يَجِبُ بالعَمْدِ القَوَدُ أو الدِّيَةُ، فيُخَيَّرُ الولِيُّ بينَهما، وعَفْوُه مَجَّانًا أفضلُ، فإن اختارَ الْقَوَدَ أو عفا عن الدِّيَةِ فقط فله أَخْذُها والصلْحُ على أَكْثَرَ منها، وإن اختارَها أو عَفَا مُطْلَقًا، أو هَلَكَ الجانِي فليس له غيرُها، وإذا قَطَعَ إِصْبَعًا عَمْدًا فَعَفَا عنها، ثم سَرَتْ إلى الكفِّ أو النفْسِ، وكان العفوُ على غيرِ شيءٍ فهَدَرٌ، وإن كان العفوُ على مالٍ فله تَمامُ الدِّيَةِ، وإن وَكَّلَ مَن يَقْتَصُّ ثم عفا فاقْتَصَّ وَكيلُه ولم يَعْلَمْ فلا شيءَ عليهما، وإن وَجَبَ لرَقيقٍ قَوَدٌ
وصار في قلبه حقدٌ عليه، فجاء يوم من الأيام فقتله عمدًا، هل يقتل؟ لا يقتل.
أبو أم؛ جَد قال لابن ابنته: أعطني ألف ريال، أنا محتاج، قال له: أبدًا، ما أنا معطيك، أنت أبو أم، لا أنسب إليك، ولا تنسب إليَّ، فغضب عليه فقتله، يُقتل؟ لا يُقتل به.
طيب ما هو الدليل؟
الدليل الحديث المشهور: «لَا يُقْتَلُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ» (١)، هذا حديث؛ أثر.
ودليل آخر نظر: ولأن الوالد سببٌ في إيجاد الولد فلا ينبغي أن يكون الولد سببًا في إعدامه. فصار عندنا الآن دليلٌ أثري ودليل نظري.
لننظر في هذه المسألة؛ أما الحديث فإنه حديث ضعفه كثيرٌ من أهل العلم، وقالوا: إن الحديث ضعيف فلا يقاوم العمومات الدالة على وجوب القصاص.
[ ١ / ٧٢٦١ ]
وأما قولكم: إنه بقتله فينبغي أن يقطع بمثله؛ بقتله، فالصواب إذن أنه يقتل؛ أن الوالد يقتل بالولد.
والإمام مالك ﵀ اختار ذلك إلا أنه قيده بما إذا كان عمدًا لا شبهة فيه إطلاقًا؛ بأن جاء بالولد يقوده وأضجعه وأخذ السكين وذبحه، فإن هذا أمرٌ ما يتطرق إليه الاحتمال، بخلاف ما إذا كان يتطرق إليه الاحتمال فإنه لا يُقتص به، قال: لأن قتل الوالدِ ولدَه أمرٌ بعيد، فلا يمكن أن نقتص منه إلا إذا علمنا علم اليقين أنه أراد قتله.
المهم أن القول الراجح في هذه المسألة أن الوالد يقتل بالولد، والأدلة التي استدلوا بها ضعيفة ما تقاوم النصوص الصحيحة الصريحة الدالة على العموم.
ثم إنه لو تهاون الناس بهذا لكان كل والدٍ يحقد على ولده، لا سيما إذا كان ولده بعيدًا؛ كالجد أبي الأم وما أشبه ذلك، يمكن أن يقتله، ما دام أنه لا يقتص به.
قال المؤلف: (ويُقْتَل الولدُ بكلٍّ منهما) عجيب الولد يُقتل بكلٍّ منهما؟ ! كيف؟ يعني لو أن الولد قتل والده فإنه يُقتل، ويش الدليل؟
طلبة: العمومات.
الشيخ: العمومات، ولأن هذا قطع رحمه بالقتل فيقطع بالقتل.
طيب ابن البنت هل يُقتل بجده أبي أمه؟
طلبة: لا.
طالب: نفس بنفس.
الشيخ: نفس مؤمنة.
طيب هذه أربعة شروط، هو ما بقي عندنا شرط خامس؟
طالب: أن تكون الجناية عمدًا.
الشيخ: نعم، أن تكون الجناية عمدًا عدوانًا، كما سبق في قول المؤلف ﵀ وهي: (الجنايات ثلاثة أقسام؛ عمدٌ يختص به القود)، هناك قال: (عمدٌ يختص به القود)، إذن فشروط القصاص كم؟
طالب: خمسة أقسام.
الشيخ: خمسة.
اشترط بعضهم أيضًا ألَّا يكون القاتل السلطان، فإن كان القاتل السلطان فإنه لا يُقتل، وعللوا ذلك بأن قتل السلطان فيه مفسدة عظيمة، وهي أيش؟
طالب: ضياع الأمة.
[ ١ / ٧٢٦٢ ]
الشيخ: ضياع الأمة والفوضى، وإنما يقال لهذا السلطان الذي قتل عمدًا عدوانًا؛ يقال له: إن جزاءك جهنم خالدًا فيها، وغضب الله عليك، ولعنك، وأعد لك عذابًا عظيمًا، أما ما يتعلق بدنيانا فإننا لا نفسد دنيانا من أجل فردٍ من الناس، فما رأيكم بهذا التعليل؟
طلبة: عليل.
الشيخ: عليل؟
طلبة: إي.
الشيخ: كيف؟
طالب: ().
طالب آخر: السلطان يجيب الله غيره.
الشيخ: يجيب الله غيره؟
طالب: ().
الشيخ: هو على كل حال قد يكون هناك حكمة، وأنت تعلمون أن هناك من ولاة الأمور فيما سبق من الزمان من يقتلون الناس عمدًا، ولَّا لا؟ مثل الحجاج وغيره، ما هو مثل حجاج، مثل الحجاج بـ (أل)، أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ: إي نعم، ومع ذلك ما قُتِلوا، ولا نظن أن أحدًا سكت عن المطالبة بالقصاص لو حصل له، ولكننا أنا أوافقكم على أن هذا التعليل عليل؛ لأن النصوص الواردة عامة، ولو فُتِح الباب للسلاطين الظلمة لاعتدوا على الناس، فيه الناس من الولاة الظلمة من هؤلاء الرؤساء الذين يدَّعون أنهم هم أصحاب الحرية مَن يقتلون الناس عمدًا، وبدون أي سبب، وبكل جرءة على الله وعلى خلقه -والعياذ بالله- هؤلاء ما نمكنهم، نقول: هؤلاء الآن غير معصومي الدم، والمسألة في الحقيقة تحتاج إلى نظرٍ دقيق.
طالب: قلتم: الصواب أنه يقتل العبد بالحر، شروط القصاص ()؟
الشيخ: إي، هذه الشروط .. هذا على المذهب ..
طالب: الحر بالعبد.
الشيخ: شروط المكافأة هذه مبنية على المذهب، على المذهب ما يقتل الحر بالعبد.
***
[باب استيفاء القصاص]
() القصاص يجب أن نعرف الفرق بين استيفاء القصاص وبين شروط القصاص؛ شروط القصاص شروطٌ لثبوته؛ يعني هل يثبت القصاص أو لا يثبت؟ وشروط استيفاء القصاص شروطٌ لتنفيذه؛ يعني إذا ثبت هل ينفذ أو لا ينفذ؟ أيهما الذي يُسأل عنه أولًا؟ هل نسأل أولًا عن شروط التنفيذ ولَّا عن شروط الثبوت؟
طلبة: شروط الثبوت.
[ ١ / ٧٢٦٣ ]
الشيخ: عن شروط الثبوت، نسأل أولًا: هل تمت شروط القصاص؟ فإذا قيل: تمت، نسأل عن شروط استيفاء القصاص؛ استيفاء القصاص يعني تنفيذ القصاص، وهو أن يُقْتَل القاتل، هذا هو استيفاء القصاص.
يقول: (يشترط له ثلاثة شروط) (يشترط له) أي: لاستيفاء القصاص، (ثلاثة شروط) الأول: (أحدها كون مستحقه مكلفًا) والمكلف هو البالغ العاقل، ومن مستحق القصاص؟ من الذي يستحق القصاص؟ هم ورثة المقتول هم الذين يستحقون القصاص، وعلى هذا يُشترَط أن يكون ورثة المقتول مُكلَّفين، فلا بد من أن يكون المستحق مكلفًا، من المستحق؟
طلبة: الورثة.
