وهو الاستيلاءُ على حقِّ غيرِه قَهْرًا بغيرِ حقٍّ من عَقارٍ ومَنقولٍ، إن غَصَبَ كَلبًا يُقْتَنَى أو خَمْرَ ذِمِّيٍّ رَدَّهُما، ولا يَرُدُّ جِلْدَ مَيْتَةٍ، وإتلافُ الثلاثةِ هَدَرٌ. وإن اسْتَوْلَى على حُرٍّ لم يَضْمَنْه، وإن اسْتَعْمَلَه كَرْهًا أو حَبَسَه فعليه أُجْرَتُه، ويجب ردُّ المغصوبِ بزِيادتِه وإن غَرِمَ أَضعافَه وإن بَنَى في الأرضِ أو غَرَسَ لَزِمَه الْقَلْعُ وأَرْشُ نَقْصِها وتَسويتِها والأُجرةُ، ولو غَصَبَ جارحًا ولو غَصَبَ جارحًا أو عَبْدًا أو فَرَسًا فحَصَّلَ بذلك صَيْدًا فلِمَالِكِه،
المؤجر صاحب الحراثة، أما أنا ما يلزمني؛ لأن المستأجر عليه أن يرفع يده فقط، والمصلحة للمؤجر هو الذي يأتي يأخذ ماله، فهذا الفرق بين المعارة والمستأجرة.
قال المؤلف: (ولا يعيرها) الضمير الفاعل (يعيرها) يعود على؟
طلبة: المستعير.
[ ١ / ٥١٥٤ ]
الشيخ: على المستعير؛ يعني: أن المستعير لا يجوز أن يعير العارية ولو لمن دونه في الضرر أو مثله، لماذا؟ لأن المستعير لا يملك النفع، وإنما يملك الانتفاع؛ لأن العارية إباحة النفع وليست تمليك النفع؛ فلهذا لا يجوز للمستعير أن يعير العين، فإن فعل فهو متعدٍّ وعليه الضمان، وكذلك لا يؤجرها، كيف ما يؤجرها؟ إي معلوم؛ لأنه لم يملك النفع، إنما أذن له في الانتفاع، وإذا لم يملك النفع فقد آجر ما ليس يملك، ولكن هذا القول مقيد بما إذا أذن المعير، فإن أذن المعير فلا بأس؛ يعني لو ذهب المستعير إلى المعير وقال: إن فلانًا طلب مني أن أعيره هذه العين، فقال: لا بأس، يجوز ولَّا لا؟ يجوز؛ لأن الحق لمالكها وقد أذن في إعارتها.
قال: (فإن تلفت عند الثاني استقرت عليه قيمتها، وعلى معيرها أجرتها) إذا أعارها المستعير وتلفت عند الثاني استقرت عليه قيمة العين على من؟ على الثاني، واستقر على المعير أجرة العين، وجه ذلك: لأن العين تشتمل على منفعة، المنفعة مضمونة على من؟ على المستعير الأول؛ لأنه هو الذي قد أذن له في إتلافها واستعمالها، فكانت أجرتها عليه.
أما العين فإن العين تلفت عند الثاني وهو المباشر للتلف، فتستقر عليه القيمة، سواء علم أم لم يعلم؛ يعني: سواء علم أن هذه العين معارة عند الشخص أو ظن أنها ملكه فإن قيمة العين تستقر عليه.
مثال ذلك: أعرتك كتابًا، ثم إنك أعرته آخر أنت أعرته بدون إذن مني فتلف الكتاب، من الذي يضمنه؟ أنت أعرته شخصًا فتلف الكتاب عند هذا الشخص قيمة الكتاب على من؟
طلبة: على الثاني.
الشيخ: تستقر على الثاني؛ لأن العين تلفت تحت يده فاستقر عليه ضمانها، المعير الأول عليه أجرة الكتاب من حين أعاره، إذا قُدِّر أن هذا الكتاب يؤجر باليوم بعشرة ريالات، وبعد أن استلمه المستعير الثاني بقي عنده عشرة أيام ثم تلف، كم يضمن المعير الأول؟ مئة ريال؛ لأنا قدَّرنا اليوم بعشرة، فيضمن مئة ريال.
[ ١ / ٥١٥٥ ]
وهل يمكن أن نضمن المستعير الثاني الأجرة ولَّا ما يمكن؟ نقول: يمكن أن نضمنه الأجرة وتستقر عليه إن كان عالمًا بالحال، إن كان يدري أن هذه العين معارة فإنه يستقر عليه الضمان، فتبين بهذا الآن أن ضمان العين يستقر على الثاني بكل حال؛ ضمان المنفعة يستقر عليه إن كان عالمًا بأن الأول ليس بمالك وإنما هو مستعير.
صاحب العين له أن يضمن من شاء؛ ولهذا قال المؤلف: (ويضمن أيهما شاء) له أن يضمن المعير قيمة العين وقيمة المنفعة، وأن يضمن المستعير الثاني قيمة العين وقيمة المنفعة.
نعيد المثال مرة ثانية: أعرت -مثلًا- ياسرًا كتابًا، وليكن كتاب المغني لابن قدامة في الفقه، ثم إن سامي طلب من ياسرٍ أن يعيره إياه فأعاره، هو كتاب ثمين، تلف عند سامي، أنا لي أن أُضَمِّن ياسرًا وأن أُضَمِّن سامي، أنا بالخيار، لكن الكلام على من يستقر عليه الضمان؟ نشوف. لي أن أُضَمِّن ياسرًا وأن أُضَمِّن سامي، أنا بالخيار الآن، أضمن ياسرًا أقول: يالا أنت لما أعرته سامي صرت ويش نقول؟ متعدِّيًا، فعليك الآن ضمان الكتاب وضمان أجرته من حين أعرته إلى سامي، كذا ولَّا لا؟
الآن ضمنته الكتاب؛ قيمة الكتاب وأجرته، هل يرجع ياسر على سامي بشيء؟
طالب: يرجع.
الشيخ: يرجع عليه بقيمة الكتاب على كل حال.
وهل يرجع عليه بقيمة المنفعة في الأجرة؟ فيه تفصيل؛ إن كان سامي قد علم أن ياسرًا مستعير فعليه أيضًا ضمان الأجرة؛ لأنه علم أنه تلقاه من شخص لا يملك هذا، وإن كان لا يعلم -ظن أن الكتاب لياسر- فإنه لا يرجع ياسر عليه بالأجرة، كذا ولَّا لا؟ الآن ضمنت ياسرًا اللي أنا أعرفه، إن ضمنت سامي قلت: يالا عليك الكتاب وأجرة الكتاب، هل يرجع على ياسر بشيء؟ نقول: أما باعتبار قيمة الكتاب فإنه لا يرجع عليه بشيء؛ لأن قرار الضمان على من؟ على الثاني اللي هو سامي. هذا بالنسبة لقيمة الكتاب.
[ ١ / ٥١٥٦ ]
وأما بالنسبة لأجرة الكتاب فإن كان سامي قد علم فإنه لا يرجع على ياسر، وإن لم يعلم رجع عليه؛ لأن ياسرًا قد غرَّه. واضح أظن؟
طالب: الأجرة الآن لماذا؟
الشيخ: الأجرة من الانتفاع، هذا الانتفاع لا بد له مقابل.
طالب: الاستعارة ()؟
الشيخ: لكن لما صار معتديًا فكل إنسان ينتفع بمال غيره بدون إذن شرعي أو إذن من المالك فعليه أجرته، كل من قبض -مر علينا هذا قبل مرات في الإجارة- كل من قبض شيئًا بغير حق فإن عليه ضمان أجرته إن كان مما يؤجر.
إذن يجب أن نعرف الفرق بين الضمان وبين قرار الضمان الذي يستقر عليه الضمان لا يرجع على أحد، والذي لا يستقر عليه الضمان إذا ضمن فإنه يرجع على من؟ على من يستقر عليه الضمان.
يقول المؤلف: (ولا يعيرها) الفاعل من؟
طلبة: المستعير.
الشيخ: المستعير، فإن فعل وأعارها وتلفت عند الثاني استقرت عليه قيمتها، وعلى معيرها أجرتها، قلنا -المسألة الأخيرة-: وعلى المعير أجرتها، تقيد بما إذا لم يكن الثاني عالمًا، فإن كان عالمًا استقر عليه ضمان العين وضمان الأجرة.
ثم قال المؤلف: (ويُضَمِّن أيهما شاء) يعني: في الصورتين يُضَمِّن من؟ يُضَمِّن المالك أيهما شاء؛ يعني: المستعير الأول أو المستعير الثاني، لكن إذا ضَمَّن واحدًا منهما هل يرجع على الثاني فيما ضمن؟ فيه تفصيل؛ إذا ضَمَّن الثاني قيمة العين فقط، أجيبوا.
طلبة: لم يرجع على الأول.
الشيخ: لم يرجع على الأول؛ لأن الضمان يستقر عليه.
إذا ضمنه المنفعة -يعني أجرة المنفعة- هذا فيه التفصيل؛ إن كان عالمًا لم يرجع على الأول، إن كان جاهلًا رجع عليه، وإن ضَمَّن الأول رجع على الثاني بقيمة العين ولا يرجع عليه بقيمة المنفعة إلا أن يكون عالمًا.
[ ١ / ٥١٥٧ ]
قال المؤلف ﵀: (وإن أركب منقطعًا للثواب لم يضمن) (إن أركب) أي إنسان، (منقطعًا للثواب لم يُضَمَّن) (منقطعًا) أيش منقطع؟ يعني عاجزًا عن السير، أنت الآن في سفر ومعك بعير، ووجدت شخصًا تعبان من السير فأركبته البعير للثواب، لا بأجرة لكن للثواب؛ تريد ثواب الله ﷿، ركب البعير ثم عثرت البعير وانكسرت، فعليه الضمان؟ ليس عليه الضمان، لماذا؟ لأن يد صاحبها عليها، ما أعطاه إياها إعارة مطلقة، بل هي تمشي معه الآن، فيد صاحبها عليها فلا ضمان عليه.
فإن ضربها هذا الذي أُرْكِبَ للثواب، ضربها؛ صار يجلدها حتى تسير سيرًا شديدًا كأنما يسابق عليها، فعثرت وانكسرت، فعليه الضمان، ليش؟
طلبة: متعدٍّ.
الشيخ: عليه الضمان؛ لأنه متعدٍّ، وهذه إحدى المسائل الأربع التي لا تضمن فيها العارية.
***
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإذا قال: آجرتك، قال: بل أعرتني، أو بالعكس) بأن قال: أعرتك قال: بل آجرتني، (عقب العقد قُبِلَ قَوْلُ مُدَّعي الإعارة، وبعد مُضِيِّ مُدَّةٍ لها أجرة قول المالك بأجرة المثل).
هذا تنازع بين المالك والقابض؛ المالك قال: آجرتك، وهذا قال: أعرتني، هذا الخلاف وقع بعد أن مضى ثلاثة أيام، المالك يقول: آجرتك، وهذا يقول: أعرتني، من الذي يُقْبَل قوله؟ يُقْبَل هنا قول المالك؛ لأن الأصل في القابض لملك غيره الضمان؛ لأن الأصل أن الإنسان لا يسلطك على ماله إلا بأيش؟ إلا بعوض، هذا الأصل، والتبرع أمر طارئ، فإذا قال: آجرتك، قال: بل أعرتني، ولا فيه شهود، إن كان فيه شهود فالأمر واضح، لكن إذا لم يكن فيه شهود فقول المالك هنا؛ لأنه مضى مدة لها أجرة.
[ ١ / ٥١٥٨ ]
ويحلف ولَّا ما يحلف؟ يحلف أنه أجرها، المستعير اللي يدعي الإعارة يحلف ولَّا ما يحلف؟ يحلف، ما عنده بينة، كلهم ما عندهم بينة يحلف، حينئذٍ نقول: ترد العين إلى صاحبها، وعليه -أي: على القابض للعين- أجرة المثل، ولَّا نلزم قابض العين؟ لا نلزمه بمدة الإجارة التي ادعاها صاحب العين؛ لأنه لم يثبت؛ لا بإقرار ولا ببينة، ولا نذهب منفعة العين هدرًا على مالكها لا نذهبها هدرًا، ولا نقبل قوله في مقدار الأجرة؛ لأنه مدعٍ ولا عنده بينة، فنرجع حينئذٍ إلى أجرة المثل. واللهِ ما أدري نتكلم إحنا باللغة العربية، أنتم فاهمون المثال؟
أولًا: أعطى رجل شخصًا عينًا، وبعد مضي ثلاثة أيام ادعى صاحب العين المالك على الثاني أنه آجره إياها عشرة أيام كل يوم بدرهم، شوف الآن ويش تضمنت الدعوة هذه؟ تضمنت أن له أجرة، وأن مقدار الإجارة عشرة أيام، الثاني الذي بيده العين قال: أبدًا ما عقدت معك إجارة، وإنما أعطيتني إياها إعارة، فتضمن الآن دعوى هذا أنه لا يلزمه عشرة أيام، ولا يلزمه أجرة، طلبنا من كل مدعٍ منهما بينة قال: ما عندي بينة، نقول: إذن نرجع إلى قول الرسول ﵊: «الْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (١)، نقول: احلف أنت -اللي بيده العين- احلف أنك ما استأجرتها منه، قال: واللهِ ما آجرني وإنما أعارني، نقول لمدعي الإجارة: احلف أنك ما أعرته، فيقول: واللهِ ما أعرته وإنما آجرته.
ما عندنا الآن شهود، نقول: إذن نأخذ العين ونردها إلى صاحبها، كيف نردها إلى صاحبها؟ نعم، صاحبها الآن ما هو براضٍ أنها تبقى عند اللي بيده إلا بأجرة، وهذا ما هو براض أن تبقى بأجرة، لا طريق لنا إلى الخلاص إلا بردها إلى مالكها.
بقي علينا الأيام الثلاثة اللي مضت والتي حسب دعوى صاحب العين أنه يستحق فيها كم من درهم؟
طلبة: ثلاثة.
[ ١ / ٥١٥٩ ]
الشيخ: ثلاثة دراهم، والذي قبض العين ويش يدعي؟ أنه ليس له شيء؛ لأنها عارية، نقول: الآن ما نقبل قولك أنت يا صاحب العين بأنك تستحق ثلاثة دراهم، ولا نقبل قولك أنت القابض أنه ليس عليك شيء؛ لأن ما فيه شيء يرجح؛ لا قول المالك ولا قول القابض، ويش نرجع إليه؟ إلى أجرة المثل؛ لأن الأصل في القابض لملك غيره الضمان، والضمان الآن لم يثبت لشيء معين، فنرجع إلى قيمة المثل، وهي أجرة المثل في باب الإجارة؛ لأن الله تعالى ذكر في المرأة التي لم يُسَمَّ لها المهر أنها تمتع، وبينت السنة أن تمتيعها أن تُعْطَى مهر المثل، كما في حديث ابن مسعود (٢).
وبناءً على ذلك نقول: لصاحب العين أجرة المثل، كم تؤجر هذه العين ثلاثة أيام؟ قال: واللهِ هذه تساوي كل يوم ثلث ريال، كم عليه؟ ريال واحد، وذاك يقول: أبغي ثلاثة، يقول: لا، ما كلها ريال؛ لأن هذا أجرة المثل.
لكن المشكل لو قالوا: إن هذا الكتاب يؤجر بستة، هل نعطيه الستة، ولَّا نقول: أنت الآن ما لك إلا ما ادعيت؟ نشوف، مشكلة؛ المذهب نعطيه الستة وإن كان لا يدعيها، والقول الثاني إنما نعطيه إلا ما ادعاه، إلا إذا قال: أنا آجرتك كل يوم بريال؛ لأنه بيأخذه عشرة أيام، ولو علمت أنه ما بآخذه إلا بثلاثة أيام كان ما آجرتها إلا بستة أو بعشرة، وهذا معقول ولَّا غير معقول؟
طلبة: معقول.
الشيخ: معقول، إذا قال هكذا نقول: إذن لك الستة. والله أعلم.
إذا قال المالك: آجرتك، وقال: بل أعرتني، أو قال المالك: أعرتك، وقال: بل آجرتني، فهذا له حالان:
[ ١ / ٥١٦٠ ]
الحال الأولى: أن يكون عقب العقد؛ أي: قبل أن تمضي مدة لها أجرة؛ يعني مثلًا عقب ما تكلموا بربع ساعة، عقب ما أعطاه العين بربع ساعة اختلفوا هذا الاختلاف، فهذا القول قول من؟ يقول: (عقب العقد قُبِلَ قَوْل مُدَّعِي الإعارة)، إذا قبلنا قول مدعي الإعارة نقول للمالك: خذ مالك، ما فيه شيء، لا مضى مدة تستحق الأجرة، وأنتم اختلفتم الآن؛ هو يقول: آجرتني، وأنت تقول: أعرتك، أو بالعكس، خذ مالك؛ لأنه إن قال المالك: آجرتك وقال من بيده العين: بل أعرتني وأنكر الإجارة، ويش نقول؟ لا يلزم من بيده العين الإجارة ما تلزمه، إذن فهي عارية، نقول للمالك: خذ، ما دام ما هو بحاصل لك أجرة خذ مالك.
فإن قال المالك: ما دام الرجل يقول: إني معيره، وهو يمكن أنا نسيت وهو أضبط مني، خليها تبقى عنده إعارة لا بأس، ولَّا لا؟ لا بأس، ما فيه إشكال.
لو قال مثلًا: أعرتك، وقال من بيده العين: بل آجرتني، فالقول قول؟
طالب: ().
الشيخ: المالك، لا يا أخي، المالك يقول: أعرتك، واللي بيده العين يقول: بل آجرتني، هو المؤلف يقول: القول قول مدعي الإعارة في الصورتين، فهنا الذي ادعى الإعارة من؟
طلبة: المالك.
الشيخ: المالك، نقول: القول قوله، نقول: هي الآن معارة، وخذها إذا كان تبغيها، ولا نلزم من بيده أن تكون إجارة؛ لأننا لو قلنا: القول قوله لزمه الأجر، ولزمه عدم الضمان، أيضًا لم يلزمه الضمان؛ لأنها مستأجرة يقول وبعد مضي مدة ().
قول المالك بأجرة المثل إذا مضى مدة يُقْبَل، يقول المؤلف: (قول المالك) يعني: أعطيته هذه السيارة وبقيت عنده يومين وجيت لمه قلت: يالا أعطيني الأجرة، أنا مأجرك إياها كل يوم بعشرة، قال: أبدًا، أنت معيرني إياها، كم مضى عندنا الآن كم فيهما؟ عشرون ريالًا، المالك يقول: إنها بإجارة، فأعطني عشرين ريالًا، وهو يقول: بإعارة، فلا شيء لك، من يُقْبَل قوله؟
طلبة: قول المالك.
[ ١ / ٥١٦١ ]
الشيخ: قول المالك، نقول الآن للذي بيده العين: سَلِّم عشرين ريالًا، لماذا نقبل قول المالك؟ قالوا: لأن الأصل في قابض مال غيره الضمان، وأن الإنسان لا يسلط أحدًا على ماله إلا بعوض، هذا هو الأصل، فما دام الأصل فيمن قبض مال غيره الضمان وأن المالك لن يسلط أحدًا على ماله إلا بعوض إذن فالقول قول المالك.
لكن لاحظ أنه يُقْبَل قول المالك هنا في شيء ولا يقبل في شيء؛ يُقْبَل بالنسبة للمدة الماضية، ولا يُقْبَل بالنسبة للمدة المستقبلة.
لو قال المالك في هذه الصورة: أنا معطيك إياها بأجرة لمدة أربعة أيام، وحصل الاختلاف بعد أن مضى يومان، نقبل قول المالك فيما مضى من المدة، ولا نقبله فيما يستقبل، لماذا؟ لأن خصمه ينكره؛ خصمه يقول: أبدًا، ما أخذتها بأجرة، أخذتها بإعارة، نقول: إذن لا نقبل قول المالك فيما بقي من المدة، ونقبله فيما مضى، ومع هذا نقبله فيما مضى لا على الوجه الذي ادعاه، ويش نقبله فيما مضى؟ بأجرة المثل لا بالأجرة التي ادعاها.
وبهذا نعرف أن الأحكام تتبعض، وهذه قاعدة فقهية: تبعض الأحكام؛ بمعنى إذا وجد ما يثبت أحدها من وجه دون الآخر حكمنا بالوجه الثابت وتركنا الوجه الذي لم يثبت، وهذه قاعدة مفيدة تنفعك في مسائل عديدة، تبعض الأحكام؛ يعني: إذا وجدت صورة تشتمل على حكمين؛ أحدهما وجد ما يقتضيه، والثاني لم يوجد، فهل تلغي ذلك الذي وجد ما يقتضيه تبعًا للثاني، أو تثبت الثاني تبعًا للأول، أو تعطي كل واحد حكمه؟
طلبة: الأخير.
الشيخ: الأخير، أنتم فاهمون المسألة الآن؟ إذا وجدت صورة تشتمل على حكمين وجد ما يثبت أحدهما دون الآخر، فهل نثبت الحكمين جميعًا، أو ننفيهما جميعًا، أو نثبت ما وجد مقتضيه وننفي ما لم يوجد مقتضيه؟
[ ١ / ٥١٦٢ ]
صورتنا هذه من تبعض الأحكام؛ هذا الرجل ادَّعى أنه آجره أربعة أيام، والثاني ينكر ويقول: إنه إعارة، وقد مضى نصف المدة، نقبل قول المالك من وجه ونرده من وجه؛ نقبله بأننا نضمن المستعير أجرة المثل؛ لوجود مقتضى الضمان وهو أن الأصل في قابض ملك غيره أيش؟
طلبة: الضمان.
الشيخ: الضمان، والأصل أيضًا أنه لا يسلط أحد أحدًا على ماله إلا بعوض فنقبل هذا، لكن لا نقبل ما ادعاه من الأجرة؛ لأن ذاك لم يقر بذلك، فنرجع إلى أجرة المثل، كذلك ما بقي من المدة نلزم المستعير بذلك الذي ادَّعى الإعارة ولَّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: لا؛ لأنه ما وجد مقتضيه؛ وهو الإقرار أو البينة.
