بسم لله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، قال المؤلف ﵀:
(باب أحكام أمهات الأولاد)
يقال: أمهات في بني آدم، وأمات في الحيوان الآخر، تقول مثلًا: أمات السخال، ولا تقل: أمهات، وإنما يقال: أمهات في بني آدم، قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
وقوله: (أمهات الأولاد) يراد بأمهات الأولاد من أتت من سيدها بولد -كما سيأتي- لكن بشروط.
يقول المؤلف: (إذا أولد حرٌّ أمتَه) صارت أم ولد بالشروط المذكورة.
[ ١ / ٥٧٩٣ ]
(حرٌّ) احترازًا من العبد؛ العبد لا يمكن أن يملك، حتى لو ملك فإنه لا يملك على المشهور من المذهب، وكذلك أيضًا المكاتب عبدٌ، لو أولد أمته التي اشتراها ليتكسب بها إن صح أن يجامعها فإنها لا تكون أم ولد، إنما (إذا أولد الحر أمته) احترازًا من العبد أمته والمكاتب.
(أو أمة له ولغيره) أما أمته فظاهر، لكن الأمة له ولغيره. كيف يمكن هذا؟
المشتركة لا يجوز للشريك أن يجامعها، ما فيه إلا الشبهة؛ لأن الشريك لا يجوز أن يجامع الأمة المشتركة؛ لا بملك اليمين ولا بالنكاح، صح؟ لا بملك اليمين؛ لأنه لم يتمحض الملك له، ولا بالنكاح؛ لأن المالك لا يتزوج المملوكة، وهذا له ملك فيها.
لكن كيف يكون هذا؟
يمكن أن يكون ذلك بوطء شبهة؛ يعني: وجد امرأة نائمة على فراش زوجته فظنها زوجته فجامعها، فإذا هي الأمة المشتركة.
قال: (أو أمة له ولغيره أو أمة لولده) إذا أولد أمة لولده صارت أم ولد، والمؤلف أطلق، فيقتضي أنه لا فرق بين أن يكون الولد وطئها أم لا، وفي هذا نظر؛ لأن الولد إذا وطِئها صارت من حلائله، فلا تحل للأب، كما أن القول الراجح أنه لا يحل للأب أن يطأ أمة ولده إلا بعد أن ينوي التملك، أما أن يطأها ونيته أنها باقية في ملك الولد فهذا حرام، لماذا؟ لأن الله قال: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦]، فإذا جامعها وهو يريد بقاءها في ملك الولد فإنه حرام عليه، لكن لنقل: إنه جامعها بشبهة؛ جامع أمة ولده بشبهة فإنها تكون أم ولد.
وإذا قال قائل: لماذا تكون أم ولد وليست ملكًا له حتى ولو بشبهة؟
قالوا: لأن الوالد له أن يتملك من مال ولده ما شاء، فلما صار له أن يتملك صارت كأنها مملوكة.
[ ١ / ٥٧٩٤ ]
يقول: (خُلِقَ ولدُه حرًّا) يعني: حال كون الولد قد خُلِق حرًّا؛ احترازًا مما لو تزوج أمة وجامعها وحملت ثم اشتراها، فهنا لا تكون أم ولد، لماذا؟ لأن الولد الذي في بطنها لم يُخْلَق حرًّا، إنما خُلِقَ عبدًا لسيدها، فلا بد أن يكون الولد قد خُلِقَ حرًّا؛ أي: نشأت به وهي في ملك السيد الذي وطئها.
(حيًّا وُلِدَ أو ميتًا قد تَبَيَّن فيه خلق الإنسان) يعني: إذا ولدت ولو ميتًا أو حيًّا فإنه لا بد أن يتبين فيه خلق الإنسان؛ يعني: يتبين فيه اليدان والرجلان والرأس، وهذا إنما يكون بعد بلوغ الحمل ثمانين يومًا، أما قبل ذلك فلا لا يمكن أن يُخَلَّق؛ لأن الجنين في بطن أمه يكون في الأربعين الأولى نطفة، وفي الثانية علقة، ثم في الثالثة يكون مضغة مخلقة وغير مخلقة، إذن لا يمكن أن يبدأ التخليق إلا بعد الثمانين، بعد الثمانين يمكن أن يخلق، في التسعين الغالب أنه يكون مُخَلَّقًا.
(لا مضغة) يعني: لا بإلقاء مضغة، (أو جسم بلا تخطيط) فإذا ألقت مضغة أو علقة فإنها لا تكون أم ولد، لماذا؟ لأنه لم يتبين فيه خلق الإنسان.
