ومعناه: أن يُريدَ بلَفْظِه ما يُخالِفُ ظاهِرَه، فإذا حَلَفَ وتَأَوَّلَ يَمينَه نفَعَه إلا أن يَكونَ ظالمًا، فإذا حَلَّفَهُ ظالِمٌ ما لزيدٍ عندَك شيءٌ وله عندَه وَديعةٌ بِمَكانٍ فَنَوَى غيرَه أو بما الذي، أو حَلَفَ ما زيدٌ ههنا ونَوَى غيرَ مَكانِه، أو حَلَفَ على امرأتِه لا سَرَقْتِ مني شيئًا فخانَتْه في وَديعةٍ ولم يَنْوِها لم يَحْنَثْ في الكلِّ.
السبب؛ لأن (كلما) تفيد التكرار، فإذا مر زمن يمكن ثلاث مرات إذن تطلق ثلاثًا.
فحينئذٍ إذا قال مثل هذه الصيغة نقول: الأحسن أن تقول: على طول أنت طالق؛ لأنه إذا قال: أنت طالق على طول، صار الطلاق رجعيًّا، واحدة فقط، ولا يقع عليها شيء؛ لأنه يقول: كلما لم أطلقك فأنت طالق. فإذا قال: على طول أنت طالق، فقد بَرَّ في يمينه.
أما إذا لم يفعل فهو كلما مضى زمن يمكن أن يقول: أنت طالق؛ طلقت، ثم الزمن الثاني: أنت طالق؛ طلقت، ثم الزمن الثالث: أنت طالق؛ طلقت؛ لأن (كلما) تفيد التكرار.
فإن قال قائل: لماذا لا تقولون: إنه لما وقع الطلاق عليها بأول جزء صدَق عليه أنه طلقها، فلا يلحقه الطلقتان الأخريان؟
قلنا: إن الظاهر من كلامه: (كلما لم أطلقك)، بصيغة غير هذه، وإلا فللإنسان أن يقول: إذا كان كلما لم أطلقك فأنت طالق ومضى ما يمكن أن يقول فيه: أنت طالق، ما هي تطلق؟ تطلق، إذن طلقها، فلا يقع عليها الطلقتان الأخريان.
فالجواب: أن المفهوم من كلامه: (كلما لم أطلقك)، يعني بصيغة غير هذه الصيغة، ومعلوم أن مدلول الكلام مقصود.
طالب: هل يعتبر الطلاق هنا بدعيًّا ولَّا سنيًّا (كلما)؟
الشيخ: هو الآن الفقهاء يذكرون هذه المسائل لوقوعها وعدم وقوعها، والفقهاء يرون الطلاق البدعي واقعًا، يرونه واقعًا لكن مع التحريم.
الطالب: فهو يعني يعتبر طلاقًا بدعيًّا؟
الشيخ: إي نعم، لكن الكلام على أن الصيغة تقتضي هكذا، أما على هل يحرم أو ما يحرم أو يكره؛ هذا شيء آخر.
[ ١ / ٦٧٦٧ ]
يقول المؤلف: (طَلَقَتِ المدخولُ بها ثلاثًا، وتَبِينُ غيرُها بالأولى)؛ لأن غير المدخول بها إذا طلقها مرة؟
طالب: بانت.
الشيخ: بانت، ولا يلحقها طلاقُه ثانية؛ لأنه لا عدة لها، فلو أن رجلًا قال لزوجته التي لم يدخل بها: أنت طالق. ثم قال حالًا: أنت طالق. كم يقع؟
طلبة: واحدة.
الشيخ: والثانية؟
الطلبة: الثانية ما تقع.
الشيخ: الثانية ما تقع؛ لأنها بانت منه، فلا يلحقها طلاقه.
(وتَبِينُ غيرُها بالأولى، وإن) قال. شوف الكلام، يعني يمكن يقع ويمكن ما يقع، (وإن قُمْتِ فقعدْتِ -أو ثم قعدْتِ- أو قعَدْتِ إذا قمْتِ).
طالب: (إن قعَدْتِ).
الشيخ: لا عندي أنا: (أو قعدت إذا قمت -أو إن قمت- أو إن قعدت إن قمت؛ فأنت طالق: لم تطلق حتى تقوم ثم تقعد).
هذه عدة مسائل:
المسألة الأولى: قال: (إن قمت فقعدت .. فأنت طالق)، ما تطلق حتى تقوم وتقعد، والفاء تدل على الترتيب باتصال، (إن قمت فقعدت)، فلو قعدت ثم قامت؟
طلبة: ما تطلق.
الشيخ: ما تطلق.
أو قال: (إن قمت .. ثم قعدت) أيضًا ما تطلق حتى تقوم ثم تقعد، لكن (ثم تقعد) للتراخي، كما قال ابن مالك:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ بِانْفِصَالِ
أو قال: (إن قعدت إذا قمت)، هذه المسألة الثالثة، إذا قال: أنت طالق إن قعدت إذا قمت، متى تطلق؟
طالب: إذا قامت ثم قعدت.
الشيخ: إذا قامت ثم قعدت؛ لأنه قال: إن قعدت إذا قمت، يعني كأنه يقول: إن قعدت من قيام فأنت طالق، فلا تطلق حتى تقوم ثم تقعد.
كذلك قال: أو أنت طالق (إن قعدت .. إن قمت)، كذلك ما تطلق حتى تقوم ثم تقعد.
أما المسألتان الأوليان فظاهر الترتيب فيهما؛ لأنه قال: إن قمت فقعدت، والثانية قال: إن قمت ثم قعدت.
[ ١ / ٦٧٦٨ ]
وأما المسألتان الأخريان فالترتيب فيهما؛ لأن القاعدة: أنه إذا اجتمع شرطان فالمتأخر منهما لفظًا متقدم زمنًا، هذه قاعدة معروفة: إذا اجتمع شرط في شرط فإن المتأخر منهما متقدم زمنًا؛ لأن هذا شرط عُلِّق على شرط، والمعلَّق عليه لا بد أن يتقدم المعلَّق.
فالقاعدة: إذا اجتمع شرطان وكان الثاني منهما داخلًا في الشرط الأول، فإن الثاني متقدم على الأول في الزمن؛ لأنه قال: إن قمت إن قعدت، أيهما المتأخر لفظًا؟
طالب: إن قعدت.
