تَصِحُّ بثلاثةِ شُروطٍ: مَعرفةُ الْمَنفعةِ كسُكْنَى دارٍ وخِدمةِ آدَمِيٍّ وتعليمِ عِلْمٍ.
الثاني: مَعرِفةُ الأُجرةِ وتَصِحُّ في الأَجِيرِ والظِّئْرِ بطعامِهما وكِسْوَتِهما، وإن دَخَلَ حَمَّامًا أو سفينةً أو أَعْطَى ثوبَه قَصَّارًا أو خَيَّاطًا بلا عَقْدٍ صَحَّ بأُجرةِ العادةِ.
الثالثُ: الإباحةُ في العينِ، فلا تَصِحُّ على نَفْعٍ مُحَرَّمٍ، كالزنا والزَّمْرِ والغناءِ، وجَعْلِ دارِه كنيسةً أو لبَيعِ الخمرِ، وتَصِحُّ إجارةُ حائطٍ لوَضعِ أطرافِ خَشبِهِ عليه، ولا تُؤَجِّرُ المرأةُ نفسَها بغيرِ إذنِ زَوْجِها.
(فصلٌ)
ويُشترَطُ في العينِ المؤجَّرَةِ مَعرفتُها برؤيةٍ أو صِفةٍ في غيرِ الدارِ ونحوِها، وأن يَعْقِدَ على نَفْعِها دونَ أجزائِها، فلا تَصِحُّ إجارةُ الطعامِ للأكلِ ولا الشمْعِ ليُشْعِلَه ولا حيوانٍ ليَأْخُذَ لبَنَه إلا في الظِّئْرِ، ونقْعِ البِئْرِ وماءِ الأرضِ يَدخلانِ تَبَعًا.
لأن هذا يحفظ الأصل.
كذلك أيضًا: إجراء الأنهار إذا كانت البلاد تشرب من الأنهار فإن إجراء ماء النهر إلى المكان على المالك.
ومثل أيضًا: حفر الآبار تكون على المالك، وكذلك الدولاب ونحوه تكون على المالك، الدولاب ويش؟ دولاب الكتب اللي عندي؟
طلبة: لا.
الشيخ: الدولاب الذي يُستخرج به الماء، والأخ يمكن يشرحه لنا.
طالب: المكائن.
الشيخ: لا، المكائن ما هي بدواليب.
الطالب: لا، لكن هو ().
الشيخ: إي هذا هو، اشرحه لإخوانك.
طالب: هو فيه يا شيخ حاجات تسمى ().
الشيخ: المؤلف، اللي ما ذكره هو. عرفتم الدولاب الآن؟
[ ١ / ٥٠٤١ ]
الدولاب: عبارة عن صفائح مثل التنك، مربوط بعضها ببعض بالجنزير، وفيها تدور على ترس، هذا الترس اتجاهه إلى البئر، أنا شاهدته في بعض الآبار عندنا قديمًا، اتجاهه إلى البئر؛ الترس، يعني قال هكذا يدور، وهذا اللي فيه الصفائح اللي كالتنك في الترس تدور طبعًا.
الترس هذا المستقيم هكذا على البئر فيه ترس آخر قال هكذا، واضح الآن؟ هذا الترس اللي هكذا قائل على البئر الذي تدوره إما إبل ولا بغال ولا حمير له خشبة على الدائر، فإذا استدارت استدار هذه المكرة اللي فيها الأتراس، ثم الأتراس هذه متداخلة بالأتراس التي على البئر، إذا دارت هذه دارت الأخرى، ثم هذه السلسلة من الصفائح تنزل إلى البئر وتغرف الماء، تخرج ممتلئة وتنزل فاضية، هذه الممتلئة تكب في حوض مجبى ماء، تكب فيه الماء ويمشي.
طالب: مثل السواني.
الشيخ: لا ما هي مثل السواني، أحسن من السواني؛ لأنها تحمل أكثر من السواني ماء، وتدور.
على كل حال هذا الدولاب، بدلًا من الدولاب الآن ما يعرفه الأخ وهي؟
طالب: المكائن.
الشيخ: المكائن الآن تكون على من؟
طالب: المالك.
الشيخ: على المالك، هو الذي يؤمن المكائن، هذا ما قاله المؤلف في هذا الباب.
والصحيح أنه يلزم كل واحد منهما ما جرى به العرف، هذا الصحيح.
فنبدأ أولًا بالعرف: فما جرى به العرف فهو الذي يلزم كل واحد منهما؛ لأن الشرط العرفي كالشرط اللفظي، وقد قال النبي ﷺ: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (١)، فما جرى به العرف أنه على العامل فهو على العامل، وما جرى به العرف أنه على المالك فهو على المالك.
والمعروف عندنا الآن أن المكائن على من؟ على المالك ولَّا على العامل؟
طلبة: على المالك.
الشيخ: إي على المالك، إذن ماشي على ما قال المؤلف، اللقاح؟
طلبة: على العامل.
الشيخ: على العامل، ما هو التلقيح، اللقاح على العامل هذا اللي جرى به العرف، واضح؟
[ ١ / ٥٠٤٢ ]
فالصواب أن ما جرى به العرف يرجع إليه، فإن لم يوجد عرف فحينئذٍ ربما نرجع إلى ما قاله الفقهاء -﵏- ونقول: إن ما يعود بحفظ الأصل يكون على المالك، وما تعود مصلحته إلى الثمرة يكون على العامل.
طالب: يقدم الشرط.
الشيخ: يقدم الشرط؛ لأن هذا ما له حد شرعي، يرجع إلى ما اعتاده الناس وما شرطوه ().
سبق لنا في (باب المساقاة) ما يلزم العامل وما يلزم المالك، وأن ذلك يعود إلى أمرين؛ فما يحفظ الأصل ويصلح الأصل فهو على المالك؛ لأن الأصل له وسيبقى، وما يحفظ الثمرة فهو على العامل؛ لأن العامل ينمي الثمرة، وله منها نصيب بقدر ما اشترط، وليس له نصيب في الأصل.
سبق لنا أنه لا بد أن يكون السهم جزءًا مشاعًا معلومًا، وأنه لو ساقاه على أنه له ثمر السكري والآخر ثمر الشقر مثلًا فإن المساقاة لا تصح، وعلى أن له هذا الجانب وللآخر الجانب الآخر لا تصح؛ لأن المشاركة مبناها على الاشتراك في الغنم والغرم، فإذا عين لأحدهما جزءًا فإنه لا يكون الآخر شريكًا له في غنمه وغرمه، فيكون فاسدًا.
***
[باب المزارعة]
المزارعة هي: دفع أرض لمن يزرعها بجزء من الزرع، ولا بد أن يكون جزءًا مشاعًا معلوم النسبة، فخرج بقوله: (بجزءٍ) ما لو دفع الأرض لمن يزرعها بدون جزء، فهذا على ظاهر كلام المؤلف لا يصح.
وهو نعم لا يصح على سبيل المزارعة، لكن على سبيل المنحة يصح بلا شك، فإذا كان عند شخص أراض بائرة لا تزرع، وجاءه صديق له أو فقير وقال: خذ هذه الأرض ازرعها لمدة سنة أو سنتين، أو ازرعها ولا يقيد بسنة ولا سنتين فإن هذا جائز بلا شك، وهو يشبه المنيحة التي جاءت بها السنة أن يعطي الإنسان شاته أو بقرته أو بعيره لمن ينتفع بدره.
لو جعل الزرع كله للمالك يجوز أو لا؟
طلبة: ما يجوز.
الشيخ: نعم، ظاهر كلام المؤلف أنه لا يجوز؛ لأنه لا بد أن يكون بجزء، فإن جعل كله للمالك لم تصح.
[ ١ / ٥٠٤٣ ]
فنقول: نعم هي لا تصح المزارعة؛ لأن المزارعة نوع من المشاركة، لكن تصح استخدامًا، بمعنى أن هذا الرجل يقول: أنا ما لي شغل وأنا أحسن الزراعة وأنت رجل غالٍ عندي ورجل لا تستطيع أن تبث بأرضك وتحرثها، فأنا سأقوم بها مجانًا كرامة لك ومعونة لك على الفائدة، فهل يمكن أن نقول: إن هذا حرام؟ لا، نقول: هذا رجل تبرع بعمل لهذا الشخص جزاه الله خيرًا، لكنها لا تصح على سبيل المزارعة؛ لأن المزارعة مفاعلة لا بد فيها من اشتراك.
قال المؤلف: (بجزء معلوم النسبة) يعني بأن يقال: ثلث، ربع، خمس، وما أشبهه، فإن قال: خذ هذه الأرض ازرعها ولك بعض الزرع، الآن بجزء -المزارعة بجزء- لكن غير معلوم النسبة فلا تصح، لا بد أن يكون معلوم النسبة.
فإن قال: خذ هذه الأرض مزارعة بمئة صاع مما يخرج منها لك والباقي لي؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح؛ لأنه ليس بمشاع، ولا بد أن يكون مشاعًا كنصف وثلث وربع ونحوه، لماذا لا يصح بمئة صاع لك والباقي لي؟ لأن هذه الأرض قد تنتج آلاف الأصواع، فيكون العامل إذا كانت مئة الصاع له يكون غارمًا وخاسرًا، وقد لا تنتج إلا مئة الصاع، فيكون المالك خاسرًا غارمًا، لكن إذا قلت بنصف ما يخرج منها وأنتجت مئة صاع استوى المالك والمزارع في النقص، وإذا جاءت مئات الأصواع استوى المالك والمزارع بالمغنم.
يقول المؤلف ﵀: (بجزء) مشاع (معلوم النسبة مما يخرج من الأرض لربها أو للعامل والباقي للآخر) يعني يشترط الجزء إما لرب الأرض أو للعامل، فيقول: أعطيتك هذه الأرض مزارعة بالثلث لك، شرط الآن لمن؟
طلبة: للعامل.
الشيخ: للعامل، يكون الثلثان الباقيان لرب الأرض.
أعطيتك هذه الأرض مزارعة بالثلثين لك، يكون شرط الآن للعامل، والباقي وهو الثلث للمالك.
[ ١ / ٥٠٤٤ ]
المهم ما دام الحق بين شخصين فإنه إذا عين حق أحدهما فالباقي للآخر، وهذا نظير قول الرسول ﵊: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» (٢)، فإذا كان هذا صاحب الفرض معينًا له نصيبه نعطيه إياه والباقي يكون لصاحب التعصيب.
قال: وإن شُرط للعامل فالباقي لرب الأرض. عندكم هذا متن ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: شرح الظاهر.
قال: (ولا يُشترط كون البذر والغراس من رب الأرض وعليه عمل الناس).
قوله: (ولا يُشترط) إذا قال قائل: لماذا نفى المؤلف أن يكون هذا شرطًا، مع أن مجرد سكوته عن اشتراطه يدل على أنه ليس بشرط، انتبه لهذه الفائدة! يعني أحيانًا تأتي في كتب الفقهاء، نفي شيء السكوت عنه معلوم لأنه لو كان ثابتًا لذكروه، يقال: إن هذا يؤتى به فيما إذا كان هذا المنفي مثبتًا عند بعض العلماء، فيأتي بنفيه لئلا يتوهم واهم أن السكوت عنه لا يدل على انتفائه، أما فهمتم؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يعني لو أننا ما قرأنا العبارة، وقال لنا قائل: هل المؤلف يرى أنه يشترط أن يكون البذر في المزارعة والغرس يعني الشجر في المغارسة على رب المال أو لا يرى ذلك؟ قلنا: لا يرى ذلك، لماذا؟ لأنه لم يذكره شرطًا، فعدم ذكره شرطًا يدل على أنه لا يرى، لكن فيه احتمال أنه يراه، أما إذا نفى وقال لا يشترط فهو صريح في أنه لا يراه.
هنا يقول المؤلف: (ولا يُشترط كون البذر من رب الأرض) وهذا في المزارعة، فإذا أعطيتك الأرض لتزرعها على النصف فمن الذي يأتي بالحب؟ الذي يأتي بالحب هو المزارع، يعني العامل، أما رب الأرض فلا يشترط أن يأتي بالبذر، فإن جاء به فلا بأس لكنه ليس بشرط.
في المغارسة، المغارسة: أن أبتاع الأرض لشخص يغرسها بأشجار وله جزء من هذه الأشجار، هل يشترط أن آتي أنا بالأشجار أو يجوز أن يأتي بها العامل؟ يرى المؤلف أنه يجوز أن يأتي بها العامل ولا بأس بذلك.
[ ١ / ٥٠٤٥ ]
يقول: (لا يُشترط كون البذر والغراس من رب الأرض)، (كون البذر) في أيها؟ في المزارعة، والغراس: في المغارسة، وهذه المغارسة غير المساقاة، لا يشترط أن يكون من رب الأرض.
قال: (وعليه عمل الناس) يعني أن الناس ما زالوا يدفعون أراضيهم لمن يزرعها ولا يعطونه الحب الزرع، ويدفعون الأرضين لمن يغرسها ولا يعطونه الغراس، وعمل الناس على هذا من غير نكير يدل على أنه ليس بشرط، وقد يدعى فيه الإجماع ما دام عمل الناس منذ زمن قديم على هذا من غير نكير، فقد يدعى فيه الإجماع، إنما كون الناس يتعاقبون على العمل به من غير أن ينكر عليهم يدل على قوته.
ولنأتِ بالدليل على ما قال المؤلف؟ الدليل على ما قال المؤلف سلبي وإيجابي:
ما هو السلبي؟ السلبي: أن نقول: الأصل عدم الشرط، وأن العقود بين المسلمين جائزة بدون شرط، هذا هو الأصل، ولهذا من منع عقدًا من العقود نقول: ائتِ بالدليل، ومن منع عقدًا من العقود إلا بشرط قلنا أيضًا: ائتِ بالدليل؛ لأنه إذا كان منع العقد من أصله يحتاج إلى دليل، فمنع وصف في العقد يحتاج أيضًا إلى دليل؛ لأن منع العقد إلا بوصف أو شرط هو في الحقيقة منع لكنه ليس منعًا مطلقًا، بل منعًا مقيدًا بحالة، وهي عدم وجود الشرط. ما أدري الكلام هذا مفهوم ولَّا لا؟
لو جاءنا جاءٍ وقال: المزارعة حرام ممنوعة، ماذا نقول له؟ نقول: هات الدليل؛ لأن الأصل في غير العبادات الحل، نقول: هات الدليل.
ولو جاءنا جاءٍ وقال: المزارعة جائزة ولكن بشرط أن يكون البذر من المالك، من رب الأرض؟ نقول أيضًا: هات الدليل، لماذا؟
أولًا: لأن الأصل إذا ثبت جواز العقد فالأصل عدم الشرط فيه، هذه واحدة.
ثانيًا: أننا إذا أضفنا شرطًا إلى حله معناه أو مقتضاه أننا نمنع هذا العقد عند عدم وجود الشرط، وهذا يقتضي أن هذا العقد ممنوع في بعض الأحوال، صح ولَّا لا؟
[ ١ / ٥٠٤٦ ]
فنقول: منعك إياه في بعض الأحوال، وهو عند تخلف هذا الشرط يحتاج إلى دليل، فصار من اشترط شرطًا للعقود فإننا نطالبه بالدليل من وجهين:
الوجه الأول: نقول: الأصل عدم الشرط، فهات دليل على إثباته.
ثانيًا: نقول: إنك إذا وضعت شرطًا فإنك تمنع هذا العقد في حال تخلف الشرط، وهذا يقتضي أن العقد ممنوع عندك أنت في بعض الأحوال، فهات الدليل على منعه.
إذن نقول: اشتراط أن يكون البذر من رب الأرض يحتاج إلى دليل. ودليلنا هنا سلبي ولَّا إيجابي؟
طلبة: سلبي.
الشيخ: سلبي؛ لأننا نقول: الدليل أنه لا يشترط عدم الدليل، الدليل عدم الدليل، يعني الدليل عدم الشرط عدم الدليل على أنه يشترط.
فيه دليل إيجابي على أنه لا يشترط أن يكون البذر والغراس من رب الأرض، الدليل الإيجابي: أن الرسول ﷺ عامل أهل خيبر حين فتحها بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع (٣).
وهل أعطاهم البذر والغراس؟ لا، ما أعطاهم ذلك، ولو كان شرطًا لأعطاهم النبي ﷺ البذر والغراس، وهذا دليل إيجابي.
الدليل الإيجابي فيما دليله سلبي: نحتاج إليه للتقوية من جهة، وللتنصيص عليه من جهة أخرى، لماذا؟ لأن الدليل السلبي دليل عام، قد يأتي متحذلق مجادل فيحاول أن يخرج هذا العقد من العموم، الدليل الإيجابي: نص لا يمكن لأي متحذلق أو مجادل أن ينفي هذا الدليل الإيجابي.
خلاصة القول الآن: المزارعة: أن يدفع الإنسان أرضًا لمن يزرعها بجزء معلوم النسبة مما يخرج منها، واضح؟ هي عقد جائز ولَّا لازم؟
طالب: جائز.
طالب آخر: لازم.
الشيخ: على كلام المؤلف هي عقد جائز، والصحيح أنها عقد لازم كالمساقاة، وبناء على أنها عقد لازم لا بد من تحديد مدة.
ثانيًا: هل يشترط أن يكون البذر من رب الأرض؟ فيه خلاف: المذهب عندنا المشهور من مذهب الحنابلة أنه شرط، والصحيح أنه ليس بشرط، وهو الذي مشى عليه صاحب المتن، ولهذا أشار إلى نفي هذا الشرط؛ لأن المشهور من المذهب اشتراطه.
[ ١ / ٥٠٤٧ ]
الحكمة من جواز المزارعة والمساقاة وما أشبه ذلك؟ الحكمة ظاهرة وهي أن الإنسان قد يعجز عن تصريف ماله والقيام عليه، فيدفعه لمن يقوم بذلك، وقد يكون هناك رجل عامل قادر لكن ليس عنده أرض ولا مال، فيحتاج إلى أن يأخذ الأرض من غيره ليبثها ويعمل فيها.
طالب: الدليل الإيجابي؟
الشيخ: الدليل الإيجابي أن الرسول ﵊ لم يعط أهل خيبر شيئًا من البذر أو الغراس.
لدينا غراس، مساقاة، مزارعة، الفرق بينهم المساقاة على الثمر، والمغارسة: على الشجر، والمزارعة: على الزرع، هذا الفرق بينهما.
فإذا دفعت إليك أرضًا لتغرسها بجزء من الغراس، قلت: اغرس هذه الأرض ولك نصف النخل، نسمي هذه مغارسة.
عندي نخل أو سأبث نخلًا في هذه الأرض، وقلت: اعمل في هذا النخل بثلث ثمره، هذه مساقاة، المزارعة أن أعطيك أرضًا لتزرعها أو أعطيك أرضًا قد نبت زرعها على أن تقوم عليه بجزء منه، هذه تسمى مزارعة، وكلها لا بد أن يكون الجزء المشروط معلوم النسبة.
هل تجوز إجارة الأرض بدراهم معلومة لمن يزرعها والزرع كله له؟ يجوز؛ لأنني أجرت له الأرض على أن يستغل منفعتها، كما لو أجرت له السيارة ليركبها يومًا أو يومين أو ليوصل بها حملًا إلى مكان معين، وتسمى هذه إجارة ولا مزارعة؟
طلبة: إجارة.
الشيخ: تسمى إجارة، هل يجوز أن أوجر شخصًا النخل بدراهم معلومة والثمر كله له؟
طلبة: لا يجوز.
طلبة آخرون: يجوز.
الشيخ: يجوز جزمًا؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: إي، هذه فيها خلاف، فالمشهور من المذهب أنه لا يجوز، قال: لأنه يؤدي إلى بيع الثمرة قبل ظهورها وقبل بدو صلاحها، ولأن الثمرة مجهولة، قد يعطيه هذا العامل عشرة آلاف ريال ثم لا يخرج من النخل إلا شيء قليل لا يساوي خمسة آلاف ريال، فيكون المسكين غارمًا وأنا الذي غنمت.
[ ١ / ٥٠٤٨ ]
وقال بعض العلماء: إن كان البياض من الأرض أكثر من النخل جاز؛ لأنه يجوز تأجير الأرض لمن يزرعها، فلما كان الأكثر البياض -الذي يكون زرعًا- صار الحكم للأكثر، وهذا اختيار ابن عقيل من أصحابنا ﵏.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: يجوز مطلقًا سواء كان الشجر أكثر أم بياض الأرض أكثر. واستدل لذلك بأن الأصل في العقود الحل، وبأن عمر بن الخطاب ﵁ ضمن حديقة أسيد بن الحضير، ضمنها شخصًا يقوم عليها بدراهم معلومة أوفى بها غرماء أسيد (٤). واضح؟
أسيد بن الحضير كان مدينًا، فجاء أهل الديون يطلبونها منه وليس عنده شيء، قام عمر بن الخطاب ﵁، وكان عند أسيد بستان، وضمنه شخص، قال: خذ هذا البستان مثلًا عشر سنوات بعشرة آلاف، أعطني عشرة آلاف الآن لنوفي بها ديون أسيد وأنت استغل هذا البستان لمدة عشر سنوات، والفاعل هذا هو عمر، وعمر ﵁ له سُنة متبعة، ثم لم يظهر معارض يعارض عمر في ذلك.
فاستدل شيخ الإسلام على هذا بدليلين: الدليل الأول: عام، والدليل الثاني: خاص.
وقولهم: إن النخل قد يثمر وقد لا يثمر، نقول: وكذلك الزرع، ألستم تجيزون أن يؤجر الأرض من يزرعها بدراهم معلومة قالوا: بلى، طيب ربما يزرع ويتعب ويحرث ثم لا تنبت، وربما تنبت ثم يفسد الزرع، وربما تنبت ويحصل على الزرع آفة من برد أو ماء كثير يغرقه، فالخطر الموجود في الثمر -ثمر النخل- كالخطر الموجود في زرع الأرض ولا فرق. فالصواب إذن ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
وقد بدأ الناس أخيرًا يفعلون ذلك وإلا فإنهم كانوا بالأول لا يفعلون؛ بناء على المشهور من المذهب، فإن المذهب يفرقون بين تأجير الأرض للزراعة وبين تأجير النخل للاستثمار ().
***
وأصحابه أجمعين.
سبق لنا ثلاثة أمور فيما يتعلق بالزروع والأشجار، وهي: المغارسة، والمساقاة، والمزارعة.
فما الفرق بين كل واحدة والأخرى؟ ().
[ ١ / ٥٠٤٩ ]
مقدار الحد المزروع، خسر المزارع بدنيًّا وماليًّا، ولنفرض أنه زرع خمس مئة صاع، وجاء الزرع يعني خمس مئة صاع من الحب، وجاء الزرع خمس مئة صاع فقط، كم بيروح من الخمس مئة؟ بيروح مئتين وخمسين مثلًا لصاحب الأرض، وهذا خسر -المزارع- خسر مئتين وخمسين، وخسر أيضًا العمل والتعب، فيكون ربح هذا المالك بغير حق؛ لأنه أخذ من المزارع جزءًا من ماله بدون أي عمل، ما عمل شيئًا، ويكون هذا المالك غانمًا، والمزارع غارمًا، يكون غارمًا.
وهذا الحقيقة لولا الحديث -حديث معاملة خيبر- لكان القول قول من يقول بأنه لا بد في المزارعة من أن يكون الحب من صاحب الأرض. عمل الناس اليوم ليس إلا على ما مشى عليه المؤلف.
***
[باب الإجارة]
ثم قال المؤلف: (باب الإجارة).
الإجارة مأخوذة من الأجر، وهو العوض المقابل بعمل يسمى أجرًا.
ولهذا يسمى ثواب العمل أجرًا، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٥].
وهي نوع من البيع، الإجارة نوع من البيع، ولهذا يحرم عقد الإجارة في المسجد كما يحرم عقد البيع، ويحرم عقد الإجارة بعد نداء الجمعة الثاني كما يحرم عقد البيع؛ لأنها نوع من البيع، فهي بيع المنافع في الواقع.
الإجارة تكون على أعيان، أي: على منافع الأعيان وعلى أعمال.
مثال الأول: استأجرت منك السيارة لمدة عشرة أيام أو للحج عليها، هذا عقد على أيش؟ على منفعة عين.
عقد على عمل: استأجرتك على أن تعمل بمزرعتي لمدة يومين أو ثلاثة أو شهر أو شهرين، هذا عقد على أيش؟ على عمل. وسيأتي أقسامها إن شاء الله تعالى في كلام المؤلف.
عقد الإجارة: جائز بدلالة القرآن والسنة وإجماع الأمة:
أما القرآن فإن الله ﷾ يقول عن المرأتين اللتين سقى لهما موسى: إنهما قالتا لأبيهما: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦].
[ ١ / ٥٠٥٠ ]
وأما في السنة فقد ثبت أن النبي ﷺ استأجر عبد الله بن أريقط على أن يدله على الطريق من مكة إلى المدينة.
وأما إجماع المسلمين فمعلوم.
وأما النظر والقياس فلأن الحاجة داعية إلى ذلك، قد أحتاج إلى سيارة تحملني إلى الرياض وليس عندي قيمتها، لكن عندي أجرتها، أملك خمس مئة ريال أستأجر بها هذه السيارة، لكن قيمة السيارة، كم قيمتها؟ عشرون ألف ريال، ليس عندي عشرون ألف ريال، فالحاجة داعية إلى ذلك.
الذي يحتاج هو المستأجر ولَّا المؤجر؟
طلبة: المستأجر.
الشيخ: المستأجر والمؤجر، المستأجر حاجته معلومة، والمؤجر أيضًا حاجته معلومة؛ لأنه يقول: كوني أؤجر مثل هذه السيارة ولا تبقى معطلة ليس فيها فائدة، فلما كانت المصلحة أو الحاجة داعية إليها من الطرفين أباحها الشرع.
فيكون الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، كلها دالة على جواز الإجارة.
لكن لا بد لها من شروط، وكل عقد من العقود يذكر له شروط فإنه لا بد أن نستدل لكل شرط من هذه الشروط، وإلا فإن الأصل عدم الشروط.
الأصل حل الشيء على الإطلاق، هذا الأصل، ولهذا كل من ادعى في عقد بيع أنه حرام، قلنا له: هات الدليل؛ لأن الأصل في عقد البيع الحل، وكل من ادعى حرمة في عقد إجارة نقول له: هات الدليل؛ لأن الأصل في العقود الحل.
ولهذا أقول لكم: إن الشروط التي يقولها العلماء -﵏- في العقود لا بد لها من دليل وإلا فإنها لا تقبل.
الإجارة لها شروط، يقول المؤلف: (تصح بثلاثة شروط) أفادنا المؤلف بقوله: (تصح) إلى أن الإجارة تقع صحيحة وتقع فاسدة، فما وافق الشرع منها فصحيح، وما خالف الشرع ففاسد، وإذا فسدت الإجارة فإنه لا يترتب عليها ما جاء في العقد، بل يثبت فيها أجرة المثل.