واعلم أن أحكام الجنين تتنوع؛ فمنها: ما يتعلق بكونه نطفة، ومنها: ما يتعلق بكونه علقة، ومنها: ما يتعلق بكونه مُخَلَّقًا، ومنها: ما يتعلق بنفخ الروح فيه، ومنها: ما يتعلق بوضعه حيًّا، هذه خمسة أحكام.
فالذي يتعلق بكونه نطفة أنه يجوز إلقاؤه عند الحاجة، وإن لم يكن هناك ضرورة.
وبكونه علقة أنه لا يجوز إلقاؤه إلا للضرورة.
وبكونه مضغة مُخَلَّقة يترتب عليه النفاس؛ فالمرأة إذا وضعت الحمل قبل أن يتبين فيه خلق إنسان فإن الدم الذي يخرج ليس دم نفاس.
يتعلق بنفخ الروح فيه الصلاة عليه، وتكفينه، وتغسيله، ودفنه مع المسلمين، وتسميته، وكذلك العقيقة عنه.
يتعلق بخروجه حيًّا الإرث؛ فإنه لا يرث حتى يخرج حيًّا كما هو معروف.
يقول: (صارت) هذه جواب (إذا)؛ يعني: إذا أولد حرٌّ أمته بهذه الشروط (صارت أم ولد له) أي: للمولِد.
[ ١ / ٥٧٩٥ ]
(تعتق بموته من كل ماله) يعني: تعتق عتقًا قهريًّا على الورثة من كل ماله؛ يعني معناه: مقدم على كل شيء، حتى على الدين والوصية، والميراث من باب أولى.
ما الفرق بينها وبين التدبير؟
التدبير سبق أنه يعتق من الثلث كالوصية، أما هذا فمن كل المال.
(وأحكام أم الولد أحكام الأمة؛ من وطءٍ وخدمة وإجارة ونحوه، لا في نقل الملك في رقبتها، ولا بما يُرَاد له؛ كوقف وبيع ورهن ونحوها).
ذكر المؤلف ثلاثة أحكام: الوطء وما يتعلق به مباح للسيد، كالأمة. نقل الملك غير مباح؛ لقوة تعلق العتق بها لوجود السبب. ما يراد لنقل الملك -كالرهن والوقف ونحوها- لا يجوز أيضًا.
فصار ما يتعلق بالمنفعة جائزًا؛ مثل: الوطء والخدمة والإجارة والإعارة، وما أشبهها، وما يتعلق بنقل الملك فإنه ليس بجائز؛ لأن هذا يؤدي إلى بطلان حريتها، وما يراد بنقل الملك -كالرهن- فإنه أيضًا لا يجوز؛ لأن الغاية منه نقل الملك. الرهن؛ يعني: لا يجوز للإنسان أن يرهن أم الولد؛ لأنه إذا رهنها ثم حل الدين باعها صاحب الدين فهو يراد للبيع، والله أعلم.
طالب: قلنا: إنه لا يجوز () بلد الكفر ()، لكن في معصية الآن الإنسان () إلى بلاد المسلمين إلا بمشقة لكن ..
الشيخ: يصبر على المشقة.
الطالب: يطرد من بلده؛ إما أن تخرج وإلا قتلناك؟
الشيخ: يطرد؟
الطالب: نعم.
الشيخ: إذن يكون ضرورة، إذا كان لا يمكن أن يلجأ إلى بلاد إسلامية يكون ضرورة، فهو الآن مكره على الخروج، ما دام قيل له: إما أن تخرج، وإما أن نقتلك، فهذا إكراه.
طالب: إذا وضعت امرأة طفلًا ميتًا () هل له عقيقة؟
الشيخ: بعد نفخ الروح فيه؟
الطالب: نعم.
الشيخ: إي نعم، الأفضل أن يعق عنه؛ لأن هذا الطفل يبعث يوم القيامة؛ ولهذا ينبغي أن يُسَمَّى، فيقال مثلًا: عبد الله، محمد، إذا كانت أنثى يقال: فاطمة، عائشة.
طالب: الحكم الثالث نطفة والثاني علقة، والثالث حكم الثالث؟
الشيخ: النطفة والعلقة ونفخ الروح.
[ ١ / ٥٧٩٦ ]
الطالب: ما حكمه؟
الشيخ: يتعلق فيه الصلاة عليه.
الطالب: المُخَلَّقة.
الشيخ: النطفة المُخَلَّقة هي التي يتعلق بها حكم النفاس، حكم أم الولد، العدة تنقضي بها العدة، إي نعم. ()
***
[ ١ / ٥٧٩٧ ]