مَن مَلَكَ أَمَةً يُوطَأُ مِثْلُها مِن صغيرٍ وذَكَرٍ وضِدِّهما حَرُمَ عليه وَطْؤُها ومُقَدِّمَاتُه قبلَ استبرائِها، واستبراءُ الحاملِ بوَضْعِها، ومَن تَحيضُ بحَيْضَةٍ.
والآيِسَةِ والصغيرةِ بِمُضِيِّ شهرٍ.
لأن هذا إعادة لنكاح سابق حصل به الدخول، هذه العلة.
[ ١ / ٧٠٠٠ ]
طيب، الآن بهذا .. ماذا تصورتم الآن؟ هل العدة بمجرد العلم ببراءة الرحم؟ لا، هذه من جملة الحكم، لكن أعظم شيء أن فيها حقًّا للزوج، وإن هذا اللفظ لعله يُراجع، ولهذا لما كان النبي ﵊ له على أمته من الحقوق ما هو أعظم حقوق لبشر حرُم على الأمة أن تتزوج نساؤه من بعده، صارت العدة كم؟ عدة زوجات الرسول ﷺ؟ إلى الأبد: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٥٣]، فإذن ليست العلة هي العلم ببراءة الرحم.
فإن قلت: إذا جعلت العلة حق الزوج، فلماذا لا يكون على المطلقة قبل الدخول عدة؟ وهل لها عدة؟
طلبة: لا.
الشيخ: المطلقة قبل الدخول؟
طالب: لا.
الشيخ: طيب، إذن ينتقض.
الجواب على هذا من وجهين:
أحدهما: أننا نقول: ليست العلة مجرد حق الزوج، ولا مجرد العلم ببراءة الرحم كما ().
الجواب الثاني: أن نقول: إن الرجل إذا لم يدخل بها، فإن نفسه لا تتعلق بها كثيرًا، ولهذا طلقها قبل الدخول، بخلاف ما إذا دخل بها.
ولهذا ما يمكن أن تُعيِّن علة وجوب العدة بحق الزوج فقط أو بالعلم ببراءة الرحم فقط، بل هناك حِكم متعددة ()
***
(مدة العدة) (يَلْزَمُ الإِحداد) أولًا: المؤلف ﵀ ما بين الإحداد على غير الزوج، لكن أشار إليه الشارح؛ الإحداد على غير الزوج لا يجوز إلا في ثلاثة أيام فأقل، الإحداد على ميت غير زوج حرام إلا في خلال ثلاثة أيام فقط؛ فهو جائز وليس بواجب، ولا ينبغي أيضًا، لكن رخَّص فيه الشرع؛ لأن النفس بطبيعتها مع شدة الصدمة لا شك أنه يتغير مزاج الإنسان، ولا يحب الانطلاق في الملاذ، وفي اللباس وفي غيره، فيجوز أن يحد في خلال ثلاثة أيام فقط، فلو مات أبو المرأة حرم عليها أن تحد فوق ثلاثة أيام، ولو مات زوجها وجب عليها أن تحد مدة العدة.
[ ١ / ٧٠٠١ ]
يقول المؤلف: (يلزم الإحداد)، الإحداد مصدر (أَحَدَّ يُحِدُّ)، وأما مصدر (حَدَّ يَحُدُّ) فهو (حَدًّا)، والحد في اللغة: المنْع، ومنه حدود البيت، حدود الدار، وما أشبه ذلك، فالإحداد معناه: امتناع الإنسان عن شيء مخصوص في زمن مخصوص؛ هذا الإحداد: الامتناع عن أشياء مخصوصة في وقت مخصوص. وسيأتي ما هي الأشياء التي تمتنع فيها.
وقوله: (يلزم) معناه أنه واجب، فما هو الدليل؟ الدليل استنبطه بعض أهل العلم من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، فإن قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ دليل على أن الإحداد يُنافي هذه الرخصة، وأنه لا بد أن يكون هذا التربص تربصًا عن أشياء جائزة، ولولا ذلك لما كان لقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
وكذلك من قول الرسول ﵊ حينما شكوا إليه امرأة تُوفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها، قالوا: أفنكحلها؟ قال: «لَا»، فأعادوا عليه، قال: «لَا»، ثم قال: «قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ، وَإِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ» (١)، فهذا دليل أيضًا على الوجوب؛ إذن من القرآن ومن السنة.
وأيضًا الرسول نهى أن تلبس المتوفى عنها زوجها، أن تلبس ثوبًا فيه زينة، وأن تتطيب، إلا ما استُثني من قُسط أو أظفار، إذا طهرت من الحيض تتبخر به وتتبع به أثر الدم (٢)، وإلا فلا يجوز لها أن تفعل، كما سيأتي إن شاء الله.
[ ١ / ٧٠٠٢ ]
طيب، هل يمكن أن نستدل لذلك بقوله ﵊: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» (٣)؟
طالب: لا، ما فيه دليل.
الشيخ: طيب.
طالب: ما يحل.
الشيخ: إي، بعض العلماء قال: يمكن يُستدل به؛ لأن قوله: «لَا يَحِلُّ»، معناه أنه حرام، والحرام لا يُستباح إلا بواجب. فإذا قال: إلا على زوج، وكان بالأول حرام، فالحرام لا يُستباح إلا بواجب، فأخذ من هذا الوجوب.
وبعض العلماء قال: لا، ما يدل على الوجوب؛ لأن نفي الحل لا يدل على الوجوب، بل يدل على انتفاء التحريم، لا يحل إلا لهذه، فصار هذا الدليل فيه خلاف في صحة الاستدلال به، ووجه الخلاف ما سمعتم: أن قوله: «لَا يَحِلُّ»، نفي الحل لا يقتضي الوجوب، وهو صحيح، الأصل أن نفي الحل لا يقتضي الوجوب، لكن أولئك استدلوا بوجهٍ آخر، قالوا: نحن نقول: إن نفي الحل لا يدل على الوجوب، لكن نفي الحل معناه التحريم، أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: والتحريم لا يُستباح إلا بواجب، كما استدلوا بأن الختان واجب بمثل هذا الاستدلال، قالوا: الختان واجب، ويش الدليل؟ الدليل: لأن قطع شيء من الإنسان حرام ولَّا لا؟ حرام، والحرام لا يُستباح إلا بواجب، وكما استدل بعضهم على وجوب تحية المسجد بأمر النبي ﵊ لها في حال الخُطبة، قالوا: فإن استماع الخطبة واجب، ولا يشتغل عن الواجب إلا بواجب.
[ ١ / ٧٠٠٣ ]
وعلى كل حال فإن انشرح صدر الإنسان للاستدلال بهذا الحديث مع تأييده بالأدلة الأخرى فلا بأس، وإلا فما دام عندنا دليل واضح فلا حاجة إلى المناقشة في دليل خفي؛ لأن من آداب المناظرة أنه إذا كان هناك دليل واضح فإننا لا نلجأ إلى المشتبِه الذي يحتمل للجدال، ولهذا إبراهيم ﵊ لما قال للذي أنكر الرب، لما قال له: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، قال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، هذا فيه التلبيس وإلا ما هو صحيح، ما هو يحيي ويميت، فقال له إبراهيم: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، هذا ما فيه جدال.
طالب: لكن هنا ليس محرمًا عليها، يعني «لَا يَحِلُّ» من غير هذا الرجل، مثل إنسان نفس المعنى، هنا لا يحل الحرمة في غير الزوج، فلو كان المحرم من الزوج إلا في حالات معينة، قد يصح؟
الشيخ: لا، حتى هذا، حتى مثله، لا فرق؛ لأن نفي الحل عن فرد من أفراد الخلق، ثم استثناء واحد، معناه أن هذا الواحد كان في الأصل داخلًا في العموم، كان في الأصل من أفراد الناس ما يحل له؛ لأن الحكم واحد، فلما قيل: إلا في كذا صار استباحة لما حرم.
وعلى كل حال -كما قلت-: ما دام المسألة فيها احتمال، ندع هذا إلى ما هو أوضح منه، إذن الإحداد واجب، دليله منين؟ من القرآن ومن السنة.
(الإحداد مُدَّةَ الْعِدَّةِ) (مدة) هذه ظرف، يعني زمن العدة سواء طالت أم قصرت، إذا كانت حائلًا فعدتها أربعة أشهر وعشرة أيام، فإحدادها أربعة أشهر وعشرة أيام. إذا كانت حاملًا فعدتها إلى وضْع الحمل، فإحدادها إلى وضع الحمل. إذا لم تعلم بموت زوجها إلا بعد تمام العدة فلا إحداد؛ لأنه تابع للعدة.
(مدة العدة كل امرأة متوفًّى عنها زوجها في نكاح صحيح) (متوفًّى) باسم مفعول؛ لأنه مقبوض، وليس (متوفٍّ)؛ لأن (متوفٍّ) بمعنى قابض، وقد سبق لنا أن بعضهم أجاز (متوفٍّ).
[ ١ / ٧٠٠٤ ]
(متوفًّى عنها زوجها) لكن (في نكاح صحيح).
انتبه (في نكاح صحيح)، وقد سبق لنا أنه لا يُشترط لوجوب العدة صحة النكاح، وإنما الذي يشترط لوجوب العدة عدم بطلان النكاح، ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: معلوم.
الطلبة: إي نعم.
الشيخ: يعني مثلًا النكاح بلا ولي، هذا نكاح ما هو بباطل ولا هو بصحيح، فاسد، لو مات زوج امرأة تزوجها بلا ولي وجب عليها العدة؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: وجب عليها العدة، ويجب عليها الإحداد؟ لا؛ لأنه هنا يقول: (في نكاح صحيح)، وبهذه النقطة فقط افترقت العدة والإحداد، فهنا تجب العدة، ولا يجب الإحداد إذا كان النكاح فاسدًا.
