وهي أن يَجعلَ شَيئًا مَعلومًا لِمَن يَعْمَلُ له عَمَلًا مَعلومًا أو مَجهولًا مُدَّةً مَعلومةً أو مجهولةً، كرَدِّ عبدٍ ولُقَطَةٍ وخِياطةٍ وبِناءِ حائطٍ، فمَن فَعَلَه بعدَ عِلْمِه بقولِه اسْتَحَقَّه، ولجماعةٍ يَقتسمونَه، وفي أثنائِه يَأْخُذُ قِسْطَ تَمامِه، ولكلٍّ فَسْخُها، فمِن العاملِ لا يَسْتَحِقُّ شيئًا ومِن الجاعلِ بعدَ الشُّروعِ للعاملِ أُجرةَ عَمَلِه
[ ١ / ٥٣٧٠ ]
الإحياء ضد الإماتة، والموات مشتق من الموت، وعبروا بالموات دون الميتة؛ لأن الأرض الميتة قد يُراد بها ما لا نبات فيه، كما قال الله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٣٣]، فعبروا عن الأرض هنا بالموات، بالفرق بينها وبين الأرض التي ليس فيها نبات، فما هي الموات في الاصطلاح؟
قال: (هي الأرض المنفكة عن الاختصاصات وملك معصوم)، (المنفكة) يعني: التي ليس فيها اختصاص لأحد ولا ملك لمعصوم، و(المعصوم) هو المسلم، والذمي، والمستأمن، والمعاهد.
فهذه هي الموات: الأرض التي ليس لها مالك معصوم ولا اختصاص لأحد فيها.
مثال الأول: أرض يملكها رجل مسلم، فهذه ليست بموات، لماذا؟ لأنها ملك معصوم.
مثال الاختصاصات: فناء الدور؛ يعني: المساحات التي حولها كملقى الكناسة ومكان تصريف المياه، وما أشبهها، هذه نقول فيها اختصاصات، لو أن أحدًا استولى عليها وأحياها قلنا: لا تملك ذلك؛ لأن هذه مختصة، صحيح أنها ليست ملكًا لصاحب البيت لكنها من اختصاصاته.
ومثل ذلك أيضا: لو أن أحدًا تملك مرعى أهل البلد، بأن تكون هذه المنطقة هي المنطقة التي يخرج أهل البلد مواشيهم لرعيها، فجاء رجل فاستولى عليها، فإننا نقول: لا، ليست هذه أرض موات، لماذا؟ لأنها مختصة لأهل الأرض، فيها مصالحهم، كذلك لو فرضنا أن هذه الأرض محل للحطب يحتطب الناس منها، فإنها ليست بموات، لماذا؟ لأنها غير منفكة عن الاختصاصات.
فالمهم أن كل ما تتعلق به مصالح الناس العامة -وإن لم يكن مملوكًا لأحد- فإنه ليس بموات، ولا يُمَكَّن أحد من الاستيلاء عليه وإحيائه، حتى قال العلماء: إن مقطع الحصى الذي يكون للناس عمومًا يقطعون منه الحصى، ليس لأحد أن يتملكه؛ لأنه تتعلق به المصالح العامة، وكل شيء تتعلق به المصالح العامة فإنه لا يملك أحد الاختصاص به؛ لأنه لو اختص به لمنع الناس حقهم.
[ ١ / ٥٣٧١ ]
فأما الأرض التي تكون ملكًا لحربي فإنها موات، وإن كان مستوليًا عليها؛ لأن هذا الحربي ماله غير معصوم، فيجوز للإنسان أن يستولي عليها ويملكها بذلك.
قال المؤلف: (هي الأرض المنفكة عن الاختصاصات وملك معصوم، فَمَنْ أحْيَاها مَلَكَهَا).
(من) اسم شرط جازم، واسم الشرط يفيد العموم، فكل من أحيا هذه الأرض الموات على الوصف السابق فإنه يملكها سواء كان صغيرًا أو كبيرًا، ذكرًا أم أنثى، حُرًّا أم عبدًا، لكن يملكها على أنها تكون لسيده.
قال: (فَمَنْ أَحْياها مَلَكَها مِن مُسْلِم وكَافِر) يملكها سواء كان مسلمًا أو كافرًا، وإنما ذكر المؤلف ذلك -يعني: فَصَّل العموم في قوله: (من أحياها) - لأن في بعض أفراده خلافًا، فبعض العلماء يرى أن الكافر لا يملك الأرض في البلاد الإسلامية ولو كان ذِمِّيًّا؛ لأن البلاد الإسلامية لا ينبغي أن يكون فيها مكان لغير المسلمين؛ لأن غير المسلمين إذا تملكوا الأرض كثروا فيها ثم صاروا أغلبية فيطغى الخبيث على الطيب، وحينئذ يوشك أن يعمهم الله تعالى بالعقاب، ولكن المؤلف يقول: لا فرق بين المسلم والكافر.
(من أحياها ملكها مِنْ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ بِإِذْنِ الإِمَامِ وَعَدَمِهِ) يعني: سواء أذن الإمام بالإحياء أم لم يأذن، فلو جاء شخص واستولى على أرض الموات وأحياها بدون أن يأخذ رخصة من الإمام فإنه يملكها، لا يقول الإمام: أنت ملكتها بغير إذني؛ لأنه إن قال: ذلك قلنا الأرض لمن؟ لله، وقد قال النبي ﵊: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ» (١)، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يملكها إلا بإذن الإمام؛ لأن الإمام هو المرجع في تقسيم الأرض، والأرض تحت ولايته وسيطرته، فلو أحياها بغير إذنه لأحياها على غير وجه شرعي، فلا يملكها.
[ ١ / ٥٣٧٢ ]
وأجابوا عن الحديث: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ» بأن هذا الحديث من باب التنظيم لا من باب التشريع؛ يعني أن الرسول قاله تنظيما، فهو كقوله: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» (٢).
ولكننا نجيب عن ذلك بأن الأصل في قول الرسول ﵊ التشريع، فهو إذا قال: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ» يعني: من عموم الناس، ليس يخاطب قومًا مُعَينين، يقول: إذا أحييتم الأرض فهي لكم، بل هذا عامٌّ، كما أننا نقول أيضًا في الحديث الثاني: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ»: أنه عام، وأن القاتل يُعْطَى سَلَب القتيلِ سواء شرطه الإمام أو القائد للجيش أم لم يشترطه.
ولكن هناك قول وسط، وهو أنه إن منع ولي الأمر من التملك بغير إذن فإن من تملك بغير إذنه فلا ملك له، ودليل هذا القول؛ قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، فإذا قال: ولي الأمر لا أحد يحيي إلا بإذن، فإن الواجب علينا أن نقول: سمعنا وأطعنا، ولا نحيي إلا بإذن.
فإن قال قائل: إذا قلنا بذلك فإننا لا نأمن من جور ولي الأمر، بحيث يأذن لزيد ولا يأذن لعمرو، قلنا: على ولي الأمر حق وعلينا حق، أما ولي الأمر فعليه العدل بين الناس، وأما نحن فعلينا السمع والطاعة، فإذا أضاع ولي الأمر ما يجب عليه من العدل لم يحل لنا أن نضيع ما يجب علينا من السمع والطاعة، وعلى هذا العمل الآن عندنا، على أن من أحيا أرضا بغير إذن الإمام فإنه لا ملك له، وكان في السابق -قبل أن يصدر هذا المرسوم أو الأمر- كان من أحيا أرضًا فهي له، سواء أذن ولي الأمر أم لم يأذن؛ لأنه قد أطلق للناس الحرية في هذا الشيء، وهذا القول الذي ذكرناه هو الموافق للأدلة الشرعية وبه نطبق الحديث: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ» (١) سواء قلنا: إنه تشريع، أو: إنه تنظيم.
[ ١ / ٥٣٧٣ ]
أما إن قلنا: إنه تنظيم فالأمر واضح، لكن إذا قلنا: إنه تشريع، فكيف يقول الرسول ﵊ إن الأرض لك، ثم نقول: إن الأرض ليست لك، نقول: نعم، هذا الحديث عارضه عموم نص آخر، وهو قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، ولأن النبي ﵊ أوجب طاعة ولي الأمر في غير المعصية، وهذا ليس بمعصية؛ يعني إذا تركت إحياء الأرض حتى تستأذن ليس بمعصية.