ثم هل تكون يد المستأجر يد أمانة أو يد غصب؟ سبق لنا هذا في القواعد قواعد ابن رجب، وذكرنا أن الصحيح أن يده يد أمانة؛ لأنه قبضها من صاحبها برضاه.
يقول: (تصح بثلاثة شروط).
[ ١ / ٥٠٥١ ]
أحدها: (معرفة المنفعة) لا بد أن تكون المنفعة المعقود عليها معلومة، أما إذا كانت مجهولة فإنها لا تصح، ما الدليل؟
الدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٩٠، ٩١].
وجه الدلالة: أنه إذا كانت المنفعة مجهولة صارت من الميسر؛ لأن المستأجر وكذلك المؤجر بين غانم وغارم للجهالة، ثم إنها إذا كانت مجهولة ستحدث الخصومة أو المخاصمة والمنازعة المؤدية إلى العداوة والبغضاء.
أما دلالتها من السنة فهو حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر (٥)، وكل مجهول فهو غرر، والإجارة -كما أسلفنا- نوع من البيع.
العلم يكون إما بالعرف وإما بغير العرف، بالعرف مثل سكنى الدار: استأجرت منك هذا البيت للسكنى، كيف السكنى، ويش هي السكنى هذه؟
طلبة: الإقامة.
الشيخ: ما هي السكنى؟ السكن، لكن ويش معناها: إني أستعمل المطبخ مطبخًا، والمعشى معشى، والقهوة قهوة وإلى آخره، ولا أخلي المعشى مربط حمير؟ !
طالب: على العرف.
الشيخ: على العرف هذا، لو مثلًا استأجر مني البيت، لما دخلت عليه ولا حاط من المحل مجلط، حاط مثلًا حوش غنم، وحاط لي القهوة حاطها مربط حمير، وحاط من الصالة حوش بقر، يصلح هذا ولَّا لا؟
لو قال: أنا استأجرت منك البيت فملكت منفعته، ولي أن أنتفع فيه بما شئت، ويش أقول له؟
أقول: استأجرت مني البيت للسكنى، والسكنى يرجع فيها إلى العرف، فهل من عرف الناس أن هذا الرجل الذي استأجر مني البيت يسكن فيه الدواب والمواشي؟
[ ١ / ٥٠٥٢ ]
لا، لكن لو استأجرت مني حوشًا تبغي تحط فيه الغنم، وجيت ولقيتك حاطت فيه غنم أو حاطت بقر أو حاطت إبل يصلح؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟ لأن هذا هو العرف، لكن لاحظوا أنه لو استأجره مني أن يكون حوش مثلًا للغنم وحط فيه بقر هل يجوز ولَّا لا؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: أيهما أشد تأثيرًا على الحوش؟
طلبة: الغنم.
طلبة آخرون: البقر.
الشيخ: أيهم أشد؟ من اللي عنده بقر وغنم منكم؟ أنت عندك شيء؟
طالب: نعم.
الشيخ: أيهم أشد؟
الطالب: الغنم يا شيخ.
الشيخ: أشد الغنم ليش؟
الطالب: ().
الشيخ: كيف ذلك؟
طالب: البقر أهدى.
الشيخ: البقر أهدى! والله ما أدري، أنا أخشى أن البقر () الباب من ..
طالب: تكسر الباب.
الشيخ: وتكسر الباب.
طالب: يقولون: البقر بقرة ().
الشيخ: على كل حال تأملوا هذا ().
***
السلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
تقدم لنا أن الإجارة هي العقد على منفعة العين أو على عملها، وأنها جائزة بالكتاب والسنة والإجماع، والقياس يعني النظر الصحيح، وبينا أدلة ذلك، فمن القرآن؟ ().
طيب يخدمه بأيش؟ لازم يبين ويش الخدمة هذه، تخدمني مثلًا تذهب معي إلى المسجد، تذهب معي إلى السوق، تذهب معي إلى المكتبة وما أشبه ذلك أو ما حاجة نبين هذا؟
طالب: لا حاجة.
الشيخ: نقول: لا حاجة؛ لأن مرجع ذلك إلى العرف ().
إلى بيانه، فلو استأجره للخدمة قال: يلا الآن عندي مزرعة احرثها، وعندي مصنع اصنع فيه، وعندي ورشة صلح فيها السيارات هل يملك ذلك؟
طلبة: لا يملك.
الشيخ: انتبهوا يا جماعة، هو استأجره للخدمة، وصار يشغله بالمزرعة، والورشة، وبالمصنع، وبكل شيء، نقول: لا يملك هذا؛ لأن هناك فرقًا بين العامل والخادم، فإذا استأجره للخدمة فإنه لا يمكن ().
[ ١ / ٥٠٥٣ ]
لأن هذا مما لم تجر العادة به، لا سيما إذا نص على شيء معين من العمل فإنه لا يملك أن يجعله في غيره؛ لأن بعض الناس عاد يأتون بالعمال الآن -كما يجري الشكوى كثيرًا من العمال- يأتون به ليكون مهندسًا لأنه يجيد الهندسة، ثم يقول: يلا () في المزرعة، يقول: ما أعرف في المزرعة، ما أعرف كيف () ما أعرف كيف أعدل ولا أعرف كيف أحرث، نقول: لا، هذا نقول: حرام عليه ولا يجوز لأنه دخل معه بعقد على شيء معين فلا يمكن أن يلزمه بغيره.
الثالث: قال (وخدمة آدمي، وتعليم علم) هذا أيضًا مما تصح الإجارة عليه، ولكنه عمل، يقول: استأجرتك على أن تعلم ولدي مادة الحساب لأنه أكمل فيها، فأبغي استأجرك على أن تعلمه هذه المادة يجوز ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يجوز ولا بأس به، ولكن كيف نقدر هذا العمل؟ هل نقدره بالزمن، أو نقدره بالعلم؟
نقول: يجوز أن نقدره بالزمن وهو أحوط، أو أن نقدره بالعلم، لكن تقديره بالعلم فيه صعوبة؛ لأن هذا المعلَّم -الولد- ربما يهمل فيحتاج في تعليمه إلى زمن طويل، لكن إذا قدر بالزمن بأن أقول: استأجرتك تعلم ابني مادة الحساب كل يوم ساعتين، فهذا يكون أضبط وأسلم من النزاع، واضح؟
كذلك أيضًا يجوز أن يستأجره للدلالة على شيء معين، بأن يقول: استأجرتك لتدلني طريق مكة، طريق المدينة، هذا أيضًا جائز؛ لأنه عمل، استأجرتك لتبني هذا الجدار يجوز، لتسلك هذا البيت يجوز، المهم أنه لا بد من معرفة أيش؟ المنفعة المعقود عليها، وذكرنا الأدلة في ذلك.
(الثاني: معرفة الأجرة) ودليل ذلك هو دليل اشتراط معرفة المنفعة؛ لأن الأجرة أحد المعقود عليها، فالإجارة فيها عقد على المنفعة بأجرة، فالأجرة إذن معقود عليها فلا بد من العلم بها.
فلو قال: استأجرت منك هذا البيت بما في هذا الكيس من الدراهم، يجوز ولَّا لا؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لأن الأجرة مجهولة فلا تجوز ().
() مثلًا أسلاك أو تمزق فيه شيء فعليك إصلاحه؟
طلبة: لا يجوز.
[ ١ / ٥٠٥٤ ]
الشيخ: ليش؟
طلبة: مجهولة.
الشيخ: مجهولة صحيح؛ لأنه قد يتلف منه شيء كثير، وقد يتلف منه شيء قليل، وقد لا يتلف منه شيء، واضح؟ فالأجرة إذن مجهولة فلا تصح.
قال: (وتصح في الأجير والظئر بطعامهما وكسوتهما).
(وتصح في الأجير والظئر)، الأجير واضح، الرجل المستأجر أو المرأة المستأجرة (بطعامهما وكسوتهما).
الظئر هي المرضعة، يصح أن نستأجر امرأة لترضع ولدي بطعامها وكسوتها؛ انتبهوا الآن فعندنا الطعام والكسوة هل هو معلوم ولَّا غير معلوم؟ هو معلوم بالعرف وليس معلومًا بالتعيين، فإذا استأجرت أجيرًا بطعامه قلت: اعمل عندي اليوم بغدائك وعشائك يجوز ولَّا لا؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز، لكن هذا الرجل قد يأكل كثيرًا وقد يأكل قليلًا؟
طلبة: العرف.
الشيخ: نعطيه كفايته، ولكن هل نعطيه من أعلى أنواع الطعام أو من أدونه أو مما جرت به العادة؟ نقول: مما جرت به العادة، فلو طلب أعلى الطعام ما نعطيه، ولو أعطيناه أدنى الطعام لكنا ظلمناه، فنعطيه ما جرت به العادة للعمال ويكفي.
طيب والمرأة المرضعة؟ كذلك، إنسان استأجر امرأة ترضع طفله على أن يقوم بطعامها وكسوتها، نقول: هذا أيضًا لا بأس به، والمرجع في ذلك إلى العرف، فكما رجعنا إلى العرف في تقدير المنفعة فيما سبق كخدمة آدمي وسكنى الدار نرجع أيضًا إلى العرف في تقدير الأجرة.
هل يجوز أن نستأجر حيوانًا لأخذ لبنه بطعامه والقيام عليه؟ ظاهر كلام المؤلف أنه لا يجوز؛ لأنه خص الأجير والظئر بطعامهما وكسوتهما، وظاهره أن ما سواهما لا يصح، وهذا هو المشهور من المذهب.
والصحيح أن ذلك جائز وأنه يجوز للإنسان أن يستأجر بهائم غيره بطعامها وشرابها وما يصلحها؛ لأنه لا فرق بين استئجار هذه المرأة لترضع الطفل بطعامها وكسوتها أو استئجار هذه الشاة لأخذ لبنها لمدة أسبوع مثلًا بالقيام عليها بعلفها وسقيها وما أشبهها.
فالصواب أن ذلك جائز كما هو جائز في الظئر.
[ ١ / ٥٠٥٥ ]
قال المؤلف: (وإن دخل حمامًا، أو سفينة، أو أعطى ثوبه قَصَّارًا، أو خياطًا بلا عقد؛ صَحَّ بأجرة العادة).
إذا دخل الإنسان حمامًا بلا عقد فإنه يصح بأجرة العادة؛ وذلك لأن صاحب الحمام لم يضع هذا الحمام إلا من أجل أن ينتفع الناس به ويأخذ عليهم الأجر، ولو شاء ألا يدخله أحد لأغلق بابه، وهكذا كل المصالح العامة المفتوحة لعموم الناس، إذا دخلها الإنسان بلا عقد فإنه يصح لكن بأجرة المثل.
فهذا مثلًا حمام قد بناه صاحبه يأتي الناس إليه فيتحممون به، فجاء رجل فدخل وجد الباب مفتوحًا ودخل وتحمم وخرج بدون عقد، هل هذا جائز أو لا؟
الجواب: جائز، وعلى هذا الذي استعمل الحمام عليه أجرة المثل، فإذا كان الرجل البالغ بعشرة، والصغير بخمسة، وهذا رجل بالغ يأخذ عشرة منه، فإن قال: أريد خمسة عشر لم يعط ذلك؛ لأن هذا يرجع فيه إلى العادة والمثل.
كذلك سفينة، سفينة راسية على الميناء يريد صاحبها أن إلى مصر مثلًا، فالناس يأتون ويدخلون بدون عقد للسفر إلى مصر، يجوز ولَّا لا؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز ويعطى أجرة المثل.
ومثل هذا عندنا النقل الجماعي، النقل الجماعي: يقف ويأتي الناس يدخلون ويركبون ويحاسبهم على أجرة المثل.
وكذلك أصحاب التاكسي، وجدت مثلًا صاحب تاكسي في المكان الذي يسافر منه الناس وركبت ولم تقطع معه أجرة ولا عقدًا، فيصح بأجرة المثل.
وهذه قاعدة عامة، في كل من وضع شيئًا ينتفع به الناس على سبيل العموم بالأجرة فإنه يصح أن ينتفع به الإنسان بدون عقد، ولكن عليه أجرة المثل.
(أعطى ثوبه قصارًا) القصار هو الغسال، الذي يغسل الثياب، هذا رجل جاء إلى الغسال فرمى إليه ثوبه -ثوبه الوسخ- فغسله الغسال بدون أن يتفق معه على عقد، فهذا صحيح، ويكون ذلك بأجرة المثل.
طلب القصار من صاحب الثوب عشرة، قال: يا أخي، ثوبي كله ما يسوى عشرة، كيف أعطيك عشرة ريالات، قال: هذه عادتي، شوف القوائم، أنا أغسل الناس الثوب بعشرة، فمن الذي نأخذ بقوله؟
[ ١ / ٥٠٥٦ ]
طلبة: القصار.
الشيخ: قول القصار، قال صاحب الثوب: خذ ثوبي لك، خذه، لا أنا معطيك ولا أبغي ثوبي. قال: أنا لا أريده، ثوبك هذا ما يساوي خمسة ريالات، يلزم بأخذ الثوب؟
طلبة: لا يلزم.
الشيخ: لا يلزم، فإذا جاءنا هذا يتظلم صاحب الثوب، قال: أنا لو علمت أنه بعشرة ما أعطيته إياه، نقول له: أنت الذي فرطت، فلماذا لم تسأله؟ أما هذا الرجل فكان معدًّا نفسه لغسل الثياب كل ثوب بعشرة، فإن قال: أنا قد وجدت قصارًا أو غسالًا غسله لي بريالين، نقول: لماذا لم تذهب إلى ذاك؟ وهذه مغسلة راقية، والمغاسل تختلف بلا شك، هل يمكن أن نجعل هذه المغسلة الراقية الذي يخرج منها الثوب كالجديد كمغسلة يخرج منها الثوب كما دخل وربما أسوأ، تجده يخرج متعرفط مثلًا، وكان معطيه إياه متسيبًا، ومع ذلك جاءني متجعدًا كرأس الجارية، هذا يختلف الحكم.
(أو خياطًا) أعطى ثوبه خياطًا جاء إلى الخياط، وقال: خذ هذا الثوب خطه لي، ولم يتفق معه على عقد ولا على أجرة، فخاطه الخياط وطلب منه الأجرة، يلزمه تسليمها؟
طلبة: نعم.
الشيخ: فإذا قال: أنا ما عقدت معه على هذا القدر، قلنا: هذه هي العادة، وإذا كان كثيرًا لم تكن تتوقع أن يبلغ هذا المبلغ فأنت الذي فرطت.
القاعدة في هذه المسائل الأربع -اللي هي: الحمام، والسفينة، والقصار، والخياط-: أن من أعد نفسه للعمل على وجه العموم فإنه يصح استخدامه أو الانتفاع بهذا العمل بأجرة المثل وبدون عقد، وما زال الناس يفعلونه، ولا سيما في مسألة ما يشبه السفينة كالنقل الجماعي وغيره، تجد الإنسان يدخل ويحاسب كما يحاسب غيره.
قال المؤلف: (الثالث: الإباحة في العين)، قوله: (الإباحة في العين) يعني أن تكون عينًا مباحةً أو يكون نفع العين مباحًا؟
طلبة: كلاهما.
الشيخ: إحنا نتكلم الآن على المنافع، فيكون الإباحة في العين: إباحة في نفع العين، وإن كانت هي محرمة، فالحمار مثلًا محرم ولَّا لا؟
طلبة: محرم.
[ ١ / ٥٠٥٧ ]
الشيخ: عينه محرمة لا شك، لكن نفعه مباح، فيكون المراد الإباحة في نفع العين، إي نعم ().
***
نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أنه من شروط الإجارة العلم بالأجرة، وما دليل هذا الشرط ().
قد دعاني إلى بيته لوليمة، قلت له: أنا ودي أتحمم، قال: تفضل ادخل الحمام، لما أردت الخروج بعدما أكلت الوليمة قال: الأجرة عندك، لي أجرة، ويش الأجرة؟ قال: أجرة الحمام، الناس يتحممون بخمسين ريال. له ذلك ولَّا لا؟
طلبة: لا، ما له ذلك.
الشيخ: ليش؟
طلبة: ما أعده لهذا.
الشيخ: لأنه ما أعده لهذا العمل، وإذا كان يريد مني شيئًا فليقل، والحاصل أنه يجب أن ننتبه لعبارة المؤلف: (إن دخل حمامًا) يعني معدًّا لذلك، سفينة معدة لذلك، والسفينة معروف أنها معدة للركوب بالأجرة.
(أو أعطى ثوبه قَصَّارًا) ولم يقل: أعطى ثوبه رجلًا فقصره، قال: (قصارًا) يعني معدًّا نفسه لذلك، (خياطًا) مثله، خياط معد نفسه للخياطة، أما لو أعطيت ثوبي رجلًا من أصحابي وخاطه لي ثم جاء يطلب الأجرة فإنه لا يستحق؛ لأنه لم يعد نفسه لذلك العمل.
ثم قال المؤلف ﵀: الثالث يعني من شروط الإجارة (الثالث: الإباحة في العين)، قال: (الإباحة في العين) والمراد: الإباحة في نفع العين، وإنما قلنا ذلك لأن الباب باب الأجرة، والمعقود عليه في الأجرة النفع أو العين؟
طلبة: النفع.
الشيخ: النفع هذه من جهة، ومن جهة أخرى أن المقصود الإباحة في النفع، لا في العين، ولهذا يجوز استئجار الحمار للعمل عليه مع أن عينه محرمة، فهنا يتعين أن نعرف أن المراد بقوله: (في العين) أي في نفع العين.
استأجرت بيتًا لأسكنه، سكنى البيت مباح ولا غير مباح؟
طلبة: مباح.
الشيخ: مباح، استأجرت هذا البيت لأجعله مسجدًا، يعني مصلى للناس يصلون فيه، يجوز ولَّا لا؟
طلبة: يجوز.
[ ١ / ٥٠٥٨ ]
الشيخ: يجوز؛ لأن هذا نفع مباح، بل هذا نفع مشروع، استأجرته لأجعله مدرسة أعلم فيها القرآن، والسنة هذا جائز ولَّا لا؟ جائز.
غير الجائز قال: (فلا تصح على نفع محرم، كالزنا، والزمر، والغناء) يعني: استأجر امرأة يزني بها -والعياذ بالله- فهذا حرام، قال النبي ﵊: «مَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ» (٦)، يعني حرامًا، ولأن الله يقول: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، والاستئجار للعمل المحرم تعاون على الإثم والعدوان.
(الزمر) استعمال المزمار، استأجرت إنسانًا ليزمر عندي يجوز ولَّا لا؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، سواء كانت الآلة من عندي أو من عنده؛ لأن الزمر حرام.
استأجرته ليضرب بالعود عندي؟
طلبة: كذلك.
الشيخ: كذلك لا يجوز؛ لأن هذا النفع محرم.
(الغناء) أطلق المؤلف ولم يفصل، ولكن يجب التفصيل؛ فالغناء المحرم لا يجوز الاستئجار له؛ لأنه نفع محرم، فلو استأجرت مغنيًا يغني عندي بآلته التي معه كالموسيقا، فهذا حرام ولا يجوز. استأجرت مغنيًا يغني بهجاء قوم، قوم لا يستحقون الهجاء فهذا حرام. استأجرت مغنيًا يغني بمدح قوم لا يستحقون المدح فهذا حرام ولا يجوز. استأجرت مغنية تغني في العرس غناء مباحًا، جائز ولَّا لا؟
طلبة: جائز.
الشيخ: جائز، وعلى هذا يُعلم ما في إطلاق المؤلف من النظر. استأجرت حاديًا يحدو لإبلي، يجوز؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يجوز؛ لأنه نفع مباح. استأجرت مغنيًا يغني أمام القوم الذين يحرثون أرضي حتى يخلي الواحد منهم يضرب على الأرض وهو يعني ما يشعر، يجوز ولَّا لا؟
طلبة: لا يجوز.
طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز؛ لأن الغناء على العمل للتقوي عليه جائز كما كان الصحابة ﵃ يغنون للتقوي على حفر الخندق، فالإنسان الذي يغني ليتقوى على العمل لا بأس به.
[ ١ / ٥٠٥٩ ]
ومنه، بل هو من الحداء في الواقع، ما يفعله الناس لما كانوا يحدون على الإبل، كان فيه بعض العمال يسمونه عاملًا، اللي يسوق الإبل للسواني يسمى العامل عندنا، فيه ناس من العمال عندهم صوت وأداء إذا سمعته الإبل صارت تمشي وكأنها مجنونة حتى تبدى تخرج من المشي العظيم، تسرع في الانحدار وفي الرقي وتخرج ماء عظيمًا، فلو استأجرنا هذا العامل وزدنا في أجرته من أجل حسن حدائه للإبل فإن هذا جائز ولا بأس به.
والمهم العمل هل هو حرام ولَّا حلال؟ إذا كان حرامًا فالاستئجار عليه حرام، وإذا كان حلالًا فالاستئجار عليه حلال.
(وجعل داره كنيسة) جاء نصراني يستأجر مني الدار ليسكنها، وجاءني نصراني آخر يستأجر هذه الدار ليجعلها كنيسة، معبد نصارى، ماذا نقول في الإجارتين؟ الأولى: صحيحة وإن كانت مكروهة عند بعض أهل العلم، والثانية حرام بلا شك، استأجرها ليحولها إلى كنيسة هذا لا يجوز؛ لأن هذا إعانة على الإثم والعدوان.
فإن قال قائل: أليست الكنيسة جائزة للنصارى؟ قلنا: ولكنها ليست مرضية لله ولا لرسوله، ولا يجوز لنا أن نمكنهم من إقامة عباداتهم في بلادنا.
(أو لبيع الخمر) استأجر مني هذا البيت ليبيع فيه الخمر -خمار- يبغي يصنع الخمر في البيت ويبيعه يجوز ولَّا ما يجوز؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؛ لأن هذا عمل محرم، والتأجير من أجله تعاون على الإثم والعدوان وقد نهينا عنه: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
وكلام المؤلف هنا لا يعني أن من باع الخمر يقر عليه، أو من صنع الخمر يقر عليه، لكن لبيان الواقع، وبيان الواقع لا يدل على الإذن والحل، ألم تر إلى النبي ﷺ يقول: «لتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» (٧) وهذا يدل على الإذن والإباحة ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا يدل على الإذن والإباحة، كلام المؤلف يريد أن يبين الواقع، فإذا وقع مثل هذا فهو لا تصح الإجارة عليه.
[ ١ / ٥٠٦٠ ]
إذا اشتراها لبيع الدخان؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: الدخان مثل الخمر؟
طلبة: هو محرم.
الشيخ: الدخان مثل الخمر يا شيخ؟ !
طلبة: إي نعم، هو محرم.
الشيخ: إي نقول: كما لا يصح لبيع الخمر لا يصح أيضًا لبيع الدخان، العلة: التحريم في كل منهما، فإذا جاءني إنسان يريد أن يستأجر هذا الدكان ليكون محلًّا لبيع الدخان، قلنا: حرام لا يجوز، وأجرته حرام لا يحل لي أكلها ولا الانتفاع بها.
استأجره مني ليجعله مخزنًا مستودعًا للدخان، ما يبيع فيه؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: حرام ولَّا لا؟
طلبة: حرام.
الشيخ: حرام أيضًا. استأجره مني ليجعله بقالة؟
طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز، كذا؟ لكن إذا قال: من شرط حياة البقالة أن يكون فيها دخان، والناس إذا قلت: هذه بقالة ما فيها دخان ما يشترون منه يروحوا للبقالة الأخرى، وأنا أعرف أنه سيجعل فيها هذا الدخان يجوز ولَّا لا؟
طلبة: ما يجوز.
الشيخ: لا يجوز، لكن لو استأجرها مني على أنه سيبيع فيها أشياء مباحة وبعد ذلك صار هو يجعل فيها أشياء محرمة، فالعقد صحيح، كما لو استأجر مني البيت ليسكنه ثم صار يصلي فيه يتعبد عبادة النصارى كما يتعبدون في الكنائس، فهذا يكون العقد صحيحًا، لكن إذا انتهت مدة العقد فإنه لا يجوز لي أن أجدد العقد في حقه، وأنا أعلم أنه سيبيع فيه الشيء المحرم، واضح يا جماعة؟
استأجر مني دكانًا ليجعله بنكًا ربويًّا؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، كذا؟ وهل نقول: إن المؤجر ملعون؟ نقول: أما الرسول ﵊ فقد لعن آكله وموكله وشاهديه وكاتبه (٨)، والمؤجر أشد عونًا على الربا من الكاتب والشاهد؛ لأنه مشارك مشاركة فعلية، لكن الجزم في دخوله في اللعنة لا نجزم به، نخشى أن نكون افترينا على الله كذبًا، إنما نقول: نحن نخشى أن يكون داخلًا في اللعنة لأن معاونة المرابي على الربا في إجارته هذا الدكان أشد من كاتب يكتب أو شاهد يشهد.
[ ١ / ٥٠٦١ ]
خلاصة الكلام: كل نفع محرم فإنه لا يجوز التأجير له، الدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
(وتصح إجارة حائط لوضع أطراف خشبه عليه) من اللي بيستأجر؟ الجار، يستأجر هذا الحائط ليضع أطراف خشبه عليه، نقول: هذا يجوز، لكن إذا كان يتعين على الجار أن يمكنه من وضع أطراف الخشب عليه، وقال: لا يمكن أن تضع أطراف الخشب إلا بأجرة صارت الأجرة حرامًا، حرامًا على من؟
على صاحب الجدار، أما الجار الذي يضع الخشب فليست حرامًا عليه؛ لأنه مظلوم، وذلك هو الظالم، لكن إذا كان الجدار لا يلزم صاحبه أن يمكن جاره من وضع الخشب عليه وأجره إياه حينئذ يجوز ذلك.
وإنما نص المؤلف على هذا مع كونه أمرًا معلومًا؛ لأن المدة هنا غير معلومة؛ إذ إن صاحب الخشب سيملك الوضع على الجدار حتى ينهدم، فهنا المدة غير معلومة لكن سقط وجوب تعيينها للحاجة.
ثم قال المؤلف: (ولا تؤجر المرأة نفسها بغير إذن زوجها) المرأة لا تؤجر نفسها بغير إذن زوجها لأنها إذا أجرت نفسها فوتت على زوجها الاستمتاع بها.
فلو أن امرأة تزوجت رجلًا، وبعد عقد النكاح تعاقدت مع وزارة التعليم لتكون مدرسة، فإن هذا حرام، ولا يجوز لها أن تفعل ذلك إلا بإذن الزوج، فإذا قالت: أنا أملك نفسي وأنا حرة، قلنا: ليس كذلك، أنت الآن مملوكة المنافع، لمن؟
طلبة: للزوج.
الشيخ: للزوج، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤]، فلا يمكن أن تؤجري نفسك إلا بإذن الزوج.
فإن اشترطت عليه عند العقد أن يمكنها من التدريس وقبل؛ صح ذلك، ولزمه الوفاء بالشرط.
