[ ١ / ٦٧٨٥ ]
مَن طَلَّقَ بلا عِوَضٍ زَوجةً مَدخولًا بها أو مَخْلُوًّا بها دُونَ ما لَه من العَددِ فله رَجْعَتُها في عِدَّتِها ولو كَرِهَتْ بلفظِ: " راجعْتُ امرأتِي " ونحوِه لا " نَكَحْتُها ونحوِه، ويُسَنُّ الإشهادُ، وهي زوجةٌ لها وعليها حُكْمُ الزوجاتِ، لكن لا قَسْمَ لها وتَحْصُلُ الرَّجعةُ أيضًا بوَطْئِها، ولا تَصِحُّ مُعَلَّقَةً بشرطٍ، فإذا طَهُرَتْ من الحيضةِ الثالثةِ ولم تَغْتَسِلْ فله رَجْعَتُها،
تُقطع يدُه، كما سيأتي إن شاء الله بعد.
طالب: حديث: «يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ» (١) ()؟
الشيخ: المظلوم؟
الطالب: إي نعم، أن يتأول أمام الظالم، كيف ()؟
الشيخ: إي، هذا قصدك في الخصومة، الحديث ما هو ()، في باب الخصومة إذا حلفت لخصمك الذي يطلبك، وعرفت أن تؤول فإن اليمين على ما ينوي هو، ما هو بعلى ما تنوي أنت، وهذا معناه حكمه عند الله، وأما في الظاهر فالحاكم ما له أن يحكم إلا بما ظهر له.
الطالب: ()؟
الشيخ: لا، ما ذكره هنا.
طالب: فيه دليل على أن التأويل بالحلف ()؟
الشيخ: إي نعم، فيه مستند، قصة أيوب؛ لأن فيه شيئًا من التأويل: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]، هو حلف أنه يضرب امرأته مئة سوط، والضغث اللي فيه مئة شمراخ ما يعد مئة سوط، لكن لفظه محتمل له، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى عموم قول الرسول ﵊: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (٢)، وكذلك حديث ركانة لو صح: «وَاللَّهِ مَا أَرَدْتَ إِلَّا وَاحِدَةً»؟ فقال: والله ما أردتُ إلا واحدة (٣). المهم أن الأدلة كثيرة.
طالب: وقصة إبراهيم مع الظالِم ما تدخل؟
الشيخ: وكذلك قصة إبراهيم مع الظالم فإن فيها تأويلًا.
[باب الشك في الطلاق]
[ ١ / ٦٧٨٦ ]
ثم قال: (باب الشك في الطلاق) يعني في وقوعه، وهل أوقعه؟ وهل وُجِد شرطه؟ فالشك في الطلاق يتضمن ثلاثة أمور: هل أوقعه، أو لا؟ هل وقع أو لا؟ هل وُجد شرطه أم لم يُوجد؟ كل ذلك شك في الطلاق، والشك في الطلاق لا عِبرة به؛ لأن الأصل بقاء النكاح، ودليل ذلك حديث عبد الله بن زيد في الرجل يُخيَّل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال النبي ﵊: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (٤)، فالأصل بقاء طهارته إلا بدليل؛ هذا من السنة.
وأيضًا من النظر أن الأصل بقاء ما كان على ما كان، حتى يثبت ذلك؛ ولهذا قال الله ﷿: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦]؛ لأنك لو لم تُشهد للزمك المال؛ لأن الأصل بقاؤه وعدم دفعه، والله أعلم.
طالب: ().
الشيخ: في وجود لفظه، أو عدده، أو شرطه، الشك يعني التردد في وجوده، أو وقوعه، أو عدده؛ هذا الشك؛ يشك بوجوده أو وقوعه، مثل أن يكون معلقًا على شرط فيشك في وجود الشرط، (أو عدده) بأن يشك هل طلق واحدة أو ثلاثًا؟
وهنا قاعدة أثبتها النبي ﵊ فيمن شكا إليه، أنه يُخيَّل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال له النبي ﵊: «لَا يَنْصَرِفْ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (٤)، فنهاه أن ينصرف إلا بيقين؛ لأنه كان بالأول مُتيقنًا للطهارة شاكًّا في الحدث، والشك لا يزيل اليقين؛ اليقين لا يُزال إلا بيقين؛ هذا هو الأصل في هذا الباب، الأصل في هذا الباب هذا الحديث الذي قال فيه الرسول ﵊: «لَا يَنْصَرِفْ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا».
هذا الدليل، أما التعليل في هذا الباب؛ فإن الأصل بقاء ما كان على ما كان، الأصل عدم التغير، وأن الأمور باقية على ما هي عليه. هذه قاعدة.
[ ١ / ٦٧٨٧ ]
أيضًا قاعدة أخرى ينبني عليها هذا الباب؛ وهي أن اليقين لا يُزال إلا بيقين.
فعندنا الآن أصل من السنة وقاعدتان فقهيتان، وهما:
الأصل بقاء ما كان على ما كان، فما دام النكاح كان موجودًا فالأصل بقاؤه.
والثاني: أن اليقين لا يُزال إلا بيقين.
بناءً على هذا يقول المؤلف: (من شَكَّ في طلاق لم يلزمه) شك في طلاق فإنه لا يلزمه.
كيف شك فيه؟ يعني قال: والله إني ما أدري طلقت زوجتي ولَّا ما طلقتها؟ يلزمه الطلاق؟ لا، الدليل: الحديث والتعليل بالقاعدتين الفقهيتين: أن الأصل عدم الطلاق، وأن النكاح المتيقَّن باقٍ على اليقين، فلا يُزال بالشك.
وهذا -نسأل الله السلامة- يبتلى به بعض الناس فيحصل عنده وسواس في طلاق زوجته، حتى إن بعض الناس -اللهم عافِنا- يقول: إني قلت: إن فتحت الكتاب فزوجتي طالق، ثم إذا فتحه قال: لا، أخاف إني قلت: إن لم أفتحه فزوجتي طالق! ! كلما حصل أدنى شيء قال: إني قد علَّقت طلاق زوجتي على هذا الشيء، فيحصل عنده من التردد والخوف ما يُكدِّر عليه حياته الزوجية، وهذا لا شك أنه بلوى، لكن دواؤها الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم وكثرة قراءة: (قل أعوذ برب الفلق)، و(قل أعوذ برب الناس).
(أو شك في شرطه) شك في شرط الطلاق، هل وقع أو لم يقع؟ ما هو شك هل شرط أم لم يشترط، لو تيقَّن أنه طلَّق، لكن شك هل شرط أم لم يشترط فالأصل عدم الشرط وتطلق، لكن شك في شرطه؛ أي في شرطه الذي يقع فيه؛ ولهذا قلنا فيما سبق: الشك في الطلاق يتضمن الشك في وجوده أو وقوعه أو عدده.
شك في وقوع الشرط هل وقع أم لا؟ فإن الأصل عدم الطلاق، مثل لو علَّق طلاق زوجته على شيء، ثم شك هل وُجد هذا الشيء أم لم يوجد؟ فالنكاح بحاله ولا يقع الطلاق، قال مثلًا: إن جاء فلان فزوجتي طالق، ثم شك هل جاء أم لم يأتِ؟ لم تطلق؛ لأن الأصل عدم الطلاق، نبني على الحديث والأصل السابق.
[ ١ / ٦٧٨٨ ]
كذلك (شك في عدده) قال: أنا مُطلِّق الآن متيقن، لكن ما أدري طلقة أو طلقتين أو ثلاثًا؟ ماذا يكون؟ واحدة، ولهذا قال المؤلف: (لم يلزمه وإن شك في عدده فطلقة).
يقول عندي بالشرح: قال الموفق: من هو الموفق؟ اسم رجل ولَّا وصف؟
طالب: وصف.
الشيخ: لا، اسم رجل، يعني ما هو الموفق كل من وفقه الله، الموفق ابن قدامة.
طالب: هو اسمه؟
الشيخ: اسمه نعم، لقبه: الموفق عبد الله بن أحمد بن قدامة، صاحب المغني.
يقول عندي بالشرح: (قال الموفق: الورع التزام الطلاق). إذا شك في الطلاق، أو شك في شرطه، فالورع التزام الطلاق.
والصواب أن الورع عدم التزام الطلاق؛ لأنك إذا تورَّعت بالتزامه أحللتها لغيرك، فأوقعته في بلاء، فالورع عدم التزام الطلاق، وأن الطلاق ما يقع؛ هذا هو الأصل، وليست المسألة شيئًا هينًا يتعلق بنفسك فقط، أيضًا إذا قلت: الورع التزام الطلاق، فمعنى ذلك أنك سوف تحرم زوجته من النفقة ومن الميراث إذا مت، ومن أشياء كثيرة من حقوقها؛ فالورع إذن عدم التزام الطلاق.
(وتُباح له) يعني من شك هل طلق مرة أو مرتين أو ثلاثًا؛ فهو مرة، وتُباح له.
طالب: () آخر نقطة؟
الشيخ: عدد الطلاق، إن شك هل قال: أنتِ طالق ثلاثًا، أو قال: أنتِ طالق وبس.
الطالب: () في المجلس الواحد؟
الشيخ: هم يرون أن طلاق الثلاث ثلاث، المذهب أن طلاق الثلاث ثلاث في مجلس أو مجالس، في لفظ أو ألفاظ، طلاق الثلاث ثلاث.
(وإن شك في عدده فطلقة وتُباح له).
طالب: كيف تُباح له؟ يعود على أيش (تُباح له)؟
الشيخ: تُباح للزوج؛ لأنه لو كان الطلاق ثلاثًا لم تُبح له.
الطالب: إلا إن كانت هذه الأخيرة.
الشيخ: إلا الأخيرة، تُباح له في مسألة إذا شك في عدده، فطلقة وتُباح له.
يقول: (فإذا قال لامرأتيه: إحداكما طالق) (إذا قال لامرأتيه) زوجتيه: (إحداكما طالق)، (إحداكما) أيتهما؟
طالب: أن ينوي.
الشيخ: ما ندري (إحداكما) مبهمة.
[ ١ / ٦٧٨٩ ]
(إذا قال: إحداكما طالِق طلقت المنوية) إن كان قد نوى زينب فهي زينب، وإن نوى فاطمة فهي فاطمة؛ لقول النبي ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (٢)، واللفظ الذي أصدره صالح لهذه النية، اللفظ (إحداكما) صالح؛ لأن ينوي به زينب أو فاطمة، فتطلق المنوية.
فإن قال: ليس لي نية؟ ما عندي نية، أو: لا أدري مَنْ نويت؟
يقول: (وإلا من قَرَعت)، والأحسن (من قُرِعت)؛ لأنها ما هي بغالبة، هي مغلوبة.
(وإلا من قُرعت) أي: وقعت القُرعة عليها لا لها. كيف (من قُرعت)؟ يعني نقرع بينهما.
وكيف الإقراع؟ نقول: فاطمة طالق، زينب طالق، فاطمة طالق، زينب طالق، اللي نقف عليه هو؟ !
طالب: لا.
طالب آخر: ().
الشيخ: ويش لون ()؟
الطالب: يعني نجيب مثلًا حصاتين، ونقول: هذه طالق، وهذه لا، فنقول: أمسكي أنتِ، إذا مسكت (طالق) فهي طالق، وإذا مسكت (غير طالق) فهي غير طالق.
الشيخ: طيب، وإن ادعت، قالت: أنتم ()؟
طالب: نكتب ورقة.
الشيخ: نعم، الحصى يمكن يقع فيه اشتباه، ولكن أحسن شيء يُكتب الاسم، أو يُكتب واحدة طالق الورقة وواحدة ما فيها طالق، ولا ما فيها كتابة، وتُعطى واحدة منهما، يعني قال: خُذِي. فاللي تأخذ اللي فيها الطلاق تطلق، والثانية لا تطلق.
طالب: وإن كان أخذها غيرها؟
الشيخ: كيف غيرها؟
الطالب: مثلًا أن يفرغ في حضرتهما ويقول: أنا آخذها عنهما، وأقول: هذه لزينب وهذه لفاطمة؟
الشيخ: إن وكَّلناه لا بأس. طيب، هل القرعة حُكم شرعي؟
نعم، القرعة حُكم شرعي ثبتت في القرآن في موضعين، وثبتت في السنة في ستة مواضع، والقرعة ثابتة في تمييز كل حقين متساويين، كل حقين متساويين لا تمييز بينهما فطريق التمييز هو القرعة.
في القرآن وردت في موضعين؛ الموضوع الأول؟
طالب: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١].
الشيخ: اللي هو؟
الطالب: يونس.
[ ١ / ٦٧٩٠ ]
الشيخ: يونس، ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١].
والموضع الثاني: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤].
أما في السُّنَّة فإن الرسول ﵊ أقرع، ذكروا في ستة وقائع وحوادث، منها: أن رجلًا أعتق ستة أعبُد، فجزأهم النبي ﵊ ثلاثة أجزاء، وأقرع بينهم ليُخرج الثلث فقط (٥).
ومنها: أن النبي ﷺ كان إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها (٦).
أما دلالة النظر على أن القرعة حكم شرعي؛ فلأنه لا طريق لنا إلى التمييز بين متساويين إلا بهذا، وأنكر بعض من أهل العلم القرعة، وقال: إن القرعة من الميسر، وأنها مثل الاستقسام بالأزلام، ولكن هذا القول مردود لمخالفته النص، ولبطلانه بذاته؛ أما مخالفته للنص فقد عرفتم ما جاء في الكتاب والسنة من إثبات القُرعة، وأما بطلانه بذاته فإن هذا ليس من الميسر؛ لأننا لا نُقرع إلا بين شيئين متساويين، والميسر ليسا متساويين.