ولكن ما ذهب إليه المؤلف ليس بصحيح، والصواب أنه تجب العدة، ويجب الإحداد لمن يعتقد صحته، أما من لا يعتقد فلا عدة أيضًا، من لا يعتقد فلا عدة، وإنما إن كان حصل وطء -كما سبق- وجب إما الاستبراء أو العدة، حسب ما تقدم من الخلاف.
المهم أنه على المذهب يُفرِّقون في باب الإحداد وباب العدة بين النكاح الصحيح والفاسد، ففي الفاسد يقولون: تجب العدة، ولا يجب الإحداد. طيب، ما الدليل؟
قالوا: الدليل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ ومن نكاحها فاسد ليست بزوجة، فكما أنها لا تدخل في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢]، فكذلك لا تدخل في قوله: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾.
ولأن العقد الذي ليس بصحيح شرعًا لا يُطلق عليه اسم ذلك العقد، كل عقد فاسد ما يتناوله الاسم الشرعي؛ لأن الاسم الشرعي إنما يتعلق بالشيء الصحيح، ولهذا لو قال: والله لا أبيع، فباع دخانًا (تتن) يحنث ولَّا لا؟ ما يحنث؛ لأن البيع غير صحيح، والأشياء التي لها مدلول شرعي إنما تُحمل على مدلولها الشرعي.
مرة ثانية نعود: ما هو الدليل على أنه يُشترط لوجوب الإحداد أن يكون النكاح صحيحًا؟
[ ١ / ٧٠٠٥ ]
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، ولا يصدق عليه أنه زوج حتى يكون النكاح صحيحًا.
نقول: هذا الدليل صحيح، والاستدلال صحيح، وهو دليل على أنه لا عدة ولا إحداد في غير النكاح الصحيح، وإنما من اعتقده صحيحًا فله حُكمُه، كما لو كان ممن يرون أنه لا يجب الولي في النكاح، ومن اعتقده فاسدًا فإنه حكمه حكم الباطل.
(في نكاح صحيح)، يقول المؤلف ﵀ .. الدليل كما أشرنا إليه قبل.
قوله: (ولو ذمية)، (لو) هذه إشارة خلاف، الذمية من هي؟ اليهودية أو النصرانية. وهل يمكن أن يُتوفى شخص مسلم عن زوجة يهودية أو نصرانية؟ نعم؛ لأن اليهودية والنصرانية حلال للمسلمين، فلو مات عن امرأة غير مسلمة، يعني يهودية أو نصرانية، وجبت عليها العدة؛ لأنها زوجة، ووجب عليها الإحداد؛ لأن الإحداد تابع للعدة.
(ولو ذمية)، فإن قُلت: ما هو الدليل؟ قلنا: الدليل عموم قوله تعالى: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ وهذه زوجة، وعموم قول الرسول ﵊: «إِلَّا عَلَى زَوْجٍ».
يبقى النظر لو قال قائل: الذمية لا يجب عليها إحداد؛ لقول الرسول ﵊: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ» (٣) إلى آخره، قال: «تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ»، والذمية لا تؤمن بالله ولا باليوم الآخر، أو لا؟
طالب: لا تؤمن.
طالب آخر: تؤمن.
طالب: لا، تؤمن.
الشيخ: ما تؤمن.
طالب: الإيمان غير مطلوب.
طالب آخر: الإيمان مطلوب.
الشيخ: الإيمان هو الذي يقتضي الإذعان والقبول، ما هو بالإيمان مجرد أن يقول: أنا أؤمن بالله وأؤمن بأني سأبعث، لا، لا بد أن يقبل ويذعن، ولهذا هم غير مؤمنين، وإن قالوا: نؤمن بالله، قلنا: كذبتم، لو آمنتم بالله لآمنتم برسوله ﵊ محمد.
[ ١ / ٧٠٠٦ ]
إذن نقول: ذهب بعض أهل العلم إلى أنها إذا كانت كتابية فإنه لا إحداد عليها، واستدلوا بالحديث، واستدلوا أيضًا بأن الكفار لا يخاطَبون بفروع الإسلام مخاطبة فعل، وإن كانوا يخاطَبون عليها مخاطبة عقوبة؛ لكن مخاطبة فعل ما يخاطبون عليها، يعني ما تقول للكافر: لا تُرَابِ، خلوه يرابي، ويش تقول له؟ أسلِم قبل. لا تقل للكافر: لا تلبس خاتم الذهب؛ لأنه حرام، ويش نقول له؟ أسلِم. وكذلك ما نقول له: صلِّ، نقول: أسلِم. فيقولون: إذن عندهم دليل وتعليل، الذين يقولون: إن الذمية .. ما أدري نذكر لكم الكلام هذا ولَّا بكيفكم؟
طلبة: ().
الشيخ: ما هو صعب؟
الطلبة: لا.
الشيخ: الذين يقولون: إن الذمية ليس عليها إحداد يقولون: أولًا: الحديث: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» (٣)، وهذه لا تؤمن بالله ولا باليوم الآخر.
والتعليل أن الكفار لا يُخاطَبون بفروع الإسلام خطاب فِعل، أما خطاب عقوبة فُيخاطَبون، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [المدثر: ٣٩ - ٤٥]، فذكروا هذه الأشياء، ولولا أن لها أثرًا في عقوبتهم ما ذكروها.
طيب، ما هو الجواب عن هذا الاستدلال؟
الجواب عن هذا الاستدلال من وجهين:
[ ١ / ٧٠٠٧ ]
أما الحديث وهو قوله ﵊: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ»، فالمراد بذلك الإغراء؛ إغراء المرأة على الفعل، ليس قيدًا يُخرج ما عداه، وإنما المقصود به الحث والإغراء، كما تقول: لا يمكن للكريم أن يُهين ضيفه. قصدك، أنت عارف أنت خابر الكريم، قصدك بهذا أن تحثه على إكرام الضيف، وكذلك أيضًا: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» (٤)، فالمقصود بهذا أيش؟ الإغراء والحث، وليس قيدًا يَخرج به ما سوى الموصوف، حتى نقول: إنه يخرج به من لا يؤمن بالله واليوم الآخر.
وهذه قاعدة ينبغي أن يتنبه لها الإنسان: كل قيد، أو كل وصف محمود ذُكر في مقام التحذير فالمقصود به الإغراء، كأنه يقول: إن كنت كريمًا حقًّا فهذا لا يمكن أن يقع منك، إن كنت مؤمنًا بالله واليوم الآخر حقًّا فهذا لا يمكن أن يقع منك.
وأما الجواب عن قولهم: إن غير المسلم لا يُخاطب بفروع الإسلام خطاب إيجاب؛ فنقول: هذا صحيح، لكن هذا في غير حق الآدمي، والإحداد من حقوق الزوج كالعدة، فهو تابع لها؛ فلذلك وجب.
ولهذا لو أن الزوج أجبر زوجته الذمية على غُسْل الجنابة، هي لو اغتسلت أو ما اغتسلت ما فيه فائدة، لكن لو أجبرها على أن تغتسل للجنابة، فقد سبق لنا أن القول الراجح أن له إجبارَها، كما أنه يجبرها على قص الأظافر، وعلى نتف الإبط وما أشبه ذلك؛ لأن هذه من حقوقه.
وقوله: (ولو ذمية أَوْ أَمَة) كيف أمة؟ يمكن تكون زوجة أمة؟
طالب: ().
الشيخ: ما هي سرية الأمة؟
طالب: بس زوجة لواحد ثان.
الشيخ: زوجة لغير سيدها، يعني يكون سيدها قد زوجها، سيدها زوجها شخصًا ومات هذا الشخص عنها، فهي إذن أمة يجب عليها الإحداد ولَّا لا؟
طالب: نعم.
[ ١ / ٧٠٠٨ ]
الشيخ: طيب، لعموم الأدلة، هذا الدليل عموم قوله تعالى: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾، وهذه زوجة. وأما قول من يقول: إنها ليس عليها شيء؛ لأنها ليست وارثة، فيقال: المسألة ما هي مبنية على الإرث، المسألة مبنية على حق الزوج، وهي فرع وتبع للعدة.
وأيضًا لا يقولون: إنه لما مات الزوج تعلَّق بها حق السيد، فنقول: ما دامت في العدة فلا حق للسيد فيها، ولهذا لو أراد أن يستمتع بها سيدها بالعدة مُنع من ذلك.
قال: (أو غير مكلَّفة)، من هي غير المكلفة؟ الصغيرة والمجنونة، لو مات شخص عن زوجة مجنونة تجب عليها العدة.
طالب: لا.
الشيخ: تجب عليها العدة، تجب؛ لأنها زوجة، ويجب عليها الإحداد؟
طالب: نعم.
الشيخ: كيف تُحِدُّ؟ يَلْزمُ وليها أن يُجنبها ما تتجنبه المحادَّةُ، ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، والصغيرة؟
طالب: كذلك.
الشيخ: إذا كانت في المهد تحد؟
طالب: نعم.
طالب آخر: ما يمكن يتزوجها.
الشيخ: إي نعم، لا يمكن يتزوجها.
طالب: ()؟
الشيخ: نعم، يمكن، المهم يمكن؛ لأن المذهب أنه يجوز للأب أنه يُزوِّج بنته ولو صغيرة.
طالب: بس ما خلا بها ولا وطئها؟
الشيخ: لا، مسألة عدة الوفاة، ما هو بشرط، عدة الوفاة ما هي شرط، أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: هو شرط؟
طالب: لا.