ونظير ذلك أيضًا: رجل ادعى على شخص أنه سرق من بيته وأتى بشاهد رجل وامرأتين، هذه الصورة تضمنت حكمين؛ ضمان المال وقطع اليد سرقة، إذا ثبتت السرقة فإنه يترتب عليها حكمان؛ الحكم الأول: ضمان المال لصاحبه، والحكم الثاني: قطع اليد، هذا صاحب المال الذي ادعى أنه سُرِقَ أتى برجل وامرأتين، الحد لا يثبت برجل وامرأتين، وإنما يثبت بشهادة رجلين، والمال يثبت بشهادة رجل وامرأتين ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، يثبت في هذه الحال، نقول: يضمن السارق المال ولا تقطع يده، شوف صورة واحدة تضمنت حكمين مختلفين؛ لوجود مقتضي أحدهما دون الآخر، فتتبعض الأحكام، وهذا له أمثلة كثيرة.
المبعض -كما يقول الفقهاء في باب الميراث- يرث بحسب حريته، ويمنع من الإرث بحسب رقه.
يقول المؤلف ﵀: (وإن قال: أعرتني، أو قال: أجرتني، قال: بل غصبتني) (إن قال: أعرتني) من القائل؟ الذي بيده العين، وهنا ما نقول: المستعير، ولا نقول: المستأجر، ولا نقول: الغاصب.
طالب: لأنه ما ثبت.
الشيخ: لأنه ما ثبت لا هذا ولا هذا، شوف قال: الأحسن نقول: الذي بيده العين، قال: أعرتني، فقال المالك: بل غصبتني، بينهم فرق أو لا؟ المستعير أخذه بإذن واستعمله بحق، والغاصب أخذه بغير إذن واستعمله بغير حق.
[ ١ / ٥١٦٣ ]
(أو قال: أجرتني) من اللي قال: أجرتني؟
طلبة: الذي بيده العين.
الشيخ: الذي بيده العين قال: أجرتني.
طالب: ().
الشيخ: (وإن قال: أعرتني أو قال: أجرتني، قال: بل غصبتني) قال: أجرتني -يقول من بيده العين- فقال المالك: بل غصبتني، بينهما فرق؛ المستأجر لا يضمن لصاحب المال إلا الأجرة إن أقر بعقد الإجارة، أو أجرة المثل إن لم يقر لكن العين يضمنها ولَّا لا؟
لا يضمنها الغاصب، يضمن العين، والمنفعة المالك، يقول: بل غصبتني، علشان يضمنه العين والمنفعة.
(أو قال: أعرتك) من القائل: أعرتك؟
طلبة: المالك.
الشيخ: المالك، ما هو الذي بيده العين، المالك (قال: أعرتك، قال: بل أجرتني، والبهيمة تالفة)، فالقول قول المالك، يقول المالك: أعرتك، وذاك يقول: أجرتني، فالقول قول المالك، السبب: لأن المالك إذا قال: أجرتك سوف يضمن له أيش؟ سوف يضمن له الأجرة.
وقول المؤلف: (والبهيمة تالفة) يعني: وكذلك لو كانت باقية، حتى لو ما هي باقية فالقول قول المالك؛ لأن الأصل في قابض ملك غيره الضمان، ما فائدته إذا قال: أعرتك وقال: بل أجرتني والبهيمة تالفة، أيهما أحظ للذي بيده العين الأجرة ولَّا الإعارة؟ الأجرة، السبب لأنه لا يضمن العين إذا كانت تالفة.
لكن قد يقول قائل: إذا قلنا بأن العارية لا تضمن إلا بالتعدية والتفريط.
طالب: ().
الشيخ: لا، صار ادَّعاء الإجارة أغلظ عليه، وكذلك لو قلنا: إن الأجرة أكثر من قيمة العين، أحيانًا تكون الأجرة أكثر من قيمة العين فكذلك يكون الحظ للمالك.
[ ١ / ٥١٦٤ ]
(أو اختلفا في رد) ويش معنى (اختلفا في رد)؟ يعني: جاء المالك إلى المستعير وقال: أعطني عريتي اللي أعرتك، قال: ردها عليك، فالقول قول المالك؛ لأن الأصل عدم الرد، ولكن كل من قلنا: القول قوله في هذه المسألة فالمراد قوله بيمينه، فإن أتى المستعير ببينة على أنه ردها فالقول قول المستعير، لا لمجرد قوله، ولكن من أجل البينة، في باب الإجارة إذا اختلفا في الرد فالقول قول من؟
طالب: المستأجر.
الشيخ: المستأجر، الفرق بينهما يقولون: إن من قبض العين لمصلحته فالقول قول صاحب العين في الرد، وأما إذا قبضه لمصلحة مالكه أو لمصلحتهما فالقول قول القابض، والفرق بينهما ظاهر؛ لأن هذا لمصلحة نفسه، فكان عليه أن يأتي بالبينة أو أن يشهد بخلاف الآخر فهو لمصلحة مالكه، ويأتي -إن شاء الله- بقية بحث في هذه المسألة؛ لأن فيها ترجيح ومناقشة.
***
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أنه إذا اختلف المالك ومن بيده العين؛ فقال الذي بيده العين: أعرتني، وقال المالك: غصبتني، فالقول قول من؟
طالب: قول المالك.
الشيخ: قول المالك. لماذا؟
طالب: ().
الشيخ: لكنا ألزمنا المالك بما لم نتحقق أنه أذن فيه، أليس كذلك؟ المالك الآن يقول: أنا ما أعرتك ولا أجرتك، إذن ما أذنت لك بأن تنتفع بمالي، بل غصبتني.
إذا اختلفا في ردها () لم يكن فيما له حظ حصد، إذا كان القبض في شيء له فيه حظ فإنه لا يُقْبَل قوله في الرد، والمسألة هذه لها ثلاث حالات؛ إما أن يكون لمصلحة المالك، أو لمصلحة القابض، أو لمصلحتهما جميعًا، لمصلحة المالك فقط كالوديعة، القابض فقط كالعارية، لهما جميعًا كالإجارة، فيُقْبَل قوله في الرد إذا كان لمصلحة المالك فقط، وإذا كان لمصلحته هو فقط فلا يُقْبَل، إذا كان لمصلحتهما جميعًا ففيه وجهان لأصحابنا، والمذهب أنه لا يُقْبَل.
***
[باب الغصب]
[ ١ / ٥١٦٥ ]
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب الغصب)، الغصب مصدر: غَصَبَ يَغْصِبُ غَصْبًا؛ بمعنى: قهر، فالغصب في اللغة: القهر، لكن في الاصطلاح (هو الاستيلاء على حق غيره قهرًا بغير حق).
(الاستيلاء) يعني: أن يستولي الإنسان على حق غيره، سواء كان مالًا أو اختصاصًا. (قهرًا بغير حق).
فقوله: (الاستيلاء على حق غيره) يشمل ما كان ملكًا أو اختصاصًا، فالملك كالدراهم والسيارات والكتب وغيرها والاختصاص كالشيء الذي لا يملك، لكن صاحبه أخص به؛ مثل: كلب الصيد، فإن كلب الصيد لا يُمْلَك؛ ولهذا لا يباع ولا يُشْتَرى، ولكن صاحبه أخص به، ومثل السرجين النجس، السماد النجس كروث الحمير -مثلًا- فإن صاحبه أحق به وليس بمال، ومثل الخمر بالنسبة للذمي فإنه أخص بها، ولكن هل هي مال أو ليست بمال؟ هي بالنسبة للمسلمين ليست بمال، وبالنسبة للذميين مال.
المهم أن الغصب هو الاستيلاء على حق الغير، سواء كان مالًا أو اختصاصًا.
(قهرًا) خرج به ما إذا استولى على مال الغير باختيار الغير فهذا لا يُسَمَّى غصبًا، لكن إن كان الغير مختارًا على سبيل الإكراه؛ يعني أنه ولاه على ملكه على سبيل الإكراه فإن هذا لا يُعَد إذنًا.
وأيضًا (قهرًا) خرج به ما لو استولى على ملك غيره أو على حق غيره خلسة أو سرقة أو ما أشبه ذلك فإن هذا لا يُعَد غصبًا اصطلاحًا، لماذا؟
طالب: ليس استيلاء.
الشيخ: لا، استيلاء.
طلبة: ليس قهرًا.
الشيخ: ليس قهرًا؛ يعني ما أمسك صاحبه غصبًا عليه وآخذه منه، لكن أتى في الليل وسرق نقول: هذا ليس بغصب.
وقوله: (بغير حق) خرج بذلك الاستيلاء بحق؛ كاستيلاء الحاكم على مال المفلس ليبيعه ويوفي الغرماء، واستيلاء ولي اليتيم على ماله فإن هذا بحق.
[ ١ / ٥١٦٦ ]
إذن تعريف الغصب: الاستيلاء على حق غيره، وهذا جنس، وقوله: (قهرًا بغير حق) هذا فصلٌ، فخرج بقوله: (قهرًا) ما أُخِذَ على سبيل السرقة ونحوها، و(بغير حق) ما أخذ بحق؛ ما كان الاستيلاء فيه بحق؛ كالاستيلاء على مال اليتيم، واستيلاء الحاكم على مال المفلس ليبيعه ويوفي الغرماء، وما أشبه ذلك.
حكم الغصب؟
الغصب محرم بالإجماع بدلالة الكتاب والسنة على ذلك؛ فقد قال الله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى: ٤٢].
وفي السنة قال النبي ﵊ في أكبر مجمع من أمته: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا» (٣)، وقال ﵊: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ بِغَيْرِ حَقٍّ طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» (٤).
والنظر يقتضي ذلك أيضًا؛ يقتضي تحريمه؛ لما في تحليله من انتهاك أموال المسلمين وإشاعة الشر والفساد بين الناس؛ لأن أي واحد بيتسلط عليك بيأخذ ملكك فإنه لا يمكن أن تمكنه من هذا، وحينئذٍ يحصل القتال والعداوة والبغضاء.
قال: (من عقار ومنقول) (من عقار) هذه بيان لقوله: (على حق غيره) يعني: سواء كان هذا الحق عقارًا أو منقولًا، العقار مثل: البساتين والأراضي والدور، هذه العقار، المنقول: ما ينقل ويتحول عن مكانه؛ مثل: الدراهم والثياب والأقمشة والسيارات وغيرها، فما كان ثابتًا لا ينتقل من الأراضي والدور والمزارع وشبهها فهو عقار، وما كان ينقل ويتحرك ويتحول فهو منقول.
[ ١ / ٥١٦٧ ]
وأشار المؤلف بقوله: (منقول) إلى رد قول من يقول: إن الغصب خاص بالعقارات، فإن الصواب أنه يكون في العقار ويكون في المنقول، كيف المنقول؟ تأتي إلى شخص معه كتابه وهو يراجع الكتاب وتأخذه منه قهرًا، نقول: هذا غصب.
ثم قال المؤلف: (وإن غصب كلبًا يُقْتَنى أو خمرَ ذِمِّيٍّ ردهما، ولا يرد جلد ميتة، وإتلاف الثلاثة هدر) هذه ثلاثة أشياء، (إذا غصب كلبًا يُقْتَنى) يعني: يحل اقتناؤه، والكلب الذي يحل اقتناؤه هو كلب الصيد والحرث والماشية، وما عداها فإن اقتناءه حرام.
ولكن ما تقولون في الكلب الذي يحرس الإنسان؟
نقول: إن الذي يحرس الإنسان يجوز اقتناؤه؛ لأنه إذا كان اقتناء الكلب لحراسة الماشية جائزًا فحراسة بني آدم أولى وأحرى، كذلك إذا كان اقتناء الكلب للصيد، والصيد ليس أمرًا ضروريًّا؛ لأن بإمكان الإنسان أن يعيش بدون؟
طالب: صيد.
الشيخ: بدون صيد، فإن اقتناءه للأمور الضرورية من باب أولى.
وأما اقتناء الكلب تشبهًا بالكفار وتفاخرًا به فإن هذا بلا شك حرام، وينقص من أجر الإنسان كل يوم قيراط أو قيراطان (٥)، مع ما في ذلك من إثم التشبه وتقليد الكفار، مع في ذلك من الدناءة؛ لأن الكلب أخبث الحيوانات من حيث النجاسة، فإن نجاسته لا تطهر إلا بسبع غسلات إحداها بالتراب، ولا يوجد نجاسة أغلظ من نجاسة الكلب مع ما في ذلك من إلف الإنسان للأشياء الخبيثة، وقد قال الله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ [النور: ٢٦].
فالمهم أن ما نسمع عن بعض التالفين المترفين من اقتناء الكلاب تشبهًا بأعداء الله لا شك أنه ضلال وخطأ وسفه في العقل ونقص في الدين ودناءة في النفس، كأن هؤلاء القوم الذين سبقونا بالصنائع والقوة كأنهم ما سبقونا إلا لأنهم يقتنون الكلاب، وهذا لا شك أنه من ضعف الإنسان في الواقع، وأسمع أن بعض الكلاب هذه تساوي أموالًا كثيرة؛ يعني: يشترون إلى عشرة آلاف ريال الكلب الواحد.
[ ١ / ٥١٦٨ ]
طالب: رخيص بعشرة آلاف.
الشيخ: هذا اللي سمعت يصل إلى عشرة آلاف، والأخ يقول: إنها رخيصة بعشرة؛ يعني تبلغ أكثر من هذا؟
طالب: البوليسي.
الشيخ: لا، دعنا من البوليسي، البوليسي قد يكون فيه مصلحة ويكون اقتناؤه حلالًا، والبوليسي أيضًا ما هو بيحظى الإنسان يستصحبه معه، نسمع بعضهم يستصحبه معه في السيارة، يحطه على المرتبة، ويقعد هو ورا، ونسمع أيضًا أنهم يغسلونه بالصابون والشامبو، هذا اللي لو غسل بماء البحر كله -والبحر يمده من بعده سبعة أبحر- ما يطهر أبدًا؛ لأن نجاسته عينية، والنجاسة العينية لا يمكن أن تطهر إلا بطحنها وإتلافها.
واختلف العلماء فيما لو أحرقها حتى صارت رمادًا هل الرماد هذا نجس ولًّا طاهر؟ إحنا نقول: إذا بغيت تطهر كلبك أحرقه حتى يكون رمادًا وبعدين ننظر عاد هل يطهر بالاستحالة أو لا يطهر؟ نفتيك عاد هل هذا الرماد نجس ولًّا طاهر؟ !
على كل حال إن الكلب الذي يُقْتَنى إذا غصبه الإنسان فإنه يجب عليه رده، وهذا من المال ولَّا من الاختصاص؟
طالب: الاختصاص.
الشيخ: هذا من الاختصاص؛ لأن الكلب لا يجوز بيعه ولا شراؤه، وإنما صاحبه أحق به من غيره فهو مختص به.
كذلك إذا غصب خمر ذمي، الذمي هو: الذي أقام بدار الإسلام مؤمنًا وآمنًا على نفسه وماله وأهله ويُعْطِي الجزية، وهو عندنا معشر المسلمين حرام وليس بمال، ويجب إراقته وإتلافه، فإذا وجد إنسان عند ذمي خمرًا وغصبه فإن الواجب عليه رده.
فإذا قال قائل: كيف أرده؟ أعينه على المحرم؟
[ ١ / ٥١٦٩ ]
قلنا: هو في دينه حلال؛ يعني: في رأيه أنه حلال، وماله عندنا محترم، فالواجب الوفاء له بالعهد، وأن يرد إليه ماله، وهذا متى؟ إذا كان هذا الذمي قد تستر بها، أما إذا أعلنها وخرج إلينا معه الكأس في السوق يشرب الخمر فإننا لا نردها عليه إذا أخذناها منه، بل يجب علينا أن نأخذها ونتلفها أمامه؛ لأنه لا يجوز للذمي أن يعلن ما كان محرمًا على المسلمين في بلاد المسلمين؛ ولهذا يُمْنَع من تعليق الصليب ولو على سيارته، ويُمْنَع أيضًا من الناقوس؛ ضرب الناقوس، ويُمْنَع من إظهار الخمر، ومن كل شيء حرام عندنا في الإسلام يمنع الذمي من إظهاره، والمعاهد كذلك أيضًا، بل من باب أولى أنه يمنع من إظهار الأشياء المحرمة عند المسلمين.
طالب: يقولون: الكلب البوليسي يعرف الحرامي.
الشيخ: يعرف أيش؟
طالب: يعرف الحرامي، إذا حرامي سرقت.
الشيخ: إذا حرامي سرقت؟
الطالب: إذا سرق الحرامي، هل نأخذ بقول الكلب؟ يقولون: الكلب يعرف الحرامي؟
الشيخ: يقول: إن فلانًا هو السارق؟ !
الطالب: يجي يمسك بسنونه كده.
طالب آخر: آه صحيح.
الشيخ: صحيح؟
طالب: () السراق مجموعة متهمين.
الشيخ: إي، هذا إذن فيه مصلحة.
طالب: () هو السارق.
الشيخ: شوف إن تكلم وقال: فلان هو السارق أخذنا بقوله، هو ما يتكلم، مثلما قلت: إنه يأخذ بأسنانه، لكن اعتمادًا على الرائحة، ولَّا هو ما يعلم الغيب، هذه الرائحة ربما يمر إنسان بريء من عند المكان ويلمس -مثلًا- هذا الباب أو ما أشبه ذلك، ثم يمسك به الكلب، مشكلة هذه.
طالب: هي قرينة.
[ ١ / ٥١٧٠ ]
الشيخ: إذن هي قرينة، ما هي حكم، تعتبر قرينة لا حكمًا، لكن فيه كلاب ..، أنا سمعت أن فيه كلابًا تشم -مثلًا- إذا جيء بشنطة فيها متفجرات -مثلا- تشم الرائحة هذه؛ يعني: يعودونه يجيبون له متفجرات وأشياء تستعمل للتهريب ويخلونها تشمها، يعودونها على هذا، فإذا شمت هذا الشيء في الحقيبة مسكت الحقيبة؛ يعني كالمغناطيس، وهو مستعمل هذا، هذا أيضًا لا بأس به؛ لأن ما فيه شيء، غاية ما فيه أن نقول لصاحب الحقيبة -مثلًا-: افتح الحقيبة.
طالب: إذا كان فيه مسألة اجتهادية () شيخ يرى جائز، وواحد ثانٍ يرى () غير جائز () أخذ هذا وقال () هذا غير جائز، ما أنا معطيك إياه، مع أن الأول يراه جائزًا؟
الشيخ: ما فيه بأس، ما فيه مانع؛ يعني مثلًا أنا أرى أن هذا الشيء حرام، وهو عندي -مثلًا- أو حصل عندي، وواحد آخر يرى أنه حلال، أعطيه إياه، ما فيه مانع، إي نعم.
طالب: في مسألة () شيخ الإسلام ذكر () تحسب () طلقة ويؤمر بالمراجعة، () هذا معنى غائب في الشرع ويحسب عليه ويؤمر ()، مثل الحج إن أفسده يجب إتمامه وعليه أيضًا ..؟
الشيخ: الحج فعل مأمور -بارك الله فيك- نستفيد من إعادته، الحج هو مأمور به، هذا أفسد المأمور يجب عليه أن يأتي بالمأمور على وجه صحيح، أما هذا ففعل محظور ما ترتفع المفسدة بإعادته.
طالب: لكن يلزمه الإتمام مثل ()؟
الشيخ: لا، أبدًا، إلزامه بالإتمام هنا لأن الأصل فيمن التزم بالشيء أن يتمه، خاصة في الحج؛ لأنه يشبه الجهاد، فهنا ألزمناه بإتمامه ما هو لأنه نافذ وواقع.
***
[ ١ / ٥١٧١ ]
يقول المؤلف: (ولا يرد جلد ميتة) يعني: لو غصب الإنسان جلد ميتة فإنه لا يجب عليه رده، لماذا؟ لأن جلد الميتة نجس؛ لدخوله في عموم الميتة، وقد قال الله ﷿: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فيكون داخلًا في عموم الميتة فلا يجب رده.
وقال بعض العلماء: يجب رده إذا دبغ، وقال بعض العلماء: يجب رده مطلقًا، وهذا القول الأخير هو الصواب؛ أنه يجب رد جلد الميتة إذا كان صاحبه قد تملكه، أما إذا كان قد رمى بالميتة وجاء شخص فسلخ جلدها وأخذه، فهذا لا يجب عليه رده؛ لأن رميها يدل على أن صاحبها لا يريده، لكن إذا كان صاحبها قد سلخ الجلد وأبقى عنده جلودًا من الميتات كثيرة بحيث يكون هذا الراعي -مثلًا- أو المالك كثر عنده الموت في ماشيته، فصار كلما ماتت شاة سلخها واحتفظ بجلدها، فهنا نقول: يجب عليه أن يرده، سواء كان ذلك قبل الدبغ أو بعد الدبغ.
فإذا قال قائل: كيف يرده وهو نجس؟
قلنا: نعم؛ لأن الله تعالى إنما حرم من الميتة أكلها؛ لقوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، ما قال: على مستعمل يستعمله، قال: ﴿عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ فالمحرَّم ما هو بالجلد، استعمال الجلد المحرم الأكل.
ثانيًا: أن جلد الميتة يمكن الانتفاع به إذا دُبِغَ، كيف يدبغ؟ إذا دبغ فإنه يطهر؛ لأن النبي ﷺ مَرَّ بشاة يجرونها وهي ميتة، قال: «هَلَّا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا»، قالوا: إنها ميتة، قال: «يَطَهِّرُهُ الْمَاءُ وَالْقَرَظُ» (٦) يعني: الدباغ، وإذا طهر جلد الميتة بالدباغ صار صالحًا للاستعمال في كل شيء؛ في المائعات والجامدات، يمكن أن يجعل سقاء للماء أو للبن، ويمكن أن يجعل حذاء، ويمكن أن يجعل خفًّا.
[ ١ / ٥١٧٢ ]
فالمهم أنه بعد الدبغ يكون طاهرًا تمامًا كجلد المذكاة.
فالصواب إذن:
أولًا: لا يجوز له غصب جلود الميتة.
ثانيًا: إذا غصبه وجب عليه أن يرده؛ لما ذكرنا.
