمع تقديم، وهل تقصر الصلاة؟ علمًا أن بلدنا يبعد عن بريدة مئة وتسعة وثلاثين كيلو متر؟
والله الأحوط ألا يفعلوا؛ لأن هذا لا يعد سفرًا، يأتون يؤدون الدرس ويرجعون، وإن فعلوا فلا بأس.
يقول: صاحب قطع غيار ثلاجات وبعض القطع يحول عليها الحول، وبعضها يتجدد بالشهر، أعني أنه يشتري بالقيمة التي بيعت بها قطع غيار أخرى، فهل القطع التي تتجدد عليها زكاة أو تُستأنف بها حولًا جديدًا؟
الجواب: لا يُستأنف بها حول جديد؛ لأن عروض التجارة كل واحد منها جديد يقع بدل الأول، كذلك أيضًا إذا تغيرت التجارة من قطع غيار إلى ملابس في أثناء الحول، فهل يبتدئ حولًا جديدًا أم يكمل الحول؟ الجواب؟
طلبة: يكمل الحول.
الشيخ: إي، يكمل الحول، كالأول؛ لأن عروض التجارة بعضها يقع بدلًا عن بعض.
[ ١ / ٣٣٣٣ ]
امرأة حاضت بعد أن أحرمت وجماعتها لن ينتظروا حتى تطهر؛ لأنهم يريدون العودة إلى مناطقهم لأعمال لديهم، فماذا تعمل؟
إذا كانت قد اشترطت: أن محلي حيث حبستني، فإنها تحل ولا شيء عليها، ولهذا ينبغي للمرأة -لو تنبهون النساء- ينبغي للمرأة التي حول الحيض أن تنبه على هذا، ويقال: اشترطي أن محلي حيث حبستني؛ لتكون في سعة، وإن لم تشترط، فإن كان يمكن رجوعها لإكمال عمرتها مثل أن يكون بلدها قريبًا، وإذا طهرت سهل أن ترجع فعلت، وإن لم يمكن تلجَّمت -يعني لبست حفاظة حتى لا يتسرب الدم إلى المسجد- وطافت من أجل الضرورة.
طالب: تطوف وهي حائض يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم، تطوف وهي حائض للضرورة؛ لأنها الآن ما يمكنها أن ترجع، أما إذا كان يمكن ولو بعد أسبوع أو أسبوعين فلا تفعل.
الطالب: ().
الشيخ: إي.
الطالب: نصحح الصوم له وهو في أول النهار، هل يكون آثمًا؟
الشيخ: لا ما هو آثم هنا، ما دام أنه يتوقع دخول الشهر، هو غير آثم.
الطالب: يتوقع كل واحد قرب رمضان يصوم.
الشيخ: ستأتينا المسألة في زاد المستقنع، ونبين كلام الشيخ ﵀، شيخ الإسلام يقول: هذا جائز ولا بأس به، «إِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ» (١٤).
طالب: بالنسبة إلى ()؟
الشيخ: لا، يأمره به.
ما حكم الذي يخجع وعيه، ويطلق زوجته؟
نقول: اللي يخجع وعيه ويطلق زوجته إذا كان من شدة الغضب فلا طلاق عليه.
طالب: () الصغار ()، الأمر الشرعي ().
الشيخ: لا، الأولى ألا يضربوا، لكنهم يلزمون به.
الطالب: والمذهب؟
الشيخ: المذهب يجوزون الضرب، لكن الضرب إنما ورد في الصلاة.
الطالب: ().
الشيخ: لا، الصبيان، ما هو قلنا: من الشروط أن يكون بالغًا عاقلًا.
[ ١ / ٣٣٣٤ ]
الطالب: حديث صيام يوم عاشوراء؛ أن النبي ﷺ بعث مناديًا: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ صَائِمًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، وَمَنْ أَفْطَرَ فَلْيُمْسِكْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ» (١٥). فالحديث ()، وأنهم أصبحوا صائمين، ولم ينووا عن عاشوراء ().
الشيخ: نعم، ويش تقولون في هذا؟ شيخ الإسلام استدل بهذا، لكن ليس فيه دليل؛ لأن هذا تجدد الوجوب شرعًا، أما مسألة رؤية الهلال، فالهلال شرط للوجوب، وليس التكليف حدث من جديد، العلم برؤية الهلال شرط للوجوب، وأما قصة عاشوراء هو أصلًا لم يجب إلا حين أوجبه الرسول ﵊.
طالب: أحسن الله إليكم، ذكر الفقهاء مسألة وقالوا: إنه يعاني بها، وهي إذا كان كبير مسافر ومريض يقول: فأفطر فإنه لا قضاء عليهم ولا فدية.
الشيخ: الكبير الذي لا يقدر على الصوم.
الطالب: نعم، لا قضاء ولا فدية.
الشيخ: إذا سافر، إي نعم، يقول: لا قضاء عليه ولا فدية، ولكن هذا القول ضعيف جدًّا؛ وذلك لأن هذا الرجل ليس أهلًا لوجوب الصوم، الواجب عليه الفدية، ويستوي فيها السفر والحضر، والذي يسقط عن المسافر هو الصوم، وهذا أصلًا ليس واجبًا عليه.
الطالب: الفدية واجبة بكل حال.
الشيخ: واجبة نعم.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، إذا أراد شخص أن يسافر بعد طلوع الفجر، فهل يجوز له الفطر قبل السفر؛ لأنه ليس من أهل الوجوب؟ بنيته له، سيسافر.
الشيخ: كيف ليس من أهل الوجوب؟
الطالب: سيسافر.
الشيخ: ولكنه سيسافر من بلده، ولَّا من البلد التي سافر إليها؟
الطالب: من بلده.
الشيخ: من بلده ما يجوز حتى يخرج من البلد، إلى الآن ما صار مسافرًا.
الطالب: سيسافر، يعني هو ..
الشيخ: سيسافر، لكن هل هو الآن على سفر؟ ولا على نية السفر؟
الطالب: على نية السفر.
الشيخ: إي، الآية ﴿عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: ١٨٥].
[ ١ / ٣٣٣٥ ]
طالب: جزاك الله خيرًا، إذا واحد رأى الهلال وحده ورد قوله فيلزمه الصوم؛ فكيف نجمع بين هذا القول وقول الرسول ﷺ: «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ» (١٦)، الناس لا يصومون وهو يصوم، فهذا خالف إجماع الأمة؟
الشيخ: أولًا: بارك الله فيك الحديث: «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ»، هم ما اجتمعوا على ضلالة؛ لأن هذا الرجل مخالف، عرفت؟ وهذا الحديث أيضًا في صحته نظر، بعضهم حسَّنه وبعضهم ضعفه، لكن ظاهر القرآن مثل قوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: ١١٥] أن الإجماع حجة.
الطالب: دليل وجوب الإمساك يا شيخ حديث صوم عاشوراء () صوم عاشوراء نسخ صومه () الواجب () فكيف نقول رمضان؟ نقيس على رمضان؟
الشيخ: شيخ الإسلام ما يستدل به على وجوب الإمساك، وجوب الإمساك ما فيه إشكال، يستدل به على عدم وجوب القضاء.
الطالب: وجه الدلالة؟
الشيخ: وجه الدلالة أن الرسول ما ألزم الذين لم يمسكوا إلا في أثناء النهار ما ألزمهم بالقضاء.
الطالب: هذا في يوم عاشوراء.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: كيف نقيس على رمضان؟
الشيخ: إي، هذا قبل أن ينسخ، ما ألزمهم.
الطالب: ().
الشيخ: ما يخالف، لكن حين كان واجبًا لم يلزمه بالقضاء، ما قال: ومن كان مفطرًا فليقضِ، بل أمره بالإمساك دون القضاء.
الطالب: () يوم عاشوراء هذا؟
الشيخ: إي، لكن حين كان واجبًا فحكمه حكم رمضان، يعني قبل أن يُنسخ؛ لأن هذا الإيجاب قبل أن يُنسخ.
طالب: جزاك الله خيرًا يا شيخ؛ بالنسبة للإدام لطعام المفدي، هل على سبيل الاستحباب أم على سبيل الوجوب؟
الشيخ: أحسن، ما هو على سبيل الوجوب.
الطالب: استحباب.
طالب آخر: شيخ، قدم رجل من سفر على زوجة له لم تُبيِّت النية، له أن يجامعها؟
الشيخ: لا، هي يلزمها الإمساك.
[ ١ / ٣٣٣٦ ]
الطالب: ما بيَّتت النية.
الشيخ: إي، ولو ما بيتت، يلزمها الإمساك.
الطالب: ولو جامعها؟
الشيخ: ما يجوز يجامعها، إذا جامعها أفسد.
الطالب: ().
الشيخ: ما يجوز، ولا يجوز ترضع.
الطالب: جاهلة.
الشيخ: لازم يمازح في الشيء، إذا كانت جاهلة ما عليها شيء.
طالب: شيخ، ما صحة من يقول: أنه يثبت رؤية الهلال قبل غروب الشمس؟
الشيخ: ويش لون؟
الطالب: يعني بمجرد يرى الهلال قبل غروب الشمس ويثبت أنه غدًا صيام.
الشيخ: يعني قصدك يُرى قبل طلوع الشمس في المشرق؟
الطالب: لا، الغروب أنه يرى الهلال، ما هو بلازم بعد الغروب.
الشيخ: لا، هو لا يثبت رؤيته إلا بعد الغروب.
الطالب: والدليل؟
الشيخ: الدليل، هذا الهلال شرعًا وعرفًا؛ لأنه لو غاب قبلها ما صار، ما هل ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ١٢] وهو القمر، فإذا غاب قبل الشمس ما صار له سلطان.
الطالب: بالنسبة لإنقاذ غريق، هذا يصير أمرًا اضطراريًّا ().
الشيخ: كيف؟
الطالب: ().
الشيخ: ويش لون؟
الطالب: () عندي إشكال الفرق بين ().
الشيخ: يعني أنت ودك أن الذي أنقذ الغريق نأمره بالإمساك؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: لا، ما يصح؛ لأن الآن هذا الرجل حلَّ له الفطر، كامرأة مثلًا في أثناء النهار جاع صبيها، ولم يقبل ثدي غيرها، ولا يمكن أن ترضعه إلا بعد أن تفطر.
الطالب: ().
الشيخ: لا، واضح.
الطالب: شيخ الإسلام استدل بقاعدة: أن العبادات لا تلزم قبل بلوغها المكلف، كيف تجيب عن هذا يا شيخ؟
الشيخ: نجيب عن هذا قبل بلوغ المكلَّف الحكم الشرعي، أما سبب الوجوب فلا يدخل في هذا؛ لأن لو قال قائل: أنا ما علمت أن الشمس زالت، هل نسقط عنه صلاة الظهر؟
وهذا مراده، إن ما تلزم قبل العلم؛ يعني العلم بالحكم الشرعي، لا العلم بسبب الوجوب، ويش ها الكلام هذا، ويش تقول؟
[ ١ / ٣٣٣٧ ]
طالب: مصرف الزكاة يا شيخ، قلتم: ممكن الإنفاق على طلاب العلم من مصرف في سبيل الله، فهل الإنفاق على بناء مدرسة أو مستشفى في بلد إسلامي يعاني من التنصير يدخل في هذا الإطار؟
الشيخ: لا، ما يدخل في هذا، هذه من أعمال البر العامة، لكن مسألة العلم جهاد في سبيل الله؛ لأن الدين الإسلامي يقوم بالعلم والجهاد.
الطالب: بناء مدرسة مش علم؟
الشيخ: لا، بناء المدرسة سكن لطلاب العلم.
طالب: شيخ، لو قال: ما عندنا إلا الزكاة يا شيخ، نحن نتبرع.
الشيخ: لا يتبرعون، يصرفون الزكاة في مصارفها.
الطالب: شيخ، سؤال () أوردتم الرجل لا يجامع امرأته ().
الشيخ: لو حدث عن جهل ما عليهم شيء، القاعدة: أن كل محظور فعله الإنسان جاهلًا فلا شيء عليه.
الطالب: لو فعله، هو لم يذكر هذا الأمر، نسي ().
الشيخ: كيف لو؟
الطالب: جامع امرأته، ثم تذكر هذا أنه نسي الصوم؟
الشيخ: ما يخالف، ما عليه شيء.
طالب: أحسن الله إليكم يا شيخ، ()؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: وإذا تبين ().
الشيخ: يتحرى ويصوم.
الطالب: وإذا تبين ().
الشيخ: عند الفقهاء يقولون: إن تبين أنه وافق الشهر أو بعده أجزأ، وإن تبين أنه قبله لم يجزئ.
طالب: رجل عليه صوم واجب من قضاء أو نذر في غير رمضان، وفي أثناء النهار أبدل هذه النية من صوم واجب إلى صوم نفل، ثم بعد العصر أو شيء من ذلك جاءه ضيف فأكل معه، هل عليه شيء؟
الشيخ: إي نعم، نقول: إن الواجب إذا شرع فيه الإنسان لا يمكن أن يحوله إلى نفل.
الطالب: قياسًا على الصلاة.
الشيخ: قياسًا على الصلاة وغيرها، والأصل أنه من شرع في واجب لزمه المضي فيه.
***
[ ١ / ٣٣٣٨ ]
طالب: لا يرجى برؤه أطعم لكل يوم مسكينًا، ويُسن لمريض يضره، ولمسافر يقصر، وإن نوى حاضر صوم يوم، ثم سافر في أثنائه فله الفطر، وإن أفطرت حامل، أو مرضع خوفًا على أنفسهما قضتاهُ فقط، وعلى ولديهما قضتاه، وأطعمتا لكل يوم مسكينًا، ومن نوى الصوم، ثم جُنَّ أو أُغمي عليه جميعَ النهار، ولم يفق جزءًا منه لم يصح صومه، لا إن نام جميع النهار.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا شروط من يلزمه الصوم وأنها؟
طالب: يلزمه الصوم.
الشيخ: نعم.
الطالب: مسلم.
الشيخ: نعم.
الطالب: مكلف.
الشيخ: نعم.
الطالب: مقيم.
الشيخ: نعم.
الطالب: المعافى، لا يكون مريضًا.
طالب آخر: القادر.
الشيخ: القادر، طيب، المكلَّف يعني البالغ العاقل، فالشروط إذن: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والإقامة، والقدرة، وفيه سادس: الخلو من الموانع؛ يعني ألا تكون المرأة حائضًا ولا نفساء.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (ومن أفطر لكِبر أو مرض لا يُرجى برؤه أطعم لكل يوم مسكينًا)، (مَنْ أفطر لكبر): اللام هنا للتعليل؛ أي من أجل الكبر، وهو التقدم في السن، يتقدم في السن، ثم يعجز عن الصوم.