ثم إن فيه منعًا للفوضى والاعتداء، لا سيما في زمن يضعف فيه الإيمان بين الناس، فإن الناس لو أطلقت لهم الحرية لاعتدى كل واحد على ملك الآخر، وأخذ منه، فإن لم يُعْلم به سكت، وإن عُلِم به ادعى أنه جاهل أو ما أشبه ذلك، كما كان يصنع صاحب الْمِحْجَنِ، الذي يسرق الحجاج بمحجنه، إن فُطِن له قال: والله هذا المحجن مسك بمتاعك، وإن لم يفطن له راح (٣)، هكذا أيضًا بعض الناس لو تركت الحرية في الأراضي لكان بعض الناس لا يخاف الله ﷿، فإذا قُيِّد هذا بنظام مُعيَّن، وعُيِّن في الأرض للإنسان بمساحتها وبكل ما يلزم للعلم بها، صار في ذلك مصلحة لعموم الأُمَّة، فكان هذا جائزًا.
قال: (بإذن الإمام وعدمه)، إذا قال الفقهاء: (الإمام) فالمراد به: السلطان الأعظم في البلاد، أما إذا قالوا: الأمير، فالمراد به: نائب الإمام في بلد أو بلدين أو أكثر، لكن إذا قالوا: الإمام، فالسلطان الأعظم؛ أي الذي له الكلمة العليا في البلاد.
قال المؤلف: (في دار الإسلام وغيرها)، دار الإسلام ما هي؟
دار الإسلام كل ما يُعْلَن فيها بالإسلام، هذه دار الإسلام، فإذا كانت هذه البلدة يعلن فيها بالإسلام يؤذن وتصلى الجماعة وتقام الجمعة ويصام رمضان فهي دار إسلام، حتى لو فُرِض أن حكامها كفار فإنها دار إسلام، هذا هو الأقرب في تحديد دار الإسلام، وقيل: إن دار الإسلام من كان أكثر أهلها مسلمين، بقطع النظر عن الحاكم.
[ ١ / ٥٣٧٤ ]
وقيل: إن دار الإسلام من يحكمها مسلم ولو كان أكثر أهل البلد كفارًا، والعلماء اختلفوا في هذا اختلافًا كثيرًا، لكن أقرب الأقوال أن ما أعلن فيه بالإسلام؛ بالأذان والجُمَع والجماعات والصيام، وما أشبه ذلك، فهي دار الإسلام.
***
() والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
هل يشترط للملك بالإحياء إِذْن ().
***
(والعنوة كغيرها) العنوة؛ يعني: الأرض العنوة كغيرها، أرض العنوة: هي ما فتح بالسيف، وغيرها: ما أسلم أهلها عليها، وأنتم تعلمون أن الإسلام نشأ من جزيرة العرب، وبدأ ينتشر في أقطار الدنيا بالدعوة إلى الله، وبالسيف لمن عارض هذه الدعوة، الذين عارضوا هذه الدعوة فُتحت بلادهم بعدة أوجه؛ منها ما فتح عنوة؛ يعني بالسيف؛ أي أن الصحابة قاتلوا أهلها حتى دخلوها عنوة، فهذه يخير الإمام فيها -كما مر علينا في كتاب الجهاد- بين قسمها بين الغانمين، وأن يضرب عليها خراجًا مستمرًا، يؤخذ ممن هي بيده، هذه الأرض التي فُتحت عنوة هل تملك بالإحياء أو لا؟
الجواب: نعم، تملك بالإحياء، ولهذا قال: (العنوة كغيرها)، لا يقال: إن أمير المؤمنين عمر ﵁ وقَّفها وضرب عليها خراجًا مستمرًّا يؤخذ ممن هي في يده يضم إلى بيت المال؛ لأن عمر ﵁ رأى أن قسمها بين الغانمين يفوِّت على الأجيال المستقبلة منفعة هذه الأرض، وليست الأرض كالمال، المال بالاتفاق يقسم بين الغانمين؛ لأنه أعيان قائمة فتؤخذ وتقسم بين الغانمين وتفنى، لكن الأرض باقية، فرأى عمر ألَّا تقسم بين الغانمين (٤)؛ لأنها لو قُسِمت بين الغانمين لاختص بالانتفاع بها الغانمون فقط، وضاع حق الأجيال المقبلة، فرأى ﵁ أن يجعلها كالوقف، ويجعل عليها خراجًا مستمرًّا، يعني مثلًا هذه المساحة من الأرض كذا وكذا من الدراهم، تؤخذ هذه الدراهم وتضم إلى بيت المال، فهل يقال: إن العنوة لا تملك؛ لأنها شبيهة بالوقف أو هي وقف؟ أو يُقال: بيت لك.
[ ١ / ٥٣٧٥ ]
الصواب أنها تملك وأن من أحيا أرضًا ميِّتَة من هذه البلاد العنوة فهي له، وينتقل فيها الملك، هذا هو الصحيح، وما زال المسلمون يتبايعون هذه الأراضي، أما قول بعض الفقهاء، ومنهم أصحاب الإمام أحمد في المشهور عنه أنه لا يباع غير المساكن مما فتح عنوة، فهذا قول مخالف لما جرى بين المسلمين، فإن المسلمين منذ فتحوا هذه البلاد وهم يتبايعون الأراضي والمساكن ويملكونها، فالمؤلف -﵀- أشار إلى هذا القول، وقال: إن العنوة كغيرها، غيرها أيش؟
هي التي أسلم أهلها عليها، فهذه الأرض لا تُغنم، ولا تقسم بين الغانمين، ولا يُضرب عليها الخراج، مثل قرية لما رأى أهلها أن المسلمين انتصروا ورغبوا في الإسلام أسلموا قبل أن تُفْتَح، فهنا تكون الأرض حرة وتكون لهم، وتملك بإحيائها بالاتفاق.
طالب: ().
الشيخ: إي شرحناها، كيف؟ ما شرحنا هذه؟ وبيَّنَّا أن دار الإسلام ما أعلن فيها الإسلام، وغير دار الإسلام دار الكفر اللي يعلن فيها الكفر فالإنسان يملك في دار الكفر ويملك في دار الإسلام.
قال المؤلف: (ويُمْلَك بالإِحْيَاء ما قَرُبَ من عَامِرٍ إن لم يتعلق بِمَصْلَحَتهِ) العامر: يعني المساكن العامرة التي بُنيت، فإذا أحيا شخص أرضًا قريبة من هذا العامر فإنه يملكها.
كمثال ذلك: رجل وجد أرضًا بيضاء إلى جنب بيت فأحياها بطريق من طرق الإحياء، فإنه يملكها، لا يقول صاحب البيت هذه الأرض إلى جنب بيتي فلا تملكها؛ لأنه لو قال: ذلك لقلنا: هذه أرض ميتة أحياها هذا الرجل فملكها، وقد قال: النبي ﷺ: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ» (١)، إذا قال: إذا أحياها منع عني الهواء ومنع عني الشمس ماذا نقول له؟
نقول: هذا ملكه يتصرف فيه بما شاء اللهم إلا أن يتعمد الإضرار بك فيطيل البنيان من أجل حجب الشمس والهواء عنك، فحينئذ نمنعه، وأما إذا بنى بناء معتادًا فهو قد ملك الأرض، ويبني عليها ما شاء مما اعتاده الناس.
[ ١ / ٥٣٧٦ ]
قال المؤلف: (إن لم يتعلق بمصلحته) فإن تعلق بمصلحته فإنه لا يملك، مثاله: هذا رجل مزارع عنده زرع، وله -أي لهذا الزرع- شعبة من الوادي، مسيل المطر تدخل في هذا البستان وتسقيه، فجاء رجل وأحيا هذه الشعبة التي يأتي منها الماء لهذا البستان، وهي بعيدة عن البستان، فهل له إحياؤها؟
الجواب: لا، لماذا؟ لأنها تتعلق بمصالح، وعلى هذا فبطون الأودية التي يستقي منها الناس لا يجوز لأحد أن يتملكها، فإن تملكها فإن كان ببنيان هُدِم، وإن كان بغرس خُلِع، وإن كان بزرع يُنْظَر إن كان هذا الزرع يحصد قبل أن تأتي الأمطار أمهلناه، وقلنا: يبقى زرعك حتى تحصده، وإن كان يُخشى أن تأتي الأمطار قبل انتهاء الزرع فإنه يُزال لئلا يمنع الأمطار.
كذلك أيضًا لو فرض أن هذه البلد فيها مكان فسيح تُلْقى فيه الكناسة وفضلات البنيان، وما أشبه ذلك فجاء رجل وأحيا هذا المكان، فإننا نقول: لا، ليس لك الحق في إحيائه، لماذا؟ لتعلُّقِ مصالح البلد به، فإن بَنَى هُدِم بنيانه، وإن غرس خُلِع غرسه.
