وهي إباحةُ نفْعِ عينٍ تَبْقَى بعدَ استيفائِه، وتُباحُ إعارةُ كلِّ ذي نَفْعٍ مُباحٍ، إلا البُضْعَ وَعَبدًا مسلِمًا لكافرٍ وصَيدًا ونحوَه لِمُحْرِمٍ، وأَمَةً شابَّةً لغيرِ امرأةٍ أو مَحْرَمٍ، ولا أُجرةَ لِمَن أَعارَ حائطًا حتى يَسْقُطَ، ولا يُرَدُّ إن سَقَطَ إلا بإذْنِه، وتُضْمَنُ العَاريَّةُ بقِيمتِها يومَ تلفت - ولو شَرَطَ نَفْيَ ضَمَانِها - وعليه مؤونة رَدِّها، لا الْمُؤَجَّرَةُ،
[ ١ / ٥١٢٦ ]
إذا استأجر شيئًا بأجرة معينة، فهل يستحق الأجرة ()؟
***
يقال: السبْق، ويقال: السبَق؛ أما السبَق بالفتح فهو العوض الذي جعل على السبْق، وأما السبْق فهو الغلبة؛ أن يغلب غيرَه فيما جرى فيه التسابق.
الباب هنا الأنسب أن نقول: السبْق، ولَّا السبَق؟ الأنسب أن نقول: السبْق -باب السبْق- لأن السبْق يشمل ما فيه سبَق؛ أي: معاوضة وما ليس فيه سبَق.
والأصل في المسابقة: الأصل فيها أنها حلال، ومع ذلك قسمها العلماء إلى ثلاثة أقسام؛ قسم يجوز بعوض وبغير عوض، وقسم لا يجوز لا بعوض ولا بغير عوض، وقسم يجوز بلا عوض ولا يجوز بعوض؛ فالأقسام ثلاثة:
القسم الأول: ما يجوز بعوض وبغيره.
والقسم الثاني: ما لا يجوز بعوض ولا بغيره.
والقسم الثالث: وسط يجوز بغير عوض، ولا يجوز بعوض.
وكل هذا ذكره المؤلف أو أشار إليها؛ قال: (يصح على الأقدام، وسائر الحيوانات، والسفن، والمزاريق، ولا تصح بعوض) إلى آخره، هذا القسم الذي يجوز بغير عوض.
(على الأقدام) يعني: يجوز أن يتسابق اثنان على أقدامهما؛ لأن في ذلك ترويحًا للنفس، وتنشيطًا للجسد، وتحريضًا على المغالبة؛ إن الإنسان يحب أن يغالب غيره حتى يغلبه، هذا من حيث التعليل، فالتعليل إذن يتضمن ثلاثة أمور؛ عُدَّها.
طالب: من حيث التعليل؟
الشيخ: نعم، يعني: يجوز المسابقة على الأقدام ذكرنا لها ثلاث علل.
الطالب: الترويح على النفس.
الشيخ: إي نعم، ترويح عن النفس.
الطالب: التقوية.
الشيخ: تقوية البدن.
الطالب: حب المغالبة.
الشيخ: نعم، تعويد الإنسان على المغالبة وأن يغالب غيره، وإن كان المغالبة قد تكون في خير أو في شر، لكن كون الإنسان راكدًا لا يحب أن يَغْلِب ولا يُغْلَب هذا لا شك أنه ما هو من مصلحته.
أما الدليل: فهو أن النبي ﷺ سابق عائشة ﵂ (١)، ومسابقته لعائشة تدل على الجواز؛ لأن النبي ﷺ إذا فعل فعلًا كان ذلك دليلًا على جوازه.
[ ١ / ٥١٢٧ ]
ولا بد من تعيين المسافة ابتداءً وانتهاءً، ولا بد أن تكون المسافة مما يمكن إدراكه؛ فإن قال: أسابقك من هنا إلى مكة، من عنيزة إلى مكة على الأقدام، يصح؟
ما يصح؛ لا بد أن تكون مقيَّدة بمسافة معتادة.
كذلك على (سائر الحيوانات)؛ سائر الحيوانات: الحُمُر، البغال، وغيرها؟
طالب: الخيل.
طالب آخر: والإبل.
الشيخ: لا، دعونا من الخيل والإبل هذه لها حكم خاص.
البقر! ما يمكن تركب البقرة؟ !
طلبة: لا.
الشيخ: لا، يمكن في بعض البلاد يركبونها.
طالب: هل يجوز أو لا يجوز؟
طالب آخر: الجاموس.
الشيخ: إي، الجاموس، الفيل. المهم: سائر الحيوانات.
طالب: والنعام والزراف.
الشيخ: اللي يمكن المسابقة فيها.
(السفن) معروفة، يجوز المسابقة في السفن، في الماء، في البحر، وكذلك في السفن البرية وهي: السيارات، وفي السفن الجوية وهي: الطائرات، كذا ولَّا لا؟ تجوز المسابقة فيها.
لكن كيف تكون المسابقة في السيارات؛ في الجري ولا في أيش؟
طالب: في الجري.
الشيخ: الظاهر في الجري. الطائرات: في الطيران –يعني: سرعة الطيران- ولا في تمكن التصرف في الطائرة يمينًا وشمالًا وغير ذلك؟
طلبة: في الأمرين.
الشيخ: في الأمرين جميعًا.
(المزاريق) يقول: هو الرمح القصير، هذا المزاريق؛ الرماح القصيرة، يعني: يحذفونها هكذا أو يضربون بها، يصح.
من ذلك مثل المزاريق؛ فيه بندق صغيرة تسمى أيش؟
طلبة: ().
الشيخ: لا، تُسَمَّى الظاهر أم حبة، هذه نجعلها مما سيأتي ولَّا نجعلها من جنس المزاريق؟
الظاهر أنها لا تقتل العدو ولا يقاتل بها في العدو، فتكون من جنس المزاريق.
طالب: الحذف بالحصى؟
الشيخ: الحذف بالحصى أيضًا مثله يجوز، أيهما أطول؟ أبعد؟ أو أيهما أصوب؟ يعني يضعون هدفًا يترامَوْن عليه، هذا أيضًا لا بأس به.
المصارعة؛ تجوز المسابقة فيها ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: تجوز المسابقة فيها، أيهما يصرع.
طالب: الملاكمة؟
[ ١ / ٥١٢٨ ]
الشيخ: لا، الملاكمة الظاهر لا تجوز؛ لأنها خطيرة، حسب ما سمعنا أنها خطيرة، وفيها ضرب على الوجه.
طالب: () في الملاكمة ().
الشيخ: لا، الظاهر أنه ما يتكلف الوجه.
طالب: الأصل فيها الوجه.
الشيخ: الأصل فيها الوجه؟
الطالب: حتى يدوخ ويطيح.
الشيخ: إذن نقول: هذه ما تجوز؛ لما فيها من الخطر، ولما فيها من الوقوع فيما نهى عنه الرسول ﵊ من الضرب على الوجه (٢)، هذا القسم الأول الذي يجوز بلا عوض.
ولكن يجب أن نعلم أن المباح إذا تضمن ضررًا صار محرمًا، فلو أُجريت المسابقة في هذه الأمور في وقت تمنع من صلاة الجماعة مثلًا؛ كانت المسابقة حرامًا، ولو أدى ذلك إلى العداوة والبغضاء والتحيز والتعصب كان ذلك حرامًا.
الكرة القدمية من هذا النوع؟
طلبة: نعم.
الشيخ: من هذا النوع؛ يعني: تجوز بلا عوض؛ لأن فيها تقوية للبدن، وفيها ترويح عن النفس، وفيها تعويد على المغالبة، لكن بشرط ألا يدخل التحزب المشين كما يوجد الآن من بعض الناس؛ يتحزبون إلى نادٍ معيَّن، ويحصل بهذا فتنة، أحيانًا تصل إلى حد الضرب بالأيدي أو بالعصيان أو الحذف بالحجارة.
قال: (ولا تصح بعوض إلا في إبل وخيل وسهام)
(لا تصح) يعني: المسابقة (بعوض) إلا في هذه الثلاثة: (الخيل، والإبل، والسهام)؛ لقول النبي ﷺ: «لَا سَبَقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ أَوْ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ» (٣).
«لَا سَبَقَ» أي: لا عوض إلا في هذه الثلاثة.
وإنما جاز في هذه الثلاثة؛ لما في المسابقة عليها من المصلحة العامة في الجهاد في سبيل الله؛ لأن الإبل فيها مصلحة عامة في الجهاد في سبيل الله، وهي نقل الأمتعة والمجاهدين وغير ذلك.