وأما قول المؤلف ﵀: إنه لا يرد جلد الميتة ويرد خمر الذمي والكلب الذي يُقْتَنى فهذا عجيب منه ﵀؛ لأن الكلب الذي يُقْتَنى لا يمكن الانتفاع به على سبيل الإطلاق، إنما يُنْتَفع به في نطاق ضيق، وخمر الذمي أيضًا لا يمكن لكل أحد أن يشربها، إنما يشربها من؟ الذمي.
جلد الميتة إذا قلنا على المذهب: إنه إذا دبغ لا ينتفع به إلا في اليابسات ففيه نفع، فكان الواجب أن يقال برده، مع أن الصحيح أنه إذا دبغ طهر، ينتفع به في كل شيء.
قال المؤلف: (وإتلاف الثلاثة هدر) لماذا؟ لأنه ليس لها قيمة شرعًا، فإذا أتلف الكلب -كلب الصيد- فهو هدر، كلب الماشية هدر، كلب الحرث هدر، كلب حراسة البيوت في المواضع التي يحتاج فيها إلى حراسة يعتبر هدرًا، ومعنى قولنا: هدر؛ أنه لا يضمنها بالقيمة، ولكن لولي الأمر أن يعذره على عدوانه إذا كان معتديًا؛ مثل أن يتعمد أن يقتل هذا الكلب، أو يتعمد أن يريق خمر الذمي، أو يتعمد أن يغصب جلد الميتة ويتلفه، فلولي الأمر أن يعاقبه على ذلك، وبالنسبة للكلب والخمر الأمر فيهما واضح؛ أنه ليس لهما قيمة شرعًا؛ ولهذا حرَّم الله ﷿ بيع الخمر وبيع الميتة والخنزير، وحرَّم النبي ﷺ بيع الكلب؛ نهى عن ثمنه (٧)، فليس له قيمة شرعًا.
[ ١ / ٥١٧٣ ]
بالنسبة لجلد الميتة؛ إن كان قد دبغ فإن بيعه يجوز، وحينئذٍ يضمن متلفه بالقيمة أو بالمثل إن وُجِدَ له مثل؛ لأنه بعد الدبغ يكون طاهرًا، وإذا كان طاهرًا صار عينًا ينتفع بها في كل شيء، فيجوز بيعها، وحينئذٍ نقول: إذا أتلفه بعد الدبغ ضمنه بمثله إن أمكن، وإلا فبقيمته، أما إذا كان قبل الدبغ فإنه محل نظر، قد نقول بأنه يضمنه؛ لأنه إذا كان مما يمكن تطهيره فهو كالثوب النجس، والثوب النجس يجوز بيعه ولَّا لا؟ يجوز بيعه، وقد نقول: إنه لا يضمنه؛ لأنه إلى الآن لم يكن مما يباح استعماله، وصاحبه قد يدبغه وقد لا يدبغه.
فالمسألة هذه تحتاج إلى نظر وإلى تأمل، فإذا نظرنا إلى أن هذا عين يمكن تطهيرها قلنا: إنه يضمنه؛ كالثوب النجس إذا أتلفه فإنه يضمنه، وإذا نظرنا إلى أنه جزء من الميتة وأنه حتى الآن لم يصل إلى درجة الطهارة والإباحة قلنا: إنه لا يضمنه، فيرجع في هذا إلى نظر القاضي الذي يحكم في القضية.
قال: (وإن استولى على حُرٍّ لم يضمنه) إن استولى على حر فإنه لا يضمنه؛ مثل وَجَدَ صبيًّا يمشي في السوق أخذه وقال: تعال، أنا أبوك، أو أنا أخوك، اقعد عندي، وأغراه، صار مرة يخرج به للملاهي، ومرة يطلع يتمشى بالسيارة، ومرة يشتري له أشياء تفرحه حتى نسي أهله، هذا الصبي استولى عليه، بقي عنده سنوات أو سنين، يقول المؤلف: إنه لا يضمنه، لو مات هذا الصبي ما يضمنه، بل لو استولى على كبير، ويمكن يستولي على كبير ولَّا ما يمكن؟
طلبة: يمكن.
الشيخ: يمكن يستولي على كبير ولو غير مجنون، يصير عنده قوة يقول: ما يمكن تطلع من هذا البيت، يمكن يستولي عليه فإنه لا يضمنه لو مات، وإن استولى على عبد يضمنه إذا مات أو انكسر أو أتاه شيء من النقص.
قالوا: والفرق بينهما أن العبد مال يُمْلَك ويُبَاع ويُشْتَرى، فالاستيلاء عليه استيلاء حقيقي وحكمي، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
[ ١ / ٥١٧٤ ]
الشيخ: أخذ عبد فلان وقال: تعال يلَّا أنت عبدي، واستولى عليه، سواء لبَّس عليه بأن قال: أنت عبدي اشتريتك من سيدك، أو لم يلبِّس. المهم أن الاستيلاء على العبد يوجب الضمان.
ووجه ذلك: أنه مال يُبَاع ويُشْتَرى ويُمْلَك فصح الاستيلاء عليه حقيقة وحكمًا، أما خالد فيقول: إن الحرَّ لا يُسْتَولى عليه؛ لأنه لا يُبَاع ولا يُشْتَرى ولا يُمْلَك، فالاستيلاء عليه استيلاء صوري، لكن سيأتينا في باب الديات -ومر علينا أيضًا- أنه لو غصب حُرًّا صغيرًا فأصابته صاعقة فإنه يضمنه، وأنه إذا مات بمرض ففي ضمانه قولان، ذكروه هناك، وهذا يقتضي أن اليد تستولي على الحر الصغير؛ لأنه لا يملك الدفاع عن نفسه بخلاف الكبير، وهذه المسألة فيها ثلاثة أقوال في مذهب الإمام أحمد:
القول الأول: أن الحر لا يستولى عليه أبدًا، وحينئذٍ لا يضمن، وهذا هو المذهب.
والثاني: أن الحر يمكن الاستيلاء عليه، وإذا استولى عليه فهو ضامن لعينه ولمنفعته.
القول الثالث: الفرق بين الصغير والكبير؛ فإذا استولى على الصغير فهو ضامن؛ لأن الصغير لا يمكنه الدفاع عن نفسه، وإن استولى على كبير فإنه لا يضمن؛ لأن الكبير يمكن أن يدافع عن نفسه ويتخلص.
نقرر ما قال المؤلف وإن كان ضعيفا، لكن لا بد أن نقرره، يقول: (وإن استعمله كرهًا أو حبسه فعليه أجرته)، هناك فرق بين الاستيلاء وبين الاستعمال (إذا استعمله كرهًا)
بأن قال: تعال، يلَّا احرث هذه الأرض، فقال له: نعم أحرثها، لكن بأجرة، كم تعطيني في اليوم؟ قال: احرثها غصبًا مجانًا، فحرثها تحت التهديد، يقول المؤلف: إن عليه أجرته؛ لأنه استوفى منه منفعة تلفت لمصلحته، فوجب عليه ضمان هذه المنفعة، وقيمة المنفعة الأجرة، فنقول: يجب عليك أجرة هذا الرجل مدة استعمالك إياه.
قال: (أو حبسه) ما استعمله، لكن يمسكه ويحبسه ليومين ثلاثة وقال: لا تشتغل، فعليه الأجرة.
[ ١ / ٥١٧٥ ]
وظاهر كلام المؤلف في مسألة الحبس أن عليه الأجرة مطلقًا، سواء كان هذا الحر عاطلًا أو عاملًا، وفي المسألة نظر إذا كان عاطلًا؛ لأنه إذا حبسه وهو عاطل ما له شغل، ليس له شغل إلا الجلوس على العتب، فهل هذا الرجل الذي حبسه فَوَّت عليه شيئًا؟ لا، ما فوت عليه شيئًا، أو ربما يحبسه وهو شيخ كبير أعمى زمن ما يعمل، هل عليه أجرته؟
طلبة: لا.
الشيخ: أجرته، حتى لو أطلقه ما هو عامل، فالصواب أن قوله في الحبس: إن عليه أجرته ينبغي أن يقيد بما إذا كان مثل هذا الرجل يعمل، أما إذا كان غير عامل فإنه لم يعطل عليه شيئًا، حتى لو أطلقته ما هو براح يعمل، بل ربما لو أطلقته لذهب يتسكع في الأسواق ويؤذي الناس، ممكن هذا؟ ممكن، يمكن هذا، ومع ذلك يقول: عليه أجرته. أما إذا استعمله كرهًا فلا شك أن عليه الأجرة؛ لأنها في مقابلة العمل.
قال: (ويلزم رد المغصوب بزيادته وإن غرم أضعافه) (يلزم رد المغصوب) يلزم من؟ الغاصب يلزمه رد المغصوب بزيادته، سواء كانت الزيادة متصلة أو منفصلة.
مثال الزيادة المتصلة: غصب عناقًا صغيرة؛ شاة، ثم كبرت وسمنت، فيجب عليه أن يردها بزيادتها، وهذه الزيادة متصلة، غصب شاة حاملًا فولدت عنده عدة أولاد، يجب عليه أن يردها بزيادتها، والزيادة هنا منفصلة، اللبن الذي كان يشربه أو يبيعه يضمنه ولَّا لا؟
طلبة: يضمنه.
الشيخ: وهو زيادة منفصلة، فيلزمه رده بزيادته المتصلة والمنفصلة.
يلزمه نقصه ولَّا لا؟ نعم، يلزمه نقصه، لو أن هذه البهيمة هزلت وقَلَّ لحمها وجب عليه أرشها، فيضمن النقص. فالغاصب إذن ضامن للمنفعة؛ وهي الزيادة يردها بزيادتها، ولا يقول: الزيادة لي أنا؛ لأنها زادت عندي، نقول: لا، أنت ظالم، «وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (٨)، ويلزمه ضمان النقص.
[ ١ / ٥١٧٦ ]
قال: (ولو غرم أضعافه) أي: أضعاف المغصوب؛ يعني: لو كان لا يمكنه رده إلا يخسر قدر قيمته عشر مرات، نقول: يلزمه رده ولو غرم أضعافه، فلو غصب رزًّا؛ ثلاثة أصواع من الرز وخلطها في ثلاثين صاع من البر، يلزمه أن يرد ثلاثة أصواع من الرز على صاحبها، قال: أنا متى أخلص ثلاثة أصواع من ثلاثين صاعًا، كيف؟ قال: لو جبت واحدًا خليته يلقط حبات الرز من ثلاثين صاعًا يبغي يقعد ثلاثة أيام، ثلاثة أيام كل يوم ()، وثلاثة أصواع الرز كم من ريال؟ تسعة ريالات، معناها بخسر الآن ثلاث مئة ريال، أنا بعطيك بدل ثلاثة أصواع بعطيك ثلاثين صاعًا، قال: لا، ما أبغي إلا الرز اللي أنت غصبته، يلزم بهذا ولَّا لا؟
طلبة: يلزم.
الشيخ: يلزم؛ ولهذا قال: (ولو غرم أضعافه).
كذلك لو غصب مني آلة؛ آلة سيارة -مثلًا- وربطها في ماكينة سيارة، وكان ربطها قد أكل عليه شيئًا كثيرًا، وفكها أيضًا يستوعب دراهم كثيرة، وقال: أنا أعطيك نظيرها من السوق جديدة أحسن منها، أقول: لا، أنا لا أريد إلا عين مالي، يلزم بذلك ولو غرم أضعافه؛ لقول الرسول ﵊: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ»، ولأن هذا عين مالي، فيجب أن يسلمه لي، فالمؤلف يقول: (يلزم رد المغصوب بزيادته وإن غرم أضعافه).
غصب مني -مثلًا- راديو وسافر به إلى أمريكا، ثم رجع وقلت: أعطني الراديو اللي غصبته مني، قال: واللهِ الراديو بأمريكا؛ نسيه ولَّا خلاه عمدًا، أقول له: لازم تجيبه لي بعينه، قال: هذا يأكل عليَّ شيء كثير، أقول: نعم، ولو أكل، حتى لو لزم أنك أنت تروح أمريكا وتجيبه، نعم إذا قال: بأعطيك أحسن منه في السوق، أقول: لا، ما دام يمكن الوصول إليه، أما لو تلف فنعم يضمنه لي بالمثل.
[ ١ / ٥١٧٧ ]
وأما إذا كان باقيًا فإنه يلزمه ولو غرم أضعافه؛ ولهذا قال المؤلف في الشرح: ولو غرم أضعافه؛ لكونه بُنِيَ عليه أو بعد ونحوه، حتى لو بُنِي عليه، غصب مني -مثلًا- حجرًا وحطه في أثاث البيت، البيت الآن قائم عليه، فجئت أطلبه هذا الحجر، قال: واللهِ الآن بنيت عليه، عليه عمود لو بأنقض العمود الآن يمكن يطيح البيت كله، ويش أقول له؟ أقول: نعم، ما علينا منك، أنا أريد أن تعطيني مالي حتى وإن خسرت أضعافه.
وهذا يدل على عظم الغصب، وأنه ليس بالأمر الهين، كما قال المؤلف، والمسألة فيها خلاف؛ فإن بعض أهل العلم إذا كان الضرر كثيرًا وليس لصاحبه غرض صحيح بعينه فإنه يُعْطَى مثله أو قيمته، خصوصًا إذا علمنا بأن قصد المالك المضارة بالغاصب.
وهذا القول له وجه؛ لأن النبي ﷺ يقول: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (٩)، ويقول: «مَنْ ضَارَّ ضَارَّ اللَّهُ بِهِ» (١٠). لكن لو كان هذا التضمين سبيلًا إلى تقليل الغصب والعدوان على الناس لكان القول بالمذهب أقوى من القول الثاني.
فإذن نقول -على القول الراجح-: الأصل أنه إذا كان يلزم على رده بعينه يلزم غرم كثير، وليس لصاحبه -أي: للمالك- غرض صحيح بعينه فإنه يضمن له بالمثل إن كان مثليًّا، وبالقيمة إن كان متقومًا، إلا إذا كان رد عين المغصوب مع الغرم الكثير يقتضي كف الناس عن الغصب والعدوان فهنا يتوجه القول بما قاله المؤلف ﵀ ().
هذه المسألة؛ لو استأجرت شخصًا حرًّا فهل لي أن أوجره أو لا؟ هنا عندي عامل ..، استأجرت عاملًا يعمل عندي بالشهر بمئة ريال، فهل لي أن أؤجره شخصًا آخر ولَّا لا؟ المذهب: لا؛ لأن اليد لا تثبت على الحر، لكن هو اللي يؤجر نفسه إذا شاء أن يؤجر.
ولو استأجرت عبدًا لمدة شهر فهل لي أن أوجره؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأن العبد تثبت عليه اليد، كما لو استأجرت بعيرًا فلي أن أؤجره من يقوم مقامي لا بأكثر مني ضررًا.
[ ١ / ٥١٧٨ ]
ويرى بعض العلماء -في مسألة الاستئجار- أنه يجوز أن يؤجر هذا العامل؛ لأن المنفعة له، فجاز أن يأخذها هو هذه المنفعة بنفسه أو بوكيله.
وعمل الناس اليوم على أي القولين، أو نسأل أصحاب مكاتب الاستقدام الثاني ولَّا الأول؟
طالب: الأول.
الشيخ: الظاهر: الثاني؛ لأنهم يؤجرون العامل؛ يعني: يكون عنده عامل يؤجره لواحد يشتغل عنده يومًا، يومين، ثلاثة، سواء رضي العامل ولَّا ما رضي؛ لأن المنفعة له فجاز أن يستوفيها بنفسه وبوكيله.
رجل ().
قال المؤلف ﵀: (وإن بنى في الأرض أو غرس) (بنى) الفاعل يعود على الغاصب؛ يعني: غصب أرضًا فبنى فيها أو غرس، البنيان معروف، والغرس بأن يغرس نخلًا أو عنبًا أو تينًا أو غير ذلك من الأشجار، انظر ماذا يترتب عليه: (لزمه القلع) هذا واحد، (وأرش نقصها، وتسويتها، والأجرة) كم هذه؟
طلبة: أربعة.
الشيخ: بل نزيد خامسًا: الإثم؛ يعني يترتب عليه خمسة أشياء: الإثم، ووجوب القلع، وجوب تسوية الأرض، والرابع أرش نقصها، والخامس الأجرة؛ أجرة الأرض مدة بقاءها تحت يده.
مثال ذلك: رجل غصب أرضًا وغرس بها نخلًا، وشب النخل وصار طول النخلة مترين، وصارت تثمر، فطالبه المالك بأرضه، ماذا يلزمه؟ يلزمه أن يقلع النخل، إذا قال: اقلع النخل، يلزمه القلع الأرض سوف تنقص؛ لأن عروق النخل تدخل فيها وتفسدها، يلزمها نقص الأرض ولَّا لا؟ ثالثًا: الأرض سوف تحفر لقلع هذه النخل، يلزمه التسوية. رابعًا: الأرض مدة بقاءها لستِّ سنين أو سبع سنين تؤجر كل سنة -مثلًا- بعشرة آلاف، يلزم الغاصب إذا كان سبع سنين يلزمه سبعون ألفًا، وإذا كانت الأجرة أكثر فأكثر، صار هذا الغاصب يترتب على غصبه الأرض إذا غرس أو بنى فيها خمسة أشياء؛ الإثم، ويش بعد؟
طلبة: القلع.
الشيخ: قلع الغراس والبناء، أرش النقص، تسوية الأرض، أجرتها مدة استيلائه عليها. الدليل قول النبي ﷺ: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (١١).
[ ١ / ٥١٧٩ ]
فإذا قال الغاصب: أنا إذا قلعت الشجر هلك ومات، فخسرت، فأنا أطلب أن يبقى؛ نخليه وتقدر قيمته ويعطيني إياها مالك الأرض، فهل يلزم مالك الأرض ذلك؟
طلبة: لا يلزمه.
الشيخ: لا يلزمه ونخلص ملكي من ملكك وأنت المعتدي الظالم، و«لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ».
إن كان الأمر بالعكس؛ أي: أن صاحب الأرض طلب من الغاصب أن يبقى الشجر وتقدر له القيمة، فهل يجبر الغاصب على ذلك أو لا؟
نقول: إن كان له غرض صحيح بقلعه فإنه لا يجبر، إذا قال: أنا بأقلع النخل هذا وبغرسه بأرضي فإنه لا يجبر، أما إذا لم يكن له غرض صحيح وعلمنا أنه سيقلع هذا الغرس ويرميه في الأرض ييبس ويتلف فإننا لا نوافقه على امتناعه، لماذا؟
أولًا: لأن هذا من باب إضاعة المال والفساد، والله ﷿ لا يحب الفساد، والنبي ﵊ نهى عن إضاعة المال (١٢).
ثانيًا: أننا نقول: إن صاحب الأرض لو غرس هذه الأرض في الوقت الذي غرست فيه شجرك لكان شجره كشجرك اليوم، فهو يقول: هذه المنفعة التي فوتها عليَّ، أنا أريد أن أنتفع بها؛ أستغلها، فله حق وله شبهة، ثم إن الغاصب يتضرر بذلك ولَّا ينتفع؟
طلبة: ينتفع.
الشيخ: ينتفع، ويش بيجيه؟ سيأتيه قيمة الشجر، وكيف نقوم الشجر؟ نقوم الشجر فنقول: كم قيمة الأرض لو كانت خالية منه؟ قالوا: قيمتها مئة ألف، كم قيمتها إذا كانت مغروسة به؟ قالوا: قيمتها مئة وعشرين ألف، كم قيمة الشجر الآن؟
طلبة: عشرون ألفًا.
الشيخ: عشرون ألفًا، هكذا التقويم، فعرفنا الآن ماذا يترتب على الغاصب إذا غرس أو بنى؟ يترتب عليه خمسة أشياء، ما هي ()؟
أوردنا على هذا سؤالان؛ السؤال الأول: لو طالب الغاصب أن تبقى الأشجار وتقدر له القيمة هل يلزم رب الأرض ذلك؟
طالب: لا يلزمه.
الشيخ: لا يلزمه.
[ ١ / ٥١٨٠ ]
لو طالب رب الأرض أن يبقي الغراس ويدفع القيمة ففيه تفصيل؛ إن كان للغاصب غرض صحيح بقلعه فإنه لا يجبر على إبقائه، كيف الغرض الصحيح؟ يقول: أنا بأقلع هذه النخل وأغرسها في أرضي، عند أرض بياض ما فيها نخل أبغي أقلعه وأغرسها في الأرض، ويمكن هذا ولَّا ما يمكن؟
طلبة: يمكن.
الشيخ: الآن فيه نخل يقلع وهو كبير ويغرس، ويسمى عندنا في العامية جسايس النخل، وإن لم يكن للغاصب غرض صحيح في امتناعه وإنما سيقلع هذا الغرس ويرميه في الشمس ويتلف فإننا لا نمكنه من ذلك، وذكرنا لهذا ثلاثة أوجه، بل أكثر.
الوجه الأول: أن هذا من الفساد، والله لا يحب الفساد.
الوجه الثاني: أنه إضاعة مال، والنبي ﵊ نهى عن إضاعة المال.
الوجه الثالث: أن في بقائه وإعطائه القيمة منفعة للغاصب، ورغبته عن المنفعة يعتبر سفهًا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥]، فإذا منعنا أن نعطي هؤلاء أموالهم فكيف لا نمنع هذا أن نعطيه مالًا زيادة على ماله؟
الوجه الرابع: أن لصاحب الأرض حقًّا؛ حيث يقول: لولا هذه الأشجار التي غرسها الغاصب لكنت أنا قد غرست وصارت شجري كشجر الغاصب، الآن فقد فوت عليَّ منفعة الأرض طيلة هذه المدة، والرجل لا ينتفع بغراسه لو قلعه، فله حق في ذلك، فصار هذا معللًا بكم؟
طالب: بأربعة.
الشيخ: بأربعة أوجه، نعم.
ثم قال المؤلف ﵀: (ولو غصب جارحًا أو عبدًا أو فرسًا فَحَصَّل بذلك صيدًا) أو: (فحصل بذلك صيدٌ) -نسختان- (فلمالكه).
(غصب جارحًا) ويش هو الجارح؟ ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِين﴾ [المائدة: ٤]، الجارح كلب الصيد أو الطير الصقر وشبهه هذا الجارح؛ أي: ما يصيد من الكلاب أو من الطيور، إذا غصبه وحصل بذلك صيدًا فالصيد لمالك الجارحة لا للغاصب.