وعلم من قول المؤلف: لا تؤجر نفسها؛ أنها لو استؤجرت على عمل -ما هو تأجير النفس- على عمل، مثل الخياطة، أعطيتها ثوبًا لتخيطه، فلها أن تعقد الأجرة معي بدون إذن الزوج، ولكن ليس لها الحق في أن تضيع حق زوجها لتقوم بخياطة هذا الثوب، واضح؟
[ ١ / ٥٠٦٢ ]
الفرق واضح؛ لأن تأجير النفس يملك المستأجر نفس المرأة تعمل عنده، وهذه المرأة تبغي تعمل في بيتها، استأجرها لخياطة الثوب تخيطه في أول النهار، في آخر النهار، في أول الليل، إذا غاب زوجها ما تضيع حق الزوج، لكن إذا أجرت نفسها فقد ضيعت حق الزوج.
هل يجوز أن تكون خادمًا عند الناس بدون إذن زوجها؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؛ لأن هذا إجارة نفس، بخلاف ما إذا استؤجرت على عمل تعمله وهي في بيت زوجها، فهذا جائز، لكن ليس لها الحق في أن تضيع حق زوجها.
فإن قال قائل: قد يغريها هذا العقد فتضيع حق زوجها، يعني أننا إذا أبحنا لها أن نستأجرها لخياطة الثوب يمكن يغريها هذا العقد، تبدأ تأخذ الثياب من الناس وتشتغل بالخياطة وتنسى حقوق الزوج، قلنا: إذا أدى هذا إلى هذه الحال وجب منعه وإلا فالأصل الجواز ().
***
(ويشترط في العين المؤجرة) إلى آخره.
سبق أنه يشترط لصحة الإجارة أن يكون في العين نفع مباح، أن يكون في العين نفع، والثاني: مباح.
فإن لم يكن لها نفع فإن الإجارة لا تصح كما سيأتي إن شاء الله تعالى في شروط إجارة العين.
وإن كان فيها نفع محرم واستأجرها لهذا العمل المحرم كذلك أيضًا لا يصح، وهو حرام؛ لأنه تعاون على الإثم والعدوان.
مثاله في المحرم: استئجار العين المحرم ().
(ويشترط في العين المؤجرة: معرفتها برؤية أو صفة) يشترط في العين المؤجرة معرفتها لأن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر (٥)، ولأن عدم معرفتها يفضي إلى النزاع، وما أفضى إلى النزاع فإن الشارع يمنع منه.
فإذا قال قائل: النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر، وهذا إجارة؟
فالجواب: أن الإجارة نوع من البيع فهي بيع المنافع، يشترط أن تكون معروفة.
(برؤية) بأن يقول: آجرتك هذه الدار يدخل في الدار ويشوفها وينظر لها، آجرتك هذه السيارة وينظر للسيارة.
[ ١ / ٥٠٦٣ ]
(برؤية أو صفة) يعني أن للعلم طريقين: الرؤية والصفة، لكن الصفة فيما ينضبط بالوصف، مثل أن أقول: آجرتك سيارة نوعها كذا، وموديلها كذا، وأصفها بوصف تام لتحج عليها، يجوز هذا ولَّا لا؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: السيارة تنضبط بالوصف ولَّا ما تنضبط؟
طلبة: تنضبط.
الشيخ: تنضبط بالوصف، فيجوز عقد الإجارة على علم بالصفة.
قال: (في غير الدار ونحوها) أما الدار ونحوها مما لا يمكن ضبطه بالصفة فإنه لا يصح تأجيره بالصفة، بل لا بد من الرؤية، فلو استأجرت منك بيتًا ووصفته لي أنت وصفًا دقيقًا تامًّا فإن الإجارة لا تصح.
لو قلت: عندي لك بيت فيه حوش كذا وكذا مترًا عرضًا وطولًا، فيه حجرتان طولهما كذا، عرضهما كذا، فيه مطبخ طوله كذا، عرضه كذا، فيه حمام وتصفه بكل أوصافه، هل تصح الإجارة لهذا البيت ولَّا لا؟
لا تصح، حتى تذهب وتراه بعينك، لماذا؟
لأن الوصف في هذا لا يضبطه بالكلية أبدًا، لا بد أن يكون هناك ميل من الإنسان لما استأجره، أحيانًا تدخل البيت من حين ما تدخله ينشرح صدرك وتطمئن إليه، أحيانًا تدخل البيت من حين ما تدخله يضيق صدرك وتحب أن تخرج منه، حتى وإن كان فيه مثلًا حجر وفيه حمامات وفيه كل منافعه لكن هذا شيء يتوقف على الرؤية، ولهذا لا يجوز تأجير البيوت بالوصف، بل لا بد من الرؤية.
إذا قال قائل: هل يجوز أن أوكل شخصًا يقوم بالرؤية عني؟ الجواب: نعم، ولهذا يجوز أن أوكل شخصًا فأقول: استأجر لي بيتًا فيه كذا وكذا وكذا، فيذهب ويستأجر، والوكيل يقوم مقام الموكل.
يقول المؤلف: والثاني: (أن يعقد على نفعها دون أجزائها) أن يعقد على نفعها، أي نفع العين، دون أجزائها، البعير مثلًا ويش نفعها بماذا؟ بالركوب والحمل. الدار: نفعها بالسكنى. الدكان: نفعه بعرض البضاعة فيه، وهكذا، فلا بد أن يكون العقد على النفع دون العين.
[ ١ / ٥٠٦٤ ]
فإن عقد على العين بأن قال: بعت عليك داري مدة سنة بكذا وكذا، فإنه على المذهب لا يصح العقد؛ لأنه أضيف إلى العين، ومورد العقد في الإجارة النفع.
فإذا قلت: بعتك داري لمدة سنة بألف ريال مثلًا، قلنا: هذ العقد لا يصح، ليش يا جماعة؟ قال: لأنه قال: بيع، أضاف البيع إلى العين.
لو قال: بعتك منافعها أو بعتك سكناها لمدة سنة، يصح، هذا يصح؛ لأنه ورد العقد على المنفعة، فلا بد أن يعقد على النفع دون الأجزاء.
لو قال: آجرتك هذا التمر لتأكله.
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: ليش؟
طلبة: لأنه على العين.
الشيخ: على العين، تقول: يا بني ويش يبقى لك؟
طالب: النوى.
الشيخ: بخلاف الدار إذا سكنتها بقيت لك الدار، فلا بد أن يكون العقد على المنافع.
قال: (فلا تصح إجارة الطعام للأكل) معلوم مثلًا ياسر قال للأخ نصر: أجرتك هذه الخبزة لتأكلها بدرهم، فأكلها نصر، ويش بقي لياسر؟ ما بقي شيء، إذن لا يصح.
إجارة الطعام للأكل، الثوب للبس؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يصح؛ لأنه ينتفع به مع بقاء العين، فالثوب للبس لا بأس به، الشراب للشرب؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، آجرتك لبنًا لتشربه، ما يجوز.
يقول: (ولا الشمع ليشعله)، نعم آجرتك الشمع لتشعله بعشرة ريالات، يقول المؤلف: لا يصح، لماذا؟ لأن الشمع يذوب ويزول إذا أشعل، فلا يبقى شيء.
وقال شيخ الإسلام: هذا صحيح، أنه يصح أن يؤجره الشمع ليشعله، فإذا آجره هذه الشمعة أو هذا العمود من الشمعة بعشرة ريالات صح، إن أتلفه كله فقد تلف كله واستحق الأجرة كاملة، وإن أتلف بعضه فإنه يستحق من الأجرة بقسطه، هذا إذا كان استأجره لعمل، بأن قال: استأجرت منك الشمعة للضيوف، أما إذا قال: استأجرتك مطلقًا فإن الباقي يكون على المستأجر.
شيخ الإسلام -﵀- يقول: إن هذا من جنس البيع، كما أنه يجوز أن أقول: بعتك هذه الصبرة () من الطعام كل صاع بكذا، كذلك الشمع أجرتك إياه كل ساعة بكذا وكذا، ولا مانع ().
[ ١ / ٥٠٦٥ ]
إي نعم يذوب () إي نعم يعني يمكن يستعمل مرة ثانية، لكن تكرر الاستعمالات يحترق، يذوب.
طالب: القلم يا شيخ.
الشيخ: القلم إذا كان قلم رصاص فهذا ما يصح؛ لأنه بيتلف بالاستعمال، أما إذا كان قلم حبر فلا بأس، ما فيه مانع.
(ولا الشمع ليشعله، ولا حيوان ليأخذ لبنه إلا في الظئر) يعني: ولا يصح أن يستأجر حيوانًا لأخذ لبنه إلا في الظئر.
ما هي الظئر؟ المرضعة، أما الظئر فيجوز استئجارها لأخذ لبنها، بأن تستأجر امرأة لإرضاع طفلك لمدة سنة، هذا جائز، ودليل ذلك من القرآن قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]
فصرح الله تعالى بأن هذا أجر، وهو يدل على صحة هذه الإجارة.
استأجر شخص حيوانًا ليرضع طفلًا صغيرًا عنده من الحيوان، يقول المؤلف: إنه لا يصح، يعني مثلًا إنسان عنده شاة ذات لبن، وأنا عندي سخلة صغيرة تحتاج إلى لبن، ماتت أمها فاستأجرت شاة فلان لإرضاع هذه السخلة الصغيرة، يجوز، على رأي المؤلف لا يجوز، لماذا؟ قال: لأنه لم يرد استئجار شيء تذهب عينه إلا في الظئر.
بل قال: إن استئجار الظئر ليس لأجل اللبن، شوف -سبحان الله- استئجار الظئر ليس لأجل اللبن ولكن لخدمة الطفل، أخذ الطفل ووضعه على الفخذ وإلقامه الثدي وتهدئته إذا صاح عند الرضاع هذا هو الذي استؤجرت الظئر من أجله، ماذا تقولون في هذا التعليل؟
نقول: هذا التعليل عليل، إن لم يكن ميتًا، لو تأتيني امرأة عجوز ليس في ثديها لبن تقول: تعال أنا باهدي لك ها الصبي هذا إذا صاح علي حطيته على رجلي وهدأته وألقمته هذا الثدي اليابس، يعطيها إياه ولَّا لا؟
طلبة: لا يعطيها.
الشيخ: ما يعطيها إياه، ويش أخليه بس يمصمص شيئًا ما فيه لبن.
إذن ما هو المعقود عليه حقيقة في الظئر؟ المعقود عليه حقيقة هو اللبن بلا شك، ولا أحد يشك في هذا، فإذا كان المعقود عليه هو اللبن فلا فرق بين الظئر وبين حيوان آخر الذي أستأجره لأخذ لبنه.
[ ١ / ٥٠٦٦ ]
ولهذا صحح شيخ الإسلام ابن تيمية جواز استئجار الحيوان لأخذ لبنه، وقال: إن الله ﷿ أباح استئجار المرضع لأخذ لبنها، ولا فرق، ثم أخذ من هذا قاعدة وقال: إن الأعيان التي يخلف بعضها بعضًا بمنزلة المنافع، الأعيان التي يخلف بعضها بعضًا يعني معناه إذا ذهبت عين جاء بدلها أنها تكون بمنزلة المنافع، فاللبن إذا خلا الضرع منه امتلأ مرة أخرى وهكذا، فيجعل هذه الأعيان الذي يخلف بعضها بعضًا بمنزلة المنافع.
وما قاله شيخ الإسلام ﵀ هو الصواب، وعلى هذا فيجوز استئجار الحيوان لأخذ لبنه، وله صورتان:
الصورة الأولى: أن يكون عندي سخلة صغيرة تحتاج إلى رضاعة، وليس عندي أم ترضعها، فآتي إلى هذا الرجل عنده أم ترضعها وأقول: خذ هذه السخلة أرضعها ولك في كل شهر كذا وكذا، وهذه كما تعلمون نظير الظئر من كل وجه، حتى صاحب الشاة والماعز الذي عنده شاة أو ماعز سوف يأخذ هذه السخلة ويذهب بها ويلقمها الثدي ويقوم عليها نوعًا من القيام، فهي تشبه تمامًا الظئر لا شك في هذا.
الصورة الثانية: أن أستأجر منك الحيوان لمدة أسبوع لأخذ لبنه، وهذه تقع أحيانًا، يأتي إلى الإنسان ضيوف وليس عنده من اللبن ما يكفيهم، فيقول: بدل ما أذهب أشتري من السوق لبنًا آخذ غنمًا من جاري أستأجرها منه كل يوم بكذا وكذا، هذا جائز أيضًا، وإن كان هذا يخالف الظئر من بعض الوجوه لكنه بمعناه؛ لأن المقصود من استئجار الظئر هو اللبن، هذا أيضًا المقصود منه اللبن، فيجوز أن أستأجر الحيوان لأخذ لبنه على الصورتين.
وهذا القول هو الراجح؛ لأن الأعيان التي يخلف بعضها بعضًا بمنزلة المنافع.
قال المؤلف: (وماء الأرض ونقع البئر يدخلان تبعًا) الله أكبر، هذا جواب سؤال مقدر، وهو أن الإنسان يؤجر أرضًا مثلًا ولنقل: إنه البيت، أجر بيتًا وفيه بئر يدخل استعمال الماء -ماء البئر- في الإجارة ولَّا لا؟
طالب: يدخل.
الشيخ: يدخل تبعًا، مع أن الماء لا ينتفع به إلا بذهاب عينه.
[ ١ / ٥٠٦٧ ]
يقول المؤلف: إنه يدخل تبعًا، وعلى هذا فإذا استأجرت أرضا وفيها بئر فإن ماء البئر الذي فيها يدخل تبعًا.
ويغتفر في التوابع ما لا يغتفر في الأصول؛ لأن الشيء قد يدخل تبعًا لا استقلالًا، قد يدخل في الشيء لغيره تبعًا، وإن يكن لو ..
والقدرةُ على التسليمِ، فلا تَصِحُّ إجارةُ الآبِقِ والشارِدِ، واشتمالُ العينِ على الْمَنفعةِ، فلا تَصِحُّ إجارةُ بَهيمةٍ زَمِنَةٍ لِحَمْلٍ، ولا أَرْضٍ لا تُنْبِتُ للزرْعِ، وأن تكونَ الْمَنفعةُ للمُؤَجِّرِ أو مَأذونًا له فيها، وتَجوزُ إجارةُ العينِ لِمَنْ يَقومُ مَقامَه، لا بأكثرَ منه ضَرَرًا. وتَصِحُّ إجارةُ الوَقْفِ، فإن ماتَ الْمُؤَجِّرُ وانْتَقَلَ إلى مَن بَعْدَه لم تَنْفَسِخْ، وللثاني حِصَّتُه من الأُجْرَةِ، وإن أَجَّرَ الدارَ ونحوَها مُدَّةً ولو طَويلةً يَغْلِبُ على الظنِّ بقاءُ العينِ فيها صَحَّ، وإن اسْتَأْجَرَها لعمَلٍ كدَابَّةٍ لرُكُوبٍ إلى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ أو بَقَرٍ لحَرْثٍ أو دياسِ زَرْعٍ أو مَن يَدُلُّه على طريقٍ اشْتَرَطَ مَعرفةَ ذلك وضَبَطَه بما لا يَخْتَلِفُ.
ولا تَصِحُّ على عَملٍ يَخْتَصُّ أن يكونَ فاعلُه من أهلِ القُربةِ وعلى الْمُؤَجِّرِ كلُّ ما يَتَمَكَّنُ به من النفْعِ كزِمامِ الجمَلِ ورَحْلِه وحِزامِه والشَّدِّ عليه، وشَدِّ الأحمالِ والْمَحامِلِ والرفْعِ والحطِّ، ولُزومِ البعيرِ ومَفاتيحِ الدارِ وعِمارتِها، فأَمَّا تَفريغُ البالوعةِ والكنيفِ فيَلْزَمُ المستأْجِرَ إذا تَسَلَّمها فارِغَةً.
(فصلٌ)
وهي عَقْدٌ لازمٌ، فإن آجَرَه شيئًا ومَنَعَه كلَّ الْمُدَّةِ أو بعضَها فلا شيءَ له، وإن بدأَ الآخَرُ قَبلَ انقضائِها فعليه،
الأرض كلها، وبها بئر به ماء، فإنه يصح، ولكن الصحيح أنه يصح أن يستأجر البئر لأخذ مائه، وأن يستأجر الأرض وفيها بئر، وينتفع بالماء، لماذا؟
طالب: الأعيان.
[ ١ / ٥٠٦٨ ]
الشيخ: لأن الماء من الأعيان التي يخلف بعضها بعضًا؛ فإنك كلما غرفت الماء من البئر جاء بدله ماء آخر، فالصواب أنه يجوز أن تستأجر البئر لأخذ الماء، وأن تستأجر أرضًا فيها بئر، وتأخذ ماءه، ولا حرج في هذا.
كذلك أيضًا ماء الأرض؛ يعني كما لو كانت الأرض لها أنهار فاستأجرت الأرض للزرع، فإنك سوف تُنفق هذا الماء، فنقول: هذا الماء يدخل تبعًا، والشيء قد يثبت تبعًا، ولا يثبت استقلالًا.
استأجرتك لتكتب لي كتابًا؛ الأوراق على مَنْ؟ الأوراق عليَّ، وعليك الحبر والكتابة والقلم، الحبر عَيْن ولَّا لا؟ عين، وقد دخلت في الإجارة، يقولون: إن هذا يكون تبعًا؛ لأن الناس لا يهتمون به، كذلك الخياط أعطيته ثوبك يخيطه، الخياط منه عمل، ومنه مال خيوط ولَّا لا؟ هذه الخيوط أعيان، وصح عقد الإجارة عليها تبعًا؛ لأن المقصود من الخياطة ما هو هذه الأسلاك، المقصود الثوب الذي يُخاط على حسب ما اتفقنا عليه، بل المقصود خياطة الثوب على حسب ما اتفقنا عليه، وهذا عمل فيدخل تبعًا.
كذلك مرهم الطبيب؛ الطبيب ذهبت مثلًا لتشق عنده جرحًا، وعند شق الجرح يجعل مرهمًا من أجل أن يُخدِّر مكان الجرح، هذا عين ولَّا غير عين؟ عين، لكنها تدخل تبعًا.
قال المؤلف: الشرط الثالث ().
***
والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وعن ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: «إِيَّاكُمْ وَالتَّعَرِّيَ؛ فَإِنَّ مَعَكُمْ مَنْ لَا يُفَارِقُكُمْ إِلَّا عِنْدَ الْغَائِطِ، وَحِينَ يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى أَهْلِهِ فَاسْتَحْيُوهُمْ وَأَكْرِمُوهُمْ». رواه الترمذي (١) وقال: هذا حديث حسن غريب).
[ ١ / ٥٠٦٩ ]
قال: «إِيَّاكُمْ وَالتَّعَرِّيَ»، هذا من باب التحذير، والتعري يعني خلع الثياب، فحذَّر النبي ﷺ من خلع الثياب، ولا شك أن هذا النهي محمول على ما إذا لم يكن هناك حاجة، أما إذا كان هناك حاجة كما لو تعرَّى الإنسان للاغتسال، فلا بأس به، وقد ثبت في صحيح البخاري (٢) أن موسى ﵊ اغتسل عريانًا، ووضع ثوبه على حجر، فهرب به الحجر.
ولكن إذا لم يكن حاجة فلا ينبغي للإنسان أن يتعرَّى، أما إذا كان هناك حاجة سواء كانت الحاجة شرعية؛ كالاغتسال للجنابة، أو كانت الحاجة؛ عادية كالاغتسال للتنظف والتبرد؛ فلا بأس به.
وقوله: «فَإِنَّ مَعَكُمْ مَنْ لَا يُفَارِقُكُمْ إِلَّا عِنْدَ الْغَائِطِ»، يريد بذلك الملائكة الذين وُكِّلوا بحفظ بني آدم أو بحفظ أعمال بني آدم ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]، أحدهما: عن اليمين، والثاني: عن الشمال، هؤلاء يفارقوننا عند الغائط، ولكنهم لا يبتعدون عنا، ولا يفوتهم شيء من أعمالنا وإن فارقونا، ومن ثم قال بعض الناس ساخرًا، قال: إذن إذا أردت أن أعمل معصية، فإنني أدخل الحمام؛ لأن الملائكة تفارقني في هذا الحال، نقول: هذا غير صحيح، بل إن الملائكة وإن فارقتك فإنها تعلم ما تعمل فتكتبه.
ثانيًا: «حِينَ يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى أَهْلِهِ»؛ لأنه إذا أفضى إلى أهله فإنه سوف يكشف عن عورته، والملائكة تستحي أن تكون مع رجل قد كشف عن عورته، قال: «فَاسْتَحْيُوهُمْ وَأَكْرِمُوهُمْ» يعني ولا تتعروا؛ لأن ذلك يؤدي إلى مفارقتهم، وهذا الحديث ضعفه كثير من أهل العلم، لكننا شرحناه على تقدير صحة الحديث.
ثم قال: (باب ما جاء في العزل: عن جابر ﵁، قال: كنا نعزل على عهد النبي ﷺ والقرآن ينزل. متفق عليه (٣».
[ ١ / ٥٠٧٠ ]
قوله: كنا نعزل. معنى العزل أن يعزل الرجل عن زوجته إذا جامعها حتى يُنزِل خارج الفرج، يفعل ذلك لئلا تحمل؛ لأن الحمل إنما يكون من الماء، فإذا أنزل خارج الفرج لم يكن هناك ماء، وحينئذٍ لا تحمل، وقول جابر: والقرآنُ يَنزل. الجملة هذه حالية الغرض منها الاستدلال على جواز العزل.
ووجه ذلك: أنه لو كان العزل مُحرَّمًا لكان القرآن ينهى عنه، وهو كذلك؛ أي أن العزل جائز، ولكن هل هو مستوٍ الطرفين؟
الجواب: لا، ليس مستويَ الطرفين، بل تركه أوْلى لعدة أمور:
الأمر الأول: أنه من إكمال الشهوة، فإن كون الإنسان ينزع، فيُنزل خارج الفرج يكون فيه نقص في شهوته، وربما يحصل له عند نزعه هبوط في الشهوة فيتحجَّر الماء في أوعية القصبة ويضره ذلك، وهو ما يسمى عند الناس بـ (الرِّدَّة).
ثانيًا: أن فيه تنغيصًا على المرأة، فإن المرأة بلا شك لا تقضي شهوتها إذا أنزل الإنسان خارج الفرج، ويكون في هذا شيء من الاعتداء على حق المرأة، ولهذا يحرم على الإنسان أن يعزل عن المرأة الحرة إلا بإذنها، كما سيأتي.
ثالثًا: أن فيه محاولة لتقليل النسل -وانتبه إلى كلمة محاولة- لأنه ربما يعزل، ولكن يخلق الله الولد، لكن في محاولة لتقليل النسل الذي هو خِلاف مُراد النبي ﷺ؛ فإن النبي ﷺ قال: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ؛ فَإنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٤).
رابعًا: أنه يُشبه الوَأْد من بعض الوجوه، والوَأْد -كما نعلم جميعًا- من كبائر الذنوب: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٨، ٩].
وهذا وَأْد؛ لأنه حيلولة بين وجود الولد وعدمه؛ بمعنى أن الإنسان يحول بفعله هذا دون وجود الولد، كذلك الموؤودة فيها إهلاك للولد، لكن هذا قبل وجوده، وهذا بعد الوجود، فمن أجل هذا نقول: إن العَزْل جائز، لكن ليس مستوي الطرفين. ()
***
[ ١ / ٥٠٧١ ]
وعلى نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. سبق أنه يُشترط في العين المؤجرة شروط () القدرة على التسليم.
طلبة: ().
الشيخ: لا يا إخوان، الشرط الثالث: القدرة على التسليم؛ لأن في ذلك دليلًا وتعليلًا؛ أما الدليل؛ فقول النبي ﷺ: «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ» (٥). والإجارة نوع من البيع، وغير المقدور عليه ليس عند الإنسان، ولا في حوزته، ولا في استطاعته أن يقدر عليه.
دليل آخر: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغَرَر (٦)، وغير المقدور عليه إجارته غرر؛ لأن مُؤجِره سوف يخفض من الأجرة، وإلا لما استأجر منه، والمستأجر سوف يخفض أيضًا من الأجرة، فإن قدر على هذا المعجوز عنه صار هو الغانم، وإن عجز صار غارمًا، وهذا نوع من الغرر وهو أيضًا ميسر.
التعليل: أن نقول: إن الإجارة نوع من البيع، فإذا اشترطنا في البيع أن يكون مقدورًا على تسليم المبيع، فكذلك نشترط في الإجارة أن يكون مقدورًا على تسليم المستأجر.
الخلاصة الآن: أنه لا يجوز تأجير غير المقدور عليه، بدليل وتعليل؛ الدليل ما ذكرناه، والتعليل أيضًا ما ذكرناه من كون الإجارة بيعًا.
قال: (فلا تصح إجارة الآبق والشارد) (إجارة الآبق) (الآبق) العبد، (والشارد) الجمل. هذا رجل له عبد آبِق هارب، ما يدري وين، جاء إليه إنسان وقال: أجِّرني عبدك فلانًا، قال: والله العبد هرب، قال: أجِّرني إياه، أنا أروح أدوِّر، بس اكتب لي إجارة، قال: أجرتك هذا العبد الآبق لمدة خمسة شهور ابتداءً من الآن. نقول: لا يجوز، لماذا؟ لأنه غرر، والنبي ﵊ نهى عن بيع الغَرَر (٦)، ولأنه ميسر؛ فإن هذا الذي استأجر العبد الآبق سيستأجره بنصف الأجرة، أليس كذلك؟
لا يمكن أن يُعطي أجرة كاملة في عبد آبق أبدًا، إلا رجل سفيه، والرجل السفيه ما تصح إجارته أصلًا، فهذا إن وجد العبد صار غانمًا، وإن لم يجده صار غارمًا، وهذا هو الميسر.
[ ١ / ٥٠٧٢ ]
إذن نقول: هذه الإجارة لا تصح، مثل أيضًا الجمل الشارد، هذا رجل عنده جمل شارد، جاء إنسان وقال: أبغي أستأجر منك جملك لمدة كذا وكذا، فقال: أجرتك إياه، لكن الجمل شارد. لا تجوز الإجارة؛ لأنه غير مقدور على تسليمه.
الطير في الهواء، يجوز؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز أن تُؤجِّر طيرًا في الهواء كإنسان استأجر صقرًا ليصيد به، فلا يجوز، حتى لو ألِف الرجوع، وكان من عادته أن يرجع في الليل فإنه لا يصح تأجيره وهو في الهواء؛ لاحتمال ألا يرجع؛ لاحتمال أن يُرمى، احتمال أن يهلك، فلا يصح إجارته.
الرابع: (اشتمال العين على المنفعة)، وسبق في الباب قبل فصل أن تكون منفعته مباحة.
إذن فلا بد أن يكون في العين منفعة، وأن تكون المنفعة مباحة اشتمال العين على منفعة، هذا واحد، وأن تكون مباحة، سبق التنبيه عليه، اشتمال العين على منفعة فلا تصح إجارة بهيمة زمنة لحمل، لماذا؟
طلبة: ().