الطالب: إذا قامت البينة يا شيخ في أثناء النهار وجب الإمساك.
الشيخ: ما يخالف، يقول: (إذا قامت البينة في أثناء النهار وجب الإمساك والقضاء على كل من صار في أثنائه -أي في أثناء النهار- أهلًا لوجوبه)، أي: لوجوب الصوم، مثل صغير بلغ في أثناء النهار يجب عليه الإمساك، مجنون عقل في أثناء النهار يجب عليه الإمساك؛ لوجود سبب الوجوب في أثناء النهار، فإذا وجد السبب وجد أيش؟ المسبب، فإذا بلغ الصبي وجب عليه أن يمسك حتى لو كان قد أكل أو شرب في أول النهار فإنه يلزمه الإمساك.
[ ١ / ٣٣٣٩ ]
وكذلك أيضًا يلزمه على المذهب القضاء، والصحيح أن القضاء لا يلزمه؛ وذلك لعدم وجود سبب الوجوب في أول النهار، فهو في أول النهار غير مكلَّف، فإذا وُجِد سبب التكليف في أثناء النهار وجب عليه الإمساك فقط، وكذلك المجنون، لو كان الرجل مجنونًا، ثم عقل في أثناء النهار في رمضان فإنه يجب عليه الإمساك لوجود سبب الوجوب وهو العقل.
قال المؤلف: (والقضاء) يعني ويجب عليه القضاء، وهذا أحد القولين في المسألة، قالوا: يجب عليه الإمساك؛ لأنه صار أهلًا للوجوب، ويجب عليه القضاء؛ لأنه لم ينوِ من أول النهار، ولهذا لو كان صائمًا، وبلغ في أثناء النهار، فإنه لا يلزمه القضاء؛ لأنه قد نوى الصوم من أول النهار، ولكن الكلام على من نوى في أثناء النهار.
والصحيح أنه لا يلزمه القضاء لعدم تكليفه، وعُلم من كلام المؤلف أن من علم أنه يبلغ غدًا فإنه لا يلزمه الصوم، من أين يؤخذ؟
من قوله: (في أثناء النهار وجب الإمساك)، فإذا قدرنا أن هذا الشخص يعلم أنه غدًا يتم له خمس عشرة سنة -أي يبلغ في أثناء النهار- فإنه لا يلزمه الإمساك لعدم التكليف، وكذلك من علم أنه يقدم بلده غدًا فإنه لا يلزمه الصوم، في المسألة الأولى يعلم أنه يبلغ غدًا لا يلزمه الصوم، وكذلك إذا علم أنه يقدم غدًا فإنه لا يلزمه الصوم.
قال: (وكذا حائض ونفساء طهُرتا)، (وكذا) أي وكمن صار في أثنائه أهلًا للوجوب، حائض ونفساء طهُرتا، من المعلوم أن الحائض والنفساء لا يجب عليهما الصوم، ولا يصح منهما أيضًا، لا يصح من الحائض والنفساء الصوم، فإذا طهُرتا في أثناء النهار، فماذا يجب؟ يقول المؤلف: إنه يلزمهما شيئان: الأول: الإمساك، والثاني؟
طلبة: القضاء.
الشيخ: القضاء، الإمساك لزوال المانع، والقضاء لعدم النية من أول النهار.
[ ١ / ٣٣٤٠ ]
وهذا الذي ذهب إليه المؤلف هو أحد القولين في المسألة؛ للعلة التي سمعتم، والقول الثاني: أنهما لا يلزمهما الإمساك؛ وذلك لأن النهار في حقهما غير محترم؛ إذ إنه يجوز لهما الفطر في أول النهار ظاهرًا أيش؟
طلبة: وباطنًا.
الشيخ: ظاهرًا وباطنًا، فلا يلزمهما الإمساك، والإمساك هنا لا يستفيدان به شيئًا، وإنما هو مجرد حِرمان، فالقول الراجح في هذه المسألة -أي فيما إذا طهُرت الحائض أو النفساء- أنه لا يلزمهما الإمساك، ولكن يلزمهما القضاء؛ لأنهما لم يصوما هذا اليوم.
قال: (ومسافر قدم مفطرًا) أي: يلزمه الإمساك والقضاء، يلزمه الإمساك لزوال المانع من الوجوب؛ وهو السفر، ويلزمه القضاء؛ لأنه لم ينوِ من أول النهار؛ أي من قبل الفجر، وبناءً على ذلك -أي على هذا التعليل- لو أن المسافر نوى الصوم من قبل الفجر، ثم قدم البلد فصيامه صحيح، ولا يلزمه القضاء؛ لأنه نوى الصوم.
وعُلم من كلام المؤلف أنه لا يلزم المسافر إذا عَلِم أنه يقدم غدًا أن يصوم، وهذا أحد القولين في المسألة وهو الصحيح.
والمذهب أنه يلزمه أن يصوم؛ لأنه يعلم أنه سيزول المانع غدًا، ويلزمه الإمساك، ولكن القول الصحيح أنه لا يلزمه الصوم، المسافر إذا قدم مفطرًا يلزمه على كلام المؤلف شيئان: الإمساك، والقضاء، الإمساك لزوال المانع من وجوب الصوم، والقضاء؛ لأنه لم يتم له صوم ذلك اليوم فيلزمه قضاؤه.
[ ١ / ٣٣٤١ ]
والقول الثاني في المسألة: أنه لا يلزمه الإمساك، وإنما يلزمه القضاء؛ لأن هذا يجوز له أن يُفطر في أول النهار ظاهرًا وباطنًا، وعليه فيكون الفرق بين هاتين المسألتين والمسألة الأولى أو المسألتين الأوليين، الفرق بينهما أنه في المسألتين الأوليين وجد سبب الوجوب، وفي الأخريين زال المانع، فالفرق بينهما إذن أن المسألتين الأوليين من باب وجود سبب الوجوب، والأخريين من باب زوال المانع، وإلا فإن الحائض والنفساء والمسافر كل منهم يلزمه الصوم، فسبب الوجوب متحقق بحقه، لكن وُجد المانع، فنحن نقول: هؤلاء الثلاثة لا يجب عليهم الصوم لوجود المانع، فإذا كان يحل لهم الأكل والشرب في أول النهار، فليكن كذلك في آخر النهار.
وقد قال ابن مسعود ﵁ فيما ذكره عنه في المغني: مَن أكل أول النهار فليأكل آخر النهار (١٢).
هنا مسألة الثالثة مثل هذه وهي ما إذا برئ المريض فإنه يلزمه على المذهب الإمساك والقضاء، إذا برئ في أثناء النهار، لزمه الإمساك لزوال المانع، والقضاء؛ لأنه لم ينوِ من قبل الفجر، والصحيح أنه لا يلزمه الإمساك، وإنما يلزمه القضاء فقط، فهذه ثلاث مسائل، بل أربع مسائل: الحائض إذا طهرت في أثناء النهار، النُّفساء إذا طهرت في أثناء النهار، المسافر إذا قدم مفطرًا، المريض إذا برئ مفطرًا، فهؤلاء الأربعة كلهم يلزمهم شيئان: الإمساك، والقضاء، والصحيح أنه لا يلزمهم إلا القضاء.
وبناء على ذلك لو قدم الإنسان بلده مفطرًا ووجد امرأته قد اغتسلت من الحيض لطُهرها في أثناء النهار فإنه يجوز له جماعها، وعليه يلغز بها فيقال: رجلٌ مكلَّف، بالغ، عاقل، مقيم، قادر جاز له أن يجامع في أثناء النهار في رمضان، فما هذه الصورة؟ نقول: هذه الصورة فيما إذا قدم المسافر مفطرًا ووجد امرأته قد طهرت من الحيض في أثناء النهار، فإنه يجوز له أن يجامعها ولا شيء عليه، وهذا هو القول الراجح كما علمتم.
[ ١ / ٣٣٤٢ ]
بقي علينا فيما لو علم أنه يفطر غدًا، أنا قلت قبل قليل: إنه يلزمه الإمساك، ولكن الصحيح أنه لا يلزمه الإمساك حتى على المذهب، لماذا؟ لأنه ليس بمكلَّف، لعدم وجود سبب الوجوب، بخلاف من علم أنه يقدم غدًا فإنه يلزمه الإمساك؛ لأن سبب الوجوب موجود في حقه فلزمه، والصحيح في المسألتين أنه لا يلزمه الإمساك فيهما.
خلاصة البحث هذا:
أولًا: إذا تجدد سبب الوجوب.
والثاني: إذا زال المانع.
فالمسألة الأولى إذا تجدَّد سبب الوجوب فإنه.
طالب: يجب الإمساك.
الشيخ: يجب الإمساك، ولا يجب القضاء على الصحيح، والمذهب يجب الإمساك والقضاء، مثاله: من بلغ في أثناء النهار، أو مجنون عقل في أثناء النهار.
المسألة الثانية: إذا زال المانع في أثناء النهار فالمذهب يلزم الإمساك والقضاء، والصحيح أنه يلزم القضاء دون الإمساك.
ثم قال المؤلف ﵀: (ومن أفطر لكِبر أو مرض لا يرجى برؤه أطعم لكل يوم مسكينًا)، (من أفطر لكِبر): اللام هنا للتعليل؛ أي بسبب الكبر، فإن الإنسان إذا كبر يشق عليه الصوم، والكبر لا يُرجى برؤه، أليس كذلك؟ لأن الرجوع إلى الشباب مُتعذِّر:
لَيْتَ وَهَلْ يَنْفَعُ شَيْئًا لَيْتُ
لَيْتَ شَبَابًا بُوعَ فَاشْتَرَيْتُ
فالكبير لا يمكن أن يرجع شابًّا، فإذا أفطر لكبر ..
ومَن أَفْطَرَ لكِبَرٍ أو مَرَضٍ لا يُرْجَى بُرْؤُه أَطْعَمَ لكلِّ يومٍ مِسكينًا، وسُنَّ لمريضٍ يَضُرُّه، ولمسافرٍ يَقْصُرُ، وإن نَوَى حاضرٌ صومَ يومٍ ثم سافرَ في أثنائِه فَلَه الفِطْرُ، وإن أَفْطَرَتْ حاملٌ أو مُرْضِعٌ خَوفًا على أنفسِهما قَضَتَاهُ فقطْ، وعلى وَلَدَيْهما قَضَتَا وأَطْعَمَتَا لكلِّ يومٍ مِسكينًا، ومَن نَوَى الصومَ ثم جُنَّ أو أُغْمِيَ عليه جميعَ النهارِ ولم يُفِقْ جزءًا منه لم يَصِحَّ صَوْمُه، لا إن نامَ جميعَ النهارِ، ويَلْزَمُ الْمُغْمَى عليه القضاءُ فقط
[ ١ / ٣٣٤٣ ]
لأنه ليس بمكلَّف؛ لعدمِ وجودِ سَبَبِ الوجوبِ، بخلافِ مَنْ عَلِمَ أنه يقدم غدًا فإنه يَلْزمُهُ الإمساك؛ لأن سببَ الوجوبِ موجودٌ في حقِّه فلَزِمَهُ، والصحيح في المسألتينِ أنه لا يَلْزمه الإمساكُ فيهما.
خلاصةُ البحثِ هذا:
أولًا: إذا تجدَّد سببُ الوجوب، والثاني: إذا زالَ المانع.
في المسألة الأولى: إذا تجدَّدَ سببُ الوجوبِ فإنه يجبُ الإمساك، ولا يجب القضاءُ على الصحيح، والمذهب: يجب الإمساكُ والقضاءُ، مثاله: مَنْ بَلَغَ في أثناء النهار، أو مجنونٌ عقلَ في أثناء النهار.
المسألة الثانية: إذا زالَ المانعُ في أثناء النهار فالمذهب: يَلْزم الإمساكُ والقضاءُ. والصحيحُ أنه يَلْزم القضاءُ دون الإمساك.
***
ثم قال المؤلف ﵀: (ومَنْ أفطرَ لِكِبَرٍ أو مَرَضٍ لا يُرْجَى بُرْؤُهُ أَطْعَمَ لكُلِّ يومٍ مسكينًا).
(مَنْ أَفْطَرَ لِكِبَرٍ) اللام هنا للتعليل؛ أي: بسببِ الكِبَر؛ فإنَّ الإنسانَ إذا كَبِر يشقُّ عليه الصوم، والكِبَر لا يُرجَى بُرْؤُهُ، أليس كذلك؟ لأنَّ الرجوع إلى الشباب متعذِّر.
لَيْتَ وَهَلْ يَنْفَعُ شَيْئًا لَيْتُ
لَيْتَ شَبَابًا بُوعَ فَاشْتَرَيْتُ
فالكبير لا يُمكن أنْ يرجع شابًّا، فإذا أفطرَ لِكِبَرٍ فإنه ميؤوسٌ مِن قُدرته على الصوم فيَلْزمه الفدية.
كذلك مَنْ أفطرَ لمرضٍ لا يُرجَى بُرْؤُهُ، ويُمثِّل كثيرٌ من العلماء فيما سبق بالسِّلِّ؛ يقولون: إنه لا يُرجَى بُرْؤُه، لكن المثال في الوقت الحاضر غير صحيحٍ، لماذا؟ لأن السِّلَّ صار مما يُمكن بُرْؤُه، لكنْ يُمكن أنْ نُمثِّل في الوقت الحاضر بأيش؟
طلبة: بالسرطان.
الشيخ: بالسرطان، نسأل الله العافية؛ فإنَّ السرطان لا يُرجَى بُرْؤُه، فإذا مَرِضَ الإنسانُ بمرضِ السرطانِ وعَجَزَ عن الصومِ صار حُكمه حكْمَ الكبير الذي لا يستطيع الصوم، يَلْزمه فديةٌ عن كل يوم.
وهنا نحتاج إلى أمرينِ:
الأمر الأول: ما وجْهُ سقوطِ الصومِ عنه؟
[ ١ / ٣٣٤٤ ]
فيُقال: وجْهُ السقوطِ عدمُ القُدرة، وليس كالمريض الذي قال الله تعالى فيه: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]؛ لأن المريض يُرجَى بُرْؤُهُ وهذا لا يُرجَى، فسقط وجوبُ الصومِ عنه للعجزِ عنه.