كذلك أيضًا الأرض المملحة التي يقطع منها الناس الملح، لو جاء شخص فأحياها فإنه لا يملك ذلك، لماذا؟
لأن ذلك تتعلق به مصالح البلد، فإذا كانت تتعلق به مصالح البلد فإنه لا يمكن أن يستولي عليها أحد لتفويت المصالح.
وكلمة (إن لم يتعلق بمصلحته) عامّة، بل فيه أرض معدة لتكون مقبرة لأهل البلد، فجاء رجل فأحياها، نقول هذا الإحياء غير صحيح، حتى لو بنى هُدِم بنيانه، وإن غرس خُلع غرسه؛ لأن ذلك يتعلق بمصلحة البلد.
قال ﵀: (وَمَنْ أَحَاطَ مَوَاتًا، أَوْ حَفَرَ بِئْرًا فَوَصَلَ إِلَى الْمَاءِ، أَوْ أَجْرَاهُ إِلَيْهِ مِنْ عَيْنٍ وَنَحْوِهَا، أَوْ حَبَسَهُ عَنْهُ لِيُزْرَعَ فَقَدْ أَحْيَاهُ).
[ ١ / ٥٣٧٧ ]
بَيَّن المؤلف -رحمه الله تعالى- ما يحصل به الإحياء؛ لأن كل ما سبق بيان للحكم، أما ما يحصل به الإحياء فذكره الآن، وإحياء كل شيء بحسبه، ولهذا قال: (مَنْ أحَاطَ مَوَاتًا) أحاطه؛ يعني: وضع عليه حائطًا منيعًا بما جَرَت به العادة، إن جرت العادة بأن الحائط يكون من لَبِن الطين فهو من لَبِن الطين أو كان من لَبِن الطوب فهو من لبن الطوب أو كان من خشب يُوضَع و() بعض ويربط بعضه ببعض، المهم إنه إذا أحاطه بما جَرَت به العادة فإنه يملكه بذلك، حتى وإن لم يَبْنِ () وإن لم يغرس غرسًا وإن لم يزرع زرعًا، المهم ما دام بنى حائطًا يحوطه ويمنعه فإنه يكون بذلك محييًا لهذه الأرض.
الثاني: (أو حفر بئرًا فوصل إلى الماء) حفر بئرًا حتى وصل إلى الماء فإنه يكون محييًا؛ لأنه هيأ الأرض لما تصلح له، فإن لم يصل إلى الماء فليس بإحياء، لكنه يكون أحق بها من غيره؛ لأنه ابتدأ بالإحياء ولم ينْهِهِ.
الثالث: قال: (أو أجراه إليه) يعني: إلى الموات، (من عين أو نحوها) أجرى الماء إلى هذه الأرض الموات من عين أو نحوها، كالقصب عندنا؛ المواسير، فإنه يكون محييًا لهذه الأرض، فمثلًا لو حفر ارتوازيًّا يبعد عن هذه الأرض خمسة كيلوات، ثم زرع الأرض، فإنه يملك هذه الأرض، لا يقال: إن منبع الماء بعيد عنها؛ لأننا نقول ما دام الرجل أجرى الماء على هذه الأرض فإنه يعتبر إحياءً، ولكن هل الْمُعتبر وصوله إلى هذه الأرض أو المعتبر إحاطته بالأرض؟
مثال ذلك؛ الوصول معناه أنه جعل لهذا الماء مَصَبًّا في هذه الأرض وحَوَّط عليها، ليس حائطًا، ولكن أحجارًا ومراسيم، فهل نقول: إن العبرة وصول الماء إلى الأرض، أو العبرة أن يسيح في الأرض كلها؟
قال المؤلف: (أو أجراه إليه)، و(إلى) للغاية، وابتداء الغاية داخلٌ لا انتهاؤها، فالظاهر أنه إذا وصل إلى مكان يعد مجمعًا للماء الذي يفرق في هذه الأرض فإن ذلك يعتبر إحياء.
[ ١ / ٥٣٧٨ ]
ثم قال: (أو حَبَسَه عنه) يعني: حبس الماء عن الموات ليُزْرع، وهل هذا واقع؟
نعم. متى يكون واقعًا؟
إذا كان حول الأنهر مثلًا أو البحر، فحبس الماء عن هذه الناحية؛ لتكون صالحة للزرع، فيعتبر هذا الحبس إحياء، فمنع الماء لتصلح الأرض للزرع إحياء، وإيصال الماء ليسقي الأرض للزرع إحياء، فصار الماء الآن منعه إحياء وإرجاعه إلى الأرض إحياء.
ولو قال قائل: إن الإحياء يرجع إلى العرف؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ» (١)، ولم يُبَيِّنِ النبي ﷺ ما يحصل به الإحياء، لو قائل بهذا القول لكان له وجه، فما عده الناس إحياء أو تهيئة للإحياء فهو إحياء، وما ليس بإحياء فليس بإحياء، فمثلًا لو أن رجلًا صار يجلب مواد خشبية أو مواد أسمنت أو حديد، وصار ينزل بهذه الأرض ويبيع، فهل يعتبر الناس ذلك إحياء؟
لا، ولهذا لا نقول إنك تملك ذلك؛ لأن هذا لا يعد إحياء، غاية ما هنالك أنه يعد انتفاعًا بالأرض وليس إحياء لها.
وإذا بنى عليها بيتًا وأحاط هذا البيت بحائط ولو واسعًا فإنه يعتبر إحياء؛ لأنه الآن جعلها صالحة للسكنى بعد أن كانت بيضاء لا يُسكن فيها.
ولو نصب عليها خيامًا؟ ليس بإحياء، اللهم إلا إذا جرت العادة بأن نصب الخيام كبناء البيوت، فهذا يكون إحياء؛ لأنه قد يوجد في بعض المواضع لا يسكن الناس إلا في الخيام، فإذا كان كذلك فإن نصب الخيمة يعتبر إحياء.
قال: (أو حبسه عنه ليُزرع فقد أحياه، وَيَمْلِكُ حَرِيم البِئْرِ العَادِيَّةِ خَمْسِينَ ذِرَاعًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَحَرِيم البَدِيَّةِ نِصْفَهَا).
البئر إذا حفرت فإن كانت للزرع فهو شبيه بإجراء الماء إلى الأرض، يكون إحياءً لكل ما يمكن أن يزرع بهذه البئر.
[ ١ / ٥٣٧٩ ]
أما إذا حفر بئرا ليستقي منها فقط، كما يوجد في بعض الجهات يحفر أهل الإبل بئرًا لسقي إبلهم فقط لا للزرع، فإن هذه البئر لها حريم، يعني لها مكان محترم يملكه صاحب البئر بسبب هذه البئر.
هذه الآبار تنقسم إلى قسمين: آبار جديدة مبتدأة، وآبار عادية قديمة.
فالآبار العادية القديمة: يملك حافرها خمسين ذراعًا من كل جانب يعني؛ دائرة يبلغ قطرها خمسين ذراعًا، وإن كانت ابتدائية فإن صاحبها يملك خمسة وعشرين ذراعًا، لماذا؟
قالوا: لأن العادية حُفِرَت مرتين، فيملك بالحفر الأول خمسة وعشرين ذراعًا، في الحفر الثاني خمسين ذراعًا.
وأما الابتدائية فإنها لم تحفر إلا مرة واحدة فيملك صاحبها خمسة وعشرين ذراعا، والله أعلم.
() يصير به إحياء إذا هيأ الأرض لما تصلح له وأعدها لذلك، حتى قال: العلماء لو كانت الأرض فيها أشجار غير صالحة وغير مرغوب فيها، فقطع الأشجار، مثل لو كان فيها أشجار من الشوك، وقطع هذه الأشجار، فإن ذلك إحياء، قالوا: ولو كانت أرضًا مزروعة بالأحجار السود التي لا تصلح للزراعة بوجودها فأزال هذه الأحجار ونظفها منها فإن ذلك إحياء، فالمهم إذا هيأ الأرض بما أعدت له من بناء أو زرع أو غراس فهذا إحياء.