الشيخ: وزمنًا؟
الطالب: إن قمت.
الشيخ: إن قمت إن قعدت فأنت طالق، المتأخر لفظًا القعود، والمتقدم زمنًا هو القعود، قال الشاعر:
إِنْ تَسْتَغِيثُوا بِنَا إِنْ تُذْعَرُوا تَجِدُوا
مِنَّا مَعَاقِلَ عِزٍّ زَانَهَا كَرَمُ
شرط في شرط: (إن تستغيثوا بنا إن تُذعَروا؛ تجدوا منا معاقِل عِزٍّ زانها كرمُ)، متى تكون الاستغاثة؟
طالب: بعد الذعر.
الشيخ: تكون الاستغاثة بعد الذعر؛ فلهذا إذا جاء شرط في شرط فإن المتأخر لفظًا متقدم زمنًا، فإذا قال: إن قمت إن قعدت فالقعود قبل القيام، وكذلك: إن قمت إذا قعدت، فالقعود ..
طالب: أيضًا قبل القيام.
الشيخ: طيب، إن قال: إن أكلت إن شربت فأنت طالق، مثله؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: أيهما اللي تقدم؟
الطالب: الشراب.
الشيخ: الشراب، طيب ألا يحتمل أن قوله: إن أكلت إن شربت، أنه على تقدير العطف، يعني: إن أكلت وإن شربت فأنت طالق؟ نقول: نعم، هو لا بد من وجود أكل وشرب، لكن أيهما الأسبق؟
طالب: الشرب.
الشيخ: الشرب، المتأخر هو الأسبق.
قال ﵀: (وبالواو تطلق بوجودهما): أنت طالق إن قمت وقعدت، تطلق بوجودهما ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: مرتبين؟
الطالب: ولو غير مرتبين.
الشيخ: قال: (ولو غير مرتبين): سواء تقدم القعود أو القيام.
(وبأو بوجود أحدهما): إن قمت أو قعدت فأنت طالق، فإنها تطلق بوجود أحدهما؛ لأن (أو) لأحد الشيئين.
[ ١ / ٦٧٦٩ ]
طيب، عندي بالشرح مسألة غريبة: (إنْ علَّق الطلاق على صفات فاجتمعت في عين)، يقول: كـ إن رأيتِ رجلًا فأنت طالق، وإن رأيتِ أسود فأنت طالق، وإن رأيتِ فقيهًا فأنت طالق، فرأت رجلًا أسود فقيهًا تطلق ثلاثًا! ! ولو بحجر ذي شعب، هذه مثل الاستجمار بالحجر الواحد له شعب ينوب عن ثلاثة.
قال: إن رأيت رجلًا فأنت طالق، وإن رأيت أسود فأنت طالق، وإن رأيت فقيهًا فأنت طالق، فرأت رجلًا أسود فقيهًا، صدق عليها أنها رأت رجلًا، وأنها رأت أسود، وأنها رأت فقيهًا، فتطلق لاجتماع الصفات الثلاث في عين واحدة.
وقيل: لا تطلق؛ لأن الأيمان ترجع إلى العرف، والعرف أن الإنسان إذا قال: إن رأيت رجلًا، وإن رأيت أسود، وإن رأيت فقيهًا، ويش يقتضي؟ يقتضي التعدد، فإذا وُجد ما يدل على أنه أراد التعدد عُمل به.
طالب: قوله (وبأو بوجود أحدهما) والمثال الذي ذكرت: إن قمت أو قعدت، فيتعين إيقاع الطلاق.
الشيخ: بوجود أحدهما.
الطالب: كما لو كان أوقع الطلاق.
الشيخ: كيف؟
الطالب: لأن حالها إما واقفة أو قاعدة.
الشيخ: لا، أو مضجعة؛ أشياء ثلاث. أما سمعت قول رجل يصلي بجماعة، فقام فقالوا: سبحان الله، فقعد فقالوا: سبحان الله، فاضطجع؛ قال: ما بقي إلا الثالثة! !
طالب: مسألة أنها إذا رأت رجلًا ()؟
الشيخ: لا، وهو واحد فقط؟
الطالب: إي.
الشيخ: لا، ما تطلق.
طالب: مسألة ().
الشيخ: أيها؟
الطالب: ().
الشيخ: صحيح إذا دل العرف على أنه يريد التعدد فهو على ما أراد.
الطالب: يرجع إلى نيته؟
الشيخ: نعم.
***
يقول: (فصل في تعليقه بالحيض)
(إذا قال: إن حضت فأنت طالق، طلقت بأول حيض متيقن):
مع أن هذا الطلاق حرام بدعي، لكن المذهب يرون أن الطلاق البدعي يقع، وسبق أن الصحيح أنه لا يقع.
قال: وإذا حضت حيضة، تطلق بأول الطهر من حيضة كاملة. واضح؛ إن قال: إذا حضت حيضة.
(وفيما: إذا حضت نصف حيضة، تطلق في نصف عادتها):
[ ١ / ٦٧٧٠ ]
فهذا الفصل ذكر فيه المؤلف تعليق الطلاق بالحيض، يُعَلَّق بأوله وبآخره وبأثنائه.
هذه الفصول كان شيخنا ﵀ إذا وصلناها ()؛ لأنه يقول: كلها أمثلة ما هي بذات أهمية، لكن نحن نقرؤُها ربما تعرض مسألة.
***
(فصل)
(إذا علقه بالحمل فولدت لأقل من ستة أشهر طلقت منذ حلف):
إذا قال: إن كنت حاملًا فأنت طالق.
طالب: ().
الشيخ: لا، إن كنت حاملًا فأنت طالق، (فولدت لأقل من ستة أشهر طلقت منذ حلف)؛ لأننا تيقنَّا أنها كانت حاملًا عند قوله: إن كنت حاملًا فأنت طالق، (فولدت لأقل من ستة أشهر)، لماذا نقول: إنها تطلق منذ حملت؟ لأن أقل الحمل ستة أشهر.
وانتبهوا لقوله: (منذ حلف)، فإن قوله: (منذ حلف) هذا من باب التجوُّز؛ لأن هذا المذكور تعليق محض وليس يمينًا؛ لأنه علَّقه على الحمل، والحمل ليس من فعلها حتى نقول: إنه يريد به اليمين.