المسألة الثانية: ما هو الدليلُ على وجوب الفِدية؟ لأنَّه إذا سَقَطَ عنه وجوبُ الصومِ للعجْزِ عنه فإنه قد امتثلَ أمرَ اللهِ في قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، فما الدليلُ على وجوب الفِدية؟
قُلْنا: الدليلُ على ذلك أنَّ ابن عباسٍ ﵄ قال في الشيخِ والشيخةِ -يعني الكبيرينِ- إذا لم يُطِيقا الصومَ: يُطعِمانِ عن كلِّ يومٍ مسكينًا (١)، واستدلَّ بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]، استدلَّ بهذه الآية، الحكْم صادرٌ من صحابيٍّ، ومعلومٌ خلافُ العلماء في قول الصحابي هلْ هو حُجَّةٌ أو ليس بِحُجَّة، لكنه هنا قولُ صحابيٍّ في تفسير آيةٍ، وإذا كان في تفسير الآية فقد ذهب بعضُ العلماء إلى أنَّ تفسير الصحابيِّ له حُكْم الرفعِ، وإنْ كان هذا القولُ ضعيفًا، لكنْ لا شكَّ أنه إذا حَكَمَ واستدلَّ بالآية فإن استدلاله بالآيات أصحُّ من استدلالِ غيرِهِ، فما وجْهُ الدلالة من الآية؟ إذْ يُمكن لكلِّ واحدٍ أن يقول: إنَّ الآية يقول الله فيها: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾، والكبير لا يُطيق، فكيف استدلَّ ابنُ عباسٍ بهذه الآية على الذي لا يُطيق؟
[ ١ / ٣٣٤٥ ]
نقول: استدلالُ ابنِ عباسٍ ﵄ بهذه الآية استدلالٌ عميقٌ جدًّا، وَجْهُهُ أنَّ الله قال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، فجعلَ الفِديةَ معادِلةً للصوم، وهذا في أول الأمر لَمَّا كان الناسُ مُخَيَّرينَ بين الصومِ والفديةِ، فلمَّا تعذَّرَ أحدُ البَدَلينِ ثبتَ الآخَرُ؛ لَمَّا تعذَّر الصومُ ثبتت الفديةُ، فهو استدلالٌ يدلُّ على عُمْقِ فَهْمِ ابنِ عباسٍ ﵄، وإلَّا فإنَّ مَنْ أخذَ بظاهرِ الآيةِ يقول: الآيةُ ما تدلُّ على هذا، الآيةُ تدلُّ على أنَّ الذي يُطيق إمَّا أنْ يفدي وإمَّا أنْ يصوم، والصومُ خيرٌ. لكنْ نقول: وجْهُ ذلك أنه لَمَّا جعلَ اللَّهُ ﷾ الفديةَ عديلًا للصوم في مقامِ التخييرِ دلَّ ذلك على أنها تكون بَدَلًا عنه عند العجزِ عنه، وهذا واضح. وعلى هذا فمَنْ أفطر لكِبَرٍ أو مرضٍ لا يُرجَى بُرْؤُه فإنه يُطعِم عن كلِّ يومٍ مسكينًا.
ولكنْ ما الذي يُطْعَم؟
يُطْعَمُ كلُّ ما يُسمَّى طعامًا مِن تمرٍ أو بُرٍّ أو رُزٍّ أو غيرِه.
وكمْ؟
نقول: هنا لم يُقَدَّر ما يُعْطَى، المعطَى غيرُ مقدَّرٍ، فيُرجَع فيه إلى العُرف، إلى ما يَحْصُل به الإطعامُ، وكان أنس بن مالكٍ ﵁ لَمَّا كَبِرَ كان يجمع ثلاثينَ فقيرًا فيُطعمهم خبزًا وأُدْمًا، وعلى هذا فإذا غَدَّى المساكينَ أو عَشَّاهم كفى، فإذا جمعَ ثلاثينَ فقيرًا في آخِرِ يومٍ من رمضان وعشَّاهم كفاه عن الفدية.
وقال بعضُ العلماء: لا يصحُّ الإطعامُ، بلْ لا بدَّ من التمليك. وعليه فقالوا: إنَّ الواجب مُدٌّ من البُرِّ أو نصفُ صاعٍ مِن غيره. وقيل: بل الواجب نصفُ صاعٍ من أيِّ طعامٍ كان.
فالذين قالوا بالأول قالوا: إن مُدَّ البُرِّ يُساوي نصفَ صاعٍ من الشعير؛ لأنه أطيبُ وأغلى في نفوسِ الناس.
[ ١ / ٣٣٤٦ ]
والذين قالوا بأنه نصفُ صاعٍ على كلِّ حالٍ قالوا: لأن النبي ﷺ قال لكعب بن عُجرة في فِدية الأذى: «أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصفُ صَاعٍ» (٢). قالوا: وهذا نصٌّ في تقدير النبي ﵌، فيُقاس عليه كلُّ فديةٍ وتكون نصفَ صاعٍ.
ثم ما المرادُ بنصف الصاع؟ هلْ يُرجَعُ في الصاعِ إلى العُرف، أو يُرجَعُ فيه إلى الصاعِ النبويِّ؟
لم أعلم أنَّ أحدًا من العلماء قال: إنه يُرجَع في الصاع إلى العُرف. بينما الدراهمُ والدنانيرُ ذهبَ شيخ الإسلام إلى أنه يُرجَع فيها إلى العُرف؛ يعني نِصاب الدراهم كمْ مِن درهمٍ؟
طلبة: ().
الشيخ: مِئتا درهمٍ؛ قال في حديث أنس بن مالكٍ الذي كَتَبَهُ أبو بكرٍ قال: وفي الرِّقَةِ في كلِّ مِئَتَيْ درهمٍ ربعُ العُشْرِ (٣). فمِن العلماء مَن قال: المرادُ بمئتي الدرهم خمسُ أواقٍ. فاعتبر الوزنَ، ومنهم مَن اعتبرَ العددَ كشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وقال: الدرهمُ ما سَمَّاهُ الناسُ درهمًا، ولو كان كالْجَمَلِ في كِبَرِهِ أو كان كنصفِ التمرةِ مَثَلًا، العبرةُ بالعدد. لكن الأصواع -حتى عند شيخ الإسلام ﵀- لم يرجع فيها إلى العُرف، بل رجع فيها إلى الصاعِ؛ صاعِ النبيِّ ﵌، وعلى هذا فنقول: نصفُ صاعٍ مِن صاعِ النبيِّ ﵌.
وقد حرَّرَ عُلماؤنا -﵏- الصاعَ المعروفَ الآن بين أيدينا هنا في القصيم فوجدوه يزيد على الصاعِ النبويِّ رُبعًا؛ يعني أضِفْ إلى الصاعِ النبويِّ رُبعَهُ يَكُن الصاعُ الحاضرُ؛ أي إنَّ الصاعَ النبويَّ أربعةُ أخماسِ الصاعِ الموجود، فَهِمْتُمْ؟ صاعُنا الموجودُ خمسةُ أمدادٍ نبويةٍ، وصاعُ الرسولِ أربعةُ أمدادٍ نبويةٍ.
[ ١ / ٣٣٤٧ ]
الخلاصة الآن: مَنْ عَجَزَ عن الصوم عجزًا لا يُرْجَى زوالُهُ وجبَ عليه الإطعامُ، ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، وهلْ يُجزِئ أنْ يُغدِّيَهُمْ أو يُعَشِّيَهُمْ أمْ لا بدَّ مِن التمليك؟ على قولينِ، والراجح أنه يُجزئ.
طالب: ()؟
الشيخ: الراجحُ أنه يُجزئ الإطعامُ ويُجزئ التمليكُ.
***
قال: (وسُنَّ لمريضٍ يضرُّهُ، ولمسافرٍ يَقْصُر).
(سُنَّ) الضمير يعود على؟
طالب: ().
الشيخ: لا.
طالب: الفِطر.
الشيخ: الفِطر؛ لأنه قال: أفطر؛ وَمَنْ عَجَزَ عنه لكِبَرٍ لا يُرجَى بُرْؤُه أطعمَ لكلِّ يومٍ مسكينًا؛ يعني: وأفطرَ.
(وسُنَّ) يعني الفِطر (لمريضٍ يضرُّهُ)؛ فإذا كان الإنسانُ مريضًا يضرُّه الصومُ فالإفطارُ في حقِّهِ سُنَّةٌ، هكذا قال المؤلف ﵀؛ وذلك أنَّه إذا لم يُفطِر فقد عَدَلَ عن رُخصةِ اللهِ ﷾، والعدولُ عن رُخصةِ اللهِ خطأٌ، فالذي ينبغي للإنسانِ أنْ يَقْبل رُخصةَ اللهِ.
والصحيحُ في هذه المسألة أنَّه إذا كان يضرُّه فإنَّ الصومَ حرامٌ والفِطرَ واجبٌ، هذا هو الصحيح؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، والنهي هنا يشمل القتلَ الذي هو إزهاقُ الرُّوحِ، ويشمل ما فيه ضررٌ، والدليلُ على أنه يشمل ما فيه ضررٌ حديثُ عمرو بن العاص ﵁ أنَّه صلَّى بأصحابِهِ وعليه جَنابةٌ، لكنه خاف البردَ فتيمَّمَ، فقال له النبيُّ ﷺ: «صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ»؟ قال: يا رسولَ اللهِ، ذكرتُ قولَ الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ –يعني: وإنِّي خِفْتُ البردَ- فأقرَّهُ النبيُّ ﷺ على ذلك (٤).
فالصوابُ أنَّ المريضَ بالنسبةِ للصومِ ينقسمُ إلى أقسامٍ:
[ ١ / ٣٣٤٨ ]
الأول: مَنْ لا يتأثَّر بالصوم؛ مِثل الزُّكامِ اليسيرِ، وجعِ الرأسِ اليسيرِ، وجعِ الضِّرسِ، وما أَشْبه ذلك؛ فهذا لا يَحِلُّ له أن يُفطر، وإنْ كان بعضُ العلماء قال: يَحِلُّ له؛ لعموم قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا﴾ [البقرة: ١٨٥]. ولكننا نقول: إنَّ هذا الحكْمَ مُعَلَّلٌ بعِلَّةٍ وهي أنْ يكون الفِطر أَرْفَقَ له، فحينئذٍ له الفِطر، أمَّا إذا كان لا يتأثَّر فإنه لا يجوز له الفِطر ويجب عليه الصوم.
الحالُ الثانية: المريضُ الذي يشقُّ عليه الصومُ ولا يضرُّهُ، فهذا يُكره له أنْ يصوم، ويُسَنُّ له أن يُفطر.
الحالُ الثالثة: أنْ يضرَّهُ الصومُ؛ كرجُلٍ مصابٍ بمرضِ الكُلَى أو بمرضِ السُّكَّرِ وما أَشْبَهَ ذلك؛ فالصومُ عليه حرامٌ، ولا يحلُّ له أنْ يصوم.
ولكنْ لو صامَ في هذه الحالِ هلْ يُجزئه الصوم؟
قال أبو محمَّدٍ ابنُ حزمٍ ﵀: لا يُجزِئه الصوم؛ لأن الله تعالى جعلَ للمريض عِدَّةً من أيامٍ أُخَر، فإذا صامَ في مرضِهِ فهو كالقادرِ الذي يصومُ في شعبان؛ لأنه لم يأتِ وقتُ صومِهِ بعدُ، وقْتُ صومِهِ إذا عُوفِيَ، فإذا صامَ في مرضِهِ فقد صامَ قبل وقْتِهِ فلا يُجزئه، وحينئذٍ يَلْزمه القضاء.
وقولُ أبي محمدٍ على القاعدة المشهورة أنَّ ما نُهِيَ عنه لِذَاتِهِ فإنه لا يُجزئ، لا يَقَعُ مُجزِئًا، فإذا قُلنا بالتحريم فإنَّ مقتضى القواعدِ أنه إذا صامَ لا يُجزِئُهُ؛ لأنه صومٌ مَنْهِيٌّ عنه كالصوم في أيامِ التشريقِ وكالصوم في أيامِ العيدينِ لا يَحِلُّ ولا يصِحُّ، وبهذا نعرفُ خطأ بعضِ المجتهدين المرضى الذين يشقُّ عليهم الصومُ، وربما يضرُّهم الصومُ، ولكنهم يأبَوْن أنْ يُفطِروا، نقول: هؤلاء أخطؤوا حيثُ لم يَقْبلوا كَرَمَ اللهِ ﷿، لم يَقْبلوا رُخصته وأضرُّوا بأنفسهم، واللهُ ﷿ يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾.
إذَنالصوابُ في قول المؤلف: (وسُنَّ لمريضٍ يضرُّهُ)، الصواب أيش؟
[ ١ / ٣٣٤٩ ]
ويجبُ على مريضٍ يضرُّه. يعني: يجبُ الفِطْر على مريضٍ يضرُّه.
قال: (ولِمُسافِرٍ يَقْصُر). يعني: يُسَنُّ الفِطر لمسافِرٍ يَقْصُر، وهو الذي يكون سفرُهُ بالغًا لِمسافةِ القَصْر، فأمَّا المسافرُ سفرًا قصيرًا فإنه لا يُفطِر.
وسَفَرُ القصْرِ على المذهب وعلى رأي جمهور العلماء مُقدَّرٌ بالمسافة؛ مسيرةُ يومينِ قاصِدَيْنِ للإبل، وهي ستَّةَ عشر فرسخًا، ومقدارها بالكيلو: واحدٌ وثمانون كيلو وثلاث مئة وأظُنُّ سبعةَ عَشَرَ مترًا أو نحو هذا، بالتقريب لا بالتحديد؛ لأن التحديدَ صعبٌ ولا يُمكن، لكنْ بالتقريب.
فعلى هذا نقول: إذا نوى الإنسانُ سفرًا يَبْلُغُ هذه المسافةَ فإنه مسافرٌ يقصُر، وحينئذٍ يُسَنُّ له أنْ يُفطِر.
فإذا قال قائلٌ: لو صامَ فهلْ يأثم بذلك؟
نقول أيضًا في هذه المسألة: المسافرُ له ثلاثُ حالات:
الحالُ الأولى: ألَّا يتأثَّر بالصوم إطلاقًا؛ مِثْل أنْ يكون في أيامِ البراد، في أيامِ الشتاء، النهارُ قصيرٌ والجوُّ مناسبٌ، ولا يتأثَّر صامَ أو أفطرَ، فهُنا اختلفَ العلماءُ ﵏ هل الفِطْر أفضل، أو الصوم أفضل، أو أنَّ الصوم مكروهٌ، أو أنَّ الصومَ حرامٌ؛ فعلى رأي أبي محمدٍ؟
طلبة: الصومُ حرامٌ.
الشيخ: الصومُ حرامٌ، ولو صامَ لم يُجزِئه، ولكنَّ هذا قولٌ بعيدٌ من الصواب، الصوابُ أنَّ هذا من باب الرخصةِ، والدليلُ على هذا أنَّ أصحابَ النبيِّ ﷺ معه يصومون ويُفطرون، ولَمْ يَعِب الصائمُ على المفطِر ولا المفطِر على الصائم (٥)، والنبيُّ ﵊ نفسُهُ يصوم.