الشيخ: ورثة المقتول، سواء كانوا يرثونه بالسبب أو بالنسب، بالفرض أو بالتعصيب أو بالرحم؛ بالسبب مثل الزوجية والولاء، والنسب القرابة، وعلى هذا فللزوجة حق في استيفاء القصاص، وللزوج حقٌّ في استيفاء القصاص.
(أن يكون مستحقه مكلفًا) أي: بالغًا عاقلًا.
(فإن كان صبيًّا أو مجنونًا لم يستوفِهِ) أو (لم يستوفَ)؟ لم يستوفَ، إن كان المستحق صبيًّا أو مجنونًا لم يستوف؛ وذلك لعدم التكليف.
ولكن ماذا يصنع بالجاني هل يطلق أم ماذا؟ يقول المؤلف: (وحُبس الجاني إلى البلوغ والإفاقة) لو كان المستحق للقصاص صغيرًا وله أب؛ كما لو قُتل الرجل، فورثه أبوه وابنه الصغير، هل لأبيه أن يستوفي القصاص؟ لا؛ لأن أحد مستحقيه صغير، ما يمكن أن ننفذ القصاص حتى يبلغ هذا الصغير، ثم يختار القصاص.
ما هي العلة؟
العلة يقولون: إن القصاص إنما وجب للتشفي من القاتل؛ أن الإنسان يذهب ما في قلبه من الغيظ على هذا القاتل الذي قتل مورثه، وهذا لا يمكن أن يقوم به أحدٌ عن أحد؛ لأن التشفي معنًى يقوم بماذا؟ بالنفس، فأبو الرجل لا يتشفى عن ابن ابنه، وعلى هذا فيُحبَس إلى البلوغ والإفاقة.
وعندي يقول: ولأن معاوية حبس عتبة بن خشرم في قصاصٍ حتى بلغ ابن القتيل، وكان ذلك في عصر الصحابة ولم يُنْكر.
[ ١ / ٧٢٦٤ ]
فيكون هنا الدليل من عمل الصحابة وإقرارهم، وأما التعليل فكما علمتم؛ أن القصاص يقصد به التشفي.
استثنى بعض العلماء من هذه المسألة ما إذا كان القتل غِيلةً، فإنه يُقتل القاتل بكل حال، ويش معنى غيلة؟ يعني: أن يكون على غِرَّة، فإنه يُقتل القاتل بكل حال، سواء اختار أولياء المقتول القتل، أو اختاروا الدية، ما لهم دخل في الموضوع، وهذا مذهب مالك واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: لأن هذا -أي: قتل الغيلة- لا يمكن التحرز منه، ولَّا لا؟ يمكن التحرز منه؟
طالب: لا.
الشيخ: يجيء إنسان لشخص في مكتبه ويقتله، هذا ما يمكن التحرز منه، لكن القتل اللي فيه الخيار إذا كان مجابهة، مثلًا تصارعا، تقاتلا، تشاتما، وما أشبه ذلك، وأما أن يؤتى الإنسان على غِرة فيُقتل، فهذا عند مالك وشيخ الإسلام ابن تيمية الأمر فيه إلى الإمام، ولا خيار فيه للورثة.
وبناء على هذا القول هل نحبس الجانيَ إلى الإفاقة والبلوغ؟
الجواب: لا نحبسه، وإنما ذهب الإمام مالك وشيخ الإسلام ابن تيمية إلى ذلك قال: لأن في هذا مفسدة عظيمة، والتحرز من هذا غير ممكن، اللهم إلا أن يكون أميرًا أو ملكًا يكون عنده جنود وحاشية يحمونه، يمكن التحرز منه، لكن عامة الناس ما يمكن التحرز منه.
قال: (الشرط الثاني: اتفاق الأولياء المشتركين فيه على استيفائه).
طالب: ().
الشيخ: أيش؟ الاستثناء؟
الطالب: ().
الشيخ: كيف هذا؟
الطالب: ().
الشيخ: على غِرَّة، هذا فيه مفسدة عظيمة، كالإنسان اللي يجيء يغتال الإنسان في منامه، في مكتبه، في مصلاه، في سوقه، هذا ما يمكن التحرز منه، ما كل الناس حاملون السلاح.
طالب: () مقتول.
الشيخ: () مقتول، والتحرز من المقتول.
[ ١ / ٧٢٦٥ ]
التالي (اتفاق الأولياء المشتركين فيه على استيفائه) يشترط أن يتفق جميع المستحقين على استيفائه، فإن عفا بعضهم سقط القصاص، حتى لو فُرض أن هذا البعض الذي عارض أو الذي عفا لا يرث إلا واحدًا من مليون سهم، فإنه لا يمكن القصاص، ويش الدليل؟ الدليل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨] ﴿عُفِيَ لَهُ﴾ من يعني؟
طالب: القاتل.
الشيخ: القاتل، ﴿مِنْ أَخِيهِ﴾ المقتول، ﴿شَيْءٌ﴾ نكرة في سياق الشرط، فتعم أي جزء، فإذا عفي عن القاتل ولو جزءًا يسيرًا جدًّا فإنه لا قصاص، الدليل لا قصاص من الآية؟ قال: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يتبع القاتل بالمعروف ولا يؤذى، ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ﴾ أي: إلى العافي، ﴿بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨]، إذن ﴿أَدَاءٌ﴾ في مقابل أيش؟ في مقابل الدية؛ يعني: الأداء وصف من أوصاف الدية، وليس من أوصاف القتل، هذا هو الدليل.
أما التعليل هو أنه إذا عفي عن القاتل جزء من دمه فإن القتل لا يتبعض، هل يتبعض؟
طالب: لا.
الشيخ: لو كان الورثة ستة، وعفا واحد منهم، نقول: اقتلوا القاتل خمسة من ستة من القتل، وأبقوا واحدًا من الستة من القتل، يمكن ولَّا ما يمكن؟ ما يمكن، ما يتبعض؛ فلهذا لما كان جزء من القاتل لا بد أن يبقى حيًّا، وكان لا يمكن حياة هذا الجزء إلا بحياة الباقي، صار عفو بعض الورثة مانعًا من القتل؛ ولهذا قال المؤلف: (اتفاق الأولياء المشتركين فيه على استيفائه)، ومن الأولياء مرة ثانية نقولها؟ الورثة هؤلاء هم الأولياء.
يقول المؤلف ﵀: (وليس لبعضهم أن ينفرد به) معروف، لو قال -مثلًا-هم ثلاثة إخوة؛ المستحقون للقصاص ثلاثة إخوة، فقال أكبرهم: أنا اللي بيقتله، أنا الكبير، أنا أبوكم، وانفرد به وقتل القاتل، فهذا حرامٌ عليه ولا يجوز، ويجب أن يعزَّر؛ ولهذا قال: (ليس لبعضهم أن ينفرد به).
[ ١ / ٧٢٦٦ ]
(وإن كان من بقي غائبًا أو صغيرًا أو مجنونًا انتظر القدوم والبلوغ والعقل) هذا في البلاغة يسمى لفًّا، ويش بعد؟ ونشرًا، ويش بعد؟ مرتبًا؛ لأنه قال: (غائبًا) قال: (انتظر القدوم)، وقال: (صغيرًا) قال: (انتظر البلوغ)، قال: (مجنونًا) قال: (انتظر العقل).
ما رأيكم لو قال: انْتُظِر البلوغ والعقل والقدوم، ويش يسمى؟ لف ونشر غير مرتب، مُشَوَّشٌ يقولون.
() إذا كان بعض الورثة المستحقين القصاص إذا كان صغيرًا فليس للبالغين أن يختصوا بالقصاص، يجب أن يُحبَس الجاني إلى بلوغ الصغير، ثم الصغير يختار، إن اختار القصاص مُكِّن، وإن اختار الدية سقط القصاص.
(انتظر القدوم والبلوغ والعقل) قال المؤلف ..
طالب: ()؟
الشيخ: إحنا ذكرنا قبل قليل أنه ليس لبعضهم أن ينفرد بها، لكن لو انفرد ماذا نصنع؟ يعزر ويؤدب على فعله، لكن شركاؤه يقولون: ماذا ينفعنا تأديبه؟ نحن نبغي الدية؛ نريد الدية، نقول: لكم الدية، فارجعوا على تركة الجاني بالدية، وورثة الجاني يرجعون على القاتل فيما أُخِذَ منهم؛ لأنه هو الذي فوَّت ذلك عليهم.
قال: (الشرط الثالث) ..
طالب: ()؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: ().