الشيخ: ما هو بشرط، سبق لنا أن عدة الوفاة لا يُشترط فيها إلا شرط واحد، وهو أن يكون النكاح؟
طالب: صحيحًا.
الشيخ: لا، غير باطل، أن يكون النكاح غير باطل فقط.
هذه امرأة في المهد، بنت صغيرة في المهد مات عنها زوجها، يجب أن تُحِدَّ، ما تلبَّست ثياب الزينة، ولا حلي الذهب، ولا يطلع بها من البيت.
طالب: ().
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ويش ()؟
الشيخ: ()، هذا يجب كما سيأتي في الفصل اللي بعده إن شاء الله.
طالب: العلة خوف التعرض ()؟
[ ١ / ٧٠٠٩ ]
الشيخ: ما هي العلة؟ العلة وجوب هذا، العلة تعبُّدية، ولهذا لو فُرض أنها عجوز ما يمكن تخطب أبدًا، ولولا أن زوجها اللي مات عنها محتاج إلا ما بغى، قلنا: يجب عليها الإحداد.
طالب: غير مخاطب ().
الشيخ: نعم، هذه هي اللي نريدها.
إذا قال قائل: كيف تلزمونها بالإحداد وهي غير مكلفة؟ !
نقول: لأن هذا من حقوق الزوج، ما هو حق لله خالص، هذا من حقوق الزوج، فكما نلزمها بالعدة، نلزمها كذلك بالإحداد؛ لأنه تابع له.
طالب: شيخ، يتوقف حقه قبل الوفاة.
الشيخ: ما يصير؛ لأنه ما يجب إلا بعد وفاته، وإسقاط الشيء قبل وجوبه ما يصح.
ثم قال ..
طالب: إعراب (ذمية) هنا.
الشيخ: (ذميةً) () هذا اللي يمكن والواجب.
طالب: ولا تكون بدلًا؟
الشيخ: لا، ما يصلح.
الطالب: من (كل).
الشيخ: لا، ما هو ().
***
قال المؤلف: (ويُباح لبائن من حي). (يباح) أيش؟ الإحداد، ولا يجب، وإنما قال المؤلف: (يُباح)؛ لأن بعض أهل العلم يقول: يجب على البائن أن تُحِد، والبائن: هي التي كان فراقها بواحد من ثلاثة أمور كما سبق، وهي: الفسْخ، والطلاق على عِوض، والطلاق المتمم للعَدد، كذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يقول بعض العلماء: يجب أن تحد، قياسًا على المتوفى عنها زوجها؛ لأن كل واحدة منهما عدتها بينونة، فما يثبت للمتوفى عنها يثبت للبائن.
[ ١ / ٧٠١٠ ]
وقال بعض أهل العلم: لا يجب عليها، وإنما يُباح لها فقط، وهذا هو المذهب. قالوا: والقياس مُقابل للنص؛ لأن الحديث صريح: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ» (٣)، يعني: على زوج ميت، ما هو على زوج مطلقًا، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ ميت؛ لأن المستثنى من جنس المستثنى منه، وهذا القول -أنه لا يجب عليها- هو الصحيح، ولكن هل يجوز لها أو لا يجوز؟ هذا محل التوقف، هل يجوز لها أن تحد أو لا يجوز؟ قد نقول بعدم الجواز؛ لأن الإحداد ما يجوز إلا على زوج الميت، وهنا زوجها ليس بميت.
فإن قال قائل: قد تتكدر على زوجها الذي فارقها فراقًا بائنًا أكثر من تكدر الميت زوجها عليه. فيُقال: هذا لا عبرة به، وأنا في نفسي شك من جواز إحدادها فرضًا عن كونه واجبًا، أما كونه واجبًا فإنه ضعيف بلا شك.
قال: (ولا يجب على رجعية)، الضمير، (ولا يجب على) يعود على الإحداد، (لا يجب على رجعية). يبين لنا مَنْ هي الرجعية؟
طالب: التي طلقها زوجها طلقات ().
الشيخ: بس؟
الطالب: إي، أما لو كانت مطلقة ثلاثًا فليست رجعية.
الشيخ: ما يكفي هذا؛ لأنه يرد عليك من طُلقت قبل الدخول، ويرد عليك من طلقت على عِوض.
طالب: ().
الشيخ: طيب، قُل.
الطالب: من طلقت بعد الدخول بغير عوض ولا تستكمل.
الشيخ: طلقت، يكفي عن قولك: لا تستكمل، طلقت بعد الدخول بلا عوض، ويش بعده؟
الطالب: ولم تستكمل طلقتين.
الشيخ: ولم تستكمل العدد؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: نعم، أربعة شروط؟
طالب: إي، معتدة.
طالب آخر: ().
الشيخ: كيف؟
الطالب: () عليه مثلًا، نقول: طلقت مرة أو مرتين.
[ ١ / ٧٠١١ ]
الشيخ: لا، قبل العدد بس، نقول: قبل العدد، ولم تستكمل العدد أحسن، أعم. هذه الرجعية، يعني التي لزوجها أن يُراجعها، وهي التي طُلِّقَتْ بعد الدخول على غير عِوض دون ما يملك من العدد، يعني قبل استكمال العدد، هذه رجعية، هل يجب عليها أن تحد أو لا يجب؟
يقول المؤلف: إنه (لا يجب) على رجعية، إذن يباح؟ نعم، على كلامه يُباح، لكن لماذا قال: (لا يجب)؟ دفْعًا لقول من يقول: إنه يجب أن تعتد الرجعية، ويش الدليل؟ قال: لأن الله يقول: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١]، وهذا هو الإحداد، فهل الاستدلال بهذه الآية صحيح؟
طالب: ().
الشيخ: لا، نقول: هذه الآية لا شك فيها، الدليل لا شك أنه موجود، الآية موجودة، لكن استدلالك بها ليس بصحيح؛ لأن الله تعالى نهى أن نُخرجها، ونهى أن تَخْرج، وليس المعنى أن تلزم الإحداد، ولا تتطيب، ولا تتجمل، ولا تتشرف لزوجها أبدًا.
ثم إن قوله: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ﴾ ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق: ١]، ليس المراد به أننا نلزمها البيت، ما تطلع ولا لزيارة أهلها، ولكن المعنى: لا تخرجوهن من السكنى؛ هذا المعنى، أما خروجها المعتاد الذي كان لها قبل أن تطلق فهو مباح لها على القول الراجح، وإن كان المذهب يرون أنها تلزم البيت كما تلزمه المتوفى عنها زوجها.
المذهب يقولون: الرجعية، حطوا بالكم، هذه تبلغون بها الناس؛ لأن الناس ما يرون هذا أبدًا، يجب على الرجعية تبقى في البيت، وجوبًا، حتى تنتهي العدة، ولا تخرج ولا لزيارة أهلها ولا شيء.
طالب: الناس بالعكس.
[ ١ / ٧٠١٢ ]
الشيخ: الناس بالعكس الآن مع الأسف، والله ﷿ حذر: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١]، ثم قال: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١].
الناس الآن -والعياذ بالله- من يوم يطلقها خلاص، تطلع من بيت زوجها، فهي آثمة وهو آثم إن مكنها؛ لأنه له أن يمنعها، أو نقول: إنه ليس له أن يمنعها، لا يملك منعها، لكنه لا يملك منعها، يعني منعها من البقاء، أما خروجها فهو إليها هي، ولهذا قال: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ﴾ ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق: ١]، فوجَّه للأزواج خطابًا ووجه للزوجات خطابًا، يعني لو أرادت المُقام ما تمنعها، ما تقول لها: تقعدين، ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ﴾، ولكن لو أرادت أن تخرج هي بنفسها فالله قد منعها، ولهذا قال: ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾.
طالب: طيب وإن أخرجها وليها يا شيخ؟ لا أخرجها هو ولا خرجت؟
الشيخ: نعم، ما يجوز أن تخرج.
الطالب: وليها هو اللي يخرجها؟
الشيخ: إي ما يجوز، تقول: لا، تقول: ما أخرج، ما يجوز.
طالب: هل قوله: ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ يدل على جواز ()؟
الشيخ: إي نعم؛ لأن الله نهاه أن يخرجها فقط.
الطالب: ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ قد يكون ()؟
الشيخ: كيف؟ هذا الإثم عليها هي.
الطالب: لكن ما يكون للزوج حق عليها؛ لأنه زوجها؟
الشيخ: لا، له إذا كان يخاف عليها فله أن يمنعها من هذه الناحية، ولهذا حتى المبانة إذا كان يخشى عليها فله أن يلزمها المسكن.
يقول: (ولا يجب على رجعية، ولا على موطوءة بشبُهة).
طالب: ().
الشيخ: إي، صحيح أن الرجعية ما يجب عليها.
الطالب: أليست داخلة في ()؟
[ ١ / ٧٠١٣ ]
الشيخ: إي، بس ما يجب عليها الإحداد، ما هو بالمعنى إذا مات عنها، ليس المعنى -انتبهوا، ويمكن هذه مسألة بعد قد يفهمها- ليس معنى قول المؤلف: (ولا يجب على رجعية) أنه لو مات عنها وهي في عدتها، الرجعية أنها ما يجب عليها الإحداد، المعنى لو طلقها طلاقًا رجعيًّا فإنه لا يجب عليها الإحداد.
طالب: وهو حي.
الشيخ: وهو حي، أما لو مات عنها وهي مطلقة طلاقًا رجعيًّا، فقد سبق أنها تنتقل إلى عدة الوفاة، ويلزمها الإحداد.
طالب: ().
الشيخ: هو على كل حال هي قد تُوهم أن المعنى () يعني لو مات عنها وهي رجعية ما يجب عليها الإحداد، وليس كذلك.