(وإن قال: إن لم تكوني حاملًا فأنت طالق؛ حرُم وطؤها قبل استبرائها بحيضة في البائن، وهي عكس الأولى في الأحكام):
إذا (قال: إن لم تكوني)، الأول: إن كنت حاملًا، وهنا قال: إن لم تكوني. وبينهما فرق: الأول إثبات، والثاني نفي، فإذا قال: إن لم تكوني حاملًا فأنت طالق، نقول: ما عاد يجوز تطؤها حتى تحيض، لماذا؟ إذا كانت بائنًا طبعًا، إذا كانت رجعية فلا حرج؛ لأنه يجوز أن يطأها وتكون رجعة، لكن إذا كانت بائنًا هذه آخر طلقة نقول: لا تطَأْها. لماذا؟ لأنك لو وطئتها اشتبه علينا الأمر، فقد تكون الآن غير حامل فتطؤها وهي بائن.
إلى متى لا يطؤها؟ حتى تحيض، فإذا حاضت عرفنا أنها لم تكن حاملًا حين قوله: إن لم تكوني حاملًا فأنت طالق.
قال لزوجته: إن لم تكوني حاملًا فأنت طالق، الآن يحتمل أن تكون حاملًا، ويحتمل أن تكون غير حامل، إن كانت حاملًا لم تطلق، وإن كانت غير حامل فإنها تطلق.
ماذا نعرف؟ نقول: الآن لا تطأها حتى تستبرئها؛ إن حاضت تطلق؛ لأنه تبين أنها لم تكن حاملًا، وإن لم تحض فهي حامل.
[ ١ / ٦٧٧١ ]
ولكن مع ذلك يقول المؤلف: (وهي عكس الأولى في الأحكام).
وأيش معنى (عكس)؟
يقول عندي في الشرح: (فإن ولدت لأكثر من أربع سنين طلقت؛ لأنا تبينا أنها لم تكن حاملًا، وكذا إن ولدت لأكثر من ستة أشهر وكان يطأ؛ لأن الأصل عدم الحمل).
نقول: الآن هذه المسألة عكس الأولى في الأحكام؛ لأنها عكسها في الصورة، الأولى: (إن كنت حاملًا)، والثانية: (إن لم تكوني حاملًا)، فيكون المدار على كم؟ على أربع سنين؛ لأن أكثر مدة الحمل أربع سنين، فإذا مضى أربع سنين ولم تضع الحمل ثم وضعته بعد الأربع، علمنا أن الطلاق قد وقع؛ السبب: لأنه لا يمكن على رأي الفقهاء أن يزيد الحمل على أربع سنوات.
إذا ولدت لأكثر من ستة أشهر وهو لا يطأ.
طالب: وهو يطأ.
الشيخ: وكان يطأ نعم، ما يخالف: أو وهو لا يطأ.
إذا ولدت لأكثر من ستة أشهر وهو يطأ مع أنه بيحرم عليه إذا كانت بائنًا، فإنها في هذه الحال لا تطلق؛ السبب: لأننا ما علمنا أنها لم تكن حاملًا؛ إذ إن الرجل يطأ.
أما إذا كان المؤلف يقول: "وإن كان يطأ" لأن الأصل عدم الحمل، وقد ولدت لأكثر من ستة أشهر.
فإن ولدت لأقل من ستة أشهر لم تطلق مطلقًا سواء كان يطأ أم لا يطأ؛ لأنه يقول: إن لم تكوني حاملًا، وقد تيقنا أنها حامل؛ لأن أقل الحمل ستة أشهر.
طالب: يقول: (حَرُمَ وطؤُها قبل استبرائِها بحيضةٍ)، أحيانًا لا تحيض في موعد الدورة وهي غير حامل، فيمكن حيضة واحدة لا يتيقن أنه يمكن أن يحصل به يعني؟
الشيخ: هم يرون أنه بناء على الظاهر، يرون الحيضة تكفي، وقد ورد في هذا حديث في سبايا أوطاس، الرسول ﷺ قال: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا ذَاتُ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ» (١). فالأصل البناء على الظاهر؛ لأنه ربما بعد تحيض مرتين أو ثلاثًا وهي حامل في أول شهورها.
طالب: إذا كانت في قوله: (إن كنت حاملًا فأنت طالق)، (حاملًا) هذه تكون حالًا ()؟
الشيخ: لا، هذه خبر كان.
[ ١ / ٦٧٧٢ ]
الطالب: إذا كانت ()؟
الشيخ: (حاملًا) خبر كان.
يقول: (وإن علق طلقة إن كانت حاملًا بذَكَرٍ، وطلقتين بأنثى فولدتهما طلقت ثلاثًا):
ويش قال؟ قال: إن كنت حاملًا بذَكر فأنت طالق طلقة، وإن كنت حاملًا بأنثى فأنت طالق طلقتين؛ لأن الولد أحب إليه من الأنثى، لكن المرأة ولدت توأمًا، يعني ولدت ولدًا وأنثى، ويش تطلق؟
طالب: ثلاثًا.
الشيخ: تطلق ثلاثًا؛ لأن واحدًا ذَكَرًا له طلقة، والأنثى طلقتان، فتطلق ثلاثًا.
أما إذا قال: (إن كان مكانه: إن كان حملك، أو ما في بطنك لم تطلق بهما):
شوف الدقة! ما عاد العوام يفهمون هذا الكلام، إذا قال: إن كان حملك ولدًا فأنت طالق طلقة، وإن كان حملك أنثى فأنت طالق طلقتين، فولدت ذكرًا وأنثى جميعًا فلا تطلق؛ السبب: لأن حملها لم يكن واحدًا الآن، وهو يقول: إن كان حملك ولدًا -ذكرًا- فأنت طالق طلقة، إن كان حملك أنثى فأنت طالق طلقتين، فولدت ذكرًا وأنثى، نقول: ما تطلق، ليش؟ لأن حملها صار ذكرًا وأنثى، وهو يقول: إن كان حملك ذكرًا، وإن كان حملك أنثى، والآن صار الحمل ذكرًا وأنثى، شخصين.
طالب: مختلف عن الحال.