الشيخ: إي فرق بين هذه وهذه؛ لأن هذيك جناية، والجناية سرايتها مضمونة، () جناية وعدوان، ولا يمكن نعاملهم بالأسهل، أما هذا فإنه قصاص ولم يثبت حق القتل في حقه؛ لما عفا هذا الرجل ما ثبت حق ().
الشرط الثالث: (أن يُؤْمَن في الاستيفاء أن يتعدى الجانيَ) هذا أيضًا من الشروط، (أن يُؤْمَن في الاستيفاء أن يتعدى) أي: الاستيفاءُ، (الجانيَ) فالجاني إذن مفعول به منصوب؛ يعني: يؤمن من أن يتعدى هذا ضرره إلى آخر.
مثاله: وجب القصاص على حامل، لو اقتصصنا منها قتلناها وما في بطنها، والجنين بريء، كيف يُقتل؟ ! ينتظر، ما تُقْتَل حتى تضعه؛ تضع الولد، وتسقيه اللبأ.
لو وجب على حائل فحملت قبل القصاص؟
طالب: ينتظر.
الشيخ: ينتظر.
() بالاستيفاء أو العفو عن الدية.
[ ١ / ٧٢٦٧ ]
يقول المؤلف ﵀: (الثالث: أن يُؤَمن في الاستيفاء أن يتعدى الجانيَ) (يُؤمَن) اسم مفعول، سدا؟
طالب: ().
الشيخ: أو فعل مضارع مبني للمجهول ().
طلبة: ().
الشيخ: (أن يتعدى الجاني) يعني: يتجاوزه إلى غيره، فإذا وجب القصاص على حامل فإنها لا تُقتل، وظاهر كلام المؤلف سواء كان ذلك في ابتداء الحمل أو بعد نفخ الروح فيه؛ لأنه في ابتداء الحمل سوف يتكون هذا، ويتطور من نطفةٍ إلى علقةٍ، إلى مضغةٍ، إلى إنسان، ولأن لأبيه حقًّا في بقائه، فلا يمكن أن يُهدر حقه، فإذا وجب على الحامل وهي في أول الحمل تترك حتى تضع.
(أو على حائل حملت) كيف (على حائل حملت)؟ نعم، هذه امرأة ما فيها حمل قتلت إنسانًا عمدًا عدوانًا، ولكن قبل أن يُحكم عليها بالقصاص حملت، تُترك ولَّا يُقتص منها؟ تُترك.
فإن قلت: كيف تُترك مع أن الحق سابقٌ على الحمل، والقاعدة أنه يقدم الأسبق فالأسبق؟
الجواب أن هذا التأخير لا يضيع الحق، غاية ما هنالك أنه يُؤجَّل حتى يزول هذا المانع، فالقصاص يثبت لكن نرى إذا أنه سيتعدى إلى غير الجاني يجب أن يُؤخَّر.
(أو على حائل حملت لم تُقتل حتى تضع الولد) (الولد) باعتبار ما سيكون، وإلا فإن الجنين في البطن لا يُسمَّى ولدًا، ما يُسمَّى ولدًا حتى يُولَد، والولد يشمل الواحد والمتعدد؛ يعني: حتى تضع كل ما في بطنها.
(وتسقيه اللِّبَأ) اللبأ هو اللبن الذي يكون من الحوامل عند الوضع؛ هذا اللبأ -بإذن الله- من أنفع ما يكون للطفل، يقولون: إنه لمعدة الطفل كالدباغ للجلد؛ ينفعه نفعًا عظيمًا، وهذا اللبأ هو الذي تؤخذ منه الإنفحة التي يكون فيها تجبين الأشياء، وأظن مر علينا قريبًا، وين مر فيه؟ في باب السلف؛ الجُبن يكون فيه الإنفحة.
(ثم إن وُجِدَ من يرضعه أقيم عليها القصاص، وإلا تُرِكَت حتى تفطمه) طيب (فإن وُجِد من يرضعه) (من) هذه للعاقل؛ يعني: وجد امرأةٌ ترضعه، فإن وُجِدَ ثدي يرضعه؟
طلبة: لا.
طالب: ().
[ ١ / ٧٢٦٨ ]
الشيخ: لا، () المؤلف ما يوجد: إن وجد ما يرضعه؛ ولهذا الآن يمكن نعبر: إن وجد ما يرضعه؛ حتى يشمل العاقل وغير العاقل، فإذا كان يتغذى باللبن هذا ويش نسميه الصناعي ولَّا حقيقي؟ نقول: إذن إن تغذى بلبن القوارير ..
طالب: ().
الشيخ: نعم، إن تغذى به أقيم عليها القصاص، إلا إذا قيل: إن غذاءه بلبن أمه أفضل، والظاهر أنه سيقال، فإذا قيل ذلك فإنه يجب مراعاة مصلحة الطفل.
طالب: كان الأول موجود لبن البقر أو الغنم؟
الشيخ: نعم، ما كان هناك من يستعمله، ما كانوا يستعملونه أصلًا، بخلاف الوقت الحاضر.
(وإلا تُرِك حتى تفطمه) ودليل ذلك قصة الغامدية التي حصل منها الزنا ﵂ فحملت، فأمرها النبي ﵊، أو فأرجأها النبي ﵊ حتى تضع الولد، فلما وضعته جاءت به إلى النبي ﷺ، تريد أن يقيم عليها الحد، فأجلها حتى تفطمه، فلما فطمته جاءت به وفي يده كسرة من الخبز يأكلها، فلما رآها النبي ﵊، أمر بإقامة الحد عليها، شوف ﵂ كيف جادت بنفسها لله ﷿؟ ! جاءت بالطفل معه كسرة لأجل يتيقن الرسول ﷺ بنفسه ويرى بعينه أنه قد فُطِم، فلما أقيم عليها الحد كان ممن ضربها خالد بن الوليد ﵁، فضربها فنضح دم من دمها في وجهه، فسبها ﵁، ولكن () وَبَّخه وقال: «إِنَّهَا تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ، وَهَلْ وَجَدْتَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ ﷿؟» (٢)، فهذا دليل على أن من وجب عليه حدٌّ يؤدي إلى أن يتلف ما في بطنه أو أن يحتاج إلى اللبن ولم يرضع فإنه ينتظر حتى تفطمه، ويكون هذا من باب دفع أعلى المفسدتين بأدناهما؛ () لأن تأجيل القصاص وتأجيل الحد لا شك أن فيه نظر، لكن هذه المضرة أهون من مضرة تلف نفس بغير حق؛ فلذلك يُؤجَّل.
[ ١ / ٧٢٦٩ ]
ثم قال: (ولا يقتص منها في الطرف حتى تضع) (لا يقتص منها) ممن؟ من الحامل، (في الطرف) الطرف؛ يعني: اليد والرجل والعين، وما أشبه ذلك، والأنف واللسان.
المهم أن الطرف لا يقتص من الحامل فيه حتى تضع، لماذا؟ لأنه ربما إذا اقْتُصَّ منها في الطرف أن تموت؛ ينزف الدم منها فتموت، أو يتعفن الجرح فتموت، وربما يحصل منها فزع عندما تقطع يدها أو رجلها أو ما أشبه ذلك فيسقط الحمل؛ فلهذا يقول المؤلف: (لا يقتص منها في الطرف حتى تضع).
طيب هل يُقْتَص منها في غير الطرف كما لو كان في جراح؟ لأن القصاص في الجروح سيأتينا -إن شاء الله تعالى- أنه يثبت في كل جرحٍ ينتهي إلى عظم وعلى القول الراجح: في كل جرحٍ يمكن المماثلة فيه، ويش تقولون؟ ما يقتص منها؟
طالب: لا.
الشيخ: افرض -مثلًا- أنها () حتى طلع العظم () نقتص منها، () فقط.
طالب: ().
الشيخ: وهي؟
الطالب: ().
طالب آخر: أولًا ستتضرر بهذا الجرح؟
الشيخ: أما ظاهر كلام المؤلف في قوله: (الطرف) فإنه يُقتَص منها في الجراح؛ لأن الجراح () لا شك أنها أهون، وأما مجرد الفزع، فالفزع قد يكون حتى لو سئلت الحق المالي؛ لو أرسلنا إليها الشرط () فلانة بحق مالي يمكن تفزع، ولَّا لا؟ فمجرد الفزع ما ينبغي أن يكون القياس، والظاهر ..
طالب: يتعفن الجرح يا شيخ؟
الشيخ: ربما يتعفن، وربما ما يتعفن.