نعم، لو قلنا: أنتما رجلان بينكما هذا الحق مشتركًا ومناصفة، ولكن نبغي نجعل ثلثين وثلثًا ونُقرع بينكما، يجوز ولَّا ما يجوز؟ هذا ما يجوز؛ لأنه ميسر، إن وقعت على صاحب الثلث غُلِب، وإن وقعت على صاحب الثلثين غَلَب. أما شيئان متساويان فأين الميسر فيهما؟ ! وأما الاستقسام بالأزلام فليس كذلك، ما هناك حقان متساويان يُراد التمييز بينهما، بل هما إرادتان من هذا المستقسم، ويعمل بهذه الأقداح لينظر ماذا يُقسم له من هذه الإرادة، فبينهما فرق.
وعلى هذا فالصواب أن القرعة ثابتة في كل حقين متساويين لا يمكن التمييز بينهما إلا بهذا.
(وإلا من قرعت). (كمن طلق إحداهما بائنًا ونسيها) يعني وكذلك من (طلق إحداهما بائنًا)، أي: طلاقًا بائنًا، (ونسيها)، فإنه يُقرع بينهما، فمن قُرِعت وقع عليها الطلاق.
[ ١ / ٦٧٩١ ]
كيف طلاقًا بائنًا؟ طلق إحداهما طلاقًا بائنًا ونسيها، يعني فيه واحدة باقٍ له من طلاقها طلقة واحدة، فطلَّق إحداهما، طلق، عيَّن، قال: فلانة طالق، لكن نسي هل طلق التي ما طلقها من قبل، أو طلَّق التي لم يبقَ لها إلا طلقة؟ إن كان الطلاق واقعًا على التي لم يُطلقها من قبل فالأمر سهل، ماذا يصنع لو أرادها؟ يراجع، وانتهت القضية، وإن كان الطلاق واقعًا على من كانت هذه آخر طلاقها، فإنها تبين ولا تحل له، فهو الآن متردد، يقول: أنا مطلق واحدة منهما، ولكني نسيت؟ فنقول في هذه الحال: أقْرِع بينهما، فمن خرجت عليها القرعة فهي المطلقة وتحل لك الباقية، هذا هو المذهب.
ولكن جمهور أهل العلم يرون أنه لا تدخل القرعة في هذا؛ لأنه الآن اشتبه عليه امرأتان إحداهما حلال والأخرى حرام، وإذا كان كذلك فالواجب الاجتناب؛ اجتناب الجميع حتى يتبين الأمر، فإن لم يتبين ماذا نعمل؟ يُطلِّق واحدة، ثم تطلق المرأتان جميعًا، واحدة بائن، والأخرى رجعية، وهذا الأخير هو الذي اختاره الموفق في المغني ونصره، وقال: إنه قول جمهور أهل العلم، وأنه لا يعلم قائلًا بما قاله المؤلف من الصحابة، وأن الذي ورد عن الصحابة وردت فيه القرعة في باب الميراث، وليس في باب الحل؛ بمعنى أن الإنسان لو طلَّق إحدى زوجاته طلاقًا بائنًا ونسيها، ثم مات، فإنه يُقرع بينهما من أجل الإرث، لا من أجل الحل، قال: والقرعة تدخل في المال، ولكن لا تدخل في الفروج.
ولكن لا شك أن ما قاله المؤلف أقرب إلى الصواب، من حيث إنه أيسر على المكلَّف؛ لأن كوننا نقول: اجتنب المرأتين مشكل، والطلاق إنما هو وقع على واحدة. ثم إذا اجتنب المرأتين، وقلنا: لا تحل لك المرأتان، واحدة؛ لأنها بائن، والثانية؛ لأنها مطلقة، فسيترتب على ذلك شيء آخر، وهو؟
طالب: تبين بينونة صغرى.
[ ١ / ٦٧٩٢ ]
الشيخ: تبين وتحل للأزواج، وهو إلى الآن ما طلق. وإن ألزمناه بأن يطلق الثانية قد نضره، ونقول: طلِّق الثانية حتى تقطع الشك، وفي هذا ضرر عليه. فالصواب ما قاله المؤلف: أنه يُقرع بينهما، فمن خرجت عليها القرعة فهي الطالق، وتبقى المرأة الثانية زوجة له.
طالب: ولا مانع فيه ().
الشيخ: (وإن تبين أن المطلقة غير التي قُرعت رُدَّت إليه، ما لم تتزوج أو تكن القرعة بحاكم).
(إن تبين أن المطلقة غير التي قُرعت)، يعني إن أقرعنا بين فاطمة وزينب، ووقعت القرعة على زينب، وقلنا: يلَّا مع السلامة، (تبين أن المطلقة غير التي قُرعت) أن المطلقة مَنْ؟ فاطمة، فإنها ترد إليه، من هي؟ الأولى زينب، ترد إليه؛ لأنه تبين أنها ليست هي المطلقة، والقرعة إنما هي لحل مشكل ما لنا منه مخرج، فإذا تبين لنا منه مخرج رجعنا إلى ما تبين، إلا في حالين: إذا تزوجت التي قرعت، أو كانت القرعة بحكم حاكم.
لماذا؟ لأنها إذا تزوجت فإن إقراره بأنها هي المطلقة يكون فيه إبطال لحق الزوج الجديد؛ يعني هو عقب ما تزوجت وأقرعنا وتزوجت المقروعة، قال: أنا الآن ذكرت أن المقروعة هي التي لم يقع عليها الطلاق، وأن التي عندي الآن هي التي أنا طلقت. وهذا يمكن ولا لا؟ يمكن. نقول: الآن ما نقبل منك هذا الشيء، لماذا يا جماعة؟ ماذا نجيبه؟ لأنك الآن تُريد أن تبطل حق الزوج الجديد، وإبطالك لحق الزوج الجديد ما يمكن نقبله.
وعُلم من التعليل أن الزوج الثاني لو صدَّقه، وقال: نعم، أنا أثق بهذا الرجل، وأن التي وقع عليها الطلاق هي التي عنده، وأن هذه لم يقع عليها الطلاق، فهل ينفسخ النكاح؟ الجواب: نعم؛ لأن الزوج الثاني بتصديقه للزوج الأول يستلزم إقراره ببطلان النكاح، ولَّا لا؟
[ ١ / ٦٧٩٣ ]
المثال مرة ثانية: فاطمة وزينب طلَّق إحداهما ونسيها، وأقرعنا بينهما، فوقعت القُرعة على زينب وقلنا: امشي، أنتِ مُطَّلقة، فاطمة عند الزوج، ثم إن زينب تزوجت رجلًا آخر بعد انقضاء عدتها، وبعد ذلك تذكَّر زوجها أن المطلقة هي التي عنده، وهي فاطمة، وأن هذه لم تُطلق، وإن كانت القرعة وقعت عليها، فنقول له: كلامك مقبول ولَّا لا؟ كلامك غير مقبول الآن؛ لأن كلامك يستلزم بطلان حق الزوج الثاني، وأنت غير مقبول على غيرك.
أقول: عُلِم من هذا التعليل أن الزوج الثاني لو صدَّقه وقال: نعم، أنا أثق من هذا الرجل وأن المطلقة هي فاطمة لا زينب، فمقتضى هذا التعليل أن النكاح يبطل. لماذا؟ لأن إقراره بصدق الزوج يستلزم إبطال نكاحه. هذا معنى قوله: (ما لم تتزوج).
(أو تكن القُرعة بحاكم)، من الحاكم؟ القاضي، فإن كان الحاكم هو الذي تولَّى القرعة فإنه لو رجع وقال: والله أنا فطنت أن الزوجة المقروعة ليست المطلَّقة، قلنا له: لا نقبل قولك، لماذا؟ لأنهم يقولون: إن حُكم الحاكم يرفع الخلاف، ويُلزم بالقضية، وعلى هذا فلا يُقبل قوله؛ لأنه نفذ الحكم، ولهذا لو رجع الشهود بعد حكم الحاكِم لم ينقضِ الحكم، لو شهد رجلان لشخص بأن هذا المال المدَّعى به له، فحكم به القاضي، ثم بعد الحكم رجعا وقالا: والله إنما كذبنا في شهادتنا، أو غلطنا، أو توهمنا؛ فإن الحاكم لا ينقض الحكم، ولكن يلزمهما الضمان لمن شهدوا عليه.
طالب: طيب في حالة ما إذا لم يقبل حكمًا وقال: إني تبينت أن الزوجة التي عنده هي التي وقع عليها الطلاق، والأخرى لم يقع عليها، ورفض، ما نوقع الطلاق على التي عنده؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: يعني إذا قال: تبينت ..
الشيخ: لا، ما نوقعه.
الطالب: كيف؟ هو تبين له من وقع عليها.
[ ١ / ٦٧٩٤ ]
الشيخ: إي نعم، لكن تبين أنها لم تطلق إلا في مسألة حكم الحاكم فقط، حكم الحاكم يرفع الخلاف مثل ما قلنا، ويقال: أنت الآن لما حكم عليك الحاكم تكون اللي عندك مطلقة، وهذه غير مطلقة، أما في المسألة الأولى فما دمنا علَّلنا بإبطال حق الزوج، فحق الزوج إذا رجعت هذه الزوجة لك ما يبطل.
الطالب: يعني إن فصل الحاكم فإن كانت الزوجة التي عنده لم يبقَ لها إلا طلقة تبين منه على هذا الحكم؟
الشيخ: نعم، إذا فصل الحاكم.
الطالب: هو إذن فقد هذه وتلك.
الشيخ: إي نعم، إذا كان بحاكم نعم.
طالب: ولكن لو غيره، يعني جاء عند الحاكم وقال: أنا سمعته، وقال: ما هو بس كلامه، غيره، قال عنده شهود ().
الشيخ: إي نعم، لا بأس، إذا ثبت ببينة أن الحكم خلاف ذلك فهو ينقض، حتى في الزواج، لو جاءنا ناس وقالوا: نحن نشهد أن الرجل طلق فلانة، هو نسي لما جاء يفرق بينهما نسي، لكن جاءنا جماعة يشهدون، قالوا: نشهد أنا سامعيه أنه قد طلق فلانة التي لم تقع عليها القرعة، فحينئذٍ يُلغى كل شيء؛ لأن القرعة ما هي بحكم، القرعة تمييز بس لحل المشكل.
طالب: وكذا الشهود الذين () لو شهد غير هم عليهم، مثل القضية التي في المثل الأول، أنه لو شهدوا على إنسان بغير حق، وبعدين رجعا للحاكم وقالوا: ما نقبل منه، لكن من غيره نقبل () مثلًا الشهود جاؤوا، وشهدوا أن هذا له حق على هذا.
الشيخ: غير مسألة الزوجية؟
الطالب: إي، اللي ضربته مثلًا لهذا ().
الشيخ: شهدوا مثلًا بأن هذا المسجِّل لرشيد، ثم بعد ما حكم به القاضي له رجعوا وقالوا: والله إحنا غلطنا أو كذبنا والمسجل لعيسى.
الطالب: إي، قلنا: هذا ما يقبل منهما، من الشهود ما يقبل منهما.
الشيخ: إي، لكن يلزمهما الضمان لك.
الطالب: يلزمهما الضمان، لكن شهدوا لعيسى.
الشيخ: يبقى هذا المسجل لرشيد ويعطونه قيمته.
الطالب: لكن جاء شاهدان غيرهما ().
الشيخ: ويش قالوا؟
الطالب: قالوا: هذا المسجل ().
[ ١ / ٦٧٩٥ ]
الشيخ: إي، ما تُقبل شهادتهم. هذا إذا تعارض، هذه ستأتينا إن شاء الله فيما إذا تعارضت البينتان، يعني مثلًا أنت جبت شهود يشهدون أنه لك، ورشيد المدعي جاب شهودًا يشهود أنه له، المذهب يكون لرشيد، وأنت بينك روح.
وفيه قول ثان: أن البينتين تتعارضان، ويُقضى لمن هو بيده، لك أنت، يكون لك أنت بيمينك، تحلف أنه لك؛ لأنه لما أتى ببينة وأنت أتتيت ببينة تقابلت البينتان وصار كأنه لم يكن بينة.
طالب: يبقى على أصله؟
الشيخ: إي، وهذا هو الصحيح، أما المذهب فإنه يُقضى للمدعي ببينته وتُلغى بينة المدعى عليه.
طالب: لو حكم الحاكم، ووجدنا بينة بعد حُكم الحاكم بالقرعة؟
الشيخ: قضية عيسى ولا بقضية الزوجتين؟
الطالب: قضية الزوجتين.
الشيخ: نعم.
الطالب: أقرع بينهما قرعته وجاءنا ().
الشيخ: وجاءنا بينة، يُنقض حكم الحاكم. ()
***
[باب الرجعة]
(ولو كرهت) لو كرهت الرجعة فإنها تثبت؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ولم يشترط الله تعالى رضا الزوجة.
فإن قال قائل: ألستم تشترطون في عقد النكاح رضا الزوجة؟ فالجواب؟
طالب: نعم.