[ ١ / ٥١٨١ ]
مثال ذلك: غصب رجل من شخص كلب صيده وخرج يصطاد به، وصاد به صيدًا كثيرًا، فالصيد لمن؟
طلبة: للمالك.
الشيخ: الصيد للمالك لا للغاصب. فإذا قال الغاصب: لولا أنا ما صاد شيئًا، قلنا له: ولولا الجارح ما صدت شيئًا، والجارح لمن؟
طالب: للمالك.
الشيخ: الجارح لمالكه، إذن فيكون هذا الذي حصل بهذا الجارح الذي لمالكه يكون لمالكه، هذا واحد.
(غصب عبدًا) والعبد جيد جدًّا في صيد الحيتان، نزل البحر وقام يصيد الحيتان الكثيرة، فلمن تكون هذه الحيتان؟
طالب: لمالك العبد.
الشيخ: لمالك العبد. فإذا قال الغاصب: لولا أنا هيأت له السفينة هذه ما اصطاد، قلنا: ولولا العبد ما صادت السفينة، وحينئذٍ يكون الصيد لمن؟
طلبة: للمالك.
الشيخ: للمالك.
(فرسًا) هذه هي الغريبة، غصب فرسًا فصار يعدو على الصيود ويصيد، فالصيد للمالك لا للغاصب، وهذه الأخيرة فيها نزاع، هذه الأخيرة في الواقع أن الغاصب ما توصل إلى الصيد إلا بالفرس، لكن الذي باشر الصيد ليس هو الفرس، الفرس وسيلة، والذي باشر الصيد من؟
طلبة: الغاصب.
الشيخ: الغاصب؛ ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى أن الصيد للغاصب وعليه أجرة الفرس، وهذا أقرب إلى القواعد؛ أن الصيد يكون للغاصب وعليه أجرة الفرس؛ لأن الذي باشر الصيد هو في الحقيقة هذا الغاصب؛ السهم سهمه، والقوس قوسه، والعمل عمله، وهذا وسيلة.
طالب: تنكيلًا به.
الشيخ: لا، التنكيل ما هو هكذا، التنكيل نلزمه بالأجرة، ثم لو أردنا أن ننكل فالتنكيل ما نجعل الصيد لصاحب الفرس، نجعل الصيد في بيت المال، وصاحب الفرس ليس له إلا أجرة فرسه.
(فلمالكه) عندي أنا بالشرح: وكذا لو غصب شبكة أو شركًا أو فخًّا وصاد به ولا أجرة لذلك، لمن؟ أقول: لا أجرة لذلك؛ لأن هذه الأشياء أجرتها ما حصل منها من صيد، فهذا استعملها في الصيد فحصل.
***
[ ١ / ٥١٨٢ ]
قال: (وإن ضرب المصوغ، ونسج الغزل، وقصَّر الثوب، أو صبغه، ونجر الخشب ونحوه، أو صار الحب زرعًا أو البيضة فرخًا، والنوى غرسًا؛ رَدَّهُ وأرشَ نقصِه، ولا شيءَ للغاصب) هذه عدة مسائل نؤجل الكلام عليها إن شاء الله.
طالب: مسألة غصب الفرس والعبد () هل أيضًا يعزر ..؟
الشيخ: إي نعم، كل إنسان يعتدي على غيره يعزر.
وإن ضَرَبَ الْمَصوغَ ونَسَجَ الْغَزْلَ وقَصَّرَ الثوبَ أو صَبَغَه ونَجَّرَ الخشبَ ونحوَه أو صارَ الحبُّ زَرْعًا، أو البيضةُ فَرْخًا، والنَّوَى غَرْسًا رَدَّه وأَرْشَ نَقْصِه، ولا شيءَ للغاصبِ، ويَلزَمُه ضَمانُ نَقْصِه وإن خُصِيَ الرقيقُ رَدَّه مع قِيمتِه، وما نَقَصَ بسعرٍ لم يضْمَنْ ولا بِمَرَضٍ عَادَ ببُرْئِه، وإن عادَ بتعليمِ صَنعةٍ ضَمِنَ النَّقْصَ، وإن تَعَلَّمَ أو سَمِنَ فزَادَتْ قِيمتُه ثُم نَسِيَ أو هَزِلَ فنَقَصَتْ ضَمِنَ الزيادةَ كما لو عادَتْ من غيرِ جِنْسِ الأَوَّلِ، ومن جِنْسِها لا يَضْمَنُ إلا أَكْثَرَهما.
(فصلٌ)
وإن خَلَطَ بما لا يَتَمَيَّزُ كزيتٍ، أو حِنطةٍ بِمِثْلِهما، أو صَبَغَ الثوبَ، أو لَتَّ سَوِيقًا بدُهْنٍ أو عكسُه - ولم تَنْقُص القيمةُ ولم تَزِدْ - فهما شَريكانِ بقَدْرِ مالَيْهِما فيه، وإن نَقَصَت القيمةُ ضَمِنَها، وإن زادَتْ قِيمةُ أحدِهما فلصاحبِه، ولا يُجْبَرُ مَن أَبَى قَلْعَ الصبْغِ، ولو قُلَعَ غرسُ المشترِي أو بِنَاؤُهُ لاستحقاقِ الأرضِ رَجَعَ على بائعِها بالغَرامةِ، وإن أَطْعَمَه لعالِمٍ بغَصْبِه فالضمانُ عليه، وعَكْسُه بعَكْسِه، وإن أَطْعَمَه لِمَالِكِه أو رَهَنَه أو أَوْدَعَه أو آجَرَه إيَّاه لم يَبْرَأْ إلا أن يَعْلَمَ،
السلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ما تقول ()؟
وقوله ﷺ: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (١). لو طلب ().
[ ١ / ٥١٨٣ ]
(ضرب الْمَصُوغَ) (المصوغ): يعني الحلي، ضربه: جعله نقدًا، يعني غصب حليًّا وضربه فجعله دنانير، أو غصب حلي فضة فضربه فجعله دراهم، فماذا يكون؟ سيأتي الجواب.
(ونسجَ الغزلَ) الغزل: الخيوط المغزولة من الصوف أو غيره نسجه، ويش جعله؟ جعله ثوبًا، نسجه وجعله ثوبًا قماشًا.
(وقصَّر الثوبَ) قصَّره يعني: غسله، وفي غسله تنظيف له.
قال: (أو صبَغه): صبغ الثوب، الثوب كان أبيض فجعله أصفر مثلًا أو أسود أو أزرق أو أخضر، صبغه.
(ونَجَرَ الخشبَة): نجرها على أن تكون بابًا أو دواليب، ما هو نجرها على سبيل الإفساد والإتلاف، نجرها فجعلها بابًا أو دواليب أو ما أشبه ذلك.
(ونحوه): كما لو عجن الدقيق أو خبَزَه، أو شوى اللحم أو ما أشبه ذلك مما يغير صفة المغصوب، فماذا يكون؟
قال: (أو صار الْحَبُّ زرعًا): غصب حبًّا ثم زرعه فصار زرعًا، تغير ولَّا لا؟ تغير صار الحب زرعًا تغيُّرًا بينًا.
(أو البيضةُ فرخًا): غصب بيضة وجعلها تحت الدجاجة وصارت فرخًا وكبرت وبدأت تبيض. سيأتي الجواب.
يقول: أو صار (النوى غرسًا): النوى غرسًا؟ ! أيش النوى؟ نوى التمر، صار غرسًا يعني: أخذ مني عدسًا خمس عدسات غصبهم مني وغرسهم بالأرض () فهذا معنى قوله: (صار النوى غرسًا).
(رده وأرش نقصه، ولا شيء للغاصب) نبدأ بالمسألة الأولى:
(ضرب المصوغ) قلنا: إنه غصب حليًّا فضربه -إن كان ذهبًا- إلى دنانير، وإذا كان فضة إلى دراهم، يجب أن يرد هذه الدنانير وهذه الدراهم إلى المالك وعليه أرش النقص، فيقال مثلًا: هذا الدينار يساوي مئة، والمصوغ الذي حوَّله إلى دينار يساوي مئتين، ماذا يصنع؟ يرد الدينار ومئة ريال.
في الفضة أيضًا الحلي الذي حوله إلى دراهم كان يساوي مئة درهم وحوَّلَه هو إلى خمسين درهمًا، ماذا يصنع؟ يرد خمسين الدرهم والنقص خمسين أيضًا فيرد مئة درهم.
[ ١ / ٥١٨٤ ]
إذا قال: أنا تعبت وخسرت أيضًا، نقول: لكنك ظالم وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى: ٤٢] أنت ظالم.
لو قال: أنا أرد له مثل مصوغه أو أطيب. فقال المالك: لا، أنا أريد عين مالي. مَن القولُ قولُه؟ القول قول المالك؛ لأن عين ماله موجود، هذه الدنانير هي عين ماله، هذه الدراهم هي عين ماله. وعليه النقص.
ثانيًا: (ونسج الغزل) الغزل: خيوط، ولنقل: إنها تزن خمسة كيلوات، فنسجها، الخيوط اللي تزن خمسة كيلوات تباع بخمسين ريالًا، لما نسجها صارت تباع بخمسين ألف ريال () النقص ولَّا لا؟ هذا ما فيه نقص.
هل يطالب رب الغزل بالزيادة؟ لا، الغزل ما له شيء الآن؛ ولهذا يقول المؤلف: (ضمان نقصه)، في الشرح: إن نقص.
في هذه الحال إذا نسج الغزل الغالب أنه يزيد ولَّا ينقص؟
الطلبة: يزيد.
الشيخ: الغالب أنه يزيد، فالزيادة تكون لرب المال.
كذلك يقول: (قصَّر الثوبَ) يعني: غسله، كم يأخذ الغسَّال فيه؟
طلبة: بريالين.
الشيخ: بريالين.
قبل أن يغسل يساوي الثوب خمسة، والآن يساوي سبعة، يرد الثوب ويرد النقص؟ ما فيه نقص، لكن لو نقص بالتغسيل، وهل يمكن أن ينقص بالتغسيل؟
طلبة: الغسالة ().
الشيخ: لا، غسله بيديه ما هو بالغسالة، ما تلف منه شيء.
طلبة: ().
الشيخ: نعم، صحيح، الآن نقول: غالبًا الصوف إذا غُسِل ينكمش ويقصر، فكان الغاسل بالأول يلبسه على السُّنَّةِ الآن صار فوق الركبة، نقص ولَّا لا؟ إي نعم نقص، نقول: يضمن النقص.
أما لو لم ينقص وزاد بالغسل فالزيادة لمالكه.
يقول: (أو صبغه): صبغ الثوب يرده ونقصه، يمكن يزيد ويمكن ينقص.
هذا ثوبي أبيض يصلح لي ألبسه، والآن خلَّاه ثوبًا أحمر، والرجل منهي عن اللباس الأحمر، ما يصلح الآن إلا للنساء، نقص ولَّا غير نقص؟ نقص.
إذن: يضمن النقص، إذا قال الغاصب: أنا خسرت الآن، خسرت أُجرة الصباغ وقيمة الصبغ.
[ ١ / ٥١٨٥ ]
نقول: ليس لِعِرْقٍ ظالمٍ حقٌّ، ولا () شيء.
يقول: (ونجر الخشبة): نجر الخشبة فصارت بابًا، يردها ويرد نقصها إن نقصت، تزيد يمكن، غالبًا تزيد.
لكن إن نقصت بأن قال المالك: إن أعدت هذا الخشب لسقف بيتي، ولا يوجد في السوق نظير لهذا الخشب، وهذا الخشب يساوي مئة باب من هذه الأبواب ربما تنقص. نقول: يجب عليك النقص.
يقول: (أو صار الْحَبُّ زرعًا): هذه هي أغرب شيء.
(ونحوه): ذكرنا نحوه، جعل الدقيق خبزًا، وشوى اللحم، وما أشبه ذلك.
(صار الْحَبُّ زرعًا): غصب حبًّا وبذَرَهُ في الأرض وصار زرعًا، الزرع لمن؟ الزرع للمالك. لكن المشكل إذا قال الغاصب: حَبُّك الآن انتقل من عين إلى عين. قلنا: ذُكِر فيما سبق العَيْن باقية، لكن الآن تحوَّل الحب إلى عين أخرى، استحال () استحالة كاملة.
نقول: المذهب يقولون: ولو كان، ولو استحال.
فالزرع لصاحب البذر، الزرع الذي غُصِبَ بذْرُه يكون لصاحبِ البذر.
البذر كان أُخذ مثلًا مئة صاع تساوي ثلاث مئة ريال، الآن الزرع يساوي ثلاثة آلاف ريال، وقال الغاصب: أنا تعبت وحرثت الأرض وسقيت ولي ستة شهور أنا أسقيه، والآن يساوي ستة آلاف ريال، وهو ما لي عندي إلا ثلاث مئة ريال. ماذا نقول؟
نقول: لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ، والزرعُ لصاحبِ البذرِ.
كذلك أيضًا: صارت (البيضة فرخًا): غصَبَ بيضة تساوي كم قرشًا؟ سبعة قروش، وجعلها تحت الدجاجة فصارت فرخًا تساوي سبعة ريالات، ماذا نقول؟ نقول: هذا الفرخ لمالك البيضة.
فإذا قال: استحالت البيضة إلى فرخٍ، كانت البيضة جَمَادًا، الآن أصبحت حيوانًا فيه روح.
نقول: لكن أصله بيضة هذا الرجل، وإذا شئت ألا تعطيه الفرخ فحَوِّلْها إلى بيضة، حَوِّل الفرخ إلى بيضة ونقبل منك، مستحيل هذا ولَّا لا؟
طالب: مستحيل.
الشيخ: طيب، يقول المالك: يإما تعطيني الفرخ اللي بيضتي هي أصله، وإلا حوِّلْه إلى بيضة وأعطني إياها.
[ ١ / ٥١٨٦ ]
طيب لو قال: أنا بعطيك عشر بيضات بدل بيضتك؟ لا يلزمنا؛ لأنه غاصب الآن؛ لأنه جانٍ في الواقع مُعْتَدٍ.
صار (النوى غرسًا): أخذ خمس أنواء وصَفَّها على مجرى الماء على الساقي، وظهرت نخلًا من أجود النخل قوة وثمرة طيبة، وكان أصله خمس نوى، فقال الغاصب: أنا بعطيك خمسة آصع من النوى بدلًا من خمس النوى.
قال مالك النوى: لا، هذا أصله ملكي فأعطني إياه. قال: أنا تعبت على هذا، زرعت وسقيت. نقول: ولكن أنت ظالم، وليس لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ.
إذن: الغاصب ضامن مهما حوَّل المغصوب ما دامت العين باقية، فإنها تُرَدُّ ولو تحولت.
قال: (وأرْشَ نقصِه) يعني: ورَدَّ أرْشَ نقصِهِ إن نقص، (ولا شيء للغاصب).
قال: (ويلزمُه ضمانُ نقصِه): هذا جديد، يعني عبارة جديدة، ما تتعلق بمسألة التحول المغصوب أو تغيره.
(يلزمه) يعني: يلزم الغاصبَ (ضمانُ نقصه) أي: المغصوب.
(يلزمه ضمانُ نقصِه): نقصُ المغصوبِ ولو كان بغير فعله، لو كان بغير فعل هذا الغاصب.
رجل غصب عبدًا شابًّا، وبقي عنده له عشر سنين، هذا الشاب ظهرت لحيته وذهبت نضارة شبابه، وأراد أن يرده على صاحبه، تنقص قيمته ولَّا لا؟ تنقص بلا شك تنقص قيمته، نقول: عليك ضمان النقص ولو كان بغير فعلك.
غصب أمةً وبقيت عنده لمدة شهرين أو ثلاثة وأتاها ما () فابْيَضَّ شعرُها، صار شعر رأسها أبيض، كانت في الأول تساوي قيمة ألف درهم الآن تساوي كم؟ خمس مئة درهم، يلزمه أن يضمن خمس مئة.
إذا قال الغاصب: هذا ليس مني وليس بفعلي، هي اللي توحشت. نقول: لكنها نقصت تحت استيلائك فوجب عليك الضمان.
طيب لو ماتت عليه الضمان ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم عليه الضمان، كل نقص يكون تحت يد الغاصب فعليه ضمانه، سواء كان بسببه أو بغير سببه.
[ ١ / ٥١٨٧ ]
يقول: (وإن خَصَى الرقيقَ ردَّه مع قيمته): هذه غريبة، غصب الغاصب عبدًا فخصاه؛ قطع خصيتيه، فكان قبل الخصي يساوي ألفًا، وبعد الخصي يساوي خمسة آلاف؛ لأن العبد إذا خُصِيَ تزيد قيمته لأنه يُؤْمَن على النساء أكثر مما إذا كان فحلًا، واضح؟
نقول: الآن لما خَصَى الرقيقَ يرده ويرد قيمته، خصيًا ولا فحلًا؟
طالب: فحلًا.
الشيخ: لا، خصيًا؛ لأن الزيادة لمن؟ للمالك، والنقص على الغاصب.
كيف يرده بالقيمة؟ قال: نعم؛ لأن الإنسان إذا أتلف من العبد ما فيه دية الحر، لزمه قيمة العبد كاملة، هذه القاعدة، إذا أتلف من العبد ما فيه دية الحر لزمته قيمة العبد كاملة، القاعدة واضحة؟
طيب إذا أتلف من العبد ما فيه أيش؟ دية الحر: رد قيمة العبد كاملة.
الخصيتان من الحر: فيهما دية كاملة، إذن فيهما قيمة العبد كاملة.
العينان: دية كاملة، فيهما قيمة العبد كاملًا، يعني: لو جنى على العبد حتى أذهب عينيه فعليه قيمته كاملة، كذا؟
اليد: فيها نصف الدية، عليه نصف قيمة العبد وهكذا. عرفتم؟
والمسألة في الجزء فيها خلاف سبق لنا في: (باب الديات).
لأن بعض العلماء يقول: إذا أتلف من العبد ما ليس فيه الدية فإنه يضمن نقص قيمة العبد ما تُقَدَّر بـ (حر)، يعني: مثلًا قطعت يده اليمنى على المذهب: فيه أيش؟ نصف الدية.
القول الثاني: فيه ما نقص من قيمة العبد، فإذا قُدِّر أن العبد هذا يساوي عشرة آلاف، وبدون اليد اليمنى يساوي أربعة آلاف، كم الدية؟ ستة آلاف، أكثر من النصف.
ولو قُطِعت اليسرى فيها على المذهب: نصف القيمة.
وعلى القول الثاني: ما نقص من قيمة العبد.
ففي هذا المثال: إذا قالوا: إن العبد يساوي عشرة آلاف، ومقطوع اليد اليسرى يساوي ستة آلاف، كم لمالكه؟ أربعة آلاف.
على كل حال المهم: إذا خصى الرقيق، فقال السيد: أعطني قيمته.
[ ١ / ٥١٨٨ ]
الآن زادت قيمته، كان يساوي ألفًا والآن يساوي خمسة، ويش يقولون؟ يقول القاعدة: أن النقص على الغاصب والزيادة للمالك، هذه القاعدة في باب الغصب.
القاعدة في باب الغصب: أن النقص أيش؟
طلبة: على الغاصب.
الشيخ: على الغاصب، والزيادة للمالك. فيقول: الزيادة الآن زاد وهو على ملكي فهي لي، والنقص عليك.
إذا قال: إن الفعل واحد، فأنا في الحقيقة زدتك خيرًا بفعلي. نقول: نعم أنت زدتني خيرًا بفعلك، لكنك أفقدتني أيش؟ أفقدتني ما فيه قيمة العبد، وهو الخصيتان.
والمسألة هذه ما تخلو من خلاف؛ لأن هذا زاد بفعل الغاصب ().
***
والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ما تقول في رجل غصب نوى، ثم بذرها في الأرض وصارت غرسًا؟
طالب: يرد هذا الغرس لمالكه.
الشيخ: يرد النوى؟
الطالب: ويرد الغرس.
الشيخ: الغرس؟
الطالب: الغرس أصله ().
الشيخ: ويش تقولون؟ لأنه عين ماله لكنه تحول إلى الغرس، فيجب عليه أن يرده.
إذا قال: أنا أخذت منك خمس أنوية قيمتهم كم؟ ().
حيث إني لما خصيته زادت قيمته. يقول المالك: هذه الزيادة لي وإن كانت من عملك فهي لي.
كما لو نجر خشبًا، الآن لما نجر خشبًا يضمن ولَّا لا يضمن؟ يضمن إذا نقص، حتى لو زاد يضمن.
على كل حال الجواب على هذا: أن يقول المالك: إن العبد عبدي والزيادة لي، ما هو عليَّ الزيادة حتى تقول: والله أنا زدتك خيرًا!
والخصيتان: يُقَدَّران من الحر بأيش؟ بدية كاملة، فعليك قيمته كاملة.
أظن أني قد أشرت لكم أمس إلى أن بعض أهل العلم يقول: إن الجناية على العبد تقوم بأيش؟ بما نقص.
وبناءً على هذا الرأي نقول: ما دام العبد زاد بالخصاء فإن الغاصب لا يضمن شيئًا. وسيأتي إن شاء الله في القصاص أن القول الراجح: أن جناية العبد كالجناية على البهيمة يُقدَّر بأيش؟ يقدر بما نقص، وأنه إذا قطع يده اليمنى يُعطى السيد قيمة أكثر مما لو قطع يده اليسرى، بخلاف الحر فإن اليمنى كاليسرى في الدية.
[ ١ / ٥١٨٩ ]
فالصحيح: أن الجناية على العبد تُقدَّر بما نقص العبد، هذا هو الصحيح.
قال المؤلف ﵀: (وما نقصَ بسعرٍ لم يضمَنْ): وذلك لقولِ النبيِّ ﷺ: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» (٢). وهذا قد أدى ما أخذ كما هو.
مثال ذلك: غصب شاة تساوي مئتين وبقيت عنده ولم يلحقها نقص في ذاتها ولا عيب، ولكن القيمة نقصت، فصارت هذه الشاة التي تساوي مئتين صارت تساوي مئة، فردها على صاحبها، فهل يضمن مئة لأنه غصبها وهي تساوي مئتين أو لا يضمن؟ يقول المؤلف: لا يضمن، لماذا؟ لأنه رد العين بذاتها لم تتغير، وقد قال النبي ﷺ: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ».