يقول: (ولا موطوءة بشبهة)، ويش معنى (موطوءة بشبهة)؟ يعني أن الإنسان إذا وطئ امرأة بشبهة تقدم أنه يجب عليها العدة، وأن شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إنها استبراء. ترى أن اللي حكى الإجماع فيها في مسألة لحوق النسب.
طالب: إي نعم.
الشيخ: ما هي بالعدة، هذه لا يجب عليها أن تحد، حتى لو قلنا بأن عليها العدة، والمذهب أن عليها؟ الموطوءة بشبهة ويش عليها على المذهب؟ عليها عدة كمطلقة، لكن ما يجب عليها الإحداد.
ولا يجب أيضًا على موطوءة بـ (زنًا)، ولا يجب على موطوءة (في نكاح فاسد) مختلَف فيه. والعدة تجب عليها بالنكاح الفاسد؟ نعم.
ولا يجب على موطوءة بـ (نكاح باطل أو ملك يمين)، والعلة؟ لأنها ليست زوجة متوفًّى عنها، فإذن، خلونا نرجع للقاعدة الأصلية: من الذي يجب عليها الإحداد؟ كل امرأة متوفى عنها زوجها في نكاح صحيح، هذه التي يجب عليها الإحداد، فإن اختل شرط منها لم يجب الإحداد ()
***
الإحداد، هذا تعريف الإحداد شرعًا. قلنا: الإحداد فيما سبق، الإحداد لغة: وضع الحد من الشيء، والحد هو المنع. يعني فوضع المانع من الشيء يسمى إحدادًا، لكن هو في الاصطلاح هنا (الإحداد) يقول: (اجتنابُ ما يدعو إلى جماعِها ويُرغِّبُ في النظرِ إليها)؛ هذا تعريفه.
[ ١ / ٧٠١٤ ]
طالب: () من قبل، هو اجتناب أشياء مخصوصة في وقت مخصوص.
الشيخ: نعم، ما يخالف، هذه تفسير لها، (اجْتِنَابُ مَا يَدْعُو إِلى جِمَاعِهَا وَيُرَغِّبُ فِي النَّظرِ إِلَيْهَا)، هذه هي الأشياء المخصوصة، قلنا فيما سبق: إن اجتناب أشياء مخصوصة في زمن مخصوص، ما هذه الأشياء؟ هي كل (ما يدعو إلى جماعها ويرغب في النظر إليها) مما تتزين به، وسيبينه المؤلف؛ هذا هو الإحداد. اضبط الحد بتعريفه: كل ما يدعو إلى جماعها ويُرغِّب في النظر إليها.
وكلمة (كل ما)، (ما) هذه اسم موصول، والأسماء الموصولة من قبيل المبهم، يحتاج إلى بيان، البيان قال: (مِن) (ما يدعو إلى جماعها).
كلمة (مِن) هذه بيان لكلمة (يدعو) يعني: ما الذي يدعو إلى جماعها؟
قال المؤلف: (من الزينة)، ويش هي الزينة؟
الثياب، الزينة الثياب التي يُتزين بها، فإذا قيل: هذا الثوب ثوب بِذلة؛ يعني ثوب عادي لم يجب اجتنابه، سواء كان فيه تشجير أو تلوين أو ما كان فيه، وإذا قيل: هذا ثوب زينة، يعني أن المرأة تُعتبر الآن متزينة، فهذا يجب اجتنابه؛ هذه هي القاعدة.
إذن كل ثياب تتزين بها المرأة عادة فإنه يجب عليها اجتنابها، سواء كانت الثياب شاملة لجميع الجسم، أو مختصة ببعضه، مثال المختصة ببعضه؛ كالسراويل مثلًا، وكالصداري اللي على الصدر فقط، والشامل للبعض مثل الدرع والملحفة والعباءات وما أشبهها، فكل ما يُعدُّ تجملًا من الثياب فإنه يجب اجتنابه؛ هذه واحدة.
الثاني: (الطِّيب)، الطيب بجميع أنواعه، سواء كان دهنًا أو بخورًا، فإنه يجب عليها أن تتجنبه، كل طيب يلصق بها مما تدهن به أو تتبخر به، فأما شم الطيب فلا يضر؛ لأن هذا ما يلصق ببدنها ولا يتعلق بها، فلو أرادت أن تشتري طيبًا وشمته فلا حرج عليها، لكن تبغي تتطيب في بدنها بما يلصق به، ويظهر منه الرائحة؛ هذا لا يجوز.
طيب، الرَّيحان طِيب؟
طالب: نعم.
[ ١ / ٧٠١٥ ]
الشيخ: والورد طِيب، والعود طِيب، الصابون؟ بعضه طِيب وبعضه غير طِيب، فالمطَيَّب منه ما تستعمله، وغير المطيَّب تستعمله.
طيب، هذا الطِّيب، لكن يستثنى من ذلك، استثنى الشارع إذا طهرت من الحيض فإنه لا بأس أن تتبخر، تتبع أثر الحيض بشيء من القُسط أو الكُست، أو الأظفار، وهما نوعان من الطيب يُتبَخَّر بهما، وهن دون العود المعروف؛ يعني أقل رائحة لأجل طرد ما يحصل من نتنٍ بعد أثر الحيض؛ هذا استثناه الشرع.
طالب: شيخ، إذا حصل بخور في غرفة () يعني تُؤمر بالخروج؟
الشيخ: إن كان يخشى أن يلصق بها تؤمر بالخروج.
الثالثة: (التحسين)، ويش هو التحسين هذا؟
طالب: التجميل.
الشيخ: نعم، التجميل، التحسين يعني التجميل بالحناء، أو بالورد، أو بالحمرة، أو بالكحل، أو بغير ذلك. كل ما فيه التحسين لبدنها فإنها ممنوعة منه.
طيب، حتى لو كان التحسين في أظافرها، مثل ها المنكرات اللي يسمونها المنكرات؟
طالب: نعم، يا شيخ.
الشيخ: إي نعم، حتى هذا ما تتجمل به، كل ما يعد تحسينًا فإنها لا تستعمله.
شوف هذه ثلاثة أشياء.
يقول: (والحناء)؛ هذا تابع للتحسين.
(وما صُبغ للزينة) تابع للزينة، يعني ما صُبغ للزينة من الثياب، واحتَرز المؤلف بقوله: (ما صبغ للزينة) بما صبغ لتوقي الوسخ، يعني ما هو للزينة، لكن لأجل أن يتوقى الوسخ، مثل الكحلي، والأحمر، والأصفر، وما أشبهها، هذا لا بأس به، ولهذا قيده المؤلف بـ (ما صُبغ للزينة).
الرابع: الحلي، قال المؤلف: (وحلي). طيب، (حلي) ويش اللي معطوف عليه؟
طالب: على (الزينة).
الشيخ: على قوله: (من الزينة)، نعم، يعني: ومن الحلي، الحلي سواء كان في الأذنين، أو في الرأس، أو في الرقبة، أو في اليد، أو في الرِّجل، أو على الصدر، كل أنواع الحلي ما يجوز أن تلبسه.
أو كان في الأسنان، فإنه لا يجوز أن تلبسه، فلو أرادت أن تتجمل بوضع سِنٍّ من الذهب وهي محادة، قلنا: هذا لا يجوز، ممنوع.
[ ١ / ٧٠١٦ ]
طيب، إذا كان الحلي عليها حين موت الزوج، هل تزيله؟ أو نقول: إن الاستدامة أقوى من الابتداء؟
طالب: تخلعه.
طالب آخر: يمكن.
الشيخ: نعم، تخلعه، يعني السوار، الخُرص.
طالب: والسن؟
الشيخ: السن إذا كان لا يمكن خلعه، والغالب أنه ما يمكن خلعه، فإنها لا تخلعه، لكن تحرص على ألَّا يبِين، أن يكون خفيًّا، يعني: هل نقول: ما تضحك؟
طالب: ما يمكن تغطيته.
الشيخ: اللي يمكن تغطيته، نعم، ما نقول: إنك لا تضحكين، لا، بس هو على كل حال فيه شيء موضوع للحاجة، وفيه شيء موضوع للتجمل؛ لأن بعض النساء يتجملن بأسنان الذهب، يضعن مثلًا في الرباعيات أسنانًا من الذهب تكون جمالًا لها، المهم.
طالب: بس يا شيخنا، وجهها لا يجوز أنه يظهر لغير المحارم، فما يظهر السن أو الوجه؟
الشيخ: حتى لو غير المحارم، وهذا أشر من المحرم، حتى عند النساء ما يجوز تتجمل بها الأشياء، ما هو علشان المحارم أو غير المحارم.
طيب، إذن الحلي بجميع أنواعها، ما رأيكم فيما لو كان الحلي من غير الذهب والفضة، كما لو كان من الزمرد، أو اللؤلؤ، أو الماس؟
طلبة: نفس الشيء.
الشيخ: نفس الشيء؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: إي، طيب، قد يكون ()، نعم.
الخامس قال: (وكُحل)، الكحل ممكن يُلحق في ماذا؟
طالب: ().
الشيخ: لا.
طالب: في التحسين.
الشيخ: في التحسين، الكُحل الأسود لا يجوز أن تستعمله لا في الليل ولا في النهار.
وقال بعض أهل العلم: تستعمله ليلًا عند الحاجة، وتمسحه في النهار، والصحيح أنه لا يجوز مطلقًا؛ لأن الرسول ﵊ استؤذن في ذلك، فقالوا له: أفنكحلها؟ قال: «لَا»، وقيل له ذلك ثلاث مرات، ولكنه أبى ﵊ (١)، فدل هذا على أنه لا يجوز مطلقًا، الكحل.