الخيل كذلك فيها الكرُّ والفر، السهام: فيها الرمي أيضًا، فهذه الثلاثة تجوز فيها المسابقة بعوض وبغير عوض.
[ ١ / ٥١٢٩ ]
لو أننا وجدنا في عصرنا الحاضر شيئًا يشبه هذه الأشياء؛ كسيارات نقل الجيش مثلًا، وسيارة الجيب التي يُكَرُّ عليها ويُفر والطائرات الحربية، هل تجوز المسابقة عليها بعوض؟
الجواب: نعم؛ لأن القياس هنا واضح؛ إذ إن العلة فيها التنشيط على الجهاد في سبيل الله، والتعويد عليه، وهذا موجودٌ في السيارات الخاصة بالحرب، أما السيارات المدنية فهي من القسم الأول.
لكن اشترط المؤلف لهذا شروطًا: قال: (ولا بد من تعيين المركوبين) (تعيين المركوبين)؛ لأنه إذا قال: أسابقك على فرس وفرس، ولم يُعَيَّن لا يُعْلَم هل هذا الفرس جيد أو ردئ، وهل هو من نوع غير النوع الذي عندي؛ فلا بد من تعيين المركوبين.
الراكبان، هل يُشْتَرط تعينهما؟
المذهب: لا يُشْتَرط تعيين الراكبين، والصحيح: أنه يُشترط، وهو مذهب الشافعي، وتعيين الراكبين أمرٌ مهم؛ لأنه قد يركب هذا الفرس من لا يجيد ركوب الخيل، والفرس جيد، ثم يُغلَب لأن راكبه لا يعرف، وقد يركبه راكب جيد، وهو رديء -أي: الفرس- فيسبق بناء على حذق راكبه.
ولا أحد يشتبه عليه الأمر في أن للراكبين تأثيرًا على سبق الفرس، فالصواب: أنه لا بد من تعيين المركوبين وتعيين الراكبين، بل إن تعيين الراكبين أشد ضرورةً من تعيين المركوبين.
ولا بد أيضًا من: (اتحادهما) اتحاد المركوبين، في أي شيء؟ في النوع؛ يعني: أن يكونا من نوع واحد، فلا تصح بين فرس هجين وفرس عربي؛ لأن النوع يختلف، وكذلك في الإبل لا يصح بين العراب والبخاتي؛ لاختلاف النوع.
قال: (والرماة) يعني: فيما إذا كانت المسابقة بالسهام فلا بد من تعيين الرماة؛ لأن القصد معرفة حذقهم وهذا لا يحصل إلا بالتعيين، كما قال المؤلف.
ولا بد أيضًا من اتحاد النوع في القوسين، وفي عصرنا الآن نقول: لا بد من اتحاد النوع في السلاح، فلا يصح مثلًا المسابقة في بندقيتين مختلفتين، بل لا بد أن تكونا متحدتي النوع.
[ ١ / ٥١٣٠ ]
شوف الشروط الآن؛ تعيين المركوبين، اتحادهما، والصحيح في الشرط الثالث: تعيين الراكبين.
في باب المسابقة في السهام لا بد من تعيين الرماة، أما القوسان فلا يحتاج إلى تعيينهما، لكن لا بد أن يكونا من نوع واحد.
قال: ولا بد أيضًا من تحديد (المسافة)؛ المسافة سواء كانت في الخيل والإبل أو السهام؛ من تحديد المسافة ابتداء وانتهاء، ولَّا انتهاء؟ ابتداءً وانتهاءً؛ لئلا تختلف.
كم المسافة المقدرة في السهام؟
يقول العلماء ﵏: لا تصح على أكثر من ثلاث مئة ذراع في السهام.
ثلاث مئة ذراع الآن ليست بشيء، الآن يجعلونها تعبر القارات؛ السهام.
فنقول: إذن المثال اللي ذكروه أنها لا تصح على أكثر من ثلاث مئة ذراع بناء على عُرْفِهم وأن هذه بحسب قوة الرامي نفسه، أما الآن فصارت القذيفة بحسب قوة السلاح، أما الرامي يمكن يجيء واحد يعمل حركة بأصبعه ويغمز الزند ثم تنطلق القذيفة إلى مدى بعيد جدًّا.
فنقول: المدار على العرف وعلى إمكان وصول القذيفة.
طالب: ().
الشيخ: لا أكثر من عشرة متر، وأيش عشرة متر؟ !
طالب: تعبر القارات.
الشيخ: تعبر القارات الآن.
طالب: بالنسبة للصواريخ؟
الشيخ: إي نعم، الصواريخ سهام، الصاروخ سهم من السهام. على كل حال هذا يرجع إلى العرف.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (والمسافةِ بقدرٍ معتاد).
ثم قال: (وهي جعالة)؛ (وهي) أي: المسابقة، (جعالة، لكل واحد منهما فسخُها)؛ يعني: لو اتفقنا على المسابقة في سهام؛ كل واحد منا معه بندق نبغي نترامى، وبعد أن اتفقنا وكتبنا الاتفاقية يجوز لكل واحد منا أن يفسخ؛ لأنها عقدٌ جائز، ليس فيها ضرر على أحد، إلا إذا تبين الفضل لأحدهما، فإنها تكون لازمة في حق المفضول، جائزة في حق الفاضل، لماذا؟
لأننا لو قلنا: إنها جائزة في هذه الصورة، لأمكن كل إنسان يُغْلَب أو يتبين أنه يُغْلَب يقول: فسختها، وحينئذٍ يفوت المقصود من المسابقة.
[ ١ / ٥١٣١ ]
لو أننا جعلنا الرمي عشر مرات، والإصابة ستة من عشرة، فصار لأحدهما الآن خمسة، وللثاني ثلاثة، من الذي له الحق أن يفسخ؟ الذي له الخمسة، وأما الذي له الثلاثة فليس له أن يفسخ.
لكن لو قال قائل: أفلا يجوز أن يكون الذي له الثلاثة يتقدم على الآخر؟
قلنا: هذا ممكن، لكن العبرة بما حصل.
ولو أصاب واحد ستةً من العشرة، والثالث لم يصب شيئًا، أيهما الذي يجوز له؟ الذي أصاب ستة؛ لأن الثاني لا يمكن أن يغلبه الآن، أبدًا ما فيه احتمال، ما دام وصل العدد إلى أكثر من النصف والثاني لم يحرز شيئًا، فإنه لا يمكن تقدمه أبدًا.
إذن هي جعالة لكل واحد فصلها إلا إذا تبين الفضل لأحدهما، فالحق للفاضل دون المفضول.
قال: (وتصحُّ المناضَلَةُ على مُعَيَّنِينَ يُحْسنون الرميَ) يعني معناه: المناضلة هي المسابقة بالسهام، فيصح بشرطين:
الشرط الأول: تعيين الرماة، والثاني: أنهم يحسنون الرمي. فلو كانوا لا يحسنون الرمي فإنه لا فائدة من المسابقة، ولو كان أحدهما يحسن والثاني لا يحسن فلا فائدة من المسابقة، لماذا؟ لظهور الفضل للذي يحسن دون الآخر.
لم يذكر المؤلف ﵀ القسم الثالث؛ وهو الذي لا يجوز لا بعِوَض ولا بغير عوض؛ نقول: كل ما فيه لهو ويصد كثيرًا عن النافع فهو حرام.
كل شيء فيه اللهو؛ يعني معناه أنه يُلْهِي الإنسان، ويجذب القلب، ويصد كثيرًا عما هو نافع، فإنه حرام بعوض وبغير عوض؛ مثل: الشِّطْرَنْج، والنَّرد، والوَرَقة، وغير ذلك مما يلهي كثيرًا، مما يشغل القلب ويلهي كثيرًا عما هو نافع.
أما ما لا يشغل القلب، ولا يتعلق به القلب حين فعله، ولا يشغل كثيرًا عما هو نافع، فهذا يدخل في القسم الأول.
القسم الأول: إذا كان يستلزم ترك واجب، أو وقوع المحرم، فهو حرام.
فيه ألعاب للقسم الثالث معينة؟
طالب: الـ (ميني بُول).
الشيخ: ويش هو الـ (ميني بُول)؟
الطالب: هذه لعبة تجارية لكنها تطول يا شيخ، وليس فيها فائدة.
الشيخ: تجارية هي؟
[ ١ / ٥١٣٢ ]
الطالب: إي نعم، هي عبارة عن لوح، وعليه مربعات، وفنادق، وشقق، وكذا، يلعب فيها بالحظ، هذه تطول ().