ولكن الصواب في هذه المسألةِ أنَّ للإنسان المسافر حالات:
الأولى: ألَّا يكون في صومه مَزِيَّةٌ على فِطْره ولا عَكْس، ففي هذه الحال نقول: الصومُ أفضلُ على القول الراجح، وهو مذهب الشافعي ﵀، الصوم أفضل لأدلَّةٍ:
[ ١ / ٣٣٥٠ ]
أولا: أنَّ هذا فِعْلُ الرسولِ ﵊؛ قال أبو الدرداء ﵁: كُنَّا مع النبيِّ ﵌ في رمضانَ في يومٍ شديدِ الحرِّ، حتى إنَّ أَحَدَنا لَيَضَعُ يديهِ على رأسِهِ مِنْ شدَّةِ الحرِّ، وما فينا صائمٌ إلَّا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رَوَاحة (٦). هذه واحدة.
ثانيًا: أنه أسرعُ في إبراءِ الذِّمَّةِ؛ لأن القضاء يتأخَّر، والأداء -وهو الصيامُ في رمضانَ- يتقدَّم.
ثالثًا: أنه أسهلُ على المكلَّف غالبًا؛ لأن صومَهُ مع الناس وفِطْرَهُ مع الناس أسهلُ مِن أنْ يستأنفَ الصومَ بَعْدُ كما هو مجرَّبٌ ومعروفٌ.
رابعًا: أنه يُدرِك الزمنَ الفاضلَ، وهو رمضانُ، فإنَّ رمضانَ أفضلُ من غيرِهِ لأنه محلُّ الوجوب.
فلهذه الأوجُهِ يترجَّحُ ما ذهبَ إليه الشافعيُّ ﵀: أنَّ الصومَ أفضلُ في حقِّ مَنْ يكون الصومُ والفِطْرُ عنده سواءً.
الحالُ الثانية: أنْ يكون الفِطر أَرْفَقَ به، فهُنا نقول: الفِطر أفضلُ.
وإذا شقَّ عليه بعضَ الشيءِ صارَ الصومُ في حقِّهِ مكروهًا؛ لأن ارتكابه المشقَّةَ مع وجودِ الرخصةِ يُشْعِر بالعدولِ أو بالعزوفِ عن رُخصة الله ﷿.
الحالُ الثالثة: أنْ يشقَّ عليه مشقَّةً شديدةً غيرَ محتمَلةٍ، فهنا يكون الصومُ في حقِّهِ حرامًا، ودليلُ ذلك أن النبيَّ ﵊ لَمَّا شُكِي إليه أنَّ الناسَ قَدْ شقَّ عليهم الصيامُ وأنَّهم ينتظرون ما يفعل؛ دعا بماءٍ بعد العصرِ وهو على بعيرِهِ ﵊ فأَخَذهُ وشَرِبهُ والناسُ ينظرون إليه، ثم قيل له بعد ذلك: إن بعضَ الناسِ قد صامَ. فقال: «أُولَئِكَ العُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ» (٧). فوصفهم بأيش؟ بالعِصيان، فهذا ما يظهرُ لنا من الأدلَّةِ في صوم المسافر.
[ ١ / ٣٣٥١ ]
وهُنا مسألةٌ: لو سافرَ مَنْ لا يستطيعُ الصومَ لكِبَرٍ أو مرضٍ لا يُرجى بُرْؤُهُ فماذا يصنع؟ هو الآن لا يصومُ سواء في البلدِ أو في السفرِ، ولا يُرجى زوالُ المانعِ في حقِّهِ، فقال بعضُ الفقهاء: إنه لا صومَ عليه ولا فِديةَ؛ لأنه مسافرٌ، والفديةُ بَدَلٌ عن الصومِ، والصومُ يسقطُ في السفر، ولا صومَ عليه لأنه عاجزٌ. ولكنَّ هذا القولَ عليلٌ، أو هذا التعليل عليلٌ؛ لأنَّ هذا الذي على هذه الحال -يعني لا يُرجَى زوالُ عَجْزِهِ- لم يكن الصومُ واجبًا في حقِّهِ أصلًا، وإنما الواجبُ أيش؟ الفديةُ، والفديةُ لا فرقَ فيها بين السفرِ والحضرِ، وعلى هذا فإذا سافرَ مَنْ لا يُرجَى زوالُ المانعِ في حقِّهِ فإنه كالمقيم يَلْزمه فِديةٌ؛ أنْ يُطعِم عن كلِّ يومٍ مسكينًا، والقولُ بأنه يسقطُ عنه الصومُ والفديةُ قولٌ ضعيفٌ جدًّا؛ لأن العِلَّةَ فيه عليلةٌ كما سمعتم.
طالب: ابن حزمٍ -﵀- بم يُجِيبُ عن صيامِ رسولِ الله وصيامِ صحابةِ رسولِ الله؟
الشيخ: نعم، واللهِ لا أعلمُ ماذا يُجيب، لكن الآن لا أرى جوابًا سديدًا له.
الطالب: لا يكون يقصد الصيامَ الذي فيه مشقَّة.
الشيخ: لا، مُطْلَقًَا.
طالب: مجرَّد الصيام؟
الشيخ: مُطْلَقًا.
الطالب: حديثٌ في صحيح مسلم؛ حديثُ عبد الله بن عمر المازنيِّ أنه سأل النبي ﷺ قال: يا رسولَ اللهِ، إنِّي أصومُ في السفرِ ولا يشقُّ عليَّ. فقال: «إِنْ أَفْطَرْتَ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَإِنْ صُمْتَ فَلَا بَأْسَ عَلَيْكَ» (٨).
وأيضًا يا شيخ عمومُ حديثِ النبيِّ ﷺ: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» (٩)، () حتى ولو كان فيه مشقَّةٌ.
الشيخ: ولو لم يكنْ فيه مشقَّةٌ.
[ ١ / ٣٣٥٢ ]
أمَّا حديثُ المازنيِّ ففيه نَظَرٌ، وأمَّا الحديثُ الثاني فلأنَّ النبيَّ ﷺ قاله في حالٍ فيها مشقَّةٌ؛ فإنه رأى رجُلًا قد ظُلِّلَ عليه وحولَهُ زِحامٌ، فقال: «مَا هَذَا؟». قالوا: صائمٌ. فبناءً على هذه الحالِ قال: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ».
طالب: والحديثُ الأوَّلُ؟
الشيخ: الحديثُ الأوَّلُ يحتاجُ إلى نظرٍ.
طالب: بارك الله فيكم، لو قال لنا قائلٌ: إني لا أُسلِّمُ بالاستدلالِ بحديثِ أَنَسٍ؛ لأن هذا يومٌ شديدُ الحرِّ.
الشيخ: أيش؟
الطالب: لو قال لنا قائلٌ: إنَّ الاستدلالَ بحديثِ أَنَسٍ في الصومِ الذي لا يشقُّ غيرُ مُسَلَّمٍ به.
الشيخ: أيش حديث أَنَس؟
الطالب: حديثُ أَنَسٍ قال: كُنَّا في سفرٍ ..
الشيخ: أبي الدرداء.
الطالب: أبي الدرداء .. في يومٍ شديدِ الحرِّ، ولم يكنْ صائم إلَّا النبي ﷺ وعبد الله بن أبي رواحة.
الشيخ: عبد الله بن رواحة.
الطالب: عبد الله بن رواحة.
الشيخ: نعم.
الطالب: هذا الصومُ يشقُّ جدًّا، () يا شيخ غير واضح.
الشيخ: ليش؟ الرسولُ صامَ.
الطالب: الصوم الذي لا يشقُّ.
الشيخ: الرسولُ صامَ، وهلْ يفعلُ الأفضلَ أو غيرَ الأفضلِ؟
الطالب: لا شكَّ أنه يفعلُ الأفضلَ.
الشيخ: نعم، هذا هو.
طالب: () «إِنِّي أَبِيتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي»، فالنبيُّ لا يشقُّ عليه الصومُ.
الشيخ: معه ابنُ رواحة.
الطالب: وقوله: "شديد الحرِّ"، هذا يمكن .. الصوم هنا شاقٌّ جدًّا؟
الشيخ: هو لا شكَّ أنَّه لو صار شديدَ الحرِّ صار يشقُّ على الناس؛ مسافرونَ وفي شِدَّةِ الحرِّ يشقُّ عليهم.
طالب: أحسن الله إليكم، هلْ () تقسيم صوم المسافر على من وافق سفرُهُ يومَ نَفْلِهِ، يوم صيامِ نَفْل؟
[ ١ / ٣٣٥٣ ]
الشيخ: الظاهرُ أنَّهُ لا ينطبقُ؛ لأن صومَ النفْلِ ليس فيه إلزامٌ، لكنْ إذا كان يشقُّ عليه مشقَّةً غيرَ محتمَلَةٍ يقال: لا تفعلْ، ارفُقْ. كما قال الرسولُ ﵊ لعبد الله بن عمرو بن العاص: «إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا» (١٠)، ثم هذا الصومُ الذي تصومُهُ نفْلًا يُمكن أنْ تقضيه في يومٍ آخَر.
الطالب: () ما يُكْرَه يا شيخ؟
الشيخ: لا، ما يُكْرَه.
طالب: المريض إذا صام صِيامه مُحَرَّم لا يعني شيئًا في ذاته. كيف نجاوب عن الكلام هذا؟
الشيخ: أن نقول: إنَّه إذا حَرُمَ الصومُ على المسافرِ ثم صامَ، فإنَّ المتوجِّهَ على القواعدِ أنَّ صومَهُ لا يصِحُّ، إي نعم.
طالب: والجوابُ عن هذا؟
الشيخ: هو يقول: لا يصِحُّ.
الطالب: إي، والجواب عليه أن نقول: يصح، أو: صومه لا يصح؟
الشيخ: الأفضل ما نقول: ()، نقول: مُقْتضَى القواعدِ أنَّه لا يصِحُّ.
الطالب: أحسن الله إليك، الكبيرُ والمريضُ الذي لا يُرجَى بُرْؤُهُ إنْ أَعْسَرَ يا شيخ، الفدية هل تسقطُ عنه؟
الشيخ: إي، هذا سؤالٌ وجيهٌ؛ يقول: إذا أَعْسَرَ المريضُ الذي لا يُرجَى بُرْؤُهُ أو الكبيرُ، فماذا يكون عليه؟ هل يسقطُ عنه؟
الشيخ: نقول: نَعَمْ، يسقطُ، القاعدةُ عندنا أنَّه لا واجبَ مع عَجْزٍ، كلُّ الواجباتِ تسقطُ بالعَجْز، لكنْ إنْ كان لها بَدَلٌ وجبَ بَدَلُها، وإنْ لم يكنْ لها بَدَلٌ سقطتْ إلى غيرِ شيءٍ، ومعلومٌ أنَّ الإطعامَ في المريضِ الذي لا يُرجى بُرْؤُهُ والشيخِ الكبيرِ ليس له بَدَلٌ.
الطالب: لو صامَ عنه غيرُهُ ()؟
الشيخ: عندَ شيخِ الإسلامِ -﵀- أنه جائزٌ؛ لو تطوَّعَ إنسانٌ وصامَ عنه في غيرِ رمضانَ؛ لأن رمضانَ ما يُمكن أن يصومَ أحدٌ عن أحدٍ، لكنْ في غيرِ رمضان، ولكنَّ الصحيحَ أنه لا يصِحُّ أنْ يصومَ أحدٌ عن أحدٍ حيٍّ أبدًا.
[ ١ / ٣٣٥٤ ]
طالب: () النبيُّ ﷺ لَمَّا قال: «أُولَئِكَ العُصَاةُ» (٧) ما أَمَرهم أنْ () صومَ هذا اليوم.
الشيخ: ما الذي أدراك؟
الطالب: ما نُقِلَ إلينا.
الشيخ: وعدمُ النقْلِ ليس نقلًا للعدم، ما دام عندنا القاعدة الشرعية وهي أنَّ الشيءَ المنهيَّ عنه لا يمكن أن يصحَّ؛ لأن هذا فيه مضادَّةٌ لأمْر الله، إذا كان الله قد نَهَى عنه فمعناه أنَّ الله لا يرضاه.
***
طالب: () السفر لضرورةٍ أو لحاجةٍ أو السفر للنزهة؟
الشيخ: إي نعم، السفرُ سواءٌ كان مشروعًا أو مباحًا كالنُّزْهةِ وشبهها لا فَرْقَ.
بَقِيَ السفر المحرَّم أو المكروه، هل يترخَّصُ فيه الإنسانُ بقَصْرِ الصلاةِ والفِطْرِ في رمضانَ وما أَشْبَهَ ذلك؟
فيه قولانِ للعلماء؛ فمذهبُ أبي حنيفة ﵀واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية- أنَّه يترخَّصُ حتى في السفرِ المحرَّمِ، ولكن الصحيح أنَّ السفرَ المحرَّمَ لا رُخْصةَ فيه؛ لأنه يُمْكن للمسافرِ أنْ يتخلَّصَ منه، بماذا؟ بالتوبة؛ نقول: تُبْ وتَرَخَّصْ.
لكنْ لو سافرَ ليُفطِرَ، هل له أنْ يُفطِر؟
لا، ليس له أنْ يُفطِرَ؛ لأنه أراد أنْ يتحيَّلَ على إسقاطِ الواجبِ، والتحيُّلُ على إسقاطِ الواجباتِ لا يُسْقِطُها، فيَحْرُمُ عليه السفرُ ويَحْرُمُ عليه الفِطْرُ، كلاهما يَحْرُمانِ.
طالب: تزوَّجَ في رمضان يا شيخ () يجامع زوجته ()، فقالوا: يسافر ..؟
الشيخ: إذَنْ سافر لأيش؟ ليُجامع، فيَحْرُم عليه.
طالب: الفشل الكلوي لماذا لا نجعلُه مثل السرطان؛ لأنه يتعذَّر وجودُ الكلية الصالحة؟
الشيخ: على كلِّ حالٍ، ما يُمْكن أنْ نُعيِّن مرضًا معيَّنًا، مِثْل كلِّ شيءٍ لا يُرجى بُرْؤُه، فالْحُكْمُ واحدٌ، لكنْ فيه مرض الكلَى غير فشل الكلَى، أحيانًا يكون مرض الكلَى تحتاج الكلية إلى الشرب دائمًا، إي نعم.
طالب: مسألة التمليك ()؟
الشيخ: الإطعام.
الطالب: () التفريق بين البُرِّ و..
الشيخ: وغيره، نعم.
[ ١ / ٣٣٥٥ ]
الطالب: هاتِ الصحيح في هذا.
الشيخ: جمهور العلماء على التفريق، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وبعض العلماء قال: إنه لا فرقَ. ولا شكَّ أن الأحوط أنْ يُقال: إنه لا فرقَ. هذا الأحوط.