طيب، غير الكحل مثل القطرة والدواء أبيض وما أشبهه؟ هذا ما فيه زينة، ولهذا قال المؤلف: (لا توتيا ونحوها)، يعني ..
طالب: ().
[ ١ / ٧٠١٧ ]
الشيخ: (لا توتيا ونحوها)، التوتيا هذه، وتسمى عندنا باللغة العامية: (التوت) بدون ياء.
طالب: كيف هذا؟
الشيخ: معروف هذا، توت يخلط بدواء العين، كان الناس بالأول قبل أن تظهر القطرات هذه والطب الحديث كانوا يستعملونه.
طالب: مع ().
الشيخ: نعم، () فإنه لا بأس به.
يقول المؤلف: (لا نقاب) يعني ما يحرم عليها النقاب؛ لأن النقاب ليس زينة، وإنما هو لباس عادي، كالقفازين.
ويرى بعض أهل العلم؛ ولذلك نص المؤلف على نفيه؛ لأن بعض أهل العلم ﵏ يقولون: إنها لا تنتقب، لماذا؟ قالوا: قياسًا على المحرمة، وهذا القياس قياس ليس بصحيح؛ لأنه ليس هناك علة جامعة بينهما؛ ولذلك يحرم على المحرمة ما لا يحرم على المحادة، ويحرم على المحادة ما لا يحرم على المحرمة، فالمرأة المحرمة لها أن تتحلى، ولها أن تكتحل، ولها أن تلبس ثيابًا جميلة، إذا لم يكن أَمام الرجال، وما أشبه ذلك، والمحادة ليس لها ذلك. كما أن المحادة يجوز لها أن تقص أظفارها، وأن تتنظف، وأن تقص الشعر المأمور بإزالته، وما أشبه ذلك، والمحرمة لا تفعل ذلك، فالمهم أن هذا قياس مع الفارق العظيم، ولا يحرم عليها النقاب.
يقول: (وأبيضَ)، يعني ولا يجب عليها اجتناب الأبيض.
قال: (ولو كان حسنًا)، و(لو) هذه إشارة خلاف، فإن بعض أهل العلم يقول: إذا كان الأبيض حسنًا فإنه يجب اجتنابه، المذهب يقولون: إذا كان أبيض لا يجب اجتنابه، ولو كان حسنًا، فلو لبست إبريسم أبيض من أحسن ما يكون من أنواع الإبريسم، يكسر العين بجماله، يجوز؟ على المذهب يجوز، لماذا؟ قالوا: لأن بياضَه بأصل طبيعته، ما دُخِّل عليه شيء يزينه، فجماله بأصل الخلقة.
فنقول لهم: ليس التكحل في العينين كالكَحَلِ، أو لا؟
طلبة: نعم.
[ ١ / ٧٠١٨ ]
الشيخ: إذا كان هذا حسنًا بطبيعته فهو أحسن من الذي حُسِّنَ بما أضيف إليه، ولهذاالصواب -بلا شك- أن الأبيض لا يجوز للمحادة لبسه إذا عُد في الزينة، وهو الموافق لقاعدة المذهب السابقة في قولهم: (من الزينة)، فالصواب أن الأبيض إذا كان من الزينة لا يجوز لها لبسه، أما إذا كان من غير الزينة فلا بأس.
طيب، هذه الأشياء المحرمة مثلًا الثياب الجميلة لو لبستها ولبست عليها ثيابًا غير جميلة، هل يحرم؛ لأنها لبست ما كان محظورًا؟ أو لا يحرم اعتبارًا بما يظهر منها؟
طالب: الأول.
طالب آخر: على المذهب الأول.
الشيخ: الظاهر أن الأول أحوط، نعم، صحيح أن هذه الأنواع من الألبسة ما حرمت لذاتها، حرمت لأنها زينة تدعو إلى جماعِها، والمرأة لو لبست شيئًا جميلًا تحت ثيابها، وخرجت للناس بثياب غير جميلة وسخة تلفت النظر؟ لا، لكن نقول: الذي ينبغي اجتنابها، حتى ولو كانت تحت الثياب غير الجميلة، وإلا لقائل أن يقول: إن هذه الثياب ما هي محرمة لذاتها، بدليل أنه قد يكون الثوب هذا في زمن من الأزمان ثوب زينة، وفي زمن آخر ثوب بِذلة، يعني مثلًا الناس إذا كانوا فقراء إذا كان مستواهم العام مستوى فقراء، ويش تكون ثيابهم الجميلة؟ تكون ثيابهم الجميلة ثيابَ المتوسطين في أناس أغنى منهم، أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ: وكذلك المتوسطون تكون ثيابهم الجميلة بالنسبة للأغنياء والأثرياء ليست ثياب جمال، فبناءً على ذلك ما دام أن هذا الثوب لا يحرم على المحادة لذاته، نقول: إنها إذا لبست فوقه ما يستره فإنه لا يحرم عليها. ولكني أقول: إن الأحوط أن تُمنع من ذلك مطلقًا؛ لأنه ربما ينكشف الثوب الأعلى ويتبين الأسفل، وربما يأتي أحد يقتدي بها ولا يدري، فهذا هو الأولى. فإن قلت مثلًا: ما هي الحكمة من هذا التضييق على المرأة في عدة الوفاة؟
[ ١ / ٧٠١٩ ]
قلنا: الحكمة في ذلك هو احترام حق الزوج وعدته، حتى لا يطمع أحد في نكاحها في هذه المدة، وليس ذلك بواجب في عدة الحياة؛ لأن زوجها حي، ولو أراد أحد أن يعتدي عليها في عدته ويخطبها مثلًا؟
طالب: لدافع عنها.
الشيخ: لدافع عنها؛ فهذه -والله أعلم- الحكمة في أنه يجب الإحداد في عدة الوفاة، ولا يجب في عدة الحياة؛ لأجل أن تكون في عدة الوفاة متقشفة، لا أحد ينظر إليها، ولا من رآها ما تعلقت بها نفسه بخلاف العدة في الحياة فإنها وإن كانت لها أن تتجمل، لكن لو أراد أحد أن يخطبها، أو يعتدي على حق زوجها منعه؛ لكونه حيًّا.
طالب: لو قيل: إنه إذا كان العلة تحريم () وجود الاحتراز، يعني لو لبست ثيابًا، يعني ما ترى، فلو قال قائل: تكتحل ()، فهل هذا يجوز؟
الشيخ: لا، نقول: ما يجوز؛ لأن الحديث -كما رأيت- عام.
الطالب: إذن قد تكون العلة غير ()؟
الشيخ: إي، إحنا قلنا هذه، كل العدد، بعض العلماء يقول: إن العدد تعبدية ما نستطيع نجزم بعلل، ولهذا المتوفى عنها زوجها إذا كان ما دخل بها ما يظهر فيها شيء بين، فبعض العلماء يقول: تعبدية، لكن بعضهم يلتمس بعض هذه العلل التي قد تكون هي جزء علة وليست العلة كاملة.
طالب: شيخ، تحمي رأسها؟
الشيخ: إي نعم، اللي ما فيه تجميل من خارج لا بأس به، وكذلك في إزالة الأذى من الأوساخ والأظافر والشعور المأمور بإزالتها؛ هذا لا بأس به.
الطالب: الدهن هذا إذا () لون؟
الشيخ: لا، إذا كان لون فقد يكون تحسينًا. إذا كان هذا اللون يعد تحسينًا فهو ممنوع.
طيب، هذه أربعة أشياء حطوها على بالكم، فيه شيء خامس بالفصل الذي بعده، الأشياء الأربعة ما هي؟ الزينة، والتحسين، والطيب، والحلي، أربعة أشياء.
طالب: الخروج ما فيه فرق ().
طالب آخر: شيخ، أقول: النساء اعتدن أنهن يلبسن الثياب الأسود () كل ما ..
الشيخ: لا، هذا الحقيقة من جهلهن.
الطالب: هل لا يجوز؟
[ ١ / ٧٠٢٠ ]
الشيخ: النساء الآن اعتدن أنهن يلبسن الأسود، القميص أسود والسروال أسود و() السوداء، وألا يخرجن إلى حوش البيت، ولا يصعدن إلى السطح، ولا يشاهدن القمر ليلة البدر؛ لأنه رجل! وهلم جرًّا. عندهم خرافات عجيبة، كل هذه ما لها أثر، وأيضًا ما تكلِّمُ أحدًا من الرجال، ولا يكلمهم بالتلفون، وإذا قُرع الباب ما يكلمن اللي عند الباب، وأشياء يثقلون على أنفسهم ما أنزل الله بها من سلطان.
طالب: ()؟
الشيخ: لا، بيجينا هذا.
طالب: يعني نقول: يشرع ذلك في ()؟
الشيخ: لا، لا يُشرع.
الطالب: يعني يحرم لبس الأسود؟
الشيخ: إذا كان تعبدًا فهو من الأمر المنهي عنه، كل من تعبد بشدة على نفسه فهو منهي عنه.
الطالب: بل إن بعض النساء عندما يموت زوجها وتصبح عادتها لبس الأسود، يعني مات عنها وهي كبيرة خمسين أو أربعين تبقى على الأسود إلى أن تموت، إلى أن تصبح عادتها اللبس الأسود يعني.
الشيخ: هذا خطأ، هذا غلط.
الطالب: لا يجوز يعني؟
الشيخ: إي نعم، كل من تعبد بما لا يشرع ().
الطالب: طيب النساء اللي هن يذهبن للتعزية أيضًا يلبسن الأسود، هل يجوز لهن؟
الشيخ: ما هو بصحيح، غلط.
الطالب: يحرم عليهن يعني؟
الشيخ: والله بس التحريم () يعني، الواحد ما يقدر يعبر بالتحريم بشيء ما في ذلك، لكن نقول: هذا من البدعة، التعبد لله بمثل هذا من البدعة، يُنهى عنه ().