الشيخ: بخلاف قوله: إن ولدْتِ ذكرًا، وإن ولدْتِ أنثى، وهذه من دقائق العلم التي ما ينتبه لها إلا طلبة العلم، وإن شاء الله يأتينا في الدعاوي.
طالب: إذا قال: إن ولدت أنثى فأنت طالق، فولدت ولدًا وبنتًا، فهل نقول: تطلق أو لا تطلق؟
الشيخ: إذا قال: إن ولدت بنتًا فأنت طالق، تطلق مرة واحدة فقط.
الطالب: لا، ولدت ولدًا وبنتًا في بطن واحدة؟
الشيخ: إي نعم، تطلق واحدة.
الطالب: بالبنت؟
الشيخ: إي، بالبنت.
ثم قال: (فصل: إذا علق طلقة على الولادة بذكر، وطلقتين بأنثى، فولدت ذكرًا ثم أنثى حيًّا أو ميتًا طلقت بالأولى، وبانت بالثاني، ولم تطلق به): سبحان الله!
[ ١ / ٦٧٧٣ ]
(إذا علق طلقة على الولادة بذكر، وطلقتين بأنثى) ويش قال؟ قال: إن ولدت ذكرًا فأنت طالق طلقة، وإن ولدت أنثى فأنت طالق طلقتين، فولدت ذكرًا ثم أنثى، (طلقت بالأول وبانت بالثاني ولم تطلق به).
(طلقت بالأول)؛ لأنها ولدت ذكرًا، (وبانت بالثاني)؛ لأنه لما ولدت الذكر الأول وطلقت شَرَعَتْ في العدة، العدة الآن ما بين الأول والثاني، كم بينهما؟
طالب: دقائق.
الشيخ: يمكن دقائق، فلما ولدت الثاني انتهت عدتها فبانت بالثاني، إذا بانت لا تلحقها الطلقة؛ لأنها تكون وقعت عليها وهي بائن من زوجها.
هذا رجل قال لزوجته: إن ولدت ذكرًا فأنت طالق طلقة، وإن ولدت أنثى فأنت طالق طلقتين، فولدت أولًا الذكر، ولدت الذكر تطلق، ويش السبب؟
طالب: لأنه علق ..
الشيخ: لأنها ولدت ذكرًا فحلَّ عليها الطلاق، إذا ولدت الأنثى بعده لم تطلق لكنها تَبِينُ بالأنثى؛ تبين لأنها انتهت عدتها، فإذا انتهت عدتها بولادة البنت صادف التعليق امرأة بائنًا، والمرأة البائن لا يقع عليها الطلاق.
طالب: كيف واحدة ()؟
الشيخ: إي، لكن واحدة في الولد، الآن صارت حاملًا لأنها ما بعد انتهى حملها: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، لما وضعت البنت انقضت العدة.
إذا انقضت العدة يكون الطلاق واقعًا على غير محله؛ كأنه يقول: إن ولدت أنثى، فالطلاق لا يقع إلا بعد ولادة الأنثى، وهي بولادة الأنثى بانت من زوجها، فيصادفها الطلاق المعلق وهي ليست زوجة، سبحان الله! !
طالب: يجوز مراجعتها مرة أخرى بعقد جديد.
الشيخ: لا، ما يجوز لأنه قال في الأنثى: طلقتين.
الطالب: بس ما يقعون يا شيخ، على هذا الـ ..؟
الشيخ: إي نعم، ما يقع الطلاق لأنها بانت منه الآن، ما يقع عليها طلاق آخر.
الطالب: هذا في الأول.
الشيخ: له أن يعقد عليها عقدًا جديدًا.
الطالب: إلا إن كانت صغرى.
الشيخ: له أن يعقد عليها عقدًا جديدًا.
طالب: ما بين الحالين يعني؟
[ ١ / ٦٧٧٤ ]
الشيخ: ما بين الوضعين هو العدة.
طالب: يعني بانت بينونة صغرى؟
الشيخ: لا، طلقت بالأولى، وبانت بالثانية بينونة صغرى، بمعنى أنه إن شاء أن يعقد عليها عقدًا جديدًا فله ذلك.
واضح الآن، والسبب في ذلك:
طالب: ما طلقت ثلاثًا.
الشيخ: لأنها انتهت العدة، فصادف قوله: إن ولدت أنثى فأنت طالق طلقتين، صادف امرأة ليست زوجة له ولا معتدة منه.
طالب: بعد ولادة الولد فورًا راجعها، يقع عليها الطلقتان بولادة الأنثى؟
الشيخ: نعم.
الطالب: يمكن أن يحدث هذا، يفرح بالولد ويراجعها.
طالب آخر: ()؟
الشيخ: هل هذا كلام العلماء؟
يقول: (وإن أشكل كيفية وضعهما فواحدة)، إن قال: ما أدري هل وضعت الذكر الأول أو الأنثى الأولى، أو جميعًا، فإنها تكون واحدة؛ لأن الواحدة متيقنة وما زاد عليها فمشكوك فيه.
طالب: ()؟
الشيخ: ما يقع إلا واحدة فقط؛ لأنه ما ندري أيهما الأول.
طالب: إذا ولدت خنثى؟
الشيخ: إذا ولدت خنثى يعني () صار أيش؟
الطالب: يعني ذكر وأنثى.
الشيخ: ويش هو بان؟
طالب: هو بان بالأول أنه ولد ذكر () وبنت أنثى ().
الشيخ: نعامله بالمتيقن وهي الواحدة فقط.
(فصل: إذا علقه على الطلاق ثم علقه على القيام)، ويش بعده؟
طالب: (وعلقه على القيام).
الشيخ: (أو علقه على القيام)، (ثم علقه على الطلاق)، كذا؟
طلبة: (ثم علقه على وقوع الطلاق).
الشيخ: (ثم علقه على وقوع الطلاق) () يقول: (ثم علقه على الطلاق، ثم علقه على القيام بأن قال: إن قمت فأنت طالق، ثم قال: إن وقع عليك طلاقي فأنت طالق، فقامت طلقت طلقتين فيهما).
طالب: هذا الشرح.
طالب آخر: مختلف تمامًا عما عندنا.
الشيخ: المتن هذا اللي عندي: (إذا علقه على الطلاق ثم على القيام، فقامت طلقت طلقتين فيهما).
طالب: ().