الطالب: الرز العادي يا شيخ.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: مو مثل الشعير الآن، مثل البُر.
الشيخ: مثل البُر أو أحسن، إي نعم.
الطالب: () نِصف () رُبع؟
الشيخ: الأحوطُ أنْ يكون النصف، ولكنْ لو قُلنا بالرُّبع فلا بأس.
طالب: () في نهار رمضان، () يَلْزمُهُ القضاءُ.
الشيخ: لا.
الطالب: يَلْزمه الإمساك ولا يَلْزمه القضاء.
الشيخ: نعم.
الطالب: () يَلْزمه القضاء.
الشيخ: يَلْزمه القضاء! لا، لا يُمْكن، أمَّا أنَّ عندك وهمًا.
طالب: يا شيخ، المريض الذي يشقُّ عليه، نأخذُ بقولِه أو بقولِ الطبيب؟
الشيخ: لا، بقوله هو؛ الطبيب ما يعلم أنه يشقُّ عليه أو لا يشقُّ.
الطالب: قد يعلم أنَّه يضرُّه.
الشيخ: لا، الضرر يؤخذ بقولِ الطبيب.
***
طالب: (يجبُ صومُ رمضانَ برؤيةِ هلالِهِ، فإنْ لَمْ يُرَ مَعَ صَحْوِ ليلةِ الثلاثينَ).
الشيخ: () نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
يقول المؤلف: (كتابُ الصيام)، فما هو الصيامُ في اللغة وفي الشرع؟
طالب: في اللغة معناه الإمساك، وفي الشرع () من طلوع الشمس.
الشيخ: لا.
الطالب: هو الإمساك عن الأمور () الشرع.
الشيخ: لا.
طالب: هو التعبُّد لله ﷾ بالامتناعِ عن الأكلِ والشُّربِ والجماعِ ومستلزمات الإفطار من طلوعِ الفجرِ إلى غروبِ الشمسِ.
الشيخ: الأكل والشُّرب وسائر المفطراتِ، التعبُّد لله تعالى بالإمساك عن الأكلِ والشُّربِ وسائرِ المفطراتِ مِن .. كمِّلْ.
الطالب: مِن طلوعِ الفجرِ إلى غروبِ الشمسِ.
الشيخ: إلى غروبِ الشمسِ، أحسنت.
متى فُرِضَ الصيامُ؟
طالب: برؤية الهلال.
الشيخ: لا، متى فُرِض في الشرع الإسلاميِّ؟
الطالب: السنة الثالثة من الهجرة.
[ ١ / ٣٣٥٦ ]
الشيخ: السنة الثالثة من الهجرة، إي، السنة الثالثة؟
طالب: السنة الثانية.
الشيخ: الثانية!
طالب: السنة الثامنة.
الشيخ: الثامنة! هذه ثلاثة أقوال: الثالثة، والثانية، والثامنة.
طالب: السنة الثانية في شعبان.
الشيخ: السنة الثامنة؟ !
الطالب: الثانية.
الشيخ: الثانية في شعبان.
طالب: الثانية.
الشيخ: الثانية، نعم، وهذه بالإجماع، في السنة الثانية بالإجماع، فصامَ النبيُّ ﷺ تسعَ رمضاناتٍ إجماعًا، نعم، اللهم صلِّ وسلِّمْ عليه.
طيب، كيف كان فَرْضُهُ أولًا؟
طالب: كان بالتخيير، إنْ شاء صامَ وإنْ شاء أفطرَ.
الشيخ: وإذا أفطرَ فماذا يصنع؟ عَنْ ..؟
الطالب: عَنْ كلِّ مسكينٍ رُبع صاعٍ.
الشيخ: عن كلِّ يومٍ.
الطالب: مسكينًا.
الشيخ: مسكينًا.
ما هي الحكمة في أنه فُرِضَ على التخيير ثم الإلزام؟
طالب: () التدريج ().
الشيخ: أحسنتَ، التدريج بالتشريع؛ ليَقْبل الناسُ الشريعةَ شيئًا فشيئًا.
هل له نظيرٌ في التدريج؟
طالب: الخمر.
الشيخ: الخمر، كيف كان تدريجه؟
الطالب: أولًا الإباحة.
الشيخ: الإباحة.
الطالب: () تحريمه ().
الشيخ: ثم التعريضُ بالتحريم.
الطالب: ثم تحريمه في وقتٍ، وهو وقتُ الصلاةِ.
الشيخ: نعم.
الطالب: ثم تحريمه ().
الشيخ: أحسنت، أربعُ مراحل: الإباحةُ، ثم التعريضُ بالتحريمِ، ثم تحريمه في وقتٍ معيَّنٍ، ثم تحريمه في جميع الأوقات.
بماذا يثبتُ دخولُ رمضانَ؟
طالب: برؤية عدلٍ.
الشيخ: برؤية عدلٍ.
الطالب: بإكمال ..
الشيخ: شعبانَ. أو؟ المذهب؟
طالب: إذا كانتْ ليلتُه فيها غيمٌ أو قَتَر.
الشيخ: إذا كانتْ ليلةُ الثلاثين من شعبانَ فيها غيمٌ أو قَتَرٌ فيُحكَم بدخوله حُكْمًا ظنِّيًّا لا قطعيًّا.
إذَنْ يُصام بواحدٍ من أمورٍ ثلاثةٍ: شهادة رَجُلينِ أو رَجُلٍ؛ رَجُلانِ أو رَجُلٌ بَيِّنَةٌ، أو إكمال شعبانَ ثلاثين، أو الغيم ليلةَ الثلاثين من شعبان.
[ ١ / ٣٣٥٧ ]
إذا رُئِي في بلدٍ فهلْ يَلْزمُ جميعَ الناسِ الصومُ؟
طالب: فيه تفصيل.
الشيخ: ما التفصيل؟
الطالب: التفصيل، فيه أقوالٌ كثيرةٌ.
الشيخ: التفصيل فيه أقوالٌ! الأقوال غير التفصيل.
الطالب: فيه تفصيل.
الشيخ: الأقوال غير التفصيل، فهلْ أنت تريد: فيه خِلاف؟ يعني بكلمة "فيه تفصيل" يعني: فيه خِلاف؟
الطالب: أردتُ أن أقول: إنه فيه خِلاف.
الشيخ: فيه خِلافٌ. ما الذي مشى عليه المؤلف؟
طالب: الذي مشى عليه المؤلف أنَّه إذا رآه أهلُ بلدٍ صامَ الناسُ كلُّهم.
الشيخ: أحسنتَ.
طيب، ما هو الدليلُ على هذا الحكم؟
طالب: إذا رآه أهلُ بلدٍ؟
الشيخ: إذا رآه أهلُ بلدٍ لَزِمَ الناسَ كلَّهم الصومُ، فما هو الدليل؟
الطالب: قوله ﷺ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» (١١)، وقوله ﷺ ..
الشيخ: وجْهُ الدلالةِ من الحديث: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ»؟
الطالب: أنَّه إذا رآهُ المسلمون في منطقةٍ ما فهذه الرؤية تعُمُّ سائرَ المسلمين ().
الشيخ: إي، يعني الخطاب عامٌّ، «صُومُوا» أيُّها المسلمون «لِرُؤْيَتِهِ» أي: إذا رُئِيَ للأُمَّة.
طيب، القولُ الثاني؟
طالب: أنَّه لا يصومُ إلَّا أهلُ الْمَطْلعِ.
الشيخ: كيف؟
الطالب: إذا اشتركَ أُناسٌ في مَطْلعٍ واحدٍ يصومون.
الشيخ: إذا اتَّفقت المطالعُ في البلادِ وجبَ الصومُ، وإن اختلفتْ؟
الطالب: وإن اختلفتْ فكلُّ أُناسٍ لهم رؤيتُهم.
الشيخ: طيب، ما حُجَّة هذا القول؟
طالب: أنَّ اتفاقَ المسلمين في المطالعِ، إذا اختلفت المطالعُ فهم لا () قول الرسولِ ﷺ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ»؛ وجْهُ الدلالة أنَّ عند اختلاف المطالعِ لا يكون رؤيةٌ للمختلفين في المطالع، () لا يكون رؤية لهم.
الشيخ: ذكرْنا فيه دليلًا من القرآن والسُّنَّة والقياس.
[ ١ / ٣٣٥٨ ]
الطالب: قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فأولئك الذين لم يتَّفقوا في المطالعِ لم يشهدوا الشهر.
الشيخ: لا حقيقةً ولا حُكْمًا. طيب، هذا من القرآن. من السُّنَّة؟
طالب: قال النبي ﷺ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ»، هؤلاء لم يَرَوْهُ، والقياس ..
الشيخ: وإذا رأيتموه؟
الطالب: ().
الشيخ: وهؤلاء لم يَرَوْهُ، تمام. القياس؟
طالب: قالوا: إنَّ الاختلافَ حسب التوقيتِ اليوميِّ؛ فأهلُ المشرقِ يُفطرون قبل أهلِ المغربِ، أيضًا اختلاف المطالعِ في رؤية الهلال.
الشيخ: في التوقيتِ الشهريِّ، إذا كان بالإجماعِ أنَّ الاختلافَ في التوقيتِ اليوميِّ يختلف فيه الحكْمُ فكذلك الشهريُّ؛ إذْ لا فرقَ، تمام.
فيه قول ثالث؛ فيها ستَّةُ أقوالٍ، لكن أصولها ثلاثةٌ. قول ثالث؟
طالب: أنَّ الناسَ تَبَعٌ لإمامهم؛ إذا صامَ صاموا، وإذا لم يَصُمْ ().
الشيخ: طيب ما حجة هذا القول؟
الطالب: الصومُ يومَ يصومُ الناسُ والفِطرُ حين يُفطِرون.
الشيخ: نعم، هذا من حيث النص. من حيث المعنى؟
الطالب: من حيث المعنى: أنَّ الإمامَ هو الذي يَثْبتُ عن طريقه الصيامُ بالنسبة لعامَّةِ الناسِ، هو الذي يأمرهم بالصيام.
الشيخ: أنَّ الإمامَ هو المسؤولُ عن هذه الأشياءِ فيكونُ الحكمُ إليه، ولأنَّ هذا .. لو لم نَقُل بذلك لأدَّى إلى الخلافِ بين الناس والنزاعِ والعداوةِ والبغضاءِ؛ مثلما سمعْنا في بعضِ البلاد هذا العامَ؛ فيه ناس مِن هذا البلد خرجوا أفطَرُوا معنا وخرجوا وصَلَّوا العيد، والآخرون صائمون، ما يجوز هذا، هذا لا يجوز.
طالب: ().
الشيخ: على كلِّ حالٍ هُمْ تَبَعٌ للإمام، لكن الإمام ماذا يعمل؟ الإمام يجب عليه -على القول الراجح- أنْ يعمل بالقول باختلافِ المطالع.
صاموا بشهادة واحدٍ ثلاثين يومًا ولم يرَوا الهلال، ماذا يصنعون؟
الطالب: ().
الشيخ: كيف؟
[ ١ / ٣٣٥٩ ]
الطالب: أتَمُّوا الشهر ..
الشيخ: أتَمُّوا ثلاثين؛ شَهِدَ واحدٌ بأنه رأى الهلالَ ليلةَ الأحدِ، فصاموا إلى أن صاموا يوم الاثنينِ الْمُوفِي الثلاثينَ، ليلةَ الثلاثاء طلبوا الهلالَ ما رأوه، فماذا يصنعون؟
الطالب: على رأي المؤلف: إذا لم يَرَوْا هلالَ ثلاثين فإنهم يصومون.
الشيخ: يصومون واحدًا وثلاثين يومًا؟ ! وإنْ أَبَى العامَّةُ قالوا: الشهر ما يزيد على ثلاثين يومًا، ما احنا بصايمين.
الطالب: () إذا أتَمُّوا ثلاثين ولم يَرَوا الهلالَ () حتى يَرَوا الهلالَ.
الشيخ: طيب، لماذا؟
الطالب: لأنهم لم يَرَوا الهلالَ.
الشيخ: طيب صاموا ثلاثين يومًا.
الطالب: النبي ﵊ يقول: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» (١١).
الشيخ: طيب، صُمْنا لرؤيته ولا يزيدُ الشهرُ على ثلاثين يومًا.
طالب: لأن شهرَ رمضانَ يَثْبت بشهادة رجُل واحد.
الشيخ: إي نعم، لأنَّ دخول الشهرِ يَثْبتُ بواحدٍ وخروجه لا يَثْبتُ إلَّا باثنينِ.
طيب، هل هناك رأيٌ آخرُ في المسألة؟
طالب: القول الثاني أنه يجبُ عليهم الصيام.
الشيخ: الصيام، هذا الذي نحن نتكلَّم عليه.
الطالب: الإفطار.
الشيخ: يجب عليهم الفطر، ليش؟
الطالب: لأن الشهرَ لا يزيدُ على ثلاثين.
الشيخ: لأن دخولَ الشهرِ ثبتَ بمقتضى دليلٍ شرعيٍّ، ولا يُمْكن أنْ يزيد على ثلاثين يومًا، ويَثْبتُ تَبَعًا ما لا يَثْبتُ استقلالًا؛ فإذا كان دخول شوال لا يَثْبتُ إلَّا باثنينِ، لكن خروج رمضان تَبَعًا لدخوله يَثْبتُ به الحكْم، وهذا القول هو الصحيح.
طيب هنا مسألة قريبة من هذا: لو أن رجلًا صامَ برؤية بلدٍ ثم سافرَ إلى بلدٍ آخر قد صاموا بعد البلدِ الذي صامَ فيه بيومٍ، وأتمَّ هو ثلاثين، ولم يُرَ الهلالُ في البلد الثاني، فهلْ يصومُ معهم أو يُفطِر؟
طالب: يصوم معهم.
الشيخ: يصوم معهم؟ هو صامَ ثلاثين.
الطالب: لا، يصومُ تبعًا للبلد الذي هو فيه.
الشيخ: طيب.
طالب: ().
[ ١ / ٣٣٦٠ ]
الشيخ: افرضْ أنهم ما اتَّحدوا في المطالع، أو أنهم اتَّحدوا ولكن رؤيةَ البلدِ الذي صامَ فيه غيرُ حقيقية.
الطالب: البلد الأول إذا أتمَّ ثلاثين أفطرَ.
الشيخ: إذا أتمَّ ثلاثين أفطرَ.
الطالب: إذا أفطروا في بلدِه.
الشيخ: ما أَفْطروا، هم عندهم اليوم تسعٌ وعشرون، هو صام اليوم ثلاثين.
الطالب: البلد الأول.