الشيخ: الجواب: بلى، ما هو نعم، ولكن ذلك ابتداء عقد، وأما هذا فهو إعادة مُطلَّقة، فهو استدامة نكاح، وليس ابتداء عقد. والاستدامة أقوى من الابتداء، وهذه قاعدة فقهية ينبغي لطالب العلم أن يفهمها: أن الاستدامة أقوى من الابتداء؛ ولهذا إذا تطيَّب الإنسان قبل إحرامه، ثم بقي الطيب عليه بعد الإحرام يجوز، طيب ولو تطيب بعد الإحرام لا يجوز؛ لأن الاستدامة أقوى من الابتداء.
كذلك لو الإنسان أراد أن يعقد وهو مُحرم على امرأة؛ حرم، ولو راجع امرأته المطلَّقة وهو محرم يجوز؛ لأن الاستدامة أقوى من الابتداء.
فنقول إذن: قول المؤلف: (ولو كرهت) مع أنه اشترط الرضا في عقد النكاح؛ لأن هذا استدامة، وهو أقوى من الابتداء، ولهذا ما يُشترط فيه ولي، ولا يُشترط فيه شهود.
[ ١ / ٦٧٩٦ ]
أما صيغة المراجعة فقال: (بلفظ: راجعت امرأتي).
أفادنا المؤلف ﵀ بقوله: (بلفظ) أن الرجعة لا تحصل بالنية، فلو نوى أنه مراجع زوجته بدون لفظ فإنه لا يكون رجوعًا، بل لا بد من أن يلفظ فيقول: (راجعت امرأتي ونحوه).
عندي أنا (ونحوه) بالفتح، (بلفظ: راجعت امرأتي ونحوِه) يعني ونحو هذا اللفظ، ولا وجه للنصب.
طيب، ويش في معنى (نحوه)؟ مثل أن يقول: رددتها، أمسكتها، ابتغيتها، وما أشبه ذلك مما يدل على المراجعة.
شوف الآن المراجعة تصح بكل لفظ دل عليها، والنكاح ما يصح على المذهب إلا بلفظ الإنكاح أو التزويج، أو قول الرجل لمملوكته: أعتقتك وجعلت عتقك صداقك، لكن هنا يقولون: تصح الرجعة بكل لفظ يدل عليها. والصواب في هذا وفي غيره: أن العقود تنعقد بكل لفظ دل عليها حتى النكاح، فلو قال الرجل: ملكتك بنتي، فقال: قبلت، صح العقد.
(لا نكحتها ونحوه) يعني لا بلفظ (نكحتها ونحوه)، لماذا؟ يقولون: لأن النكاح صريح في العقد، فإذا قال: نكحتها، نقول: ما انفرطت منك حتى تنكحها، هي الآن في عصمتك؛ لأن الله سمَّاك بعلًا لها: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فإذا قلت للمرأة الرجعية: أشهدكم أني نكحت زوجتي، ما تكون رجعة، كذلك لو قلت: أشهدكم أني تزوجت زوجتي فلانة التي أنا طلقتها، يصح ولَّا لا؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: ما يصح؛ لأن هذا ابتداء عقد جديد، وهي إلى الآن في عصمتك، والعقد الجديد لا يكون إلا في امرأة أجنبية.
وقال بعض أهل العلم: يصح بلفظ: نكحتها ونحوه، إذا عُلم المراد، وأن مراده المراجعة؛ لقول النبي ﵊: «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (٢)، وهذا القول قوي جدًّا؛ لأن العبرة في الألفاظ بمعانيها.
ثم قال المؤلف: (ويُسنُّ الإشهاد على الرجعة).
[ ١ / ٦٧٩٧ ]
ويسن الإشهاد على الرجعة؛ يعني إذا أراد الإنسان أن يراجع زوجته المطلقة فإنه يُسن أن يُشهِد على ذلك، وظاهر كلام المؤلف مطلقًا، سواء واجهها بالمراجعة، أم لم يواجهها، فإنه يُشهِد؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢].
وقيل: إن الإشهاد واجب؛ لأن الله أمر به في قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا﴾، فيجب أن يُشهِد.
ويحتمل أن يُقال: في هذا تفصيل، إن راجعها بحضرتها فلا حاجة للإشهاد، وإن راجعها في غيبتها وجب الإشهاد؛ لأنه إذا راجعها في غيبتها ولم يُشهد ربما تُنكِر وتقول: أبدًا ما راجعتني، يعني يُعلِّمها يخبرها بالمراجعة بعد انتهاء العدة، ثم تقول: إنك لم تُراجع. وحينئذٍ يقع الإشكال؛ لأنه ليست المسألة إذا قالت: إنك لم تراجع أنها تحرمه من المراجعة، المشكلة أنها تحل لغيره، وهي ما زالت في عصمته، فالصواب أن نقول: إنه إذا راجع بدون أن نواجهها بالمراجعة فإن الإشهاد واجب، والعلة في ذلك: لأنه قد لا يُخبرها إلا بعد انتهاء العدة وتُنكر المراجعة، فيحصل في هذا إشكال فيكون في ذلك تفصيل.
طالب: ظاهر الأمر الوجوب؟
الشيخ: ظاهر الأمر الوجوب، لكنه إذا حصل المقصود من الإشهاد حتى لا يحصل الخلاف. طيب، تحصل المراجعة أيضًا بوطئها، يعني المراجعة لها صيغتان:
الصيغة الأولى قوية بأن يقول: راجعت، الصيغة الثانية فِعلية: بأن يجامعها، فإذا جامعها حصلت الرجعة، وظاهر كلام المؤلف أن الرجعة تحصل بالمجامعة سواء نوى بها الرجعة أو لم ينوِ، يعني مثلًا رجل مطلق امرأته طلاقًا رجعيًّا، فدخل عليها يومًا من الأيام فجامعها، يقول الفقهاء ﵏: إنه إذا جامعها عادت إلى عصمته، ولو لم ينوِ المراجعة، وتعليلهم يقولون: لأنه استباح منها ما لا يُباح إلا للزوج، فإذا استباح منها ما لا يباح إلا لزوج فمعنى ذلك أنه راجعها ()
[ ١ / ٦٧٩٨ ]
واجب لقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢].
ثم قال: (وهي زوجة)، (وهي) أي: الرجعية. (زوجة) يعني في حكم الزوجات، الدليل قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ فسماه الله تعالى بعلًا، والبعْل الزوج كما قال الله تعالى عن امرأة إبراهيم: ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢]. فقوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ أي: أزواجهن، فسمَّاه الله تعالى بعْلًا مع أنه مُطلِّق؛ إذن فهي زوجة.
قد يقول قائل: سمَّاه الله تعالى بعلًا باعتبار ما كان، كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢]، واليتيم لا يُعطى مالَه إلا إذا بلغ، وإذا بلغ زال اليُتم، فسماه الله تعالى باعتبار ما كان.
نقول: هذا خلاف الظاهر وخلاف الأصل، وما كان خلاف الظاهر فإنه لا يُصار إليه إلا بدليل، ويدل لذلك أيضًا -أنه بعل، أي زوج حقيقي- قوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يُخْرَجْنَ﴾ [الطلاق: ١]، فأمر بإبقاء المطلقة عند الزوج، ونسب بيت زوجها إليها، ولو كانت تبين منه وتنفصل وينفصل منها، ما كان بيت زوجها بيتًا لها، إذن هي زوجة.
يجوز أن تكشف له؟ يجوز نعم. يجوز أن ينفرد بها؟ يجوز.
يجوز أن تتطيب له، وأن تمازحه وتضحك إليه، ويجوز أن يسافر بها؟ نعم، كل ما يجوز للزوجة مع الزوج يجوز لها مع زوجها إلا في مسائل قليلة منها، قال المؤلف: (لكن لا قسْم لها) ما لها قسم، يعني لو كان له زوجات أُخر فليس لهذه المطلقة الرجعية ليس لها حق القسم، ما تطالبه بليلة ويوم كزوجاته الأخر؛ لأنها انفصلت منه.
[ ١ / ٦٧٩٩ ]
ولهذا قال المؤلف: (لكن لا قسم لها) طيب، هل عليها أيضًا ما على الزوجات من طاعة زوجها فيما يقتضيه العرف؟ نعم، لو قال لها مثلًا: اكنسي البيت، تلزمها طاعته مثل زوجاته الأُخر. لو قال: غسلي ثوبي يلزمها؟ نعم، يلزمها كالزوجات الأخر، ولهذا قال: (لها وعليها حكم الزوجات)، كل الأحكام اللي على الزوجات أو للزوجات فهو ثابت لهذه المطلَّقة الرجعية، إلا أنها ليس لها قسم؛ لأنه طلقها.
أيضًا تُفارق غيرها في مسائل أخرى، منها: أنه يلزمها لزوم المسْكَن، يجب عليها لزوم المسكن كالمتوفَّى عنها، ما تخرج إلا للضرورة في الليل أو الحاجة في النهار، يعني أنها في لزوم المسكن كالمتوفَّى عنها، الزوجات الأُخَر، هل يجب عليهن لزوم المسكن؟ لا، تخرج المرأة لأهلها، لزيارة قريبها، لزيارة صديقتها، وما أشبه ذلك، لكن الرجعية ما تخرج، تبقى في بيت زوجها كما تبقى المتوفَّى عنها.
إذن فهي في لزوم المسكن أشد من الزوجات المعتدات، مع العلم بأنه عندنا الآن في عرفنا من يوم تطلق تروح لأهلها، هذا حرام ما يجوز. الدليل قوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يُخْرَجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١]، وعلى هذا فتفارق الزوجات أيضًا في لزوم المسكن، ما تخرج لا ليلًا ولا نهارًا من بيتها حتى تنتهي العدة.
طالب: حتى بإذنه يا شيخ؟
الشيخ: ولو بإذنه، ما تخرُج حتى تنتهي العدة، إلا إذا كان هناك حاجة في النهار، أو ضرورة في الليل، هذا هو المذهب.
والقول الثاني: أنه لا يلزمها لزوم المسكن، بل هي كالزوجات الأُخر؛ لأن الله تعالى سماه بعلًا أي زوجًا، فهي إذن زوجة، والزوجة كغيرها، ما دامت زوجة الآن فهي كغيرها من الزوجات، تخرج من البيت ليلًا ونهارًا، ولا تلزمه السكنى.
[ ١ / ٦٨٠٠ ]
فأما ما استدلوا به من قوله تعالى: ﴿وَلَا يُخْرَجْنَ﴾، فالمراد: لا يخرجن خروج مفارقة، ليس المراد خروجًا لأي سبب، وهذا القول هو الصحيح، لكن نحن نريد أن نُبيِّن المذهب: أنها تفارق الزوجات في غير ما ذكروا هنا ().
المسألة الثالثة مما تُفارق به الزوجات أنه سيأتينا -إن شاء الله تعالى- في الحضانة أن المرأة إذا تزوجت سقطت حضانتها لأولادها، تسقط حضانتها لأولادها.
يعني مثلًا إنسان مطلق زوجته وله منها أولاد، من أحق الناس بحضانتهم؟ الأم حتى يبلغوا سبع سنين. لكن إذا تزوجت سقطت حضانتها ورجعوا إلى أبيهم إلا أنها إذا طُلِّقت ولو طلاقًا رجعيًّا فإن الأولاد يعودون إليها، وبهذا فارقت الزوجات، هي الآن زوجة باعتبار زوجها الذي طلقها الأخير، لكنها تأخذ أولادها من زوجها الأول، مع أنها تُعتبر في حُكم الزوجة بالنسبة للزوج الثاني. إذن صارت تفارق الزوجات ولَّا لا؟ تفارق الزوجات، هذه ثلاث مسائل.
المسألة الرابعة مما تُفارق به الزوجات: أنه لو أن أحدًا من الناس وقَّف وقْفًا، وقال: وقْف على أولادي، ومن تزوَّجت من النساء فلا حق لها، فتزوجت إحدى البنات، يسقط حقها من الوقف، فإذا طُلِّقت ولو رجعيًّا فإنه يعود حقها في الوقف، ففارقت الزوجات وهي رجعية.
هذه الفروق كلها على المذهب، مع أن كلام المؤلف هنا يقتضي أنها لا تُفارق الزوجات إلا في القسْم، وإنما قلت: إنه يقتضيه؛ لأن المعروف عند أهل العلم أن الاستثناء معيار العموم؛ يعني أنك إذا استثنيت شيئًا دل ذلك على أن الحكم عام فيما عدا المستثنى، فلما قال: (لكن لا قسم لها) نقول: بقية الأحكام توافق الزوجات، مع أنها تخالف الزوجات في الأحكام الثلاثة الزائدة على ما قال المؤلف. وهذه قد لا تجدها في مكان واحد من كلام الفقهاء، لكننا أخذناها بالتتبع من كلامهم.
[ ١ / ٦٨٠١ ]
طالب: قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، يعني ما يعارض الآية () أزواج، كيف؟
الشيخ: إي، الأزواج () الأولين، سماهم أزواجًا؛ لأنهم أزواج في الأول.
الطالب: طيب، والبعولة: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾؟
الشيخ: هذا وجه الدليل؛ لأن قوله: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ﴾ فإنهم () الآن، فتبين أن المراد بالأزواج باعتبار المذهب () بمثل هذا.
الطالب: إذا استدللنا بأن الله قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾، استدللنا بـ ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ أنهم يعتبرون الأزواج، وهذه أزواج؟
الشيخ: إي نعم، صح، ما في الآية ما يدل على خلاف ذلك، لكن هذه الآية التي قلت الآن فيها ما يدل على خلاف ذلك، وهو قوله: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، فدل هذا على أنها قد بانت من زوجها، وأن الآن سيكون نكاح جديد.