هنا مسألة: لو أنه تحجَّر الأرض بالمراسيم أو بأن أدار حولها ترابًا، حددها بالتراب، فهل يعتبر هذا إحياء؟
قال: العلماء ليس بإحياء، لكنه تحجر، فيكون أحق بها من غيره، فإذا وجد متشوف لإحيائها قيل لهذا الرجل: إما أن تحيي وإما أن ترفع يدك، بخلاف ما إذا ملكها، فإنه إذا ملكها لا يقال له: إما أن تزرع وإما أن ترفع يدك؛ لأنه ملكه، سواء زرعه أو ما زرعه، لكن التحجر هذا هو الذي يقال لمن تحجر: إما أن تزرع وإما أن ترفع يدك.
قال المؤلف: إن حريم البئر البدية كذا وكذا، والعادية كذا وكذا.
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وَلِلإمَامِ إِقْطَاعُ مَوَاتٍ لِمَنْ يُحْيِيهِ، وَلَا يَمْلِكُهُ).
[ ١ / ٥٣٨٠ ]
قال المؤلف: (للإمام إقطاع موات لمن يحييه) يعني: أن يكتب الإمام، والمراد بالإمام السلطان الأعلى، أو الذي له السلطة العليا في البلد؛ كالملك مثلًا في بلادنا، ورئيس الجمهورية أو الوزراء في البلاد الأخرى التي لها جمهورية، فالإمام هذا له إقطاع موات لمن يحييه، فيقول: إنني قد أقطعت فلانًا خمس مئة متر أو ست مئة من كذا إلى كذا، فإذا كتبه له وسجله باسمه فهل يملكه أو يكون أحق به من غيره ولا يملكه إلا بالإحياء؟ في هذا خلاف بين أهل العلم، ولننظر إلى كلام المؤلف قال: (إقطاع موات لمن يحييه)، قال: (ولا يملكه).
(الواو) هذه للاستئناف، وليست عطفًا على (يحيي) يعني: وإذا أقطعه فإنه لا يملكه بالإقطاع، بل يكون أحق به من غيره.
مثال ذلك: أقطع الإمام -أو نائب الإمام لمن يتولى هذه الأمور- أقطعه أرضًا مساحتها ألف متر من كل جانب، وموضعها من كذا إلى كذا، فهل هذا المقطع بهذا المرسوم والوثيقة يملك هذه الأرض؟
الجواب: لا، لكن يكون أحق بها، أي لو جاء إنسان وأراد إحياءها فإن له أن يمنعه، ويقول: إنني قد أقطعت هذا.
إذن متى يملكها؟
يملكها إذا أحياها بطريق من طرق الإحياء السابقة.
والقول الثاني في المذهب: أن الإمام إذا أقطعه وتعَيَّن فإنه يملكه ويكون ملكًا له، يورث من بعده وله بيت وله رهن وله وقف، المهم أنه ملكه يتصرف فيه تصرف الملاك في أملاكهم.
وعلى القول الأول لا يملكه، فلا يبيعه ولا يوقفه ولا يرهنه؛ لأنه ليس بملكه، هل يجوز لهذا المُقْطع أن يتنازل عن إقطاعه بعوض؛ يعني: لا من باب البيع؟
[ ١ / ٥٣٨١ ]
الجواب: في هذا خلاف بين أهل العلم، منهم من قال: لا يجوز لاحتمال ألَّا يحصل للثاني؛ لأن الثاني إذا لم يحيه قيل له: ارفع يدك، وقال بعض أهل العلم: بل يجوز ذلك؛ لأن هذا الذي أُقْطِع تنازل عن حقه بعوض، والأصل في العقود الحِلُّ والإباحة، وليس في ذلك محظور؛ لأنه إذا تنازل عنه نزل الثاني منزلة الأول، هذا اللي يحصل، وهذا لا مانع منه، وهذا القول هو الصحيح، أن له أن ينزل عن هذا الإقطاع بعوض.
خلاصة القول في هذه المسألة: أنه يجوز للإمام أن يقطع الأرض لمن يحييها، والسؤال الآن هل إذا أقطعه يملكها بذلك؟
في هذا قولان لأهل العلم:
القول الأول: أنه يملكه، وتعليل ذلك أن النبي ﷺ أقطع بعض الأراضي (٥)، وإقطاعه إياها تمليك بلا شك.
ودليل آخر: أن الإمام نائب عن الأمة فإذا أقطع هذا الرجل فكأنه وهبه، والهبة يكون بها الملك.
والقول الثاني: أنه لا يملكه، واحتجوا بقول الرسول ﵊: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ» (١).
فجعل النبي ﵊ مناط الحكم هو الإحياء، وعلى القول بأنه لا يملكه هل يجوز أن يتنازل بعوضٍ لغيره؟
الجواب: فيه خلاف، والصحيح أن ذلك جائز.
قوله: (ولا يملكه) أنا قلت لكم: إن (الواو) هذه للاستئناف، وليست معطوفة على قوله: (لمن يحييه)؛ لأنه لو قلنا بأنها معطوفة لفسد المعنى، قال: (وله) أي: للإمام (إقطاع الجلوس في الطرق الواسعة) الإمام أو نائب الإمام، فمن نائب الإمام في إقطاع الجلوس؟ البلدية في الوقت الحاضر؛ يعني له أن يقطع شخصًا هذا المحل ليبسط فيه، لكن بشرط ألَّا يضر بالناس، فإن أضر بالناس فإنه لا يجوز له أن يقطع؛ لأن المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة، فإذا كان إقطاعه هذا الرجل أن يجلس يبيع في هذا السوق يضيق السوق على المارة؛ لأن السوق يزدحم، فليس للإمام ولا نائب الإمام أن يفعل ذلك، لما فيه من الإضرار العام.
[ ١ / ٥٣٨٢ ]
وقول المؤلف: (له)، (اللام) هنا بيان للإباحة، فلا ينافي أن يقال: إنه يجب عليه إذا طلب أحد الرعية مكانا يبيع فيه ويشتري وليس به ضرر على المسلمين يجب عليه أن يمنحه؛ لأن الأرض لله ﷿، وليس له أن يتحكم فيمنع هذا ويرخص لهذا، بل نقول: ما دام هذا الرجل محتاجًا إلى أن يعرض سلعه في هذا المكان وليس فيه ضرر على المسلمين فالواجب عليك أن تلبي دعوته.
قال: (ويكون أحق بجلوسها) من الذي يكون أحق؟
الْمُقطَع يكون أحق بالجلوس فيها، حتى لو جاء أحد وأراد أن يزيله أو جاء أحد ونزل في هذا المكان فله المطالبة بذلك، فإذا فرضنا أن نائب الإمام أقطع هذا الرجل هذه البقعة من الأرض يعرض فيها سلعه، فلما أصبح وجاء على العادة وجد شخصًا آخر قد بسط فيها سلعه وعرضها، فله أن يقيمه، له أن يقول: قم، أنا أحق بذلك منك؛ لأنه مقطع من قبل ولي الأمر، ولهذا قال: (ويكون أحق بجلوسها، ومن غير إقطاع لمن سبق بالجلوس ما بقي قماشه فيها وإن طال)، معنى (من غير إقطاع) يعني: أنه لو سبق شخص إلى هذا المكان لعرض السلع فمن سبق فهو أحق، ولكن هل له أن يتحجر؟
الجواب: ينظر في ذلك إلى العرف، فإن كان العرف قد جرى بأن الإنسان يبقى في هذا المحل وفي آخر النهار ينزح عنه فإنه ليس له أن يتحجر، وإن جرت العادة بأن الإنسان يبقى ويتحجر ولا يعد الناس ذلك ظلمًا؛ فله أن يبقى.
ولهذا قال المؤلف: (ويكون أحق بجلوسها ما بقي قماشه فيها وإن طال).
فأفادنا المؤلف فائدتين: الفائدة الأولى: أنه ما بقي القماش في هذه الأرض التي سبق إليها فهو أحق بها، فإن نقل القماش فليس أحق بل هي لمن سبق في اليوم التالي، فإذا نقل الإنسان قماشه إلى بيته ليكون عنده في الليل وجاء في الصباح ووجد شخصا قد نزل فيه فليس له حق في أن يقيمه عن هذا المكان؛ لأنه لم يُقْطَع من قبل ولي الأمر، وإنما صار أحق بسبب السبق، فإذا نقل قماشه وسبق بعده آخر فهو أحق.
[ ١ / ٥٣٨٣ ]
قال المؤلف: (وإن طال)؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ سَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إِلَيْهِ أَحَدٌ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» (٦).