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: بل يضمن ما نقص بالسعر؛ لأن السعر صفة في العين، وهو قيمة العين.
فهذه العين مثلًا اللي تساوي مئتين إذن صفتها مرتفعة، وإذا نقصت عن المئتين نقصت صفتها، فالتقويم صفة في الْمُقَوَّم، وعلى هذا فما نقص بالسعر فإنه يضمن.
ولكن الحارثي ﵀وهو مَن يعني مِن العلماء المعتبرين- رد هذا القول، وقال: إن ظاهر الأدلة أنه ليس له إلا عين ماله؛ لقوله: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» (٢). وهذا قد أدى العين كما أخذها فلا ضمان بالسعر، إلا في مسألة واحدة:
إذا تلفت وقيمتها مئتان، ثم أراد أن يردها إلى الغاصب وقد نزل قيمتها، فعليه ضمان كم؟ ضمان مئتين اعتبارًا بحال التلف، هذا يضمن قولًا واحدًا؛ لأن العين لم تُرد الآن.
فإذا لم تُرد ننظر إلى وجوب قيمتها، متى وجبت؟ وجبت حين التلف، وهي حين التلف تساوي مئتين، وحينذٍ يجب عليه أن يرد المئتين وإن كانت الآن لو كانت موجودة لا تسوى إلا مئة، انتبهوا.
إذن: (ما نقَصَ بسعرٍ لم يضمنْ): إلا إذا تلفت وقت ارتفاع السعر فإنها تُضمَن بأيش؟ تُضمَن بسعرها وقت تلفها، وإن كان وقت الضمان قد نزل السعر.
[ ١ / ٥١٩٠ ]
ائتِ بالمثال: غصب شاة وبقيت عنده أربعة أشهر، فزاد السعر حتى صارت تساوي مئتين وتلفت في ذلك الوقت، وهي تساوي مئتين، ثم إن المالك طالبه بالشاة، فقررت المحكمة أن يضمن الشاة، أو هو تاب إلى الله ورجع وندم وجاء إلى المالك وقال: أنا بضمن لك شاتك.
قال: أين الشاة؟ قال: الشاة تلفت منذ ثلاثة أشهر، كانت قيمتها حين التلف كم؟ مئتين، الآن لو كانت موجودة لا تساوي إلا مئة، فهل يضمنها بمئة أو يضمنها بمئتين؟ يضمنها بمئتين؛ لأن الاعتبار بالقيمة وقت التلف؛ لأن قيمتها وجبت عند التلف.
هذه الصورة مستثناة من قوله: (وما نقص بسعر لم يضمن).
ولو ذهب ذاهب إلى التوسط بين القولين، فقال: إن عُلم من الغاصب إرادة حرمان المالك فإنه يضمن السعر، يضمن نقص السعر، وإن لم يُعلم ذلك منه فإنه لا يضمن.
مثال إرادة ضرر المالك: أن يغصب هذا العين وقت الموسم، ومعروف أن وقت الموسم تكون القيمة مرتفعة، غصبها وقت الموسم ولما زال الموسم ورخصت الأشياء ردها على صاحبها، هذه قرينة تدل على أي شيء؟ على أن الرجل أراد الإضرار بالمالك، فحينئذٍ نُضَمِّنه، أيش نُضَمِّنه؟ نقص السعر.
ونقول: هي تساوي وقت الغصب مئتين، والآن ما تساوي إلا مئة، فنأخذ الشاة ونقول: أعطني مئة نقْص السعرِ. أعرفتم يا جماعة؟
أما إذا لم نعلم ذلك فإنه لا يلزمه إلا رد العين، والزيادة والنقص بالسعر هذا من حظ صاحبها، مثل: أن يغصبها وهي تساوي مئة ثم يرتفع السعر وهي تحت يده -تحت يد مَن؟ الغاصب- إلى مئتين، ثم ينزل السعر مرة ثانية إلى مئة فإنه لا يلزمه هنا ضمان نقص السعر؛ لأننا نعلم أنه لم يرد لأيش؟ الإضرار، فقد غصبها وهي تساوي مئة وردها وهي تساوي مئة، ولا أحد يعرف الغيب أنها سترتفع قيمتها فيما بين الغصب والرد، أقول: لو سلك إنسان هذا المسلك لكان له وجه.
[ ١ / ٥١٩١ ]
أما أن نلزمه برد العين وبقيمة تساوي قيمتها الآن ونحن نعلم أنه ما أراد الضرر فهذا شيء لا يطمئن إليه الإنسان؛ لأنه على رأي من يرى أنه يضمن السعر إذا غصبها وهي تساوي مئة، ثم ارتفع السعر إلى مئتين ثم ردها وهي تساوي مئة أيش يلزمه؟ يلزمه مئة ثانية مع الشاة، مع الشاة يلزمه مئة ثانية، وحينئذٍ نقول: إلزامنا هذا الرجل برد ما غصبه وبرد ما يبلغ قيمته الحاضرة: هذا النفس لا تطمئن إليه كثيرًا.
أما إذا ظهر أن الرجل الغاصب قصد الإضرار فهذا نعم، نلزمه بما قصد.
قال المؤلف ﵀: (ولا بمرضٍ عاد ببُرْئِه) يعني: ولا يضمن النقص الحاصل بالمرض إذا برئ من المرض.
مثل: أن يغصب بعيرًا، بعيرة سليمة ما فيها شيء، ثم تمرض عند الغاصب فتنحط قيمتُها من خمس مئة إلى مئة، ثم تُشفى من المرض وتعود قيمتها إلى خمس مئة، فإن هذا لا يضمن النقص اللي حصل.
السبب: لأنه زال النقص ببُرئِه من المرض، أظنه واضح؟ فهذا الغاصب حصل عنده النقص، ثم زال النقص وهي عنده، فنقول: لا شيء عليك.
كما لو غصب عبدًا وعنده صنعة ثم نسي الصنعة، ثم عاد فذكر الصنعة فإنه لا يضمنه.
(وإن عاد بتعليم صنعة ضمِنَ النقصَ): إن عاد نقْصُه بتعليم صنعة فإنه يضمن النقص.
المعنى: لو مرض هذا العبد الذي غصبه، وهو سليم قيمته عشرة آلاف ريال، ثم مرض فصار يساوي خمسة آلاف ريال، لو رده الآن كم يضمن؟ خمسة آلاف نقْص المرضِ، لكن العبد تعلم عند الغاصب صنعة فصار يساوي عشرة آلاف ريال، فقد نقص بالمرض وزاد بالصنعة، فهل يضمن نقْصَ المرض الغاصبُ؟
يضمنه، لماذا؟ لأن جبْرَ النقص لم يكن بزوال الذي نقص، بل كان بوجود صفة جديدة وهي تعلم الصنعة، فجبْرُ النقصِ إذن لم يحصل بزوال الناقص، ولكن حصل بصفة أخرى جديدة، الصفة الأخرى الجديدة التي زاد بها الثمن تكون لمن: للغاصب ولَّا للمالك؟
طالب: للمالك.
[ ١ / ٥١٩٢ ]
الشيخ: تكون للمالك، إذن فيقول المالك: زيادته بتعليم الصنعة لي، ونقْصُه بالمرض عليك. ولهذا قال: (وإن عاد بتعليمِ صنعةٍ ضمِنَ النقصَ) كلام المؤلف معقد جدًّا، يعني: ما تفهمون هذا المعنى من كلماته.
طالب: ().
الشيخ: () لكن هذا المقصود يعني: إذا عاد النقص بتعليم صنعة فإنه يضمن النقص؛ لأن تعليم صنعة صفة جديدة، طيب لو عاد بغير تعليم صنعة، لو عاد بسِمَنٍ مع وجود أصل المرض فيه، يضمن النقص ولَّا لا؟
طلبة: يضمن.
الشيخ: يضمن النقص؛ لأن الزيادة ليست بزوال الناقص، بل بحدوث صفة جديدة.
طالب: ().
الشيخ: ما هو؟
الطالب: أن الصنعة نفسها لما تعلمها نقصت قيمته.
الشيخ: لا.
طالب: ().
الشيخ: لا، إن عاد النقص بتعليم الصنعة ضمن النقص.
(وإنْ تعلَّم أو سَمِنَ) التعلم: صفة معنوية، والسِّمَن: صفة حسية.
(وإن تعلم أو سمن فزادت قيمته، ثم نسي): في مسألة العلم.
(أو هُزِلَ): في مسألة السمن.
(فنقصَتْ ضمِنَ الزيادةَ): الزيادة حصلت عند الغاصب، والنقص حصل عند الغاصب.
غصب عبدًا أميًّا ما يعرف، فعلمه الكتابة والحساب وشيئًا من الفقه والتوحيد والتفسير والعربية، وصار يأخذ جيدًا جدًّا ولكن نسي وعاد إلى أميته، يضمن النقص ولَّا لا؟
طلبة: يضمن.
الشيخ: يضمن؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: كيف يضمن؟ ! إذا قال الغاصب: أنا أخذنه منك أميًّا، ورددته إليك أميًّا. يقول: ولكن تعلم عندك صنعة، والتعلم لي، ما زاد على ملكي، فلما نسي وجب عليك الضمان. إذا قال: نسي وأنا اللي مُعَلِّمه. نقول: نعم؛ لأن عملَك في المغصوب يكون ملكًا للمالك، أنت وإن كنت أنت اللي علمته لكن الزيادة للمالك، فتضمنه.
كذلك (سمن): كان العبد عند سيده هزيلًا، يعني ما يعطيه طعامًا جيدًا، فلما غصبه الغاصب قام عليه، قام يعطيه من المغذيات حتى سمن وصار اللي يراه يقول: ما هو بذلك. فأراد الله ﷿ فنقص، هُزِل إما لنقص الغذاء وإما لمرض، المهم: أنه هزيل، فهل يضمن للمالك؟
[ ١ / ٥١٩٣ ]
طلبة: يضمن.
الشيخ: نعم يضمن؛ لأن الزيادة على ملك المالك وهي له.
قال: (ضمِنَ الزيادةَ كما لو عادتْ من غير جنسِ الأولِ) يعني: كما لو عادتِ الزيادةُ من غير جنس الأول فيضمنها.
غصب عبدًا فسمن، غصب عبدًا هزيلًا فسمن؛ زادت القيمة، ثم هُزِل؛ نقص، لكن علَّمَه صنعةً فزاد بهذه الصنعة مقدارَ ما نقص بالهزالِ، يضمن ولَّا لا؟ يضمن مثل الأولى اللي ذكرنا أنه إذا عاد بتعليم صنعة ضمِنَ النقصَ، فحينئذٍ نقول: عليك ضمان السمن الذي زال بهزاله. فإذا قال: أنا علمته صنعةً جبَرَتِ النقصَ. نقول: لكن الصنعة من غير الجنس.
ثم قال: (ومن جنسِها لا يضمن إلا أكثرَهما) يعني: لو نقص ثم زاد من جنس ما نقص به فإنه لا يضمن إلا الأكثر.
مثال ذلك: غصب عبدًا وهو صناع، ثم لما غصبه وهو صناع نسي الصنعة، لكن تعلم النجارة فصار نجارًا، الجنس واحد ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ويش هو الجنس؟ صناعة، لكن هذا حديد وهذا خشب، هل يضمن نسيانه لصنعة الحديد؟ ينظر نشوف: يضمن الأكثر، إن كان الأكثر صناعة الحديد ضمن الفرق بينهما، نقول: لو كان هذا نجارًا يساوي عشرة آلاف، لو كان صناعًا يساوي اثني عشر: يضمن ألفين.
أما لو كان صناعًا يساوي عشرة، ونجارًا يساوي اثني عشر فإنه لا يضمن شيئًا؛ لأنه عاد بصنعة أكثر قيمةً من الصنعة الأولى؛ ولهذا قال: (ومن جنسها لا يضمن إلا أكثرهما).
***
طالب: وإن خُلِط بما لا يتميز كزيت أو حنطة بمثلهما، أو صبَغَ الثوبَ، أو لتَّ سويقًا بدهنٍ، أو عكسه ولم تنقص القيمة ولم تزد: فهما شريكان بقدر ماليهما فيه، وإن نقصت القيمة ضمنها.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، سبق لنا أن الأصل في الغاصب أيش؟ الضمان، أي إنه ضامن كل ما يترتب على غصبه؛ وذلك لأنه ظالم، وقد قال النبي ﷺ: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (١) فالأصل في الغاصب الضمان.
[ ١ / ٥١٩٤ ]
فإذا غصب شيئًا وخلطه بما يتميز وجب عليه تخليص المغصوب من المخلوط به، أنتم معي؟ إذا غصب شيئًا وخلطه بما يتميز وجب عليه تخليص المغصوب من أيش؟ من المخلوط به.
مثال ذلك: غصب حنطة فخلطها بشعير، غصب عشرة أصواع من الحنطة فخلطها بعشرة أصواع من الشعير، خلطها مزجها، فجاء صاحب الحنطة وقال: أعطني حنطتي. قال: والله يا أخي أنا خلطتها بالشعير؛ لأني كنت أبغي أجعلها للبيت. قال: أخلطت عشرة أصواع برًّا بعشرة أصواع شعيرًا لأجل البركة. ما هي البركة المعنوية اللي يفعلونها الصوفية، البركة يعني الكثرة، يكون هذا مخلوط شعير ببر يكون فيه بركة.
فقال صاحب البر: استخرج لي البر من الشعير. قال: عشرة أصواع أبغي أستخلصها لمدة شهر، أبلقط كل حبة من البُر أخليها وحدها؟ ! ماذا نقول له؟ نقول: نعم، ولْتَبْقَ شهرًا أو شهرين أو سنة أو سنتين؛ لأنك ظالم فلا بد أن تخلصه.
طيب غصب جزرًا –الجزر المعروف- وخلطه بطماطم وبصل يريد أن يجعله سلطة، سلطة بأشياء متعددة، فجاء صاحب الجزر قال: أعطني الجزر. قال: والله أنا قطعته وخلطته، شوف السلطة وخذها كلها لك. قال: لا، أنا لا أريد إلا أيش؟ الجزر، يلَّا لَقِّطْه لي. يُلزم بهذا؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: يلزم بهذا، ثم نقول أيضًا: () أنت أخذت مني الجزر كاملًا، والآن هو مقطع، لو أبيع هذا المقطع ما يساوي إلا نصف القيمة ولَّا لا؟ لأني لو أبيع الجزر المقطع يقول الناس: إن هذه فضلة طعام جابه يبيعه علينا، لكن إذا كان على تمامه اشتراه بثمنه الذي يساويه، أو بقيمته التي تساويه، فقال: اضمن لي النقص. يضمن ولَّا لا؟ نعم يضمن؛ لأن الغاصب الأصل أنه ضامن بكل حال. واضح؟
إذا خلط بما يتميز فهذا الحكم.
إذا (خلط بما لا يتميزُ كزيتٍ أو حنطةٍ بمثلِهما) فهنا يلزمه مثلُه، يلزمُه مثلُ المختلط، المؤلف سلك مسلكًا خلاف المذهب، المذهب: يلزمه مثلُه.
[ ١ / ٥١٩٥ ]
فمثلًا: إذا كان خلط عشرة أصواع بعشرة أصواع؛ عشرة أصواع برًّا بعشرة أصواع برًّا، خلط المغصوب بمثله ولَّا بغير مثله؟ بمثله، نقول: الآن التخليص غير ممكن، فهل يكون الغاصب والمغصوب منه شريكين في هذا المختلط؟
كلام المؤلف يقول: إنهما شريكان، فيكون هذا المختلط للغاصب نصفه، وللمغصوب منه نصفه.
إن باعاه فلهما أنصاف القيمة؟ إن تقاسماه فلكل واحد النصف؛ لأن المؤلف يقول: (فهما شريكان).
والمذهب: يلزمه مثل المغصوب من غير المشترك، فيقال: اشتر مثل الذي غصبْتَ وأعطني إياه.
طالب: إذا أُمر الغاصب ().
الشيخ: خلط برًّا ببر، فهمت؟
الطالب: نعم.
الشيخ: فهل يكون لشريكين في هذا أم يلزمُه مثلُه؟
الطالب: ().
الشيخ: طيب. والقول الثاني: أنه يلزمُه مثلُه. نقول: ما الفرق؟ الفرق أنه إذا قلنا: إنهما شريكان، لزم أن يدخل في ملك المالك ما كان ملكًا لمن؟ للغاصب، هذه واحدة.
ثانيًا: إذا كانا شريكين فإن الشركة قد تكون أحيانًا نكدة يتنازعان، نبغي نبيع، يقول: ما إحنا بايعين. فيقول: نبغي نقسم. يقول: ما إحنا بقاسمين.
لكن إذا قلنا: هات بدله، على طول الغاصب نقول له: يلَّا روح اشترِ من السوق بدل الذي غصبت منه.
ثالثًا: أنه يندر أن تنطبق أوصاف المخلوطات، يعني يندر أن يكون البر الذي غصبه الغاصب مثل البر الذي خلطه به، أليس كذلك؟ وحينئذٍ يدخل على المالك من ملك الغاصب ما هو دون ملكه، أليس كذلك؟ لكن إذا قلنا: يلزمك مثله، فسوف يشتري لي مثله نوعًا ووصفًا، فأسلمُ من هذا الاختلاف.
لهذا نقول: إن ما ذهب إليه الأصحاب أقرب إلى الصواب مما ذهب إليه المؤلف، ومع هذا فنحن سنتكلم على ما مشى عليه المؤلف؛ لأنه لم يشر إلى القول الثاني.
طالب: ().
الشيخ: نعم هما شريكان، لكن الخسارة والفائدة حتى في هذا الذي أخذ المثل ربما يربح ويخسر بعد.
[ ١ / ٥١٩٦ ]
يقول: (وبما لا يتميز كزيت أو حنطة بمثلهما). الثاني قال: (أو صبغ الثوب): صبغ الثوب بأيش؟ أيهما مغصوب: الصبغ ولَّا الثوب؟
طلبة: الثوب.
الشيخ: أو الصبغ، يعني قد يغصب الصبغ فيصبغ به الثوب، وقد يغصب الثوب فيصبغه بالصبغ.
على كل حال غصب ثوبًا فصبغه، وهذا هو الأقرب لكلام المؤلف؛ ولهذا قال: (أو صبغ الثوب) أي: المغصوب.
فهذا رجل غصب ثوبًا وصبغه، يمكن أن يخلص الثوب من الصبغ ولَّا لا؟ لا يمكن.
فإذا قال قائل: يمكن يضع عليه الطامس، نقول: إذا وضع عليه الطامس أفسده أفسد من الصبغ، كذا؟
إذن نقول: الغاصب وصاحب الثوب شريكان؛ لأن الصبغ هنا لا يمكن أن يتميز عن المصبوغ.
لكن لو قُدر أنه يمكن أن يغسل هذا الثوب غسلًا يزيل هذا الصبغ، وطالب صاحب الثوب -وهو المالك- أن يغسل ويضمن النقص، قال: أنا ثوبي أريده؛ لأنه من نوع جيد ولا يوجد نظيره في الأسواق، وهنا غسال يغسل بالبخار وينظف الثوب تمامًا من هذا الصبغ، فأنا أريد أن يزيل الصبغ وأُضَمِّنه نقص الثوب.
فالجواب: أن ذلك له، لمن؟ للمالك.
كما لو غصب الأرض وبنى فيها أو غرس فإنه يُلزم بقلع البناء والغراس ويضمن النقص، هذا أيضًا مثله، وقال: إذا أمكن أن يُزال الصبغ ويضمن النقص فإنه يجب.
طالب: يصبغه مرة ثانية.
الشيخ: مَن؟
الطالب: يصبغها مرة أخرى بنفس اللون.
الشيخ: على كل حال إزالته سواء بإزالة اللون الجديد أو بصبغه بلون آخر.
الطالب: الأفضل؟
الشيخ: يُنظر هذا، قد يضره إذا تكررت الأصباغ عليه، ربما يكون هذه المواد الكيماوية في هذه الأصباغ تؤثر على أصل الثوب.
(أو لَتَّ سويقًا بدهن): سويقًا مغصوبًا ولَّا الدهن المغصوب؟
طلبة: السويق.
الشيخ: السويق، كلام المؤلف: (لتَّ سويقًا) (لت) الغاصبُ (سويقًا) غصبَه (بدهنٍ).
لتَّه به: يعني أنه وضع عليه الدهن.
السويق: هو الشعير المحمص، وربما يحمص البُر أيضًا، تحميص تعرفونه الحمص يحمص على النار، ثم يُطحن ويكون سويقًا.
[ ١ / ٥١٩٧ ]
فهذا الرجل لَتَّ سويقًا بدهن، يعني: غصب سويقًا وصب عليه الدهن، هل يمكن تخليص السويق من الدهن ولَّا ما يمكن؟
طالب: لا يمكن.
الشيخ: طبعًا لا يمكن، إذن ماذا يعمل؟ نقول: يبقى الدهن، ويكونان شريكين كما قال المؤلف.
(أو عكسه) عكسه يعني: بأن غصب صبغًا فصبغ به الثوب، أو دهنًا فَلَتَّ به السويق.
قال: (ولم تنقص القيمةُ) يعني: قيمة المغصوب (ولم تزد: فهما شريكان بقدر ماليهما فيه) يعني: لما لَتَّ السويق بالدهن لم تزد القيمة ولم تنقص، كيف لم تزد ولم تنقص؟ هو لا بد أن تتغير لأن الشعير المحمص الذي لم يُلَتَّ أنقص قيمةً من الملتوت، وقد يكون العكس.
لكن مراد المؤلف قيمتهما مجموعة، يعني بحيث يقال: الشعير يساوي عشرة، والدهن يساوي خمسة، والقيمة الآن ملتوتًا: خمسة عشر، إذن لم تنقص القيمة ولم تزد، صح ولًَّا لا؟ ما نقصت ولم تزد، فهنا نقول: هما شريكان بقدر ماليهما، يكون لصاحب الشعير عشرة، ولصاحب الدهن خمسة.