الشيخ: ما يمكن أن أستوفي المنفعة، إنسان عنده جمل زَمِن، الزَّمِن اللي ما يستطيع المشي، فجاء إليه رجل، قال: أريدك أن تؤجرني جملك لأسافر عليه إلى الرياض بمئة ريال، قال: الجمل زَمِن، ما يقدر يمشي، ولا يقوم، ولا يقعد. قال: ما يخالف، أجِّرني إياه، يجوز ولَّا لا؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: ما يجوز؛ لأن المنفعة مُتعذِّرة، فلا يجوز أن يُؤجره. أرض لا تنبت استأجرها للزرع؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، ليش؟
طلبة: ().
الشيخ: لأن المنفعة التي يريدها لها المستأجر مُتعذِّرة، فلا يجوز أن يستأجر أرضًا لا تنبت للزرع، لكن كيف نعلم أنها لا تنبت؟
طالب: سبخة ().
الشيخ: إي نعم، تكون سبخة، معروف ما تنبت، ولا الشجر العادي، هذه لا يجوز أن يستأجرها للزرع.
إن استأجرها لوضع أشياء فيها؛ مثل أن يضع فيها مواسير، أو أخشابًا، أو غير ذلك مما يوضع في الأرض يجوز ولَّا لا؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز؛ لأن المنفعة المقصودة ممكنة.
[ ١ / ٥٠٧٣ ]
الشرط الخامس: (أن تكون المنفعة للمؤجر أو مأذونًا له فيها)، ولم يقل المؤلف أن تكون العين للمؤجر؛ لأن الإنسان قد يملك المنفعة، ولا يملك العين؛ فالشرط أن تكون المنفعة للمؤجر.
(أو مأذونًا له فيها) هل يمكن أن يملك الإنسان المنفعة دون العين؟ نعم، مثل أن تُوهب المنفعة لهذا الشخص منفعة هذه العين دون رقبتها بأن يقول لرجل: وهبتك منفعة جملي، فما دام الجمل يُنتفع به؛ فالمنفعة للموهوب له، لكن إذا لم ينتفع به، فالعين لصاحبها هو الذي يملكها فينحره مثلًا، ويأكله أو يتصدق به، أما المنفعة فهي لمن وهبت له، أو لمن أوصي له فيها إذا كانت وصية، ومن ذلك أيضًا قوله: (أو مأذونًا له فيها) مين المأذون له فيها؟ كالوكيل والوصي والولي والناظر.
طالب: ().
الشيخ: () هذه أربعة؛ الوكيل، والوصي، والولي، والناظر، وبينهم فروق.
الوكيل هو من أُذن له في التصرف في حياة الآذِن بأن أقول لزيد: وكَّلتك تُؤجر بيتي، تؤجر دكاني، تؤجر سيارتي، وما أشبه ذلك، ومنه على سبيل المثال أصحاب إجارة العقارات، ويش تسمونها عندنا؟
طالب: ().
الشيخ: لا، العقاريين، المكاتب العقارية، فإن هؤلاء وكلاء عن أصحاب الأملاك في تأجير أملاكهم، الولي من يتصرف بإذن من الشارع، ما هو بإذن من المالك في حال حياته، بإذن من الشارع، مثل: ولي اليتيم، وكولاية الحاكم على الأموال التي لا يُعلم لها مالك.
الثالث: الوصي مَنْ أُذِن له بالتصرف بعد موت الآذن، هذا الوصي مثل أن أقول: وكَّلْت فلانًا على ثلثي يُؤجِّره ويصرفه في المصالح التي عيَّنها، هذا نسميه أيش؟ وصي.
الرابع: الناظر، وهو من أُمِر بالتصرف في الوقف، اللي يتصرف في الأوقاف وينظر فيها ويؤجرها، فهؤلاء أربعة، كلهم يقومون مقام المالك، وهم داخلون في قول المؤلف أو مأذونًا له فيها.
[ ١ / ٥٠٧٤ ]
قال: (وتجوز إجارة العين المؤجرة لمن يقوم مقامه لا بأكثر منه ضررًا) تجوز إجارة العين لمن يقوم مقامه؛ يعني لو استأجرتُ منكَ بيتك لمدة خمس سنوات، وسكنت فيه لمدة سنة، وانتهت رغبتي فيه، كم باقي لي فيه؟
أربع سنوات، يجوز أن أؤجر هذا البيت لشخص مدة أربع سنوات، وظاهر كلام المؤلف أنه يجوز أن يؤجره بمثل الأجرة أو أقل أو أكثر، فإذا أجَّره بأقل من الأجرة فلا شك في جوازه.
مثل أن يكون هذا الرجل قد استأجره كل سنة بألف ريال، ثم أجره بقية مدته أربع سنوات، كل سنة بثمان مئة، هذا لا شك في جوازه. بألف؛ يعني أجَّره بمثل ما استأجر به أيضًا جائز، ولا شك فيه. إذا أجَّره بأكثر بألف ومئتين، أو ألف وخمس مئة، أو ما أشبه ذلك، فهل يجوز أو لا؟
نقول: ظاهر كلام المؤلف الجواز؛ لأنه أطلق، قال: (تجوز إجارة العين المؤْجَرة) ولم يقل بأقل من الأجرة، أو بمثلها، فيشمل ما إذا أجر بأكثر أو بأقل أو بمثل.
وقال بعض أهل العلم: لا يجوز إجارة العين المؤجرة بأكثر مما استأجرها به؛ لأنه يربح فيما لم يدخل في ضمانه، وقد نهى النبي ﷺ عن ربح ما لم يُضمن.
فهذا الرجل الذي ربح في الأجرة في منافع ما حصلت له، ما دخلت في ضمانه حتى الآن؛ لأن ما تدخل في ضمانه إلا بعد قبضها، ولا يقبض المنافع إلا ساعة بعد ساعة، ويومًا بعد يوم، وشهرًا بعد شهر؛ فهي غير داخلة في ضمانه، وحينئذٍ تكون داخلة في الحديث الصحيح أن الرسول ﷺ نهى عن ربح ما لم يُضْمَن (٧).
لكن المشهور من المذهب يقولون: لأن هذا مالك للمنفعة، والمالك له أن يبيع بمثل الثمن أو أقل أو أكثر.
يقول: لكن (لمن يقوم مقامه) في استغلال أو في استيفاء المنفعة (لا بأكثر منه ضررًا) فلو استأجرها شخص للسُّكنى وأجَّرها آخر لتكون مستودعًا، يجوز ولَّا لا؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: ما يجوز، أيهما أكثر ضررًا؟
طلبة: المستودع.
الشيخ: المستودع، استأجرها للسكنى فآجرها غَسَّالًا؟
[ ١ / ٥٠٧٥ ]
طلبة: ما يجوز.
الشيخ: لا يجوز، ليش؟
طلبة: ().
الشيخ: أكثر ضررًا، كيف؟
طالب: ().
الشيخ: بالماء، إي نعم، بالماء لا سيما مثل إذا كان البيت من الطين. استأجرها للسكنى فآجرها حدادًا؟
طلبة: ().
الشيخ: كذلك أشد ضررًا، كل النهار ينفخ في الكير، وتسود الجدران وتفسد.
أجَّرها طحانًا؟
طلبة: ().
الشيخ: مثله؟ لأن الرحا () تُؤثِّر، تُحرِّك الجدران، تهزها، المهم أنه لا يجوز أن يُؤجِّرها لشخص أكثر منه ضررًا.
استأجرها وهو أعزب، أو ليس له إلا زوجة واحدة، وآجرها رجلًا له أولاد وأطفال؟
طلبة: لا يجوز.
طالب: خلاف.
الشيخ: لا، نوسع التبعة ها الحين.
طلبة: أكثر ضررًا.
الشيخ: أيهم أكثر ضررًا؟
طلبة: اللي عنده أولاد.
الشيخ: اللي عنده أولاد أكثر ضررًا، قد .. لكن الآن قلنا: إنه أعزب، أو ما عنده إلا زوجة، والزوجة متى تحمل؟ ولنفرض أنه خمسة أشهر مثلًا لو حملت ما ()، الظاهر أن اللي عنده أولاد أكثر ضررًا من الذي ليس عنده أولاد، ليش؟
لأنه صعب؛ لأن الأولاد يُكسرون الأشياء، يكتبون بالجدران، يكسرون الأبواب، يكسرون الزجاج، وهذا شيء مشاهَد.
طالب: معمول به الآن يعني.
الشيخ: لا، ما يجوز لأحد أنه يؤجر إلا بإذن صاحبها، إذا أذن، أو كان العرف مطردًا بجوازه صار إذنًا عرفيًّا، وإلا فالأصل أنه ما يجوز لا شك أن الإنسان ما عنده إلا نفسه، ولا ما عنده إلا امرأته حريصين على البيت، ولا تكسير، ولا تصفيق بالأبواب، ولا شيء، ما هو مثل صبيان يلعبون ().
***
والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
إذا كان لك () قدم يعطون مثلًا عشرة آلاف أو أقل أو أكثر، ولكن السؤال الآن اللي أنا أريد أن أطرحه، ولا أدري هل عرفتموه ولَّا لا؟
هل صاحب البيت أو الدكان يُطالِب الذي استأجر منه مباشرة، أو يطالب الثاني؟
طلبة: ().
[ ١ / ٥٠٧٦ ]
الشيخ: يطالب الأول، إلا إذا كان بموافقته وإذنه، فإن الثاني ينزل منزلة الأول. وفائدة ذلك أنه لو أفلس الثاني أو ماطل فإنه يرجع على الأول، ويقول: ما علمت، أنا ما أجرت إلا أنت، ولا أريد إلا منك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وتجوز إجارة الوقف)، تجوز إجارة الوقف.
طالب: ().
الشيخ: () لكن أنا في نفسي شيء، هل يجوز للمستعير أن يؤجر أو يعير؟
طلبة: ().
الشيخ: لا، لا يجوز للمستعير أن يؤجر، ولا أن يعير؛ يعني لو أعرتك مثلًا البيت ما يجوز أنك تؤجره، ولا يجوز أن تعيره أيضًا، لماذا؟
لأنني إنما ملكتك الانتفاع، فأنا أبحتك إياه لتنتفع به، ولم أبحك النفع. عرفتم الفرق؟ ولهذا المستعير لا يؤجر ولا يعير إلا بإذن المالك، والفرق بينه وبين المستأجر أن المستأجر مالك للمنفعة، قد دفع عنها عِوضًا، فهي ملكه، وأما المستعير فإنما أُذِن له في الانتفاع؛ ولهذا نُفرِّق بين مالك النفع ومالك الانتفاع.
قال: (وتصح إجارة الوقف) تصح إجارة الوقف، ووجه ذلك؛ لأن الموقوف عليه مالك لمنفعته، فقد وقع العقد من أهله، مثاله: قال شخص: هذا البيت وقْف على فلان، فلان لا يملك بيع البيت ولَّا لا؟
لكن يملك تأجير البيت، وذلك لأن منفعة هذا البيت لمن؟ للموقوف عليه، فهو مالك للمنفعة، فإذا أجَّرها فقد وقع العقد من مالك، فتصح إجارة الوقف.
وظاهر كلام المؤلف أنها تصح إجارة الوقف مدة طويلة أو قصيرة، سواء كانت مدة طويلة أو قصيرة، ولكنَّ في هذا نظرًا؛ فإننا نقول: إن الموقوف عليه لا يؤجر الوقف إلا مدة يغلب على الظن بقاؤه فيها، فلو أن رجلًا له تسعون سنة موقوف عليه، أجَّر وقفًا مئتي سنة، ويش يغلب على الظن؟
طلبة: ().
[ ١ / ٥٠٧٧ ]
الشيخ: يعني بيبقى عنده .. بيصير له مئتين وتسعين سنة، هذا يغلب على الظن أن الإنسان لا يعيش مئتين وتسعين سنة، بل نقول: ما شاء الله عليه اللي بقي إلى تسعين سنة، كيف بيؤجر الوقف مئتين سنة، معناه إنه الآن تعدَّى على حق غيره، فلا يصح أن يؤجره مدة يغلب على الظن أنه لا يبقى فيها.
كم مدة يُؤجِّره؟ سنة؟ ما يغلب على الظن، مثلًا إذا كان الموقوف عليه له عشرون سنة، فالغالب أن الأعمار بين الستين إلى السبعين، كم يؤجر؟
طلبة: ().
الشيخ: عشرين سنة، خمسين سنة لا بأس؛ لأن هذا هو الغالب أنه يبقى ما بين الستين إلى السبعين، لكن أكثر من ذلك لا.
وقيل: إنه لا يُؤجِّر إلا سنتين أو ثلاث سنوات أو نحوها، ولا يؤجر مدة أطول؛ لأنه وإن كان الغالب أن يعيش الإنسان مثلًا إلى الستين أو إلى السبعين، ولكن هذا أمر موكول إلى الرب ﷿ ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤]، لكن السنتين والثلاث هذا أمر جرى به العرف، ولا بأس به، وهذا ما لم تتعطل مصالح الوقف، فإن تعطلت مصالح الوقف، ودار الأمر بين أن يبيع الوقف أو يؤجره مدة طويلة فإنه يُنظر المصلحة من بيعه أو تأجيره مدة طويلة، ويسمى التأجير مدة طويلة عندنا يسمى صُبْرة، ويسمى باتجار الحكورة، وكذلك الفقهاء يعبرون عنه بالحكورة.
الخلاصة الآن: إجارة الوقف صحيحة من حيث الجملة؛ التعليل: لأن الموقوف عليه يملك المنفعة، فوقع العقد من أهله فصح.
البحث الثاني: هل يصح أن يُؤجِّر مدة طويلة؟
قلنا: لا يؤجر مدة يغلب على الظن ألا يبقى فيها؛ لأن في ذلك اعتداء على حق الغير، وهم الذين يأتون من بعده.
(فإن مات الْمؤْجِر فانتقل إلى من بعده لم تنفسخ، وللثاني حصته من الأجرة) شوف إن مات المؤجر، مَنِ المؤجر؟
طالب: صاحب الملك .. الواقف.
طالب آخر: الموقوف عليه.
الشيخ: الموقوف عليه، (وانتقل إلى من بعده لم تنفسخ)، لم تنفسخ أيش؟ لم تنفسخ الإجارة.
[ ١ / ٥٠٧٨ ]
(وللثاني) يعني؛ للبطن الثاني (حصته من الأجرة) مثال ذلك: هذا البيت وقْف على زيد، ومن بعده عمرو، أجَّر زيد البيت لمدة سنتين، كل سنة بألف، ولما تمت السنة الأولى مات زيد، انتقل الوَقْف الآن إلى عمرو، صار المستحق للوقف الآن عمرو، هل تنفسخ إجارة زيد؟ يقول المؤلف: إنها لا تنفسخ.
(وللثاني حصته من الأجرة) نحن ذكرنا أنه أجره سنتين بألفين، كم للثاني؟
ألف ريال، فإن كان الأول قد قبضها مقدمًا، فإن عمرًا -وهو الثاني- يرجع بها على ورثة القابض لها مع أنه ليس له، أي: ليس للأول أن يتسلم الأجرة مُقدَّمة لما في ذلك من الإضرار على الطبقة الثانية، ما أدري هذا معلوم ولَّا غير معلوم.
طلبة: معلوم.
الشيخ: معلوم؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: إذن نقول: إذا آجر الوقف، ومات في أثناء المدة، فإن الإجارة لا تنفسخ، تبقى.
(وللثاني حصته من الأجرة) فإذا مات بعد مُضِي نصف المدة فللثاني نصف الأجرة.
إن مات بعد مضي ثلاثة أرباع المدة فللثاني ربع المدة وهكذا، هذا هو الذي مشى عليه المؤلف، والمذهب الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية أن الإجارة تنفسخ.
ولننظر الآن بين القولين الذين قالوا: إنها لا تنفسخ، قالوا: لأن هذا الموقوف عليه أجَّره في مدة يستحق المنفعة فيها، ولَّا لا؟ ما هو فيها منفعة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إذن وقع العقد صحيحًا من أهله فوجب تنفيذه، وإذا مات لم تنفسخ، كما لو أن رجلًا أجَّر بيته لشخص، ثم مات، فإن الورثة لا يفسخون الإجارة، واضح؟
وجه المماثلة بين هذا وهذا، نقول: لأن هذا الرجل أجَّر بيته في حالٍ يملك تأجيره، فلم تنفسخ الإجارة بموته، هذا الموقوف عليه أجَّر الموقوف في زمن يملك منفعته، فلم تنفسخ الإجارة بموته كالمالك. واضح ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: الذين قالوا بالانفساخ، قالوا: إن هذا الموقوف عليه مُلكُه مُقيَّد، يملك المنفعة ما دام حيًّا، فإذا مات انتقلت المنفعة لا من الموقوف عليه، ولكن من الواقِف.
[ ١ / ٥٠٧٩ ]
الثاني من الموقوف عليهم لا يتلقاها من الذي قبله، إنما يتلقَّاها من الواقف رأسًا، وحينئذٍ لا يتمشى تصرف الموقوف عليه من الطبقة الأولى على الموقوف عليهم من الطبقة الثانية؛ لأن الطبقة الثانية لا تتلقاها من الطبقة الأولى، تتلقاها من الواقف أولًا.
أما مسألة الميت إذا أجَّر ملكه ومات، فإن الورثة يتلقون الملك منين؟ من المورث رأسًا، والمورث حُرٌّ في ماله، أرأيتم لو باعه هل يقولون: ليش يبيعه؟
ما يقولون هذا، الرجل أجره، والملك ملكه، وهم إنما يتلقونه من الميت، أما هذا فإنهم لا يتلقونه من الميت، وإنما يتلقونه من الواقف، ولهذا قالوا عن المذهب، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، قالوا: إن الإجارة تنفسخ؛ لأن الموقوف عليه، إنما يملك النفع ما دام حيًّا فقط، ويملكه من الواقِف، وهؤلاء يملكونه أيضًا من الواقف، إلا أنهم قالوا يقولون: إذا كان المؤجر مشروطًا له النظر، فإن الإجارة لا تنفسخ سواء كان الشرط من الواقف أو من الشارع، انتبهوا معنا كيف مشروطًا له النظر؟
يعني أن الواقف قال: هذا وقف على ذريتي، والناظر فلان، سماه، سواء كان من الذرية أو من خارج الذرية، ثم إن هذا الناظر أجَّر الوقف لمدة، ومات الناظر، فإن الإجارة لا تنفسخ، لماذا؟
قالوا: لأن هذا أجَّر الوقف بنظر خاص من الواقف.
الموقوف عليهم هم الذين ينظرون في الوقف إذا لم يشترط له ناظر، فإذا أجَّر الموقوف عليه بمقتضى استحقاقه فقد سبق أن المذهب أن الإجارة تنفسخ، وما مشى عليه المؤلف أن الإجارة لا تنفسخ.
إذا كان النظر على هذا الوقف مستفادًا من شرط الواقف؛ يعني أن الواقف جعل النظر لفلان، ثم آجر هذا الناظر، آجر الوقف ومات فالإجارة لا تنفسخ قولًا واحدًا، لماذا؟
[ ١ / ٥٠٨٠ ]
لأن هذا أجَّره بمقتضى إذن من الواقف، فقام مقام الواقف؛ وعلى هذا، فنقول: إذا كان الذي أجَّر الوقف أجَّره بمقتضى تنصيب الواقف له فإن الإجارة لا تنفسخ قولًا واحدًا. لو كان هذا الوقف مؤجرًا من قِبل القاضي بأن يكون هذا البيت وقفًا على الفقراء، الوقف على الفقراء ناظره مَنْ؟
طلبة: القاضي.
الشيخ: القاضي أجَّر هذا الوقف، ومات القاضي تنفسخ الإجارة؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأن هذا مشروط له النظر بمقتضى الولاية العامة، فصار المؤجِّر للوقف ثلاثة أقسام:
مُؤجِّر بمقتضى الوقفية؛ يعني أن له النظر، أو له التصرف بأنه موقوف عليه.
ثانيًا: مُؤجِّر بمقتضى شرط الواقف بأن قال: النظر لفلان.
ثالثًا: مؤجر بمقتضى الشرع (الولاية العامة)، مثل القاضي. متى لا تنفسخ الإجارة؟
طلبة: ().
الشيخ: في الحالين، إذا كان الحاكم، أو إذا كان المشروط له النظر من قِبل الواقف، هذه الإجارة لا تنفسخ قولًا واحدًا.
إذا كان التأجير من الموقوف عليه لا؛ لأنه مشروط له النظر، لكن لأنه هو المستحق فهنا يأتي الخلاف؛ فمن العلماء من قال: تنفسخ وهو المذهب، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، ومنهم من قال: إنها لا تنفسخ، وهو الذي مشى عليه الماتن، قال: (لم تنفسخ، وللثاني حصته من الأجرة).
انتبهوا للتفصيل الآن، الخلاصة؛ أن مؤجر الوقف ثلاثة أقسام: القاضي من شرط له النظر، من آجَرَه بمقتضى الاستحقاق.
القاضي ومن شرط له النظر، إذا أجَّر ومات، فإن الإجارة لا تنفسخ بموته قولًا واحدًا؛ لأن هذا إنما تصرف بإذن من الشارع إن كان هو القاضي، أو بإذن من الواقف إن كان الواقف هو الذي جعل النظر له.
الثالث: إذا كان المؤجر آجره بمقتضى استحقاقه، فإن هذا موضع خلاف بين العلماء؛ فمنهم من قال: إنه لا تنفسخ الإجارة، وهو الذي مشى عليه الماتن، ومنهم من قال: إنها تنفسخ، وهو المشهور من المذهب.
[ ١ / ٥٠٨١ ]
عمل الناس اليوم؛ الغالب على ما مشى عليه الماتِن أن الإجارة لا تنفسخ، وينهونها حتى في مسألة الصبرة إذا اقتضت الحال ذلك، فإن القضاة يجيزونها () لأنه مالك للمنفعة. إذا مات الأول مؤجر أوقاف الفقراء، هل تنفسخ الإجارة أو لا؟
طالب: لا تنفسخ.
الشيخ: لا تنفسخ؛ لأنه أجرها؟
طالب: لعقد صحيح.
الشيخ: نعم، لكونه ناظرًا بالشرط. طيب إذا مات الثاني؟ الموقوف عليه إذا أجَّرها ثم مات، هل تنفسخ الأجرة أو لا تنفسخ؟
طالب: لا تنفسخ.
الشيخ: لا تنفسخ قولًا واحدًا في المسألة ولَّا فيها خلاف؟
طالب: في قول آخر في المسألة.
الشيخ: ما هو الذي ذهب إليه المؤلف؟
الطالب: أنها لا تنفسخ.
الشيخ: أنها لا تنفسخ، كذا؟ توافقونه على قوله؟
طلبة: نعم.
الشيخ: القول الثاني؟
طالب: ().
الشيخ: إي نعم، القول الثاني أنها تنفسخ، وهذا هو المشهور من المذهب.
ذكرنا أن الناظر إما أن يكون ناظرًا بالشرط وهو أجنبي من الوقف، أو ناظرًا بالشرط وهو من أهل الوقْف، أو ناظرًا بالاستحقاق، فأما الأول والثاني فإنه إذا آجر لا تنفسخ الأجرة قولًا واحدًا.
وكذلك الحاكم؛ لأن نظره عام، أما الثالث وهو المؤجِر بأصل استحقاق فإن فيه الخلاف؛ المذهب أنها تنفسخ، والقول الثاني أنها لا تنفسخ، فنريد من الأخ أن يُبيِّن لنا الناظر بالشرط وهو من أهل الوقف؟
طالب: نعم، الناظر بالشرط، وهو من أهل الوقف.
الشيخ: () مثال الناظر بالشرط، وهو أجنبي من الوقف ()، والناظر عليه أخي. طيب إذا آجر أخوه هذا الوقف، ثم مات؟
طالب: لا تنفسخ.
الشيخ: لا تنفسخ؟ صح؛ لأنه ناظِر بالشرط، مثال للناظر بأصل الاستحقاق؟
طالب: ().
الشيخ: كيف؟
الطالب: ().
الشيخ: () الناظر بأصل الاستحقاق.
طالب: أن يكون هذا وقفًا على اثنين فيكون ().
الشيخ: (وإن آجر الدار ونحوها مدة، ولو طويلة، يغلب على الظن بقاء العين فيها صح).
[ ١ / ٥٠٨٢ ]
يعني لو أجَّر الإنسان، ما هو بالواقف، أجَّر الدار ونحوها مُدَّة طويلة، يغلب على الظن بقاء العين فيها؛ فإنه يصح، سواء ظُنَّ بقاء العاقد أم لم يظن، مثال ذلك: رجل أجَّر بيته لمدة عشرين سنة، والبيت جديد يجوز ولَّا لا؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز؛ لأن المدة يغلب على الظن بقاء العين فيها.
رجل عنده بيت متداعي للسقوط أجَّره شخصًا لمدة عشرين سنة، لا يصح؟
طالب: نعم.
الشيخ: لماذا؟ لأن الغالب أنه لا يبقى ولا سنتين، كيف يؤجره عشرين سنة؟ !
فلا يصح.
ثالث أجَّر بيته، وهو غير متداعٍ للسقوط لمدة عشرين سنة، لكن أتى الله ﷿ بأمطار غزيرة فانهدم، تصح الأجرة ولَّا ما تصح؟
طلبة: تصح.
الشيخ: تصح الأجرة، ولكن تنفسخ فيما بقي من المدة إذا انهدم البيت، فصار الآن إذا آجر البيت مدة يغلب على الظن بقاؤه فيها صحت الأجرة.
إذا كان يغلب على الظن بقاء البيت، لكن لا يغلب على الظن بقاء العاقد، رجل أجَّر بيته لمدة ثلاثين سنة، أجَّره لشخص عمره مئة سنة، يصح ولَّا ما يصح؟
طلبة: يصح.
الشيخ: يصح، مع أن الغالب أن من له مئة سنة أنه على إشراف الموت، وقد يبقى ثلاثين سنة، ليس ذلك على الله بعزيز، لكن في الغالب أنه لا يبقى، يُقال: هذا صحيح، الإجارة صحيحة، وإذا مات العاقد تنتقل إلى مَنْ؟
طلبة: إلى ورثته.
الشيخ: إلى ورثته، ولا إشكال.
أجَّره سيارة لها عشرون سنة طالعة، موديل كم؟ ٦٨ ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: ٦٨ بتاريخهم هم، أجَّره إياها لمدة خمسين سنة، سيارة كم يكون عمرها؟ عشرين وخمسين: سبعين، تبقى السيارة لمدة سبعين سنة؟
طلبة: ().
الشيخ: تبقى؟
طلبة: ().
الشيخ: الكلام على الغالب.
طلبة: الغالب ().
الشيخ: الغالب لا، إذن ما تصح الأجرة، الإجارة لا تصح.
أجَّره جملًا مُسنًّا لمدة ثلاثين سنة؟
طلبة: لا تصح.
الشيخ: ليش؟
طلبة: لأن الغالب لا يبقى.