وقول المؤلف: (وإن طال) هذا الشرط إشارة خلاف؛ فإن بعض العلماء يقول: إذا طال قماشه في هذا المكان فإنه يمنع، لماذا؟
قالوا: لأنه إذا طال بقاؤه صار كالمالك، وحينئذ يتعذر أن ينتفع به أحد غيره، وربما يُبْقِي القماش وهو لا يأتي، أحيانًا يبقي القماش ولا يأتي إلا بعد يومين، ثلاثة، فيمنع هذا المكان من الانتفاع به، وهو لا ينتفع به، والصحيح في مسألة إن طال أو لم يطل: أن ذلك يرجع إلى رأي ولي الأمر، إن رأى من المصلحة أن يبقى وألَّا يشوش على الذين يبسطون في هذا المكان فلا بأس أن يبقى، وإن رأى من المصلحة رفعه فإنه يرفعه.
(وإن سبق اثنان اقترعا) إن سبق اثنان فإننا ننظر، إن أمكن توزيع الأرض بينهما وانتفاع كل منهما بما أخذ فإننا نفعل هكذا، نقول: أنتما سبقتما إلى هذه الأرض، ويمكن أن ينتفع كل منكما بما يؤول إليه فنقسمه، وإن لم يمكن -بحيث لا تتسع إلا لمتجر واحد- فإننا نقرع بينهما؛ لأنه لا يمكن تمييز أحدهما عن الآخر إلا بذلك، ولكن كيف نقرع؟
نقول: القرعة ليس لها شيء معين لا عُرفًا ولا شرعًا، فأي سبب يتوصل به إلى بيان المستحق فإننا نعمله. ().
***
طالب: ().
الشيخ: هو لم يتسع، وأردنا أن نقرع بينهما، كيف نقرع، ويش لون نقول؟
طالب: ().
الشيخ: نرفعه؟
طالب: ().
الشيخ: المهم اضرب مثلًا، وغير هذه؟
طالب: ().
الشيخ: لا، اترك ().
طالب: ().
[ ١ / ٥٣٨٤ ]
الشيخ: افرض الآن -حسب ما كُنَّا نفعل- نضع في اليد شيئًا ولو عودًا أو نواة، والثانية خالية، ثم نطلب من أحدهما أن يختار، لكن إذا قال كل واحد منهما: أنا اللي بختار، نقرع بعد؟ مشكل، هذا ممكن تقع؛ لأن بعض الأحيان إذا مديت يدك وقلت: اختر، وقلنا: اللي يقع على اللي فيه شيء هو الأحق، واللي ياخد الفاضية ما له حق، سوف يقول كل واحد منهما أنا اللي أبدأ الأول، فهل نقول للقارع أن يخص واحدًا منهما، ويقول –مثلًا- للأكبر: خذ.
طالب: يقرع بينها ().
الشيخ: ويش المشكلة.
طالب: ().
الشيخ: هذه طريقة غير سليمة؛ لأنه -كما قلت لكم- يتنازعون فيها.
طالب: ().
الشيخ: يعني: نكتب اسم فلان في ورقة أخرى، ونعطيها شخصًا ثالثًا.
طالب: ().
الشيخ: لا، اللي ذكره الأخ هذا طريق جيد، لكن ما هو منضبط كما ()؛ لأن بعض الناس شاطر يعرف إذا نبذه بقوة وإذا نبذه بسهولة، إذا نبذه بقوة يدور أكثر.
طالب: ().
الشيخ: لا، مستحيل، لا يمكن.
طالب: ().
الشيخ: والله هذا الظاهر هو أقرب شيء، أنا عندي الأوراق هي أقرب شيء، يكتب مثلًا الأرض، واحدة مكتوب فيها الأرض لفلان، وواحدة ما فيها شيء، ونقدمها أو نقول لواحد من الناس: تعال اعط لكل واحد منهم ورقة، () قماشه فإنه في اليوم التالي يكون لمن سبق.
طالب: ().
الشيخ: إذا مكنه ولي الأمر؛ واضحة، كالذي أقطعه؛ لأنه إذا أقطعه ولي الأمر فهو أحق به مطلقًا ما أحد يزاحمه، حتى لو نقله في الليل، وإذا رجع في الصباح يكون له.
قال: (ولمن في أعلى الماء المباح السقْيُ وحَبْسُ الماءِ إلى أن يصل إلى كعبه ثم يرسله إلى من يليه).
[ ١ / ٥٣٨٥ ]
(لمن في أعلى الماء المباح) هل هناك ماء محرم؟ لا، لكنهم يقولون: المباح هنا في مقابل المملوك، كالكلأ المباح في مقابل المملوك، فالماء المباح –يعني: الذي ليس له مالك- كماء الأودية والأنهار إذا مَرَّ بالمزارع، فأحق الناس به أسبقهم؛ يعني الذي في أعلى الماء، فمثلًا إذا كان هذا الوادي الذي يمشي به المطر إذا كان بجانبه عدة بساتين أعلاها رقم واحد ثم اثنين ثم ثلاثة إلى عشرة، فمن الذي يسقي أولًا؟
رقم واحد الأعلى يسقي إلى أن يصل إلى الكعب؛ إلى كعب الرجل، ثم إذا وصل إلى الكعب وجب عليه أن يفتحه على من يليه، ثم يَفْعَل كما فعل الأول، وهكذا إلى آخره.
فإن كان أَوَّل من () في هذا رقم ثلاثة ثم تقدم عليه رقم اثنين ورقم واحد، فمن الأول منهم؟
الأول: رقم ثلاثة؛ لأن هؤلاء جاءوا حدثًا، فيُنْظَر للأسبق، ودليل ذلك: قِصَّة الزبير بن العوام ﵁ حين تنازع مع رجل من الأنصار في شَرَاجِ الْحَرَّةِ فقال: النبي ﷺ للزبير: «اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَى جَارِكَ»، فَحَمِيَ الرجل وغَضِب، كيف يقول: اسق ثم أرسل، ما جعل السقي مشتركًا، فقال: أَنْ كان ابن عمَّتِك يا رسول الله. الله يعفو عنه، هذه كلمة عظيمة؛ يعني اتهم النبي ﷺ بحكمه للزبير أنه ابن عمته؛ لأن الزبير أُمُّه صفية بنت عبد المطلب، فاحتفظ النبي ﵊ للزبير بحقه، وكان بالأول أراد النبي ﵊ أن يسقي الجميع، فقال: اسق؛ بمعنى: اجعل الماء ينتشر في أرضك بقدر ما يسقيه فقط، ثم قال للزبيرِ: «اسْقِ حَتَّى يَصِلَ إِلَى الْجَدْرِ، ثُمَّ أَرْسِلْهُ إِلَى جَارِكَ» (٧).
الجدر عندنا الحواجز التي بين الحياض، ويسمى عندنا -عند الفلاحين- يسمى الفَلَّا، معروف عندكم هكذا؟
[ ١ / ٥٣٨٦ ]
المهم قال: أرسل حتى يصل إلى الجدر، فقيس هذا الجدر، فوُجِد أنه يصل إلى الكعب؛ يعني: معناه أن النبي ﷺ أمر الزبير أن يبقي الماء في بستانه حتى يصل إلى كعب الرجل ثم يرسله إلى جاره، واتخذت هذه سُنَّة إذا تنازع الناس في الماء فإنه يُقَدّم مَن؟ يقدم الأعلى؛ لأنه أسبق، ونظير ذلك أن من دعاك إلى وليمة إذا تعدد الداعون فتقدم الأسبق بالدعوة فإن كانوا سواء فالأقرب بابًا ثم يرسله إلى من يليه.
قال: (ولمن في أعلى الماء المباح) السقي وحبس الماء إلى أن يصل إلى كعبه، ثم يرسله إلى مَنْ يليه.
وفُهِم من قول المؤلف: (الماء المباح) أن الماء غير المباح ليس حكمه كذلك، مثل أن تكون عين بين جماعة اشتركوا في استخراج الماء، فهذه لا نقول: إن الأعلى يسقي حتى يصل إلى الكعب ثم يرسل إلى من يليه بل نقول: إن الماء مشترك على حسب أملاكه فإذا كان بعضهم أنفق نصف النفقة فله النصف، والثاني النصف إذا كانوا ثلاثة أنفق أحدهم النصف والثاني الثلث والثالث السدس يقسم الماء بينهم أسداسًا حسب ما أنفق لصاحب النصف نصف الماء، ولصاحب الثلث ثلث الماء، ولصاحب السدس سدس الماء، ولكن كيف يمكن؟
قال: العلماء يجعل الحاجز الذي يحجز الماء مُخَرَّقًا بخروق متساوية يكون عددها حسب الأملاك، ففي المثال الذي ذكرنا يجعل لصاحب النصف ثلاثة خروق، ولصاحب الثلث خرقان، ولصاحب السدس خرق واحد، ويجب أن تتساوى هذه الخروق، فلا يكون بعضها أعلى من بعض، ولا أوسع من بعض، وأن تتساوى نسبة الماء فيها، فلا يُجعل هناك ميول بحيث يكون الأسفل أقوى دفعًا.