الشيخ: طيب، هذه حرام، ويش الفائدة؟
طالب: تعلِّم شيئًا من التجارة.
الشيخ: التجارة ليست مما يُنتفع به في الدين، قد تنفع وقد تضر.
فيه أيضًا عدد في مربعات، يدخِّل بعضه في بعض.
طالب: ().
الشيخ: لا، غير، يعني: كبرى اليدين، كبرى اليد، ويقولك: طلع هذا لأن يتسكن اللي من نوع واحد في صف واحد، هذه من جنس اللي قاله الأخ؛ يعني: يمكن الواحد يقف فيها ساعة وساعتين ما وصل إلى الغاية مع أن الفائدة لا فائدة في الواقع ().
إذن معناه أنها ضارة ومضيعةُ وقتٍ، وهذه توجد كثيرًا مع الصبيان، من جنس الآلات الحاسبة، وفيها أرقام أو ألوان، يقول: حط كل واحد جنب الثاني، يمكث الواحد له ساعتين ثلاث، ما زين شيئًا، وإذا زيَّن صفًّا ما زيَّن الصف الثاني.
طالب: الورقة؟
الشيخ: الورقة، والله الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ يُحَرِّمها، والشيخ ابن باز كان يحرمها، وقال لي واحد: إنه يقول: ما فيها بأس إذا لم تله عن واجب، لكنه رجع، ما أدري عنها.
طالب: ().
الشيخ: لا؛ لأنها تلهي، الإنسان يقضي الليل كله ما شعر به، تلهي كثيرًا، ثم فيها أيضًا إلقاء العداوة والبغضاء.
طالب: الكرة ().
الشيخ: إي لكن الكرة -بارك الله فيك- فيها منفعة للجسم؛ حركة وجري ومشي.
طالب: () حركة ذهنية؟
الشيخ: أبدًا.
الطالب: الشطرنج فيها حركة ذهنية.
[ ١ / ٥١٣٣ ]
الشيخ: أنا قال لي بعض الإخوة اللي درسوا في أمريكا، يقول: تبين أن هذا الشطرنج وشبهه أنها من أكبر ما يكون ضررًا على العقل والتفكير؛ لأن التفكير ينحصر في مثل هذا النوع من الفكر، ينحصر في مثل هذا النوع مما يفكَّر فيه؛ مثل اللي يقرأ مثلًا علم الفرائض ما يجيد علم فقه الصلاة مثلًا، يقول: يبدأ العقل ما يعرف إلا ما كان مثل هذا النوع، ولا يستريح إلا لِمَا كان مثل هذا النوع، وحينئذ يتضرر، وهذا صحيح؛ يعني تعويد الفكر على شيء معين يركز عليه معناه أنه يضيع الشيء الآخر.
طالب: فيمن قال: () يجيز العوض على كل شيء () لعب كرة، أو على ..؟
الشيخ: لا، يجوز، العوض من جانب آخر ما هو من باب التسابق؛ يعني مثلًا أنا قلت لاثنين: تسابقا على الأقدام، أو في المصارعة، واللي يغلب أعطيه كذا وكذا، هذا مرادي، أما من الجانبين ..
المذهب أيضًا يشترطون أنه لا بد من المحلل؛ يعني واحد ثالث مع الاثنين يدخل معهم في المسابقة، ولا يجعل عوضًا، قالوا: لأجل أن تخرج عن شبه القمار؛ لأن المحلل الثالث إذا سبق أخذ العوض، وليس عليه غرم، ولكن هذا القول ليس بصحيح، الصواب: أنه يجوز بدون محلل.
طالب: ().
الشيخ: والله ما أعرف الـ (دومنا)، وأيش هي الـ (دومنا)؟
الطالب: قطع ().
طالب آخر: تشبه الورقة.
الطالب: ما فيها فائدة.
الشيخ: ما فيها فائدة، لكن تلهي كثيرًا؟
الطالب: تلهي.
الشيخ: تلهي كثيرًا، إذن معَنا هذه القاعدة؛ شيخ الإسلام جعل قاعدة يقول: ما ألهى كثيرًا عن الأمور النافعة وليس فيه نفع هو حرام.
لكن لاحظوا أنه يُرخَّص للصغار ما لا يرخَّص للكبار؛ يعني مثل هذا لو أن الصغار ما لهم وقت؛ لأن وقتهم ما هم منتفعين به، ولا بد أن ينشغلوا بشيء، هذا قد يرخص للصغار اللي دون البلوغ، أما الكبار فلا.
طالب: الكاراتيه؟
الشيخ: الكاراتيه؟ والله، الكاراتيه قال لي بعض الناس: إنها طيبة ومفيدة.
الطالب: فيها ضرر كبير.
الشيخ: لا، ما فيها ضرر.
[ ١ / ٥١٣٤ ]
الطالب: فيها ضرر؛ أنا أعرف واحدًا يطلع الأول على المملكة فنكسر ذراعه ورجله.
الشيخ: لا يا أخي يقولون: إنها جيدة مفيدة، وفيها حذق تام يمكن تقتل عشرين واحدًا من أعدائك وتسلم أنت.
طالب: التدريب عليها () قدر من التدريب () ولا تتعلم إلا إذا كنت ..
الشيخ: لا بد من التدريب، حتى التعلم على السهام وغيرها لا بد فيها من أول ما تعلم يحصل عليك آداب وربما يحصل عليك ضرر.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم ().
الشيخ: كل سيئة بحسنة، نعم.
هل يجوز الرهان في مسائل العلم؟
نقول: العلم نوعان: أحدهما علمٌ لا يُستفاد منه في الدين، ولا يقوى به الدين، فالرهان فيه لا يجوز بعوض؛ مثل علم الجغرافيا، وعلم الفلك، وعلم الحساب.
وعلم النحو؟ وسيلة، حتى الحساب قد يكون وسيلة، حتى الجغرافيا يكون وسيلة، حتى الفلك يكون وسيلة أيضًا، فالظاهر أن الوسائل هذه لا تعتبر، لكن بعضها وسائل مهمة، وبعضها وسائل بعيدة.
المسائل الشرعية بذاتها، هذا النوع الثاني؛ وهو ما يستفاد منه في الدين بذاته، كعلم التوحيد والفقه، ومنه الفرائض.
فقد اختلف العلماء في هذا هل تجوز المسابقة فيه بعوض أو لا؟
فالمشهور من المذهب: أنها لا تجوز؛ لأن الحديث حاصر: «لَا سَبَقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ، أَوْ خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ» (٣).
[ ١ / ٥١٣٥ ]
وقال شيخ الإسلام ﵀: إن المسابقة فيه بعوض جائزة؛ لأن الدين يقوم بالجهاد بالسلاح وبالجهاد بالعلم، وإذا كان النبي ﵊ جعل وسائل الجهاد بالسلاح جعل العوض فيها جائزًا، فكذلك العلم؛ لأن العلم وسيلة الجهاد في بيان الحق وهداية الخلق، ولأن أبا بكر ﵁ راهن قريشًا حين نزل قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ١ - ٤]، فإنه راهنهم على أن الروم ستغلب، وقريش يقولون: إن الروم لن تغلب، وأقره النبي ﷺ على ذلك (٤).
وما ذهب إليه الشيخ ﵀ قوي جدًّا وله وجه، لكن يبقى النظر؛ إذا كان القصد من المسابقة المغالبة، لا الوصول إلى الحق بعد البحث والمناقشة، فهل نقول: إن عموم كلام الشيخ ﵀ يشمل هذه الصورة، أو نقول: إن هذه الصورة لا تحل؛ لأن المقصود بها المال دون العلم؟
الظاهر لي الثاني، وإن كان الأول فيه احتمال، لكن الظاهر الثاني؛ لأن هذين المتسابقين بالعوض لم يقصدا في الواقع العلم الشرعي، وإنما قصدا الوصول إلى الغلبة وأخذ المال الذي جُعِلَ.
مثال ذلك: تراهنا في مسألة أمرها بسيط وسهل، والوصول إليها يحصل بأدنى مطالعة، وأدنى مناقشة وجعلا العوض فيها عشرات الآلاف، هذه نعلم أن المقصود المال.
مثلًا: قال أحدهما: النية واجبة في الوضوء، قال الثاني: إنها غير واجبة، هذه المسألة سهلة وبسيطة، العوض إن غلبتني فعلي عشرة آلاف ريال، وإن غلبتك فعليك عشرة آلاف ريال.
طالب: قصد المال.