الطالب: يعني نقول: إنها تلزم بالثياب العادية ().
***
الشيخ: قال: (فَصْلٌ: وَتَجِبُ عِدَّةُ الْوَفَاةِ فِي الْمَنْزِلِ حَيْثُ وَجَبَتْ). هذا أيضًا مما يتعلق بالمرأة المحادة.
(تجب عدة الوفاة في المنزل حيث وجبت)، (حيثُ) ظرف مكان متعلق بماذا؟ متعلق بمحذوف، حال من (المنزل).
[ ١ / ٧٠٢١ ]
(في المنزل حيثُ وجبت)، يعني في الذي نزلت فيه، أو في الذي هي نازلة فيه (حيث وجبت) العدة. أو نقول: إنها بدل من قوله (المنزل)، يعني وتجب عدة الوفاة حيث وجبت العدة، وهذا أقرب. المهم أنه إذا وَجبت عدة الوفاة وهي في منزل وجب عليها أن تعتد فيه، ما تخرج منه.
ومتى تجب عدة الوفاة؟ بموت الزوج، فإذا مات زوجها وهي ساكنة في بيت تكمل العدة في هذا البيت.
وقول المؤلف: (في المنزل حيث وجبت) إذا مات وهي في منزل أهلها، لكن ذهبت إليهم لزيارة، ما هو على أنه سكنى، تجب العدة عند أهلها؟ لا، ترجع إلى بيت زوجها. كذلك أيضًا لو كان زوجها في المستشفى ومات وهي عنده في المستشفى، تعتد في المستشفى؟ لا؛ لأنه ليس منزلًا لها، إنما تعتد في المنزل الذي هو سكناها. كذلك لو أنه مات وهي عند جيرانها مثلًا لزيارة لهم، فهي ترجع إلى بيت الزوج.
طالب: () خوفًا من فجيعتها.
الشيخ: لا، غلط، ما يجوز، يجب أن ()، يجب أن تبلغ.
(حيث وجبت)، ما تخرج من هذا المنزل، تبقى في هذا المنزل، إلا في بعض الأحوال كما سيأتي.
قال: (فإن تحولت خوفًا)، يعني معناه ما أمكنها أن تبقى في المنزل خوفًا على نفسها أو على مالها، على نفسها من أن يسطو عليها أحد لفعل الفاحشة مثلًا، على نفسها لكونها امرأة عندها شيء من الوحشة، وهذا يكون، قد تكون صغيرة مثلًا تتوحش، فلها أن تنتقل ولَّا لا؟ نعم، يقول المؤلف: (إن تحوَّلَتْ خوفًا انتقلتْ حيثُ شاءَتْ).
طالب: ()؟
[ ١ / ٧٠٢٢ ]
الشيخ: لا، ()، تنتقل حيث شاءت. وقال بعض العلماء: تنتقل إلى أقرب مكان آمِن من بيتها، ولكن الصحيح المذهب في هذا: أنها تنتقل حيث شاءت. لنفرض مثلًا أن لزوجها بيتين؛ بيت هي ساكنته، وبيت آخر سكنه زوجة أخرى، والزوجة الأولى تخاف على نفسها، فهل نقول: يجب أن تنتقل إلى البيت القريب هذا أو لها أن تنتقل عند أهلها ولو كانوا بعيدين؟ نقول: لها أن تنتقل إلى بيت أهلها ولو كانوا بعيدين؛ وذلك لأنه لما تعذر المكان الأصلي سقط الوجوب، الوجوب معلق بماذا؟ معلق بنفس البيت اللي مات وهي ساكنة فيه، الآن تعذر سكناه، سقط الوجوب؛ لأن الوجوب متعلق بعين البيت، فلما تعذر ولم يمكنها سكناه قلنا: () ما شئت. مثلما لو أن أحدًا قطعت يده من المرفق، فإذا أراد يتوضأ نقول: اغسل العضد بدلًا عن المرفق؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما نقول؛ لأن مكان الوجوب زال. ومثل لو أن أحدًا أصلع ما له شعر اعتمر أو حج، والحج يجب فيه الحلق أو التقصير، وهذا ما له شعر، أصلع، نقول: يلَّا روح للحلاق احلق؟ ما نقول: احلق؛ لأنه ما له شعر، وليس أيضًا بل من العبث أن يُمِرَّ الموسى على رأسه كما قاله بعض العلماء، يقول بعض العلماء: ينبغي أنه يروح يمر الموسى على رأسه!
نقول: هذا عبث، هذا القول مثلما لو قلتم: إن الأخرس في الصلاة -الأخرس اللي ما يعرف يتكلم- خلوه يحرك شفتيه وهو لا ينطق! هذا عبث. فالحاصل أن الصحيح المذهب في هذه المسألة.
طالب: شيخ، ما ينطبق عليه قاعدة: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
الشيخ: إلا، لكن هذا ما له دخل في ها المكان، سقط المكان؛ لأن المقصود المكان بعينه، فتعذر سقط الوجوب.
كذلك إن تحولت (قهرًا)، كيف (قهرًا)؟
افرض أن امرأة ساكنة في بيت زوجها، وجاءها الشارع، قالوا: البيت بيهدم لمصلحة الشارع، قهر ولَّا لا؟ هذا قهر، تخرج وتسكن حيث شاءت.
[ ١ / ٧٠٢٣ ]
طيب، لو فُرض أنها حُوِّلت قهرًا إلى بلد، بأن قالت الدولة: هذا بيتكم بيمر الشارع، ولكن شوفوا البيت هذا لكم بدله، ما تقولون في هذه؟ هل يلزمها أن تتحول إلى البيت الجديد؟
طالب: نعم.
طالب آخر: ().
الشيخ: شوفوا الكلام.
طلبة: يلزمها.
الشيخ: ها الحين؛ يعني البيت الأول بيروح، لكن قالوا: لكم هذا البيت بدله؟
طالب: مخيرة.
طالب آخر: يلزمها.
طالب: ().
الشيخ: والله في ظني أن هذا يجب عليها أن تنتقل للبيت التي () فيه أو بدلًا عنه، هذا ليس كالأول؛ الأول ما له دخل البيت الثاني باللي قريب من بيتهم، لكن هذا جُعل بدلًا عن هذا، فهذه لو قيل: بأنه يجب أن تتحول إليه، لكان له وجه.
كذلك يقول المؤلف: (أو بحق)، تحولت بحق كيف؟ البيت مستأجر لمدة سنة، تمت السنة في أثناء العدة، وقد مضى منها شهران، كم بقي؟ شهران وعشرة أيام، قال صاحب البيت: الإجارة تمت، اطلعوا عن البيت، تحولت الآن بحق؟
طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، يقول: (انتقلت حيث شاءت)، كما سبق؛ وذلك لأن الوجوب يتعلق بعين المكان، وقد تعذرت سكناه، فتعتد حيث شاءت.
طالب: إذا كان، يعني فيه بعض ..
الشيخ: طيب، أضيفوا هذا إلى الأمور الأربعة السابقة، فيكون الأمر الخامس مما يلزمها: لزوم المنزل.
طالب: بعض الناس إذا تزوجوا خرجوا ().
الشيخ: تنتقل إلى بيت زوجها.
الطالب: هذا ().
الشيخ: إي، ولو كان؛ لأن البيت هذا مستقل، اللهم إلا لو يستأجر بيتًا للمنام فقط وهو عند أهله مثلًا ساكن، لكنه بس في المنام يذهب هو وزوجته ينام في بيت آخر، هذا صحيح.
طالب: إذا كانت لوحدها، تُوفي عنها زوجها، يعني تلزم بأن () أحد معها في البيت ()؟
الشيخ: لا، ما يلزم أحد أن يأتي معها، إن جاؤوا تطوعًا، فجزاهم الله خيرًا.
الطالب: طيب، وإن وجد متطوعين؟
الشيخ: إذا وجدت متطوعين تبقى بالبيت؛ لأنها كانت تخاف أو تستوحش وقد زال هذا السبب.
[ ١ / ٧٠٢٤ ]
قال: (ولها الخروج لحاجتها نهارًا لا ليلًا)، الآن الانتقال من المنزل فهمنا أنه لا يجوز الانتقال، لكن الخروج مع البقاء في المنزل، هل يجوز أو لا؟
نقول: هذا لا يخلو من ثلاث حالات: إما أن يكون لضرورة، أو لحاجة، أو لغير ضرورة ولا حاجة، أما إذا كان لغير ضرورة ولا حاجة، فإنه لا يجوز أن تخرج، مثل لو قالت: أريد أن أخرج للنزهة، جماعة ()، بيجوز؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: طيب، للعمرة، يجوز؟ لا؛ لأنه ليس لضرورة () بدون حاجة ولا ضرورة فهو حرام.
الحال الثانية: أن يكون لضرورة، أن يكون الخروج من البيت للضرورة، فهذا جائز ليلًا ونهارًا. كيف الضرورة؟ مثلًا حصل مطر، وبدأ البيت يخر، وخشِيت على نفسها أن يسقط البيت، ضرورة؟
طالب: لا بد لها.
الشيخ: تخرج، لكن إذا وقف المطر وصُلِّح البيت ترجع.
طيب شبَّت نار في البيت، ضرورة؟
طالب: نعم، يجب الخروج.
الشيخ: طيب، تخرج.
الحال الثالثة: أن يكون لحاجة لا لضرورة، لحاجة مثل: ذهبت اشتهت أن تشتري مثلًا ميرندا؛ أو تشتري شاهيًا أو شيئًا.
طالب: أو طعامًا.
الشيخ: أو طعامًا، الطعام قد يكون ضرورة في بعض الأحيان.