يقول: (وإن نقصت القيمة ضمنها) قيمة أيش؟ قيمة المغصوب فإنه يضمنها، الشعير يساوي عشرة غير ملتوت، وإذا لَتَّ يساوي ثمانية، الدهن يساوي خمسة، وإذا لت به الشعير يساوي خمسة، كم المجموع الآن؟
ثلاثة عشر: ثمانية للشعير، وخمسة للدهن، الدهن ما زادت قيمته ولا نقصت، الشعير نقصت ولَّا لا؟ كم يساوي لو انفرد عن الدهن؟ عشرة، إذن نقص، يضمن الغاصب النقص، فنقول: الآن سلِّم المغصوب منه كم؟ ريالين زيادة على الثمانية التي أخذها لما بيع هذا الشعير الملتوت.
إذا زادت بحيث تكون قيمة الشعير اثني عشر درهمًا بعد لتِّه وعشرة قبل أن يُلَتَّ، وقيمة الدهن خمسة ملتوتًا به السويق وغير ملتوت، وبيع الجميع بسبعة عشر، فالزيادة لمن؟ الزيادة لصاحب السويق، لصاحب الشعير؛ لأنه هو الذي زادت قيمة ماله.
[ ١ / ٥١٩٨ ]
بالعكس: لو كان الشعير يساوي عشرة ملتوتًا وعشرة مفرودًا، وبيع ملتوتًا بسبعة عشر، والدهن يساوي خمسة مفرودًا، فالزيادة لمن؟ الزيادة لصاحب الدهن؛ لأنه هو الذي زادت قيمة ماله بهذا الخلط.
لكن إذا قال المغصوب منه، إذا قال المالك: دهنك لم يزد إلا حيث كان في شعيري، فأنا وأنت شريكان في هذه الزيادة؛ لأن الزيادة الآن مركبة من كون الدهن في الشعير يعني: ١ + ١ = ٢.
إذن: فهذه الزيادة بيني وبينك، أنت لو بعت دهنك لكان يساوي خمسة، الآن صار سبعة، فإذن الزيادة بيني وبينك. أقول: لو قال المالك هذا القول لوجبت إجابته خلافًا لكلام المؤلف، ولو لم يقل بهذا لكان كلُّ إنسان الدهنُ عنده كاسدٌ يذهب ويأخذ شعيرًا ويلته به يزيد قيمته ويقول: هذه زيادة ملك لي، ما لك منها شيء!
فالصحيح في هذه المسألة: أنه لو طلب المالك أن تكون الزيادة بينه وبين الغاصب لوجبت إجابته؛ لأن الزيادة في الواقع حصلت بضم الدهن إلى الشعير، ولو انفرد الدهن ما ساوى هذه الزيادة، واضح؟
طالب: ().
الشيخ: لا، قوَّمُوه قالوا: هذا الشعير وحده يساوي عشرة، وهذا الدهن وحده يساوي خمسة، هذا الشعير يساوي عشرة سواء كان ملتوتًا أو مفرودًا، يعني: لم تزد قيمته باللَّتِّ، الدهن هو الذي زادت قيمته باللَّتِّ؛ لأنه صار هذا يساوي سبعة عشر، واضح ولَّا غير واضح؟
يقول المؤلف ﵀: (وإن نقصتِ القيمةُ ضمِنَها، وإن زادتْ قيمةُ أحدِهما فلصاحبِه).
(وإن زادت قيمة أحدهما) يعني: الشعير أو الدهن (فلصاحبه)، لكن إذا قال قائل: كيف نعرف الزيادة؟
أقول: إن معرفتها بسيطة، قَدِّرْ قيمة الشيء ملتوتًا ومفرودًا، فإذا لم تتغير فهو لم يزد ولم ينقص، وإن تغيرت فعلى حسب الحال، المهم: أن النقص يكون على مَن؟ على الغاصب. وزيادة المغصوب لمن؟ للمالك. وزيادة ما أضافه الغاصب؟ للغاصب على رأي المؤلف.
[ ١ / ٥١٩٩ ]
ولكن إحنا قلنا: إنه لو طلب المالك أن تكون الزيادة بينهما فله ذلك؛ لأن الواقع أن هذه الزيادة إنما كانت فيما لو ضُمَّ ملكُ الغاصبِ إلى ملك المالك.
قال: (ولا يُجْبَر مَن أَبَى قَلْعَ الصبغِ) يعني: لو قال المالك -الذي غُصِب منه ثوبُه ثم صُبِغ- قال للغاصب: أَزِلِ الصبغَ. فهل يُجبَر؟ يقول المؤلف: (ولا يُجبَر)؛ لأن قلع الصبغ مشكل، ما يمكن قلع الصبغ غير ممكن؛ فلهذا يقول: إنه لا يُجبَر.
ولكن إذا عُلم أنه قد تجدت الوسائل لإمكان إزالة الصبغ، فهل يُلزم ولَّا ما يُلزم؟ يُلزَم إذا وُجِدَتْ، يعني في زمان المؤلف ما يوجد هذا الشيء، لكن ربما في زماننا يوجد هذا الشيء، فإذا وُجِدَتْ وسائل يمكن أن يُزال بها الصبغ، وطلب أحدهما أن يُزال الصبغ فإنه يجبر الغاصب على إزالته.
(ولو قُلِعَ غَرْسُ المشتري أو بناؤُه لاستحقاق الأرض: رجعَ على بائعها بالغرامةِ)
(ولو قُلِعَ غرْسُ المشتري): رجل اشترى أرضًا من شخص فقلع غرْسه وغرَسَ فيه، ثم قام رجل فادَّعى أن الأرض له وثبت ذلك شرعًا؛ أن الأرض لهذا المدعي وليست للبائع.
يقول: (ولو قُلِعَ غَرْسُ المشتري أو بناؤُه لاستحقاق الأرض): نأخذ المثل بالغرس.
اشترى رجل أرضًا وغرس فيها، ثم قام رجل آخر يدَّعِي أن الأرض له وثبت ذلك عند القاضي، صارت الآن الأرض مستحقة لمن؟ لغير البائع؛ ولهذا قال المؤلف: (لاستحقاق الأرض) أي: لبيان أو لخروج الأرض مستحقها لغير البائع.
هذا الذي ثبتت الأرض له طلب من المشتري أن يقلع غرسه، قال: اقلعْ غرسك عن أرضي؛ لأني أنا أريد أن أنتفع بالأرض بغير الغراس، هل لمن ثبتت له الأرض أن يطالب المشتريَ بقلعِ الغرس؟
الجواب: نعم، له أن يطالبه؛ لأن الأرض أرضُه، والغراس ربما يؤثر على هذه الأرض، فله أن يطالب بقلعه.
[ ١ / ٥٢٠٠ ]
(أو بناؤه): يعني بأن اشترى أرضًا من شخص وبنى فيها، وقام رجل فادَّعى أن الأرض له وثبت أن الأرض له، وطلب من المشتري أن يهدم البناء: فله ذلك، إذا هدم البناء وقلع الغرس -يقول المؤلف-: (رجع على بائعها بالغرامة): على بائع الأرض.
يرجع الذي قلع غرسَه أو الذي هدم بناءه على البائع بالغرامة، ويش معنى (بالغرامة)؟ أي: بغُرمِ ما تلف عليه، فهو يقول الآن: أنا تعبت على غرس الشجر، تعبت في شراء الشجر، وتعبت في غرسِه، فأرجع عليك بقيمة الشجر الذي تلف عليَّ، وبأجرة الغارس. فهل يوافق على قوله؟ نعم، يوافق على قوله، ويرجع على البائع بالغرامة.
كذلك البناء: هذا الرجل بنى فِيلَّا على هذه الأرض وأخذت من ماله مئة ألف مثلًا، يرجع على البائع بالغرامة؟ نعم يرجع؛ لأنه هو الذي غرَّه، لكن يُستثنَى من ذلك ما إذا كان المشتري عالِمًا بالحال، يعني: عالمًا بأن الأرض ليست للبائع، فحينئذٍ لا يرجع على البائع بشيء؛ لأنه ().
فإذا قال قائل: كيف يعلم؟ نقول: يعلم، علم أن هذه الأرض ليست للبائع ويدري أنه غصبها، لكن قال: لعل المسألة تفوت ولا يعلم بها، واشتراها وبنى عليها، فنقول: أنت الآن عالِمٌ، فلا حقَّ لك.
ثم قال المؤلف أيضًا: (وإن أطعمه لعالم بغصبه فالضمان عليه، وعكسه بعكسه) (إن أطعمه) الفاعل مَن؟ الغاصبُ، يعني: أطعم المغصوبَ (لعالم بغصبه).
(فالضمان عليه) أي على الطاعم -لا على الْمُطْعِم- وهو الآكِل.
(وعكسه بعكسه): إذا أطعمه لغير عالم بغصبه فالضمان على الغاصب لا على الآكل، والأمر أظنه واضح. التعليل واضح؟
أما الأولى -وهو كون الضمان على الآكل-: فلأنه أكل مال غيره وهو يعلم أنه مالٌ لغيره بغير حق.
وأما الثانية: فلأنه أكل هذا المال استنادًا إلى أن الذي يتصرف في المال هو المالك أصلًا، هذا هو الأصل؛ أنه لا يتصرف في المال إلا مالِكُه.
[ ١ / ٥٢٠١ ]
مثال الأول: رجل استضاف شخصًا ونزل عنده ضيفًا، فخرج صاحب البيت وسرق طعامًا وقدَّمه إلى الضيف، فأكله وهو يعلم أنه مسروق، فالضمان على مَن؟ على الآكل. والقطع؟ القطع على السارق: ضمان المال على الآكل، والقطع على السارق.
مثال الثاني: رجل استضاف شخصًا وقدَّم له طعامًا وأكله، وبعد أن أكل علم أن هذا الطعام مسروق، فليس عليه ضمان لأنه معذور، والأصل أن من قدم الطعام فهو مالك له.
هل يلزم الإنسانَ إذا قدم إليه شخص طعامًا أن يقول له: هل أنت ملكته بطريق شرعي؟ أبدًا لا يلزم ولا يجوز أيضًا؛ لأن في هذا اتهامًا لعباد الله ﷿، ثم إن السارق الذي سرق الشيء أو غصبه وقدمه إليك لا يمكن أن يخبرك، حتى لو الواقع أنه سارقه أو غاصبه لا يمكن أن يخبرك، فالسؤال إذن عبث وعدوان على الناس واتهام لهم.
قال: (وإن أطعمه لمالكه، أو رهنه، أو أودعه، أو آجره إياه: لم يبرأ إلا أن يعلم).
(أطعمه لمالكه): فهل يبرأ منه؟ لا، كيف أطعمه لمالكه؟ نزل المالك ضيفًا على شخص، فخرج صاحب البيت إلى دكان النازل ضيفًا الذي فيه خدمه، وسرق منه وجاء به ليقدمه إلى الضيف فأكل، فهل يبرأ السارق؟
طالب: لا.
الشيخ: ليش؟ لأن صاحبه لم يعلم، وصاحبه أكله بناءً على أنه ملك للسارق الذي هو صاحب البيت فلا يبرأ، ويلزمه الضمان لهذا الذي أكله، وهذه ربما يلغز بها، فيقال: رجل أكل طعامًا وصار له الحق في أن يُضَمِّن مَن أطعمه إياه قيمة هذا الطعام؟ !
نقول الجواب على هذا: أن هذا رجل غصب مالًا وأطعمه لمالكه دون أن يعلم.
وعُلِم من قوله: (إلا أن يعلم): أنه لو عَلم فلا ضمان على الغاصب؛ لأنه عَلم أن هذا ملْكُه وأتلفه هو بنفسه بأكله.
كذلك لو (رهنه): إنسانٌ غصب بعيرًا واستدان من شخص ورهنه البعيرَ والبعيرُ مغصوبُه من هذا الدائن، فتلفت البعير، فهل يبرأ الغاصبُ من هذه البعير؟ لا، إلا إذا كان يعلم.
كذلك إذا (أودعه): إياه فتلف عنده؟ فإنه لا يبرأ إلا أن يعلم.
[ ١ / ٥٢٠٢ ]
رجل غصب شيئًا من شخص أو سرقه منه ثم أودعه إياه ثم تلف عند المودَع سواء تلف بتعدٍّ أو تفريطٍ أو بلا تَعَدٍّ ولا تفريط: فإن الضمان يكون على الغاصب أو السارق، لكن إذا كان قد تلف بتعدٍّ أو تفريطٍ في مسألة الوديعة ومسألة الرهن أيضًا: فإن عليه الضمان، لكن الضمان يكون على مَن؟
إذا كان عليه الضمان وهو ملكه فإنه لا يستحق على الغاصب شيئًا ولا يستحق الغاصب عليه شيئًا.
كذلك (آجره) إياها: غصب من شخص بعيرًا وآجَرَهُ إياها فهل يبرأ؟ لا يبرأ (إلا أن يعلم) كما قال المؤلف ﵀.
فهنا ذكر المؤلف ما إذا تصرف الغاصب بالمغصوب مع غير المالك، وما إذا تصرف الغاصب بالمغصوب مع المالك.
إذا تصرف الغاصب في المغصوب مع غير المالك: فالضمان على مَن؟ الضمان على الغاصب إلا أن يعلم الثاني فالضمان عليه.
إذا تصرف مع مالكه: فالضمان على الغاصب إلا أن يعلم المالك.
ثم قال: (ويبرأ بإعارته) مين اللي يبرأ؟
الطلبة: الغاصب.
الشيخ: يبرأ الغاصب (بإعارته) أي: إعارة المغصوب لمالكه.
طالب: بإعادته؟
الشيخ: لا، بإعارته بالراء، (يبرأ بإعارته) يعني: أنه لو غصب من شخص حاجة ولنقل: إنه غصب منه قلمًا أو كتابًا، ثم جاء المالك يطلب الإعارة فأعاره إياه، يقول المؤلف: إنه يبرأ، يعني: لو تلف عند المالك فلا ضمان على الغاصب، لماذا؟ بناءً على أن العارية مضمونة على المستعير بكل حال، سواء تعدَّى أو فرَّط أم لم يتعدَّ ولم يفرط؛ لأنه سبق لنا في العارية أن المستعير يضمن مطلقًا أو لا؟
طالب: ().
الشيخ: ما يضمن؟ ! ما مر علينا؟ طيب.
يعني: إنك لو أعرت شخصًا كتابًا وتلف أو نقص فالضمان على المستعير وإن لم يفرط ولم يتعدَّ، ولكن سبق لنا أن العارية كغيرها من الأمانات، إن تعدى المستعير أو فرط فهي مضمونة، وإن لم يتعدَّ ولم يفرط فليست بمضمونة؛ لأن المستعير أخذ المال من مالكه باختياره ليس بغاصب، فكيف نُضَمِّنه بكل حال؟
[ ١ / ٥٢٠٣ ]
على كل حال المذهب يرون ﵏: أن المستعير ضامن بكل حال، وعلى هذا فإذا غصب الإنسان شيئًا وأعاره لمالكه فلا ضمان على الغاصب.
ومثاله كما أذكره الآن: رجل غصب كتابًا ثم أعاره لمالكه فتلف عنده فلا ضمان على الغاصب؛ وذلك لأن المستعير ضامن بكل حال.
فإذا قلنا بالقول الراجح: أنه لا يضمن المستعيرُ -المالكُ- إلا إن تعدى أو فرَّط، فإننا نقول: لا يبرأ الغاصب بإعارته، ولكن لو تلف بتعدٍّ أو تفريط برئ والله أعلم ().
وهي أن جميع الأيدي المترتبة على يد الغاصب ضامنة كلها ضامنة، لكن إن كان المنتقل إليه المغصوب عالمًا فقرار الضمان عليه، وإن كان جاهلًا فقرار الضمان على الغاصب، وإلا فكلها أيدي ضمان، هكذا قرر أهل العلم.
يقولون: إن مالك الشيء له أن يُضَمِّن الغاصب ومن انتقل إليه الغصب، لكن إن كان المنتقل إليه الغصب عالمًا فقرار الضمان عليه، وإن كان جاهلًا فقرار الضمان على الغاصب، وهذه قاعدة مفيدة، يعني كل صورة تأتيكم نزِّلُوها على القاعدة هذه، عرفتم؟
هل يستثنى من هذه القاعدة شيء؟ يستثنى منها باعتبار القرار –قرار الضمان- إذا كان الذي انتقلت إليه العين من الغاصب ضامنًا على كل حال فقرار الضمان عليه، حتى لو ضمن الغاصب، وإن كان غير ضامن فقرار الضمان على الغاصب.
القاعدة المرة الثانية: نقول: جميع الأيدي المترتبة على يد الغاصب، أيش يعني المترتبة على يد الغاصب؟ يعني التي انتقل إليها المغصوب من الغاصب، كلها أيدي ضمان.
لكن هل يستقر الضمان على هذه اليد أو على الغاصب؟ نقول: إن كانت اليد عالمة فقرار الضمان عليها، وإن كانت جاهلة فقرار الضمان على الغاصب، إلا ما دخلت على أنه مضمون عليها بكل حال فيكون قرار الضمان عليها.
أضرب مثلًا مسألة الطعام اللي ذكرنا: الغاصب أطعمه لشخص؛ للضيف، هل قرار الضمان على الضيف أو على الغاصب؟
[ ١ / ٥٢٠٤ ]
الجواب: إن كان الضيف عالمًا أيش؟ فقرار الضمان عليه، يعني حتى لو أن صاحب الطعام أتى إلى الضيف ووجد أن الضيف لا يمكن أن نُضَمِّنه، يعني أتى ووجد الضيف من كبراء البلد لا يمكن أن نُضَمِّنه، صح ولَّا لا؟
يجي يقول مثلًا () وزير من الوزراء أو ملك من الملوك استضاف شخصًا، وقدم له خبزًا، وأكل الخبز، فجاء المغصوب منه المالك يبغي يُضَمِّن الملك، هل من الممكن أن يقول: أعطني قيمة الخبز اللي أكلت؟ ! أعتقد: لا. عادةً لا يمكن، إذن نرجع على مَن؟
الطلبة: على الغاصب.
الشيخ: على الغاصب، يرجع على الغاصب، حتى وإن كان الضيف عالمًا؛ لأن له الخيار بين أن يُضَمِّن هذا أو هذا، والكلام على القرار.
أقول: إن صاحب الطعام قال: أنا لا أريد أن أُضَمِّن هذا الضيف؛ لأن هذا الضيف فقير، أو لأن هذا الضيف عالي المرتبة، لا يمكن أن أقول له: أنت ضامن، أبغي أريد أن أُضَمِّن الغاصب. له ذلك ولَّا لا؟
الطلبة: له.
الشيخ: له ذلك، هل الغاصب يرجع على الآكل؛ على الضيف؟
فيه تفصيل: إحنا قلنا: إذا كان عالمًا فقرار الضمان عليه، وإلا فعلى الغاصب، الآن نقول للغاصب: إن كان صاحبك الذي أعطيته الطعام عالمًا بأنه مغصوب فارجع عليه، وإن كان غير عالم فلا ضمان عليه؛ لأن الضيف يأكل الطعام، لا لأنه مضمون عليه، يأكله على أنه متبرع به له.
مثال آخر: غصب إنسان إناء وأعاره لشخص فتلف الإناء، وجاء صاحب الإناء، فمن يُضَمِّن؟
طالب: يُضَمِّنه الغاصب.
الشيخ: له أن يُضَمِّن من شاء، () يعني مسألة التضمين يُضَمِّن المالكُ مَن شاء: الغاصب، ومن انتقلت إليه العين، له أن يُضَمِّن مَن شاء، الكلام على أيش؟ على قرار الضمان على مَن؟ حسب الحال.
هذه المسألة تعرفون أن المذهب في العارية أنها مضمونة على المستعير في كل حال: فرَّط أم لم يفرط، اعتدى أم لم يعتدِ، مضمونة عليه بكل حال.
إذن: المستعير أخذها على أنها مضمونة عليه ولَّا على أنه بريء منها؟
[ ١ / ٥٢٠٥ ]
الطلبة: مضمونة عليه.
الشيخ: أخذها على أنها مضمونة عليه، ففي هذه الحال إذا ضمن الغاصب يرجع الغاصب على المستعير، لماذا؟ لأن المستعير دخل على أنها مضمونة عليه، فيكون قرار الضمان عليه لا على الغاصب.
مثال آخر: غصب إنسان إناء، فجاء آخر فغصبه منه، يعني غصب شخص من غاصب، كم عندنا من غاصب؟ غاصبان، فجاء المالك للغاصب الأول قال: أين إنائي؟ قال: والله غصبه فلان وتلف. من نُضَمِّن؟
طلبة: نُضَمِّن أيهما شاء.
الشيخ: نُضَمِّن أيهما شاء صح، مَن قرار الضمان عليه؟
طلبة: الأول.
الشيخ: يا إخوان.
طلبة: على الثاني.
الشيخ: على الثاني، الثاني غاصب وتلف المالُ تحت يده فهو الضامن؛ لأنك لو قلت: قرار الضمان على الأول، كان لو ضمن الثاني رجع الثاني على الأول، وهذا لا يصح، كيف يكون غاصبًا ونقول: لك القيمة، خذها من الأول؟ ! هذا ما يستقيم.
إذن: في هذه الصورة قرار الضمان على مَن؟
الطلبة: على الثاني.
الشيخ: زين، المالك ضمَّن الأولَ، نقول: يرجع الأول على الثاني.
طيب المالك ضمَّن الثانيَ: لا يرجع على أحد بشيء، واضح الآن؟
طلبة: نعم.
الشيخ: زين.
مثال ثالث: غصب إنسان إناء ثم أعطاه شخصًا آخر وديعة، تعرفون الوديعة؟ يعني: احفظه لي حتى أرجع -مثلًا- من سفري أو ما أشبه ذلك.
الغاصب أعطاه الثاني وديعة، ثم تلف عند الثاني بدون تعدٍّ ولا تفريط، ثم جاء المالك يطالب، فمن يطالب؟
طلبة: يطالب الغاصب.
الشيخ: لا، يطالب أيهما شاء، أما مطالبته للغاصب فظاهرة، وأما مطالبته المستودَع -الذي أُودِعَتْ عنده العين-: فلأن العين تلفت تحت يده، فله أن يطالب هذا، وله أن يطالب هذا.
إذا طالب الوديعَ وأعطاه القيمة مثلًا أو إناءً مثل إنائه، هل يرجع على المودِع؟
طلبة: على الغاصب.