الشيخ: هذا واضح أنه قصد المال، لكن إذا كان المقصود من المغالبة الوصول إلى الحق، وجعل المال كالوسيلة ينشط، فهذا هو الذي أراده شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو جائز.
***
[باب العارية]
ثم ننتقل الآن إلى (باب العاريَّة)
[ ١ / ٥١٣٦ ]
يقال: العاريَة، ويقال: العاريَّة؛ سميت بذلك لعروها عن العوض.
وهي إباحة نفع عينٍ تبقى بعد استيفائِه. هذا تعريفها شرعًا: (إباحة نفع عين تبقى بعد استيفائه).
لم يقل المؤلف: تمليك نفع عين، بل قال: (إباحة نفع عين) هذه العارية، وهذا باعتبار المعير، وباعتبار المستعير استباحة نفع عين.
فهي باعتبار المعير إباحة، وباعتبار المستعير استباحة نفع عين تبقى بعد استيفائه.
مثال ذلك: أعرتك سيارتي لتذهب بها إلى بُريدة مثلًا، الآن أبحتك نفع هذه السيارة حتى تصل إلى المكان الذي عينته، ولم أملِّكْك النفع؛ وعلى هذا فالمستعير لا يملك تأجير العين المستعارة، لا يملك تأجيرها، ولا يملك إعارتها لغيره، ولا يملك نفعًا سوى ما استعارها له؛ لأنه إنما أبيح له فقط الانتفاع ولم يملكه.
وقوله: (تبقى بعد استيفائه) خرج بذلك ما لو أباحه نفع عين لا يمكن الانتفاع بها إلا بإتلافها؛ مثل أن أقول: هذه دراهم أعرتك إياها، أعرتك هذه الدراهم لتقضي بها حاجتك، هذا لا يُسَمَّى إعارة، ليش؟ إذ لا يمكن الانتفاع بهذه الدراهم إلا بعد إتلافها وشراء شيء فيها بخلاف ما إذا قلت: أعرتك سيارة، فإنك تنتفع بالسيارة مع بقائها.
الفرق بينها وبين الإجارة؛ أن الإجارة ملكٌ للمنفعة، والاستعارة إباحة للمنفعة؛ ولهذا سبق لنا أن المؤجر يجوز أن يؤجر غيره، ويجوز أن يعير غيره، ويجوز أن يستوفي المنفعة بنفسه، وبخادمه، وغلامه، وما أشبه ذلك.
قال: (وتباح إعارة كل ذي نفع مباح) قوله: (تباح) يعني: معناه أنه يجوز، ولا ينفي ذلك الاستحباب مثلًا.
فإذا قال قائل: كيف قال المؤلف: (تباح)؟ نقول: هذا بيان لما تباح إعارته، لا بيان لحكم العاريَّة، انتبه! شوف العبارة: (وتباح إعارة كل ذي نفع مباح)؛ إذن فالعبارة يراد بها بيان ما الذي يعار، وليس المراد بيان حكم العاريَّة.
إذن فما حكم العارية؟
حكم العارية بالنسبة للمُعِير سُنة مستحبَّة، وبالنسبة للمستعير جائزة.
[ ١ / ٥١٣٧ ]
أما الأول؛ فلأن العارية من الإحسان، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، والإحسان عام يشمل كل إحسان ﴿أَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
أما بالنسبة للمستعير فهي مباحة؛ لأن القرض أشد منها وأعظم منَّة، ومع ذلك فقد أباحه الشارع.
وقد وقعت العارية أيضًا في عهد الرسول ﵊، فإنه استعار من صفوان بن أمية استعار منه دروعًا (٥)؛ إذن هي بالنسبة للمعير سنة، وبالنسبة للمستعير جائزة مباحة.
وقال بعض العلماء: إن العارية واجبة في كل ما لا يحتاجه الإنسان، يعني: لو طلب منك أحدٌ أن تعيره شيئًا وأنت لا تحتاج إليه وجب عليك أن تعيره، لكن بشرط أن تأمن هذا الذي طلب العاريَّة، أن تأمنه من إتلاف العاريَّة أو إفسادها، فإن لم تأمن لم يلزمك.
وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، قال لأن الله تعالى قال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٧] يعني يمنعون إعارة الماعون، وهذا وعيد لهؤلاء الذين لا يقومون بهذا، وما ذهب إليه ﵀ قوي جدًّا؛ لأن العارية فيها دفع حاجة أخيك المسلم بدون ضرر، أما إذا كان صاحبُك إذا كنت تخشى من الضرر بإفساد هذه العاريَّة، أو تخشى أن يُتلِفها، أو تخشى أن يهرب، أو أن يجحدها؛ فإنه لا يجب عليك أن تُعيرَه، لكن إذا كان محتاجًا وأنت مستغنٍ عنها، فإن الواجب الإعارة على رأي شيخ الإسلام ابن تيمية، ولكن جمهور أهل العلم على أن ذلك مستحب، وليس بواجب.
وما ذهب إليه شيخ الإسلام قوي جدًّا؛ لظهور دليله.
[ ١ / ٥١٣٨ ]
وقد يقال: إنها لا تجب العاريَّة إلا حيث اضطرَّ الطالب إليها، وأظن أن هذا -حتى على المذهب- يجب إذا كان الإنسان مضطرًّا إلى ذلك أن يعيره إياها، لكن المذهب كما مر علينا يقيدون ذلك بالأجرة، على خلافهم في ذلك.
فالحاصل أن العارية بالنسبة للمعير سنة وقد تجب، بالنسبة للمستعير مباحة.
ما الذي يباح بإعارته؟
قال: (كل ذي نفع مباح) مثل: كتاب، قلم، ساعة، بيت، سيارة، مسجِّل، أي شيء له نفع مباح.
وعُلم منه أن ما لا نفع فيه فلا تُباح إعارته.
ولكن قد يقال: إن ما لا نفع فيه تباح إعارته لأنه ما فيه عوض، مثل أيش؟ كالمناظر الطبيعية مثلًا؛ لو جاء إنسان إليك وقال: أنا والله عازم جماعة يحبون الفخفخة، وأحب أن تعطيني هذه المناظر الطبيعية، عنده مثلًا لوحات فيها مناظر طبيعية أبغي أعلقها بالجدار، هذا نفع ولَّا لا؟ ما فيه نفع، وأيش النفع؟
نعم هذا () شيء. فنقول: هذا لا بأس به؛ لأنه وإن لم يكن نفعًا مقصودًا ولا فائدة فيه، فإنه لا عوض فيه حتى نقول: إن الإنسان أتلف ماله في غير فائدة.
فالمباح احترازًا من ذي النفع المحرم؛ كرجل جاء إلى شخص يطلب منه أن يعيره آلة لهو؛ كالعود مثلًا، تجوز إعارته؟ لا تجوز، ولكن بقاؤه عند المعير أيضًا لا يجوز؛ لأن الواجب تكسيره.
طالب: ().
الشيخ: لا، ليس شيئًا، لا، هذا ما يرغب لأنه جرت العادة بأنه لا منة فيه في الغالب كالقرض، القرض يجوز الرجل يستقرض ولا بأس به، إنما إحنا ما نقول: لا يجوز، لكن صحيح أن الإنسان ينبغي له أن -بالنسبة للمستعير- ينبغي ألا يستعير إلا ما هو محتاج إليه؛ أولًا: لئلا يوقع نفسه في المذلة. وثانيًا: لئلا يعرض نفسه لضمان شيء، وإلا العارية قد تتلف فيضمن.
فنقول: نعم، الأحسن، الأولى ألا تستعير إلا للحاجة.
طالب: بالنسبة للسيارات إذا واحد يعلم يسوق، وما عنده رخصة، جاء استلف منك سيارة ()، أو كذا، وفيه منع من المرور، هل إذا ما أعطيته في هذا ()؟
[ ١ / ٥١٣٩ ]
الشيخ: أيش يقول هذا؟
الطلبة: يريد يعطيه لكن ما عنده رخصة.
الشيخ: لكن هل يجوز أني أمنع العارية هنا ولَّا لا؟
الطلبة: خطأ، يجب منعها.
الشيخ: يجب هنا، الظاهر أنه يجب؛ لأنه لا يجوز أن تعطيه، نعم لأنك إذا أعطيته مكنته من السياقة وهو ما عنده رخصة، وهذا تعاون على الإثم والعدوان، أفهمت؟ ولكن إذا عرفت أن الرجل محتاج فأنت بنفسك اذهب بسيارتك، أنت والسيارة.
طالب: ماذا لو تبين أنه يريد بها احتمال منفعة لبعض الناس؛ يعني بالنسبة () الأشجار والبحار وكأنه مثلًا على البحر ()؟
الشيخ: عجيب.