الشيخ: البلد الأول صار أفطرَ.
الطالب: ().
الشيخ: يُفطِر وفي البلد الثاني صائمون؟ !
الطالب: ().
الشيخ: نعم.
طالب: يُفطِر ولكنْ سِرًّا.
الشيخ: يُفطِر سِرًّا؛ لأنه أتمَّ ثلاثين، ويكون سِرًّا لئلَّا يخالف الجماعة.
إذَنْ عندنا قولانِ: قولٌ مجزومٌ به وهو أنه يُفطِر سِرًّا، وقولٌ متردَّدٌ فيه؛ لأن صاحبه لم ترسخ قدمُهُ هل يصوم معهم أو لا؟ فما ترون؟
طالب: يصوم.
الشيخ: ها؟
الطالب: () يفطر سرًّا.
الشيخ: نعم، القولُ بأنه يُفطِر سرًّا له وجْهٌ لا شكَّ، لكنْ أرجحُ منه أنه يصومُ معهم ولو زادَ على ثلاثين يومًا، يصوم؛ لأنه الآن هذا المكان اللِّي هو فيه لم يَثْبتْ خروج رمضان، وهذا أقربُ إلى الصواب، وربما يُقاس على ما إذا سافرَ الإنسانُ نهارًا من بلدٍ إلى بلدٍ آخر يتأخَّر غروبُ الشمسِ فيه، هلْ يُفطِر إذا غربت الشمسُ في البلد الذي ارتحلَ منه ولَّا يبقى حتى تغيب الشمس في البلد هذا؟
طلبة: يبقى ().
الشيخ: يَبْقى حتى تغيب الشمسُ في البلد هذا، إي نعم، طيب.
طالب: ما بينهم فرق؟
الشيخ: لا، ما بينهم فرق.
الطالب: () اليوم ما زاد، هو يوم () صيام يوم ().
الشيخ: وهذا زاد ساعات؛ لأن اليوم في البلدِ الذي ارتحلَ منه اثنتا عشرة ساعة، واليوم في البلد الذي وصلَ إليه اثنتا عشرة ساعة، فهو اثنتا عشرة ساعةً -اليوم- في البلدينِ.
طالب: شيخ () فيمن صلى الظُّهر.
الشيخ: () خلاص أخطأنا، أنا أخطأت إني راجعتها.
الطالب: ().
الشيخ: () نناقشها بعد ذلك.
[ ١ / ٣٣٦١ ]
طيب، على كلِّ حالٍ هذا الأرجحُ، ولكنْ فيه قول أنَّه يُفطِر سِرًّا اعتبارًا بالبلد الذي انتقلَ منه، والمذهبُ أنَّه يُفطِر سِرًّا، ليش؟ لأنهم يقولون: إذا رُئِي في مكانٍ لَزِمَ جميعَ الناسِ حكْمُ الصومِ أو الفِطر، وقضى أنَّ الفِطْر في المكان الذي انتقلَ منه قد ثَبَتَ.
***
هناك فرقٌ بين وجودِ سببِ الوجوبِ وبين زوال المانعِ، فنريدُ صُوَرًا تبيِّنُ هذا الشيءَ.
طالب: زوال المانعِ () حائض تَطْهُر ().
الشيخ: الحائض تَطْهُر، هذا زوالُ المانع، فإذا زالَ المانعُ في أثناءِ النهار فما الحكْمُ على ما جرى عليه المؤلف؟
الطالب: () أنه يَلْزمها الإمساك.
الشيخ: أنه يَلْزم الإمساك؟ ! اصبر ما وصلنا إلى الصحيح، يَلْزم الإمساكُ والقضاءُ. لماذا يَلْزم الإمساك؟
الطالب: ().
الشيخ: كيف؟
الطالب: من اليوم ().
الشيخ: إي، لكنْ لماذا يَلْزمها الإمساك؟
الطالب: يَلْزمها الإمساك ().
الشيخ: أيش؟ لأنَّ لأنَّ.
الطالب: لأنَّ () من رمضان ().
الشيخ: يعني لِحُرمةِ الزمن، تمام.
ولماذا يَلْزمها القضاء؟
الطالب: ().
الشيخ: صحيح؛ لأنَّ صوم هذاك اليوم ليس بصحيح، إمساكُها لا يُعَدُّ صومًا.
طيب، هلْ هناك قولٌ آخَر؟
طالب: القول الآخَر أن ().
الشيخ: نعم. ما هو حُجَّة لُزومِ القضاءِ عليها؟
الطالب: لأنَّها لَمْ تَصُمْ.
الشيخ: لأنَّها لَمْ تَصُمْ. وما هو حُجَّة عدمِ الإمساك؟
الطالب: لأن هذا زوالُ مانع ().
الشيخ: لا، ما يُمْكن تعلِّل بالحكْم.
الطالب: ().
الشيخ: إذا قال مِثْل ما قال الأخ، لو قال: هذا الزمن محترم.
الطالب: ().
الشيخ: إي نعم، صحيح قاله، لكنْ نريد تعليلًا بيِّنًا؛ لأن كلام ابن مسعودٍ ﵁ حُكْم، لكن نريد توجيهَ هذا الحكْم.
طالب: لأنها أفطرتْ بعُذْرٍ شرعيٍّ () ليس له حُرمةٌ.
[ ١ / ٣٣٦٢ ]
الشيخ: أحسنت، لأنها أفطرتْ بعُذرٍ شرعيٍّ، والنهارُ بالنسبة إليها ليس له حُرمة؛ لأنه يُباح لها الفِطْرُ ظاهرًا وباطنًا، هذا القول هو الراجح، هذا القول هو الصحيح، وقد سبق.
طيب، نريد مِثالًا لِمَا حَدَثَ فيه سببُ الوجوب.
طالب: إذا بلغ الصبي.
الشيخ: بلوغ الصبي، نعم؛ إذا بَلَغَ الصبيُّ في أثناء النهارِ فقد وُجِد سببُ الوجوبِ في أثناء النهار، فماذا يَلْزم؟
الطالب: يَلْزمه الإمساك.
الشيخ: يلزمه الإمساك. طيب على كلام المؤلف؟
الطالب: يَلْزمه الإمساكُ والقضاءُ.
الشيخ: يَلْزمه الإمساكُ والقضاءُ، تمام. لماذا يَلْزمه الإمساك؟
طالب: لأنه قامتْ عليه البيِّنة ().
الشيخ: لا يا شيخ، البيِّنة قامتْ من الليل، اليوم رابع من الشهر.
الطالب: قامتْ عليه البيِّنة، لأنه لم يجبْ عليه الصوم .. لأنه قامتْ عليه البيِّنة.
الشيخ: لا، البيِّنة قائمة، اليوم الرابع من الشهر، ما قامت البيِّنة في أثناء النهارِ، نحن الآن في رمضان.
الطالب: لأنه وُجِد سبب الوجوب.
الشيخ: يعني لأنه كُلِّفَ فلَزِمه الصومُ أو الإمساكُ. طيب، ولماذا يَلْزمه القضاء؟
طالب: ما صام من اليوم الجديد ().
الشيخ: لأنه زمن الوجوب؟ طيب، لو صامَ من الفجر هل يَلْزمه القضاء؟ لو صامَ من الفجر وبَلَغَ في أثناء النهار؟
الطالب: () على قول () يَلْزمه ().
الشيخ: صامَ من الفجر مع الناس.
الطالب: لأنه ليس من أهل الوجوب.
الشيخ: إذا صحَّ التعليلُ الذي ذكرتَ فالحكمُ -كما قُلْتَ- أنَّه يَلْزمه القضاء؛ لأنه في أول النهار ليس من أهل الوجوب. لكن هلْ هذا التعليل هو الصحيح؟
طالب: لأنه لم يَنْوِ من الفجر.
الشيخ: نعم، يعني لم يَصُمْ من أول النهار، صحيح. طيب، فيه قول آخَر في المسألة؟
طالب: ().
الشيخ: أنه يَلْزمه الإمساكُ ولا يَلْزمه القضاءُ، نعم. لماذا يلزمه الإمساك؟
لأنه صار من أهل الوجوب، فلزِمه الإمساكُ، كما لو قامت البيِّنة في أثناء ..
[ ١ / ٣٣٦٣ ]
طيب، ولماذا لا يَلْزمه القضاء؟
طالب: لأنه لم يكن () للوجوب من أول النهار.
الشيخ: تمام؛ لأنه ليس من أهل الوجوبِ من أول النهار، فلا يَلْزمه القضاءُ، وهذا القول هو الراجح أنَّه يَلْزمه الإمساكُ ولا يَلْزمه القضاءُ.
طالب: ().
الشيخ: إي نعم، يَلْزمه الأمساكُ، سبحان الله!
طالب: ().
الشيخ: هذا صبيٌّ بَلَغَ في أثناء النهارِ يَلْزمه الإمساكُ ولا يَلْزمه القضاءُ، وهذا اللِّي علَّل الأخ.
طالب: ()؟
الشيخ: () غير مكلَّفة.
الطالب: الحائض؟
الشيخ: الحائض قُلنا: زوال مانع، وهذا الآن نقرِّر الفرقَ بين زوالِ المانعِ ووجود سببِ الوجوبِ، بينهما فرقٌ.
طيب، ما حُكم الصوم بالنسبة للمسافر؟
طالب: فيه ثلاث حالات.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: اللِّي ما يتأثر بالصوم، يعني ما يشقُّ عليه أبدًا ().
الشيخ: اصبرْ، أعطِنا حالات وبعدين نشوف الأحكام.
الطالب: ().
الشيخ: مشقَّة محتمَلة؛ يعني ليست شديدة.
الطالب: ().
الشيخ: نعم، تمام، الأول؟
الطالب: ().
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ().
الشيخ: لا.
طالب: المسافر الذي لا يتأثَّر، مَثَلًا لا يشقُّ عليه الصومُ، فهذا لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز أنْ يُفطر؟
الطالب: المسافر الذي لا يشقُّ عليه الصوم.
الشيخ: نعم.
الطالب: () فيجوز له أنْ يصوم؛ لأن النبي ﷺ صامَ هذا، النبيُّ ﷺ ..
الشيخ: يعني الفِطْر والصوم في حقِّهِ سواء؟
الطالب: الفِطْر والصوم، نعم .. لا، المسافر.
الشيخ: رجلٌ مسافرٌ ولا يشقُّ عليه الصومُ أبدًا.
الطالب: فله أنْ يصوم.
الشيخ: له، وله أنْ؟
الطالب: يُفطر.
الشيخ: يعني كلاهما على حدٍ سواء. طيب، كأنَّ الناسَ يريدون أنْ يعارضوك.
طالب: الصومُ أفضلُ له.
الشيخ: الصومُ أفضل، والمسألة خلافية فيها رأيٌ أنَّ الفِطْر أفضل.
طيب، لماذا فضَّلنا الصوم؟
طالب: كي يصومَ مع الناس.
[ ١ / ٣٣٦٤ ]
الشيخ: طيب، إذا صار ما فيه إلَّا هو، يعني هو وحدَه مسافرٌ ما عنده ناسٌ صائمون ولا مفطرون.
الطالب: () ناس صائمين يصوم مع الناس.
الشيخ: طيب، ما عندك غير هذا التعليل؟
الطالب: ولا يكون مشقَّة عليه فيما بعد.
الشيخ: لأنه أسهلُ إذَنْ، إذَنْ لأنَّ صومَهُ في وقته أسهل، هذه واحدة.
الطالب: تَبرأُ ذِمَّتُه.
الشيخ: سرعةُ براءة الذِّمَّة، اثنين، إي نعم.
طالب: ليسهُلَ عليه صيامُه.
الشيخ: هذا قلناه.
طالب: أبو الدرداء ﵁ قال ..
الشيخ: أنَّه فِعْلُ الرسولِ ﷺ، طيب.
طالب: أنَّه يُدرك الزمنَ الفاضلَ.
الشيخ: فضْلُ الزمنِ.
طيب، الثانية: أنْ يشقَّ عليه مشقَّةً لكنها ليستْ شديدةً.
طالب: يُكره له الصوم.
الشيخ: يُكره له الصوم.
الطالب: والأفضل بحقِّه الفِطْر.
الشيخ: الدليل؟
الطالب: أنَّ النبي ﷺ حينما جاء بعد العصرِ رأى بعضَ الصحابةِ شقَّ عليهم الصومُ، فأتى له بماء.
الشيخ: غير هذه، دليل آخَر؟
طالب: ().
الشيخ: ما هو؟
الطالب: أن النبي ﷺ كان صائمًا في وقت ().
الشيخ: لا.
طالب: قوله ﷺ: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» (٩)؛ لأنه رأى رجلًا مُظَلَّلًا عليه.
الشيخ: صحيح، رأى رجلًا قد ظُلِّلَ عليه وعليه زحامٌ فقال: «مَا هَذَا؟» قالوا: صائمٌ. قال: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ».
لَدَيْنا قاعدة معروفة عند العلماء: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، أفلا يقتضي هذا أنْ يكون الصومُ في السفر ليس من البِرِّ مطْلَقًا؟
طالب: ليس فيه دليل.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: بسبب حديث: اجتمعَ رجالٌ على شخصٍ ظُلِّلَ عليه، فقال «مَا هَذَا؟». قالوا: إنه رجلٌ صائمٌ.
والدليل أنَّه وجد في صومِهِ مشقَّةً ().
الشيخ: لكن الحديث الأخير: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ»، ولم يقُلْ: مع المشقَّةِ.
الطالب: ().
[ ١ / ٣٣٦٥ ]
الشيخ: إي، فهِمْتم يا جماعة؟ يقول: نعم، إنَّ العبرةَ بعموم اللفظ، فلا نقول: إنَّ الذي انتفى عنه البر هو هذا الشخص بعينه. بلْ كلُّ مَنْ شاركه في هذا المعنى داخلٌ في الحديث، وهذا صحيح. وقد نبَّهَ على هذا ابن دقيق العيد ﵀ في شرح العمدة، وهو واضحٌ لمنْ تأمَّله، فلا نقول -كما استدلَّ بعضُ العلماء- بأنه يُكره الصومُ في السفر لهذا الحديث، نقول: هذا الحديثُ مبنيٌّ على سببٍ لمعنًى مخصِّصٍ وهو المشقَّة.
ثالثًا: إذا شقَّ شديدًا؟
طالب: يَحرُم الصوم.
الشيخ: يَحرُم؟
الطالب: إذا شقَّ مشقَّةً شديدةً، لَحِقَ ضررٌ؛ يَحرُم الصوم.
الشيخ: ما دليلك؟
الطالب: الدليلُ الذي رواه مسلمٌ عن النبيِّ ﷺ في عام الفتح أنهم شقَّ عليهم الصيامُ، وأُخْبِرَ النبيُّ ﷺ وقيل له: إنهم ينظرون ماذا تفعلُ. فأخذ قَدَحًا من الماء وشَرِبَ بعد العصر والناسُ ينظرون (١٢).