الشيخ: على الغاصب صح، هل يرجع على الغاصب –المودِع هو الغاصب-؟
[ ١ / ٥٢٠٦ ]
قلت لكم في أول المثال: الوديع ليس مفرطًا ولا متعديًا، فهنا يرجع على الغاصب، لماذا؟ لأن الوديع أخذ العين على أنها غير مضمونة، فهو ليس بضامن إلا بتعدٍّ أو تفريط، وهو لم يتعدَّ ولم يفرط، إذن يرجع على الغاصب ولَّا لا؟
طالب: يرجع.
الشيخ: يرجع على الغاصب؛ لأن الوديع أخذ منه العين على أنها غير مضمونة عليه.
لو أن المالك ضمَّنَ الغاصب لا يرجع على أحد، كذا؟ لأن الوديع لا ضمان عليه.
لو فرضنا في هذا المثال أن الوديع تعدَّى أو فرط وجاء المالك، فمن يُضَمِّن؟ نقول: يُضَمِّن أيهما شاء.
فمن القرار عليه؟ على الوديع؛ لأنه ضامن متعدٍّ أو مفرط.
المالك رأى أن الغاصب رجل شرير لا يمكن تضمينُه، أو أنه فقير لا يمكن طلبُه فضمَّنَ المودَع، هل يرجع المودَع على الغاصب؟ لا؛ لأنه ضامن على كل حال، إن لم يضمَنْ للمالك ضمِنَ للغاصب.
ولو أن المالك ضمَّن الغاصب في هذه الصورة؟ يرجع أيش؟ يرجع على المودَع، وهو الوديع؛ لأنه فعيل بمعنى مفعول، أفهمتم الآن؟
القاعدة: جميع الأيدي المترتبة على يد الغاصب، كلها أيدي ضمان، جميع الأيدي أيدي ضمان.
يعني: للمالك أن يُضَمِّن أيَّها شاء، ولكن قرار الضمان على مَن؟ على الغاصب، إلا ما دخل الثاني على أنها مضمونة عليه فقرار الضمان عليه، واضح؟
نأخذ مثالين () الباقي.
المثال الأول: إذا غصب شخص من غاصب، فالغاصب الثاني أخذ العين على أنها مضمونة عليه؛ لأنه متعدٍّ، ففي هذه الحال: إذا ضمَّن المالكُ الغاصبَ الأولَ رجع على الغاصب الثاني.
وإن ضمَّن الثانيَ: لم يرجع على أحد بشيء، واضح؟
طالب: () أيهما يضمن ().
الشيخ: وقرار الضمان عليه ولّا لا؟
الطالب: عليه.
الشيخ: عليه، () عن المثال.
غاصب غصب من غاصب، يعني: رجل غصب ساعة إنسان أخذها من إنسان قهرًا، فجاء آخر وأخذها من الغاصب قهرًا.
فهنا غاصبٌ غصب من غاصبٍ ولّا لا؟ مَن قرار الضمان عليه؟ على الثاني () القرار عليه لما تلفت تحت يده.
[ ١ / ٥٢٠٧ ]
جاء مالكُ الساعةِ إلى الغاصب الأول وقال: والله ساعتك جاء واحد أقوى مني أنا وأخذها مني غصبها.
فالمالك الآن مُخَيَّر بين أن يُضَمِّن الغاصب الأول أو الثاني، واضح؟
طيب إذا ضمن الغاصب الأول يرجع على الثاني؟ رجع على ().
طالب: الغاصب؟
الشيخ: الغاصب يرجع على الثاني، ضمن الغاصب الأول قال للمالك: أنا بضمنك ساعتي كم تسوى؟ ألف ريال. فأخذ من الغاصب الأول ألف ريال، الغاصب الأول يرجع على الغاصب الثاني؛ لأن قرار الضمان عليه، فيأخذ من الغاصب الثاني ألف ريال. واضح أظن؟
المثال الذي يقول ليس فيه قرار على الثاني: غصب إنسان ساعة ثم جعلها وديعة عند شخص، ثم سُرقت الساعة من بيت المودَع مع تَحفُّظه ووضعِها في الحرز، هل المودَع عليه ضمان؟ لا؛ لأنه ما تعدَّى ولا فرَّط.
فجاء صاحب الساعة؛ جاء إلى الغاصب الذي غَصَب منه قال: أعطني ساعتي. قال: ساعتك أعطيتها فلانًا وديعة. ذهب إلى فلان قال: أين الساعة؟ قال: والله أُخِذت من البيت سُرقت. فقال: أنا لا أعرف إلا أنت. يقول لمن؟ للمودَع. أنا لا أعرف إلا الرجل الذي سُرقت الساعةُ من بيته. قال: والله عاد ما () أنا محسنٌ وحافظٌ للساعة ومُقدِّم الواجب، وهذا شيء بغير اختياري. فقال: لا أعرف إلا أنت. قال: اتفضل كم القيمة؟ ألف ريال، فأعطاه ألف ريال.
هل يرجع المودَع على الغاصب؟ يرجع، لماذا رجع؟ لأنه أخذ الساعة على أنها غير مضمونة عليه، على أنه محسن، وما على المحسنين من سبيل، وحينئذٍ يرجع على الغاصب.
لو صاحب الساعة لم يُخطِر المودَع، قال للغاصب: أعطني قيمة الساعة. قال: تَلِفَتْ عند فلان. قال: ما أعلم بفلان، أنا ما أريد إلا أنت. أخذ من الغاصب قيمتها ألف ريال. هل يرجع الغاصب على المودَع؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟
الطلبة: لأنه غير ضامن.
[ ١ / ٥٢٠٨ ]
الشيخ: لأنه غير ضامن؛ لأن الغاصب لو فرض أن الساعة له، وأعطاها المودَع وتلفت عند المودَع بلا تعدٍّ ولا تفريط، فإنه لا يرجع على المودَع؛ لأن المودَع محسن، وما على المحسنين من سبيل.
المحسن لا سبيل عليه إلا إذا أساء، إذا أساء بتعدٍّ أو تفريط، رجع عليه. عرفتم الآن القاعدة، خذوا هذين المثالين وقيسوا عليهما ما سواهما.
وقد ذكر الفقهاء ﵏: أن الأيدي المترتبة على يد الغاصب عشر. وذكروا صُوَرَها، ولكن لا يهمنا.
المهم: هي القاعدة وأن يأخذ الإنسان مثالًا أو مثالين تتضح بهما القاعدة، والإنسان إذا أخذ القاعدة وطبق عليها مثالًا أو مثالين أي صورة تأتي من بعد يقيسها بهذين المثالين ويصح.
***
طالب: وما تلِفَ أو تغيَّب من مغصوب مثلِيٍّ غرِم مثلَه إذن، وإلا فقيمتُه يوم تعذَّر، ويضمن غير المثلي بقيمته يوم تلفِه، وإن تخمَّر عصيرٌ فالمثلُ. فإن انقلب خلًّا دفَعَه ومعه نقْصُ قيمتِه عصيرًا.
الشيخ: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا حكم الأيدي المترتبة على يد الغاصب، ما حكمه؟
طالب: أنها كلها ضامنه.
الشيخ: كلها أيدي ضمان ..
وإن أَطْعَمَه لِمَالِكِه أو رَهَنَه أو أَوْدَعَه أو آجَرَه إيَّاه لم يَبْرَأْ إلا أن يَعْلَمَ، ويَبرأُ بإعارتِه، وما تَلِفَ أو تَغَيَّبَ من مغصوبٍ مِثْلَيْ غُرْمِ مِثلِه إِذْنٌ، وإلا فقيمتُه يومَ تَعَذُّرِهِ، ويَضْمَنُ غيرَ المِثْلِيِّ بقيمتِهِ يومَ تَلَفِهِ، وإن تَخَمَّرَ عصيرٌ فالمِثْلُ، فإن انْقَلَبَ خَلًّا دَفَعَه ومعَه نَقْصُ قِيمتِه عَصِيرًا.
(فصلٌ)
[ ١ / ٥٢٠٩ ]
وتَصَرُّفَاتُ الغاصِبِ الحُكْمِيَّةُ باطلةٌ، والقولُ في قِيمةِ التالِفِ أو قَدْرِه أو صِفَتِه قولُه، وفي رَدِّه وعَدَمِ عَيْبِه قولُ رَبِّه، وإن جَهِلَ ربَّه تَصَدَّقَ به عنه مَضمونًا، ومَن أَتْلَفَ مُحْتَرَمًا أو فَتَحَ قَفَصًا أو بابًا أو حَلَّ وِكاءً أو رِباطًا أو قَيْدًا، فذَهَبَ ما فيه أو أَتْلَفَ شيئًا ونحوَه ضَمِنَه، وإنْ رَبَطَ دابَّةً بطريقٍ ضَيِّقٍ فعَثَرَ به إنسانٌ ضَمِنَ، كالكلبِ العَقورِ لِمَن دَخَلَ بيتَه بإِذْنِه أو عَقَرَه خارجَ مَنْزِلِه،
(وإن أطعمه لمالكه أو رَهَنَه أو أودعه أو آجَرَه إياه لم يبرأ إلا أن يعلم، ويبرأ بإعارته).
مَن اللي يبرأ؟
طلبة: الغاصب.
الشيخ: الغاصب، (بإعارته) أي: إعارة المالك، فلو غصب ساعة وجاء المالك إلى هذا الغاصب وقال: أَعِرْنِي الساعة، فأعاره الساعة على أنها عاريَّة، ثم تلفت، هل يبرأ الغاصب أو لا؟
طلبة: يبرأ.
الشيخ: يبرأ، لماذا؟ لأن المذهب أن العاريَّة مضمونة على المستعير لكل حال، فنقول: أنت الآن مستعير، والعاريَّة إذا تلفت عندك فأنت ضامن، ولا فائدة من أن نقول: اضمن ونرد عليك القروش، ما لك هذا. إذن نقول: يبرأ الغاصب بالإعارة، فإن قلنا: إن المستعير لا يضمن إلا إذا تعدى وفرَّط، فإنه لا يبرأ الغاصب إلا إذا تعدَّى أو فرَّط، فإن لم يتعدَّ أو يفرِّط فإنه يرجع على الغاصب.
فإذا قال قائل: هل هذه الصورة ممكنة؟ يعني هل يمكن أن المالك يأتي إلى الغاصب ليستعير منه العين المغصوبة؟
طلبة: ().
الشيخ: لا يعلم من ().
طلبة: ().
الشيخ: إي نعم، يمكن بتغير الصفة، أو يأخذ منه مثلًا حيوانًا كشاة ويذبحه، ويمكن يعيره لحمًا.
طالب: أو يكبر.
الشيخ: ممكن يغير الجلد.
طلبة: يمكن.
الشيخ: يمكن، لكن اللحم أظنه ما يُسْتَعَار؛ لأن اللحم لا يُنْتَفَع به إلا بإتلافه، إلا بأكله، إذن نقول: هذه عدة صور؛ أولًا: إذا أطعمه لمالكه فهو يبرأ، ولّا لا؟
[ ١ / ٥٢١٠ ]
طلبة: إن علم المالك برئ.
الشيخ: نعم، إن علم المالك برئ الغاصب، وإن لم يعلم لم يبرأ.
إذا رهنه لمالكه؛ إن علم المالك أن هذا ملكه، نصف ملكه وقد () وبرئ الغاصب، وإن لم يعلم لم يبرأ، وكذلك لو أودعه إياه أو آجَرَهُ إياه؛ لأن المالك إذا لم يعلم فإنه يتصرف مع الغاصب على أنه مالك لا غاصب.
قال المؤلف: (وما تلف أو تغيَّب من مغصوب مِثْلِيٍّ غَرِمَ مثله إذن، وإلا فقيمته).
قوله: (وما تلف أو تغيَّب) (ما) هذه شرطية أو موصولة؟
طالب: يحتمل.
الشيخ: يحتمل، لكن ظاهر الجواب قوله: (غرم) أنها شرطية، يعني: أي مغصوب يتلف وهو مِثْلِيّ غرم الغاصب مثله، ولو زادت قيمته أضعافًا مضاعفة، ولو نقصت قيمته إلى أدنى شيء، المهم أن الْمِثْلِيّ يضمن بمثله.
ما هو الْمِثْلِيّ؟ استمع إلى تعريف المثلي في المذهب: كل مَكِيل أو موزون يصح السَّلَم فيه وليس فيه صناعة مباحة.
كل مكيل أو موزون، هذا الجنس ويش بعد؟
طلبة: يصح السَّلَم فيه.
الشيخ: يصح السَّلَم فيه ليس فيه صناعة مباحة، فخرج بقولنا: كل مكيل أو موزون، كُلُّ ما ليس بمكيل ولا موزون، مثل الحيوان والثياب والأعلاف والفواكه وما أشبهها؛ لأننا نقول: كل مكيل أو موزون يصح السَّلَم فيه، خرج بذلك ما لا يصح السَّلَم فيه وهو الذي لا يمكن انضباط صفاته، فالذي لا يمكن انضباط صفاته ولو كان مكيلًا أو موزونًا لا يعتبرونه مِثْلِيًّا.
وقوله: لا صناعة فيه، خرج به ما كان مصنوعًا، فالمصنوع ليس بِمِثْلِيّ، وإن كان له مثله في السوق، مثل الفناجيل مِثْلِيَّة ولّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، على المذهب ليست بمثلية، حتى لو كانت الشركة واحدة والمنتج واحدًا، بل لو كان من كرتون واحد نقول: هذا ليس بِمِثْلِيّ؛ لأن فيه صناعة مباحة، احترازًا مما فيه صناعة محرَّمة فهذا لا يخرج عن المثلية، مثاله: الْبُرّ التمر الشعير الذهب الفضة الحديد السكر، وما أشبه ذلك، اللحم مِثْلِيّ ولّا غير مثلي؟
طلبة: مثلي.
[ ١ / ٥٢١١ ]
الشيخ: نعم، مثلي؛ لأن اللحم يصح السَّلَم فيه إذا عُيِّن موضع القطع ثم الذبيحة، وما أشبه ذلك، اللؤلؤ والجواهر وما أشبهها لا يصح، لماذا؟ لأنه لا يصح فيها السَّلَم، الفناجيل الأباريق الكؤوس الأقلام يقولون: ليست بمثلية، الآن مثلًا هذا القلم اللي معي معكم كثير من جنسه ولّا لا؟ لو أضعه هنا وتضع قلمك هنا وأنصرف، ثم تغير المكان، تحطها لي في المكان هذا وأرجع، ويش آخذ؟
طالب: القلم.
الشيخ: آخذ القلم اللي في المكان اللي راح قلمي فيه؛ لأنهما سواء متماثلان، ما هما متشابهان، أيهما أشد تماثلًا؛ تماثل هذه الأقلام أو تماثل صاع بُرّ بصاع بُرّ، أيهما أشد؟
طلبة: الأقلام.
الشيخ: الأقلام بلا شك أشد، ولهذا التعريف للمثلي بهذا المذكور ضعيف جدًّا، والصواب أن المثلي ما كان له مماثل أو مقارب من أي شيء كان، هذا المثلي، حتى الحيوان مثلي، ولهذا كان الرسول ﷺ يأخذ البعير بالبعيرين والثلاثة إلى إبل الصدقة (١)، ما يأخذها بالقيمة، يأخذها بالمماثلة، لكن نظرًا للتأخير يزيد المثل على المثل الأول في العدد.
إذنالصحيح في المثلي ما كان له مثيل أو مقارب فهو مثلي، ويدل على هذا:
أولًا: الاشتقاق، هذا مثل هذا، أي: نظيره على أي وجه كان.
ثانيًا: أن إحدى أمهات المؤمنين أرسلت إلى النبي ﷺ وهو في بيت عائشة طعامًا بإناء، فلما جاء به الرسول إلى بيت عائشة، وكانت عائشة ﵂ شديدة الغيرة على رسول ﷺ لعِظَم محبتها له، لما جاء الرسول ضربت بيده حتى سقط الإناء وانكسر وانتثر الطعام، فماذا صنع الرسول ﵊؟ أخذ إناء عائشة وردَّه مع الرسول وقال: «إِنَاءٌ بِإِنَاءٍ، وَطَعَامٌ بِطَعَامٍ» (٢)، والإناء فيه صناعة ولَّا ما فيه صناعة؟
طلبة: فيه صناعة.
[ ١ / ٥٢١٢ ]
الشيخ: فيه صناعة، وهذا دليل على أن المثلي ليس كما خصه الفقهاء ﵏ بهذه القيود التي ليس عليها دليل، لكن الحكم صحيح، وهو قوله: إن المثلي يضمن بمثله، سواء زادت القيمة أم نقصت، فإذا أتلف شخص لي شيئًا غصبه وأتلفه وكان يساوي حين ذاك مئة درهم، وعند المطالبة لا يساوي إلا عشرة دراهم، هل لي أكثر من ذلك؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ليس لي أكثر من ذلك، وعلى هذا فالمثلي يضمن بمثله؛ نقصت القيمة أم زادت، لو كان هذا الشيء الذي غصبه مني حين تلفه يساوي عشرة، وعند المطالبة يساوي مئة، هل أكون ظالِمًا له إذا ألزمته بإعطاء المثل مع الزيادة؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأن لي المثل، سواء زادت أم نقصت، لكن بعض أهل العلم ﵏ يقولوا: إن النقص بالسعر كنقص الصفة، فكما أنك لو أخذت بعيرًا ونقص عندك تضمن نقصه، فإذا نقص سعره ضمنت نقصه، وهذا القول متجه جدًّا، لا سيما إذا كان الغاصب غصب هذا الشيء في موسمه ثم رده مع الكساد، فلا يمكن أن نقول: إنك لا ترد النقص.
يعني هذا الإنسان مثلًا غصب من شخص فراشًا في موسم تزيد فيه الفُرُش، غصبه منه وهو يساوي مثلًا ألف درهم، ثم عند المطالبة لا يساوي هذا الفراش إلا مئة درهم، هل نقول: إنه إذا ضمن هذا الفراش لا يعطى شيئًا؟ لا نقول بهذا، هذا في الواقع ظلم، نقول: الآن غصبت مني الفراش وذهبت بِعْتَه في ذلك اليوم بألف، والآن تأتي إليَّ وتقول: هذا فراشك لا يساوي إلا مئة؟ والله أعلم. ().
ثم قال المؤلف ﵀ عندي بالشرح: و(ينبغي أن يستثنى منه الماء في المفازة، فإنه يضمن بقيمته في مكانه، ذكره في المبدع) يُسْتَثْنَى من هذا -على كلام المؤلف- الماء في المفازة، يعني: في المهلكة، (فإنه يضمن بقيمته في مكانه)؛ لأن الماء في المفازة يساوي قيمة كثيرة، فرجل مثلًا غصب قربة ماء في أرض مفازة من شخص، فلما وصلَا إلى البلد قال: أعطيك قربة ماء، ما تقولون في هذا؟
[ ١ / ٥٢١٣ ]
نقول: أما على القاعدة فإنه ماء بماء، وهو مثله ويكفي، ولكن هذا مستثنى، قالوا: بل يعطى قيمته في مكانه، القربة في المفازة تساوي مثلًا ألف ريال، في البلد ولا ريال، إي نعم، فكيف أنه أخذها منه في ذلك المكان وربما يكون باعها وانتفع بها، ثم يأتي ويقول: أعطيك مثلها في البلد، فهذا مستثنى حتى على المذهب.
قال: (وإلا فقيمته يوم تعذَّر) يعني: وإلا يمكن الضمان بالمثل فإنه يضمن بقيمته يوم تعذُّره.
مثال ذلك: غصب نوعًا من الحب، ولتكن ذرة، غصب صاعًا من الذرة، وانقطعت الذرة، ما صارت تُزْرَع، فهل نُلْزِم الغاصب بصاع من هذه الذرة التي انقطعت؟ الجواب: لا؛ لأنه لا يستطيع، لكن نقول له: قيمتها وقت التعذر، قيمتها يوم الغصب الصاع بعشرة، قيمتها يوم التعذر الصاع بعشرين، كم يضمن؟
طلبة: عشرين.
الشيخ: قيمتها وقت الطلب الصاع بمئة.
طلبة: عشرين.
الشيخ: عشرين، لاحظوا عندنا ثلاثة أوقات؛ وقت الغصب، ووقت التعذر، ووقت الطلب، هذا الرجل حين غصب الذرة يساوي الصاع عشرة، وحين تعذَّرت وانقطعت يساوي عشرين، وحين الطلب لما طلبه الغاصب به يساوي مئة، فقال الغاصب: أنا أريد أن يعطيني مئة؛ لأن الأصل أن الصاع باقٍ في ذمته تقديرًا، وأنا لا أقبل إلا مئة. نقول: نعم، لو كانت هذه الذرة موجودة الآن وارتفع سعرها إلى مئة فلك الحق أن تقول: أعطني صاعًا أو أعطني مئة؛ لأنه إذا أعطاك صاعًا فكما لو أعطاك مئة، أما وقد انقطعت فإنه بمجرد انقطاعها وتعذر تسليمها سقط المثل ووجبت؟
طلبة: القيمة.
الشيخ: القيمة، فنعتبر القيمة وقت أيش؟
طلبة: وقت التعذر.
[ ١ / ٥٢١٤ ]
الشيخ: وقت التعذر لا وقت الطلب، قيمتها وقت التعذر تساوي عشرين، فإذا قال الغاصب: أنا أخذت هذا الصاع منه وهو يساوي عشرة، ولا أعطيه إلا عشرة؛ لأني أخذت الصاع، وفي الحال طحنته وأكلته، ماذا نقول؟ نقول: لا؛ لأنك لما أخذته وطحنته وأكلته كان الواجب صاعًا، الواجب قيمته صاع إلا إن تعذَّر وانقطع، فيلزمك قيمة الصاع وقت؟
طالب: التعذر.
الشيخ: التعذر، وهذا القول الذي مشى عليه المؤلف هو القول الوسط، وهو الصحيح؛ أن له قيمة المثلي المتعذِّر وقت؟
طلبة: التعذر.
الشيخ: وقت التعذر، قال: (وإلا فقيمته يوم تعذر).
(ويضمن غير المثلي بقيمته يوم تلفه).
طالب: يوم تعذر رده.