الشيخ: لأن الغالب ألَّا يبقى، تمام؟
[ ١ / ٥٠٨٣ ]
عندنا شيء يسمونه الصُّبرة، وفي الحجاز يسمى الحكورة، يُصبِّرون البيت لمدة خمس مئة سنة، الغالب أنه ما يبقى خمس مئة سنة، ما يبقى خمس مئة سنة، فكيف نُنزِّل هذا على كلام الفقهاء؟
نقول: إن الفقهاء نصوا في هذه المسألة -في مسألة الحكورة- على أنها تصح إلى مدة، ولو طويلة، وتصح إلى الأبد بدون تقدير مدة؛ لأن قصد العاقد صاحب الأرض أن يستغل الأرض في هذه الأجرة المعينة، فهي تُشبه الخراج الذي ضربه أمير المؤمنين عمر على الأراضي الخراجية؛ لأن أرض العراق لما فتحت رأى عمر ﵁ أنها تبقى وقفًا، لا تقسم على الغارمين، وأنه يُضرب على كل مساحة معينة شيء من الدنانير أو الدراهم تُؤخذ ممن يستغلها كلها بدون تقدير مدة، قالوا: فالحكورة مثلها؛ لأن المحتكر أو المتصبِّر لا يريد بقاء العين نفسها، إنما يريد الأرض أيضًا، ولذلك تجد المتصبِّر يستطيع أن يهدم البيت ويبنيه من جديد، يستطيع أن يغير في حُجرِه وغُرفِه وصالاته، المستأجر يستطيع ذلك ولَّا لا؟
أبدًا، ما عُقد بالإجارة، ما يتمكن المستأجر من هذا، ما يتمكن المستأجر ولا من فتح باب إلا بعد مراجعة المالك.
فالناس يفرقون بين الحكورة وبين الأجرة، وعلى هذا، فإذا صبَّرت البيت هذا لمدة خمس مئة سنة، أو مئتي سنة، أو ألف سنة، فلا مانع؛ لأن تصبيري إياه ليس معناه أني أنا أجرته إياه ينتفع به فقط كأنه ملك البيت بما فيه، يستطيع أنه من بكرة يأتي بالشيء ويهدمه، ويبنيه من جديد، لكن في الإجارة لا، ويُذكَر عن بعض قضاتنا -﵀- أنه تنازع إليه شخصان في حكورة، قال المحكِّر: أنا أريد أن أجعل المدة خمس مئة سنة، وقال المحتكر: أريد أن تكون المدة ألف سنة، جاؤوا للشيخ يكتب بينهم: قال المحتكر: يا شيخ، أنا ما يمكن خمس مئة سنة ()، إذا تمت المدة يطلعون عيالي للسوق، قال له الشيخ: إذا تمت المدة خمس مئة سنة، وأطلعوا عيالك للسوق () وأنا أكفيك! ! انحلت المشكلة، قال: صحيح تكفيني؟
[ ١ / ٥٠٨٤ ]
قال: نعم، أكفيك، كان الرجل سليم القلب، قال: ما دام تكفيني، اكتب خمس مئة سنة بدل ألف سنة.
على كل حال يجب أن نعرف الفرق بين الأُجرة، وبين الصبرة أو الحكورة، المحتكر ليس يريد أن ينتفع فقط، بل يريد أن ينتفع بالعين والمنفعة، ويستطيع أن يغيِّر العين ويهدمها، ويبني من جديد، ويتصرف كما شاء بخلاف المستأجر حتى لو انهدمت الدار في باب الحكورة، يرجع على المحكِّر ولَّا لا؟ ما يرجع، لكن في باب الأجرة يرجع ويفسخ العقد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن استأجرها لعمل كدابة لركوب إلى موضع معين، أو بقر لحرث، أو دياس زرع، أو من يدله على طريق اشتُرِط معرفة ذلك وضبطه بما لا يختلف).
(إن استأجرها) أي العين؛ لأن إحنا سبق أن العين إجارة العين تنقسم إلى إجارة منافع وإجارة عمل.
إذا استأجرها لعمل، مثل دابة لركوب إلى موضع معين يجوز ولَّا لا؟ يجوز أن يستأجر الدابة لركوب إلى موضع معين، مثلًا يقول: استأجرت منك البعير لأحج عليها، يجوز؛ لأن موضع الحج معلوم ولَّا لا؟ استأجرتها لأسافر بها إلى الرياض، يجوز؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لأنه موضع مُعيَّن، ولكن إن اختلفت الطرق في السهولة والوعورة وجب أن يعين أي الطريقين أراد، لماذا؟ لأن المؤلف قال في الأخير: (وضبطه بما لا يختلف) لا بد أن يعين.
إذا استأجر بقرًا لحرث، يجوز ولَّا لا؟ استأجرت منك بقرك لحرث هذه المساحة من الأرض؟ يجوز، لكن لا بد أن تُعرف الأرض؛ لأن الأرض إما سهلة فيسهل حرثها، وإما شديدة قوية فيكون حرثها صعبًا وقويًّا، فلا بد أن نعرف الأرض التي ستُحرث بالبقر.
(لدياس زرع) يجوز ولَّا لا؟
يجوز، لدياس الزرع، كيف دياس الزرع؟ ويش لون دياس الزرع؟ يعني نجيب البقر يدوس لنا الزرع وهو على سوقه؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، لكن نحصد الزرع، ثم نجمعه في مكان، وهو البيدر، ثم نأتي بالبقر، ونجعلها تمشي عليه، تدوسه من أجل أن يخرج الحب، ويتميز عن السوق والورق، هل شاهدتم ذلك؟
طلبة: نعم.
[ ١ / ٥٠٨٥ ]
الشيخ: إي، منكم من شاهد، ومنكم من لم يشاهد، صفها لنا.
طالب: رأيت جسمًا ليس بقرة .. ().
الشيخ: والزرع بسوقه وأوراقه مُكدَّس، ثم يربط، أنا رأيت أربعة أو خمسة، تُربط جميعًا ومربوطة في الخشبة هذه بالحبل، وتدور على هذا، تدور عدة مرات حتى إنه يندك هذا الدياس، الآن بدل الحرث، وبدل الدياس على البقر صار الحرث والدياس بالآلآت ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: جريات، وحرَّاثات، فلا بد إذا استأجرنا حرَّاثة أو جراية، لا بد أن يكون العمل معلومًا، إذا كان الحب يختلف، فبعضه مثلًا يخرج بسهولة وبسرعة، وبعضه يصعب، فلا بد أن نُعيِّن الحب ليكون العمل معلومًا.
يقول: (أو من يدُلُّه على طريق) استأجر شخصًا يدله على طريق، فلا بأس، لكن لا بد أن يكون الطريق مُعيَّنًا، طريق مثل مكة، طريق المدينة، الطريق الشمالي الجنوبي الشرقي الغربي، المهم أن لا بد أن يكون معينًا، ويوصف بما ينضبط به العمل.
إن قال قائل: ما هو الدليل على ذلك؟
الجواب: الدليل عدم الدليل، كيف الدليل عدم الدليل؟ يعني الدليل على الجواز عدم الدليل على المنع؛ لأن ما الأصل فيه الحل لا يطالب بالدليل على حله.
وقد مر علينا عدة مرات أن الأصل في المعاملات بين العباد الحل إلا ما قام الدليل عليه، فإن أبيتم إلا دليلًا موجبًا، فنحن نقول: أما الاستئجار للركوب إلى بلد معين فدليله: حديث جابر ﵁ حين باع على النبي ﷺ جمله، واشترط حملانه إلى المدينة (٨)، فأقر النبي ﷺ، عدَّ ذلك الشرط، وهذه منفعة مقابلة بعوض أجازها الشارع، فتكون الإجارة مثلها.
أما بالنسبة للدلالة على الطريق فقد استأجر النبي ﷺ عبد الله بن أُرَيْقط حين الهجرة ليدله على طريق المدينة (٩)، وهذا يدل على الجواز مع أنه لا حاجة إلى دليل موجب؛ لأن الأصل هو الجواز، والله أعلم. ()
***
سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. ما تقول في رجل ()
[ ١ / ٥٠٨٦ ]
(يختص أن يكون فاعله من أهل القربة) (لا تصح) إي الإجارة (على عمل يختص أن يكون فاعله من أهل القربة)؛ يعني يشترط لفعله الإسلام هذا المعنى، كل عمل يُشترط لفعله الإسلام فإنها لا تصح الإجارة عليه؛ لأن كل عمل يُشترط لفعله الإسلام فإنه لا يقع إلا قربة، وما وقع قُربة فإنه لا يصح أن يُراد به الدنيا كقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥، ١٦]، فهدد الله ﷿ من يريد بعمل الآخرة الدنيا. إذن كل قربة لا تصح الإجارة عليها كل قربة، لماذا؟ أجيبوا؟
أولًا: لقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [هود: ١٥، ١٦].
ثانيًا: أن ما قصد به وجه الله لا يجوز أن يراد به ما دونه، وكل ما سوى وجه الله فهو دون ذلك؛ يعني كل الدنيا دون إرادة وجه الله، فكل ما يقصد به وجه الله لا يجوز أن يُراد به ما دونه؛ أي ما دون وجه الله.
مثال ذلك: الصلاة، واحد رأى شخصًا لا يصلي، قال: تعالَ يا أخي، أبغي أتفق معك أنا وإياك، كل صلاة بخمس ريالات، يأخذ باليوم كم؟
خمسة وعشرين، قال: ما يخالف، إذا كان إجارة فأنا أقبل، هذا بدأ يصلي كل يوم، وصلى الأخير، قال: أعطني الخمس وعشرين ريالًا، يجوز ولَّا لا؟
لا يجوز؛ لأن هذا مما يشترط فيه الإسلام، ولا يقع إلا قربة، الصلاة لا تقع إلا قربة، هذه من وجه. من وجه آخر: هل أنا انتفعت؟
لا، ما انتفعت؛ لأن الصلاة لك أنت، أنا ما انتفعت بشيء، فأنا أُعطيك عوضًا بدون معوض، ويكون هذا من أكل المال بالباطل.
رجل قال: أنا والله ما أنا مندي، الأذان يحبسني، وتتعطل بعض مصالحي () بأجرة، كل أذان كم؟
طالب: عشرة ريالات.
[ ١ / ٥٠٨٧ ]
الشيخ: بعشرة ريالات، غالٍ.
طالب: بريالين.
الشيخ: لا، بريالين، كل أذان بريالين.
قالوا: ما يخالف، كل أذان بريالين، ولا يكون كصاحب المؤذن اللي أذن وأسقط بعض جُمل الأذان، وقالوا: ليش يا فلان أسقطت بعض جُمل الأذان؟ قال: لأنهم أخذوا على الراتب قيمة ()، لما نقص الراتب بأنقص الأذان؛ لأنه عوض ومعوض.
المهم أن هذا الذي قال: أنا لا أؤذن إلا بأجرة، واستأجرناه على الأذان، يجوز ولَّا ما يجوز؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، ليش؟ لأن الأذان لا يقع إلا قربة؛ فهو ذكر لله ﷿؛ ولهذا يشترط فيه النية.
استأجرنا شخصًا يقرع علينا الباب كلما دخل الوقت يجي يقرع على الباب، يقول: انتبهوا للصلاة، يجوز ولَّا لا؟
طلبة: لا يجوز.
طالب: يجوز يا شيخ.
الشيخ: يجوز؛ لأن هذا عمل، ما هو قربة.
طالب: واجب عليه.
الشيخ: لا، ما هو بواجب.
طالب: لا يشترط فيه ..
الشيخ: المهم أن هذا عمل غير قربة فيجوز، ففرق بين الأذان الذي لا يقع إلا قربة وبين أن يأتي واحد ينبهنا ونُؤجِّره، ما فيه مانع هذا.
ومن أجل ذلك نقول: إنه لا يجوز أن يجعل بدل المؤذن شريط مسجل، فإن هذا حرام، ومن اتخاذ آيات الله هزوًا، يقال لي: إن بعض الناس يجعل شريطًا مسجلًّا، يرقمه لساعات معينة، ويخلي هذا عند السماعة، فإذا حان وقت الأذان شغل المسجل، وقام يسمع بالميكرفون، يجوز هذا؟
هذا لا يجوز، حرام بلا شك، كما أنه لا يجوز أن نجعل إمامنا شريطًا مسجلًا، لو جه واحد سجل صلاة إمام جيد القراءة وحسن القراءة، قال: يا جماعة، تعالوا نصلي بكم التراويح خلف فلان بن فلان، من أحسن القراءة، وخلوا المسجل قدام، وبدأ يقرأ، وإذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، قلنا: آمين، ولما قال: الله أكبر؛ ركعنا، يجوز ولَّا لا؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، إذن نقول: كل عمل يختص أن يكون فاعله على القربة فإنه لا يجوز أخذ الأجرة عليه. مثاله؟ أظن ما ذكر.
الأذان قلنا: لا يصح، الوضوء؟
[ ١ / ٥٠٨٨ ]
طالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، لكن التوضئة؛ يعني واحد عاجز عن الوضوء بنفسه، أجَّر شخصًا يوضئه، يجوز ولَّا لا؟ يجوز، قراءة القرآن؟
طالب: لا تجوز.
الشيخ: لا يجوز أخذ الأجرة عليها؛ يعني لا يجوز أن نستأجر واحدًا يقرأ لنا القرآن، سواء أردنا أن يكون ثوابه للميت كما يفعله بعض الناس، أو أن يكون ثوابه لنا، أو أن يكون ثوابه للقارئ، فإن هذا لا يجوز.
تعليم القرآن، هل يجوز أخذ الأجرة عليه؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: فيه خلاف؛ فيرى بعض العلماء أنه جائز؛ لأن المعلم لا يتخذ أجرة على قراءته، وإنما يتخذ الأجرة على تعليمه ومعاناته لهذا المتعلم، وقد قال النبي ﵊: «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ» (١٠). فالتعليم غير القراءة. هل يجوز أخذ الأجرة على قراءة القرآن لشفاء المريض؟
طلبة: نعم.
الشيخ: الصحيح أيضًا أنه يجوز، والأجرة هنا ليست على القراءة، بل على البرء كما فعل الصحابة ﵃، كما في حديث أبي سعيد حين لُدِغ سيد القوم، وجاؤوا يطلبون من الصحابة مَنْ يقرأ، قالوا: لا نقرأ عليه إلا بكذا وكذا (١١).
الحج تجوز أخذ الأجرة عليه؟
طلبة: لا يجوز.
طالب: خلاف.
الشيخ: لا تجوز، فيه خلاف، لكن على كلام المؤلف: لا تجوز؛ لأن الحج لا يقع إلا من مسلم، وكل عمل لا يصح إلا من مسلم فإن أخذ الأجرة عليه لا تصح.
إذن لو أن رجلًا من الناس أردت أن يحج عن ميت، فقال: أنا والله لا بد من إجارة، أجِّرْني لا بأس، فاتفقت معه بأجرة، فإن ذلك لا يجوز ولا يصح، افرض أن الأمر نفد، وراح وحج، وجاء يطلب منا الأجرة؟
طلبة: لا نعطيه.
الشيخ: نقول: الحج يكون له، ويرد الأجرة إن كان قد أخذها، ولا يصح أخذها إن كان لم يأخذها.
[ ١ / ٥٠٨٩ ]
وقال بعض أهل العلم: إنه إذا كانت العبادة متعدية فلا بأس بأخذ الأجرة عليها، والعبادة المتعدية هي التي تدخلها النيابة، وعلَّلوا ذلك بأن المستأجر انتفع بعمل هذا، لما عمله من العبادة وهو إبراء ذمته مثلًا. وبناءً على هذا القول يصح الاستئجار للحج؛ لأن هذه العبادة متعدية ينتفع بها غير صاحبها، وهذا هو الذي عليه عمل الناس اليوم.
وقال بعض العلماء: يجوز ذلك للحاجة فقط، وأما مع عدم الحاجة فلا يجوز، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فجعل المدار على حاجة المستأجر الذي أجَّر نفسه إن كان محتاجًا جاز أخذ الأجرة وإلا فلا، ولكن الذي يظهر المنع مطلقًا لئلا ينفتح للناس باب النظر للدنيا في عباداتهم إلا ما حصل به نفع المتعدي كتعليم القرآن، وتعليم الفقه، وتعليم العبادات، كما لو أن إنسانًا أراد أن يعلمني كيف أتوضأ، وأن يُعلِّمني كيف أصلي وما أشبه ذلك، فإن هذا لا بأس به؛ لأن نفعه متعدٍّ، أما النفع الخاص للفاعل، فهذا لا يجوز أخذ الأجرة عليه.
هل يجوز إعطاء الجائزة عليه؟ تشجيعًا له على هذا العمل؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يجوز، ولهذا يجوز أن نعطي مثلًا من حفظ عشرة أجزاء من القرآن نعطيه كذا وكذا جائزة، ولا مانع. هل من ذلك أن يقول الإنسان لصبيانه وأولاده: الذي يصلي منكم أعطيك في اليوم ريالًا.
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز؛ لأن هذا من باب الجائزة، من باب التشجيع، ولكن لا يبقى معهم إلى أن يبلغوا سنًّا كبيرًا؛ لأن إذا بلغوا سنًّا كبيرًا وصاروا ما يصلون إلا بقروش اعتادوا على ذلك، لكن ما داموا صغارًا، وطبعًا الصغير ما يهتم بالدين إلى ذاك، لكن يهتم بالدنيا أكثر، أعطه قرشًا () يصلي، فهذا لا بأس أنه يشجعه، لكن إذا كبر فلا ينبغي تصل به إلى هذه؛ لقول الرسول ﵊: «اضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ» (١٢).
[ ١ / ٥٠٩٠ ]
ثم قال المؤلف: (وعلى المؤجر كل ما يتمكن به من النفع) (كل ما يتمكن به) يعني المستأجِر (من النفع كزمام الجمل، ورحله، وحزامه، والشد عليه، وشد الأحمال، والمحامل، والرفع، والحط، ولزوم البعير، ومفاتيح الدار، وعمارتها)
بَيَّنَ المؤلف في هذه الكلمات ما يلزم المؤجر، وما يلزم المستأجر، المؤجِر إذا أجَّر بعيره لشخص فله صورتان:
الصورة الأولى: أن يؤجره البعير فقط ويُسلمها له، وفي هذه الصورة لا يلزم المؤجر سوى تسليم البعير، والباقي على مَنْ؟
طلبة: على المستأجر.
الشيخ: على المستأجر، فالمستأجر هو الذي يأتي بالرَّحْل، وحِزام الرَّحْل، وزمام البعير، ويلزم البعير، ويراعيه في أكله وشربه؛ لأن المؤجِر الآن لم يؤجره إلا عين معينة البعير.
والصورة الثانية: أن يستأجره ليحمله إلى البلد الفلاني، فهذا على المؤجِر ما قاله المؤلف، يكون المؤجر الآن بيلزم بعيره، بيروح معه، فكأنه آجره ليحمله على هذا البعير إلى المكان الفلاني، واضح؟
هذا نقول على المؤجر كل ما يتمكن به المستأجر من النفع (كزمام الجمل)، ويش هو زمام الجمل؟
طلبة: الحبل.
الشيخ: ما يُقاد به، الْمِقْود، لو قال المؤجر: أنا ما أجيب الزمام، أنت اللي تجيب الزمام، نقول: لا، الزمام عليك أنت؛ لأنك الآن صاحبه.
كذلك (رحله)، ويش هو الرحل؟ الشداد اللي يشد على البعير ويُركب عليه.
(حزامه) يعني حزام الرحل؛ لأنه معلوم، لو جاء بالرحل، وقال: عليك الحزام، ما يلزم، يجب عليه هو.
كذلك (الشد عليه) على الرحل، يعني معناه أنه هو الذي يربط الرحل، مَنْ؟
طلبة: المؤجر.
الشيخ: المؤجر هو الذي يضع الرحل على ظهر البعير، ويأتي بالحزام، ويشد الرحل على البعير.
كذلك أيضًا (شد الأحمال والمحامل)؛ يعني (شد الأحمال) اللي يُحمل على البعير، مثل: متاع المسافر يحتاج إلى شد، الذي يشده هو المؤجِر الجمَّال.
(المحامل) كذلك هو الذي يشدها، ويش هي المحامل؟
[ ١ / ٥٠٩١ ]
المحامِل: ما تُحمل على الرَّحْل من أجل أن يركب عليها الراكب، هذه المحامل؛ فالأحمال ما يُحمل كالمتاع، والمحامل ما يُشدُّ على الرحل للجلوس عليه، وهذا أكثر ما يكون فيما عهدناه في رِحال النساء، رحْل النساء فيما سبق -شوف الأمر تغيَّر- فيه شيء مثل البيت من الخشب، له أقواس يُوضع عليها الستر، وتجلس المرأة في هذا وعليها الستر، ما يراها أحد أبدًا، وامرأة أخرى على الجانب الآخر من البعير، يسمونها الناس أيش؟
طلبة: هودج.
الشيخ: هودج، يُسمى الهودج، وبلغتنا إحنا أهل القصيم نسميه الكواجه، والظاهر أن هذه لغة تركية.
طالب: نسميها مقصر.
الشيخ: مقصر؟ إي نعم. على كل حال تسمى في اللغة الهودج، المرأة تُناخ بعيرها عند الخيمة، وتنزل من الهودج إلى الخيمة مباشرةً من غير أن تُرى، وعند الركوب تركب من الخيمة في الهودج، لا يراها أحد، إلى أن ترجع إلى بيتها، هذا من الذي يشد هذه الهوادج؟
طلبة: المؤجِر.
الشيخ: المؤجِر الجمَّال.
كذلك (الرفع والحط) على الجمَّال، لو مثلًا تنازع المستأجر والجمَّال، الجمَّال قال: ما أرفعها، ارفع لي أنت وأنا بأشدها، بأربطها، وذاك يقول: عليك الرفع، على من نحكم؟
طلبة: على الجمَّال.
الشيخ: على الجمَّال، يقول: أنت () تكلفه، بعدين تخليه رافع دائمًا، تقول: خليه يبغيني حبل (). فعلى كل حال الحط والرفع على المؤجِر.
(لزوم البعير) نفرض أن المستأجر نزل ليقضي حاجته، يبول أو يتغوط، يبتعد، من الذي يلزم البعير؟
طلبة: الجمال.
الشيخ: الجمال المؤجِر، ما يقول: والله خلِّ البعير تمشي مع الإبل ولا عليك منها، نقول: لا، أنت الذي تلزمها، حتى يرجع صاحبها ويركبها.
قال: (ولزوم البعير).
[ ١ / ٥٠٩٢ ]
ثم قال: (ومفاتيح الدار) مفاتيح الدار على المؤجِر، هذه هي المشكلة، كل ما سبق هيِّن، ويمكن يتصرفون فيه، لكن مفاتيح الدار، أجَّرتك بيتي، وأخذت كل المفاتيح حتى مفتاح الباب الخارجي، أخذتها، قلت له: ويش أسوِّي بالباب؟ قال: زين مفاتيح أنت. المفاتيح على؟
طلبة: على المؤجر.
الشيخ: نعم، على المؤجِر، قصدي أنا قلبت المسألة، المفاتيح على المؤجِر لا على المستأجر؛ يعني معنى ذلك أنه إذا استأجر بيتًا فإنه يطالب المؤجِر بأيش؟
طلبة: بمفاتيح.
الشيخ: بمفاتيح. إذا انكسر المفتاح أو ضاع؟
نقول: إن كان بتفريط من المستأجر أو تعدٍّ فعليه؛ على المستأجر، وإن كان بغير تفريط ولا تعدٍّ فعلى المؤجِر.
قال: (وعمارتها) عمارة البيت المستأجَر على المؤجِر، لو مثلًا حصل فيه سقط، أو شق، أو انكسرت فيه خشبة، أو باب، فعلى مَنْ؟ على المؤجِر؛ لأنه ملكه، فأما إصلاح شيء زائد إذا طلبه المستأجر فليس على المؤجر منه شيء، مثل: لو قال: أنا أحتاج إلى زيادة الغرفة أو إلى زيادة الحجرة، فهل يلزم المؤجِر أن يقوم بذلك؟ الجواب: لا.
كذلك لو قال: أنا والله ما ()، تطوَّر الناس، وصار يحتاج إلى أن أقطع على الغمر سقف () على السقف، يلزمه ولَّا لا؟
طلبة: لا يلزمه.
الشيخ: تعرفون () على السقف؟ أضع تحته خرقة، كان في الزمن لما كانت السقوف من الخشب يضعون خرقة تحت السقف عشان ما يبين الخشب، فهذا الرجل قال: الناس تطوروا الآن أريد أن تستر السقف، فقال المؤجِر: لا، من القول قوله؟ المؤجر؛ لأن هذا زائد على العمار.
قال المؤلف: (فأما تفريغ البالوعة والكنيف، فيلزم المستأجر إذا تسلمها فارغة) البالوعة يعني البلاعة، يسمونها الناس الآن بيَّارة، البيَّارة، مَنِ الذي يُفرِّغها إذا امتلأت؟ يُنظر، فيه التفصيل، إن كان المستأجر سلَّمها فارغة فيقول المؤجِر: أنت الذي ملأتها ففرِّغها، وإن كان قد استلمها مملوءة فعلى المؤجِر.
[ ١ / ٥٠٩٣ ]
إذا استلمها وفيها شيء يشترك المؤجِر والمستأجر، تنازع المؤجر والمستأجر، قال المستأجر: أنا لما تسلمتها فيها ثلاثة أرباعها، وقال المؤجر: فيها ربعها، علشان إذا فُرِّغت بمئة إذا كان فيها ربعها، كم يلزم المؤجر؟
طلبة: خمسة وعشرون.
الشيخ: خمسة وعشرون. إذا كان فيها ثلاثة أرباعها؟
طلبة: خمسة وسبعون.
الشيخ: خمسة وسبعون فتنازعا، كيف نعمل؟
طلبة: ().
الشيخ: الأصل ما فيها شيء، فالقول إذن قول المؤجر، هذا الأصل.
طالب: إذا كان البيت مسكونًا؟
الشيخ: إذا كان البيت مسكونًا يُنظر متى نزح الرجل، هل أن البيت مهجور من قديم، فالأصل أن ما فيها شيء؟ المهم إذا أشكل علينا الأمر فالحل الوسط أن نقول: النفقة بينكما.
(الكنيف) كذلك يلزمُ المستأجِر إذا تسلمها فارغة.
طالب: ما هو الكنيف؟
الشيخ: الكنيف محل العذرة.
طالب: هو نفسه الحمام.
الشيخ: لا، الكنيف ما فيه ماء، فيما سبق البيوت فيها الكنيف، هذا تُقضى فيه الحاجة فقط، ما فيه ماء، ولا يوجد فيه إلا -أكرمكم الله- العذِرة فقط، البوْل إذا كان فيه فهو يصير وييبس ويروح، تفريغ هذه الكُنُف على المستأجر إن تسلَّمها فارغة، وهذا لا شك أنه من العدل، والله أعلم. ()
تعارض الأصل والظاهر، وإن كان البيت لم يُخلَ إلا من قريب فالظاهر أنها لا تخلو من شيء.