الطالب: () يعني فيه بيوت كثيرة الإخوان لا يضعون الصور، ووضعوا مكانها مناظر طبيعية للزينة أساسًا كمان ().
الشيخ: إذن معناها أنها نسبيًّا.
الطالب: نعم.
الشيخ: نسبيًّا ما هي دائمًا.
طالب: ().
الشيخ: لا، الظاهر أنه الشيء العظيم اللي يُخْشَى منه؛ يعني مثلًا أن خسارته كثيرة، قد نقول: إنه ما يدخل في الآية الكريمة، وإن الماعون غالب الناس يحتاجونه دائمًا ولا يكون عندهم، فما كان مثل الماعون والدلو وما أشبه ذلك فهو يجب مع الاستغناء عنه، وأما الشيء الذي قلت: مثل البيت، جاء يستعير مني بيتي مثلًا ليقيم فيه حفلًا، فهذا لا يلزم لي فيما يظهر.
وقد يقال: إنه يفرق أيضًا بين الشيء الذي يتضرر كثيرًا كالسيارة وشبهها يتضرر بالمشي، بخلاف البيت فإن الغالب إذا كان الساكن فيه عاقلًا ما يتضرر.
على كل حال الشيخ ﵀ إنما يقول بالوجوب بشرط ألا يكون هناك ضرر ().
أن تستعين بها على أمر مباح، فليس على بر وتقوى، واضح؟
لكن الاستدلال بالآية الأخرى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، هذا واضح.
الاستعارة حكمها ().
[ ١ / ٥١٤٠ ]
(تباح إعارة كل ذي نفع مباح إلا البُضْعَ) البضع يعني الفرج فإنه لا يعار، فلو كان عند شخص أمة ورأى شابًّا أعزب فقال له: أعرتك أمتي تجامعها، فإن هذا حرام ولا يجوز؛ لماذا؟ لأن الفرج لا يباح إلا بأمرين؛ إما نكاح وإما ملك؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧] هذا البضع.
قال: (وإلا عبدًا مسلمًا لكافر) لا يجوز؛ يعني: عندك عبدٌ مسلم أعرته لكافر ليخدمه، فإن هذا لا يجوز؛ لأن فيه إذلالًا للمسلم، فهذا الكافر سوف يتسلط على هذا المسلم، ويؤذيه بالاستخدام؛ ربما يقول مثلًا: مَحِّشِ النجاسة اللي عليَّ، احمل نعلي على رأسك، وما أشبه ذلك، فلا يجوز أن يعير الإنسان عبدًا مسلمًا لكافر.
وإن أعار عبدًا كافرًا لكافر، فهذا جائز بشرط أن يكون هذا الكافر ممن يجوز بِرُّه، فإن كان مما لا يجوز بره، فإنه لا يحسن إليه، كالكافر المحارب فإنه لا يحسن إليه؛ لأنه ليس أهلًا للبر.
إن أعار عبدًا كافرًا لمسلم فلا بأس، كذا؟ إن أعار عبدًا مسلمًا لمسلم؟ جائز.
إذن الصور أربعة: أن يعير عبدًا مسلمًا لمسلم، وعبدًا كافرًا لكافر، وعبدًا كافرًا لمسلم، وفي هذه الصور الثلاث يجوز. أن يعير عبدًا مسلمًا لكافر هذه الصورة الرابعة لا تجوز.
[ ١ / ٥١٤١ ]
قال: (وإلا صيدًا ونحوه لِمُحْرِمٍ) أعار صيدًا لمحرم؛ عنده غزال ونعامة وأرنب، فقال له المحرم: إني عازم فلانًا، داعيه ليأتي إلى البيت، أبغيك تعيرني الغزال والنعامة والأرنب، أحطهن عندي في الحوش؛ من أجل إذا دخل يُسَرُّ؛ لأن بعض الناس يُسَرُّ بمثل هذه الأمور، هل يجوز أن يعيرها هذه الثلاثة للمحرم؟ لا يجوز؛ لأن المحرم لا يمكن أن يتسلط على الصيد، بل إن الإنسان لو أحرم وفي يده صيد وجب عليه إطلاقه، فكيف نسلطه على الصيد.
وقول المؤلف: (ونحوه لِمَحرِم) كالقميص مثلًا، طلب مني المحرم أن أعيره قميصًا ليلبسه، يجوز ولَّا لا؟ لا يجوز، ودليل هذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
مثله أيضًا لو جاءني رجل وقال: إني أريد أن تعيرني هذا السلاح ليقتل به صيدًا وهو مُحرِم، أو ليقتل به صيدًا في الحرم، يجوز ولَّا لا؟ لا يجوز؛ لدخوله في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.
قال: (وأمة شابة لغير امرأة أو مَحْرَمٍ) يعني: لا يجوز أيضًا أن يعير أَمة شابَّة لغير امرأة أو محرم.
قال: (أمةً شابَّة لغير امرأة أو محرم) مثل أن يعير هذه الأمة الشابة لأجنبي منها، رجل أجنبي منها، فهذا لا يجوز، لماذا؟ لخوف الفتنة؛ لأنه إن كان هذا الرجل المستعير ليس في بيته غيره فالمفسدة حاصلة على كل حال، ما هي؟
الخلوة، وهذا حرام، وإن كان في البيت غيره فالخلوة قد تنتفي لكن الفتنة لا تنتفي؛ لأنه ربما مع كون هذه المرأة الشابة، ولا سيما إن كانت جميلة أيضًا ربما تدعوه نفسه إلى فعل الفاحشة بها لأنها معارة عنده، فهي فيما تسول له نفسه كالمملوكة، فيعتدي على عرضها.
وظاهر كلام المؤلف: أنه لو أعار أمة غير شابة، أنه يجوز، وفي هذا نظر؛ لأنه يحتاج إلى تفصيل.
[ ١ / ٥١٤٢ ]
فنقول: غير الشابة إن أعارها لشخص ينفرد بها في البيت فهو حرام؛ أي: فإعارتها حرام؛ لأن ذلك يستلزم الخلوة بها، والخلوة بها حرام.
أيضًا: لو كانت غير شابة لكنها جميلة فإنها فتنة، فالمحظور في الشابة كالمحظور في الجميلة، وكم من امرأة غير شابة لكنها جميلة وضيئة يحصل من الفتنة بها ما لا يحصل من الفتنة بشابة غير جميلة.
وعلى هذا فنقول: المدار كله على الفتنة أو الوقوع في المحرم، فإذا كان إعارة الأمة تُخشى منه الفتنة، أو فيه وقوع في محرم كالخلوة، فإن إعارتها حرام.
قوله: (أمة شابة) لو أعار حرَّة شابة؟
طلبة: ().
الشيخ: لا، نقول: إعارة الحرة أصلًا لا تجوز؛ ولهذا ما قالها المؤلف لأنها غير مملوكة؛ الحرة. والعارية لا تكون إلا من مالك.
فهذا الإنسان لو جاءه شخص، وقال: أريد أن تعيرني زوجتك لأن عندي اليوم مأدبة، أبغيك تعيرني إياها ()، نقول: بدل من أن يقول: أبغيك تعيرني إياها، يقول: إن عندنا حاجة خليها تجيء وتساعدونا، هذا جائز الأخير ولَّا لا؟
طلبة: نعم جائز.
الشيخ: والأول؟
طلبة: ما يجوز.
الشيخ: غير جائز؛ ما يمكن الإعارة تقع عليها.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (ولا أجرة لمن أعار حائطًا حتى يسقط) يعني: أنه لو أعار شخصٌ حائطًا له لشخص آخر يضع عليه خشبه، ثم لما وضع الخشب وبنى قال له: رجعت في عاريتي، فأعطني أجرة على بقاء الخشب على الجدار، هل يجوز هذا أو لا؟
يقول: لا، لا يملك هذا، حتى لو رجع في العارية، فإن رجوعه لا يُقبل؛ لأن الرجوع في العارية على وجه يتضرر به المستعير لا يجوز؛ لقول النبي ﷺ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (٦)، فهذا الرجل الذي أعارني حائطه أبني عليه بعد أن بنيت وانتهى البناء رجع.