هل يجوز أن نجعلها مترادفة؛ يعني: واحد تحته واحد من الشقوق؟
طالب: لا.
الشيخ: ليش؟
طالب: لأن الماء يكون تحت ..
الشيخ: لأن الذي تحت يكون أكثر ولَّا لا؟
[ ١ / ٥٣٨٧ ]
أكثر دفعًا للماء؛ لأن الضغط عليه أشد، ثم الأعلى أيضًا ربما يتناقص الماء، إذا نزل عن مستواه لم يأته شيء، فالواجب أن تكون على سمت واحدٍ، وأن تكون خرقت في سعة واحدة، وأن يكون ضغط الماء أيضًا واحدًا حتى لا يختلف أحد عن أحد؛ هذا إذا كان الماء مشتركًا.
قال: (وللإمام دون غيره حِمَى مرعًى لدواب المسلمين ما لم يضرهم) للإمام دون غيره، من الإمام؟
طلبة: السلطان.
الشيخ: السلطان (دون غيره) من الناس (حمى مرعى لدواب المسلمين) لا لدوابه الخاصة، بشرط ألَّا يَضُر الناس، فهذه ثلاثة شروط، يعني: هل يجوز حمى أرض للرعي؟
أجاب: نعم، يجوز بثلاثة شروط: أن يكون الحمى من الإمام دون غيره، وأن تكون الحماية لدواب المسلمين لا لدوابه وحده، وألَّا يضر بالناس.
فإن حَمَاها شخص غير الإمام فإن ذلك حرام عليه، ولغيره أن يفك الحِمَى، وأن يرعى إبله فيها؛ لأن هذا تحجر شيئًا لا يحق له أن يتحجره، ولو حماها الإمام لدوابه لا لدواب المسلمين فإن ذلك حرام عليه أيضًا؛ لأنه ليس له أن يختص بشيء عام دون الناس.
وإن حماها لدواب المسلمين ولكن يضر بالمسلمين؛ مثل أن تكون الأرض قريبة من البلد الذي هو مرعى مواشيه، فهذا أيضًا لا يجوز، بل الواجب أن يحمي في مكان بعيد عن مراعي البلد؛ لأنه إذا حمى حول البلد في المراعي اضطر الناس إلى أن تذهب مواشيهم إلى مكان بعيد، يذهب نصف النهار وهي تمشي، ونصف النهار وهي راجعة، وهذا فيه ضرر على المواشي، وفيه أنها لا تشبع يمكن يأتي وقت الرجوع وهي لم تشبع، ثم إن دواب المسلمين ليست للبلد أو لأهل البلد، بل هي لعموم المصالح، ويمكن أن يحمي لها في مكان بعيد تبقى فيه ولا يضر، فالشروط إذن كم؟
طالب: ثلاثة.
الشيخ: قل الشروط الثلاثة؟
() الحامي لهذه الأرض الإمام وأن يكون حمايته لها لدواب المسلمين.
والثالث: ألَّا يضر بالناس.
[ ١ / ٥٣٨٨ ]
إذا قال قائل: ما مثال دواب المسلمين؟ قلنا: مثل إبل الصدقة، إبل الجهاد، خيل الجهاد، وما أشبه ذلك.
كذلك لو كان في بيت المال مواشٍ، بأن يكون فيه ناس ماتوا وما لهم ورثة ولهم مواشٍ، فهذه أيضًا تكون من دواب المسلمين.
***
[باب الجعالة]
ثم قال: (باب الجعالة: وهي أن يجعل شيئًا معلومًا لمن يعمل له عملًا معلومًا أو مجهولًا مدة معلومة أو مجهولة).
الجعالة: عقد معاوضة بين الجاعل والمجعول له، وفيها عوض مدفوع من الجاعل وعوض من المجعول له فهي كغيرها من العقود، لا بد أن يكون العاقد جائز التصرف.
فقول المؤلف: (وهي أن يجعل شيئًا معلومًا) يريد بذلك: أن يكون الجاعل جائز التصرف، ولا بد أن يكون الجعل معلومًا، كمئة درهم مثلًا، أو هذه السيارة، أو هذا المسجل، أو ما أشبه ذلك، أما العمل الذي يعمله المجعول له فلا يشترط أن يكون معلومًا لدعاء الحاجة لذلك، مثاله أن يقول: من رد لقطتي فله كذا وكذا، العوض الآن -المجعول- معلوم ولَّا لا؟
[ ١ / ٥٣٨٩ ]
معلوم، المجعول عليه مجهول؛ لأن رد اللقطة قد يكون يسيرًا وقد يكون صعبًا، وقد لا يرده، أنا قلت: من رد لقطتي فله مئة درهم، خرج رجل يطلب هذه اللقطة وجدها قريبة، لو أنه استأجر على هذا العمل لكفاه عشرة دراهم، نقول: الآن لك مئة درهم، لأنه جُعل لك، والله هو الذي يسر لك الأمر، ذهب يطلب هذه اللقطة وبقي شهرين أو ثلاثة وهو يطلبها ثم وجدها، نقول هنا: صار العمل أكثر من العوض؛ لأن مئة درهم يستحقها الإنسان مثلًا في عمل عشرة أيام، وهذا بقي كم؟ شهرًا كاملًا، ربما يذهب يطلبها فيبقى شهرين أو ثلاثة ولا يجدها، هل يستحق المئة؟ لا، إذن عمل هذا العمل الكثير ومع ذلك لم يستحق شيئًا، فإذا قال قائل: كيف تجيزون هذا العمل مع هذه الجهالة العظيمة، قلنا: نجيزه لدعاء الحاجة إليه، وليس هو على سبيل الإلزام؛ لأن العامل له أن يدع العمل في أي لحظة شاء، كما سيأتي أن الجعالة عقد جائز، ولو لم نجز هذا الشيء لفات للناس مصالح كثيرة، فهذا رجل –مثلًا- قد ضاعت بعيره، لا يمكن أن يستأجر شخصًا لإحضارها، لماذا؟
لأن هذا الشخص لا يدري متى يجد هذه البعير فإذا كان لا يمكن لم يَبْقَ إلا الجعالة، بحيث يقول -يعلن في الصحف أو في أي وسيلة من وسائل الإعلام فيقول-: من رَدَّ بعيري فله كذا وكذا، هذا لا شك أن فيه مصلحة للناس، وهذا الرجل اللي ذهب يطلب البعير ما دام يرجو أن يجدها سوف يفعل، وإذا أَيِسَ منها سوف يتركها، وربما أيضًا يبحث قبل أن يدخل في العمل، ثم إن الجعالة أيضًا لا يشترط فيها تعيين المجعول له قد يقول هذا القول، ويروح واحد -بدون أن يتصل به- ويذهب ويأتي بها، كما سيأتي أيضًا إن شاء الله، فهذا لَمَّا كان فيه هذه المصالح اغتُفِر فيها الجهل.
طالب: ().
[ ١ / ٥٣٩٠ ]
الشيخ: () من الجعل؛ يعني أن يجعل الإنسان عوضًا على عمل الشيء، وأنها -أي: الجعالة- من محاسن الشريعة، وذلك لما تتضمنه من المصلحة الكثيرة التي لا تحصل بدونها، فإنه أحيانًا يضطر الناس إلى استعمالها، لو أن أحدهم ضاع له بعير وأراد أن يستأجر شخصًا لطلبه فالإجارة لا تصح؛ لأن الإجارة لا بد أن تكون على شيء معلوم، ورد هذا البعير لا يمكن أن يكون معلومًا؛ لأنه ضائع، ليست في مكان معين أقول لشخص: اذهب إلى المكان المعين، وائت ببعيري ولك كذا وكذا صَحَّ، لو كان بمكان مُعين صحت الإجارة، لكن هذا ضائع، لا ندري هل يجده في مكان قريب أو في مكان بعيد في زمن قريب أو زمن بعيد؟ فلولا جواز الجعالة لَلَحِق الناس في ذلك مشقة، فإن قال قائل: هل يشترط في الجعالة أن يكون العوض معلومًا؟
الجواب: نعم، لا بد أن يكون العوض معلومًا، فيقول مثلًا: من رد ضالتي فله مئة درهم، لو قال: من رد ضالتي فله مال، بس، لم يصحَّ، إذن العوض عليها لا بد أن يكون معلومًا، أما هي فلا يشترط أن تكون معلومة، ولهذا قال المؤلف -﵀- في التعريف: (وهي أن يجعل شيئًا معلومًا لمن يعمل له عملًا معلومًا أو مجهولًا).