ثم قال المؤلف: (فصل وهي) أي: الإجارة (عقد لازم) كلمة عقد لازم يُستفاد منه أن من العقود ما هو لازم، ومنها ما هو ليس بلازم؛ وهو العقد الجائز، والأمر كذلك، فإن العقود تنقسم إلى قسمين: لازم من الطرفين، وجائز من الطرفين، ولازم من طرف، جائز من طرف، فالأقسام إذن ثلاثة: لازم من المتعاقدين، وجائز منهما،
ولازم من أحدهما جائز من الآخر.
أولًا: ما هو اللازم؟
[ ١ / ٥٠٩٤ ]
اللازم: هو الذي لا يمكن فسخه إلا بسبب شرعي أو تراضٍ من الطرفين، هذا اللازم، هو الذي لا يمكن فصْله إلا بسبب شرعي أو تراضٍ من الطرفين، مثل: البيع، إذا تبايع الرجلان فالبيع لازم إلا إذا كان في مجلس العقد، فلكل منهما الخيار، وهذا سبب شرعي، إذا تبايع رجلان فالبيع لازم، لكن لو وجد أحدها عيبًا فيما اشتراه فله الفسخ، وهذا سبب شرعي، إذا تبايع الرجلان فالبيع لازم، لكن لو أقال أحدهما الآخر فالإقالة جائزة، وهذا فُسِخ برضا من الطرفين.
المشاركات التي سبقت لنا في باب الشَّرِكة، والمساقاة والمزارعة على المذهب عقود جائزة لكل منهما الفسخ.
الوكالة: عقد جائز لكل منهما الفسخ؛ الوكيل أو الموكِّل، هذا جائز من الطرفين.
اللازم من طرف دون الآخر: إذا كان العقد حقًّا لأحدهما وحقًّا على أحدهما فهو لمن هو له جائز، ولمن هو عليه لازم، مثال ذلك: الرهن: عقد لازم من أحد الطرفين جائز من الطرف الآخر، رهنتك بيتي في دراهم تطلبني إياها، الرهن عليَّ ولَّا لي؟
طلبة: عليَّ.
الشيخ: عليَّ، إذن هو لازم من قبلي، وللمرتهن؟
طلبة: جائز.
الشيخ: جائز؛ لأنه له، فيجوز للمرتهن أن يقول للراهن: خُذ بيتك، أنا لا أريد الرهن. طيب لو قال الراهن: لا، ما أبغيه، خليه يبقى رهن، قال: لا، خُذْ أنا لا أريده، من نأخذ بقوله؟
بقول المرتهِن؛ لأن الحق له وقد تنازل، واضح؟
بالنسبة للراهن، هل يملك أن يفسخ الرهن بدون رضا المرتهِن؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا يمكن، فهذا عقد لازم من أحد الطرفين. الإجارة، ذكرنا أنها نوع من البيع، لكنها بيع منافع، فإذا كانت نوعًا من البيع، فالبيع من العقود اللازمة، ولهذا قال المؤلف: (وهي عقد لازم) يعني من الطرفين.
(فإن آجره شيئًا ومنعه كل المدة أو بعضها فلا شيء له).
[ ١ / ٥٠٩٥ ]
(إن آجره) يعني آجر شخصٌ شخصًا آخر، ثم منعه المدة أو بعضها فلا شيء له، فلا شيء لمن؟ فلا شيء للمؤجر، مثال ذلك: رجل آجر بيته رجلًا آخر لمدة سنة، تبتدئ من ثامن محرم عام ألف وأربع مئة وتسعة، فلما جاء اليوم الثامن جاء المستأجر إلى صاحب البيت، قال: أعطِني البيت. قال له: اصبر، جه من باكر قال: اصبر ها الأسبوع هذا، بعده، اصبر نصف ها الشهر، بعده، اصبر الشهرين، ما أنا مسلمك، أنا محتاج للبيت، أنا حاسس أني بخلص شغلي قبل يوم ثمانية، والآن ما خلص، اصبر إلى أن يخلص الشغل، هل له أجرة؟
طلبة: لا.
الشيخ: يقول المؤلف: ما له أجرة؛ لأنه منعه ما اتفقا عليه؛ وهي سَنة. لو أخرجه في آخر المدة قبل تمام المدة، فهل له أجرة ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليس له أجرة؛ لأنه منعه من استيفاء المنفعة، أو من استيفاء بعض المنفعة، فإذا منعه من أول الْمُدَّة أو من آخرها فلا شيء له.
وإن منعه كل المدة استأجرها شهرًا من هذا الرجل، ولكن الرجل منعها، قال: أنا محتاج، وأنا ما أعطيك إياها الشهر، اللي هو زمن الإجارة، فهل له شيء؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا شيء له؛ لأن المستأجر لم تحصل له المنفعة التي عُقد عليها، ولهذا قال: (فمنعه المدة كل المدة أو بعضها فلا شيء له).
لو قال قائل: لماذا لا تعطونه القسط من الأُجرة إذا منعه بعضها؟ نقول: لأن الإجارة وقعت على صفة معينة؛ وهي سنة كاملة، وهذا الرجل لم يُسلِّم له العين المؤجرة على هذه الصفة، فلما لم يسلمها على هذه الصفة لم يستحق الأجرة، هذا وجه.
الوجه الثاني: أنه ظالم مُعتدٍ على حقه، وقد قال النبي ﵊: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (١٣).
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى: ٤٢].
[ ١ / ٥٠٩٦ ]
الوجه الثالث: أن نقول: الأمر بيدك، أنت الذي منعت، وأنت الذي تُمكِّن، فلما منعتَ كنتَ أنت الذي أسقطتَ حقك بنفسك، فلا حق لك.
فهذه ثلاثة وجوه تدل على أنه إذا منعه بعض المدة، فلا حق له، ليس له شيء من الأجرة.
قال: (وإن بدأ الآخر قبل انقضائها فعليه) (إن بدأ الآخر) من هو الآخر؟ المستأجر، إن بدأ فتركها قبل انقضائها فعليه، عليه أيش؟ كل الأجرة، كذا؟
طالب: نعم.
الشيخ: مثال ذلك: رجل جاء إلى بلد يصطاف فيها، وكان من تقديره أن يبقى ثلاثة شهور، فاستأجر بيتًا ثلاثة شهور، ثم بدا له أن يرجع إلى بلده حين تم له شهران، فقال لصاحب البيت: أنا الآن استغنيت عن البيت، وأنا مستأجره منك بثلاثة آلاف، والآن بقيت شهرين، فهذه ألفان وألف، ما أنا معطيك، لماذا؟
قال: لأن أنا ما بساكن، صح؟
طلبة: لا.
الشيخ: هذا غير صحيح، يعني ما يمكن من هذا؛ لأن صاحب البيت يقول: أنا اتفقت معك على ثلاثة آلاف، أستحقها الآن، وأنا ما منعتك حقك، خُذْ، البيت أمامك الآن كمِّل. فنقول: يلزمه الأجرة كاملة. طيب لو أن هذا الرجل أجَّر بقية المدة بثلاثة آلاف، المستأجر أجَّر بقية المدة بثلاثة آلاف؟
طلبة: يجوز.
طلبة آخرون: لا يجوز.
الشيخ: يجوز بشرط ألا يكون أكثر منه ضررًا على المذهب. في قول آخر: أنه لا يجوز أن يربح في الأجرة، لكن المذهب هو الجواز؛ وهو الأصح.
إذن نقول: هذا المستأجِر يُلزم بدفع الأجرة كاملة، ويُقال: إن الرجل عقد على كم من ألف؟
طلبة: ثلاثة ..
الشيخ: ثلاثة آلاف، فعقد الإجارة على صفة معينة ثلاثة آلاف، لازم تكمل له الصفة هذه وإلا فلا شيء لك.
إذا قال: أنا ويش ذنبي أنكم تلزموني بأجرة شهر، وأنا ما أنا موجود؟ نقول: حق لك، استوفِ هذا الشهر بنفسك أو ..
[ ١ / ٥٠٩٧ ]
وتَنْفَسِخُ بتَلَفِ العينِ المؤَجَّرَةِ وبموتِ الْمُرْتَضِعِ والراكبِ، إن لم يُخَلِّفْ بَدَلًا وانقلاعِ ضِرْسٍ أو بُرْئِه ونحوِه، لا بموتِ الْمُتعاقِدَيْنِ أو أحدِهما ولا بضَياعِ نَفقةِ المستأْجِرِ ونحوِه، وإن اكْتَرى دارًا فانْهَدَمَتْ، أو أَرْضًا لزَرْعٍ فانْقَطَعَ ماؤُها، أو غَرِفَتْ انْفَسَخَت الإجارةُ في الباقي، وإن وَجَدَ العينَ مَعيبةً أو حَدَثَ بها عيبٌ فله الفَسْخُ وعليه أُجرةُ ما مَضَى، ولا يَضمنُ أجيرٌ خاصٌّ ما جَنَتْ يَدُه خطأً ولا حَجَّامٌ وطَبيبٌ وبَيطارٌ لم تَجْنِ أَيْدِيهم إن عُرِفَ حِذْقُهم ولا راعٍ لم يَتَعَدَّ، ويَضمنُ المشتَرِكُ ما تَلِفَ بفِعْلِه، ولا يَضْمَنُ ما تَلِفَ من حِرْزِه أو بغيرِ فِعْلِه ولا أُجرةَ له، وتَجِبُ الأجرةُ بالعَقْدِ إن لم تُؤَجَّلْ وتَستحِقُّ بتسليمِ العملِ الذي في الذِّمَّةِ، ومَن تَسَلَّمَ عينًا بإجارةٍ فاسدةٍ وفَرَغَت الْمُدَّةُ لَزِمَه أُجرةُ الْمِثلِ.
وذهب شهر المحرم كله ما سكن، تلزمه الأجرة كاملة ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم، تلزمه كاملة؛ لأنه هو الذي أسقط حقه من أول المدة.
ثم قال المؤلف ﵀: (وتنفسخ) أي الإجارة (بتلف العين المؤجرة) صح؛ لتعذر الاستيفاء، فتنفسخ بتلف العين المؤجرة، ويكون للمؤجِر من الإجارة بالقسط.
مثال ذلك: استأجر بيتًا للسكنى فانهدم، استأجره لمدة سنة فانهدم حين مضى ستة أشهر، فقال المستأجِر للمُؤجِر: دبِّر لي بيتًا. قال: ما أُدبِّر لك، البيت الذي أنت استأجرت انهدم، مَنْ نَقْبل؟
الطلبة: قول المستأجر.
الشيخ: قول المستأجر؛ يعني نُلزمه بأن يُدبِّر له بيتًا؟ !
الطلبة: ().
الشيخ: المؤجِر، إذن نقبل قول المؤجِر، المؤجر يقول: البيت الذي استأجرته انهدم، فالعين زالت، فلا تطالبني، قال له: أُلزمك ببنائه، ابنِ، ولو بناءً مُؤَقتًا، يلزمه ولَّا لا؟
الطلبة: لا.
[ ١ / ٥٠٩٨ ]
الشيخ: لا يلزمه؛ لأن العين الذي وقع عليها العقد تلفت، هذه واحدة.
كذلك أيضًا استأجر سيارة للسفر عليها إلى الحج، وقدَّر الله على هذه السيارة أن احترقت في أثناء الطريق لما وصل () احترقت، قال له: يلَّا، دبِّر لي سيارة توصلني مكة وترجعني، يلزمه ولَّا لا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: يا إخواني، استأجر السيارة هذه بعينها، استأجرتُ منكَ هذه السيارة أحُج عليها.
طالب: ().
الشيخ: ما يلزمه؟ ليش؟ لأن العين التي وقع العقد عليها تلفت ولا يلزمه، أما لو استأجره على أن يحج به، لا بأس؛ لأنه استأجره على عمل يلزمه إفاؤه، إذا تلفت هذه العين جاب له عينًا أخرى. هذه واحدة تلف العين المؤجرَة.
قال: (وتنفسخ بموت) ذكرنا أنها لو تلفت في أثناء المدة، فهل يلزم المستأجر أجرة ما مضى وإلا نقول كما سبق أنه لا أجرة له؟
الطلبة: ().
الشيخ: نعم، نقول: يلزمه أُجرة ما مضى بالقسط، فإذا استأجرها لمدة سنة بألف ومئتين، وانهدمت البيت بعد تمام ستة أشهر، كم يلزمه؟
الطلبة: ().
الشيخ: ست مئة، يلزمه ست مئة. فإن قدر أن الزمن الذي تلفت فيه زمن موسم تكون فيه العقارات أغلى، فهل يلزمه ست مئة أو أقل؟
الطلبة: ().
الشيخ: يعني هذا البيت استأجره سنة بألف ومئتين، لكن أربعة الشهور الأخيرة تساوي ثلثي الأجرة؛ لأنها موسم، وهذا وُجِد كثيرًا في بيوت مكة وبيوت المدينة، تختلف باختلاف المواسم، فهل نقول له بالقسط باعتبار الزمن أو باعتبار قيمة المنفعة؟
باعتبار قيمة المنفعة، قد تكون ستة أشهر إذا وزَّعنا الأجرة عليها مع بقية السنة لا تساوي إلا رُبع الأجرة، كم نعطيه فيما إذا كانت لا تساوي إلا ربع الأجرة؟
طالب: الربع.
الشيخ: كم؟
الطالب: الربع.
الشيخ: كم الربع؟
الطالب: ثلاث مئة.
الشيخ: ثلاث مئة، إي نعم.
[ ١ / ٥٠٩٩ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وتنفسخ بموت المرتضع) أيش لون هذا؟ استأجر رجل امرأة على أن ترضع هذا الولد، الولد مات، جاءت المرضِعة لولي الطفل، قالت: أبغي بقية الأجرة، أنت استأجرتني أن أرضعه سنتين، وهذا الطفل مات لسنة، أعطني أُجرة السنتين جميعًا. قال: لا، ما أعطيك أجرة السنتين؛ لأن الإجارة انفسخت، قالت: تجيب لي طفلًا أرضعه. يلزمه ولَّا لا؟
الطلبة: ما يلزمه.
الشيخ: ما يلزمه؟ له أخ صغير توأم معه، قالت: جيب أخوه، يلزمه؟
الطلبة: لا يلزمه.
الشيخ: لا يلزمه؟ لماذا؟ لأن العقد وقَع على عين المرتضِع، والمرتضع مات. أيش نسوي، ترضعه بقبره؟ ! ما ينفع، إذن تنفسخ.
هو استأجرها لمدة سنتين بألفي ريال، ومات الطفل لسنة كم تستحق من الأجرة؟
الطلبة: ().
الشيخ: ألف؟ تأمل.
طالب: أقل يا شيخ.
الشيخ: أقل من الألف؟ ليش؟
الطلبة: ().
الشيخ: صح، تكون بالقسط الزمني ولَّا المنفعي؟
الظاهر المنفعي؛ لأن الطفل إذا كبِر صارت مشقة حمله أشد، ورضاعه أكثر ولَّا لا؟
إذن القسط باعتبار المنفعة لا باعتبار الزمن، هذا هو الظاهر، لكن اعتبار المنفعة خصوصًا بالنسبة للطفل صعب.
فلو قيل: إنه في هذه الحال نرجع إلى القسط الزمني، ونقول: كل واحد منهم يشيل الآخر، مثل ما يُعرف في علم الحساب بالمتوسط، يعني لو قيل بهذا فليس ببعيد، أما إذا أمكن الضبط فلا شك أن هذا مُعتبَر؛ لأنك لو أتيت بطفل له سنة لامرأة تُرضعه بقية السنتين لكانت أجرتها أكثر ولَّا لا؟
أكثر مما لو أعطيت امرأة طفلًا له شهر لترضعه لمدة سنة، هذا واضح والله أعلم ().
سبق لنا أن الإجارة من باب العقود اللازمة، وكل عقد لازم فإنه لا يملك أحد المتعاقِدَيْن فسخه إلا لسبب شرعي، أو رضًا من الطرفين.
[ ١ / ٥١٠٠ ]
وذكرنا أنه إذا تسلَّم العين المستأجرَة، ثم منعه المالِك بقية المدة فإن الإجارة تنفسخ، ولا حق للمؤجِر؛ لأنه منع المستأجر من كمال الانتفاع، أما إذا منعه من الانتفاع ابتداءً فإن ظاهر كلام المؤلف أنه لا أُجرة له أيضًا.
يعني لو أجَّره هذا البيت لمدة سنة ومنعه أول المدة، ثم سلَّمه، فظاهر كلام المؤلف أنه لا أجرة له، وأن للمستأجر الفسخ، وهذا هو الصحيح.
وقيل: إنه إذا سلَّمها له بعد منعها في أول السنة فإن الإجارة تنفسخ فيما مضى فقط، ولصاحب البيت المؤجِر أجرة ما بقي، لكن ما ذهب إليه المؤلف أصح.
وسبق لنا أن الإجارة تنفسخ بتلف العين المؤجرة، وأن المؤجِر لا يُلزم بإبدالها، مثاله؟ تلف العين المؤجرة؟ ().
ربما يقول هذا الكلام كيف نزلت؟ يعني مثلًا استأجر مني هذه الفيلا بمئة ألف، لما مضى نصف السنة انهدمت الفيلا، فقال: أنا أعطيك الفيلا الأخرى، فقال: لا، أنا لا أريد، أعطِني خمسين ألفًا؛ أجرة الفيلا الأخرى لا تساوي عشرة آلاف، صح ولَّا لا؟ الآن المؤجِر يقول: أنا أعطيك بدالها، خذ، قال: لا، أنا استأجرت منك الفيلا معينة وانهدمت، فأعطني بقية الأجرة.
العكس بالعكس قد تكون الأجور زادت، فيطالِب المستأجِر المؤجِر، يقول: أعطني الفيلا الثانية جنبها، ما فيه أحد يقول: لا، له الحق في هذا ولَّا لا؟ له الحق.
قال: تنفسخ أيضًا (بموت المرتضع) (موت المرتضع)؛ يعني رجل أعطى مرضعة ولده لترضعه لمدة سنتين، فمات بعد سنة، تنفسخ ولَّا لا؟
إذا انفسخت وقسموا الأجرة، على الزمن، أو على الزمن مقرونًا بالعمل؟
الطلبة: ().
الشيخ: الثاني، الظاهر الثاني؛ لأنه سبق أن هناك فرقًا بين إرضاع الطفل الذي له سنة والذي له سنتان.
قال المؤلف: وتنفسخ أيضًا بموت (الراكب إن لم يُخلِّف بدلًا) تنفسخ الإجارة بموت الراكب إن لم يخلف بدلًا، كيف؟ يعني رجل جاء إلى شخص واستأجر منه بعيره إلى مكة، ومات المستأجر، تنفسخ الإجارة ولَّا لا؟
[ ١ / ٥١٠١ ]
يقول المؤلف: في هذا تفصيل، إن خلف بدلًا فإنها لا تنفسخ، وإن لم يخلف بدلًا فإنها تنفسخ، كيف؟ إن خلف بدلًا، مثل هذا الرجل الذي مات كان معه ولده، فقال الولد: أنا أركب الناقة بدل أبي، فعلى كلام المؤلف لا تنفسخ الأجرة، ليش؟
لأن الراكب خلف بدلًا وهو مستحِق لنفع البعير إلى مكة، فلما مات قام وارثه مقامه، أما إذا لم يخلف بدلًا، يعني مات هذا الرجل وبقيت البعير عُريًا، لا أحد يركبه، فهنا الإجارة تنفسخ.
وما ذهب إليه المؤلف هو الصواب على أن الراكب إن خلف بدلًا فإنها لا تنفسخ، وإن لم يُخلِّف فإنها تنفسخ. من هو البدل؟
الطلبة: ().
الشيخ: البدل: الوارث، أو رجل أوصى له بها. هذا المستأجر رأى نفسه مريضًا فكتب: إن مِتُّ ففلان يخلفني في ركوب البعير، إذن خلَّف بدلًا ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: وارثًا؟ لا، لكن مُوصًى له، أما إذا لم يُخلِّف فالإجارة تنفسخ، أيهما أحظ لصاحب البعير أن تنفسِخ أو لا تنفسخ؟
الطلبة: ().
الشيخ: لصاحب البعير؟ ! ما هو المستأجر يا إخوان؟
الطلبة: لصاحب البعير، حسب الحال.
الشيخ: حسب الحال، ربما يجي واحد يقول: أنا بستأجر منك الآن البعير من نصف الطريق إلى مكة، أنت مؤجرها بمئة، أنا بستأجر بمئتين، فيكون من حظه أن تنفسخ، لكن إذا قلنا: لا تنفسخ صارت المئتان لِمَنْ؟ للمستأجر، صارت المئتان للمستأجر.
فعلى كل حال لا نقول بالإطلاق: إن المصلحة للمؤجِر ولا للمستأجر؛ لأن هذا يختلف بحسب الحال.
خلاصة المقال: لو قال قائل: هل تنفسخ الإجارة بموت الراكب؟
نقول: فيه تفصيل؛ إن خلَّف بدلًا لم تنفسخ، وقام بدله مقامه، وإن لم يُخلِّف انفسخت.
[ ١ / ٥١٠٢ ]
ثم قال المؤلف ﵀: (وبانقلاع ضرس)، انقلع الضرس، أيش لون انقلاع ضرس؟ يعني رجل استأجر شخصًا أن يقلع ضرسه، قال: والله أنا لي ضرس يوجع، وأبغيك تقلعه، قال: والله الآن مصيفين ()، وبيؤذن المغرب، ائت بكرة، كم؟ قال: بقلعه لك بعشرة ريالات، في الليل، انقلع الضرس، طاح، تنفسخ الأجرة ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: جاء صاحب المقلاع في الصباح، قال: يلَّا، أعطني ضرسك، قال: ضرسي انقلع. هل يقول: أعطني أجرتي ولَّا لا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: ليش؟ لأن المعقود عليه مُعيَّن وتلِف، ولَّا لا؟ قال: أعطني الضرس الثاني أقلعه بداله، نطيعه ولَّا لا؟ ! ما نطيعه، معلوم، أنا مستأجرك أنك تقلع الضرس اللي يوجعني، وكفى الله المؤمنين القتال، هذا الضرس راح وانتهى، واضح أظن؟
ومثل ذلك: لو استأجره لمداواة عينه، فشُفيت قبل أن يداويها فإنها تنفسخ؛ لأن الشيء المعين فات.
قال: (بانقلاع ضرس أو بُرئه) كيف برئه؟ شُفي، لكن لو جاء صاحب المقلاع وقال: يلَّا، أعطِني الضرس، قال: الحمد لله، هان عليَّ الآن، وبرد وشُفِي. قال له: ما شفي، فتنازعا، هذا يقول: شُفي ليسلم من الأجرة، وهذا يقول: ما شُفي ليأخذ الأجرة. مَن القول قوله؟
الطلبة: الطبيب.
الشيخ: لا، ما هو الطبيب، هذا ضرر، الظاهر أن القول قول صاحب الضرس، لكنه يُحَلَّف إن أدت المسألة إلى محاكمة يُحَلَّف، وإلا القول قول صاحب الضرس؛ لأن الأمر ممكن ولَّا غير ممكن؟
الطلبة: ممكن.
الشيخ: ممكن؛ دائمًا يثور عليك الضرس في الليل وفي النهار يبرأ، ودائمًا جالس ما فيك إلا () هذا شيء ما يمكن له ضابط.
فعلى هذا إذا قال: إنه برئ؛ فالقول قوله، فإن تنازعوا رُفِع الأمر إلى الحاكم، ويُحلِّف صاحب الضرس.
قال: (أو برئه) لو فرضنا أنه ما برئ، ما زال يوجعه، لكن تحسب، صاحب الضرس تحسب وقال: () هونت أقلعه بصبر عليه، ولعله إن شاء الله يهون ويبرأ، هل يُجبر على القلع؟
طلبة: لا يُجبر.
[ ١ / ٥١٠٣ ]
الشيخ: لا يجبر، لكن يدفع الأجرة.
قال المؤلف: (ونحوه) يعني نحو برء الضرس وقلعه، يعني كل شيء استؤجِر له بعينه، ثم زال الشيء المعقود عليه فإن الإجارة تنفسخ.
قال المؤلف: (لا بموت المتعاقدين أو أحدهما)، يعني لا تنفسخ الإجارة بموت المتعاقِدَيْن أو أحدهما، مثل رجل استأجر مني بيتًا، وفي أثناء المدة تُوفِّي، هل تنفسخ الإجارة؟ لا تنفسخ، ويكون حق الاستيفاء لمن؟
الطلبة: لورثته.
الشيخ: لورثته. كذلك بالعكس، لو أن المؤْجِر مات، فإن الإجارة لا تنفسخ، ويكون بقية الأجرة لمن؟
الطلبة: للورثة.
الشيخ: للورثة. فإن قلت: هل يتعارض هذا مع ما سبق من قوله: (تنفسخ بموت الراكب إلى أن يخلف بدلًا)؛ لأنه هناك اشترط، قال: (تنفسخ بموت الراكب) مع أن الراكب عاقد، (إن لم يُخلِّف بدلًا)؟
فالجواب: لا تناقض؛ لأنه هناك عُقِد الإجارة على عيْن الراكب، ولهذا قد لا يكون الراكب هو المستأجِر، قد أستأجر الناقة أنا، لفلان يركبها، أنا المستأجِر وهو الذي يركبها، فقد يكون هكذا.
على كل حال لا تعارُض؛ لأنه هناك فاتت المنفعة بفوات المعقود عليه بعينِه، أما المتعاقدان فقد عقدا على شيء، عقدا على هذا البيت، لا على شخص معين، فهذا هو الفرق بينهما.
قال: (أو أحدهما، ولا بضياع نفقة المستأجر ونحوه) (بضياع نفقة المستأجر) رجل استأجر مني بعيرًا ليحج عليه فهو مؤجِر، ولَّا مستأجر؟
الطلبة: مستأجر.
الشيخ: مستأجر، كان معه فلوس قد هيأها للحج، وجمعها للحج، جاء واستأجر مني البعير، ثم إن الفلوس التي معه سُرقت أو احترقت أو ضاعت، جاءني قال: والله الفلوس اللي أنا هيأتها للحج ضاعت، الآن، ما أنا بحاج، ما أستطيع، تنفسخ الإجارة ولَّا لا؟
طلبة: لا تنفسخ.
[ ١ / ٥١٠٤ ]
الشيخ: لا تنفسخ الإجارة؛ لأن هذا أمر خارج عن العقد، لا يتعلق بالمعقود عليه ولا بالعاقِد، يتعلق بأمر خارجي، إذا قال: ما أنا بحج الآن، ولا أستطيع أن أحج، أقول: روح تسلف، وإلا تؤجر البعير على حسابك، وما نقص من الأجرة يكون عليك؛ لأن هذا أمر خارجي.
قوله: (ونحوه) كاحتراق متاع، استأجر الدكان لبيعه فيه، مثل الرجل عنده ثياب أقمشة، جاء بها من بلد، ووضعها عنده في البيت، واستأجر مني الدكان من أجل أن يبيع هذه البضاعة فيه، ولكن هذه الأقمشة احترقت، وجاءني قال: أنا استأجرت منك الدكان لأبيع فيه الأقمشة، والأقمشة احترقت، فأريد أن تقيلني، فقال صاحب الدكان: لا، فهل تنفسخ الإجارة هنا ولَّا لا؟
الطلبة: لا تنفسخ.