[ ١ / ٥١٤٣ ]
نقول: نحن الآن بين أمرين؛ إما أن يلزمني بأن أنقض البناء، وهذا ضرر عليَّ، أو يلزمني بالأجرة، وهذا أيضًا ضرر عليَّ؛ لأنني لو كنت أعلم أنه يطلب الأجرة لأقمت أعمدة أقيم عليها بنائي، حينئذٍ نقول لهذا الراجع: لا رجوع لك ولا أجر لك، إلى متى؟ قال: حتى يسقط، فلو سقط الجدار فإن هذا الذي بنى على الجدار الأول لا يعيد البناء على الجدار الثاني إلا بإذنه ما لم يحتج إليه، فإن احتاج إليه فقد قال النبي ﷺ: «لَا يَمْنَعَنَّ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ عَلَى جِدَارِهِ» (٧).
عُلِمَ من كلام المؤلف هنا أنه لا يجوز الرجوع في العارية إذا تضمن ذلك ضررًا، وهو كذلك، كالجدار الذي أعاره ليبني عليه، وكما لو أعاره سيارة ليذهب بها إلى الرياض، وفي أثناء المسير قال له: خلاص، أنا رجعت في العارية، ما يمكن تكمل المشوار إلا بأجرة.
فنقول: لا أجرة لك؛ لأني الآن ما أتمكن من أن أنزل من السيارة وأستأجر سيارة أخرى، فإن كان يتمكن فللمعير الرجوع.
وكذلك لو أعاره سفينة يذهب بها من جُدَّة إلى مصر، في أثناء البحر قال: هونت، رجعت بالعارية، يمكن ولَّا؟ ما يمكن، لماذا؟ لأن المستعير لا يتمكن من النزول، ولأن هذا يفتح باب شر، يأتي إنسان قد كسدت سيارته أو سفينته، ثم يقول لشخص: أنا أراك محتاجًا إلى السفر عن طريق البحر وهذه سفينتي. فإذا ركبها وصار في لجة البحر قال: رجعت في العاريَّة، فلا بد من ضرب الأجرة عليك. مشكلة هذه.
لهذا نقول: إذا تضمن الرجوع في العارية ضررًا فإنه لا يجوز أن يرجع، ونمثل لهذا بالجدار، وبالسفينة، وبالسيارة.
بالزرع؟ لو أعاره أرضًا ليزرعها ثم زرع، خسر الرجل؛ حرث الأرض وأتى بالماكينة وأخرج الماء وأتى بالصبيان، وفي أثناء ذلك قبل أن ينتهي الزرع قال: رجعت، يلَّا خذ زرعك، هل يُلزِمه بهذا أو لا؟ لا يلزمه، هل له أجرة؟ الصحيح أنه ليس له أجرة؛ لأن إذنه له بالزرع يَستلزم رضاه ببقائه حتى يحصد.
[ ١ / ٥١٤٤ ]
والمشهور من المذهب أن له الأجرة إذا رجع في أثناء مدة الزرع، لكنه قولٌ ضعيف، ولا تكاد تجد فرقًا بين هذا وبين الحائط والسفينة.
إذن لا يجوز الرجوع ولا يمكن الرجوع في العارية إذا تضمن ضررًا.
ثانيًا على القول الراجح أيضًا: إذا كانت العارية موقَّتة بوقت فإنه لا يجوز أن يرجع ما دام الوقت باقيًا.
مثل أن يقول: أعرتك هذه لمدة شهر فلا يجوز أن يرجع في نصف الشهر؛ لقول النبي ﵊: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ؛ إِذَا حَدَّثَ كَذِبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ» (٨) وهذا الرجل الذي أعاره لمدة شهر إذا رجع في أثناء المدة فقد أخلف، ولقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]، وهذا قد عهد له أن تبقى هذه العين عنده لمدة شهر، ولقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، ولقول النبي ﷺ: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (٩).
فالنصوص تدل على أن العارية الموقتة لا يجوز الرجوع فيها قبل انتهاء الوقت.
قال المؤلف: (وتُضمَن العارية بقيمتها يوم تلفت) (تضمن العارية) أفادنا المؤلف: أن العارية مضمونة بكل حال؛ لقوله: (تضمن العارية) ولم يُفصِّل.
فالعارية مضمونة على المستعير؛ سواء تلفت بتفريط أو بتعدٍّ، أو بغير تفريط ولا تعدٍّ.
فإذا أعرتك إناء، فجاء اللص فدخل البيت وأخذ الإناء، مع أنك قد أحكمت إغلاق البيت، فعليك الضمان؟
عليك الضمان على كلام المؤلف.
احترق البيت بما فيه، ومنه العين المستعارة، يضمن صاحب البيت ولَّا لا؟
يضمن؛ على كلام المؤلف، مع أنه لم يفرِّط؛ إذن عليه الضمان سواء فرَّط أو لم يفرِّط.
[ ١ / ٥١٤٥ ]
الدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، وهذه أمانة وأنت مأمورٌ بأدائها، وقول النبي ﷺ: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» (١٠). وهذه عينٌ مأخوذة فعلى المرء أن يؤدِّيَها. فاستدل هؤلاء بدليلين؛ أحدهما من القرآن والثاني من السنة.
وقال بعض العلماء: إن العارية لا تضمن إلا بواحد من أمور ثلاثة؛ أن يتعدى، أو يُفَرِّط، أو يشترط الضمان؛ يشترط المستعير على نفسه بالضمان فيقول: أنا أضمنه إذا تلفت، ففي هذه الأحوال الثلاث يضمن.
أما في مسألة التعدي والتفريط؛ فلأنه بتعديه وتفريطه زال ائتمانه وصار غير أمين، وأما فيما إذا شرط أن يَضْمَنها فلقولِ النبي ﷺ: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (٩)، وهذا قد التزم بذلك، والحديث عام: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ».
وفيه حديث خاص في الموضوع؛ وهو أن النبي ﷺ استعار أدرُعًا من صَفْوان بن أُمَيَّة، فقال له صفوان: أغصبًا يا محمد؟ ! قال: «بَلْ عَارِيةٌ مَضْمُونَةٌ» (٥).
كلمة: «مَضْمُونَةٌ» من قال: إن العارية مضمونة بكل حال قال: إن «مَضْمُونَة» صفةٌ كاشفة ليست مقيدة، والصفة الكاشفة لا يخرج مفهومها عن الحكم، يصير معنى عارية مضمونة يعني العارية كأنه قال: عارية، وكل عارية مضمونة.
والذين قالوا: لا تُضمَن إلا بشرط، قالوا: لأن «مَضْمُونَة» صفةٌ مقيدة وليست كاشفة، وإذا تعارض القولان هل الصفة مقيدة أو كاشفة فالأصل أنها مقيدة؛ لأن الكاشفة لو حذفت لاستقام الكلام بدونها، والمقيدة لا بد من وجودها في الكلام، لا يتم الكلام إلا بها، والأصل أن المذكور واجب الذكر، هذا هو الأصل، وعلى هذا فتكون الصفة هنا صفة مقيدة، وهو الصحيح، فتكون دالة على أن العاريَّة تُضمَن إن شُرط ضمانها وإلا فلا.
[ ١ / ٥١٤٦ ]
إذا قال قائل: بأي شيء تردون استدلالهم بالدليلين السابقين؟
الجواب أن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] تردوا الأمانات، متى تُرد الأمانات؟ إذا كانت باقية، أما إذا تلفت فالآية ليس فيها دليل على وجوب الرد؛ لأن الأمانات زالت الآن، تلفت، وهذا الرجل تلفت تحت يده بلا تفريط ولا تعدٍّ، فلا يكون ضامنًا.
وكذلك نقول: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» (١٠)، هذا يدل على أنه موجود، وأنه يجب أن يُؤَدَّى إلى صاحبه حيث وجب أداؤه إليه.
ثم نقول: أنتم بأنفسكم لم تأخذوا بمقتضى الآية، فالمستأجر عندكم الذي بيده العين المستأجرة أمين ولَّا غير أمين؟ أمين، والعين بيده أمانة، ومع ذلك تقولون: لو تلفت العين المستأجرة تحت يد المستأجر بدون تعدٍّ ولا تفريط فليس بضامن، فكيف تستدلون بالآية على شيء وتخرجون ما تشمله الآية، والحكم واحد فيهما؟ !
إذن فلا دلالة في الآية والحديث على ما ذهبوا إليه، وتبقى العارية على القواعد العامة، وهي أنها وقعت بيد المستعير برضا صاحبها؛ فيد المستعير يدٌ أمينة ولا خائنة؟ أمينة؛ لأن المال حصل فيها برضا صاحبها، فهي يدٌ أمينة، والأمين لا يضمن إلا بتعدٍّ أو تفريط، هذه القاعدة العامة.