(عملًا معلومًا) كخياطة الثوب فيقول: من خاط الثوب هذا على صفة كذا وكذا فله كذا وكذا، هذا معلوم، المجهول مثل أيش؟
طالب: ().
الشيخ: نعم، من رد ضالتي فله كذا وكذا، من رد لقطتي فله كذا وكذا، الضالة في الحيوان واللقطة في غيره، هذا العمل مجهول، وذلك لأنه لا يُدْرى متى يجد هذه اللقطة أو متى يرد هذه الضالة، لكن -كما أسلفنا- جواز هذا من محاسن الشريعة لدعاء الضرورة إلى ذلك أحيانًا، إذن هذه الجهالة تُغْتَفر في جانب المصلحة العظيمة.
قال: (مُدة معلومة أو مجهولة)، كيف مدة معلومة أو مجهولة؟
يعني قد يكون العمل معلومًا لكن مدته مجهولة، ما ندري متى ينتهي، مثل أن يقول: من بنى لي هذا الجدار فله كذا وكذا، المدة معلومة ولّا غير معلومة؟
[ ١ / ٥٣٩١ ]
طالب: غير معلومة.
الشيخ: غير معلومة، من بنى لي هذا الجدار خلال أسبوع فله كذا وكذا، المدة معلومة، فيجوز إذن الجمع بين تقدير العمل والزمن؛ لأن باب الجعالة متوسع فيه، وذلك لأن الجعالة ليست عقدًا لازمًا، يجوز لكل واحد من المتعاقدين أن يفسخه كما سيأتي.
لو استأجرت طبيبًا أو جعلت جعلًا لمن داواك من مرض معين حتى تشفى يجوز ولَّا لا؟
يجوز من باب الجعالة، فيقول: من داوى بعيري حتى تبرأ فله كذا وكذا، نقول: لا بأس بذلك؛ لأن العمل في الجعالة لا يضر جهله، وعلى هذا فإذا قال: من داوى بعيري حتى تبرأ، فقال شخص: أنا ()، قلنا: لا بأس، قد تبرأ قريبًا، وقد تبرأ بعد زمن طويل، وقد لا تبرأ، إذا لم تبرأ فهل يستحق الجعل؟ لا، وإذا برئت يستحق ولو بزمن قريب.
قال المؤلف: (كَرَدِّ عَبْدٍ ولُقَطَة وخياطة وبناء حائط)، هذه أمثلة: رد العبد، ويقال: له آبق، ولُقَطة: ويقال لها: ضالة إن كانت حيوانًا، ولقطة إن كانت غير حيوان، فقال مثلًا: من رد عبدي فله كذا، يصح؟ والعمل مجهول ولّا معلوم؟ العمل مجهول، نقول: لأن رد العبد قد يكون عن قريب وقد يكون عن بعيد، قد يبقى شهرين، ثلاثة يطلب هذا العبد لا يجده، وقد يجده بأقرب وقت، وكذلك العمل، العمل لرده مجهول، قد يعمل طويلًا ويتعب ناقته أو سيارته وبدنه وقد لا يأتي، فالمدة مجهولة، وكذلك العمل مجهول، لكن نوع العمل الذي جعل له العوض معلوم، وهو رد اللقطة.
كذلك أيضًا: (خياطة ثوب وبناء حائط)، قال: من خاط لي هذا الثوب فله كذا وكذا، خياطة الثوب معلومة ولَّا لا؟
طالب: معلومة.
الشيخ: معلومة، لكن زمنها مجهول، لو قال: من خاط لي هذا الثوب هذا اليوم، صار العمل معلومًا والزمن معلومًا.
(وبناء حائط) قال: من بنى لي هذا الحائط فله كذا وكذا، نقول: هذا أيضًا جائز ولا بأس به، وهو جعالة.
[ ١ / ٥٣٩٢ ]
قال المؤلف: (فمن فعله بعد علمه بقوله استحقه، والجماعة يقتسمونه، وفي أثنائه يأخذ قسط تمامه)، وبعد العمل لا يستحق شيئًا، (فمن فعله) يعني: فعل ما جُعل له جُعْلٌ فلا يخلو من ثلاث حالات:
الحال الأولى: أن يفعله بعد العلم، الثانية: أن يفعله قبل العلم، الثالثة: أن يفعل بعضه قبل العلم وبعضه بعد العلم.
مثال ذلك: أعلن هذا الرجل في الصحف أن من رد لقطته -وهي لقطة ثمينة- فله عشرة آلاف درهم، فجاء رجل فقال: هذه لقطتك، فهل يستحق العشرة؟
لا، ننظر إن كان قد وجدها قبل الإعلان لم يستحق شيئًا؛ لأنه لم يعمل لي، وإن كان قد طلبها ووجدها بعد الإعلان استحق الجعل كاملًا، وإن علم بالإعلان في أثناء الطلب استحق بقسطه، فمثلًا إذا قال: أنا كنت أطلبها منذ يومين فسمعت بالإعلان، وبعد سماعي بالإعلان طلبتها يومين آخرين فوجدتها، كم يستحق؟ نصف الجعل؛ لأنه عمل نصف العمل قبل أن يعلم بذلك.
فإذا قال: أنا طلبت هذه اللقطة بنية الرجوع على صاحبها، يعني أني أرجع بعملي، قلنا: ليس لك حق في ذلك؛ لأن صاحبها لم يطلب هذا الشيء، ولم يجعل هذا الجُعْل، وربما يكون صاحبها لم يعلم بأنها ضاعت، وربما يكون صاحبها ثريًّا غنيًّا لا تهمه إذا ضاعت.
لهذا لا تستحق شيئًا إلا بعد علمك بالْجُعْل، إذا كنت فعلت ذلك بعد علمك أعطيناك، فإذا ادعى أنه عمل بعد العلم وأنكر الجاعل فما الأصل؟ هل نقبل قول الجاعل أو نقبل قول العامل؟
طلبة: قول العامل.
الشيخ: الظاهر أن نقبل قول العامل؛ لأن الغالب أن الإنسان لا يعمل لغيره إلا رجاء العوض فنحكم بأن عمله كان بعد علمه بالجعل.
[ ١ / ٥٣٩٣ ]
واستمع إلى كلام المؤلف قال: (فمن فعله بعد علمه بقوله استحق)، والجماعة؟ قال: (يقتسمونه)؛ يعني: لو أنه قال: من رد لقطتي فله مئة درهم، فذهب عشرة يطلبونها، فوجدوها جميعًا؛ يستحقون الجعل كلٌّ بقسطه، قال: مَنْ بنى لي هذا الحائط فله كذا وكذا، فبناه جماعة؛ يستحقون الجعل يقتسمونه، كما قال المؤلف، ولكن هل يقتسمونه بالسوية؟
الجواب: نعم؛ لأن صاحب الجدار مثلًا أخرج جعلا لمن بناه، وهؤلاء يصدق عليهم أنهم بنوه، فقد اشتركوا بالبناء، فيستحقون العوض بالاشتراك.
قال: (وهي عقد جائز لكل فسخها) الجعالة عقد جائز من الطرفين، فلكل واحد فسخها، فهذا الرجل الذي قال: من بنى لي هذا الحائط فله مئة درهم، فشرع رجل في بنائه، فله أن يمنعه، يقول: خلاص أنا حطيت السقف، كنت أريد بناءه والآن حولت، نقول: لك هذا؛ لأن الجعالة عقد جائز، ولو أن العامل شرع في البناء وفي أثنائه حَوَّل وفسخ، قلنا: لك ذلك، ولا نُلْزِمك؛ لأن الجعالة عقد جائز، بخلاف الإجارة، فإنها عقد لازم.
وقد مر علينا أن العقود تنقسم إلى ثلاثة أقسام: جائز من الطرفين، ولازم من الطرفين، وجائز من طرف لازم من طرف، مثال الأول؟
طالب: المضاربة ..
الشيخ: المضاربة والوكالة والجعالة.
مثال الثاني اللازم من الطرفين؟ الإجارة والبيع لازم من الطرفين.
الجائز من أحدهما دون الآخر؟
طالب: ().