طالب: هذا وارد في المسألة الأولى؟
الشيخ: لا، أيهما أشد؟ أيهما ()؟ الطرف أشد، ما فيه شك، نعم، لو فُرِضَ أن الجرح كبير واسع، كما لو كان () ربما نقول: إن هذا يجوز ().
يقول: (والحد في ذلك كالقصاص) فيه حدٌّ في طرف، وحدٌّ في الكل؛ يعني فيه حدٌّ في إتلاف الكل، وحدٌّ في إتلاف الطرف، وكلاهما يُنْتَظر به حتى تضع الحمل؛ حتى تضع فقط، ولا هو شرط أن تسقي اللبأ أو أن تفطمه، إلى الوضع فقط، وهذا هو الفرق بين القصاص في النفس والقصاص في الطرف، القصاص في الطرف منتهاه أيش؟
طلبة: الوضع.
[ ١ / ٧٢٧٠ ]
الشيخ: الوضع، والقصاص في النفس منتهاه؟
طالب: اللبأ.
الشيخ: اللبأ أو الفطام.
طيب الحد في ذلك؛ فيه حد يؤدي إلى الإتلاف، وحد يؤدي إلى قطع الطرف فقط، ما هو الذي يؤدي إلى قطع الطرف فقط؟ حدٌّ فيه قطع الطرف فقط؟
طالب: السرقة.
الشيخ: كالسرقة تُقْطَع فيها اليد، وقطع الطريق تُقْطَع فيه اليد والرجل من خلاف؛ الرجل اليمنى واليد اليسرى، والحد اللي فيه القتل مثل قطع الطريق في بعض الصور، والزاني زنا المحصن () مع الحد.
طالب: ()؟
الشيخ: (ولا يستوفى قصاصٌ إلا بحضرة سلطانٍ أو نائبه) لا يستوفى القصاص من الجاني إلا بحضرة السلطان أو نائبه؛ السلطان هو الرئيس الأعلى في الدولة، ونائبه من ينوب عنه عادة في مثل هذه الأمور، من الذي ينوب عنه في عصرنا هذا؛ القاضي ولَّا الأمير؟ الأمير، فالنائب الآن الأمير، الأمير نائب عن أمير المنطقة، وأمير المنطقة نائب عن وزير الداخلية، ووزير الداخلية نائب عن؟
طالب: الملك.
الشيخ: عن الملك، نعم، فهؤلاء نائب من وراء نائب، المهم أن النائب المباشر لا بد من حضوره، فإن اقْتُص بدون الحضور فإن القصاص نافذ، ولكن يعزر ويقتص بافتياته على الإمام، وإنما مُنع القصاص إلا بحضرة السلطان أو نائبه خوفًا من العدوان؛ لأن أولياء المقتول قد امتلأت قلوبهم غيظًا على القاتل، فإذا قُدِّم هذا للقتل وليس في حضور السلطان أو نائب السلطان فربما يعتدون عليه؛ بالتمثيل، أو بغير ذلك، أو بسوء القتل، وهذا أمرٌ لا يجوز.
وأفادنا بقوله: (ولم يستوف القصاص) أن الذي يستوفي القصاص ليس هو الإمام ولا نائب الإمام، وإنما الذي يستوفيه من له الحق، هو من أولياء المقتول، لكن بشرط أن يحسن القصاص، فإن لم يحسنه وجب عليهم أن يدعوا ذلك؛ إما للإمام، أو أن يوكلوا من يحسن القصاص.
[ ١ / ٧٢٧١ ]
(ولا يستوفى وآلةٌ ماضية) يعني: ولا يستوفى أيضًا إلا بآلةٍ ماضية؛ أي: آلة حادة؛ احترازًا من الآلة الكالة، فإنه لا يجوز أن يُقْتَص بها؛ لقول النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» (٣)، فلو اقتصصنا من هذا الجاني بآلة كالة فإننا لم نحسن إلى إليه في الواقع.
قال: (ولا يستوفى في النفس) طيب كلمة (قصاص) تشمل القصاص في النفس فما دونها، حتى القصاص في اليد أو الرجل أو اللسان أو ما أشبه ذلك لا يستوفى إلا بحضرة السلطان أو نائبه.
(ولا يستوفى في النفس إلا بضرب العنق بسيف، ولو كان الجاني قتله بغيره) لا يستوفى في النفس إلا بضرب العنق دون غيره، فلو ضربه من وسطه فإنه لا يمكن من ذلك؛ لابد من ضرب العنق، وعلى هامته يُمَكَّن ولَّا لا؟ لا يمكن، لا بد من ضرب العنق؛ لأنه مجمع العروق وأريح للمقتول.
وقوله: (بسيف) يعني: لا بغيره، لا بد أن يكون بالسيف؛ لأن السيف () من الآلات التي يقتل بها أو يذبح.
قال: (ولو كان الجاني قتله بغيره) أي: بغير السيف؛ يعني: لو أن الجاني قتله بالرصاص ما نقتل الجاني بالرصاص، نقتله بالسيف، ولو قتله بحجر ما نقتله بحجر، نقتله بالسيف، ولو قتله بصاعق كهربائي ما نقتله بذلك، بل نقتله بالسيف، ولو قتله بالعين، ما نقتله بذلك، بل بالسيف، العين أيش لونه؟
طالب: ().
الشيخ: () إي نعم.
طيب ولو قتله بالسحر ما نقتله بذلك، بل نقتله بالسيف.
[ ١ / ٧٢٧٢ ]
وقول المؤلف: (ولو) إشارة خلاف، والخلاف في هذه المسألة أنه يقتل الجاني بمثل ما قتل به؛ لعموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] ﴿الْقِصَاصُ﴾، وتمام القصاص أن يُفْعَل بالجاني كما فعل؛ لأنه من القص؛ وهو تتبع الأثر، ولقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، ولقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، ولقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وما أشبه ذلك من الآيات.
ولأن النبي ﷺ رضَّ رأس الرجل اليهودي بين حجرين؛ لأنه قتل الجارية الأنصارية برضِّ رأسها بين حجرين (٤). وهذا دليلٌ خاص، والآيات التي سقناها أدلة؟
طالب: عامة.
الشيخ: عامة، فهذا دليل من الكتاب ودليل من السنة.
ودليل من النظر أيضًا؛ كيف هذا الرجل يُمَثِّل بالمقتول؛ يقتله بأبشع قتلة -والعياذ بالله- يمزقه تمزيقًا، ثم يجيء هذا يقول: نضربه بالسيف، غمض بس ونضربك بالسيف، هذا ما هو عدل، والله ﷿ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: ٩٠].
إلا إذا قتله بوسيلةٍ محرمة؛ إذا قتله بوسيلةٍ محرمة فإننا لا نقتله بها، مثل أن يقتله بالسحر، باللواط -والعياذ بالله- أو يقتله بإسقائه الخمر؛ يسقيه الخمر حتى مات، فإنه لا يُفعل به.
وقال بعض العلماء: بل يفعل به كما فعل، ولو كان محرمًا، لكننا لا نفعل المحرم، فمثلًا لو قتله باللواط وما أشبه ذلك ندخل في دبره خشبة حتى يموت.
على كل حال، هذه الصور النادرة يمكن أن تُسْتَثنى، أما إذا رضَّ رأسه بين حجرين، أو مثلًا ذبحه بسكين كالة، أو بالصعق الكهربائي، أو ما أشبه ذلك، فإننا لا شك أن الصواب أن نفعل به كما فعل به.
[ ١ / ٧٢٧٣ ]
طالب: الإحراق بالنار؟
الشيخ: يحرق بالنار.
طالب: () حرام.
الشيخ: السحر () حرام؛ لأنه لا يجوز أن نأتي بساحر.
طيب العين؟ العين مشكلة يمكن ما ().
طلبة: ().
الشيخ: ما يخالف، لكن هل إن العيان الآن لو قلت: تعال () هذا الرجل يقدر؟
طلبة: ().
الشيخ: يقدر؟
طالب: إحنا ما نقره على هذا.
الشيخ: يقدر.
طالب: ().
الشيخ: لا، ما يخالف () العائن إن احتجناه ..
طالب: ().
الشيخ: هو على كل حال يذكرون لنا قصصًا عجيبة في ذلك؛ يذكرون أن رجلًا جاء إلى شخص من الناس الذين يحسدون؛ عنده عين، وكان قد عان صديقًا له، فجاء إليه في بيته وقال له: يا فلان ليش () فلان؟ قال له: هذا شيء أجراه الله، قال: ()، قال له: () أصلي عليك في العصر في الجامع، هذه واحدة، وإلا إني أحبسك في بيتك ما تطلع أبدًا، ما تقدر، وإلا () إن جميع الحي هذا ما ().