الشيخ: ما هو بعندي، على كل حال هذه المسألة واضحة: علقه على الطلاق.
[ ١ / ٦٧٧٥ ]
قال: إن طلقتك فأنت طالق، ثم علقه على القيام -المرة الثانية- فقال: إن قمت فأنت طالق، فقامت فإنها تطلق طلقتين، السبب؟ أما الأولى فواضحة، وأما الثانية فلأنه قال: إن طلقتك فأنت طالق، فلما قامت وقع عليها الطلاق فتطلق طلقتين.
(فيهما) أي في المسألتين، واحدة بقيامها، وأخرى بتطليقها الحاصل بالقيام في المسألة الأولى.
(وإن علقه على قيامها ثم على طلاقه لها فقامت فواحدة):
إذا علقه على الطلاق، ما هو على القيام أولًا، على الطلاق.
طالب: على قيامها.
الشيخ: على قيامها، نعم.
طالب: كيف تعليقه على الطلاق؟
الشيخ: إذا علقه على الطلاق يعني على وقوعه.
(على قيامها ثم على طلاقه لها فقامت فواحدة) () ولم تطلق بتعليق الطلاق؛ لأنه لم يطلقها، وبيقول: إن طلقتك.
(وإن قال: كلما طلقتك أو كلما وقع عليك طلاقي).
طالب: ().
***
الشيخ: () (وإن حلف لا يدخل دارًا أو لا يخرج منها فأدخل) (بعض جسده) فإنه لا يحنث. (أو أخرج بعض جسده) فإنه لا يحنث.
قال: والله لا أدخل هذه الدار، فأدخل بعض جسده، مثل رأسه، يعني انحنى بظهره حتى دخل رأسُه من الباب فإنه لا يحنث؛ السبب: لأنه ما دخل، وكذلك بالعكس لو قال: والله لا أخرج من هذا البيت، ثم أخرج بعضَ جسده لم يحنث؛ لأنه لم يخرج، هذا التعليل.
أما الدليل فلأنه قد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يُخرِج رأسَه إلى عائشة وهو معتكف، وهي في حجرتها فترجِّله (٢). والمعتكف يخرج من المسجد ولَّا ما يخرج؟
طالب: ما يخرج.
الشيخ: ممنوع من الخروج من المسجد، فدل هذا على أن إخراج بعض الجسد لا يكون إخراجًا.
[ ١ / ٦٧٧٦ ]
كذلك يقول: (أو دخل طاق الباب): دخل كلُّه لكن تحت طاق الباب، فإنه لا يحنث، سواء بدخول أو بخروج؛ السبب: لأنه لم ينفصل منه، ما انفصل من المكان، صحيح أنه خرج، لكن ما انفصل، والعبرة بالعرف، هذا في منزلة بين منزلتين، إذا صار على طاق الباب، لا تقدر تقول: إنه من داخل، ولا من خارج، فهو لم يخرج ولم يدخل.
يقول: (أو لا يلبس ثوبًا من غزلها فلبس ثوبًا فيه منه)، غزل مَن؟
طالب: غزل زوجته.
الشيخ: زوجته؟
طالب: أو أي امرأة.
الشيخ: امرأة، وإنما قال: (من غزلها)؛ لأن اللاتي يغزلن هن النساء في الغالب، وكان بعض الكبار منكم يعرف هذا؛ أن الذي يتولى الغزل المرأة، فإذا حلف لا يلبس ثوبًا من غزلها، فلبس ثوبًا فيه من غزلها فإنه لا يحنث، لماذا؟ لأن البعض ليس كالكل، هذا فيه بعض من غزلها، وليس فيه كل الغزل.
يقول المؤلف: (أو لا يشرب ماء هذا الإناء، فشرب بعضه لم يحنث).
قال: والله لا أشرب ماء هذا الإناء، فشرب بعضًا منه، فإنه لا يحنث، لماذا؟ لأن البعض ليس كالكل، وقد سبق لنا أن ما كان إيجابًا فإنه يشمل الجميع، الإيجاب يشمل الجميع، والنفي يثبت حتى في البعض.
لكن لو قال: والله لا أشرب ماء هذا النهر وشرب بعضه.
طالب: يحنث.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأنه قال: ماء هذا النهر.
الشيخ: إي، قال: والله لا أشرب ماء هذا النهر، وشرب بعضه. وآخر قال: والله لا أشرب ماء هذا الإناء، وشرب بعضه. الذي قال: والله لا أشرب ماء هذا الإناء، قلنا: لا يحنث، لكن الذي قال: والله لا أشرب ماء هذا النهر، يقول العلماء: إنه يحنث؛ لاستحالة تعلقه بالكل، معقول أن الإنسان يشرب كل النهر؟ !
طالب: ما هو معقول.
الشيخ: ما هو معقول، إذن لما تعذر حَمْلُه على الكل ثبت الحكم في بعضه، وهذا واضح قرينة ظاهرة.
طالب: () الصيغة واحدة.
الشيخ: () تختلف، كلٌّ يعرف أن الذي يقول: والله ما أشرب ماء هذا النهر، ما قصْدُه أنه يشرب ماءه كله، معروف هذا.
طالب: على حسب النية.
[ ١ / ٦٧٧٧ ]
الشيخ: أبدًا، لو نوى فهي نية باطلة.
المهم أنه يفرَّق بين ما يمكن أن يراد به الكل، وبين ما لا يمكن، فالذي لا يمكن أن يراد به الكل يُحمَل على البعض، لو قال: والله لا آكل الخبز، وأكل خبزة؟
طلبة: يحنث.
الشيخ: يحنث، هو قال: والله ما آكل الخبز؛ مستحيل أنه يأكل خبز الدنيا كلها، إذن فيحنث. لكن لو قال: والله لا آكل هذه الخبزة، فأكل بعضها ما يحنث، هذا واضح.
طالب: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩] ()؟
الشيخ: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، لا، أصل هذا قال: ﴿مِنْهُ﴾، فالبعضية موجودة، ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ﴾، واضح.
الطالب: ().
الشيخ: إذا قال: والله لا أشرب ماء هذا الإناء، هذا يمكن يشربه، لو ما شربه اليوم شربه غدًا.