الطالب: تخرج له نهارًا أيضًا؟
الشيخ: إي نعم، ولو ليلًا، وعلى كل حال ضرورة، قد يكون ضرورة. المهم شيء لحاجة، ما هو لضرورة، فإنها لها أن تخرج نهارًا لا ليلًا؛ لأن النهار الناس طالعين والأمن عليها أكثر، وفي الليل الناس مختفين والخوف عليها أشد، والله أعلم ()
طالب: ().
***
الشيخ: قال: (وإن تركت الإحداد أثمت وتمت عدتها بمضي زمانها).
(إن تركت الإحداد)، يعني إن تركت ما يلزمها من الإحداد، مثل أن تتطيب، أو تتحسن، أو تلبس الحلي، أو الزينة، فإنها تأثم، لماذا؟ لأنها تركت الواجب.
[ ١ / ٧٠٢٥ ]
وقول المؤلف: (أثمت)، وكذلك تعبير بعضهم: الواجب ما أُثِيب فاعله وعُوقب تاركه، يريدون بذلك -﵏- أنها استحقت ذلك، أن تارك الواجب استحق أن يُعاقب، ولكن ليس بلازم؛ لجواز أن يعفو الله عنه؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فقول المؤلف هنا: (أثِمت) يعني استحقت الإثم، ولا يُلزم أن يصيبها الإثم، كيف؟ لأن الله قد يعفو عنها؛ لعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
وهل لهذا الإثم من دواء؟ نعم، دواؤه التوبة إلى الله ﷿، أن تندم على ما مضى، وأن تعزم على ألا تعود في المستقبل.
وقوله: (وتمت عدتها بمضي زمانها)، لماذا لا نقول: إن العدة لا تتم؟ لأن الإحداد ليس بشرط لها، وإنما هو واجب، فليس بشرط لها، ولهذا لو أنها تركت الإحداد فإنها تنتهي العدة إذا مضى زمانها. وزمان العدة ما هو؟ أربعة أشهر وعشرة أيام، إلا أن تكون حاملًا فإلى وضع الحمل.
[باب الاستبراء]
ثم قال المؤلف: (باب الاستبراء).
(الاستبراء) فيه حروف زوائد، وحروف أصول، الحروف الزوائد: الهمزة، والسين، والتاء، والأصول: الباء، والراء، والهمزة.
مأخوذ من البراءة، الاستبراء مأخوذ من البراءة، البراءة يعني التخلي من الشيء، ومنه قولهم: (برئ من دينه)، يعني تخلى منه ولم يبقَ عليه له شيء.
وأما شرعًا فإنه تربصٌ يُقصد منه العلم ببراءة رحم ملك يمين، هكذا قالوا، والصواب أن يقال: تربصٌ يُقصد منه العلم ببراءة الرحم، ما هو ببراءة رحم ملك اليمين؛ لأن الاستبراء قد يكون لغير المملوكة، وقد سبق أن من وُطئت بشبهة -على القول الراجح- فإنها استبراء، والمزني بها استبراء، والموطوءة بعقد باطل استبراء، وهكذا؛ فإذن التعريف الصحيح أن نقول: تربُّص يُقصد به العلم ببراءة الرحم.
[ ١ / ٧٠٢٦ ]
وقولنا: (العلم)، ليس أمرًا لازمًا أنها إذا حاضت فإنها بريئة الرحم؛ لأن الحامل قد تحيض، ولكنه هنا لما تعذر العلم عُمل بالظاهر ()، المرأة قد تحيض وهي حامل، لكننا نقول: إنه لما تعذر العلم اليقيني عملنا بماذا؟ بالظاهر؛ إذ إن الظاهر أن الحامل لا تحيض، هذا الظاهر، فيكون الحيض هنا علامة ظاهرة، ما هي علامة يقينية أو برهان قاطع، ولكنها علامة ظاهرة.
ومن القواعد المقررة في الشرع أنه إذا تعذَّر اليقين عُمل بغلبة الظن، هذه قاعدة مفيدة؛ إذا تعذر اليقين عُمِل بغلبة الظن، فهنا ما يمكن أن نتيقن أن رحمها خالٍ إلا بشق بطنها، وشق البطن أمر مستحيل؛ إذا شققنا بطنها ربما تموت، لكن يُكتفى بماذا؟ بغلبة الظن، بالظاهر.
وقولنا: إنه ما يمكن العِلم ببراءة رحمها إلا بشق البطن، هذا بناءً على ما سبق، وإلا فالآن توفرت الأسباب والوسائل التي يُعلم بها براءة الرحم بدون شق البطن.
أنا قلت: إننا نقول: العلم ببراءة الرحم أحسن من تقييدنا إياه بالعلم ببراءة رحم ملك اليمين، لماذا؟ لأجل أن يشمل ما إذا أوجبنا الاستبراء في حق الحرة، كما سبق بالموطوءة بشُبهة على القول الراجح والموطوءة بالزنا على القول الصحيح.
وفيه أيضًا مسألة: يجب الاستبراء، يجب على الزوج أن يستبرئ زوجته بدون أن تُوطأ، مثل أن يموت شخص عن حمل امرأة يرثه وهي تحت زوج، فيجب على زوجها أن يستبرئها، مفهوم هذا؟
طالب: نعم.
الشيخ: ولَّا؟
طالب: ما هو مفهوم.
[ ١ / ٧٠٢٧ ]
الشيخ: ما هو مفهوم، طيب، هذا رجل مات أبوه، وتزوجت أمه بعد أبيه بزوج، أولادها من هذا الزوج ويش يكونون بالنسبة له؟ إخوة له من الأم، هذا الأخ مات وله أخ شقيق، له أخ شقيق والأخ من الأم الذي تحمل به هذه المرأة، في هذه الحال نقول لزوجها: يجب عليك أن تستبرئها، ما تجامعها حتى تحيض، لماذا؟ لأجل أن نعرف هل كان الحمل موجودًا حين موت أخيه فيرث منه، أو ليس موجودًا فلا يرث، وهنا ما نعلم إلا إذا امتنع الرجل عن الجماع؛ لأنه لو جامع لاحتُمل أن يعلق الولد من جماعه الذي بعد موت أخيه، ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: وحينئذٍ يكون عندنا إشكال، فمِثل هذه الحال يجب الاستبراء، مع أنه لا هو في ملك يمين، ولا في وطء شبهة، ولا في زنا، لكن لأجل الوصول إلى معرفة هل يرث هذا الحمل، أو لا يرث؟
طالب: لكن لو نشأ حمل يا شيخ يرث؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: طيب، إذا كان في نفس الوقت، يعني مثلًا الأخ مات بالليل.
الشيخ: مَنْ؟
الطالب: الأخ من الأم ذاك الكبير مات بالليل، وهو يجامعها في نفس الـ ..
الشيخ: الله أكبر، تفرض صورة واحدة قد تكون نادرة، المهم أنه يمكن يرد، ما هو معناه لزوم، يعني لو أن هذا الزوج جامع زوجته في الضحى، وعلقت بالولد، ومات أخوه بالليل، ورث منه، يرث منه.
يقول: (من ملك أمة يُوطأ مثلها). انتبه إلى كلمة: (يُوطأ مثلها)، من التي يوطأ مثلها؟ هي التي تم لها تسعون سنة؟ !
طالب: تسع سنوات.
الشيخ: تسع سنين؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إي، طيب، هذه ما () راحت عنا، هي التي تم لها تسع سنين.
(من ملك أمة يُوطأ مثلها). وقوله: (من ملك)، (مَنْ) شرطية تعم جميع أنواع الْمُلك، سواء ملكها بشراء، أو بهبة، أو ملكها باسترقاق في حرب، أو غير ذلك، المهم أنه عام.
(من ملك من صغير وذكر وضدهما).
قوله: (من صغير) أخبروني بماذا هي متعلقة؟ الجار والمجرور متعلق بأيش؟
طلبة: ().
الشيخ: () أيش؟ ولَّا بـ (ملك)؟
طالب: بـ (ملك).
[ ١ / ٧٠٢٨ ]
الشيخ: (من ملك أمة يُوطأ مثلها من صغير)؟
طالب: ().
الشيخ: بـ (ملك)، وإلا المحذوف بيان لمن؟
طلبة: ().
الشيخ: طيب، الصواب أنه من ملكها من صغير وذكر وضدهما متعلق بـ (ملك)، بمحذوف حال بيان لـ (مَنْ)؛ لأن الكلام الآن: المالك هو اللي يحرم عليه الوطء، ومعلوم أنه لو كان أنثى ما نقول: يحرم عليك الوطء، أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لأنه ويش قال بعد ذلك؟ قال: (حرم عليه الوطء)، أي: حرم على المالك وطؤها، فإذا كان أنثى هل نقول: يحرم عليك تطؤها؟ أنثى ملكت أنثى نقول للأنثى المالكة: لا تطئين هذه؟ ! لا، إذن يكون قوله: (من صغير وذكر) متعلقًا بقوله: (مَلَك)، يعني ملكها من صغير، بأن اشتراها من صغير، رجل اشترى أمة يوطأ مثلها من صغير. يمكن هذا ولَّا ما يمكن؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يمكن، يكون هذا الصغير الذي لم يبلغ له إمام خلَّفهن والده له، فاشترى رجل من إمائه، من إماء هذا الصغير، جائز ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: طيب، يجب على المشتري أن يستبرئها، مع أن الصغير هنا ما يطأ مثله، ولكن يجب أن يستبرئها.
(وَذَكر) معروف.
(وضدهما)، من ضد الصغير؟ الكبير، وضد الذكر الأنثى، يعني إذا ملكها من صغير أو كبير، من ذكر أو أنثى.