طالب: ()؟
الشيخ: اختار الأخير، () قال له: أنا أعطيك عهدًا أن هذا الحي كله ما ().
طلبة: ().
الشيخ: الشاهد أن قصدي أن العائن ربما () على العين.
طالب: يقول النبي ﷺ: () ما حضر النبي () هذا نائب.
الشيخ: أولًا هذا ما هو قصاص، هذا حد.
***
[ ١ / ٧٢٧٤ ]
() كانت ملة وسطًا بين ملتين؛ إحداهما غلت في القصاص، والثانية فرطت فيه، وليس معنى ذلك أننا نقول: إن هاتين الشريعتين خرجتا عما شرع الله، ولكن الله ﷿ بحكمته أوجب على هؤلاء كذا وأوجب على هؤلاء كذا، فقد ذكروا أن شريعة اليهود وجوب القصاص، وأنه لا طريق إلى العفو عن الجاني، وأن شريعة النصارى وجوب العفو عن القصاص، وأنه لا سبيل إلى القصاص، وجاءت هذه الشريعة وسطًا بين الملتين؛ فيجب القصاص ويجوز العفو، فصارت الشريعة وسطًا بين شريعتين؛ إحداهما توجب القصاص، والثانية توجب العفو؛ ولهذا قال الله تعالى في الآية: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ باعتبار إيجاب القصاص، ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] باعتبار إيجاب العفو؛ يعني: من رحمة الله ﷾ أن يعطي أولياء المقتول حظًّا لأنفسهم يتشفون به من القاتل؛ ولهذا قال ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾.
[باب العفو عن القصاص]
العفو عن القصاص يقول المؤلف في حكمه: (يجب بالعمد القود أو الدية) (يجب بالعمد) يعني: العمد العدوان الذي بغير حق، يجب به (القود أو الدية) و(أو) هنا للتخيير؛ ولهذا قال: (فيخير الولي بينهما) الولي من؟ ولي المقتول؛ وهم ورثته سواء كانوا واحدًا أو متعددًا، فـ (الولي) هنا اسم جنس، فيشمل ما كان واحدًا أو أكثر.
ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨]، قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ فعُلِم بذلك أن لمن له القصاص أن يعفو ويأخذ الدية؛ ولهذا قال: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾. هذا من القرآن.
[ ١ / ٧٢٧٥ ]
من السنة قول النبي ﷺ: «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ؛ إِمَّا أَنْ يُقَادَ، وَإِمَّا أَنْ يُودَى» (٥)؛ يعني: إما أن يقاد له؛ أي: المقتول، «وَإِمَّا أَنْ يُودَى» تؤدى ديته، وقوله ﵊: «بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ» صريح بأن الخيار لمن؟ لأولياء المقتول؛ لقوله: «وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ».
وعلى هذا فلا خيار للقاتل؛ لو قال القاتل: اقتلوني، أنا أريد أن يكون المال لورثتي، فإنه لا خيار له، الخيار لأولياء المقتول؛ وذلك لأن الجاني هذا معتدٍ ظالم فلا يناسب أن يُعْطَى خيارًا، وأما أولياء المقتول فهم قد اعْتُدِي عليهم وأهينت كرامتهم بقتل مورثهم، فكان لهم الخيار؛ ولهذا يقول المؤلف: (فيخير الولي بينهما). الدليل عرفتموه الآن من الكتاب والسنة.
ثم قال: (وعفوه مجانًا أفضل) (عفوه) أي: ولي المقتول، (مجانًا) أي: بدون مقابل، أفضل من أين؟ أفضل من القصاص ومن الدية.
فالمراتب إذن ثلاث؛ قصاص، دية، عفو مجانًا. هذا هو الذي يخير فيه أولياء المقتول؛ بين القصاص، أو الدية، أو العفو مجانًا.
هناك شيء رابع اختلف فيه أهل العلم؛ وهو أن يصالح عن القصاص بأكثر من الدية، وسيأتي في كلام المؤلف -إن شاء الله تعالى- ونبين ما هو الحق في ذلك.
وقول المؤلف: (عفوه مجانًا أفضل) ظاهر كلامه أنه أفضل مطلقًا، سواء كان هذا الجاني ممن عرف بالشر والفساد، أم ممن لم يعرف بذلك.
ما وجه قولنا: إن هذا ظاهر كلام المؤلف؟ لأنه أطلق، قال: (عفوه مجانًا أفضل)، ولم يفصل.
ولكن الصواب بلا شك ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقال: إن العفو إحسان، والإحسان لا يتم أن يكون إحسانًا حتى يخلو من الظلم والشر والفساد، فإذا تضمن هذا الإحسان شرًّا وفسادًا وظلمًا لم يكن إحسانًا، ولا عدلًا، وعلى هذا فإذا كان هذا القاتل ممن عُرِفَ بالشر والفساد فإن القصاص منه أفضل.
[ ١ / ٧٢٧٦ ]
ويدل لما قاله شيخ الإسلام ﵀ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]، وهل العافي عن المجرم الظالم المعتدي المعروف بالعدوان هل هو مصلح؟ لا؛ لأنه إذا عفا عنه اليوم يمكن يقتل واحدًا أو عشرة غدًا، فمثل هذا لا ينبغي أن يُعْفَى عنه، إن لم نقل بتحريم العفو فإننا لا نقول أبدًا بترجيحه.
ومن هنا نعرف خطأ بعض الناس الذين عندهم عاطفة أقوى من التعقل، والعاطفة إذا خلت من التعقل () بالإنسان؛ لأن العاطفة عاصفة، فلهذا يجب على الإنسان أن يحكِّم العقل في أموره قبل العاطفة، وإلا عصفت به عاطفته حتى أودت به إلى الهلاك.
أقول: إن بعض الناس إذا حصل من إنسان حادثة عدوان أو ما أشبه ذلك على طول يعفو، وهذا غلط، يدفعون الدية () ما فيه قصاص؛ لأنه الغالب أنه ما يتعمد، لكن يعفو عن الدية، وهذا خطأٌ عظيم.
أما إذا كان الميت عليه دين أو كان له ورثةٌ قصار فإن العفو حرام بلا شك. والعجب أن بعض الورثة على طول يعفو، ما يسأل: هو عليه دين ولَّا لا؟ والدين مقدم على حق؟
طالب: الورثة.
الشيخ: الورثة، كيف تعفو عن الدية، والدية للميت وعليه دين؟ !
أقول: فإذا كان على المدهوس -مثلًا- دين أو كان له ورثة من القصار فالعفو محرم في حق هؤلاء، وأما إذا لم يكن عليه دين وورثته كلهم راشدون فإنه يجب عليه أن يتعقل وننظر؛ هل هذا الرجل من المتهورين الذين لا يبالون، والذين يقال عنهم: إنهم يقولون: نحن لا نبالي، الدية في الدرج؛ يعني: درج السيارة، وقتل النفس عندهم أهون من قتل قطٍّ، فمثل هذا لا يقابل بالعفو، هذا ينبغي أن يقابل بالشدة؛ حتى يكون ردعًا له ولأمثاله من المتهورين.
إذن عفوه مجانًا أفضل في مسألة القصاص، قلنا: الصواب فيها ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأن القرآن يدل عليه، والمعنى كذلك يدل عليه والاعتبار.
(وعفوه مجانًا أفضل)، يقول: (فإن اختار) ..
طيب ما هو دليل المؤلف أن العفو أفضل؟
[ ١ / ٧٢٧٧ ]
دليله قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقوله في وصف المتقين الذين أعدت لهم الجنات: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٤].
ولكنني أقول: إن قول الله تعالى: ﴿أَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ إذا كان في العفو مخالفة التقوى كيف يكون أقرب للتقوى؟ ! ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٤] أعقبها الله بقوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، فإذا لم يكن العفو إحسانًا فإن صاحبه لا يمدح.
طالب: ()؟
الشيخ: لا، الحديث يدل على أحد الأمرين؛ الدية أو القصاص، لكن المؤلف كلامه في العفو مجانًا.
طالب: ()؟
الشيخ: «بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ» فيما يختاره له.
الطالب: ()؟
الشيخ: إي نعم، ()، وقد يراد أنها ينظر أيضًا فيها إلى المصلحة.