أما إذا شرط ضمانها؛ فلقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] ولقوله: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ [الإسراء: ٣٤] ولقول النبي ﵊: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (٩)، ولقوله لصفوان بن أمية: «بَلْ عَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ» (٥)، وهذا القول الذي ذكرناه هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو الصحيح؛ لدلالة النصوص عليه.
[ ١ / ٥١٤٧ ]
قال المؤلف: (بقيمتها يوم تلفت) يعني: متى وجب ضمانها؛ في الصور الثلاث التي ذكرنا، أو مطلقًا على المذهب؛ فإنها تُضْمن بقيمتها يوم تلفت وقت التلف لا وقت الإعارة، قد تكون قيمتها وقت الإعارة مئة ووقت التلف خمسين، فبكم تُضمن؟
طلبة: بخمسين.
الشيخ: تُضمن بخمسين، وقد يكون الأمر بالعكس؛ قيمتها وقت الإعارة مئة وقيمتها وقت التلف خمسين، فتُضمن؟ بخمسين.
ولكن قول المؤلف: (بقيمتها) ..
طلبة: بالعكس.
الشيخ: كيف؟
طلبة: يعنى: الأولى أنها بمئة.
الشيخ: نعيد المثال.
قد تكون قيمتها يوم الإعارة مئة وقيمتها يوم التلف خمسين، بكم تُضْمن؟
طلبة: بخمسين.
الشيخ: بخمسين. وقد تكون قيمتها وقت الإعارة بخمسين وقيمتها وقت التلف بمئة، تضمن بمئة.
إذن المعتبر وقت التلف.
لكن قول المؤلف: (بقيمتها) فيه نظر؛ لأنها لم تُؤخَذ على سبيل المعاوضة، وضمانها ضمان إتلاف، وإذا كان ضمانها ضمان إتلاف فالواجب أن تضمن بالبدل لا بالقيمة.
وما هو البدل؟ البدل هو المثل إن كانت مثلية، والقيمة إن لم تكن مثلية، فإذا قدرنا أن العاريَّة فناجين -تعرفون الفناجين؟ أكواب الشاي- ثم تكسرت الفناجين يضمنها بقيمتها ولَّا بمثلها؟
طلبة: بمثلها.
الشيخ: بمثلها؛ لأنها مثلية، ما يضمنها بالقيمة، يقول المعير: أنا أريد فناجين مثلما أعطيتك، فله ذلك.
لكن لو استعار شيئًا لا مثيل له؛ مثل بعض المعدات التي لا يوجد لها نظير في البلد، فهذا يضمنها بماذا؟ يضمنها بالقيمة. هذا هو الصحيح في مسألة الضمان.
ولهذا نقول: لو قال المؤلف: تضمن ببدلها لكان أحسن؛ لأن البدل يشمل القيمة في المتقوَّم والمثل في المثلِيِّ، فالضمانات كلها تدور على هذا؛ ما كان ضمانه ضمان يد لا ضمان ملك فإنه يضمن بالمثل إن كان مثليًّا، وبالقيمة إن كان متقومًا.
يستثنى على المذهب من ضمان العارية أربع صور:
الصورة الأولى إذا تلفت فيما استُعملت له، كيف فيما استعملت له؟
[ ١ / ٥١٤٨ ]
يعني: استعار مني ثوبًا، الثوب هذا مع اللُّبس تقطع، فلا ضمان على المستعير، لماذا؟ لأن المعير لما أعاره للبس فهو يعلم أنه سيبلى، فهو داخل على بصيرة، وعلى رضًا بما يتلف به.
وكذلك لو أعاره منشفة، تعرفون المنشفة؟ المنشفة فيها خمل، والخمل معروف، هذا الحب؛ حب خيوط صغيرة، كأنك ما عرفتها أنت؟
طالب: الفوطة.
الشيخ: تعرف الفوطة؟
الطالب: فوطة صغيرة.
الشيخ: فوطة صغيرة أو كبيرة. ما فيها خمل؛ يعني: فيها خيوط كأنها نابتة مثل الزرع، كذا عرفت هذا؟ إذا نشف الإنسان فيها فإنها تزول هذه؛ الخمل يزول، أعاره هذه المنشفة لمدة سنة يتنشف فيها، هذا الرجل صار يتنشف فيها فتقطعت هذه الخيوط التي تسمى خملًا، نقول: لا ضمان عليه؛ لأنها تلفت فيما استعيرت له، إلا إذا صار يستعملها بشدة؛ يعني يفرك فيها بشدة، فهذا يكون متعدِّيًا فيضمن.
أعرته قلمًا يكتب به، يجوز؟ هذا القلم مع كثرة الكتابة صار غليظًا، ولَّا لا؟ الغالب أنه يكون غليظًا، فهل يضمن؟ لا يضمن، إلا إذا كان يتكئ عليه كثيرًا، يتكئ عليه جدًّا فإنه يضمن لتعديه، واضح؟ هذه الصورة الأولى.
الصورة الثانية إذا كان المعير لا ضمان عليه؛ إذا استعارها ممن لا ضمان عليه؛ كالمستعير من المستأجِر، المستأجر عليه ضمان إذا لم يتعدَّ أو يفرط؟ لا، فإذا استعار من مستأجر ولم يتعدَّ أو يفرط فلا ضمان عليه؛ لأنه فرعٌ عن المستأجر، المستعير فرعٌ عن المعير، والمعير ليس عليه ضمان فلا يكون عليه ضمان.
الصورة الثالثة إذا استعار شيئًا موقوفًا على عموم الناس؛ كرجل استعار كتابًا موقوفًا على طلبة العلم، وهو من طلبة العلم، فتلف الكتاب عنده بلا تعدٍّ ولا تفريط، فليس عليه ضمان؛ لماذا؟
لأنه أحد المستحقين لهذا الكتاب، أحد المستحقين فهو الآن ينتفع به بالاستحقاق لا بالإعارة، وهو إنما طلبه إعارة من القيِّم على المكتبة مثلًا، وإلا فله الحق في أن يطالع فيه ويراجع فيه.
[ ١ / ٥١٤٩ ]
الصورة الرابعة إذا أرْكَب منقطعًا للثواب فإنه لا يَضْمن، كيف منقطعًا للثواب؟
يعني: إنسان معه بعير وهو مسافر إلى مكة، ووجد شخصًا ليس له مركوب، فقال له: اركب بعيري. قصده بذلك الثواب والأجر، ركب هذا الرجل البعير، في أثناء الطريق عثر البعير وانكسر، وهو عليه هذا الراكب، هل يضمن الراكب أو لا؟
يقول: لا يضمن؛ لأن هذا في الحقيقة لم يُعَر البعير، وإنما منح الركوب فقط، والبعير تحت تصرف مَنْ؟ صاحبها ومالكها.
هذه الصور الأربع؛ يقول الفقهاء: إن العارية لا تُضمَن فيها، لا تضمن العارية في هذه الصور الأربع.
طالب: شيخ بالنسبة () الفوائد؟
الشيخ: لا، لهم الحق في هذه المسألة.
طالب: شيخ، المسألة الثانية؛ إذا كان البعير لا ضمان عليه.
الشيخ: ذكرنا مثالها.
الطالب: كيف؟
الشيخ: استأجرت مني بعيرًا لمدة عشرة أيام، وأعرته فهدًا لمدة يومين، في أثناء المدة هذه تلف عند فهدٍ بلا تعدٍّ ولا تفريط فلا ضمان عليه.
الطالب: لا ضمان عليه؟
الشيخ: إي نعم، ولا ضمان عليك أنت أيضًا؛ لأنه فرعك.
طالب: المستعير لا يجوز أن يعير لي ().
الشيخ: صحيح.
الطالب: لأنه ما ملكه.
الشيخ: نعم، صح.
الطالب: ليش الآن هو أعار خطأ، نقوم نضمنه؛ لأنه ليس له الحق في التصرف إلا ..
الشيخ: هذا مستأجِر أعار.
الطالب: نحن قلنا: إنه يكون ليس بضامن.
الشيخ: إي، أن يكون المعير غير ضامن، كالمستعير من المستأجر.
الطالب: مستعير مِنْ مستأجر؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ولا مستعير من مستعير؟
الشيخ: إذا استعار من مستأجر فالمستأجر معير، أو لا؟ فقد استعار ممن لا ضمان عليه، واضح؟ إي نعم.
طالب: ().
الشيخ: يعني أيش؟ أيهما أحسن ولَّا أيش؟
الطالب: يعني أيهما () في الموضوع؟
الشيخ: الظاهر أنه ما يجوز.
الطالب: ما هو من باب العلم يا شيخ؟
الشيخ: لا، من باب العلم معرفة الحكم الشرعي.