يقول: (حرم عليه وطؤها ومقدماته قبل استبرائها).
(حرم عليه)، على مَنْ؟
طلبة: على ().
الشيخ: المالك، أحسن أن نقول: المالك؛ لأنه قد يُوهب له هبة.
(حرم عليه) أي على المالك (وطؤها).
(ومقدماته)، ما هي مقدمات الوطء؟ التقبيل، واللمس، والجماع بدون الفرج، وما أشبه ذلك.
(قبل استبرائها)، ويأتي إن شاء الله بماذا يكون الاستبراء.
ويش الدليل؟ الدليل قول النبي ﵊: «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ» (٥)، هذا الدليل، طيب، إذا كان له جار عنده زرع عطشان يحتاج إلى ماء، يجوز أني أسقيه؟ !
طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، والحديث؟
[ ١ / ٧٠٢٩ ]
طالب: كناية عن الزوج.
الشيخ: نعم، المراد يعني معناه أن الإنسان ما يجوز أن يسقي ماءه من كانت مشغولة، أو يمكن أن تكون مشغولة بماء غيره؛ ولهذا يحرم على الإنسان أن يطأ المعتدة، ولو تزوجها لم يصح.
كذلك أيضًا في غزوة أوطاس، غزوة أوطاس نهى النبي ﵊ أن تُوطأ حامل حتى تضع، ولا ذات حيض حتى تحيض بحيضة (٦)، هذا هو الدليل. تأملوا الآن الدليل، هل هو أخص من الحكم الذي جعله المؤلف المدلول أو أعم؟
طالب: أعم.
الشيخ: انتبهوا.
طالب: ().
الشيخ: المؤلف يقول: (حرم عليه وطؤها ومقدماته)، والدليل ويش اللي فيه؟ الوطء، فهنا صار الدليل أخص من المدلول، ومعلوم أنه لا يمكن أن يُستدل بالأخص على الأعم، واضح. نحن نقول: الدليل دل على تحريم الوطء، فأين الدليل على تحريم مقدماته من اللمس وغيره؟
طيب، وحينئذٍ نقول: الاستدلال بهذا الحديث على الحكم صحيح من وجه، غير صحيح من وجه، صحيح من أي وجه؟ من جهة الوطء، غير صحيح من جهة مقدماته، وهذه أيضًا قاعدة نافعة للمُناظِر: أنه إذا استدل خصمه بشيء يكون أخص من المدلول، فإنه له الحق في رفضه؟
طالب: نعم.
الشيخ: في رفضه بالنسبة للعموم، لما هو أعم، ولكن ليس له الحق أن يرفض ما دل عليه الحديث أو الدليل.
إذن يبقى النظر في قول المؤلف: (ومقدماته) هل هو صحيح ولا سيما باعتبار استدلاله بالحديث؟ الجواب: غير صحيح؛ فالحديث لا يدل على تحريم مقدمات الوطء.
طيب، إذن هل يجوز أن يفعل مقدمات الوطء من التقبيل وشبهها؟ أو نقول: لما كانت هذه ذرائع للوطء؛ لأن الإنسان قد لا يملك نفسه ولا سيما إن كانت هذه الأمة شابة وجميلة، ما يملك نفسه إذا قبلها أن يجامعها، فهل نقول: إنه يحرم من باب سد الذرائع أو لا؟
[ ١ / ٧٠٣٠ ]
نقول: سد الذرائع لا شك أنه أمر مقصود، لكن عندنا عموم يخالف هذا الحكم، أن نأخذ بالذرائع، العموم هو قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون ٦]، فإذا كان على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم، فنقول: الأصل في ملك اليمين أن يجوز لك أن تتمتع بها بما شئت، حُرِّم الوطء لدلالة الحديث عليه، فيبقى ما عداه داخلًا في المباح.
فإن قلت: ألا يمكن أن نقيس ذلك على الجماع في الإحرام، حيث حَرُم على الْمُحْرِم أن يجامع، وحرم عليه مقدمات الجماع؟
طالب: فارق.
الشيخ: نقول: لا نقيس؛ لأن مقدمات الجماع في الإحرام محرمة لذاتها، بدليل أن المحرِم لا يجوز أن يُعقد له النكاح، ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: وأنه لا يخطب، ففرق بين هذا وهذا، ولا يصح القياس، ولو أردنا القياس لقلنا: نقيس على الحائض، لو أردنا القياس قلنا: يُقاس على الحائض أولى، وأجلى، وأبين، والحائض يجوز للإنسان أن يستمتع فيها بما دون الفرج.
فعلى هذا نقول: الصواب أن مقدمات الوطء بالنسبة للمملوكة جائز، ولو قبل الاستبراء، والدليل قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾، خُصَّ منه الجماع بالدليل المانع فيبقى ما عداه على الأصل.
طيب، لاحظوا: (من صغير وذكر وضدهما حرم عليه وطؤها قبل استبرائها) أولًا: ما هي العلة في أنه يحرم عليه الوطء؟ العلة لئلا يكون سيدها الأول قد جامعها وعلقت منه بولد، فحينئذٍ يكون هذا الرجل قد سقى ماءه زرع غيره.
طيب، إذا ملكها من امرأة، يجب الاستبراء؟
طالب: نعم.
طالب آخر: لا، ما يجب.
الشيخ: على كلام المؤلف يجب، ولكن القول الصحيح الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا يجب الاستبراء، قال: لأن المرأة ما تطؤها.
طيب، يحتمل أن أحدًا اعتدى عليها ووطئها عند سيدتها. ويش الأصل؟
[ ١ / ٧٠٣١ ]
الأصل عدم ذلك، ولو قلنا بهذا الاحتمال لقلنا: لا يمكن أن تطأ زوجتك ولا أمتك؛ لأنه فيه احتمال أن أحدًا اعتدى عليها وهي عندك ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: وهذا لا يقول به أحد؛ وعلى هذا فالقول الراجح في هذه المسألة أنه لو ملكها من امرأة فإنه لا يجب الاستبراء.
طيب، لو ملكها من رجل، ولكنها بِكر، بكارتها لم تزل موجودة، هل يجب عليه الاستبراء؟
طالب: نعم.
الشيخ: من كلام المؤلف؟
طالب: لا يجب.
طالب آخر: لا يجب.
الشيخ: على كلام المؤلف يجب الاستبراء؛ لأنه قال: (من ملك أمة يوطأ مثلها)، ولم يقل: من ملك أمة ثيبًا، قال: (من ملك أمة يُوطأ مثلها)، وقلت لكم: (أمة يوطأ مثلها) هي بنت تسع فأكثر.
إذن لو ملك أمة بكرًا وجب عليه الاستبراء، مع أن البِكر لم توطأ؛ إذ لو وُطئت لزالت البكارة، وقال شيخ الإسلام: إنه لا يجب الاستبراء فيما إذا كانت بكرًا؛ لأن العلة التي وجب الاستبراء لها غير موجودة فيها، فهي بكر.
طيب، ملك أمةً من رجل صدوق أمين، قال له: إنه لم يطأها، ثقة، وقال: ما وطئتها، ما تقولون؟
طالب: يجب استبراؤها.
الشيخ: نعم، على المذهب يجب الاستبراء، وعند شيخ الإسلام لا يجب الاستبراء؛ لأن هذا الرجل أخبره بأنه لم يجامعها. وكذلك لو أخبره بأنه قد استبرأها قبل بيعها؛ فالمذهب يجب الاستبراء، وإن كان ذاك قد استبرأها اللي باعها، وعند الشيخ: إذا وثِق به فإنه لا يجب.
لكن رأي الشيخ في هاتين المسألتين الأخيرتين ليس كرأيه فيما إذا كانت بكرًا، أو إذا ملكها من امرأة؛ لأن قوله فيما إذا ملكها بكرًا أو من امرأة، قوله -لا شك- أنه هو الصواب، أما هذه فقد يقول قائل: إنه وإن أخبره أنه قد استبرأها، أو أنه لم يجامعها، فقد يكون متهمًا في ذلك، من أجل أن يُرغِّب في شرائها أو لا؟
طلبة: نعم.
[ ١ / ٧٠٣٢ ]
الشيخ: لأنه إذا قلنا: إنها لا تحتاج إلى استبراء، أرغب مما إذا قلنا: تحتاج إلى استبراء، ويش السبب أنها أرغب؟ لأنه يستمتع بها من يوم يشتريها، لا سيما على المذهب إذا قلنا: لا يحل له المقدمات، أما إذا قلنا بأنه يحتاج إلى استبراء فسيمكث إلى أن يستبرئها.
طيب، استبراء الحامل، الاستبراء كيف هو؟
يقول المؤلف: (استبراء الحامل بوضعها)، صحيح؟ نعم، إذا وضعت فقد استبرأت. طيب، لو وضعت بعد الشراء بساعة؟
طالب: ().
الشيخ: بقي في بطنها خمس سنين.
طالب: المذهب أربع سنين.
الشيخ: أربع سنين، ما يخالف، خليها ثلاث سنين؟
الطالب: ينتظر.
الشيخ: ينتظر.
طيب، (ومن تحيض) استبراؤها (بحيضة)؛ لأن هذه ليست عدة، وإنما الغرض العلم ببراءة الرحم، فإذا حاضت مرة واحدة حلَّت.
طيب، إذا كانت قد ارتفع حيضها ولم تدرِ سببه؟ تنتظر سنة، أو أحد عشر شهرًا؟ أحد عشر شهرًا؛ لأن تسعة أشهر للحمل وشهرًا للاستبراء.
طالب: عشرة أشهر.
الشيخ: عشرة أشهر، نعم، صح ..
[ ١ / ٧٠٣٣ ]