يقول: (فإن اختار القود فله أخذ الدية، وإن اختار الدية فليس له القود) إن اختار الدية ليس له القود، وإن اختار القود فله الدية؛ فله أن يتنازل عن القود إلى الدية، ما هو القود؟ القصاص؛ القتل، إن اختاره يقول: (فإن اختار القود أو عفا عن الدية فقط دون القصاص فله أخذها والصلح على أكثر منها) قيل له -أي: لولي المقتول-: الآن أنت بالخيار؛ إن شئت فاقتص، وإن شئت فخذ الدية، فقال: أريد القصاص، ثم بعدئذٍ فَكَّر وقال: أنا إذا قتلته ويش أستفيد؟ ثم رجع إلينا وقال: أريد الدية، يملك ذلك؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لماذا؟ لأنه نزل من الأشد إلى الأخف.
لكن لو قال الجاني: أنا ما أقبل تنازله، القصاص أحب إليَّ، فظاهر كلام المؤلف أنه ليس له ذلك، وأن الخيار بيد أولياء المقتول.
[ ١ / ٧٢٧٨ ]
وقال بعض أهل العلم: بل له ذلك؛ لأنه أعلم بنفسه، وهذا الرجل اختار القصاص، فالرسول خيَّره فاختار القصاص، فإذا رجع إلى الدية فليس له أن يرجع إلا برضا الجاني، والجاني قد يختار القصاص على الدية، كيف؟ يكون رجلًا بائسًا؛ قد مَلَّ من الدنيا وأتعبته، ويقول: لعل إذا قتلت قصاصًا أستريح، مثلما فيه واحد يسأل، يقول: أنا -واللهِ- سئمت من الدنيا جدًّا، ومللت منها وتعبت، ودائمًا في قلق، أرغب أن أذهب إلى أفغانستان لأجاهد فأقتل، هل أنال أجر الشهداء؟ هذا تراه سؤال ورد عليَّ حقيقة، ويش تقولون في هذا؟
طالب: ().
الشيخ: إي، هذا حرامٌ عليه أنه يروح عشان يقتل، إي نعم.
أقول: إنه ربما يختار الجاني القصاص على الدية لمثل هذه الأمور، لكن مذهبنا خلافًا لمذهب مالك؛ مالك يقول: ما له يرجع، لكن مذهبنا يقول: إن له الرجوع؛ لأنه نزولٌ من الأشد إلى الأخف.
قال المؤلف: (أو عفا عن الدية فقط) كيف عفا عن الدية فقط؟ يعني: لما خُيِّر، قال: أنا عفوت عن الدية، هل يكون عفوًا عن القصاص؟ لا؛ لأن لديه شيئين إذا عفا عن واحد تعين الثاني، كما لو عفا عن القصاص فله الدية، فإذا عفا عن الدية فله القصاص.
يقول: (فله أخذها) أخذ الدية، (وله الصلح على أكثر منها) يعني: إذا اختار القصاص، ثم إن القاتل أو أصحاب القاتل أو أهل القاتل قالوا لولي المقتول: لا تقتله، ونحن نعطيك بدل الدية ديتين، أو ثلاث ديات، أو أربع، أو عشر، أو ()، أو شوف أضخم واحدٍ منكم لأولياء المقتول وأكبره جرمًا وضعه في كفة ميزان، ونحن نضعه لك ذهبًا في كفة الميزان الآخر، ولكن لا تقتلوا صاحبنا، يجوز ولَّا لا؟
طالب: ().
الشيخ: إي نعم؛ ولهذا يقول المؤلف: (فله الصلح على أكثر منها)؛ لأنه لما اختار القصاص تعين له، فله أن يبيعه بما شاء.
[ ١ / ٧٢٧٩ ]
ورجح ابن القيم أنه ليس له إلا الدية فقط، فيقال: إما أن تقتص، وإما الدية؛ لأنه ورد في حديث رواه الإمام أحمد (٦) -ولكن فيه محمد بن إسحاق وقد عَنْعَنَ- أن الرسول ﷺ قال: «فَإِنِ اخْتَارَ رَابِعَةً فَخُذُوا عَلَى يَدِهِ»؛ لما قال: اخترِ القود أو الدية أو العفو، قال: «فَإِنِ اخْتَارَ رَابِعَةً فَخُذُوا عَلَى يَدِهِ»؛ يعني: لا توافقونه؛ ولهذا رجح ابن القيم أنه ليس له أن يصالح عن أكثر من الدية؛ لأن الشرع ما جعل له إلا هذا أو هذا؛ فإما أن تقتص، وإما أن تأخذ الدية.
الغالب في مثل هذا أنه إذا قيل له: ما لك إلا الدية، يختار؟
طالب: القود.
الشيخ: يختار القود؛ القصاص، فنقول: هذا حقه.
طالب: فإن اختار الرابع ()؟
الشيخ: اختاره أولياء المقتول.
الطالب: أولياء المقتول، () الآن المختار هو الجاني؟
الشيخ: لا، المختار أولياء المقتول.
الطالب: الجاني هو ().
الشيخ: لا، هو قال: أنا ما أسمح عن القصاص إلا برابعة؛ وهي أن يعطيني بدل الدية ديتين.
الطالب: إذا كان من ()؟
الشيخ: ولو كان من ().
الطالب: ()؟
الشيخ: ()، يقال: إما أن تقتص، وإلا فالدية فقط.
طالب: ()؟
الشيخ: بناء على المذهب.
طالب: ظاهر الخبر لا يدل على أن ()؟
الشيخ: إي، الآن اختار هذا؛ اختار رابعة، قال: أنا ()، ما تكفيني، والقصاص أبغي أقتص، لكن () تعطون أكثر من الدية قبلت، فصار الآن اختار أمرًا رابعًا.
طالب: على المقتول يا شيخ، أما بالنسبة للقاتل ..؟
الشيخ: على أولياء المقتول.
الطالب: ()؟
الشيخ: الآن من اللي بيأخذ زائدًا؟
الطالب: أولياء المقتول.
الشيخ: إي، () أولياء المقتول ما لكم حقٌّ () الرابع، فإذا امتنع أخذ الزائد من قبلهم معناه أنه ما يمكن نمكن القاتل من ().
طالب: ()؟
الشيخ: () يجبرونه؛ يقولون: نبغي نقتلك، وإلا أعطنا أربع ديات، مثلًا.
[ ١ / ٧٢٨٠ ]
طالب: إذا عفا عن الدية () القصاص، إذا تنازل عن القصاص صار () الدية، إذا عفا عن أخذ الدية فقد عفا ()؟
الشيخ: لا، هذا ينبني على أن هل الواجب أحد شيئين، أو القصاص أولًا؟ المذهب أن الواجب أحد شيئين، فإذا عفا عن واحد تعين الثاني.
طالب: () ﵁ رجلًا ..؟
الشيخ: عتبة بن خشرم يقولون: هذا غير صحابي، أو إذا كان صحابيًّا فلا يعارض النص. هذا جوابهم.
الطالب: ()؟
الشيخ: ولكن له شواهد في الترمذي وغيره؛ ولهذا ابن القيم رجح بأنه لا يمكن أن يصالح عن أكثر من هذا.
الطالب: ()؟
الشيخ: نعم، إحنا ما نقول: ()، لكن لا تدري أن هذا الرجل الذي لم يجعل عليه الشرع إلا الدية.
طالب: ()؟
الشيخ: (وإن اختارها) يعني: اختار الدية، (أو عفا مطلقًا أو هلك الجاني فليس له غيرها) إذن تتعين الدية في ثلاث صور؛ إذا اختار الدية ما عاد له غير الدية، فإذا اختارها ثم قال: رجعت إلى القصاص، نقول: لا قصاص؛ لأنك بعفوك عنه، أو بعبارةٍ أصح: باختيارك الدية سقط القصاص.
(أو عفا مطلقًا) العفو له ثلاث حالات؛ إما أن يكون مطلقًا، أو يقيد بالقصاص، أو يقيد بالدية، كيف ذلك؟ إذا قال: عفوت عن القصاص؛ هذا عفو مقيد بماذا؟ بالقصاص، ويش يسبق ذا؟ الدية؛ إذا قال: عفوت عن الدية فهو عفو مقيدٌ بماذا؟ بالدية، ويش يكون له؟ له القصاص، وله أن يعود إلى الدية.