الشيخ: اللهم صلِّ وسلِّم عليه.
الطالب: فأفطرَ بعضُ الناسِ وبعضُهم ما زالَ صائمًا، فأُخبِرَ بذاك فقال: «أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ».
الشيخ: أنَّ النبيَّ ﷺ وَصَفَ الذين لم يُفطِروا مع مشقَّةِ الصومِ بأنهم؟
الطالب: عُصاة.
الشيخ: عُصاة؛ أي: جمع عاصٍ، والعاصي لا يكون إلا بإثم.
طيب، المريض حُكْم الصوم في حقه؟
طالب: فيه تفصيل يا شيخ.
الشيخ: فيه تفصيل، ما هو؟
الطالب: إنْ كان مرضُهُ لا يُرجَى بُرْؤُهُ فأنه يُفطِر ويُطعِم عن كلِّ يومٍ مسكينًا ().
الشيخ: إذا كان لا يُرجى بُرْؤُهُ فإنه يُطعِم عن كلِّ يومٍ مسكينًا. طيب، وإذا كان يُرجى بُرؤُهُ؟
الطالب: أنَّه يُفطِر ويقضي.
الشيخ: مطْلَقًا يُفطر؟
الطالب: لا، إنْ كان يؤثِّر عليه الصيام.
الشيخ: إذا كان يشقُّ عليه.
الطالب: نعم، فإنَّه يُفطر.
[ ١ / ٣٣٦٦ ]
الشيخ: لو قال لك قائلٌ: الآية مطْلَقة؛ ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وأنتم قلتم في السفر: له الفِطر وإنْ لم يشُقَّ عليه. فقولوا في المرض: له الفِطر وإنْ لم يشقَّ عليه. حتى الإنسان الذي فيه زكامٌ يسيرٌ نقول له: أفطِر.
طالب: فيه قول.
الشيخ: فيه قول! طيب، هذه أحسن مما يُقال عن ابن جِنِّي: فيه قولانِ.
الطالب: ().
الشيخ: ابن جِنِّي يقولون: هو رجلٌ معروفٌ عالمٌ في النحو، وله شيخٌ كبيرُ العِمامة، أبوه من شيوخِ العمائم ولا يَعْرِف، وكان الناس يسألونه، فيقال أنه قال له ابنه: كُلّ ما قالوا لك قُلْ: فيه قولانِ؛ لأنه ما تخلو مسألة من خِلاف، فقيل له: أفي الله شكٌّ؟ قال: فيه قولانِ. تورَّط بهذا، الله ما فيه شكٌّ -﷿- ولا أحدَ يقولُ: إنه فيه شكٌّ. قالوا لَمَّا شافوه متورِّطٌ قالوا: الحلُّ عند ابنِهِ. قال: نعم، فيه قولانِ في إعرابه، في إعرابه قولانِ. فبعضُ الناسِ الآن ينقدحُ في ذهنه أنَّ المسألة فيها تردُّدٌ فيقول: فيها قولانِ.
طالب: ().
الشيخ: هو فيها قولٌ، لكنْ نريدُ: ما هو القول الصحيح؟ يعني: كيف يُجاب عن الآية؟ لأن ظاهر الآية في الحقيقة يحتمل هذا القول: أنَّ مجرَّد المرضِ يُبيح الفِطْر.
طالب: القول () في إطلاقِ الآية، ولكنَّ الصحيح أنَّه لا يُفطِر عملًا بالعِلَّة.
الشيخ: نعم.
الطالب: عملًا بالعِلَّة ().
الشيخ: طيب، كيف نُجيب عن مسألة السفر؟
الطالب: ثبتَ بالسُّنَّةِ العمليَّةِ أنَّ النبي ﵊ كان يصومُ ويُفطر في السفر، يعني () في السفر للمشقَّة.
الشيخ: والصحابةُ يصومون ويُفطِرون، ولولا هذا لَقُلْنا: إنَّ السفر لا يجوز فيه الفِطْر إلا إذا كان في الصوم مشقَّة، لكنْ لَمَّا رأينا الصحابةَ أفطروا بدون مشقَّةٍ قُلْنا هكذا.
طالب: والمرض؟
[ ١ / ٣٣٦٧ ]
الشيخ: المرض؟ ما عَلِمْنا أحدًا من السلف أفطرَ بأيِّ مرضٍ، المرضُ إذا كان () بالصوم ولا يهتمُّ به؛ صداعٌ يسيرٌ، أو وَجَعُ ضرسٍ يسيرٌ، أو وَجَعُ عينٍ يسيرٌ، أو وَجَعُ أذنٍ يسيرٌ، أو وَجَعُ رِجْلٍ أو رُكْبةٍ، أو ما أشبه ذلك، نقول: أفطِر؟ !
طالب: لمن لَمْ يتحمَّل المرض كأَلَمِ الراسِ والضرسِ، ما يستطيع أنْ يتحمَّل الألم في الرأس، ما يصحُّ أنْ يُفطِر؟
الشيخ: له أنْ يُفطِر، ما دام فيه مشقَّة ولو كان يستطيع، لو كان يتحمَّل فله أنْ يُفطِر.
طالب: المصاب بمرض السكر؟
الشيخ: المصاب بمرض السكري قالوا لي: أنه ممن لا يُرجَى بُرْؤُه.
الطالب: يستطيع الصيام.
الشيخ: إي، لكنْ يضرُّه؛ يقولون: لا بدَّ يشرب دائمًا، على كلِّ حالٍ يَرجِع للطبيب.
طالب: السلام عليكم، إذا كان المرضُ لا يخصُّ مَثَلًا البطنَ، غالبًا ما () الصائم من الصيام إلَّا في مرضٍ يخصُّ ما يمنعه من الأكل، لكنْ لو كان مَثَلًا في رِجْله أو يده ().
الشيخ: لا، يشقُّ عليه؛ لأن المريض تضيقُ عليه الدنيا، المريضُ ليس كالصحيح.
الطالب: يعني ما يخصص ().
الشيخ: لا، مُطْلَقًا؛ في البطن وغير البطن.
طالب: مريضٌ يشقُّ عليه الصومُ فقال: ()، قال له: أفطِر، وهو عليه كفارة ()؟
الشيخ: كفارة أيش؟
الطالب: ().
الشيخ: () رمضان؟
الطالب: ().
الشيخ: والمسافر، هذه قاعدة خذها عندك: لا يصح صوم غير رمضان في رمضان.
***
نُقِلَ إلينا أنكم تقولون بجواز الجمعِ بين نيَّةِ قضاء رمضانَ وصيامِ ستٍّ من شوال، فهل هذا صحيح؟
لا، هذا غير صحيح؛ لأن الرسول ﷺ قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ» (١٣)، فجعلَ هذا مستقلًّا، ولو جازَتْ مِثْل هذه الحال لجازَ أنْ ينويَ الإنسانُ في صلاةِ الظُّهرِ راتبةَ الظُّهرِ الأولى في الركعتينِ، والثانيةَ في الركعتينِ، ويصلِّي بلا رواتب.
هذا يقول: هلْ يجوزُ إجهاضُ المرأةِ جنينَها في الشهرِ الثالث؟
[ ١ / ٣٣٦٨ ]
نقول: يجوزُ عند الضرورة؛ إذا قال الأطباء: إنه إذا بَقِيَ في البطْنِ فإنه سوف يقتلُ الأمَّ. أو قالوا: إنَّ الولد فيه تشويه. ففي هذه الحال لا بأسَ بالإجهاض ما دام لم يتمَّ له أربعةُ أشهر.
طالب: مفيش () فيه ضرورة للأُم؟
الشيخ: لا ما يجوز.
الطالب: طيب، إيه الحكم في ()؟
الشيخ: الحكم يتوب إلى الله ويستغفر ولا يعود.
الطالب: مفيش دِيَة يعني؟
الشيخ: لا ما فيه، ما فيه صيام.
طالب: سأل بعضُ الإخوان يا شيخ، يقولون لمثلك -جزاك الله خيرًا-: تحرص على صيامِ الأيام البيض ()، لكنهم لاحظوا عليك اليوم أنك ما ..
الشيخ: إي، أنا نويت بالستِّ ثلاثة أيامٍ من الشهر.
الطالب: أدخلتَها.
الشيخ: أدخلتُها فيها، نعم.
الطالب: اللِّي ما نوى؟
الشيخ: اللِّي ما نوى ()، وإن اقتصرَ على الأول -إنْ شاء الله- لا بأس.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإِنْ نَوَى حاضرٌ صومَ يومٍ ثُمَّ سافرَ في أثنائِهِ فلَهُ الفِطْرُ.
وإنْ أفطرتْ حاملٌ أو مُرضِعٌ خوفًا على أنفُسِهما قَضَتَاهُ فقط، وعلى ولدَيْهِمَا قَضَتَا وأطْعَمَتَا لكُلِّ يومٍ مسكينًا.
ومَنْ نَوَى الصومَ ثُمَّ جُنَّ أو أُغْمِيَ عليه جميعَ النهارِ ولم يُفِقْ جُزْءًا منه لم يَصِحَّ صومُهُ، لا إنْ نامَ جَمِيعَ النهارِ).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
قال رحمه الله تعالى: (وإِنْ نَوَى حاضرٌ صومَ يومٍ ثُمَّ سافرَ في أثنائِهِ فلَهُ الفِطْرُ). الحاضرُ يجب عليه أنْ يصوم كما هو واضح، فإذا سافرَ في أثناء اليوم فهلْ له أنْ يُفطِر أو لا يُفطِر؟
في هذه المسألة قولانِ لأهل العلم:
القول الأول: أنَّ له أنْ يُفطِر، لكنْ بشرطٍ كما سنذكره.
القول الثاني: ليس له أنْ يُفطِر.
[ ١ / ٣٣٦٩ ]
الأول هو المشهورُ من مذهبِ الإمامِ أحمد ﵀، وعلَّلوا ذلك بعموم قوله ﵎: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] يعني: فأفطرَ فعِدَّةٌ مِن أيامٍ أُخَر. وهذا الآن سافرَ وصار على سَفَرٍ، فيَصْدُقُ عليه أنه مِمَّن رُخِّصَ له في الفِطْر فيُفطِر.
والقول الثاني علَّلوا بأنَّ الإنسانَ شَرَعَ في صومٍ واجبٍ فلَزِمَهُ إتمامُه، كما لو شَرَعَ في القضاء فإنه يَلْزمُهُ أنْ يُتِمَّ، وإنْ كان لولا شُروعه لم يَلْزمه أنْ يصوم؛ يعني مثلًا: إنسانٌ عليه يومٌ من رمضانَ فقال: أَصُومه غدًا. أو: بعدَ غدٍ. نقول: أنتَ بالخيار غدًا أو بعدَ غدٍ. لكنْ إذا صامه غدًا فهلْ له أن يُفطِر في أثنائه ليصوم بعدَ غدٍ؟ لا، فهذا مِثْله.
لكن الصحيح ما ذهبَ إليه المؤلف أنَّ له أنْ يُفطِر، وقد جاءت السُّنَّة بذلك والآثارُ عن الصحابةِ ﵃ أنَّه إذا سافرَ في أثناء اليومِ فله الفِطْر.
ولكنْ هلْ يُشترط أنْ يُفارِقَ قريتَهُ، أوْ إذا عَزَمَ على السفرِ وارتحلَ فله أنْ يُفطِر؟
في هذا أيضًا قولانِ عن السلف، والصحيحُ أنه لا يُفطِر حتى يُفارِقَ القريةَ؛ لأنه لم يكن الآنَ على سَفَرٍ ولكنَّهُ ناوٍ للسفر، ولذلك لا يجوز أنْ يَقصُر الصلاةَ حتى يخرجَ من البلد، فكذلك لا يجوز أن يُفطِر حتى يخرج من البلد.
وإذا جازَ أنْ يُفطِر بعد السفرِ في أثناء اليومِ فهلْ يُفطِر بالأكلِ والشربِ أو بأيِّ مفطرٍ شاء؟
الجواب: الثاني؛ له أنْ يُفطِر بالأكلِ والشربِ وجماعِ أهله إذا كانوا معه، أيّ مُفْطِرٍ له أنْ يفعله.
***
ثم قال المؤلف: (وإنْ أفطرتْ حاملٌ أو مُرضِعٌ خوفًا على أنفُسِهما قَضَتَاهُ فقط، وعلى ولدَيْهِمَا قَضَتَا وأطْعَمَتَا لكُلِّ يومٍ مسكينًا).
[ ١ / ٣٣٧٠ ]
(إنْ أفطرتْ حاملٌ أو مُرضِعٌ ) إلى آخره، أفادَنا المؤلف ﵀ أنه يجوز للحامِلِ أن تُفطِر ويجوز للمُرضِع أن تُفطِر وإنْ لم تكونا مريضتينِ؛ وذلك لأن الحاملَ يشقُّ عليها الصومُ من أجْلِ الحملِ، لا سِيَّما في أشهُرِهِ الأخيرةِ، ولأنَّ صيامها ربما يؤثِّر على نموِّ الحمْلِ إذا لم يكنْ في جسمها غذاءٌ؛ فربما يضْمُر الحمْلُ ويضعُف، وكذلك في المرضِع، هي سليمةٌ صحيحةٌ ما فيها شيءٌ، لكنْ إذا صامتْ ربما يقِلُّ لبنُها فيتضرَّرُ بذلك الطفل، لهذا كان من رحمة الله ﷿ بهما أنْ رَخَّصَ لهما في الفِطْر.
ولكن إفطارهما قد يكون مُراعاةً لحالهما وقد يكون مُراعاةً لحالِ الولد -الحمْل أو الطفل- وقد يكون مُراعاةً لحالهما مع الولد، فما الحكْم في الأحوال الثلاثة؟
نقول: أمَّا القضاءُ فلا بدَّ منه؛ لأن الله تعالى فَرَضَ الصيامَ على كلِّ مسلمٍ، وقال في المريض والمسافر: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ مع أنهما مُفطرانِ بعُذْرٍ، فإذا لم يسقط القضاء عمَّن أفطرَ لعُذْرٍ من مرضٍ أو سَفَرٍ فعَدَمُ سقوطِه عمَّنْ أفطرتْ لمجرَّد الراحةِ من باب أَوْلى، فالقضاء لا بدَّ منه.