طالب: إذا قلنا ()؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: يعني مثلًا إذا طلقها طلاقًا رجعيًّا وعليه الآن حضانة أولاده، فكيف شرعًا الأولاد ()؟
الشيخ: لا، طلَّقها وبانت منه، هي إذا كانت رجعية إلى الآن فالأولاد بينهم جميعًا، هي في بيت الزوج.
الطالب: هم ليسوا أولادًا لها من هذا الزوج الآخر، ()، فكيف يعني إذا لم يأذن ()؟
الشيخ: في هذه الحال إذا منع الزوج يُنظر هذا الأمر، هل منعه هنا يسقط حقها أو ما يسقطه، إنما حقها راجع فيما لو فرضنا أن الزوج توفي في أثناء العدة مثلًا.
طالب: وما فيه قول ثان يا شيخ؟
الشيخ: ويش هو؟
الطالب: في الحضانة، أنه ما ().
الشيخ: بيجينا إن شاء الله تعالى الكلام عليه في باب الحضانة.
طالب: إذا كان العرف أن المرأة تخرج رجعية، فهل يخبرها بالطلاق أو () بالطلاق ولا يخبرها، وإذا أخبرها تقول ..
الشيخ: لا، الواجب أن يُخبرها ويُشهِد، وهي إذا تعدَّت الحدود وعصت له يمنعها، يعني لو قالت: () له أن يمنعها ويلزمها بالبقاء.
طالب: يقول هذا يا شيخ.
[ ١ / ٦٨٠٢ ]
طالب آخر: يمكن يكون هذا أشد عليها، بقاؤها مع نسائه الباقيات أشد عليها كما ().
الشيخ: على كل حال يُبلِّغها بالطلاق، ويُلزمها بالبقاء؛ لأن الحق له.
طالب: نقول: الرجعة عرفها عندنا الآن لو يطلقها يقعد عنها ().
الشيخ: على كل حال، العُرف هذا خلاف الشرع، ما نحكم بالعرف على الشرع؛ نحكم بالشرع على العرف، ونلزمها أن تبقى، وإذا جاء أهلها وطالبوا الزوج إذا شاء أن يطالب يطالب ويطردهم.
***
يقول المؤلف: (وتحصل الرجعة أيضًا بوطئها).
إذن، كل ما سبق أن الرجعة تحصل باللفظ، بالصيغة، وهذا حصول بالفعل، تحصل الرجعة أيضًا بوطئها؛ لأن وطأها دليل على إرجاعه لها، فإذا جامعها حصلت الرجعة.
وظاهر كلام المؤلف أن الرجعة تحصل بجماعها، سواء نوى بذلك الرجعة أم لم ينوِ؛ لأنه ما اشترط، ما قال: تحصل الرجعة بوطئها إذا نوى، فدل ذلك على أن الرجعة تحصل بوطئها سواء نوى به الرجعة أم لم ينوِ به الرجعة.
وهذا هو المشهور من المذهب، قالوا: لأن هذا الفعل فِعل لا يُباح إلا مع زوجة، فكأنه لما استباحه راجعها، فيكون أقوى من اللفظ.
والقول الثاني: أنها لا تحصل الرجعة بالوطء إلا بنية المراجعة؛ لأن مجرد الوطء قد يستبيحه الإنسان في امرأة أجنبية مثل الزنا، فهذا الرجل ربما يكون قد ثارت عليه شهوته، أو أنه رآها متجمِّلة، وعجز أن يملك نفسه فجامَعها، وهو ما نوى الرجعة، ولا أرادها، ولا عنده نية أن يرجع إليها، فعلى هذا القول الثاني أن الوطْء لا تحصل به الرجعة إلا بنية الرجعة، وهذا هو الصحيح، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀؛ لأن الوطء قد يكون عن رغبة في إرجاعها فيكون نية إرجاع، وقد يكون لمجرد قضاء الوطر والشهوة؛ فلا يدل على الإرجاع.
[ ١ / ٦٨٠٣ ]
وقيل: إنه لا تحصل الرجعة بالوطء ولو بنية الرجوع، بل لا بد من اللفظ، ولكن هذا القول ضعيف؛ لأن عموم قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] عام، فكل ما يدل على الإمساك فإنه يحصل به الإمساك.
قد يقول قائل: إن الله قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] والإشهاد ما يمكن على الجِماع؟
فيقال: بل يمكن أن يقول لاثنين: إنه جامعها بنية المراجعة، فيكون ذلك إشهادًا على الإمساك، فالصواب أن الرجعة لا تحصل بمجرد الوطء إلا إذا كان من نيته أنه ردها، وأنه استباحها على أنها زوجة، فإذا كان كذلك فهذه مراجعة، لكن على هذا القول: لو أنه راجعها بغير نية الرجوع، وأتت بولد من هذا الجماع، فهل يكون ولدًا له؟
الجواب: نعم، يكون ولدًا له؛ لأن هذا الوطء وطء شبهة؛ لأنها زوجته إلى الآن، ما بعد خرجت من عدتها، ولا يُحدُّ عليه حد الزنا، وإنما يُعزَّر عليه تعزيرًا؛ هذا إذا قلنا بأن الرجعة لا تحصل بالوطء المجرد.
قال: (ولا تصح مُعلَّقة بشرط).
(لا تصح) الضمير يعود أيش؟ على الرجعة، الكلام الآن في الرجعة.
(لا تصح معلقة بشرط)، مثل أن يقول: إذا جاء الشهر الفلاني فقد راجعتك، أو يقول: إذا حِضتِ الحيضة الثانية فقد راجعتُكِ، هذا لا يصح، لماذا؟ يقولون: لأن هذا لا يدل على الرغبة الأكيدة برجوعه، ولأنه رجوع يشترط تنجيزه، فلا يصح مُعلَّقًا.
ولكن هذا التعليل -كما ترون- عليل، فكوننا نقول في التعليل: إنه إرجاع يُشترط تنجيزه، هذا تعليل للحكم بالحكم فلا يُقبل، هذا مثل لو قلت: يحرم كذا وكذا؛ لأنه يحرم، هل تكون هذه علة؟ !
طلبة: لا.
الشيخ: لو قلت: يجب على الإنسان أن يصلي مع الجماعة، الدليل: لأنه يجب أن يصلي مع الجماعة! هذا دليل؟ ! لا. فإذا قلنا: إن الرجعة إرجاع يشترط فيه التنجيز فلا يصح مُعلَّقًا بشرط، قلنا: هذا تعليل بالحكم فلا يقبل.
[ ١ / ٦٨٠٤ ]
أما قوله: إنه لا يدل على الرغبة، فهذا أيضًا فيه نظر، قد يعلقها الإنسان على شرط؛ لأنه يريد أن يتمهَّل، مثل أن يقول لها -وهو غرض صحيح- إن لم ترجع زوجتي عليَّ، ومتى طلق زوجته الأخيرة؛ لأن زوجته أم عياله زعلت، لما تزوج تعرفون الغيرة في النساء: هذا رجل تزوج يومًا امرأة بكرًا شابة، طقت أم عياله وزعلت وهجَّت، الرجل الآن مشكل () علشان هذا الزواج، فطلق هذه المرأة، فقال لها: إن لم ترجع أم عيالي في خلال الحيضتين الأوليين، أو قبل أن تحيضي الحيضة الثالثة إن لم ترجع فأنا مراجع إياك.
ويش تقولون؟ هذا غرض ولَّا غير غرض؟ غرض صحيح مقصود، فإذا كان هناك غرض صحيح مقصود فإن الأصل في غير العبادات الحِل، حتى يقوم دليل على المنع، ولهذا فيه قول لبعض أهل العلم؛ أنها تصح الرجعة معلقة بشرط، وهذا القول أصح؛ لأن الأصل في العادات في كل شيء الحِل، ولهذا قال الناظم:
وَالْأَصْلُ فِي الْأَشْيَاءِ حِلٌّ وَامْنَعِ
عِبَادَةً إِلَّا بِإِذْنِ الشَّارِعِ
فهذا نقول: الأصل فيه الحل إلا إذا دل الدليل على المنع.
طيب، فيه مسألة: لو قال: كلما راجعتُكِ فقد طلقتكِ، فراجعها، يقع الطلاق ولَّا لا؟
طالب: لا، ما يقع.
الشيخ: قال: كلما راجعتُك فقد طلقتُك.
طالب: خلاص، ما فيه مراجعة؛ لأنه ما يجوز.
الشيخ: المهم هل على المذهب، ما هو قصد الإصلاح كما سبق، على المذهب يصح، كلما راجعتكِ فقد طلقتكِ يصح؛ لأن هذا تعليق للطلاق، وتعليق الطلاق يجوز ولَّا لا؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: يجوز كما سبق، لكن قال: إذا طلقتكِ فقد راجعتُك، فهذا ما يصح؛ لأن الرجعة لا يصح تعليقها.
***
قال المؤلف: (فإذا طهرت من الحيضة الثالثة، ولم تغتسل، فله رجعتها).
هذه المسألة يجب أن ننتبه لها: امرأة طُلِّقت وهي تحيض، كم عدتها؟
طالب: ثلاث حيضات.
الشيخ: ثلاث حيضات ..
[ ١ / ٦٨٠٥ ]
وإذا فَرَغَتْ عِدَّتُها قَبْلَ رَجْعَتِها بانَتْ وحَرُمَتْ قبلَ عَقْدٍ جديدٍ، ومَن طَلَّقَ دونَ ما يَمْلِكُ ثم راجَعَ أو تَزَوَّجَ لم يَمْلِكْ أكثرَ مِمَّا بَقِيَ، وَطِئَها زَوجٌ غيرُه أو لا.
(فصلٌ)
وإن ادَّعَت انقضاءَ عِدَّتَها في زَمَنٍ يُمْكِنُ انقضاؤُها فيه أو بوَضْعِ الحمْلِ الممْكِنِ وأَنْكَرَه فقَوْلُها، وإن ادَّعَتْه الْحُرَّةُ بالْحَيْضِ في أَقَلَّ من تِسعةٍ وعِشرين يومًا ولَحْظَةً لم تُسْمَعْ دَعواها، وإن بَدَأَتْه فقالت: انْقَضَتْ عِدَّتِي. فقال: كنتُ راجعْتُكِ. أو بَدَأَها به فأَنْكَرَتْهُ فقَوْلُها.
(فصلٌ)
إذا اسْتَوْفَى ما يَمْلِكُ من الطلاقِ حَرُمَتْ حتى يَطَأَهَا زوجٌ في قُبُلٍ ولو مُراهِقًا، ويَكْفِي تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ أو قَدْرِها مع جَبٍّ في فَرْجِها مع انتشارٍ وإن لم يُنْزِلْ، ولا تَحِلُّ بوَطءِ دُبُرٍ، وشُبْهَةٍ ومِلْكِ يمينٍ ونِكاحٍ فاسدٍ، ولا في حَيضٍ، ونِفاسٍ، وإحرامٍ، وصِيامِ فَرْضٍ، ومَن ادَّعَتْ مُطَلَّقَتُه الْمُحَرَّمَةُ- وقد غَابَت- نِكاحَ مَن أَحَلَّها وانقضاءَ عِدَّتِها منه فله نِكاحُها إن صَدَّقَها وأَمْكَنَ.
(كتابُ الإيلاءِ)
وهو حَلِفُ زَوْجٍ باللهِ تعالى أو صِفَتِه على تَرْكِ وَطْءِ زَوجتِه في قُبُلِها أَكْثَرَ من أربعةِ أَشهُرٍ، ويَصِحُّ من كافرٍ وقِنٍّ ومُمَيِّزٍ وغَضبانَ وسكرانَ ومَريضٍ مَرْجُوٍّ بُرْؤُهُ ومِمَّنْ لم يَدْخُلْ بها،
فيها قولان لأهل العلم، وهذه من المسائل الكبيرة التي تكاد الأدلة فيها أن تكون متكافئة.
[ ١ / ٦٨٠٦ ]
يرى بعض أهل العلم أنه لا رجعة لها، ما هي متراجعة، انتهى، الله ﷿ يقول: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ومتى يكون للبعل الحق في الرجعة؟ ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، أي: في القروء الثلاثة، فإذا انتهت -طهرت من الحيضة الثالثة- فلا رجعة له عليها، فهذا وجه الدلالة من النص.
وجه الدلالة من القياس، قالوا: لأن جميع الأحكام تنقطع بالطُّهْر من الحيضة الثالثة، كل الأحكام تنقطع بالطهر من الحيضة الثالثة.
إذا طهرت من الحيضة الثالثة تَغَطَّى عنه ولّا لا؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: تَغَطَّى عنه، بانت، إذا طهرت من الحيضة الثالثة تجب لها النفقة؟ ما تجب، ترثه لو مات، يرثه لو ماتت؟ لا.
كل الأحكام المترتبة على انقضاء العدة تثبت بالطهر من الحيضة الثالثة، اغتسلت أم لم تغتسل.
فعندهم الآن دليل وتعليل نظر، يقال: ما الذي أخرج هذه المسألة عن بقية الأحكام؟ فإذا طهرت من الحيضة الثالثة فلا رجعة له عليها، كما أنها بانت منه، لا ترثه ولا يرثها، وليس لها نفقة، ولا ينفرد بها، ولا تتجمل له، ولا تكشف له .. إلى آخره.