يقول المؤلف: (وإن فعل المحلوف عليه ناسيًا أو جاهلًا حنث في طلاق وعتاق فقط):
إذا فعل المحلوف عليه ناسيًا، مثل أن يقول: والله لا أكلم فلانًا، فنسي فكلَّمه فلا شيء عليه؛ لأن الحنث على اسمه حنث، يعامَل معاملة الإثم، وفِعْل ما يأثم به على وجه النسيان لا شيء فيه؛ لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
فهذا الرجل قال: والله لا أكلم فلانًا، فكلمه ناسيًا، نقول له: لا شيء عليك، ولكن هل تبقى يمينه أو تنحل؟
طالب: تبقى.
الشيخ: تبقى يمينه، بمعنى أنه ما عاد يكلمه مرة ثانية، يمينه تبقى، لكنه لا يحنث بمعنى أننا لا نُلزِمه بالكفارة.
وكذلك لو فعله جاهلًا، قال: والله لا ألبس هذا الثوب، فلبس ثوبًا يظنه غيره، فتبين أنه المحلوف عليه فليس عليه حنث، لكن متى علم وجب عليه خلْعُه، ويمينه باقية ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: يمينه باقية.
كذلك لو فعله مكرهًا، أُكرِه على أن يفعل المحلوف عليه ففعل، فإنه لا حنث عليه، ولكن اليمين باقية.
[ ١ / ٦٧٧٨ ]
وكذلك لو فعله نائمًا، كيف فعله نائمًا؟ إي نعم، حلف قال: والله لا ألبس الغترة اليوم، ما ألبس الغترة هذه، ونام وبجانبه غترة فلبسها، فليس عليه شيء؛ لأنه نائم، ولهذا الْمُحْرِم لو غطى رأسه وهو نائم فلا شيء عليه، لكن متى استيقظ وجب عليه إزالته أو يحنث.
وقال المؤلف: (حنث في طلاق وعتاق فقط): يعني وفي غيرهما لا يحنث.
(في طلاق وعتاق)، كيف (في طلاق)؟ مثل أن يقول: إن لبستُ هذا الثوب فزوجتي طالق، فنسي ولبسه، تَطْلُق زوجته؟
طالب: نعم.
الشيخ: إي نعم، تَطْلُق زوجتُه، تطلق الزوجة.
وكذلك لو قال: إن لبستُ هذا الثوب فزوجتي طالق، ولبسه جاهلًا أنه الثوب الذي علَّق الطلاق عليه فإن زوجته تطلق، لماذا؟ لأن الطلاق حق آدمي، وحق الآدمي ما يعذر فيه بالجهل والنسيان، هذا هو السبب.
وكذلك العتق، لو قال: إن لبستُ هذا الثوب فعبدي حر، فلبسه ناسيًا أو جاهلًا عتَقَ العبد؛ والعلة فيه ما سبق: أنه حق آدمي لا يُعفى فيه بالجهل والنسيان.
طالب: ().
الشيخ: لا، () الطلاق.
الطالب: الصحيح أنه يمين؟
الشيخ: إي، الصحيح أنه يمين كما سبق.
الطالب: ()؟
الشيخ: إي نعم، هناك التفريع على المذهب في مسألة الطلاق، والصحيح في هذه المسألة أنه لا حنث عليه لا في الطلاق ولا في العتق، الصحيح أنه لا حنث عليه؛ لأن الكل يمين فهو مُغَلَّب فيه حق الله ﷿، وعلى هذا فلا تطلق زوجته بذلك، ولا يعتق عبده بذلك، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهو الصواب.
كذلك لو حلف على شيء يظن أنه كذا وليس كذلك؛ فإنه لا حنث عليه إلا في الطلاق والعتق، مثل أن يقول: والله ما قدم فلان، يظن أنه لم يقدم، وتبين أنه قادم، فالمذهب أن الطلاق يقع إذا كان طلاقًا، مثل أن يقول: إن كان فلان قادمًا فزوجتي طالق، وهذا ظنه أنه لم يقدم، المذهب أن الزوجة تطلق.
[ ١ / ٦٧٧٩ ]
والصواب: أنها لا تطلق؛ لأن الحكم حكم اليمين، وقد ثبت أن رجلًا قال للرسول ﵊ لما قال: «خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ». فقال الرجل: أعَلى أفقر مني يا رسول الله، فوالله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر مني (٣). حلف على هذا، وهل هو قد فتش البيوت؟ !
طالب: لا.
الشيخ: ما فتش، ولكنه حلف على ظنه. وكذلك في القسامة -كما مر علينا- أن أولياء الدم يحلفون على القاتل، وإن كانوا لم يروه بناء على غلبة ظنهم.
كذلك أيضًا لو حلف على شيء مستقبل يظن وقوعه فلم يقع، مثل أن يقول: والله ليقدمَنَّ زيد غدًا، ثم لم يقدم فلا شيء عليه؛ لأنه حين قال: والله ليقدمن غدًا، ليس يريد الالتزام ولا الإلزام، وإنما يخبِر عما في قلبه، وما في قلبه فهو في قلبه سواء قدِم أم لم يقدم، حتى وإن لم يقدم، لو سئل لقال: نعم أنا أظن أنه سيقدم، وأنا ما حلفت إلا على شيء أظن وقوعه، وما زلت أظن وقوعه حتى غربت الشمس.
وكذلك لو كان طلاقًا فقال: عليَّ الطلاق ليقدمن زيد غدًا، فلم يقدم، وهو قصْدُه الخبر، ما قصْدُه إلزام زيد بالقدوم ولا التزامه، أن يلتزم بمجيئه به؛ فإنه لا حنث عليه. هذا هو الصواب في المسألة؛ لأن الأصل أن العبادات مبنية على غلبة الظن، هذا هو الأصل، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
طالب: والعتق كذلك؟
الشيخ: وكذلك العتق نعم.
يقول المؤلف ﵀: (وإن فعل بعضَه لم يحنث إلا أن ينويه) () عندكم، (وإن فعل بعضه)، أي بعض ما حلف عليه لا شك.
إن حلف على شيء ليفعلنَّه ولكنه فعل بعضه، لم يحنث إلا أن ينويه، إن فعل بعض ما حلف على كله لم يحنث إلا أن ينويه، فإن نواه؟
طالب: يحنث.
الشيخ: حنث؛ لأن الأيمان مبنية على النية.