إذا قال: عفوت وأطلق، فهل له الدية أو لا شيء له مطلقًا؟ المذهب أن له الدية، والقول الثاني -في المذهب أيضًا- أنه إذا عفا مطلقًا فليس له قصاصٌ ولا دية؛ لأن هذا عفو مطلق، كيف نقول: لك الدية وهو يقول: قد عفوت عنه؟ الرجل ما قيد؛ ما قال: عفوت عن القصاص، ولا عفوت عن الدية، بل قال: قد عفوت عن فلان، ومع ذلك يقولون: إن له الدية؛ ولهذا قال: (أو عفا مطلقًا)، لماذا يقولون: له الدية؟ يقولون: لأن العفو المطلق ينصرف إلى الأشد وهو القصاص.
[ ١ / ٧٢٨١ ]
ويمكن أن نرد على هذا فنقول: إن العفو المطلق مقتضاه ألَّا يجب على المعفو عنه شيء، ولَّا لا؟ والناس يعرفون إذا قال: عفوت عنه، أو سامحته، أو ما أشبه ذلك؛ أن المعنى: أنني لا أطالبه بشيء، اللهم إلا إذا دلت قرينة على أن المراد بالعفو العفو عن القصاص؛ مثل أن يُسأل هل أنت ستقتل فلانًا؟ فقال: لا، سامحته، مثلًا، فربما نقول: إذا وُجِد قرينة تدل على أن مراده العفو عن القصاص لا العفو مطلقًا عُمل به، وأما إذا نظرنا إلى مجرد اللفظ فإن مجرد اللفظ يقتضي العفو مطلقًا، فلا يستحق دية ولا قصاص.
الثالث الذي تتعين فيه الدية (إذا هلك الجاني) ويش لون هلك الجاني؟
طالب: مات.
الشيخ: مات؟ ويش تقولون؟ صح؟ نعم، هذا الجاني بعد أن قتل الرجل مات، فهنا تتعين الدية، ولا يمكن القصاص؟ ما يمكن، ما فيه إلا الدية، إذن تتعين الدية إذا اختار الدية، أو عفا، فيه أربع صور ما ذكرت الصورة الرابعة، أو عفا عن القصاص، إحنا ذكرناها في ضمن العفو؛ أو عفا مطلقًا، أو هلك الجاني.
فيه صورة خامسة يمكن؛ إذا عفا عن الدية فإنه يتعين القصاص، ثم له أن ينتقل إلى الدية، لكن تتعين الدية؛ تعين الدية بمعنى أنه لا قصاص إذا اختارها، أو عفا عن القصاص، ويش بعد؟ أو عفا مطلقًا، أو هلك الجاني، وفي هذه الصور تتعين الدية.
ومن ذلك: لو قتل هذا الرجل أربعة أشخاص مثلًا؛ لو قتل هذا الجاني أربعة أشخاص صار الآن يتعلق به أربع رقاب، فإذا اختار أولياء المقتول الأول إذا اختاروا القصاص وقتل، ويش يسوي للآخرين؟ يتعين للآخرين الدية؛ ولهذا لو قتل الإنسان أربعة أنفس فإن أولياء المقتولين كلٌّ له حق، لكن من نبدأ به؟ نبدأ بالأول، فالأول، إي نعم.
طالب: إذا كلهم اختاروا القصاص؛ كلهم اختاروا القود، الأربعة؟
الشيخ: نعم، يشتركون فيه.
الطالب: ()؟
الشيخ: إي نعم، يشتركون به، وإلَّا يقرع بينهم، لكن إذا كان هناك أول واختار القصاص، فالثاني ما له إلا الدية.
[ ١ / ٧٢٨٢ ]
طالب: إذا مثل الجاني بالمجني عليه بعد موته، ثم مات الجاني، هل يمثل ..؟
الشيخ: ما يمثل به؛ لأنه لما مات تعينت الدية وتعذر القصاص.
طالب: وهل يكون الدية () الدية؟
الشيخ: تكون في ماله.
الطالب: مال الرجل؟
الشيخ: إذا ما له مال يلقاه يوم القيامة.
طلبة: ().
الشيخ: لا، ماله؛ لأن العاقلة إنما تلزَم بالدية فيما إذا كان خطأ أو شبه عمد.
طالب: ما يأخذها من بيت المال؟
الشيخ: ما تؤخذ من بيت المال، تؤخذ من بيت المال فيما لو مات في زحمة ولم يعرف من الذي قتله تؤخذ من بيت المال.
طالب: ()؟
الشيخ: () أن يأخذ الدية سقط القصاص، كما سبق لنا.
الطالب: ()؟
الشيخ: اللي يختار الدية له الدية، () يبدأ بالأول فالأول.
الطالب: ()؟
الشيخ: هذا ما له حق ما دام هو اللي متأخر، لكن لو كان قتلهم دفعة واحدة، اشتركوا في هذا، فالفقهاء يقولون: يقرع بينهم؛ يقرع بين أولياء المقتولين.
طالب: إذا () على أربعة يعني كلهم اختارا الدية، لكن المال ما يكفي ()؟
الشيخ: ما يخالف إذا كان ..
الطالب: ().
الشيخ: ما لهم إلا ().
الطالب: هل يجب يوزع بينهم؟
الشيخ: إي نعم، يوزع بينهم كالغرماء، مثل الغرماء في باب ().
يقول المؤلف ﵀: (وإذا قطع أصبعًا عمدًا)، أنا أقول: أصبعًا، ويقول بعض الناس: إصبعًا، صح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يعني ما يمكن يخطئ فيها الإنسان إلا في الإعراب بس.
طالب: ().
الشيخ: بالإعراب ()؛ لأنه ()، هو ما يمكن تعرفوه إلا بالإعراب، وإلا حركاته مثلثة، وينشدنا الأخ ما قيل فيه؟
طالب: وَهَمْزُ أنْمُلَةٍ ..
الشيخ: هَمْزَ.
الطالب:
وَهَمْزَ أَنْمُلَةٍ ثَلِّثْ وَثَالِثَهُ
وَالتِّسْعُ فِي أُصْبُعٍ وَاخْتِمْ بِأُصْبُوعِ
الشيخ: سمعتم؟ ما سمعتم؟ يقول:
وَهَمْزَ أَنْمُلَةٍ ثَلِّثْ وَثَالِثَهُ
وَالتِّسْعُ فِي أُصْبُعٍ وَاخْتِمْ بِأُصْبُوعِ
[ ١ / ٧٢٨٣ ]
الحين نعرف أصبوع أصبوع البطارية، لكن ما يخالف أصبوع، الآن كم صار من لغة؟
طالب: عشرة.
الشيخ: عشر لغات؛ أصبع فيه عشر لغات، قال:
وَهَمْزَ أَنْمُلَةٍ ثَلِّثْ وَثَالِثَهُ
وَالتِّسْعُ فِي أُصْبُعٍ وَاخْتِمْ بِأُصْبُوعِ
أنملة همزة ثلث وثالثه، كيف صاروا تسعًا، ()؟
طالب: ().
الشيخ: لأنك تضرب ثلاثة في ثلاثة بتسعة، والأخ ينطق لنا تثليث أوله مع كسر ثالثه.
() (أصبعًا عمدًا فعفا عنه)، (إذا قطع أصبعًا عمدًا) عندكم: فعفا عنها ولَّا فعُفِي عنها؟
طلبة: (فعفا عنها).
الشيخ: (فعفا عنها) الضمير هنا ما هو يعود على فاعل (قطع)، وإنما يعود على المقطوع؛ يعني: فعفا المقطوع عنها؛ أي: عن هذه الإصبع، (ثم سرت إلى الكف أو النفس) (سرت إلى الكف) يعني بمعنى أن الجرح تعفن وسرى إلى الكف؛ يعني: صار يدب هذا التعفن حتى تساقطت الكف، وزالت الكف كلها، أو صار الجرح يتعفن حتى مات الإنسان، وهذا معنى قوله: (أو النفس).
يقول: (فإن كان العفو على غير شيء فهدر، وإن كان على مالٍ فله تمام الدية) فيه تفصيل؛ يعني هل تضمن هذه السراية أو لا تضمن؟
نقول: إن كان العافي عفا على غير شيء؛ قال: عفوت مجانًا، ثم سرت إلى الكف أو النفس فهدر لا شيء له؛ لأن عفوه مجانًا دليلٌ على أنه لا يريد أخذ عوضٍ عن هذه الجناية، عفوه مجانًا يدل على أنه لا يريد أن يأخذ عوضًا عن هذه الجناية، وأن الرجل متبرع، وأنه يريد بذلك ثواب الله، فإن أخذ عنها شيئًا، وكان العفو على مال، سواء كان ذلك المال الدية أو غيرها؛ فإن له تمام الدية؛ بمعنى أننا نسقط ما يقابل دية الإصبع، كم دية الإصبع؟ عشر الدية؛ يعني: عشر من الإبل.