الشيخ: وغيرها؟
طالب: ().
الشيخ: ندِّي مثالًا آخر؟
طالب: ().
الشيخ: لا.
طالب: الرهن.
الشيخ: الرهن لازم في حق الراهن جائز في حق المرتهن.
وضابط ذلك أن يكون العقد مشتملًا على حق لشخص وحق على شخص، فهو في حق من هو عليه؟
طالب: لازم.
الشيخ: لازم، وفي حق من هو له؟
طالب: جائز.
الشيخ: جائز.
[ ١ / ٥٣٩٤ ]
يقول: (ولكل واحد منهم فسخها، فمن العامل لا يستحق شيئًا، ومن الجاعل بعد الشروع للعامل أجرة عمله) إي نعم، إذا وقع الفسخ؛ فإن كان من العامل فلا شيء له ويذهب عليه عمله هدرًا؛ لأنه هو الذي رضي لنفسه بعدم الاستحقاق، فإنه يعلم أنه لا يستحق العوض إلا إذا أتم العمل فإذا فسخه في أثنائه ذهب ما عمله هدرًا ولا شيء له، ولكن ظاهر كلام المؤلف أنه لا شيء عليه أيضًا، لا شيء له ولا شيء عليه أيضًا، وهل هذا مُسَلَّم؟
الجواب: فيه نظر، فإن العامل قد يشرع في العمل في وقت يكون فيه العمال متوافرين، ثم إذا قَلَّ العمال ونشب كل واحد منهم بعمل، وشرع هذا في العمل قال: فسخت، وحينئذ سوف يتضرر الجاعل؛ لأن العمال كان حين أخذ هذا الرجل العمل الواحد بعشرة ريالات، الآن لا نجد الواحد ولا بمئة ريال، وحينئذ يتضرر الجاعل، وقد مَرَّ علينا أن العقود الجائزة إذا تضمنت ضررًا على أحد الطرفين صارت لازمة في حق غير المتضرر، إلا إذا دفع عوض الضرر فلا شيء عليه، وحينئذ قول المؤلف: (فمن العامل لا يستحق شيئًا) ينبغي أن يقال: ولا شيء عليه ما لم يتضرر الجاعل، فإن تضرر قيل له: إما أن تدفع الضرر وإما أن تلتزم بالعمل.
قال: (ومن الجاعل بعد الشروع للعامل أجرة مثل عمله) مثال ذلك: قال: من بنى لي هذا الحائط فله مئة درهم، فبنى نصفه العامل، فقال الجاعل: فسخت الجعالة، فسخه جائز؛ لأن الجعالة عقد جائز، ولكن يعطي العامل أجرة مثل عمله، وقول المؤلف: (أجرة مثل عمله)، يقتضي أنه لا يعطى القسط من الجعل؛ لأن الفسخ رفع للعقد من أصله.
مثال ذلك: هو قال: من بنى لي هذا الحائط فله مئة درهم، فبنى العامل نصف الحائط، ثم فَسَخ الجاعل، نقول: للعامل أجرة عمله منسوبًا إلى الجعالة ولّا مستقِلًّا؟
ظاهر كلام المؤلف أنه مستقل، وسنعرف الفرق بينهما حتى نحكم، الجعل المجعول على بناء هذا الحائط كم؟
[ ١ / ٥٣٩٥ ]
مئة، بنى نصفه يستحق خمسين، قلنا: عليك أيها الجاعل أجرة هذا العمل، كم يُبنى الجدار لو استأجر من يبنيه؟ قالوا: لو استأجر من يبنيه لبني بمئتين، يجب للعامل على الجاعل مئة، ولو قلنا: إن له بالقسط لم يجب له إلا خمسين، بالعكس لو أنه حين بنى () فسخ الجاعل، وكان هذا الجدار لو بُنِي لبُنِي بثمانين، فإن قلنا: إنه يعطى من الجعل بقسطه لأعطيناه خمسين، وإذا قُلنا: إنه يُعْطَى مثل أجر عمله لم نعطه إلا أربعين فهل هذا مُسَلَّم؟
نقول: أما بالنسبة للمسألة الأولى: إذا كانت الأجرة أكثر من الجعل فمُسَلَّم؛ لأن الجاعل اختار لنفسه ذلك، أليس كذلك؟ ولَّا ما هو بواضح؟
طالب: ما هو واضح.
الشيخ: ما هو بواضح، قلت: من بنى لي هذا الحائط فله مئة درهم، كذا ()؟ فبنى العامل نصف الجدار، ثم إن الجاعل قال: فسخت الجعالة، فكم يستحق؟ لك نصف الجعل ولّا نصف الأجرة؟
نصف الأجرة، إذن نقول: كم يبنى هذا الجدار؟ قالوا: يبنى هذا الجدار بمئتين، فعلى الجاعل الآن أن يدفع مئة كاملة، هذا مُسَلَّم، أن نُلزِم الجاعل بمئة؛ لأنه هو الذي فسخ العقد، بالعكس لو كان هذا الجدار جعلوا له جُعلًا مئتين، وكان لو بني بالأجرة يبنى بمئة، فعلى كلام المؤلف لا يعطى العامل إلا خمسين، مع أن صاحب الجدار ملتزم بأن يعطى على نصف العمل مئة؛ لأنه جعل له مئتين، وهذا غير مسلم؛ لأن في ذلك ضررًا على العامل، والعامل يقول: أنا ما شرعت بالعمل إلا من أجل أن الجعل مناسب؛ مئتان؛ ولأن هذا قد يفتح باب حيلة من أهل الجعل، يجعلون جعلًا مغريًا، فإذا شرع العامل في العمل وأدى نصف العمل أو ثلاثة أرباع العمل أو تسعين في المئة من العمل قال: فسخت؛ لأجل أن يرجع إلى أجرة المثل، فهذا الجاعل إذا قال: من بنى لي هذا الجدار فله مئتان، فبنى هذا العامل الجدار، ولم يبق إلا عشرة في المئة، فقال: فسخت الجعالة، وكان لو استأجر على بنائه لبني بمئة، كم نعطيه؟
طالب: ().
[ ١ / ٥٣٩٦ ]
الشيخ: لا، على كلام المؤلف نعطيه تسعين، لكن على الذي نرى أنه يعطى مئة وثمانين، تسعة أعشار الجعل؛ لئلا يكون هناك حيلة على العمال في أن يجعل جعلًا مغريًا، وتعرفون أن الناس يأتون سراعًا إلى الجعل المغري، فهذا الجدار إذا كان لو استأجر عليه استئجارًا عاديًّا؛ يبنى بمئة وجعل بمئتين، كل الناس يسرعون إليه، فإذا لم يبق إلا عشرة في المئة قال: فسخت، في هذا ضرر وخداع للناس، وكل إنسان يتحيل على حق الغير فإنه ينبغي أن يُعامل بنقيض قصده.
قال: (ومن الجاعل بعد الشروع للعامل أجرة عمله) وقبل الشروع؟ لا شيء للعامل؛ يعني بعد أن قال: من بنى لي هذا الحائط فله مئتا درهم، فجاء رجل تقدم لبنائه وكتب العقد، ثم قبل أن يشرع العامل في البناء قال: الجاعل فسخت، ورجعت فهل يكون له -أي للعامل- شيء على الجاعل؟
لا؛ لأنه لم يعمل شيئا، ولكن هل هذا مُسَلَّم في كل صورة؟ لا؟
نعم، ربما نقول: إن تضرر العامل فلا بد أن يُلزم هذا الجاعل بالعمل، وإذا أصر على عدم العمل () فإنه لا بد أن يُطَالب بأرش، مثال ذلك لنفرض أن النمو العمراني ضعيف، وعند طلب العمال جاء هذا الجاعل جَعَلَ جُعلًا لبناء هذا الحائط، وأمهل، ثم لما تنشب العمال وكل منهم أخذ العمل الذي أراده الله له قال: فسخت، فهنا نقول: إن هذا الجاعل قد فَوَّت على العامل أن يشتغل، الآن سوف يتعطل العامل.
ومعَ الاختلافِ في أَصْلِه أو قَدْرِه يُقْبَلُ قولُ الجاعلِ، ومَن رَدَّ لُقَطَةً أو ضالَّةً أو عَمِلَ لغيرِه عَمَلًا بغيرِ جُعْلٍ لم يَسْتَحِقَّ عِوَضًا إلا دينارًا أو اثْنَي عشرَ دِرْهَمًا عن رَدِّ الآبِقِ، ويَرْجِعُ بنفقَتِه أيضًا.