مثال ذلك، قال: والله لآكلنَّ هذه الخبزةَ، فأكل بعضها، ما تقولون؟ يحنث؟
طالب: لم يحنث.
الشيخ: قال: والله لآكل ها الخبزة، وأكل بعضها؟
طالب: ما يحنث إلا إن نواه.
الشيخ: دَعْنا مِن .. يحنث ولَّا لا؟
طلبة: ما يحنث.
[ ١ / ٦٧٨٠ ]
الشيخ: ما يحنث. ولهذا لو اقتصر على بعضها أقول له: ()، يصح أني أُوَجِّه عليه هذا ولَّا ما يصح؟ يصح نعم، ()، لكن إلا إذا نوى أنه: والله لا آكل من هذه الخبزة، أي: جزءًا منها، يعني لا أطعمنها، قصْدُه مجرد طعمها، فإذا كان له نية فعلى ما نوى.
وكذلك لو كان هناك قرينة كما تقدم لنا في مسألة النهر، فإذا كان هناك نية تدل على أنه أراد البعض، أو قرينة تدل على أنه أراد البعض، فعلى ما نوى.
(وإن حلف ليفعلَنَّه لم يَبَرَّ إلا بفعلِه كله): (حلف ليفعلَنَّه) أيش (ليفعلنه)؟ ليفعلن هذا الشيء المحلوف عليه، فهو ما يبر إلا بفعله كله، مثل أن يقول: والله لأكتبَنَّ باب الطلاق من زاد المستقنع، ويوم كتب له سطرين قال: خلاص ما أنا بكاتب، وأيش نقول؟ يحنث ولَّا لا؟ يحنث؛ لأنه إذا فعل البعض لا يبر إلا بفعله كله، وأظن هذه واضحة.
واعلم أن ما ذكره المؤلف هنا تحكُم فيه النية، فإذا نوى شيئًا حُكم به؛ لأن أول ما نرجع في الأيمان إلى نية الحالف كما سيأتي إن شاء الله في الأيمان.
ثم قال المؤلف:
[باب التأويل في الحلف]
(باب التأويل في الحلف)
التأويل في الحلف فسره بقوله: (ومعناه أن يريد بلفظه ما يخالف ظاهره)، هذا التأويل: أن يريد باللفظ ما يخالف الظاهر.
التأويل من المتكلم ولَّا من المخاطب؟
طلبة: من المتكلم.
الشيخ: من المتكلم؛ ولهذا قال: (أن يريد بلفظه)، فهو مؤوِّل لكلامه على خلاف ما يظهر لنا.
فنسأل أولًا: ما حكم التأويل؟ هل هو جائز، أو واجب، أو محرم، أو ماذا؟
بيَّن المؤلف حكم المسألة، قال: (فإذا حلف وتأوَّل يمينه نفَعه إلا أن يكون ظالِمًا)، هذا المذهب: إذا حلف وتأول يمينه نفعه إلا أن يكون ظالمًا، فإن كان ظالمًا فإن التأويل لا ينفعه؛ لأن الظالم يمينه على ما يُصَدِّقه به صاحبُه.
[ ١ / ٦٧٨١ ]
والْمُؤَوِّل لا يخلو من ثلاث حالات: إما أن يكون مظلومًا، أو ظالمًا، أو لا ظالمًا ولا مظلومًا، إن كان مظلومًا فالتأويل جائز له بالاتفاق، وإن كان ظالمًا فالتأويل حرام عليه بالاتفاق، وإن كان لا ظالمًا ولا مظلومًا ففيه خلاف، المذهب أن التأويل جائز.
والقول الثاني: أن التأويل ليس بجائز؛ لأن عاقبته غير محمودة، العاقبة غير محمودة؛ إذ إن المؤول إذا ظهر الناس على كذبه صار ذلك قدحًا فيه، بخلاف المظلوم، الآن الأمثلة تبين لنا إن شاء الله حكم هذه المسألة.
(فإذا حلَّفه ظالم: ما لزيد عندك شيء؟ وله عنده وديعة بمكان، فنوى غيره أو بـ (ما) الذي)؛ يعني أو نوى بـ (ما): الذي.
هذا إنسان ظالم سمع أن عندك مالًا لفلان، وديعة، وجاء ليأخذها منك، أنت حاطِط هذه الوديعة في الحجرة رقم واحد، وجاء يُحَلِّفك قال: أعطني الوديعة اللي عندك لفلان. قلت: ما عندي شيء. قال: عندك. فقلت: ليس عندي شيء. قال: احلف أن ما عندك له شيء. فنويت بقولي: ما عندي شيء له أو ما عندي له وديعة، نويت الحجرة رقم اثنين، أنا حاطط برقم واحد ونويت الحجرة رقم اثنين، يجوز هذا ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: وصادق أنت ولَّا غير صادق؟
طالب: صادق؛ لأنه ما فيه في الحجرة رقم اثنين.
الشيخ: صادق؛ لأنه ما فيه رقم اثنين شيء، أنا () في رقم واحد، وقلت: والله ما عندي له وديعة، ونويت رقم اثنين، فإني صادق في هذا. المخاطَب وأيش يظن بقولي: والله ما عندي له شيء؟
طالب: أنه ما عندك شيء خالص.
الشيخ: أنه ما عندي شيء مطلقًا، لا في الحجرة رقم واحد، ولا في الحجرة رقم اثنين، ولا في سائر البيت. هذا جائز.
إذا حلف وأراد (بـ (ما) الذي)؛ لأن (ما) تصلح أن تكون اسمًا موصولًا، وتصلح أن تكون نافية. فإذا قيل: والله ما عندي له شيء. حلف للظالم اللي يبغي يأخذ مال فلان، قال: والله ما عندي لفلان شيء. يصلح أنه ينوي بـ (ما) الذي؟
طلبة: نعم.
[ ١ / ٦٧٨٢ ]
الشيخ: وأيش التقدير؟ واللهِ الذي عندي له شيء، صح؟ ونعرب (ما) على تأويله: مبتدأ، وعلى مفهوم الظالم نعربها نافية.
لو كان هذا الظالم ذكيًّا، وقال: قل: والله ما أعطاني شيئًا. يقدر يُؤَوِّل؟ ما أعطاني شيئًا ونوى بـ (ما): الذي، ما يصلح؛ لأنه قال الظالم: قل والله ما أعطاني شيئًا بالنصب. لو جعل (ما) بمعنى (الذي) لكان أيش يقول: شيءٌ، يعني: والله الذي أعطاني شيءٌ.