ولكن الإطعام هلْ يَلْزم أو لا؟
[ ١ / ٣٣٧١ ]
ذكرَ المؤلفُ ﵀ حالينِ، فقال في الحال الأولى: (وإنْ أفطرتْ حاملٌ أو مُرضِعٌ خوفًا على أنفُسِهما قَضَتَاهُ فقط) أي: قَضَتَا الصومَ فقط. وقوله: (فقط) هذه كلمةٌ تعني أنه لا زيادةَ على ذلك. (وعلى ولدَيْهِمَا قَضَتَا وأطْعَمَتَا لكُلِّ يومٍ مسكينًا) فزاد هُنا أنه في الحال اللتي تُفطرانِ مُراعاةً للولد يَلْزمهما القضاءُ وأنْ تُطعِما عن كلِّ يومٍ مسكينًا؛ أمَّا القضاءُ فواضحٌ لأنهما أفْطَرَتَا، وأمَّا الإطعامُ فلأنهما أفْطَرَتَا لمصلحة الغيرِ فلَزِمَهما الإطعام، وفيه أيضًا قال ابن عباس ﵄: قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: كانتْ رُخْصةً للشيخِ الكبيرِ والمرأةِ الكبيرةِ وهما يُطيقانِ الصيامَ أن يُفطرا ويُطعِما لكلِّ يومٍ مسكينًا، والمرضعِ والْحُبلى إذا خافَتَا على أولادهما أفْطَرَتَا وأطْعَمَتَا (١٤). رواه أبو داود، ورُوِيَ عن ابن عمر ﵄، فعلى هذا يَلْزمُهما شيئانِ:
الأول: القضاء؛ لأنهما أفْطَرَتَا.
والثاني: الإطعام؛ لأن فِطْرهما كان لمصلحة الغير.
بَقِيَت حالٌ ثالثةٌ لم يذكرْها المؤلف، ما هي؟
طلبة: ().
الشيخ: إذا أفْطَرَتَا لمصلحتِهما ومصلحةِ الولد -الجنين أو الطفل- فالمؤلف سكتَ عن ذلك ﵀، ولكن المذهب أنه يُغَلَّبُ جانبُ مصلحةِ الأُمِّ، وعلى هذا فتقضيانِ فقط، فيكون الإطعامُ في حالٍ واحدةٍ وهي: إذا كان لمصلحة؟
طلبة: الغير.
الشيخ: الغير؛ لمصلحةِ الولدِ؛ الجنين أو الطفل، وهذا أحدُ الأقوالِ في المسألة.
[ ١ / ٣٣٧٢ ]
والقولُ الثاني: أنَّه لا يَلْزمهما القضاءُ، وإنما يَلْزمهما الإطعامُ فقط سواء أفْطَرَتَا لمصلحتِهما أو مصلحةِ الولد أو للمصلحتينِ جميعًا، واستدلَّ قائلُ هذا القولِ بهذا الأثرِ؛ أثرِ ابن عباسٍ: إذا خافَتَا على أولادهما أفْطَرَتَا وأطْعَمَتَا (١٥)، ولم يذكر القضاء، وبحديثٍ آخَرَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَضَعَ الصِّيَامَ عَنِ الْحُبْلَى وَالْمُرْضِعِ» (١٤).
وقال بعضُ العلماء: يَلْزمهما القضاءُ فقط دون الإطعام، وهذا القولُ أرجحُ الأقوالِ عندي؛ لأن غاية ما يكون في حالهما أنهما كالمريض والمسافر، فيَلْزمهما القضاء فقط، وأمَّا سكوتُ ابنِ عباسٍ ﵄ في هذا الأثرِ عن القضاء فلأنَّه معلومٌ، وأمَّا ما وَرَدَ: «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْحُبْلَى والْمُرْضِعِ الصِّيَامَ» فالمراد بذلك وجوبُ أدائه، وعليها القضاء.
فإذا قال قائلٌ: أرأيتم لو أنَّ شخصًا أفطرَ لمصلحةِ الغيرِ في غيرِ هذه المسألةِ؛ مثل أنْ يُفطِر لإنقاذِ غريقٍ أو لإطفاءِ حريقٍ، فهلْ يَلْزمه القضاءُ والإطعامُ؟
نقول: في هذا قولانِ للعلماء:
منهم مَن قال: يَلْزمه القضاءُ والإطعامُ قياسًا على الحاملِ والمرضِعِ.
ومنهم مَن قال: لا يَلْزمه إلَّا القضاءُ فقط. واستدلَّ لذلك بأنَّ النصَّ إنما وَرَدَ في الْحُبْلى والمرضِعِ دون غيرهما.
ولكنْ قال الآخَرون: وإنْ وَرَدَ النصُّ بذلك، لكن القياس في هذه المسألة تامٌّ، وهو أنه أفطرَ لمصلحة الغير.
والإفطارُ لمصلحة الغير له صورٌ منها:
[ ١ / ٣٣٧٣ ]
إنقاذُ الغريقِ؛ لو أنَّ رجلًا رأى شخصًا معصومًا سقط في الماء، وهو يقول: لا أستطيعُ أنْ أُخرِجه إلا إذا شَرِبْتُ؛ لأني عطشان لا أستطيعُ أن أتحرَّك. فنقول أيش؟ اشربْ وأنقِذْه. وكذلك في إطفاء الحريق؛ لو قال: لا أستطيعُ أنْ أُطفِئَ الحريقَ حتى أشربَ، قُلْنا: لا بأسَ، اشربْ وأطفِئ الحريقَ. في هذه الحال إذا شَرِبَ وأخرجَ الغريقَ هَلْ له أنْ يأكلَ ويشربَ بقيَّةَ اليومِ؟
نعم، له أنْ يأكل ويشرب بقيَّةَ اليوم؛ لأن هذا الرجل أُذِنَ له في فِطْر هذا اليوم، وإذا أُذِنَ له في فِطْر هذا اليومِ صارَ هذا اليومُ في حقِّهِ ليس من الأيام التي يجب إمساكها، فيبقى مُفطِرًا إلى آخرِ النهار.
طيب، كذلك لو أنَّ شخصًا احتيجَ إلى دَمِهِ، بحيث أُصيبَ رجلٌ آخَر بحادثٍ ونَزَفَ دَمُهُ وقالوا: إنَّ دمَ هذا الصائمِ يَصْلُح له، وإنَّه إنْ لم يُستدرَكْ هذا المريضُ قبل الغروب لَمَاتَ، فهلْ له أنْ يَأْذَنَ في استخراجِ دمِهِ مِنْ أجْل إنقاذِ المريض؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم؟ له ذلك؟
الطالب: نعم.
الشيخ: إي نعم، له ذلك، وفي هذه الحال يُفطِر بناءً على القولِ الراجحِ: أنَّ ما ساوَى الحِجامَةَ فهو مِثْلُها، وتعلمون الخلافَ في هذه المسألة؛ أنَّ المذهبَ أنَّه لا يُفطِر بإخراجِ الدم إلَّا بالحِجامة فقط دون الفَصْدِ ودون الشَّرطِ، لكن الصحيح أنَّ ما كان بمعناها فهو مِثْلُها.
وقولُ المؤلف رحمه الله تعالى: (أطْعَمَتَا لكُلِّ يومٍ مسكينًا).
(أطْعَمَتَا) ظاهِرُ كلامِهِ أنَّ الإطعامَ واجبٌ على الحامِلِ والمرضِعِ، ولكنَّ المذهبَ أنَّ الإطعامَ واجبٌ على مَن تَلْزمُهُ النفقةُ للولد؛ فمثلًا: إذا كان الأبُ موجودًا فمَن الذي يُطْعِم؟
طلبة: الأب.
[ ١ / ٣٣٧٤ ]
الشيخ: الأبُ؛ لأنه هو الذي يَلْزمُهُ الإنفاقُ على ولدِهِ دون الأُمِّ، وعلى هذا فلا نُخاطِبُ الأمَّ إلَّا بالصيامِ فقط، وأمَّا الإطعامُ فنُخاطِبُ به الأبَ، ولو أنَّ الأبَ تهاونَ ولم يُطْعِمْ فليس على الأُمِّ في ذلك إثمٌ؛ لأن الواجبَ إنما هو على الأبِ، ولهذا يُعتبر كلامُ المؤلف ﵀ مخالفًا للمذهب في هذه المسألة.
طالب: مقدارُ الإطعامِ يا شيخ؟
الشيخ: الإطعامُ، كلَّما أُطْلِقَ الإطعامُ فهو مُدُّ بُرٍّ أو نصفُ صاعٍ من غيره، والصحيح أنَّه له أن يُخرِج هذا وله أن يُطعِم المساكين.
***
يقول المؤلف ﵀: (ومَنْ نَوَى الصومَ ثُمَّ جُنَّ أو أُغْمِيَ عليه جميعَ النهارِ ولم يُفِقْ جُزْءًا منه لم يَصِحَّ صومُهُ، لا إنْ نامَ جَمِيعَ النهارِ، ويَلْزَمُ الْمُغْمَى عَلَيهِ القضاءُ فقطْ).
هذه ثلاثةُ أشياء متشابهة: الجنون، والإغماء، والنوم، وأحكامُها تختلفُ؛ إذا جُنَّ الإنسانُ جميعَ النهارِ في رمضانَ؛ يعني: أصابه الجنونُ من قَبْلِ الفجرِ حتى غربت الشمسُ، فمِن المعلومِ أنَّ صومَهُ لا يصِحُّ، لماذا؟
طلبة: ().
الشيخ: لا، هو ناوٍ، الرجلُ في صحَّةٍ ونوى، لكنْ أُصيبَ بالجنون.
طلبة: ().
الشيخ: لأنه ليس أهْلًا للعبادة، مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الصومِ العقلُ، مِن شَرْطِ الوجوبِ والصِّحةِ العقلُ، وعلى هذا فصومُهُ غيرُ صحيحٍ ولا يَلْزمُهُ القضاءُ، لماذا؟ لأنه ليس أهلًا للوجوبِ، مجنونٌ، والمجنون ليس أهلًا للوجوب.
طيب، الثاني: مَنْ أُغْمِيَ عليه بحادثٍ أو مرضٍ؛ إنسانٌ بعد أنْ تسحَّرَ أُصيبَ بمرضٍ أو حادثٍ فأُغْمِيَ عليه جميعَ النهارِ، فهل يصِحُّ صومُه؟
لا، لا يصِحُّ صومُهُ؛ لأنه ليس بعاقلٍ، ولكنْ يَلْزمُهُ القضاءُ لأنه مُكَلَّفٌ، وهذا قولُ جمهور العلماء.
طيب، لو فُرِضَ أنَّ الرجُل أُغمِيَ عليه قبل أذانِ الفجرِ، وأفاقَ بعد طلوعِ الشمس، يصِحُّ أو لا؟
طلبة: يصِحُّ.
الشيخ: يصِحُّ صومُهُ.
[ ١ / ٣٣٧٥ ]
صلاةُ الفجرِ هل تَلْزمه أو لا؟
طالب: لا تَلْزمه.
الشيخ: لا تَلْزمه؛ لأنه مرَّ عليه الوقتُ وهو ليس أهلًا للوجوب.
طيب، الثالث مَنْ؟ الثالث: النائم؛ رجلٌ تسحَّرَ، وكان مُرهَقًا، واضطجعَ ينتظِرُ أذانَ الفجرِ ثم نامَ ولم يستيقِظْ إلَّا بعد غروبِ الشمس، فما الحكم؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: صومُهُ صحيحٌ، ولا قضاء عليه.
فهذه ثلاثةُ مسائل متشابهة وأحكامُها مختلفة.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، امرأةٌ كلَّمَا مرَّ عليها رمضانُ إمَّا حاملٌ أو مُرضِعٌ؟
الشيخ: إي، ما تقولون في هذا السؤال؟ سؤالٌ وجيهٌ وواقعٌ؛ امرأةٌ تَحمِل في رمضانَ ويشقُّ عليها الصومُ، وإذا حملتْ في رمضانَ سوف تَضَعُ قبل رمضانَ الثاني بثلاثةِ أشهرٍ أو أقلَّ أو أكثرَ، ثم تَشْرَعُ في الإرضاعِ، لا تصومُ الشهرَ الثاني، فجاء الشهرُ الثالثُ السَّنَةَ الثالثةَ حملتْ.
الظاهر -والله أعلم- أنَّ مِثْل هذه تكون كالشيخِ الكبيرِ؛ تُطعِم عن كلِّ يومٍ مسكينًا، فإذا عَلِمْنا سوف يستغرق مِن رمضانَ إلى رمضانَ كل هذا الوقتِ لا يُمْكنها أنْ تقضي؛ فالظاهرُ أنها تُطعِم عن كلِّ يومٍ مسكينًا.
طالب: الراجح في مسألة الإطعام على مَنْ؟
الشيخ: الحامِل والمرضِع؟
الطالب: إي، على () الوليد.
الشيخ: الراجحُ أنَّه لا إطعامَ أصلًا.
طالب: حُجَّةُ شيخ الإسلام يا شيخ إذا تعلَّق بهدْيٍ أنَّه يُجزِئُ عن العقيقة؟
الشيخ: إي نعم، واللهِ في نفسي منها شيءٌ، ابنُ القيِّم ﵀ ذَكَرَ أنَّه إذا صادفت العقيقةُ يومَ العيدِ؛ عيدِ الأضحى، فإنَّ الشاةَ تُجزِئُ عن الأُضحيةِ وعن العقيقةِ، لكنْ في نفسي مِن هذا شيءٌ؛ لأنَّ كلَّ عبادةٍ مستقلَّةٌ، لكنْ هو ﵀ قاسها على تحيَّةِ المسجد.
الطالب: لأنهما مِن جنسٍ واحدٍ.
[ ١ / ٣٣٧٦ ]
الشيخ: إي نعم، تحيَّة المسجد؛ إذا دخلَ المسجد وصلَّى الراتبةَ أجزأتْ عن تحيَّة المسجدِ، أو صلَّى الفريضةَ أجزأتْ عن تحيَّة المسجد. واللِّي قدْ أيْسَرَ اللهُ عليه ينبغي أنْ يذبح ثنتينِ، والحمد لله.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، مَنْ أدرك، طلوعَ الفجرِ ثم جُنَّ، ولم يُفِقْ إلَّا بعدَ المغرب، هو أدركَ الآنَ جُزءًا من النهار؟
الشيخ: يعني بعد أنْ طَلَعَ الفجرُ، يَصِحُّ صومُهُ.
ويَجِبُ تَعيينُ النِّيَّةِ من الليلِ لصومِ كلِّ يومٍ واجبٍ، لا نِيَّةِ الفَرْضِيَّةِ، ويَصِحُّ النفْلُ بنِيَّةٍ من النهارِ قبلَ الزوالِ وبعدَه، ولو نَوَى إن كان غدًا من رمضانَ فهو فَرْضِي لم يَجْزِهِ، ومَن نَوَى الإفطارَ أَفْطَرَ.