الطالب: إي، لكن هو موجود ().
[ ١ / ٥١٥٠ ]
الشيخ: إي موجود، لكن ما وُجِدَ أنهم يتسابقون فيه بعوض.
يقول: هل يجوز الشرط في العارية؛ بأن أقول: لا أعيرك كتابي حتى تعيرني كتابك، أو هذا من باب الشغار؟
المذهب: لا يجوز؛ لأن شرط عقد في عقد لا يجوز، والصحيح: أنه جائز ولا بأس به، لا بأس أني أشرط عليك أنك تعيرني كما لا بأس على القول الراجح أن أقول: لا أبيع عليك بيتي حتى تبيع علي بيتك.
طالب: ().
الشيخ: نعم، لو استعار مني دكانًا ليجعله بنكًا ربويًّا، يجوز أعيره ولَّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: إذن كل ما يستعان به على محرم فإنها لا تجوز إعارته، والدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
جاء لي واحد قال: بدي تعيرني دكانك لأن ودي أحلق فيها اللحى، يجوز ولَّا لا؟
طالب: ما يجوز.
الشيخ: ليش؟
الطلبة: محرم.
الشيخ: لأنه إعانة على محرم.
إذن نأخذ قاعدة؛ كل ما أعير لفعل محرم، فإعارته حرام؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
(ولو شرط نفي ضمانها) هذه إشارة خلاف؛ لأن من العلماء من يقول: إنها مضمونة إلا أن يشرط نفي الضمان، من اللي يشترط؟ المستعير؛ لأن الضمان عليه، فيقول المعير: أنا أريد أن تعيرني بشرط ألا أضمن حيث لا يحصل تعدٍّ ولا تفريط، فإذا شرط نفي الضمان فإنه لا يضمن، وإن سكت يضمن على القول هذا؛ إن سكت يضمن، وإن شرط نفي الضمان لا يضمن.
هذا القول يقول: إن الأصل في العارية الضمان، ما لم يشترط نفي الضمان، فإن شرط نفي الضمان فلا ضمان.
ما الفرق بينه وبين القول الذي رجحنا؟ الفرق بينهما يحصل فيما إذا سكت، فعلى هذا القول يضمن ولَّا لا؟
يقول: يضمن إلا أن يشترط نفي الضمان؛ فإذا جاءت العارية مسكوتًا عن الضمان، فهل يضمن على هذا القول؟ يضمن.
على القول الذي رجحنا، يضمن ولا ما يضمن؟ لا يضمن، كذا؟
[ ١ / ٥١٥١ ]
المذهب يقولون: حتى لو شرط نفي الضمان فإنه يضمن؛ فإذا استعرت منك ثوبًا وقلت: يا أخي الإنسان عرضة أخشى أن هذا الثوب يحترق، أو يسرق، أو ما أشبه ذلك. قال: أبدًا ما عليك ضمان. فسُرق أو احترق؛ على المذهب يضمن، ولو شرط نفي الضمان، كذا ولَّا لا؟
فالأقوال اللي عندنا الآن كم صارت؟ ثلاثة.
فيه قول رابع: لا يضمن ولو شرط الضمان.
حجة هذا القول يقول: لأن المستعير يده يد أمانة، والأصل في يد الأمانة، أو مقتضى عقد الأمانة أن لا ضمان، فإذا شرط الضمان كان شرطًا مُنافيًا لمقتضى العقد، والشرط المنافي لمقتضى العقد فاسد لا يقبل؛ كما لو شرط الضمان في الإجارة مثلًا، فإنه لا يقبل لأنه شرطٌ مخالفٌ لمقتضى العقد، فصار الأقوال الآن -ما شاء الله- أربعة:
الضمان مطلقًا إلا في المسائل المستثناة، وهذا المذهب عند الحنابلة؛ الضمان مطلقًا إلا في المسائل المستثناة الأربعة، وهذا هو المذهب.
الثاني: عدم الضمان مطلقًا، وهذا مذهب أبي حنيفة، حتى لو شرط الضمان؛ قال: لأنه عقد أمانة وعقد الأمانة مقتضاه عدم الضمان، فإذا شرط الضمان فهو شرط مخالف لمقتضى العقد فيكون فاسدًا.
القول الثالث: الضمان إلا إذا اشترط نفي الضمان.
القول الرابع: عدم الضمان إلا إذا اشترط الضمان، وهذا القول هو الراجح، الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وعرفتم أدلته، فصارت الأقوال الآن أربعة.
الحقيقة أن قول أبي حنيفة قوي جدًّا؛ لولا الحديث: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (٩).
وأيضًا إذا قلنا بأنه إذا شرط الضمان لزمه فإنك تجد المستعير يداري ويحرص على ألا يصيب العارية شيء.
إذا قلنا: لا ضمان عليه ولو شُرط الضمان عليه، فإنه لا يهتم، قد لا يهتم ولا يبالي إذا أصابها شيء ().
قال: (وعليه مَؤونة ردِّها، لا المؤجَّرة) العين المستعارة يجب على المستعير مؤونة ردها؛ يعني: إذا كان الرد يحتاج إلى مؤونة يعني: نفقة، فعليه نفقة ردها.
[ ١ / ٥١٥٢ ]
مثاله: استعار شخصٌ من آخر ماكينة وانتهى شغله منها، مؤونة ردِّها على مَن؟ على المستعير، الماكينة هذه تحتاج إلى شيء يرفعها وسيارة تحملها وشيء ينزلها، يمكن مؤونة الرد بألف ريال، نقول: مؤونة الرد على مَنْ؟ على المستعير.
الدليل على ذلك قوله ﷺ: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» (١٠)، فكل ما يستلزم لرد هذه العين المعارة فإنه على مَنْ؟ على المستعير.
ولأن هذا الرجل –هذا التعليل- قبض العين لمصلحته الخاصة، فكان عليه أن يقابل هذه المصلحة بتحمل نفقة الرد.
ثالثًا: ولأن المعير محسن، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١].
رابعًا: ولأننا لو ألزمنا المعير مؤونة الرد لكان في هذا سد باب للعارية، أليس كذلك؟ إذا قال المعير: إذا كان يلزمني النفقة؛ المؤونة، مؤونة الرد، فأنا ما أنا معير، خل العين عندي، وأسلمُ من الخسارة، فهذه أربعة أوجه تدل على أن نفقة الرد على المستعير.
قال: (لا المؤجَرة) المؤجرة لا يلزم المستأجر مؤونة الرد؛ لأن عليه مجرد رفع يده عن هذه العين المؤجرة، ولأنه قبضها لا لمصلحته الخاصة، بل لمصلحة مشتركة؛ مصلحة المستأجر الانتفاع، ومصلحة المؤجر الأجرة، فلست منفردًا بالمصلحة، ولأنني إنما أعطيته الأجرة في مقابلة النفع، بدلٌ ببدل، وهذا يقتضي أنه لا مؤونة عليَّ، كما لو استأجرت بيتًا وخرب فيه شيء، فإن أجرة تعميره على مَنْ؟ على المؤجِر إلا إذا كان بتعدٍّ أو تفريط.
إذن نقول: إذا استأجر شخصٌ شيئًا واحتاج في رده إلى مؤونة، فالمؤونة على مَنْ؟ على المؤجِر، كذا؟
مثال ذلك: استأجرت منك حرَّاثة أَحْرُث بها الزرع، وانتهى عملي، من الذي ينقل الحراثة إلى صاحبها؟ المؤجِر صاحب ال ..
[ ١ / ٥١٥٣ ]
ولا يُعِيرُها، فإن تَلِفَتْ عندَ الثاني اسْتَقَرَّتْ عليه قِيمَتُها، وعلى مُعِيرِها أُجْرَتُها، ويَضْمَنُ أيَّهُما شاءَ، وإن أَرْكَبَ مُنقَطِعًا للثوابِ لم يَضْمَنْ، وإذا قالَ: أُجرتُك. قالَ: بل أَعَرْتَنِي. أو بالعكْسِ عَقِبَ العَقْدِ قُبِلَ قولُ مُدَّعِي الإعارَةِ، وبعدَ مُضِيِّ مُدَّةِ قولِ الْمَالِكِ في ماضيها بأُجرةِ الْمِثْلِ، وإن قالَ: أَعَرْتَنِي أو قالَ: أَجَرْتَني. قال: بل غَصَبْتَنِي. أو قالَ: أَعَرْتُكَ. قالَ: بل أَجَرْتَنِي والبهيمةُ تالفةٌ. أو اخْتَلِفَا في ردٍّ فقولُ الْمَالِكِ.