لكن إذا تعذر أن يجعل (ما) اسمًا موصولًا، ينوي غير اللفظة، يعني: ما أعطاني شيئًا مثلًا وهو معطيه دراهم، قال: والله ما أعطاني شيئًا من الغنم، ينوي غير الجنس الذي أعطاه، يصح ولا لا يصح؟
طالب: يصح.
الشيخ: يصح، طيب هذا في الظالم فهمنا أنه يجوز التأويل، واعلم أنك إذا قلت: يجوز، ليس المعنى أنه مستوي الطرفين، بل قد يكون واجبًا، وقد يكون مستحبًّا؛ لأن القاعدة عندنا كما تقدم: كل مباح فإنه يمكن أن تجري فيه الأحكام الخمسة.
إذن إذا قلنا: إن التأويل للمظلوم جائز، فالمعنى أنه قد يكون واجبًا، فلو كان هذا الظالم سيأخذ الوديعة إذا تبين أنها عندك، صار التأويل واجبًا؛ لأن حفظ الوديعة واجب.
ويقال: إن الإمام أحمد كان جالسًا مع أصحابه ومعه الْمَرُّوذي أو المروزي، نسيت، المهم جاء واحد يسأل عنه يسأل عن الْمَرُّوذي، فقال الإمام أحمد: ليس المروذي ها هنا، وما يفعل المروذي ها هنا؟ وأيش يعني؟ يعني في يده، المروذي ما هو بقاعد في راحة الإمام أحمد، فتأوَّل، لكن هذا التأويل لمصلحة، وأيش هي المصلحة؟ المصلحة أن المروذي أحد تلاميذ الإمام أحمد لا يحب أن يحرمه حديثه، وربما أن الإمام أحمد عرف أن هذا الرجل لا يريد أن يناديه لأمر هام.
فإذا كان الإنسان ظالِمًا يجوز يتأول؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: ظالمًا؟
طلبة: لا، ما يجوز.
[ ١ / ٦٧٨٣ ]
الشيخ: لا يجوز أن يتأول، مثال ذلك: رجل بينه وبين شخص خصومة، فذهبوا إلى المحكمة، ووُجِّهَتِ اليمين على الْمُدَّعَى عليه، قال له القاضي: قل: والله ما عندي له شيء. فقال الْمُدَّعَى عليه: والله ما عندي له شيء، يريد؟
طالب: ما (الذي).
الشيخ: ما (الذي)، يريد بـ (ما): الذي.
القاضي ماذا يصنع؟
طالب: يحكم.
الشيخ: سيحكم بالظاهر، وهو براءة الْمُدَّعَى عليه من الدعوى، ولكن هل ينفعه ذلك عند الله؟
طلبة: ما ينفعه.
الشيخ: ما ينفعه؛ لأنه ظالم، والظالم لا ينفعه تأويلُه بالاتفاق: «يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ» (٤).
إذا كان الإنسان ليس ظالِمًا ولا مظلومًا وتأوَّل؟
طالب: ما له داعٍ.
الشيخ: هذا ما له داعٍ نعم صحيح، شيخ الإسلام يقول: ما يجوز يتأول؛ لأنه ربما يُعثَر على كذبه فيما بعد ويكون ذلك قادحًا في صدقه، وما دام أنه ما هو بحاجة فلا يعرِّض نفسه للقدح والذم، أما إن احتاج مثل واحد ييجي يسألك عن شيء مُحرِج هو لا ينبغي أن يسأل عنه؛ لأنه لا يعنيه، وأنت ما ودك أن تعلمه به، فهذا لا بأس أن تتأول، ويقال لهذا الرجل: لماذا سألت عن شيء لا يعنيك؟ ! وهذا قد يحتاج إليه الإنسان.
لكن إذا حدث، بعض الناس ما له ()، قال: احلف أنك ما تأولت. وأيش تقول؟ لأن بعض الناس يمكن يتأول.
طالب: يقول ().
الشيخ: نعم، يقول: والله ما تأولت؛ يعني: ما تأولت في آيات الصفات، أنا أجريها على ظاهرها، أو ما تأولت في الكتاب الفلاني مثلًا، أو ما أشبه ذلك، ينوي ما دام ابتُلِي بهذه البلية يداويه به.
طالب: وإن قال بهذا الموضوع ()؟
الشيخ: نعم، إذا قال بهذا الموضوع يشير إلى الأرض، المهم يقدر يتخلص الإنسان.
[ ١ / ٦٧٨٤ ]
ولكن بقينا: إذا أُكرِه الإنسان على شيء ولم يتأول وفعله لداعي الإكراه، ينفذ ولَّا لا؟ ما ينفذ، لو أُكرِه على أن يطلق زوجته وقال: زوجتي طالق، يريد طالقًا من وثاق، ما تطلق. قال: زوجتي طالق، ويريد دفع الإكراه دون طلاقها، ما تطلق أيضًا.
قال: زوجتي طالق يريد طلاقها، لكن لأنه أُكرِه على ذلك، فقد سبق أن المذهب أنها تطلق، وأن الصحيح أنها لا تطلق؛ لأن العامي ما يفرق بين دفع الإكراه وبين الطلاق الْمُلجأ إليه، وفي الواقع أن هذا طلاق مُلْجأ إليه فلا يقع.
يقول: (أو حلف: ما زيدٌ ها هنا؛ ونوى غير مكانه)
إذا حلف قال: والله ما زيد ها هنا، وهو عنده، لكن نوى غير مكانه، فلا حرج، التأويل صحيح ولَّا لا؟ التأويل صحيح.
يقول: (أو حلف على امرأته لا سرقتِ مني شيئًا فخانته في وديعة، ولم ينوها لم يحنث في الكل).
حلف على امرأته قال: احلفي أنك ما سرقت شيئًا، لا تسرقين مني شيئًا. وقالت: والله ما أسرق منك شيئًا. فخانته في وديعة سبقت أو لحقت، كله واحد، فإن الخيانة لا تُعَد سرقة، وإن كانت ظالمة في هذه الخيانة فلا تُعَدُّ سرقة.