الشيخ: لا تنفسخ، أنا ما استأجرتها منك إلا لبيع هذه الأقمشة، قال: هذا أمر خارج عن العقد، ليس هو المعقود عليه، فلا تنفسخ الإجارة في هذا. هذا ما ذهب إليه المؤلف ﵀.
وفي المسألة قول آخر: أنها تنفسخ إذا عُلم أنه إنما استأجرها لهذا الغرض، فإنها تنفسخ، وجعل صاحب هذا القول هذه المسألة من باب الجوائح، وقد قال النبي ﵊: «إِذَا بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟» (١).
فيقول: إن المؤجر عنده علم بأن المستأجر، إنما استأجر هذا المكان لهذا الغرض، هذا الغرض، فات بغير سبب منه من الله ﷿، فيكون كالثمرة التي اشتراها صاحبها للأكل، ثم أصابتها جائحة من الله، فلا يحل للبائع أن يقول: والله هذا شيء ما هو منه، هذا من الله، لازم تعطيني قيمة الثمرة، نقول: لا، ليس لك ثمرة، إذن نقول لهذا: ليس لك إجارة؛ لأنك تعلم أنه إنما استأجرها لهذا الغرض، وقد تلف بفعل من الله.
[ ١ / ٥١٠٥ ]
لكن لو جاء المستأجر وقال: والله أنا استأجرت منكَ الدكان لأبيع البضاعة فيه، والآن تبين لي أنا البضاعة غالية في بلد آخر، وتركت البيع هنا، أبغي أروح أبيع في البلد الثاني، تنفسخ الإجارة ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا تنفسخ، لماذا؟ لأن هذا أمر بفعل المستأجر، وباختياره يقول: أعطني أجرتي، وروح بِعْ في البلد اللي تبغي أنت، أما شيء بغير فعلي، بل ومِن الله، وأنا أيها المؤجر أعلم بأنه ما استأجره لهذا الغرض، فكوني آخذ منك الأجرة هو في الحقيقة أخذ للمال بغير حق، بل نقول: تنفسخ الإجارة، ويرجع الدكان إلى مَنْ؟ إلى صاحبه، إلى المالك، وهذاك يسلم من الأجرة، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهو الحق.
ولا يسوغ -فيما أرى- القضاء بغيره، أو الحكم بغيره، لا سيما أن هذا يدري أنه مما استأجره لهذا الغرض، أما لو جاء يستأجر مني الدكان، ونيته لهذا الغرض، وأنا ما أدري، فهنا نقول: إن الإجارة لا تنفسخ؛ لأن المؤجر لم يدخل على هذه النية، وبينهما فرق بين رجل استأجر مني دكانه من غير أن أعلم ما مقصوده، وبين رجل أعلم أنه استأجره لبيع هذه البضاعة المعينة، فتلفت بفعل الله، فهذا لا أستحق شيئًا منه.
قال المؤلف: (وإن اكترى دارًا فانهدمت، أو أرضًا لزرع، فانقطع ماؤها أو غرقت انفسخت الإجارة في الباقي) رجل استأجر بيتًا للسُّكنى في أثناء المدة انهدم البيت، نقول: تنفسخ الإجارة من أصلها أو في الباقي؟
الطلبة: في الباقي.
الشيخ: في الباقي، وأما ما مضى فعليه قِسْطه من الأجرة؛ لأنه استوفاه كاملًا.
كذلك استأجر أرضًا لزرع، فانقطع ماؤها، أو غرقت، كيف يتصور هذا؟ يتصور، استأجرها للزرع على أن النهر يسقيها، النهر توقَّف، انقطع ماؤه ولَّا لا؟ طيب استأجر الأرض على أن فيها بئرًا يخرج منه الماء، ثم غار البئر، ماذا نقول؟
الطلبة: تنفسخ الإجارة.
[ ١ / ٥١٠٦ ]
الشيخ: تنفسخ الإجارة؛ لأن هذا أمر بغير اختيارهما، فتنقطع الإجارة لتعذُّر استيفاء المنفعة. كذلك لو غرِقت، كيف تغرق؟ يعني جاء فيضان، غرقت الأرض، ما تصلح للزراعة، فإن الإجارة تنفسخ لأنني استأجرتها للزرع، وتعذَّر الانتفاع.
فإن قال قائل: ألا يؤيد هذا ما سبق إن قلنا: إنه الصحيح فيمن استأجرها لبيع سلعة لتعذر الانتفاع؟
نقول: هذا يؤيد من بعض الوجوه، لكن الفرق أن هذا لخلل في المعقود عليه، لا في المعقود له.
في المسألة الأولى فيما إذا استأجر الدكان ليبيع فيه المتاع، هذا تعذر الانتفاع للمعقود له، أما هنا فتعذَّر الانتفاع للمعقود عليه، وهي الأرض أو الدار، ولكن مع ذلك هذا الفرْق قد نقول: إنه غير مؤثر؛ لأن الانتفاع تعذَّر في هذا وفي هذا بغير إرادة الإنسان ().
***
والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
وقفنا على قوله: (وإن وجد العين معيبة) وسبق لنا ما تنفسخ به الإجارة، والسؤال الآن هل تنفسخ الإجارة بموت الراكب؟
طالب: ().
الشيخ: نعم، () لا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا.
وسبق لنا أنه استأجره لقلع الضرس فانقلع الضرس، فإن الإجارة تنفسخ، لا يُقال: إنها لا تنفسخ، وأنه يلزمه أن يخلع ضرسه الثاني كذا؟ أقول: لا نقول بهذا، ولَّا نقول؟ لا نقول بهذا.
لا نقول للمستأجر: دوِّر إنسان يوجع ضرسه على () المستأجر؟ لا؛ لأن العقد على عين الضرس، والضرس انقلع أو برئ.
لو عدل المستأجر عن قلع ضرسه مع بقائه؟
الطلبة: ().
الشيخ: فإنه تلزمه الأجرة؛ لأنه ترك الاستيفاء باختياره.
لو ضاعت نفقة المستأجر؟
طالب: لا تنفسخ.
الشيخ: لم تنفسخ؛ لأن العذر من جانب واحد، فإذا استأجر هذه البعير ليحُجَّ عليها، ثم سُرقت النفقة أو ضاعت فإنه يلزمه الأجرة.
[ ١ / ٥١٠٧ ]
وهذا أيضًا ينبغي أن يُقال فيه ما قلنا بموت الراكب، وأنها إذا ضاعت أُجرة المستأجِر، ولم يتمكن من استيفاء المنفعة، فلا شيء عليه، تنفسخ الإجارة؛ لأن هذا بغير اختياره.
لو احترق متاعه، استأجر دكانًا للبضائع، فاحترقت البضائع، فهل تنفسخ الأجرة أو لا؟
المذهب أنها لا تنفسخ، والصحيح أنها تنفسخ إلا إذا كان الاحتراق بسبب منه؛ يعني هو الذي فرَّط بأن أبقى السراج في الدكان، وأغلقه، فسقط السراج، واحترق الدكان، أو كان لم يضبط تسليك الدكان، فحصل التماس فاحترق، فهذا لا تنفسخ؛ لأنه منه.
وسبق لنا أنه يجوز للمستأجِر أن يؤْجِر المكان الذي استأجره بشرط ألا يكون الثاني أكثر منه ضررًا، وشرط آخر عند بعض العلماء ألا يؤجره بأكثر مما استأجره.
لو استُؤْجر لعمل شيء، ثم مرض، هل يلزمه أن يقيم غيره مقامه؟
طالب: ().
الشيخ: ما هو؟
الطالب: ().
الشيخ: أو بالعكس؟ بالعكس إن كان العقد على عينه، وتعذَّر الانتفاع، فإنه ما يلزم، وإن كان على العمل فإنه يلزم، لكن المذهَب أنه يلزم مطلقًا إلا إذا اشتراه مباشرة بنفسه، فلا يلزمه.
هل لمن استُؤجر لعمل أن يؤجر غيره للقيام به؟ يعني مثلًا استأجرتني لأخيط لك هذا الثوب، فدفعتُه لغيري ليخيطه، فهل يجوز؟
نقول: في هذا أيضًا تفصيل؛ إن دفعته إلى مَنْ هو أحسن مني، فهذا لا بأس به وجائز، وإن دفعته إلى من هو أقل، فلا يجوز.
لو أعطاني أحد مالًا لأحج عنه، فهل يجوز أن أدفعه لغيري؟
الطلبة: ().
الشيخ: الغالب أنه لا يمكن تحقيق هذا الشرط؛ لأن هذا الذي دفع المال إليَّ ربما لا يرضيه إلا أنا؛ لأني في نظره عندي مثلًا عِلْم، وعندي دين، وغيري قد لا يكون عنده عِلْم ولا دين.
فالمهم أنه إذا كان الشيء يختلف فيه القصد، فإنه لا يجوز أن تُقيم غيرك مقامك، وإن كان لا يختلف فيه القصد، فإنه يجوز بشرط ألا تسلمه إلى أحد أقلَّ منك معرفة بهذا العمل.
[ ١ / ٥١٠٨ ]
يقول المؤلف ﵀: (وإن وجد العين معيبة، أو حدث بها عيب فله الفسخ، وعليه أجرة ما مضى) إن وجد العين معيبة فله الفسخ، ولكن ما هو ضابط العيب هنا؟
ضابط العيب هنا ما تختلف به الأجرة؛ بمعنى أننا لو قدَّرنا هذه خالية من العيب لكانت أجرتها مئة، ومعيبة لكانت أجرتها ثمانين، فإن هذا هو العَيْب، أما ما لا تختلف فيه الأجرة فليس بعيب، على ظاهِر كلام المؤلف.
مثال ذلك: استأجر الإنسان بيتًا، ثم وجد فيه عيبًا، وجد فيه تشققًا في الجدران، أو تكسرًا في الخشب، أو في الزجاج، أو ما أشبه ذلك، وهو لم يعلم به حين العقد، فهنا نقول: له الخيار، إن شاء فسخ، وعليه أجرة ما مضى، وإن شاء بقي، ولكن هل له الأرش؟
المذهب أنه ليس له الأرش، فيقال: إما أن تأخذها، تبقى فيها بالأجرة التي تسمى العقد عليها، وإما أن تدعها.
استأجر بيتًا ووجد فيه عيبًا، لكنه شق يسير لا تختلف به الأجرة، أو مثلًا يعني لون مخالف للون البيت كجص مثلًا في جانب منه، فاختلف فيه لون البيت، أو ما أشبه هذا من العيوب التي لا تختلف فيها الأجرة، فإن هذا لا يوجب الفسخ، بل لا يُجيز الفسخ إلا برضا المؤْجِر.
إذن نقول في المسألة الأولى التي وَجَدَ فيها عيبًا تنقُص به الأجرة: أنتَ بالخيار، إن شئتَ فافسخ، وإن شئتَ تبقى بلا أرْش، إذا فسخ فعليه أجرة ما مضى؛ لأنه استوفى المنفعة، فإذا استوفاها لزمه عِوضُها، وكيف ذلك؟
نقدر هذا البيت إجارته سنة، اثنا عشر ألفًا، وقد مضى من السنة شهران، نقول: عليه من الأجرة ألفان، إي نعم، عليه ألفان من الأجرة إلا إذا كان آخر السنة، تزيد الأجرة لكونه موسمًا، فيُنقص من الألفين بقسطها.
[ ١ / ٥١٠٩ ]
وإن شاء بقي بالبيت على عيبه، وليس له أرش، وهذا فيما إذا كان المؤجر غير مدلس، فإن كان مدلسًا فإنه -على الصحيح- لا شيء له من الأجرة؛ لأنه غاش، وقد قال النبي ﷺ: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا» (٢). وهو ظالم، وقد قال النبي ﷺ: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (٣).
فإذا كان المؤجِر يعلم العيب، وكتَمَه عن المستأجر فإنه لا شيء له؛ لأنه ظالم.
يقول: (أو حدث بها عيب) أيش معنى حدث بها عيب؟
يعني بعد أن استأجرها، استأجر هذا البيت وهو سليم، حصل به عيب، فله الفسخ، وعليه أجْرة ما مضى، وهذا واضح؛ لأنه لم يكن من المؤجر تدليس ولا غرر، فيقال له: إما أن تبقى فيها معيبة، وإما أن تفسخ.
ومثل ذلك لو استأجر سيارة للركوب، فحصل فيها خلل، فيُنظر إذا كان هذا الخلل مما تنقص به الأجرة فهو عيب، وإن كان مما لا تنقُص به الأجرة فليس بعيب، ويش مثال الذي تُنقص به الأجرة؟
لو فُرِض أنها صارت لا تقوم بسرعة، يشغلها، ولكن لا تقوم بسرعة، هذا عيب تنقص به الأجرة ولَّا لا؟
الطلبة: ما تنقص.
الشيخ: الظاهر أنه لا تنقص، لكن لو كانت لا تقوم إلا بدفع هذا تنقص به الأجرة، عيب تُنقص به الأجرة، فإذا حدث في السيارة هذا العيب، فله فسْخ الأُجرة؛ لأن هذا عيب تنقُص به الأجرة، فله الفسْخ.
خلاصة المسألة هذه: أنه إذا وجد العين معيبة فله فسْخ الأجرة، وله الإمضاء مجانًا على المذهب، وبالأرْش على القول الراجح، وهو قياس ما قالوه في عيب النبيذ، فإنهم قالوا في عيب النبيذ: له الفسخ أو الأرْش، الإمساك مع الأرْش، وهنا قالوا: له الفسخ أو الإمساك مجانًا ولا فرق؛ لأن الإجارة بيع منافع، والبيع بيع أعيان، أو بيع منفعة؟
ومن العجب أن شيخ الإسلام ﵀ في مسألة البيع يقول: له الإمساك بدون أرش، أو الفسخ فقط، فوافقوا هم شيخ الإسلام في باب الإجارة، وأما في البيع فخالفوه.
ذكرنا أن له الفسخ، وهل يلزمه أُجْرة ما مضى؟
[ ١ / ٥١١٠ ]
المذهب: نعم، يلزمه أُجْرة ما مضى بدون تفصيل، والصحيح التفصيل، وهو إن كان مُدلِّسًا فلا شيء له، وإن كان غير مُدلِّس فله الأجرة؛ لأن المستأجر استوفى المنفعة، إن حدث بها عيب فالحكم كذلك في أنه يجوز له الإمضاء، ويجوز له الفسخ، لكن هل عليه أجرة ما مضى؟
الجواب: نعم، عليه الأجرة، يحتاج أن يكون بشرط ألا يكون مدلسًا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأنه أعطاها له على حالها.
الشيخ: لأنه أعطاها إياه سليمة، ما فيه تدليس.
قال المؤلف: (ولا يضمن أجير خاص ما جنت يده خطأ) ثم قال: (ويضمن المشترك ما تلف بفعله).
الفرق بين الأجير الخاص والأجير المشترك أن الأجير الخاص منفعته مُقدَّرة بالزمن، والأجير المشتَرك منفعته مُقدَّرة بالعمل، هذا الفرق بينهما.
فرق آخر: الأجير الخاص يكون مملوكًا للمستأجر مدة الأجرة؛ يعني منفعته، والمشترك لا يكون مملوكًا، فالخياط مثلًا من باب الأجير المشترك، لماذا؟ لأن منفعته غير مُقدَّرة بالزمن، بل بالعمل، ولأن المستأجِر لم يختصه لنفسه، وإنما أعطاه ثوبًا يخيطه سواء خاطه اليوم أو بكرة أو غدًا، ما دام في المدة المحددة.
الأجير الخاص: هذا وهو الذي قُدِّرت منفعته بالزمن، يقول المؤلف: (لا يضمن أجير خاص ما جنت يدُهُ خطأ) لماذا؟ لأنه نائب عن المالك في التصرف بماله، فإذا أخطأ، فإنه لا ضمان عليه.
مثاله: استأجرته أجرة خاصة ليقوم بحرث هذه الأرض، فأخطأ في حرثها، وتجاوز إلى أرض أخرى بجانبها، فهل يضمن حرثه في الأرض الأخرى التي () في الحرث؟
الجواب: لا، لماذا؟ لأنه لم يتعدَّ ولم يُفرِّط، فلا يضمن.
كذلك أيضًا لو أنني استأجرت هذا الرجل، أو آجرته البعير، فحصل منه جناية على هذا البعير خطأ، فإنه لا ضمان عليه؛ لأنه لم يتعدَّ ولم يُفرِّط.
[ ١ / ٥١١١ ]
وكذلك مما يشوب هذا، لو أن الإنسان المستأجر للبيت أخطأ بدون قصد، فحصل فيه تلف باب، أو تلف رف، أو ما أشبه ذلك، فلا ضمان عليه؛ لأنه غير مُفرِّط ولا مُتعدٍّ.
يقول المؤلف ﵀: (ولا يضمن حجام، وطبيب، وبيطار لم تجن أيديهم إن عُرف حذقهم).
أيضًا الحجام والطبيب والبيطار؛ الحجام: هو الذي يحجم، والطبيب: هو الذي يُداوي، والبيطار: هو الذي يداوي، لكنه خاص بالبهائم بالحيوانات، هذا لا يضمن ما جنت يده خطأ، لكن بشرط يقول: (لم تجنِ أيديهم إن عرف حذقهم) فاشترط المؤلف ﵀ شرطين:
الشرط الأول: ألا تجني أيديهم.
والشرط الثاني: أن يُعرف حذقهم؛ أي تُجرَّب إصابتهم ومعرفتهم، مثال ذلك: حجَّام حجم شخصًا على الوجه المعتاد، ولم يأخذ أكثر من الدم الذي ينبغي أخذه، ولكن هذا المحجوم ضعُف وتزايد به المرض حتى مات ().
مثل أن يُقال: هذا الرجل يكفي لحجامته أن يؤخذ منه ثلاث قارورات، فأخذ هو أربعًا خطأ، افرض أنه نسي العدد، فأخذ أربعًا، فعليه الضمان، لماذا؟ لأن يدَهُ جَنَتْ بالزيادة على المطلوب.
لو أخذ ثلاثًا، وكان هذا هو المعتاد، ولكن المريض لم ترجع إليه قوته، وبقي ضعيفًا ضعيفًا ضعيفًا حتى مات، فهنا ليس عليه شيء؛ لأن يده لم تجن.
طبيب، ولنجعله صرف دواء معتادًا كحبتين لهذا المريض، ثم إن المريض تناول الحبتين على الوجه المعتاد، ولكن المرض استمر به ومات، فليس عليه ضمان، أما لو أخطأ فصرف له حبوبًا غير الحبوب المطلوبة، أو صرف له حبوبًا أكثر من المطلوب، فعليه الضمان، وإن كان خطأ؛ لأن الإتلاف في حق الآدمي يستوي فيه العامد والمخطئ، وهذا الرجل أخطأ، أراد أن يكتب مثلًا حبوبًا من نوع معين، فكتبها من نوع آخر، فتناولها المريض فمات، أراد أن يكتُب حبتين لكل يوم، فكتب ثلاث حبات، فتناولها المريض، فمات فعليه الضمان.
[ ١ / ٥١١٢ ]
وكذلك أيضًا في الختَّان: ختن صبيًّا خِتانًا معتادًا، ثم تعفن الجرح، وفسد اللحم، وتآكل حتى مات الطفل المختون، فعليه الضمان ولَّا لا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: ليس عليه ضمان؛ لأنه لم تجنِ يده، وإنما ختن في الموضع المعتاد. فإن جنت يده بأن تجاوز فقطع أكثر مما يكفي، أو قطع رأس الحشفة، فتعفَّن الجرح، ومات فعليه الضمان؛ لأن يده جنت، ولكن الضمان هنا بالدية، وليس بالقصاص؛ لأن هذا ليس عمدًا.
وقول المؤلف: (إن عرف حذقهم)، فإن لم يُعرف حذقهم بأن كانوا أُناسًا يتخرصون، ويتعلمون فعليهم الضمان مطلقًا، وجه ذلك أن هؤلاء معتدون في كونهم يباشرون هذه الأعمال بدون حذق.
فإذا قال قائل: إذن متى يتعلمون، إذا كان لا بد أن يكونوا حاذقين، فمتى يتعلمون؟ لا بد للإنسان اللي يبغي يتعلم يجري تجارب على بني آدم، ويش الجواب؟
نقول: نعم، هو إذا أجرى تجارب فهو على خطر، إن سلِم المريض، نعم، سلِم، وإن لم يسلم.
فإن قال: لو أنه أخبر المريض، قال: أنا والله ما عندي عِلْم، ولكن بجرب، وأنا وإياك تحت الله، عليه الضمان ولَّا لا؟
طلبة: لا.
طلبة آخرون: إي، عليه.
الشيخ: هذه قد نقول: ليس عليه شيء؛ لأن المريض رضي بما عنده من العلم، وليس هذا خطأ محققًا لاحتمال أن ينجح، وقد نقول: عليه الضمان؛ لأنه لو أذِن لك رجل أن تقطع يده فقطعتها؛ وجب عليك الضمان؛ يعني رجل قال لك: تعالَ، خذِ اقطع إصبعي، كيف أقطع إصبعك؟ ! قال: نعم، أقطع، ما أبغي إلا أربعة، يكفيني، فقطعه هل عليه الضمان ولَّا لا؟
طالب: عليه.
الشيخ: عليه الضمان؛ لأنه آثِم في الاعتداء عليه حتى لو أذن له؛ ولهذا قال العلماء: إنه لا يجوز لأحد أن يأذن لغيره في قطع عضو منه، ولا أن يوصي به بعد وفاته أيضًا.
إذا قال قائل: هذا المريض مُشفِق على الشِّفا، وقال بالخاطر، فجاءه رجل وقال: ما أعرف، ولا جرَّبت، ولا أعلم عن شيء، فهل يجوز أن يُمكِّنه من مداواته؟
[ ١ / ٥١١٣ ]
الجواب: لا يجوز أن يمكنه من مداواته؛ لأن نفس المريض لا يجوز له أن يأذن لشخص غير حاذق بمداواته؛ لأنه قد ألقى بنفسه إلى التهلكة، لكن لو فُرض أنه فعل، فهل يجوز لهذا الطبيب الذي ليس بحاذق أن يباشر العمل، وهو يعلم أنه تحت الخطر؟
الجواب: لا يجوز بلا شك، لكن لو أقدم وفعل، وهلك المريض، فهل يضمن؟
نقول: يحتمل أن يضمن؛ لأن فعله فعل مُحرَّم، ويحتمل ألا يضمن؛ لأنه فعل ذلك برضا المريض، والمسألة فيها احتمال للنجاح بخلاف الشيء المحقَّق ().
***
طالب: صلاة وسلامًا على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: ولا راعٍ لم ().
الشيخ: حكم ما إذا وجد المستأجر العين معيبة، ونأتي بأسئلة على هذا الحكم.
استأجر رجل من شخص سيارة، ووجد العين معيبة، إذا وجد العين معِيبة، فله الخيار بين الفسْخ والإمضاء مجانًا على المذهب.
والقول الثاني: والإمضاء بالأرْش.
والقول الثالث: التفريق بين المدلِّس وغيره، فالمدلس يُؤخذ منه الأرش، وغير المدلس لا يُؤخذ منه.
ما هو الأرْش؟ الأرش: فرْق ما بين الأجرتين، أجرتها سليمة، وأجرتها معيبة، فإذا قُدِّر أن هذه السيارة إذا كانت سليمة تؤجر بألفي ريال، وإذا كانت غير سليمة تؤجر بألف وخمس مئة، كم ينقص من الأجرة؟
طالب: ().
الشيخ: لا، لا تقل خمس مئة.
الطالب: الربع.
الشيخ: نقول: الربع؛ لأنه جائز أن يكون استأجرها بألف، فينقص.
طالب: ().
الشيخ: لا، هي تُؤجَّر سليمة بألفين، ومعيبة بألف وخمس مئة، كم النقص الربع؟
الطلبة: الربع.
الشيخ: الربع، ما نقول: خمس مئة؛ لأنه لو كان قد استأجرها بألف، يمكن تؤجر بألفين، ويستأجرها بألف، إما محاباة، وإما أن تكون الأجرة ارتفعت بعد، فإذا كان قد استأجرها بألف، كم يكون الأرْش؟
الطلبة: مئتين وخمسين.
[ ١ / ٥١١٤ ]
الشيخ: مئتين وخمسين، ما هي خمس مئة، لو جعلتها خمس مئة لكانت النصف، لكن نقول: مئتان وخمسون؛ لأنه الربع، وهذه المسألة قد نبهناكم عليها سابقًا، وقلنا: إن الأرش يُنسب بماذا؟ بالقسط ما هو بالعدد؛ لأن القيمة قد تكون أكثر من الثمن أو أقل.
افرض أن هذا الرجل استأجرها بأربعة آلاف، وعند وجود العيب قدرناها، تؤجر بألفين إن كانت سليمة، وبألف وخمس مئة إن كانت معيبة، كم يكون الأرش؟ لأنه استأجرها بأربعة آلاف، كم يكون الأرش؟
الطلبة: الربع.
الشيخ: نعم، الربع. كم هو بالنسبة لأربعة آلاف؟ ألف يكون ألفًا، بينما عند الأجرة المعتادة يكون كم؟ خمس مئة، واضح؟ هذا خلاصة العين إذا كانت معيبة.
إذا حدث بها العيب فإنه لا يلزم المؤجر إصلاحها، ويخيَّر المستأجر بين الإمضاء مجانًا وبين الفسخ إلا إذا كان هناك تدليس، إذا كان هناك تدليس فإن له أن يمضي مع الأرش. وسبق لنا أيضًا أن الأجراء قسمان: خاص ومشترك. نعم، ما هو الخاص؟ ().
الخاص إذا أخطأ، هل يضمن أو لا؟ يقول المؤلف: (لا يضمن الأجير الخاص ما جنت يده خطأ) لا يضمن، فهذا الخادم الذي عندي، افرض أنه أخطأ في الطبخ، وجعل بدل الملح؟
طلبة: سكر.
الشيخ: لا، السكر، يمكن يكون زيتًا.
طالب: تايت.
الشيخ: تايت إي نعم، جعل بدل الملح تايت، هل يُؤكل الطعام ولَّا لا؟ هل يُضمَّن ولَّا ما يضمن؟ لا يُضمن، لماذا؟ لأنه نائب عن المالك، أخطأ، فكأنه المالِك، لا يَضْمن، واضح؟
في الحرْث كان يسقي الزرع، فأخطأ، وسقى مرتين هذا الحوض مِن الزرع، سقاه مرتين في اليوم، وهو لا يتحمَّل السقي مرتين فتلف الزرع، يضمن ولَّا لا؟
الطلبة: لا يضمن.
الشيخ: لا يضمن. يقول المؤلف أيضًا: الحجام، والطبيب، والبيطار، هل هم أجراء خاصين أو عامين؟
الطلبة: عامين.