وقال بعض أهل العلم -وهو المذهب-: إن له رجعتها، له أن يراجعها ما دامت لم تغتسل، عندي يقول (١): رُوِيَ عن عمر وعلي وابن مسعود ﵃.
إذن فيه آثار عن الصحابة أن له أن يراجعها ما دامت لم تغتسل، هذه الآثار مبنية على قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]، فَخَيَّر الله الزوج بين الإمساك والمفارقة بعد بلوغ الأجل.
[ ١ / ٦٨٠٧ ]
ومتى يكون بلوغ الأجل؟ إذا طهرت من الحيضة الثالثة بلغت الأجل، كما قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، فلما قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، معنى ذلك أن له أن يراجعها بعد بلوغ الأجل.
لكن يبقى النظر ما الذي حَدَّده بالغسل؛ لأننا لو أخذنا بظاهر الآية كان نقول: إذا بلغت الأجل فلك الخيار بين الإمساك والمفارقة إلى ما لا نهاية له؛ لأن الآية ما حددت بالغسل ولا شيء، فإذا أخذنا بالآية هذه قلنا: لك أن تراجع وأن تفارق إلى ما لا نهاية له.
ولكنا نقول: لا، يحدَّد بالغسل؛ لأنها قبل أن تغتسل ما زال عليها آثار الحيض، والدليل على ذلك -أنه ما زال عليها آثار الحيض- أنها لا يمكن أن تصلي حتى تغتسل، أليس كذلك؟ ولا يطؤها زوجها حتى تغتسل؛ لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وعلى هذا فيكون تحديده بالاغتسال ظاهرًا؛ لأنها قبل أن تغتسل ما زالت عليها آثار أحكام الحيض، ولهذا لا تصلي ولا يجامعها زوجها، فإذا اغتسلت انقطعت كل الآثار.
ويبقى النظر، ما هو الجواب عن قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾؟ نقول: هذه الآية تدل على أن له الحق في المراجعة ما دامت لم تكمل ثلاث حِيَض، والآية الثانية التي في سورة الطلاق، وسورة الطلاق بعدها، ولهذا تسمى سورة النساء الصغرى، هي بعد هذه، بعد آية البقرة، سورة الطلاق تدل على أن له أن يراجع بعد انقطاع الحيض، فيكون في آية الطلاق زيادة، ويجب الأخذ بالزيادة، وما دام مرويًّا عن عمر ﵁، وعن علي وابن عباس، هذا ..
طالب: وأبي بكر.
[ ١ / ٦٨٠٨ ]
الشيخ: لا، ما هي عند أبي بكر، عندي: عن عمر وعلي وابن مسعود، ما هو ابن عباس أيضًا.
على كل حال هذه الآثار المروية عن هؤلاء يعضدها ظاهر آية الطلاق، ثم إن فيها توسعة للأزواج.
ولكن إذا قيل: متى حَدُّ الاغتسال؟ قد تكون هذه المرأة ودها ترجع لزوجها ولا تغتسل، تقول: ربما جاء يراجع، قال: حرام عليكِ تتركين الصلاة، قالت: إي، ولو، يسهل الله.
الجواب: الذي ذكر المؤلف حتى تغتسل، ولكن الظاهر أنها إذا أخَّرَت فرضًا من فروض الصلاة ولم تغتسل فإنها تنقضي العدة، يعني قصدي ليس له رجعة؛ لأن المروي عن الصحابة مبني على الأغلب، والأغلب أن المرأة تغتسل متى؟ إذا طهرت وجاء وقت الصلاة، والله أعلم. ()
***
(.. بَانَتْ وحَرُمَتْ قَبْلَ عَقْدٍ جَدِيدٍ).
(إذا فرغت عدتها قبل رجعتها)، يعني معناه: فرغت واغتسلت، إذا فرغت واغتسلت قبل رجعتها فإنها تكون: (بانت وحرُمت قبل عقد جديد).
(بانت) يعني: انفصلت منه.
(وحرُمت) عليه، (قبل عقد جديد)، يعني: انتهت منه وصارت أجنبية.
وقوله: (قبل عقد جديد) هذا إن لم تكن الطلقة الأخيرة، فإن كانت الأخيرة فلا تحل له إلا بعد زوج، وهذا ظاهر من الآية: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فقط، هذا الدليل.
ثم قال المؤلف: (ومَن طلَّق دون ما يملك ثم راجَع أو تزوَّج لم يملك أكثر مما بقي؛ وطئها زوج غيره أو لا).
(مَن طلَّق دون ما يملك) يملك الحر ثلاثًا، والعبد اثنتين، فإذا طلَّق واحدة ثم راجَعها، أو تمَّت عدتها ثم تزوجها، أو تمَّت عِدَّتها وتزوجها شخص آخر ثم طلَّقها، ثم عادت للأول فإنه لا يملك أكثر مما بقي.
كم يملك في المثال الذي ذكرنا؟ يملك اثنتين، فإن طلَّقها مرتين، ثم بعدئذ راجعها، أو انقضت عدتها ثم تزوجها، أو انقضت عدتها وتزوجها زوج آخر ثم فارقها، ثم تزوجها الأول، كم يبقى له؟
طلبة: واحدة.
[ ١ / ٦٨٠٩ ]
الشيخ: واحدة، ولهذا قال: (لم يملك أكثر مما بقي)، سواء وطئها زوج غيره أم لا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿اَلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ﴾، ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠].
فقوله: ﴿اَلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ﴾، ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾، كلمة ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ يشمل ما إذا تزوجت بعده أم لم تتزوج، يعني: إن طلقها بعد المرتين لم تحِلّ له إلا بعد زوج، وظاهر الآية الكريمة سواء تزوجت بين هاتين الطلقتين والثالثة أم لم تتزوج، ولأن زواج الثاني لم يؤثِّر شيئًا، ما نقض الطلاق السابق، فهي حلال له، سواء تزوجت أم لم تتزوج، ولهذا ما يملك إلا ما بقي، وفي هذه المسألة كما سمعتم في التصوير فيها ثلاث صور:
الصورة الأولى: طلَّقها ثم راجعها، فلا يملك إلا ما بقي.
الثانية: طلَّقها ثم انقضت عدتها، ثم تزوجها بعقد جديد، فلا يملك إلا ما بقي.
الصورة الثالثة: طلَّقها ثم انقضت عدتها، ثم تزوجت بآخر، ثم فارقها الثاني، ثم تزوجها الأول، فلا يملك إلا ما بقي.
ولهذا قال المؤلف: (لم يملك أكثر مما بقي، سواء وطئها زوج غيره أم لا)، حتى لو وطئها زوج، أما لو طلَّق ثلاثًا -مفهوم قوله: (دون ما يملك)، أنه لو طلَّق ما يملكه وهي الثلاث في الحر والثنتان في العبد- فإنها لا تحل له إلا بعد زوج، أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ: إذا طلَّق ما يملك ما تَحِلّ له إلا بعد زوج، فإذا تزوجها بعد الزوج فإنها تستأنف الطلاق من جديد، كم يبقى له؟ يبقى ثلاث طلقات، يعني يكون كأنه توًّا تزوجها، وذلك لأن نكاح الزوج الثاني في هذه المسألة صار له تأثير، ويش التأثير؟ أنه أَحَلَّها للأول، ولولا هذا النكاح ما حَلَّت للأول، فلما كان له تأثير وقد استكمل الزوج الأول ما يملك فإنها تعود إليه على طلاق جديد.
[ ١ / ٦٨١٠ ]
لا يقال: إنه إذا عادت إليه فله أن يطلقها مرة واحدة فقط ثم تَبِينُ؛ لأننا نقول: إن الزوج الثاني هدم ما كان للأول، هدمه هدمًا، ولذلك أباحها للزوج الأول مع أنها كانت لا تحل له.
وذهب بعض أهل العلم في المسألة الأولى أنها إذا تزوجت فإن الزوج الثاني يهدم الطلاق، حتى فيما إذا كان أقل من ثلاث، ولكن الصواب ما ذهب إليه المؤلف؛ لأن نكاح الزوج الثاني إذا كان الزوج الأول لم يطلق ثلاثًا له أثر ولّا لا؟ ما له أثر؛ لأنها تحل لزوجها الأول، سواء تزوجت أم لم تتزوج، فلهذا الصواب أنه لا يهدم ما سبق من طلاق الأول.
***
ثم قال المؤلف: (وإن ادَّعت انقضاء عِدَّتها في زمن يمكن انقضاؤها فيه، أو بوضع الحمل المُمكِن وأنكره فقولُها).
(إن ادعت) مَن؟ المطلَّقة أنها انقضت عدتها.
(في زمن يمكن انقضاؤها فيه)، وهو على المذهب تسعة وعشرون يومًا ولحظةٌ، هذا أقل زمن يمكن انقضاؤها فيه، السبب: لأن أقل الحيض يوم وليلة، وأقل الطهر بين حيضتين ثلاثة عشر يومًا، فإذا جمعنا ثلاثة عشر يومًا مع ثلاثة عشر يومًا يكون الجميع ستة وعشرين، ويش يبقى؟ يبقى ثلاثة أيام؛ يوم وليلة للحيضة الأولى، ويوم وليلة للحيضة الثانية، ويوم وليلة للحيضة الثالثة.
لكن إن قالت: إنها انقضت عدتها في ثمانية وعشرين يومًا فإن دعواها لا تُسْمَع؛ لأنه لا يمكن، هذا هو المذهب بناء على ما عرفتم، وهو؟
طالب: تسعة وعشرون يومًا ولحظة، على المذهب.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: نقول: لأن أقل الطهر ثلاثة عشر يومًا، وثلاثة عشر يومًا الحيض، فيكون ستة وعشرين.
الشيخ: ثلاثة عشر يومًا للطهر وثلاثة عشر للحيض، هذه ستة وعشرون، بقي ثلاثة؟
طالب: لأن أقل الطهر عندهم يوم وليلة.
الشيخ: نعم، وأقل الطهر؟
الطالب: وأقل الطهر ثلاثة عشر يومًا.
الشيخ: فيكون الجميع؟
طالب: يكون الجميع أربعة عشر يومًا ..
[ ١ / ٦٨١١ ]
الشيخ: لا، هم ثلاث حيض: يوم وليلة، ويوم وليلة، ويوم وليلة، هذه ثلاثة أيام، هذه للحيض، وستة وعشرون للطهر، الجميع تسعة وعشرون يومًا، هذا أقل ما يمكن، يعني معناه: لنفرض أنها من يوم طُلِّقَت حاضت يومًا وليلة، ثم طهرت ثلاثة عشر يومًا، كم دوله؟ أربعة عشر يومًا، ثم حاضت يومًا وليلة، هذه خمسة عشر يومًا، ثم طهرت ثلاثة عشر يومًا، هذه ثمانية وعشرون يومًا، ثم حاضت يومًا وليلة، هذه تسعة وعشرون يومًا، هذا هو معنى قوله: (يمكن انقضاؤها فيه).
أما إذا ادعت أنها انقضت عدتها في أقل من تسعة وعشرين فإنها لا تُسْمَع دعواها أصلًا، يعني مرفوضة.
طالب: شيخ، الثلاثة عشر يومًا التي بين الحيضتين هذا محدد من قِبَل الشارع ولّا ..؟
الشيخ: لا، على المذهب، إحنا نقول: على المذهب، أما على القول الراجح فقد سبق لنا أنه لا حد لأقل الحيض ولا لأقل الطهر، ولكن لا شك أن تكون امرأة تحيض ثلاث مرات في شهر أن هذا بعيد جدًّا، ولهذا حتى لو ادعت أنه انقضت في شهر لا بد من بَيِّنَة، ولكن المؤلف هنا يقول: (لم تُسْمَع دعواها).
[ ١ / ٦٨١٢ ]
(أو بوضع الحمل الْمُمْكِن)، ما هو الحمل الممكِن؟ الحمل الذي تنقضي به العدة هو الذي تبيَّن فيه خلق الإنسان، هذا الحمل الذي تنقضي به العدة؛ الذي تبيَّن فيه خلق الإنسان، ولا يمكن أن يتبين خلق الإنسان في أقل من واحد وثمانين يومًا؛ لأنه أربعون يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مُضْغَة (٢)، في ابتداء المضغة اللي هي واحد وثمانون يومًا قد يوجد التخليق، يعني قد يكون مُخَلَّقًا، أما قبل ذلك فلا، ولهذا قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥]، يعني قد يبتدئ التخليق من أول ما يكون مضغة، وقد يتأخَّر بعض الشيء، ولهذا أقل زمن يمكن أن يُخَلَّق فيه كم؟ واحد وثمانون يومًا، ما يمكن يُخَلَّق قبل ذلك، ولكن الغالب أنه إذا تم له ثلاثة أشهر، يعني تسعين يومًا، فإنه يُخَلَّق، فإذا وضعت مَن لم يُخَلَّق فإن العدة لا تنقضي بذلك؛ لأن مَن لم يُخَلَّق لم يُتَيَقَّن كونه ولدًا، إذ قد يفسد وينزل، لكن إذا خُلِّق عُلِم أنه ولد، ولأن النفاس لا يثبت إلا بأن تضع ما فيه خَلْق إنسان.