[ ١ / ٧٢٨٤ ]
مثاله: قطع رجلٌ أصبع رجلٍ عمدًا، فقال الجاني بعدما أنه قُطِع المجني عليه: أنا أريد أن أصالحك، فصالحه على الدية أو على مالٍ فوق الدية أو دونها، ثم إنها سرت إلى الكف أو النفس، يقول المؤلف: (فله تمام الدية)، يسقط من الدية -وهي مئة من الإبل- يسقط منها عشر من الإبل، ويبقى تسعون من الإبل إذا سرت إلى النفس، فإن سرت إل الكف فقط ثم برئت فإن في الكف نصف الدية، فيجب عليه على هذا ..
طالب: أربعون.
الشيخ: أربعون أو خمسة وأربعون؟
طالب: سقط عشرة.
الشيخ: سقط عشرة فبقي أربعون؛ ولهذا قال المؤلف: (فله تمام الدية) أي: دية النفس فيما إذا سرت إلى النفس، أو الكف فيما إذا سرت إلى الكف.
وقيل: ليس له شيءٌ مطلقًا؛ هدر، سواء عفا على مال، أو عفا على غير مال، وهذا هو المذهب.
وقالوا في توجيهه: إنه إذا عفا مطلقًا بدون عوض فقد رضي بأن تكون الجناية هدرًا ويريد الثواب من الله ﷿، وإن أخذ المال فقد اقتنع بما أوتي من المال، سواء كانت دية، أو أكثر، أو أقل، وأخذ عوض الجناية، فإذا سرت فليس له شيء.
وهذا المذهب هو الذي يؤيده حتى المؤلف نفسه ﵀ فيما سيأتي -إن شاء الله- من أنه لا يقتص من جرح قبل أن يبرأ، ولا تُطْلَب له دية قبل أن يبرأ، فإن طلبت له دية ثم سرى فهدرٌ.
وعلى هذا فنقول للمجني عليه: انتظر حتى تنظر ماذا تكون النتيجة؛ لأن هذه الجناية ربما تسري إلى الكف أو إلى النفس، إلى الآن ما بعد استقرت، فكونك تصالح على مال خطأ، انتظر، أما إذا كنت تريد الأجر من الله مجانًا، وتقول: أنا لا أريد شيئًا حتى لو سرت إلى كفي أو إلى نفسي، فهذا إليك.
[ ١ / ٧٢٨٥ ]
فالمذهب في هذه المسألة أصح مما ذهب إليه المؤلف؛ وهو أنه لا شيء له مطلقًا، ووجهه -كما علمتم- أنه إن عفا إلى غير شيء فهو متبرِّع، ويريد الثواب من الله، وإن عفا على مال فقد اقتنع بما صالح عليه، فلا يُعطَى أكثرَ مما أخذ، لا سيما وأنه سيأتينا أنه لا يقتص من جرح أو عضو قبل أن يبرأ، فإن فعل ثم سرت الجناية فهدرٌ، حتى المؤلف نفسه ﵀ فيما سيأتي.
طالب: () الدية وإن عفا عن غيره، لعله وارد؟
الشيخ: ما أدري، المعروف من المذهب أنه ما له شيء مطلقًا.
طيب إذن نقول: المسألة فيها قولان لأهل العلم، أما ما ذهب إليه المؤلف فوجهه كما علمتم، ما هو؟ أنه إن صالح على غير شيء فهدرٌ، وإن صالح على مالٍ فله تمام الدية إذا سرت.
والصحيح أنه لا شيء له مطلقًا؛ لأنه إن عفا على مالٍ فقد أخذ موجب هذه الجناية وانتهى، وإن عفا على غير شيءٍ فقد رضي بالتبرع وبالأجر من الله ﷿.
قال: (وإن وكَّل من يقتص ثم عفا، فاقتص وكيله ولم يعلم؛ فلا شيء عليهما) كيف وكَّل من يقتص؟ يعني: إنسان وجب له القصاص، سواء كان في النفس أو فيما دونها، ثم إنه عفا قبل أن ينفذ الوكيل، ولكن الوكيل لم يعلم فنفذ القصاص، فلا شيء عليهما؛ لا على المجني عليه، أو بعبارةٍ أصح: لا على العافي، سواء كان المجني عليه أو أولياؤه إذا كان قد مات، ولا على الوكيل، لماذا؟ لأن الوكيل معذور، أو لا؟
طالب: بلى.
الشيخ: وهو في قصاصه مستندٌ إلى مستندٍ شرعي؛ وهو توكيل من له الحق، وأما العافي فإنه محسن، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١].
مثال ذلك: رجل جُني عليه فقُطِعت يده، وبرئت اليد، فثبت له القصاص على قاطع يده، فوكل من يقتص، قبل أن ينفذ الوكيلُ القصاصَ عفا، قال: أشهدكم أني قد عفوت عن فلان، الوكيل لم يعلم فقطع يد الجاني استنادًا إلى وكالة الرجل، فنقول: لا شيء على الوكيل، ولا شيء على العافي.
[ ١ / ٧٢٨٦ ]
التعليل؛ أما الوكيل فإنه إنما قطعها مستندًا إلى مستندٍ شرعي؛ وهو التوكيل، وأما العافي فلأنه محسن، والله ﷿ يقول: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١]. هذا هو تعليل هذه المسألة.
فإن اقتص الوكيل بعد علمه بالعفو فهو معتدٍ ظالم؛ وتقطع يده إذا كان التوكيل في قطع يد، ويُقتل إذا كان القصاص في النفس؛ لأنه لما عفا صاحب الحق صار الجاني بعد ذلك معصومًا، فإذا جنى عليه الوكيل وقطع يده أو قتله فقد اعتدى على نفسٍ معصومة، فأُلزم بما يقتضيه ذلك العدوان.
وفي هذا دليل على أن تصرف الوكيل بعد العزل إذا لم يعلم تصرفه صحيح. والمشهور من المذهب أن تصرفه ليس بصحيح إلا في هذه الصورة؛ في هذه الصورة يقولون: إن التصرف صحيح، وما عدا ذلك فليس بصحيح.
فلو وكَّلت شخصًا يبيع لك سيارة، وبعد أن ذهب عزلته عن الوكالة، أو بعت السيارة أنت بنفسك على شخصٍ آخر، وبيعك لها عزلٌ له بالفعل؛ عزلٌ فعليٌّ، ثم إن الرجل باع السيارة قبل أن يعلم بالعزل، يقولون: إن تصرف الوكيل في هذه الحال غير صحيح، وإن بيعه باطل، ويجب أن تُرَدَّ إلى صاحبها؛ ترد السلعة إلى صاحبها، مع أنه لا فرق في الحقيقة؛ فإن هذا الرجل الذي وُكِّل في القصاص اقتص بعد أن عُزِل بالفعل ولَّا بالقول؟
طالب: بالقول.
الشيخ: لا، عُزِل بالفعل؛ لأن عفو المجني عليه هو عزلٌ له بالفعل، ما قال: عزلته، لكن لما عفا هذا هو معنى العزل؛ مثلما لو وكله في بيعها ثم باعها، لو ما قال: عزلته فإنه يكون منعزلًا بذلك.
ولكن الصحيح أن الوكيل إذا تصرف قبل أن يعلم بالعزل فتصرفه صحيح؛ لأنه مستندٌ إلى مستندٍ شرعي؛ وهو التوكيل، وأي فرقٍ بين هذه المسألة وبين المسائل الأخرى؟ وإذا كانت هذه المسألة مع عظم خطر النفوس والدماء؛ إذا كان عزله لا يعتبر عزلًا ويكون تصرفه صحيحًا، فإن كون تصرفه صحيحًا في البيع، والظاهر أنه () وما أشبه ذلك من باب أولى؛ لأنها أقل خطرًا.
[ ١ / ٧٢٨٧ ]
(إذا وكل من يقتص ثم عفا فلا شيء عليه، وإن وجب لرقيقٍ قودٌ أو تعزير قذف فطلبه وإسقاطه إليه، فإن مات فلسيده) (إن وجب لرقيقٍ قود) ويش معنى قود؟ يعني: قصاص؛ بأن اعتدي عليه.
أو تَعزيرُ قَذْفٍ فطَلَبُه وإسقاطُه إليه، فإن ماتَ فلسَيِّدِه.