[ ١ / ٥١١٥ ]
الشيخ: هم من الأجراء العامين؛ عامي من وجه، وخاصي من وجه آخر، إن أتيتَ بهم إلى البيت فإنهم يُشبهون الخاصين، ولكن مع ذلك هم مُشترَكون، هؤلاء لا يضمنون بشرط أيش؟ أن يُعرف حذقهم، وألا تجني أيدهم، وأن يكونَ عملهم بإذن مكلَّف يعني بالِغ عاقِل، فلو أن الصبي ذهب إلى الختَّان وقال: اختني، وتُوفِّي، ختنه ختانًا عاديًّا، ولكن تعفن الجرح ومات يضمن ولَّا لا؟ يضمن، إذن الشروط كم؟ ثلاثة، المؤلف ما ذكر إلا شرطين، لكن نكمل بالثالث، نقول: الشروط ثلاثة؛ أن يكون عمله بإذن مكلف، أو ولي غير مكلف.
والثاني: ألا تجني أيديهم.
والثالث: أن يُعرف حذقهم.
قال المؤلف ﵀ قال: (ولا راعٍ لم يتعدَّ) يعني ولا يضمن راعٍ لم يتعد، الراعي من الأجراء المشتركين ولَّا من الخاصين؟
طالب: خاصين.
الشيخ: قد يكون خاصًّا، وقد يكون مشتركًا إن كان مقدر نفعه بالزمن بأن كان عندك يشتغل لك لمدة شهر يرعى غنمك فهو خاص، وإن كان يرعى لنفسه، ويأخذ غنمي وغنم زيد وعمرو إلى آخره فهو مشترك.
الراعي لا يضمن إذا لم يتعدَّ يعني، أو يُفرِّط، فلا يضمن الراعي إذا لم يتعدَّ، أو يفرط؛ لأنه مُؤتمن على أموال الناس، على إبلهم، على غنمهم، على بقرهم، ونحو ذلك، فإن تعدَّى أو فرط ضمِن، مثال التفريط: أن يترك ما يجب، التفريط هو أن يترك ما يجب، والتعدي أن يفعل ما لا يجوز، فإذا عبَر بالغنم في أرض مسبغة، وأُكلت، يضمن ولَّا لا؟
الطلبة: يضمن.
الشيخ: يضمن؛ لأنه؟
الطلبة: مُفرِّط.
الشيخ: لا.
الطلبة: متعدٍّ.
الشيخ: لأنه مُتعدٍّ، فعل ما لا يجوز، وإن أرسلها ترعى، وجعل يلعب كرة مع راعٍ آخر، وتركوا الغنم، ثم نُهِبت أو أُكِلت، فهو ضامن لماذا؟
الطلبة: مُفرِّط.
الشيخ: لأنه مُفرِّط. وكذلك لو خرج بها المرعى ومعه فراش ونام إلى العصر، وفي أثناء النهار أُخذت الغنم، أو أكلتها الذئاب، فإنه يضمن لأنه مُفرِّط.
[ ١ / ٥١١٦ ]
والخلاصة أن الرعاة ينقسمون إلى قسمين: خاص ومشترك، وكل منهم سواء كان خاصًّا أو مشتركًا، لا يضمن إلا إذا تعدى أو فرَّط.
هل من التعدي أن يأخذ ماشية شخص بلا إذنه؟ لو دخل على غنم هذا الرجل في حظيرتها، وأخذها يرعاها بدون إذن صاحب الغنم، فهو متعدٍّ، ليس له أن يتصرف في ملك غيره، اللهم إلا إذا كان يعلم من صاحب هذه الغنم أنه يرضى بذلك، ويحب ذلك فهو كما لو أذن له.
ثم قال المؤلف: (ويضمن المشترك ما تلف بفعله) المشترك مَنْ؟ الذي قُدِّر نفعه بالعمل، وسُمِّي مشتركًا؛ لأنه يتقبَّل العمل من كل أحد لا يختص نفعه بشخص معين، مثل مَن؟ مثل: الغسَّالين، والخيَّاطين، والحطَّابين، وغيرهم، كل هؤلاء مشترك.
يقول: (ما تلف بفعله)، ولو خطأ، والخاص سبق أنه لا يضمن إذا كان خطأ غير متعمد، المشترك: يضمن ما تلف بفعله ولو خطأ، لماذا؟ قالوا: لأن ذلك ورد عن بعض الصحابة ﵃ أنهم ضمَّنوه مطلقًا.
ثانيًا: لأن العمل مضمون عليه؛ لأنه قُدِّر نفعه بماذا؟ بالعمل، فالعمل مضمون عليه، فإذا أخطأ لم يُؤدِّ العمل الذي هو مضمون عليه، فلزمه الضمان.
مثال ذلك: جئت إلى هذا الخياط، قلت: خُذ هذه الخِرقة، فصِّلها لي ثوبًا، فصَّلها سراويل لا ثوبًا، يضمن ولَّا ما يضمن؟ يضمن حتى لو قال: إنني أخطأت، أو نسيت، أو ما أشبه ذلك، للآثار الواردة في هذا عن الصحابة؛ ولأن العمل مضمون عليه، ولم يُسلمه، فلزمه ضمانه.
وقال بعض أهل العلم: إنه لا يضمن ما تلف بفعله خطأ؛ لأنه مؤتمن، فلا فرق بينه وبين الأجير الخاص، فكما أن الأجير الخاص لا يضمن ما تلف بفعله خطأ، فكذلك هذا، إذ لا فرق، كل منهما مؤتَمن، لكن العمل على ما مشى عليه المؤلف أنهم يضمنون ولو أخطؤوا.
[ ١ / ٥١١٧ ]
ومن ذلك: إذا سلَّم الثوب مثلًا إلى غير صاحبه خطأ، أعطيت الغسَّال ثوبي فغسله، ثم سلَّمه رجلًا آخر خطأ، إما أنه يظن أن الرجل أنا، أو يظن أن ثوبي هو ثوب الرجل، ففي كلا الحالين يكون ضامنًا؛ لأن هذا بفعله ولا بغير فعله؟
الطلبة: بفعله.
الشيخ: بفعله، أما ما تلف بغير فعله، فقال المؤلف: (ولا يضمن ما تلف من حرزه أو بغير فعله) ما تلف من حرزه، لا يضمنه مثل أن يكون هذا الخياط قد أغلق الدكان، وقفله، فجاء سارق في الليل، فكسر القفل، وأخذ الثياب التي في الدكان، فهنا لا يضمن؛ لأن التلف بغير فِعْله وهو لم يتعدَّ، ولم يُفرِّط.
فإن أعطيته ثوبي يبيعه هو دلَّال عام مشترك، ثم علَّق الثوب على ظاهِر الدكان، فاختُطف، هل يضمن أو لا يضمن؟
الطلبة: لا يضمن.
الشيخ: إن أطلقتم، نقول: إن كان في الليل يضمن؟
طلبة: يضمن.
طلبة آخرون: لا يضمن.
الشيخ: في الليل؟ ! يضمن؛ لأن هذا تفريط يبقي الثياب مُعلَّقة في ظاهر الدكان في الليل، هذا تفريط، اللهم إلا أن تكون هناك قوة قوية في السلطان، فربما يقال: إن هذا حِرْز، ولهذا المؤلف يقول: (لا يضمن ما تلف من حرزه).
فربما يُقال: إذا كان السلطان قويًّا جدًّا بحيث يهابه الناس من أن يتحركوا أي حركة في السرقات وشبهها، فهنا قد يكون تعليقه حرزًا، ونحن نشاهد في مكة وفي غيرها من البلاد، نجد أصحاب الدكاكين الصغار هذه، يضعون قماشًا على البسطات، حتى في الليل، ويدَعونها، فهل نقول: إن هؤلاء مفرطون، أو نقول: غير مفرطين؟ هذا يرجع إلى قوة السلطان، إذا كان الأمن قويًّا فهم غير مفرطين، وإن كان الأمن ضعيفًا فهم مفرطون، مخاطرون، هم على خطر.
على كل حال: (ما تلف من حرزه) فلا ضمان.
وكذلك ما تلف بغير فعله، مثل: لو احترق الدكان، دكان الخياط احترق، فإنه لا ضمان عليه؛ لأن هذا أيش؟
طالب: بغير فعله.
[ ١ / ٥١١٨ ]
الشيخ: بغير فِعْله، فصار الفرْق بين الخاص والمشترَك أن ما تلف بفعل الخاص خطأً لا يضمن، وما تلف بفعل المشترك خطأ يُضمَن، ما تلف من حرزه في الخاص والمشترك لا يضمن، ما تلف بغير فعله لا يضمن أيضًا.
إذن يشتركان في هاتين المسألتين، ويختلفان فيما إذا كان التلف بفعل الأجير.
يختلفان أيضًا في قوله: (ولا أُجرة له)، يعني ما تلف بفعله فإنه يضمنه، ولا أجرة له، إذا كان تلف بفعله يضمن ولا أجرة له، إذا تلف بغير فعله، أو من حرزه، فلا يضمنه، ولا أجرةَ له؛ يعني لا أُجرة له في المسألتين.
الأجرة في المشترك إذا تلف المستأجَر عليه، لا يستحقها المؤجَر أو الأجير، أما الضمان فعرفتم أن في ذلك تفصيلًا إن تلِف بفعله فهو ضامِن، وبغير فعله أو من حرزه فليس بضامِن، المهم أنه لا أُجرة له مطلقًا.
مثال ذلك: رجل خاط لي الثوب خاطه، وأتمه، جئت إليه بعد العصر، فقلت له: أنت خيطتَ الثوب؟ قال: نعم، خيطته. هات الثوب، ما بقي إلا تركيب الأزرار، ولكن الآن كما ترى غابت الشمس، وغلَّق السوق، وإن شاء الله في الصباح تأتيني مبادرًا.
أقفل الباب، وأحرز ما فيه، ولكن جاء السارق، فكسر الباب وسرق الثوب، ماذا نقول؟ ليس عليه ضمان، وليس له أجرة مع أني أنا شاهدته، كمَّل الثوب، ما بقي إلا تركيب الأزرار، نقول: لا أُجرة له، لماذا؟ قالوا: لأنه لم يُسلِّم العمل الذي استؤجِر عليه، ما أعطاني ثوبي الآن، كيف أعطيه أجرة وأنا خسرت الثوب؟ !
وهذا ما ذهب إليه المؤلف ﵀، وهو المذهب، والقول الثاني: أن له الأجرة مطلقًا؛ وذلك لأن الرجل فعل ما عليه، وإذا فعل ما عليه فإنه يستحق العمل، وما دام الرجل لا يضمن في هذه الحالة لك الثوب؛ فإنه لا يضمن لك العمل في الثوب؛ لأننا إذا قلنا: ليس له أجرة، فمعناه أننا ضمناه العمل في الثوب، وراح عليه الخسارة.
[ ١ / ٥١١٩ ]
فالصحيح أن له الأجرة في هذه الحال؛ لأنه غير متعدٍ ولا مفرط، وقد قام بالعمل الذي عليه، لكن يستثنى منها الأجرة، يسقط منها؟
الطلبة: تركيب الأزرار.
الشيخ: تركيب الأزرار في المثال الذي قلنا. قال: يُخاط الثوب مثلًا بعشرة، ويركِّب أزراره بنصف ريال، كم؟
الطلبة: تسعة ونصف.
الشيخ: تسعة ونصف، يستحق تسعة ونصف، إي نعم.
طالب: شيخ ().
الشيخ: تقدم لنا أنا الأُجراء ينقسمون إلى قسمين: خاص ومشترك، وأن الخاص: من قُدِّر نفعه بالزمن، والعام أو المشترك من قُدِّر نفعه بالعمل، وأنه سُمِّي خاصًّا لاختصاص المستأجِر به؛ لأنه لا يشركه فيه أحد، ومثَّلنا لذلك بالخادم يكون أيش؟ في البيت، والسائق يكون في السيارة، استأجرته يسوق السيارة، نقول: هذا حكمه -هذا الخاص- حكمه؟ أنه لا يضمن إلا إن تعدى أو فرط، فالسائق مثلًا لو حصل خلل في السيارة من فِعله، لكن بدون تعدٍّ ولا تفريط فليس عليه ضمان؛ لأنه قائم مقام المالِك، ومؤتَمَن على عمله.
أما المشترك فهو من قُدِّر نفعه بالعمل، وسُمِّي مشتركًا لاشتراك الناس في نفعه كالخياط، ولهذا يأتي زيد إلى الخياط يستأجره ليخيط ثوبه، وفي نفس الوقت يأتي عمرو إلى الخياط يستأجره ليخيط ثوبه، ويأتي ثالث ورابع، وهكذا في آنٍ واحد، إذن فهو مشترَك.
وسبق أن المشترك يضمن ما تلف بفعله ولو خطأ، لكن لا يضمن ما تلف من حرزه، أو بغير فعله.
لو أن هذا المشترَك حمل لك متاعك إلى البيت، وزلق وتكسَّر المتاع، المتاع كان زجاجات فيها شراب طاح، ولَّا بيض، خلُّوها بيض أحسن، حمل لك ثلاثة أطباق بيض إلى البيت، ثم زلق وطاح وتكسر البيض يضمن ولَّا لا؟
الطلبة: لا يضمن.
الشيخ: لا، يضمن؛ لأن هذا بفعله لولا أنه زلق، ما ينكسر البيض، ولكن سبق لنا أن الصواب فيه أنه لا يضمن كالأجير الخاص؛ لأنه وإن كان مشتركًا لكنه مؤتمَن، والأمين إذا لم يتعدَّ أو يفرط فلا ضمان عليه، هذا القول هو الصحيح.
[ ١ / ٥١٢٠ ]
وفيه قول وسط، يقول: ما تلف بفعله الذي يفعله هو بنفسه هو اختيار فهو ضامِن، وأما ما كان بغير إرادة كالزلق وشبهه فليس بضامن، لكن الصحيح أنه لا ضمان مطلقًا إذا لم يتعدَّ أو يفرط.
بقي علينا الأُجرة، يفترق الخاص والمشترك في أن الخاص تجب له الأجرة بكل حال، والمشترَك إذا تلف الشيء ولو بغير فعله فليس له أجرة.
وسبق لنا أن الصحيح أن له الأجرة؛ لأنه أدى ما استؤجر عليه، والتلف ليس منه، فله الأجرة.
أما لو كان التلف بفعله فإنه يضمنه مصنوعًا أو مغسولًا أو مخيطًا، وإذا ضمنه هكذا فاتت عليه الأجرة ولَّا لا؟ المشترك خاط لي الثوب، وسُرق الثوب من الحرز، سؤال: هل يضمن الثوب؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا يضمنه، هل له الأُجرة؟ المذهب: لا أجرة له، والصحيح أن له الأجرة.
تعمد إتلاف الثوب يضمن ولَّا ما يضمن؟
الطلبة: يضمن.
الشيخ: يضمن، هل يضمنه مخيطًا أو لا؟
طالب: نعم، مخيطًا.
الشيخ: إذا ضمنه مخيطًا، فالحقيقة أنه لا أجرة له، الواقع أنه إذا ضمنه مخيطًا فلا أُجرة له؛ لأنه قدر الثوب غير مخيط بعشرة ومخيطًا باثني عشر، إذن أُضيفت الأجرة إلى هذا الرجل، فإذا ضمَّناه قيمة الخياطة، فمعناه أنه لا أجرة له، ربما يكون هناك فرق بما إذا خاطه بأجرة قليلة مراعاة لي، فهنا نُضمِّنه إياه بأكثر من أجرته، مثل: خاطه لي بريال، وقدرنا قيمته مخيطًا باثني عشر، وهو أصله بعشرة كم ضمناه الآن؟
طالب: ضمناه العشرة.
الشيخ: لا، ضمناه ريالين مع أنه إنما خاطه بريال واحد، فضمناه أكثر من أجرته؛ لأننا نضمنه الثوب مخيطًا، فصار الفرق بينهما -أي الخاص والمشترك-: أولًا: من حيث التعريف، وثانيًا: من حيث الضمان، وثالثًا: من حيث الأجرة، هل تُستحق أو لا؟
[ ١ / ٥١٢١ ]
ثم قال المؤلف ﵀: (وتجب الأجرة بالعقد إن لم تؤجل) يقول: (تجب الأجرة بالعقد) أي: بمجرد العقد تجب الأجرة لمن؟ للأجير، إلا إذا أُجِّلت، فلا تجب حتى يحل الأجل، وذلك؛ لأنه كما أن المستأجر ملك المنفعة بالعقد، فالمؤجر يملك عِوَضها بماذا؟ بالعقد.
يتفرع على ذلك لو استأجرتك لعمل، بهذه الشاة، فالشاة تكون ملكًا لمن؟ تكون ملكًا للمستأجر من حين العقد، لبنها لمن؟ للمستأجر، لبنها للمستأجر؛ لأنه ملكها من حين العقد؛ حيث إنها معينة، فيكون دَرُّها له، وصوفها له -أي للمستأجر- وولدها الذي نشأ بعد عقد الأجرة لمن؟ للمستأجر؛ لأن الأجرة تجب بمجرد العقد. وعرفتم التعليل؛ نقول: كما أن المستأجر ملك منافع المستأجَر بالعقد، فكذلك عِوض هذه المنافع -وهو الأجرة- يُملَك بالعقد.
وقوله: (إن لم تؤجل) يعني فإن أُجِّلت فإنه لا يملكها ملكًا تامًّا حتى يحضر الأجل، إذا تم الأجل ملكها؛ لأنها مؤجَّلة.
قال: (وتُستحق بتسليم العمل الذي في الذمة) تُستحق الأجرة إذا كانت غير معينة، أو معينة بتسليم العمل الذي في الذمة، ولا يجب تسليمها قبله.
مثال ذلك: استأجرت هذا الرجل على أن يخدمني لمدة سنة بهذه الشاة، الشاة تكون لمن؟
طلبة: للخادم.
الشيخ: لهذا الخادم المستأجَر، تكون لهذا الخادم بمجرد العقد، لكن هل يطالبني بتسليمها له؟
الجواب: لا يطالبني بذلك؛ لأنه من الجائز ألا يتمم العقد الذي بيني وبينه، فلا يملك المطالبة حتى يُسلِّم العمل الذي في الذمة، يعني حتى تنتهي المدة إذا كان في المدة.
إذا كانت على عمل بأن استأجرته ليبني هذا البيت في هذا القطيع من الغنم، الإجارة صحيحة ولَّا غير صحيحة؟ صحيحة، ملك القطيع لمن؟
طالب: للمستأجر.
الشيخ: لا، للأجير ولَّا نقول للباني؟ للباني اللي بيبني البيت، لكن هل يطالبني بتسليم القطيع له قبل أن ينتهي البيت؟
[ ١ / ٥١٢٢ ]
الجواب: لا يستحق ذلك حتى ينتهي بناء البيت. يبقى هذا القطيع أمانة عندي حتى يتم بناء البيت، ثم أسلمه له.
قال المؤلف: (ومن تسلم عينًا بإجارة فاسدة، وفرغت المدة لزمه أجرة المثل) فإن لم تبتدئ المدة لم يلزمه شيء ولزمه ردها إلى صاحبها، فإن مضى شيء من المدة لزم ردها إلى صاحبها، وأجرة ما استعملها فيه بقسطها من أجرة المثل.
الأحوال ثلاثة: تسلم عينًا بإجارة فاسدة، لكن لم تبتدئ المدة، نقول: يردها إلى صاحبها مجانًا، انتهت المدة، يُسلِّم أجرة المثل كاملة، في أثناء المدة يُسلِّم القسط من أجرة المثل.
قوله: (بإجارة فاسد) بماذا تفسد الإجارة؟ نقول: تفسد الإجارة، إما بفوات الشرط، وإما بوجود مانع، فلنمثِّل لما فسدت بفوات شرط.
سبق لنا أنه من شروط الإجارة في العين المؤجرة أن تكون معلومة برؤية أو صفة، بما يمكن فيه الوصف، ومن شروطها أن تكون من مالِك، أو مَن يقوم مقامك.
فهذا رجل استأجر بيتًا من غير مالكه، ولا قائم مقام المالك، الإجارة؟
طالب: الإجارة فاسدة.
الشيخ: فاسدة، مضت المدة، يثبت لصاحب البيت أُجرة المثل سواء كانت مثل ما اتفق عليه، أو أقل أو أكثر، واضح؟ هذا رجل تسلَّط على بيت زيد، وصار يُؤجِّره، أجَّره شخصًا، الإجارة؟
طالب: فاسدة.
الشيخ: فاسدة، لماذا؟ لفوات الشرط؛ لأنها ليست من مالك، ولا من يقوم مقامك، فالإجارة إذن فاسدة.
مضت المدة، يلزم المستأجر أجرة المثل، هذا المستأجر قد استأجر البيت بعشرة آلاف ريال، وهو يساوي عشرين ألف ريال، كم يلزم المستأجر؟
الطلبة: عشرين.
الشيخ: يلزمه عشرون ألفًا. هو استأجره بعشرة، على مَنْ يرجع بالعشرة الزائدة؟ يرجع بها على الذي غرَّر، وهو الظالم المعتدي الذي آجر بيت غيره بغير رضا منه.
كان قد استأجره بعشرين ألفًا، وانتهت المدة، ولكنه قُدِّرت أجرته بعشرة آلاف، كم يلزمه؟
طلبة: عشرة آلاف.
[ ١ / ٥١٢٣ ]
الشيخ: يلزمه عشرة آلاف ريال فقط، والعشرة الثانية تسقط عنه، ولا يستحقها المؤجِر؛ لأن المؤجر ظالم، واضح؟
وجود مانع: عَقَدا الإجارة في المسجد، اتفق زيد وعمرو على استئجار البيت، والبيت ملك للمؤجِر، لكن كانت الإجارة في المسجد، الإجارة في المسجد لا تصح؛ لأنها حرام: «إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا: لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ؛ فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا» (٣)، فالإجارة إذن لا تصح، لماذا؟ لوجود مانع.
تمت المدة، فنقول: للمؤجر أُجرة المثل، البيت قد استؤجر بعشرين ألفًا، ولما تمت المدة صار لا يساوي إلا عشرة آلاف ريال، صارت الأجرة الحقيقية عشرة آلاف ريال، كم يجب على المستأجر؟ عشرة آلاف ريال، كذا؟
وهذا واضح فيما إذا كان جاهلًا، إذا كان المستأجر والأجير جاهلين بذلك، فإن كانا عالِمَين فينبغي أن نُعاملهما بما يقتضيه العقْد، والزائد نجعله في بيت المال، لئلا يحصل التلاعب، ليش؟ لأنه ربما يأتي واحد لشخص من الناس غريب، يقول له: أجِّرني بيتك بعشرة آلاف ريال، والأُجرة عشرة آلاف ريال، قال: والله أنا بيتي غالٍ عندي ولن أؤجره بعشرة آلاف، قال: خلِّ واحد يعرضه للناس، قال: أنا أعرف أنه لو عُرض للناس لا يزيد على عشرة آلاف ريال، ولكني ما أنا مؤجره، قال الرجل: تفضل نروح نصلي، ذهبا يصليان وفي المسجد قال له: ما دام البيت غاليًا عندك آخذه منك بعشرين ألف ريال، صاحب البيت وافق، لماذا؟ لزيادة الأجرة بدل العشرة بيعطي عشرين، وافق على هذا، وتم العقد في المسجد.
لَمَّا انتهت المدة قال المستأجر: والله يا أخي، نحن قوم نخاف الله ﷿، ولا نحب أننا نمضي إجارة فاسدة، وقد وقع عقد الإجارة بيني وبينك في المسجد؛ فالإجارة إذن فاسدة، والواجب عليَّ وعليك أن نرجع إلى أُجرة الْمِثل، نذهب إلى مكتب عقاري، ونقول: ويش يسوَى هذا البيت؟ قال: يسوى عشرة آلاف ريال.
[ ١ / ٥١٢٤ ]
على كلام المؤلف لا يلزم المستأجر إلا عشرة آلاف ريال؛ لأن المؤلف أطلق ولا فصَّل، لكن الذي نرى أنه لا يلزمه إلا عشرة آلاف ريال لصاحب البيت، لا شك، أما العشرة الثانية فنلزمه بها، ونجعلها في بيت المال إن كان صاحب البيت عالمًا، وإن كان جاهلًا غريرًا، فإننا نعطيه كل الأجرة؛ لأنه لم يرضَ بتأجير بيته إلا بعشرين ألفًا وهو غير آثِم، ولا معتدٍ؛ لأنه جاهل، فحينئذٍ نقول: إذا كان عالمًا أخذنا العشرة الزائدة هذه الزائدة عن أجرة المثل، وجعلناها في بيت المال، وإن كان جاهلًا فله جميع الأجرة؛ لأنه معذُور غير آثِم، ولم يُسلِّم بيته إلا على هذا الشرط.
لو قال قائل: إذا تسلَّم عينًا بإجارة فاسدة، فلماذا لا نلغي العقد والأجرة؟ نقول: ما له لا أجرة المثل ولا الأجرة المتفق عليها؟
نقول: هذا لا يمكن؛ لأنه ظلم. كيف كان ظلمًا؛ لأن المالك فُوِّتت عليه منفعة ملكه مدة الإجارة، فلو قلنا: لا أُجرة لك، فإننا نظلمه بذلك، والمستأجِر قد استوفى المنفعة، فلو قلنا: لا أُجرة عليك، لكنا أبحنا له أن يأكل أموال الناس بالباطل.
وحينئذٍ نقول: يلزم أجرة الْمِثل، هذا إذا تمت المدة، فإن كانت المدة لم تبتدئ فلا عمل على هذا العقد، ويرجع كل على ملكه.
مثاله: آجَرَ بيتَه سنة عشر في سنة تسع إجارة فاسدة، واطُّلِع على فساد الأجرة قبل أن تدخل سنة عشر، ماذا نقول؟
طلبة: يلغى العقد.
الشيخ: يُلغى العقد، ولا يكون شيء؛ لأن المستأجر ما استوفى شيئًا من المنافع، والمؤجر ما استوفى شيئًا من الأجرة، فنقول: يلغى العقد، ولا شيء لأحد على أحد.
[ ١ / ٥١٢٥ ]
في أثناء المدة آجَرَهُ البيت سنة تسع إجارة فاسدة، ولم يعلموا إلا بعد مُضِيِّ ستة أشهر من الأجرة؟ نقول له: قسط ذلك نصف الأجرة، هذا إذا كان البيت لا تختلف فيه الإجارة بين أول السنة وآخرها، أما إذا كانت تختلف، فربما لا يستحق في أولها إلا الثلث له ستة أشهر، أو يستحق الثلثين، ولو كان باقي ستة أشهر، واضح الكلام هذا ولَّا لا؟
طالب: واضح.
الشيخ: واضح؛ يعني قد يكون هذا الدكان له موسم في أول السنة؛ ربما تكون ثلاثة أشهر تقابل تسعة أشهر، وإذا كان الموسم في آخر السنة، فإنه قد يمضي ستة أشهر لا يساوي نصف الأجرة ().
***