فإذا ادَّعت انقضاء عدتها في ذلك فإنها تُقْبَل، ولهذا يقول المؤلف: (فقولُها)، انتبه، الآن الزوج يقول: ما انقضت العدة، وهي تقول: انقضت، يقول المؤلف: إن القول قولُها، مع أنه لا بد من دليل، الدليل قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، هذه الآية تشير إلى أن القول قولها؛ لأن قوله: ﴿يَكْتُمْنَ﴾ معناه: لو كَتَمْنَ فالقول قولُهُنّ، لو قالت: ما فيها حمل والعدة انقضت، فالقول قولها؛ لأنه لولا أن القول قولها لم يكن لكتمانها أثر، كتمت ولّا ما كتمت.
فإذا قال قائل: أليست هي المدَّعِيَة؛ لأن الأصل بقاء العدة؟
[ ١ / ٦٨١٣ ]
قلنا: بلى، صحيح أن الأصل بقاء العدة، وهي التي ادَّعت أنها انقضت، ولكن يقال أيضًا في الجواب على ذلك: إن الزوج هو الذي كان السبب في الفراق، فلما كان هو الزوج عاد وبال فعله عليه، وقلنا: إن القول قولها.
ثم قال: (وإن ادعته الْحُرّة بالحيض)، (ادعته) الضمير يعود على انقضاء العدة.
(الحرة بالحيض)، (الحرة) لأن الحرة عدتها ثلاثة قروء، والأَمَة قرءان، فالمؤلف جعلها في الحرة (بالحيض) يعني: ادعت أنه انقضى بالحيض.
(في أقلَّ من تسعة وعشرين يومًا ولحظة لم تُسْمَع دعواها)، السبب: لأنه ما يمكن أقل من تسعة وعشرين يومًا ولحظة.
ومعنى (لم تُسْمَع) ليس معناها: لم تُقْبَل، معناها أن القاضي يرفضها رفضًا ولا ينتظر، أو يقول: هاتي بينة أو ما أشبه ذلك، يرفضها، من يوم تدلي بالحجة وتقول: إنها في تسعة وعشرين يومًا، يرفضها، هذا معنى قوله: (لم تُسْمَع)، لكن هل تُقْبَل دعواها؟
نقول: كل دعوى لا تُسْمَع فإنها لا تُقْبَل، وليس كل دعوى لا تُقْبَل لا تُسْمَع، فقد تُسْمَع الدعوى ولا تُقْبَل، فإذا ادعت انقضاء العدة في ثلاثين يومًا، تُسْمَع ولّا لا؟ تُسْمَع، لكن لا تُقْبَل، يقول: لأنها -أعني المرأة- لا تحيض في هذه المدة القصيرة ثلاث مرات إلا نادرًا، فإذا ادعت ذلك فدعواها خلاف الظاهر فلا تُقْبَل إلا ببينة.
ولهذا ذُكِر أنه رُفِعَ لشريح القاضي المشهور امرأةٌ ادَّعت أنها انقضت عدتها في ثلاثين يومًا، فقال: إن جاءت ببينة من بطانة أهلها ممن يُرْجَى دينه وخلقه أو أمانته فإنها تُقْبَل وإلا فلا، فقال عليّ ﵁: قالون (٣)، يعني: جيد بالرومية، فأخذ الفقهاء بذلك، وقالوا: إن ادَّعَته في زمن يندر انقضاؤها فيه فإنه لا بد أن تأتي ببينة، وإلا فلا تُقْبَل، فصار لها ثلاث حالات:
الحال الأولى: أن تدَّعي انقضاء العدة في زمن لا يمكن انقضاؤها فيه، فهذه لا تُسْمَع بيِّنتها أصلًا، ولا يلتفت إليها القاضي.
[ ١ / ٦٨١٤ ]
الحال الثانية: أن تدَّعي انقضاءها في زمن يمكن لكنه بعيد ونادر، فهذه تُسْمَع ولكن لا تُقْبَل إلا ببينة.
الحال الثالثة: أن تدعي انقضاءها في زمن يمكن انقضاؤها فيه، ولا يندر أن تنقضي فيه، يعني أن أمثالها كثير، مثل لو ادَّعت انقضاءها في مدة شهرين، فإن هذا أمر يقع كثيرًا، فهذه تُقْبَل بلا بينة، وذلك لأن هذا أمر ممكن وكثير، فليس هناك ما يمنع قولها، وقد ذكرنا الآية الكريمة: ﴿وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
إن كان الأمر بالعكس؛ ادَّعَى هو انقضاء العدة، وقالت: إنها لم تنقضِ، مَن القول قوله؟ قولها هي؛ لأن الأصل بقاؤها، ولأن الله تعالى جعل الأمر راجعًا إليها في قوله: ﴿وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾، وهذا هو الأصل.
طالب: ()؟
الشيخ: ما تنقضي العدة، ترجع عاد إلى الاعتداد بالحيض.
الطالب: يعني ()؟
الشيخ: إذا كانت مفارقة في الحياة، أما إذا كانت مفارقة في الموت وأسقطت ما لم يتبيَّن فيه خلق الإنسان فإنها تكمل أربعة أشهر وعشرًا.
الطالب: ().
الشيخ: إي نعم، هي تبقى حتى يأتي الحيض.
الطالب: () ثلاث مرات ().
الشيخ: ثلاث مرات () السقط.
الطالب: والطهر ().
الشيخ: لا، ما يعد حيضة.
***
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن بدأته فقالت: انقضت عدتي، فقال: كنتُ راجعتك، أو بدأها به)، يعني قال: راجعتك، (فأنكرته فقولُها).
هاتان مسألتان:
المسألة الأولى: إذا بدأت وقالت: انقضت عدتي، فقال: كنتُ راجعتك، فالقول قولها، لماذا؟ لأن الأصل عدم المراجَعة، وعلى هذا فإن أتى ببينة تشهد بأنه راجع قبل انقضاء عدتها فالزوجة زوجته، وإن لم يأتِ فلا زوجة له؛ لأن القول قولها، وهذا هو الأصل.
أما المسألة الثانية فيقول: وإن بدأها به، يعني بأن قال: راجعتك، فأنكرته، فقولها.
[ ١ / ٦٨١٥ ]
هذه المسألة الزوج جاء لَمّه وقال لها: إني قد راجعتك، فقالت: قد انقضت عدتي، فقال: قد راجعتك قبل انقضاء العدة، فالقول قولها، لماذا؟
طلبة: لأن الأصل عدم المراجَعة.
الشيخ: لأن الأصل عدم المراجَعة، فالصورتان معناهما واحد، يعني سواء هي جاءت إليه وقالت: انقضت عدتي، أو هو جاء إليها وقال: راجعتك، فقالت: قد انقضت عدتي قبل المراجعة؛ لأن الأصل عدم المراجعة.
ولكن هذا خلاف المذهب في المسألة الثانية، المذهب في المسألة الثانية أن القول قوله؛ لأنه لما قال: كنت راجعتك، فقالت: انقضت عدتي، فهي المدَّعِيَة، هي التي ادَّعَت أن رَجْعَتَه غير صحيحة، فعليها البينة، فإن لم تأتِ ببينة فإنه يكون زوجًا لها، والقول قوله.
وهذا الذي ذكروه ﵏ لا شك أنه من حيث الصورة ظاهر الفرق بينهما، لكن من حيث المعنى لا يظهر الفرق بينهما، ولهذا الصواب ما مشى عليه الماتِن من أن القول قول المرأة في كلتا الصورتين؛ لأنه لا فرق، أيُّ فرق بين أن تأتي إليه وتقول: انقضت عدتي، فيقول: راجعتك، وبين أن يأتي إليها ويقول: راجعتك، فتقول: قد انقضت عدتي قبل أن تراجعني، الحقيقة في المعنى لا فرق بينهما؛ لأن كلًّا نقول: إن الأصل فيه عدم المراجَعة. ()
***
(. . استوفى ما يملك من الطلاق حَرُمَت عليه حتى يطأها زوج في قُبُل).
(إذا استوفى ما يملك من الطلاق) كم يملك؟ الحر يملك ثلاثًا، والعبد يملك اثنتين، فإذا استوفى الحر ثلاث طلقات والعبد اثنتين (حرُمت عليه حتى يطأها زوج غيره ..) إلى آخره.
قال: (حرُمت عليه)، الدليل قوله تعالى: ﴿اَلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، هذا الدليل على قوله: (حرُمت عليه).
[ ١ / ٦٨١٦ ]
وأما قوله: (حتى يطأها زوج) نستفيد من قوله: (زوج) أنه لا بد أن يكون النكاح صحيحًا؛ إذ لا تثبت الزوجية إلا بنكاح صحيح، والنكاح الصحيح هو الذي اجتمعت شروطه وانتفت موانعه، وعلى هذا فلو تزوَّجها الزوج الثاني بنية التحليل للأول، أو بشرط التحليل للأول فالنكاح غير صحيح، ولا يعتبر في إحلالها للأول؛ لأنه لا بد أن يكون النكاح صحيحًا.
وأخذنا اشتراط كون النكاح صحيحًا من قول المؤلف: (زوج)؛ إذ إن الزوجية لا تثبت إلا بعقد صحيح.
وقوله: (حتى يطأها) إذا قال قائل: في القرآن ليس فيه (حتى يطأها)، بل فيه: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، فعلَّق الله الحكم بماذا؟ بالنكاح، والنكاح يحصل بالعقد.
[ ١ / ٦٨١٧ ]
قلنا: ذهب إلى هذا بعض أهل العلم، وقال: إنها تحل للزوج الأول بمجرد العقد؛ لظاهر الآية الكريمة: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، والنكاح يكون بالعقد؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، فأثبت نكاحًا بدون مَسّ، فالنكاح بالعقد، فعلى هذا تحل بمجرد العقد، قلنا: قد قال بهذا بعض السلف، ولكن قوله هذا مردود بالسنة الصحيحة الصريحة، فإن امرأة رفاعة القُرَظِيّ طلَّقها زوجها رفاعة ثلاث تطليقات، فتزوجت بعده رجلًا يقال له: عبد الرحمن بن الزَّبِير، ولكنه ﵁ كان قليل الشهوة، فجاءت تشتكي إلى الرسول ﷺ، وقالت: إنها تزوجت عبد الرحمن بن الزَّبِير، وإن ما معه مثل هُدْبَة الثوب، يعني ما عنده قوة، فقال لها النبي ﵊: «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ ! لَا، حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ» (٤)، وهذا نص صريح في أنه لا بد من الجماع، وعلى هذا فتكون السنة قد أضافت إلى الآية شرطًا آخر، وهذا كما أضافت السنة إلى قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] أنه لا يرث الكافرُ المسلمَ ولا المسلمُ الكافرَ (٥)، والسنة تُفَسِّر القرآن وتبينه، وتقيِّد مطلقه، وتخصص عامَّه، وتنسخه أيضًا على القول الراجح، وإن كان لا يوجد له مثال، لكنه يمكن.
فإذن نقول: الآية الكريمة يراد بها العقد على القول الراجح، لكن السنة أضافت إلى هذا شرطًا آخر؛ وهو الوطء، وعلى هذا فلا بد من الوطء، ولهذا قال المؤلف: (حتى يطأها زوج).
[ ١ / ٦٨١٨ ]
والحكمة من اشتراط الوطء هو ألَّا يُظَنّ أن يكون النكاح لمجرد التحليل؛ لأنه إذا وطئها قد يرغب، وأيضًا هو دليل على رغبة الإنسان بالمرأة إذا جامعها، وهذه هي الحكمة، فدلَّت السنة على اشتراط الوطء، وكذلك التعليل والنظر دلَّا على أنه لا بد من الوطء.
وأما مَن قال من أهل العلم: إن المراد بالنكاح في الآية الوطء، ففيه نظر، إلا إذا أراد أن المراد الوطء بنكاح، فهذا صحيح؛ لأن الله يقول: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ﴾، والمرأة واطئة ولّا موطوءة؟ موطوءة، فلا يفسَّر اسم الفاعل باسم المفعول، صحيح أنها يُضَاف إليها النكاح اللي هو العقد: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا﴾، لكن ما يُضَاف إليها النكاح على أنها الفاعلة مرادًا به الوطء؛ لأنها هي موطوءة وليست واطئة.
وعلى هذا فإذا قال قائل: إذا قلتم هكذا فما الفائدة من قوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا﴾؛ لأن ظاهر الأمر أن الزواج متقدِّم على النكاح، ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا﴾، ولم يقل: رجلًا، وهذا يُشْعِر بأن الزواج سابق على النكاح، فيكون المراد بالنكاح الوطء؟
قلنا: إنما قال الله ﷿: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ إشارة إلى أنه لا بد أن يكون هذا النكاح مؤثِّرًا مترتِّبًا عليه أثره، وهي الزوجية، وذلك عبارة عن اشتراط كون النكاح صحيحًا، هذا وجه.
أو وجه آخر باعتبار ما سيكون، ﴿تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ يعني: حتى يعقد عليها زوج، فهو باعتبار أنه إذا عقد صار زوجًا.
ثم قال المؤلف: (حتى يطأها زوج في قُبُل)، احترازًا من الدُّبُر، لو جامعها في دُبُر ما حَلَّت للزوج الأول، لماذا؟ لأنه لا يحصل ذوق العُسَيْلَة بوطء الدُّبُر، ثم هو أيضًا ليس محلًّا لذلك، فالإيلاج فيه كالإيلاج بين الفخذين لا عبرة به، فلا بد من أن يكون الجماع في قُبُل.
[ ١ / ٦٨١٩ ]
قال: (ولو مراهِقًا)، يعني: ولو كان الزوج مراهقًا، من هو المراهق؟ الذي لم يبلغ لكنه قريب البلوغ، فإذا جامعها زوج ولو مراهقًا فإنها تحل للزوج الأول، لكن بشرط أن يكون العقد صحيحًا كما سبق.
قال: (ولو مراهقًا، ويكفي تغييبُ الْحَشَفَة) كلِّها من الزوج الثاني، (أو قَدْرِها مع جَبٍّ).
يعني: ليس بلازم أن يكون الجماع كاملًا، بل لو أدخل الحشفة أو قدرها مع الْجَبّ فإنه يكفي؛ لأنه تحصل بذلك العُسَيْلَة، ولا شك أنها تحصل، لكن ما يحصل الكمال إلا بكمال الوطء.
ولهذا قال المؤلف: (ولو) إشارة إلى أن في المسألة خلافًا، ولا شك أن هذا الذي وصفه من الوطء –يعني تغييب الحشفة– أنه يُعْتَبَر وطئًا في وجوب الغسل، وفي ثبوت النسب، وفي حد الزنا، وفي كل ما يترتب على أحكام الجماع، فإن العلماء لا يفرقون بين الإيلاج الكامل وعدمه، ما دام هو قد غَيَّبَ الْحَشَفَة أو قدرَها.
قال: (في فرجها)، هذا مع الأول كالتكرار؛ لأن الفرج هو القُبُل.
قال: (مع انتشارٍ)، يعني: يُشْتَرَط أن يكون الإيلاج بانتشار، فلو أَوْلَج بدون انتشار فإنها لا تحل.
وظاهر كلامه: ولو أنزل؛ لأنه ما يحصل بذلك كمال اللذة، وقضية عبد الرحمن بن الزَّبِير تدل على هذا؛ على أنه لا بد أن يكون الإيلاج بانتشار، والانتشار يعني انتصاب الذَّكَر، فإن كان بدون ذلك فإنها لا تحل للزوج الأول؛ لأنه ما يحصل به كمال اللذة.
قال: (وإن لم يُنْزِل) الفاعل مَن؟ الزوج، يعني: وإن لم يحصل إنزال، يعني سواء لم يُنْزِل مطلقًا أو أنزل خارج الفرج فإنه لا يضر، يعني ليس بشرط أن يُنْزِل.
[ ١ / ٦٨٢٠ ]
وقوله: (وإن لم يُنْزِل) هذه أيضًا إشارة خلاف، فإن بعض أهل العلم يقول: لا بد من الإنزال؛ لأنه ما يتم ذَوْق العُسَيْلَة إلا بالإنزال، فإن كمال اللذة لا يحصل إلا بالإنزال، مجرد الجماع ما يحصل به كمال اللذة، وعلى هذا فلا بد أن يُنْزِل؛ لقول الرسول ﵊: «حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» (٤)، ولكن جمهور أهل العلم على عدم اشتراط ذلك، فحينئذٍ يكون القول الصواب في هذه المسألة وسطًا بين طرفين، ما هما الطرفان؟
الطرف الأول: أن مجرد العقد يكفي، والطرف الثاني: أنه لا بد من إنزال، الوسط أن العقد مجرَّده لا يكفي، وأن الإنزال ليس بشرط، وعلى هذا فيكون وسطًا.
وغالب أقوال أهل العلم إذا تأملتها تجد أن القول الوسط يكون هو الصواب في الغالب؛ لأن الذين تطرَّفوا من جهة نظروا إلى الأدلة من وجه، والذين تطرفوا من جهة نظروا إليها من الوجه الثاني، والذين توسَّطوا نظروا إليها من الوجهين، فكان قولهم وسطًا، وهو الصواب، يكون غالبًا، لو تأملت الخلاف بين الناس؛ سواء فيما يتعلق بالعقائد، أو فيما يتعلق بالأعمال، وجدت أن القول الوسط في الغالب هو الصواب.
ولهذا قول الجمهور في هذه المسألة هو الصواب؛ لأن الرسول ﷺ ما اشترط الإنزال، بل قال: «حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ»، وهذا حاصل بمجرد الجماع.
قال بعض الناس: إننا نأخذ من هذا الحديث ما حدث، وهو ما يسمى بشهر العسل، هل هذا صحيح؟
[ ١ / ٦٨٢١ ]
إي نعم، هذا صحيح، لكن بس العسل هنا ما هو بشهر، إذا دام مع المرأة يكون العسل دهرًا ما هو شهرًا، فهل هذا الرجل الذي يقول: شهر العسل اللي بيروح () من السفر إلى بلاد لا ينبغي السفر إليها، فإن فيه إضاعة للمال، ثم إننا نسمع أن بعض الناس يخرج إلى بلاد خارجية، ويذهب إلى المسابح والمسارح والملاهي، وامرأته متبرِّجة كاشفة رأسها ونحرها وعضديها، وما أشبه ذلك -والعياذ بالله- فهل هذا إلا من الذين بدَّلُوا نعمة الله كفرًا -والعياذ بالله-؟ ! فجزاء هذه النعمة أن يزداد الإنسان شكرًا لله ﷿، ومعاشرةً حسنة لأهله، ويبقى.
لكن ما رأيكم فيمن يقول: بدلًا من هذا أذهب أنا وإياها إلى العمرة ونأخذ عمرة؟ نقول: هذا زَيْن شَيْن؛ لأن الظاهر أن أصلها مأخوذ من غير المسلمين؛ لأننا ما عهدنا هذا في أزمان العلماء السابقين، ولا في عهد السلف، ولا تَكَلَّم عليها أهل العلم، فيكون هذا متلقًّى من غير المسلمين، هذا من وجه.
من وجه آخر: أخشى أنه إذا طال بالناس زمان أن يجعلوا الزواج سببًا لمشروعية العمرة، ثم يُقال: يُسَنّ لكل من تزوج أن يعتمر! فنُحْدِث للعبادة سببًا غير شرعي، وهذا مُشْكِل؛ لأن الناس إذا طال بهم الزمن تتغير الأحوال ويُنْسَى الأول، فلهذا نقول: اجعل شهر العسل في حجرتك في بيتك، واجعل العسل دهرًا لا شهرًا، واحمد الله على العافية.
طالب: إن كان قصده من السفر () سواء بمكة أو بالمدينة يكون قصده ينفرد بها مدة من الزمن يعرف طباعها ما هو بهذا غرض ().
الشيخ: ما يخالف، هذا لا بأس، يعني إذا كان الرجل يريد أن يختبر زوجته وطبائعها، أو يريد أن يجعل ذلك تمهيدًا لانفراده عن أهله مثلًا، فهذا لا بأس به، لكن لا أحب أن يقرنه بأيام الزواج فيُظَنّ أنه لهذا السبب، مثلًا يمضي أسبوعين ثلاثة أربعة، بعد أن يمضي الشهر كله يروح.
الطالب: هو هذا الشهر أحيانًا يمضي الشهر ().
الشيخ: ما أدري.
[ ١ / ٦٨٢٢ ]
طالب: نشرت الصحف أن ذَكَرًا تزوج بذَكَر ()؟
الشيخ: أعوذ بالله، هذا مُنْكَر والعياذ بالله.
طالب: ذكرنا أن شيخ الإسلام ذكر أنه إذا زنا أنه لا يوصف الرجل أنه زانٍ حتى يشهد عليه أربعة على أنه وضع ذَكَرَه في فرجها كما يضع العود ..
الشيخ: الْمِيل.
الطالب: الْمِيل في المكحلة، ما يتبين منه الفرق، ظاهر كلامه على أنه لا يُشْتَرَط الإنزال، يعني أن الإنزال لو أنزل بدون إدخال هل يُحْكَم عليه أنه زنا بها؟
الشيخ: لا، ما يُحْكَم بأنه الزنا الموجِب للحد، هذا لا شك أنه نوع من الزنا، حتى النظر بشهوة نوع من الزنا، والمكالمة نوع من الزنا، والسعي إلى مجامِع النساء للاطلاع عليهن هذا نوع من الزنا.
طالب: حتى لو ().
الشيخ: نعم، ما دام أنه ما أَوْلَج ما يعتبر زانيًا، يعني ما يعتبر زانيًا الزنا الذي يوجِب الحد.
طالب: يعني إدخال الذَّكَر شرط في ..
الشيخ: شرط في وجوب الحد نعم، ولهذا ماعز بن مالك ﵁ الرسول شَدَّد معه في الإقرار، حتى قال له: «أَنِكْتَهَا؟» (٦)، يعني اللفظ صريحًا.
الطالب: () يفرق بينها ..؟
الشيخ: أيهم؟
الطالب: في مسألة أنها تحل بمجرد الوطء، يعني حتى ولو لم يُنْزِل.
الشيخ: إي نعم، حتى ولو لم يُنْزِل، في مسألة الزنا ما دام ثبت الجماع وإن لم يُنْزِل تثبت أحكام الجماع، ما هي مشكلة.
طالب: تقريبًا شهر العسل هذا أصله ترجمة لكلمة أجنبية أصلًا ما هي معروفة عندنا، ولكن دليل على أنها () أنها ترجمة بنفس الكلمة التي يقولونها: شهر العسل، فالأصل هنا ما أحد يعرفه، فهي ترجمة لكلمة ().
الشيخ: إي، معروف هي أصلًا مثل ما قلته، ما رأيناها في كتب العلماء، ولا قالوا هذا من السنة، ولا تعرضوا له أبدًا، فيدل على أن هذا غير معروف عند المسلمين.
طالب: كيف يثبت الزنا، لازم يرون؟
[ ١ / ٦٨٢٣ ]
الشيخ: هو ما يثبت -يقول شيخ الإسلام في زمنه وهو بالقرن السابع- يقول: ما ثبت في الإسلام عن طريق الشهادة، إنما يثبت عن طريق الإقرار، ييجي الإنسان بعدما يقع منه هذا الشيء ويُقِرّ عند القاضي الإقرار الذي يُعْتَبَر ويقام عليه.
الطالب: ألا يكفي ()؟
الشيخ: لا، ما يكفي؛ لأنها قد تكون مكرهة وقد تكون زوجها تركها من غير جماع.
***
يقول: (ولا تَحِلُّ بِوَطْء دُبُرٍ، ووطء شُبْهة).
ما تحل بوطء شبهة، وقد سبق لنا أن الشبهة نوعان: شبهة عقد، وشبهة اعتقاد؛ أما شبهة العقد فمعناه أن يعقد عليها عقدًا يتبين أنه غير صحيح، وأما شبهة الاعتقاد فأن يطأها يظنها زوجته، وما فيه عقد ولا شيء، لكن هو ظن أنها زوجته؛ هذه شبهة الاعتقاد، هي ما تحل بوطء شبهة.
والظاهر أن المراد بالشبهة في كلام المؤلف هنا شبهة الاعتقاد؛ لأنه قال: (ومِلْكِ يمينٍ ونكاحٍ فاسدٍ).
فشبهة الاعتقاد مثل: رجل طلَّق امرأته ثلاثًا، وبَيْنَا هي نائمة إذ أتاها رجل يظنها زوجته فجامعها، فهل تَحِلّ للأول؟ ما تحل؛ لأن هذا الوطء بغير نكاح، فهذه واحدة.
طالب: (في دُبُر).
الشيخ: قلناها وعلَّلْنَاها أيضًا.
الطالب: ().
الشيخ: ولا تحل أيضًا في (ملك يمين)، يعني: لو كانت الزوجة زوجة الأول أَمَة، يمكن تزوج وهي أمة؟
طالب: نعم.
الشيخ: يمكن؟ !
طالب: نعم.
الشيخ: نسيتم، هل يمكن أن تتزوج الأمة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: هل هناك دليل؟
طالب: نعم.
الشيخ: وهو؟
الطالب: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥].
الشيخ: نعم، صح، يمكن تتزوج الأمة إما من رقيق، وإما من حر بالشروط التي أشار الله إليها في القرآن.
المهم زوجته أَمَة فطلَّقها، لما طلَّقها وانتهت عدتها تحل لسيدها ولّا ما تحل؟
طالب: نعم.
الشيخ: انتهت عدتها من الزوج، تحل للسيد ولّا ما تحل؟
[ ١ / ٦٨٢٤ ]
طالب: تحل.
الشيخ: تحل؟ !
طالب: لا ().
الشيخ: للسيد، هل تحل ولّا لا؟
طالب: تحل.
الشيخ: لكن () هذا، أنها لا تحل.
طالب: تحل.
الشيخ: أنها تحل؟
طالب: لا تحل، ().
طالب آخر: إذا طلَّقها.
الشيخ: طلَّقها زوجها، يعني رجل له أَمَة مملوكة زوَّجها شخصًا، ثم إن الشخص طلَّقها ثلاثًا وانتهت العدة، فهل تحل لسيدها؟
طلبة: نعم تحل.
الشيخ: إي، زين، تحل لسيدها؛ لأنه مالك لها؛ إذ إن تزويجها لا ينقل ملك اليمين، فهي تحل لسيدها، سيدها جامَعها بملك اليمين واستبرأها، أو إن شئتم قولوا: إنها جاءت منه بولد، فهل تحل لزوجها الأول الذي طلَّقها ثلاثًا؟
طالب: لا، ما تحل.
الشيخ: ما تحل للزوج الأول؟
طلبة: لا.
الشيخ: برغم سيدها جامعها وحملت منه، وأتت منه بولد، وتركها السيد، خَلَّاها، فخطبها زوجها الأول؟
طلبة: ما تحل.
الشيخ: لماذا؟
طالب: ليس زوجًا لها.
الشيخ: إي؛ لأنها ما تزوجت، ولهذا قال المؤلف: (أو ملك يمين)، لو وُطِئَت بملك يمين ما حلَّت للزوج الأول؛ لأن الله ﷿ يقول: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وهذه ما نكحت زوجًا، هذه جامعها سيدها؛ فإذن لا تحل لزوجها.
(أو ملك يمين أو نكاح فاسد)، النكاح الفاسد: ما اختلَّ فيه شرط من شروط الصحة، أو وُجِد فيه مانع من موانع الصحة، هذا النكاح الفاسد، ولكن هل هو الباطل أو غيره؟
طلبة: غيره.
الشيخ: ويش الفرق بينهما؟ الفرق بينهما أن الباطل ما أجمع العلماء على فساده، هذا الباطل، وأما الفاسد فهو ما اختلف العلماء في فساده، ولا فرق عندنا في مذهب الحنابلة بين الفاسد والباطل إلا في موضعين فقط؛ هذا الباب -باب النكاح- وباب آخر.
طالب: الحج.
الشيخ: وفي الحج، فإنهم يفرِّقون بين الفاسد وبين الباطل، يقولون: إن الباطل هو ما حصل فيه مُبْطِل كالرِّدَّة مثلًا، لو ارتد وهو في أثناء الحج -والعياذ بالله- بطل، والفاسد هو الذي جامَع فيه قَبْل التحلل الأول.
[ ١ / ٦٨٢٥ ]
وهذه قاعدة أصولية أنه في مذهب الحنابلة لا فرق بين الفاسد والباطل إلا في موضعين فقط؛ أحدهما في باب الحج، والثاني في باب النكاح، فالفاسد هو الذي اختلف فيه العلماء، والباطل هو الذي أجمع عليه العلماء.
طالب: ().
الشيخ: باب الحج، إذا جامَع الإنسان قبل التحلل الأول، زوجته، ويش يصير حجه؟
الطالب: يفسد.
الشيخ: فاسدًا.
الطالب: نعم.
الشيخ: إذا ارتد في أثناء الحج بطل الحج.
إذن هنا نقول: هذا رجل طلَّق زوجته ثلاثًا واعتدت وبانت منه، فتزوجها رجل آخر بعقد تامةٍ شروطُه، ودخل عليها وجامَعها، ثم شهدت امرأةٌ ثقة بأنها أرضعته وزَوْجَتَه؛ أرضعت الزوج الثاني وزوجته، ما تقولون، هل تحل للأول ولّا لا؟
طلبة: لا، ما تحل.
الشيخ: ما تحل؟ ! تزوَّجها الثاني بعقد وشهود ووثيقة وكل شيء، ما تحل للأول؟
طلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟ لأن العقد هذا باطل، تبيَّن أن هذا العقد باطل، وأن الزوج ليس بزوج، الزوج ظاهرًا ما هو حقيقة، ليس بزوج، فلا تحل للزوج الأول، وكذلك لو تزوجها بلا وَلِيّ -على رأي مَن يرى أن الولي شرط لصحة النكاح- فإنها لا تحل.
مثال ذلك: رجل طلَّق زوجته ثلاثًا واعتدت منه، ثم تزوَّجها رجل آخر، وصار العاقد لها أبَا أُمِّهَا، أبو أمها هو اللي عقد لها، ودخل عليها الزوج الثاني وانتهت العدة وكل شيء، وطلَّقها الزوج الثاني، هل تحل للأول؟
طالب: في المذهب لا.
الشيخ: نعم، ما تحل، ليش؟ لأن أبَا الأم ليس وليًّا، وعلى هذا فقد تزوجت بدون وَلِيّ، فيكون النكاح فاسدًا، فلا تحل للزوج الأول. ()
(ولا تحل بوطء في حَيْضٍ)، يعني أن الزوج الثاني تزوجها بنكاح صحيح، وجامَعها وهي حائض ثم طلَّقها، فلا تحل للزوج الأول؛ لأن هذا الجِماع مُحَرَّم؛ لحق الله ﷿، فلا تحل به، كما لو صلى في مكان مغصوب فإن الصلاة لا تصح.
[ ١ / ٦٨٢٦ ]
كذلك أيضًا لا تحل بوطء في (نفاسٍ)؛ لأن الوطء في النفاس مُحَرَّم فلا تحل به، مثل: طلَّقها زوجها الأول وهي حامل فوضعت، فتنقضي عدتها، فتزوجها آخر وهي في نفاسها وجامَعها، فهل تَحِلّ للأول؟ لا تحل؛ وذلك لأن هذا الوطء محرَّم لحق الله، فلا يكون مؤثِّرًا كما قلنا بالحيض.
ولا تَحِلّ بوطء في (إحرام) بحج أو عمرة؛ لأن الجماع في الإحرام محرَّم، وما كان محرَّمًا فإنه لا يترتب عليه أثره، ولا يكون مصحِّحًا لشيء، كما لو صلى في أرض مغصوبة.
ولا تحلّ أيضًا بوطء في (صيامِ فرضٍ)، سواء صيام رمضان، أو صيام قضاء رمضان، أو صيام عن كفارة، أو عن فدية، أو عن أي شيء، المهم أن الصيام فرض، لماذا؟ لأنه وطء محرَّم.
وقول المؤلف: (أو صيامِ فرضٍ) مفهومه أنه لو جامعها في صيام نفل حلَّت؛ لأن الوطء جائز؛ إذ إن إتمام النفل ليس بواجب، فإذا كان إتمام النفل غير واجب فإنه يجوز للزوج أن يجامع زوجته في صيام النفل.
طالب: في الحج والعمرة إذا كانَا نفلًا؟
الشيخ: إي نعم، ما يجوز الإتمام فيه ولو كان نفلًا.
الطالب: التفريق بينهما؟
الشيخ: لأن الحج والعمرة لا يجوز الخروج منهما ولو كانَا نفلَيْنِ.
[ ١ / ٦٨٢٧ ]
قال: (أو صيامِ فرضٍ)، هذا ما ذهب إليه المؤلف، وقال بعض أهل العلم: إنها تحل بالوطء في هذه الأحوال؛ لعموم الحديث، فإن قول الرسول ﵊: «لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» (٤)، يشمل ما إذا كان الوطء حلالًا أو حرامًا، ولكنه يكون آثمًا، وليس الوطء عبادة حتى نقول: لا يصح مع التحريم، كالصلاة في أرض مغصوبة، وإنما الوطء شرط للحِلّ، وهذا القول أصح، ولذلك لو أنه سافر سفرًا محرَّمًا كان القَصْر والفطر فيه جائِزَيْنِ عند أبي حنيفة وشيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة من أهل العلم؛ لأن الله عَلَّق الحكم على السَّفَر مُطْلَقًا، هذا أيضًا عُلِّق الحكم فيه على الوطء مطلَقًا، ولأنهم هم بأنفسهم يقولون هؤلاء: لو أنه جامَعها في وقت صلاة ضاقٍ وقتها، فإن ذلك يُحِلُّها للأول، مع أن الوطء في هذه الحال محرَّم، لماذا؟ لأنه يلزم منه إخراج الصلاة عن وقتها.
والصواب في هذه المسألة: أنها تَحِلّ ولو مع الوطء المحرَّم، وهو اختيار المُوَفَّق ﵀.
طالب: شيخ، الوطء ليس عبادة إطلاقًا؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ولو مع النية؟
الشيخ: لا، مع النية حتى المباح يؤجر عليه.
طالب: ().
الشيخ: قلنا الآن: أنه إذا وطئها وطئًا محرَّمًا فلا يخلو إما أن يكون لمانع يمنع الوطء فيها كالحيض والنِّفاس، أو لعبادة لا يجوز الوطء فيها؛ كالصيام الفرض والحج والعمرة، فهذه لا تحل للزوج الأول.
أو لمعنى آخر، مثل أن تكون مريضة لا يحل وطؤها لمرضها، فيطؤها في هذه الحال، أو تكون في وقت صلاة ضاقَ وقتها فيطؤها في هذه الحال، فإنها تحل للزوج الأول.
والصحيح في هذا أنه لا فرق بين الصورتين، وأنها تحل للزوج الأول في الوطء المحرَّم للحيض والنفاس، والإحرام، وصيام الفرض، وضيق الصلاة، والمرض، وغير ذلك، وذلك لأن الأحاديث عامة: «حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ». (٤)
طالب: شيخ، الدُّبُر؟
[ ١ / ٦٨٢٨ ]
الشيخ: الدُّبُر ليس وطئًا، ولا تحصل به العسيلة هذه، وإنما تحصل بالفرج.
***
(ومن ادَّعَت مطلَّقتُه المُحَرَّمةُ وقد غابت نكاحَ مَنْ أَحلَّها وانقضاءَ عِدَّتِها منه فله نكاحُها إن صدَّقَها وأمكنَ).
قوله: (ومَن ادَّعَت مطلقتُه المحرَّمَةُ)، من هي المطلقة المحرَّمة؟
طلبة: المطلقة ثلاثًا.
الشيخ: هي المطلقة ثلاثًا، ادعت أنها تزوجت زوجًا جامعها، ولهذا قال: (نكاحَ مَن أَحَلَّها)، وهو النكاح الصحيح الذي حصل فيه وطء بانتشار.
(نكاح مَن أحلَّها، وانقضاء عدتها منه)، قالت: إنه طلَّقها بعد أن وطئها وطئًا محلِّلًا، وانقضت عدتها، فإنها تحلّ للزوج الأول، لكن بثلاثة شروط:
أولًا: (إن صدَّقها)، فإن لم يصدقها فلا تحلّ؛ لأنه لو أقدم عليها مع عدم تصديقه بها لأقدم على نكاح لا يعلم صحته، فلا تحل.
الشرط الثاني: (وأمكن) يعني بمعنى أنه مضى زمن يمكن أن تنقضي عدتها منه، وأن تتزوج الثاني ويطلقها وتنقضي عدتها منه، هذا معنى (أمكن).
وما مقدار المدة التي يمكن؟
طالب: أقل شيء تسعة وعشرون يومًا.
الشيخ: كيف تسعة وعشرون؟ هي طلَّقها زوجها وادَّعَت أنها انقضت عدتها، وأنها تزوجت، وأن الزوج الثاني جامعها بانتشار، وأنه فارقها وانقضت عدتها منه، كم من الزمن؟
طالب: تسعة وعشرون ولحظة () أو أقلَّه.
طالب آخر: ثلاثة أشهر.
الشيخ: ثلاثة شهور؟
الطالب: هذا الممكن يعني.
الشيخ: الممكن ثلاثة شهور، يعني تسعين يومًا؟
الطالب: نعم.
طالب آخر: إن كانت من ذوات الحيض ().
طالب آخر: أقله أن يكون للزوج الأول () يوم ولحظة، وللزوج الثاني عدة يوم ولحظة، هذا أقل ما يمكن.
الشيخ: إي لكن في شهرين لا بد من بينة، في شهرين ما تُقْبَل إلا ببينة على المذهب.
الطالب: هذا أقل ما يمكن.
الشيخ: هو أقل ما يمكن تسعة وعشرون ولحظة على المذهب، وتسعة وعشرون ولحظة هذه ثمانية وخمسون يومًا ولحظتان.
طالب: ويوم الزواج.
[ ١ / ٦٨٢٩ ]
الشيخ: لا، يمكن يعقد عليها في الحال، لكن هذا يا جماعة الآن ما عندها إلا نفسها هي، ما فيه بينة. ويقولون: إذا ادعت في شهر لا بد من بينة، معناه: لازم أن يكون الممكِن أكثر من شهرين.
طالب: شيخ، سبعة شهور.
الشيخ: لا، أكثر من شهرين، يعني يقولون: إن ادعت في أقل من تسعة وعشرين يومًا ما تُسْمَع دعواها، وفي تسعة وعشرين ولحظة إلى شهر تُقْبَل ببينة، وفيما زاد على ذلك تُقْبَل ولو بلا بينة.
إذن لا بد من شهرين فما زاد، إلا إذا كانت حاملًا فهذه ربما تنقضي بأقل، يمكن تضع حملها من يوم يفارقها زوجها الأول، وتتزوج وتبقى ثلاثين يومًا من الثاني وتنتهي عدتها، أو إذا كانت من غير ذوات الحيض كم عدتها؟
طالب: ثلاثة أشهر.
الشيخ: ثلاثة شهور.
المهم أن كلمة الإمكان هنا ما يمكن تتحدد بشيء معين، بل يُنْظَر في ذلك إلى نوع العدة حتى نعرف ما هو الإمكان وما هو عدم الإمكان؟
بقينا في الشرط الثالث، قال: (وقد غابت)، فإن لم تكن غائبة فإن الغالب أن نكاحها يشتهر، ما دام عندهم في البلد الغالب أن نكاحها يشتهر، لا سيما إذا كنا في بلد يشتهر فيه النكاح، فإننا ما نقبل كلامها.
إذن معناه لا بد من الإمكان ولا بد من التصديق، وأما الغَيْبَة فلأنها إذا كانت حاضرة وادَّعَت النكاح ولم يشتهر فالغالب أنه غير صحيح.
***
[ ١ / ٦٨٣٠ ]