الشيخ: (ويضمن غير المثلي بقيمته يوم تلفه).
الطالب: اللي قبله.
الشيخ: اللي قبله، وإلا يمكن رد المثل يعني؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: فقيمته يوم تعذر، بس.
طالب: رده.
الشيخ: يوم تعذر أيش؟
الطالب: رده.
الشيخ: يوم تعذر الرد؟ لا، عندنا يوم التعذر؟ ما هي موجودة ولا بالشرح، عندك بالشرح؟
طالب: () وإلا فقيمته يوم تعذر.
الشيخ: لكن ما فيها رد، الإخوان يقولون: إن فيها (يومَ تَعَذُّرِ رَدٍّ).
طالب: ().
الشيخ: يوم تعذر.
الطالب: يوم تعذر رده.
الشيخ: لا، ما هي موجودة، غلط، ما هي موجودة لا بالشرح ولا بالمتن، اشطبوا عليها.
طالب: فيه ضمير يا شيخ.
الشيخ: رد، اشطبوا عليها.
طالب: وإلا فقيمته يوم تعذُّرِه.
الشيخ: هذه أهون، الضمير ما عندنا ضمير، لكن يوم تعذر ردا ما هو بصحيح، المهم الآن فهمنا أن الواجب في ضمان المثل ما هو؟
طلبة: المثل.
الشيخ: ضمان المثل ولو زادت قيمته لو كان حين الغصب يساوي مئة وصار حين الضمان يساوي ألفا فعليه أيش؟
طلبة: المثل.
الشيخ: عليه المثل عليه إعطاء المثل على كل حال وإن كان يساوي في الغصب ألفا وحين الرد مئة فليس عليه إلا المثل ولكن هل يضمن نقص السعر أو لا يضمن المذهب؟
طلبة: لا يضمن.
الشيخ: لا يضمن، والصحيح أنه يضمن.
[ ١ / ٥٢١٥ ]
أما غير المثلي فقال بقيمته يوم تلفه، يضمن غير المثلي بقيمته يوم تلفه، ويش مثال غير المثلي؟ على المذهب غير المثلي أكثر من المثلي بكثير؛ لأن المثلي عندهم ضيق جدًّا، فالثياب مثلًا كلها عندهم غير مثلية، فإذا غصب ثوبًا وتلف الثوب فعليه قيمته وقت التلف؛ لأنه حين وجوده وهو باقٍ على ملك صاحبه، فإذا تلف زال ملك صاحبه، فلتثبت القيمة لصاحبه حين أيش؟ حين التلف.
مثال هذا: رجل غصب ثوبًا فلبسه، هذا الثوب يساوي خمسين ريالًا، تلف الثوب، احترق، وكان حين احتراقه يساوي مئة ريال، ثم طالب المالك بثوبه، وكان حين الطلب يساوي مئتي ريال، فما الواجب؟
طالب: مئة.
الشيخ: الواجب مئة ريال، مع أن الثوب له نظير في السوق الآن، نظيره في السوق يساوي مئتين، فلماذا لا يعطيه مئتين؟ نقول: لأنه لما تلف المغصوب بعينه ثبتت قيمته من حين؟
طالب: تلفه.
الشيخ: من حين تلفه، وليس الواجبُ مثلَه حتى نقول: اذهب الآن إلى السوق واشترِ لنا مثله، وإلا فأعطنا قيمة المثل الآن؛ لأن الواجب في المتقوَّم القيمة، وهذا المتقوَّم ما زال على ملك صاحبه إلى؟
طالب: أن تلف.
الشيخ: إلى أن تلف، لما تلف وجبت قيمته، فيجب قيمته وقت التلف، فيُعْطَى مئة ريال وإن كان الآن يساوي مئتين، وهكذا كل المتقوَّمات على الغاصب قيمتها وقت أيش؟
طلبة: التلف.
الشيخ: وقت التلف، لا وقت الغصب ولا وقت المطالبة، فتبيَّن الآن أن الفرق بين المثلي والمتقوَّم أنه لو كان هذا التالف له مثل إلى وقت المطالبة فإن كان من المثليات فإنه يُلْزَم بإحضار مثله بقيمته ولو زاد، وإن كان من غير المثليات فالواجب إحضار قيمته، متى؟ الآن، وقت الطلب؟ لا، وقت التلف.
في المثلي إذا تعذَّر المثل فعليه قيمته وقت التعذُّر؛ لأنه لما تعذَّر صار متقوَّمًا، وجبت قيمته، فتؤخذ قيمته وقت التعذر.
[ ١ / ٥٢١٦ ]
قال المؤلف ﵀: (وإن تَخَمَّر عصير)، في الشرح فائدة مهمة جدًّا، قال: ولو أخذ حوائج من بقال ونحوه في أيام ثم حاسبه، فإنه يعطيه بسعر يوم أَخْذِه. وهذه مفيدة جدًّا، يكون إنسان له بقال، البقال هذا الذي يبيع الحوائج البيتية ويعامله، كلما أخذ منه شيئًا قيَّده، فعند المحاسبة هل يحاسبه بسعره وقت المحاسبة؟
طالب: لا.
الشيخ: الجواب: لا، يحاسبه بسعره وقت الأخذ، وقت الشراء، ولهذا يجب على البقال؟
طالب: أن يقيِّد.
الشيخ: أن يقيِّد، يقول: في يوم كذا أخذت كذا وكذا، قيمته كذا وكذا، أما إنه يأخذه ثم عند المحاسبة يقدِّر قيمته بوقت المحاسبة فهذا لا يجوز؛ لأنه دخل في ملك المشتري متى؟ يوم الشراء، وخرج من ملك البائع يوم الشراء، فإن زادت القيمة أو نقصت بين يوم الشراء ويوم المحاسبة فهي على من؟
طلبة: البائع.
الشيخ: لا، على المشتري؛ لأنه دخل ملكه، هذه الحوائج التي آخُذُهَا أنا من البقال، في اليوم اللي أشتريها فيه تدخل ملكي، وتخرج من ملك البائع، زيادتها بعد ذلك أو نقصها؟
طالب: على المشتري.
الشيخ: على المشتري؛ لأنها خرجت من ملك البائع، فلو اعتبرنا قيمتها وقت المحاسبة فمعناه أننا نظلم البائع إن كانت القيمة نقصت، أو المشتري إن كانت القيمة زادت، وحينئذ أيضًا فيه محذور آخر وهو أنه يبقى ثمنها مجهولًا؛ لأنني حين العقد أخذتها على ثمن لا ندري ماذا يكون عند وقت المحاسبة، فيكون الثمن مجهولًا، ومعلوم أن من شروط صحة البيع العلم بالثمن.
فصار في اعتبار قيمتها وقت المحاسبة صار فيه محذوران؛ المحذور الأول الظلم إما للبائع وإما للمشتري، والمحذور الثاني الجهل بالثمن؛ لأننا لا ندري ماذا يستقر عليه السعر وقت المحاسبة، أعرفتم؟
[ ١ / ٥٢١٧ ]
ثم فيه أيضًا محذور ثالث، وهو التعويد على التحيل؛ لأن المشتري إذا علم أن المعتبَر في الثمن وقت المحاسبة يتحيل، إذا رخصت الأشياء جاء يحاسب قال: يلَّا حاسِبْنِي، وذاك إذا غلت الأشياء بحث عنه ليحاسبه، فيكون في هذا فتح باب للتحيل والمنازعات والخصومات، فالواجب الآن أن نقول لهذا الشخص: قَيِّد ما أشتريه منك كل يوم بثمنه.
لو اتفق شخص مع آخر قال: أنا أريد أن أجعل معك راتبًا كل يوم أريد منك رطل لحم قيمته خمسة ريالات، نقول: رطل، بدل الرطل كيلو؛ لأن ما تعرفون الرطل، كيلو لحم قيمته خمسة ريالات كل يوم، واتفقوا على هذا، وكتبوا بينهما عقدًا، هل يصح هذا العقد ولّا لا؟
طلبة: ما يصح.
الشيخ: ليش؟
طالب: ().
طالب آخر: يصح.
الشيخ: أنا اشتريته الآن.
طالب: الرضا.
الشيخ: رضينا.
طالب: يصح.
الشيخ: إن قلتم: يصح، خطأ، وإن قلتم: لا يصح، خطأ.
طالب: بسعر يومه.
الشيخ: لا، ما هو بسعر يومه، اتفقوا على هذا، الصورة هذه؛ اشترى منه كل يوم كيلو لحم بخمسة ريالات، اتفقوا على هذا لمدة سنة؛ لأن هذا الرجل عنده مقاولة أنه يعمِّم طعامًا مثلًا لمستشفى ولّا لغيره.
طالب: () إذا كان.
الشيخ: () الصحة أو عدمها غير صحيح، التفصيل هو أنه إن سلَّم الثمن نقدًا قبل التفرق فصحيح، وإلا فليس بصحيح؛ لأن العلماء يجعلون هذا من باب السَّلَم، والسَّلَم لا بد فيه من قبض الثمن في مجلس العقد، إذن أيهما أريح؛ أن يتفق معه على أنه محتاج كل يوم كليو لحم بسعر أخذه، مثل ما قال المؤلف هنا: يشتري منه كل يوم كيلو لحم أو كيلوين، المهم بسعر أَخْذِه، أو أنه يقدِّر الثمن وينقده في وقت العقد؟
طالب: على حسب الحالة.
الشيخ: الظاهر أنه حسب الحالة؛ إن كان المشتري غنيًّا فالثاني أيسر له؛ لأنه يسلم من احتمال الزيادة في المستقبل، وإن كان المشتري ليس بغني فلا () طريقة إلا ما قال المؤلف أنه يتفق معه على أنه كل يوم يقدر بثمنه وقت العقد.
***
[ ١ / ٥٢١٨ ]
() والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ما هو الواجب في المثلي إذا تلف؟
طالب: المثلي إذا تلف ().
(وإن تخمر عصيرٌ فالمثل) تخمر عصير يعني: رجل غصب عصير عنب، وبقي عنده خمسة أيام، عشرة أيام، فتحول إلى خمر؛ لأن العصير إذا لم يُصَبّ عليه الخل قبل تخمُّره يكون خمرًا إذا مضى عليه عدة أيام حسب الحر، حسب الجو، كلما كان الجو حرًّا كان إلى التخمر أسرع وأقرب، هذا رجل غصب عصير عنب من شخص، فتخمر، الآن ذهبت ماليته، عينه موجودة، لكن ماليته شرعًا مفقودة، كذا ولّا لا؟
لأن الخمر يجب شرعًا إراقته وإتلافه، ماذا يجب على الغاصب الذي غصب العصير ثم تخمر؟ يجب عليه رد مثله، فإذا قال: هذا عصير، هذا عين العصير، كيف تضمنه لمثله وعينه موجودة؟ أنا أعطيك إياه وأضمن النقص إذا كان نقصًا، أو أعطيك القيمة؛ لأنه الآن لا يمكن تملكه.
فالجواب: لأن تحوله إلى خمر بمنزلة تلفه؛ لأن المتعذَّر شرعًا كالمتعذَّر حسًّا، فلما تعذَّر الانتفاع به شرعًا صار كالمتعذر حسًّا، أي كأنه تلف، وإذا تلف فالواجب رد مثله، فيجب على هذا أن يعطيه عصير عنب على مثل العصير الذي تخمَّر، إذا كان ملء كأس يعطيه ملء كأس، إذا كان ملء ().
طالب: زق.
الشيخ: () فيعطيه ملء ()، على كل حال هي أعجمية معرَّبة.
(وإن تخمر عصير فالمثل، فإن انقلب خَلًّا دفعه ومعه نقص قيمته عصيرًا)، هذا العصير الذي تخمَّر انقلب بنفسه إلى خَلّ، فإنه يرده؛ لأن ماليته الآن عادت وصار مالًا شرعيًّا يُنْتَفَع به، ولكن ستنقص قيمته عن كونه عصيرًا؛ لأنه سيتغير طعمه، ولا شك أن الشيء الذي هو باكورة خير من الشيء الذي تخمَّر ثم عاد، فالعائد أنقص من الأصل بلا شك، فيُعْطَى هذا الخَلّ ويضمن النقص، فيقال: كم قيمة هذا الكأس إذا كان عصيرًا؟ قالوا: قيمته درهم، كم قيمته إذا عاد خَلًّا بعد التخمر؟ قيمته درهم، فيعطيه كأسًا ويعطيه درهمًا.
[ ١ / ٥٢١٩ ]
فإن قال مالك العصير: أنا لا أريده الآن، أنا أريد عصيرًا أصلًا، وأنت إذا أعطيتني درهمًا وهذا الكأس سوف أريق هذا الكأس، لا أريده؛ فأنا أطلب منك إما المثل أو قيمة المثل، فظاهر كلام المؤلف أنه لا يملك ذلك؛ لأن الغاصب يقول للمالك: هذا عين مالك، لم يكن مني إلا أنه نقص، فأنا أضمن النقص، كما لو غصبت بعيرًا وهزل فأنا أعطيك البعير وأضمن لك النقص، وكما لو غصبت ثوبًا فاتسخ أو انخرق، فأنا أعطيك الثوب وأضمن لك النقص، ليس عليّ أكثر من ذلك.
وقول المؤلف: (فإن انقلب خَلًّا دفعه) قال: (انقلب خَلًّا) ولم يقل: فإن قلب، وهل هناك فرق؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم هناك فرق؛ لأن الخمر إن تخلل بنفسه فهو حلال؛ لأن هذا بفعل الله وليس بفعلنا، وإن تخلل بفعلك فهو حرام؛ لحديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ سُئِلَ عن الخمر تُتَّخَذُ خلًّا، قال: «لَا» (٣)، ولأن الشارع أمر بإراقة الخمر، ولو كان يحل بالتخليل لأَمَرَ بتخليله؛ لأن تخليله إبقاء له، وإراقته إتلاف له، ولو كان يمكن أن تعود ماليته شرعًا لأرشد إليه الشارع، فلما لم يرشد إليه عُلِمَ أن التخليل حرام.
لكن لو خَلَّلَه من يعتقد حل التخليل من مسلم أو كافر فهل يَحِلّ؟
الصحيح أنه يحل؛ أنه لو خُلِّلَ مِن قِبَل مَن يرى حِلّ تخليله فالصحيح أنه حلال؛ لأن هذا انقلب خَلًّا على وجه مباح ولّا حرام؟
طلبة: مباح.
الشيخ: على وجه مباح، فصار مباحًا، وعلى هذا فالخل الوارد من بلاد الكفار الذين يعتقدون حل التخليل يكون حلالًا للمسلمين وإن كان مخلَّلًا بفعل آدمي؛ لأنه مُخَلَّل بفعل آدمي يعتقد تحليله.
طالب: ().
الشيخ: أقول لك هكذا، سواء قال: إن كان لم يَمُرّ، فلا إشكال فيه، لكن إن كان قد مَرَّ فهذا حكمه.
ثم قال: (فصلٌ: وتصرفات الغاصب الْحُكْمِية باطلة)
قوله: (تصرفات الغاصب) يعني: في المغصوب.
[ ١ / ٥٢٢٠ ]
(الْحُكْمية) التي يلحقها حُكْم من صحة أو فساد؛ لا من حِلّ أو حُرْمَة؛ لأن تصرفات الغاصب من حيث الحل والحرمة كلها سواء، ما حكمها؟ حكمها أنها حرام، تصرفات الغاصب في المغصوب كلها حرام، تصرفات الغاصب من حيث الصحة والبطلان إن كانت حُكْمِيّة -بمعنى أنها توصف بالصحة والفساد- فتصرفاته باطلة لا تنفذ، مثلًا الأكل هل هو حكمي ولَّا غير حكمي، هل يقال: أكل صحيح وأكل فاسد؟
طلبة: ما يقال.
الشيخ: ما يقال؟ لكن يقال: أكل حلال وأكل حرام، إذن لو أكل الإنسان الغاصب وأكل المغصوب، هل نقول: إن هذا الأكل غير صحيح؟ لا يوصف لا بصحة ولا فساد، لكن لو باع المغصوب فالبيع تصرف حكمي، يقال: إنه صحيح، ويقال: إنه فاسد، يكون البيع فاسدًا.
طيب، أَجَّرَ؟
طالب: ().
الشيخ: هذا تصرف حُكمي ولّا غير حُكمي؟
الطالب: حُكمي.
الشيخ: حكمي، تكون الإجارة؟
الطالب: فاسدة.
الشيخ: زَوَّجَ الأمة التي غصبها؟ تصرُّف حكمي لا يصح، وَقَّفَ المغصوب؟ تصرف حكمي لا يصح.
إذن كل تصرف يصح أن يوصَف بالصحة والفساد فإنه إذا وقع من الغاصب يعتبر فاسدًا، والأخ يعطينا مثالًا آخر.
طالب: ما أعرف.
الشيخ: ما تعرف.
طالب آخر: مثلًا ..
الشيخ: الهبة، لو وَهَبَهُ لم يصح.
طالب: والإعارة.
الشيخ: والإعارة، المهم كل تصرف يوصَف بالصحة والفساد فإنه إذا وقع من الغاصب لا يصح، ولهذا قال المؤلف: (تصرفات الغاصب الْحُكْمِيَّة)، لو حج بمال مغصوب؟
طالب: كذلك.
الشيخ: كذلك؟
الطالب: نعم.
الشيخ: يصح، يكون صحيحًا ويكون فاسدًا، لو صلى في مكان مغصوب؟
طالب: صلاته فاسدة.
الشيخ: فصلاته فاسدة؛ لأن الصلاة يصح أن توصف بأنها صحيحة وأنها فاسدة، المهم كل تصرف في المغصوب يصح أن يوصف بالصحة والفساد فإنه يقع فاسدًا، ولهذا عندما يقول: أو التي لها حكم من الصحة والفساد، كالحج والطهارة ونحوهما، والبيع والإجارة والنكاح ونحوها باطلة، هذا المذهب.
[ ١ / ٥٢٢١ ]
وعلى هذا فلو دار المغصوب بين عدة أناس فالتصرف كله باطل، ولكن القول الصحيح في هذه المسألة أن تصرفات الغاصب إن كانت لا تتعلق بآخر فهي باطلة، مثل الحج والطهارة والصلاة -على القول بأن التصرف في المغصوب بهذه الوجوه يعتبر باطلًا- والمسألة خلافية وسبقت.
وأما إذا كان يتعلق بشخص آخر فإن كان عالِمًا بالغصب فالتصرف باطل، وإن كان غير عالم فالتصرف صحيح، ولا يمكن استرداده من الثاني، لا سيما مع طول المدة، ولكن يضمن الغاصب على الوجه الذي يقتضيه الضمان؛ إما مثلي وإما متقوَّم، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
ولا يمكن العمل إلا بذلك؛ لأنه أحيانًا يغصب الإنسان الأرض ويبيعها، ثم يُعْمَر عليها ويتملكها الثاني والثالث والرابع، فلو قلنا بعدم الصحة لترتب على هذا مفاسد كثيرة، وأحيانًا يربح المشتري من الغاصب، وتكون أرباح طائلة، فكيف نضيِّع هذه الأرباح، مع أن الإنسان اللي تلقاها من الغاصب يمكن أنه عمل أعمالًا كثيرة فيها، والغاصب قد لا يمكن الرجوع إليه، وإن كان القرار على الغاصب إذا لم يَعْلَم الثاني.
فالمسألة في الحقيقة يترتب عليها مضار كثيرة، لهذا قال بعض العلماء: إنه إذا تصرف تصرفًا يتعلق بالغير الذي لا يعلم فالتصرف ماضٍ، ولكن على الغاصب الضمان، وهذا القول لا شك أنه أرجح من القول بالبطلان على كل حال.
ولو قال قائل بالتفصيل بأنه إذا سَهُل إبطالها أبطلناها وضَمَّنَّا الغاصب جميع ما يترتب على عمله بالنسبة للمنتقلة إليه، مثل لو كان الذي اشترى من الغاصب عمل فيها أعمالًا وخسر فيها فيُضَمَّن الغاصب ويرجع الملك إلى صاحبه، يعني لو قلنا بهذا بأن يُفَرَّق بين ما إذا شق إبطال التصرف وإذا لم يشق لكان هذا أيضًا قولًا لا بأس به، والله أعلم.
() والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ما تقول في رجل غصب عصير عنب فصار خمرًا؟
طالب: عليه مثله.
الشيخ: عليه مثله عصيرًا ولّا خمرًا؟
[ ١ / ٥٢٢٢ ]
الطالب: مثل العصير.
الشيخ: مثل العصير، أحسنت، هذا الخمر ().
كل تصرفات الغاصب على المذهب باطلة يجب ردها، وهذا القول الذي ذهبوا إليه يعارض ظاهر ما نص عليه الإمام أحمد ﵀ في أن الغاصب إذا اتَّجَرَ بمال مغصوب فالربح للمالك، مثل غصب سيارة وباعها، واشترى سلعة وربح، وصار يبيع ويشتري وربح، قيمة السيارة كانت أربعين ألفًا، وربح إلى أن بلغ أربع مئة ألف، فقد نص الإمام أحمد على أن الربح للمالك، وليس للغاصب شيء، الحقيقة أن هذا النص من الإمام أحمد يدل على أن التصرف صحيح ولّا باطل؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح؛ لأنه لو كان باطلًا لبطل ما انبنى عليه، وهو الربح، لكنه قال: إن الربح للمالك، ولهذا اختلف الأصحاب ﵏ في تخريج هذا النص، ولكننا إذا قلنا بالقول الصحيح لم يكن في هذا النص إشكال، وهو صحة تصرف الغاصب مالم ينقضه؟
طلبة: المالك.
الشيخ: المالك، فإذا قلنا بهذا انتهى الإشكال، ولهذا بعض الأصحاب قال: إن هذا من الإمام أحمد يدل على صحة تصرف الغاصب، وقال بعضهم: إنه محمول على ما إذا كثرت التصرفات، وصار رد التصرف شاقًّا، فتُدْرَأ هذه المشقة، ويبقى التصرف صحيحًا والربح للمالك.
وقال بعضهم: إن هذا فيما إذا أجازه المالك، فيكون مبنيًّا على صحة تصرف الفضولي، المهم أنهم اختلفوا، ولكننا إذا مشينا على القول الراجح؛ وهو صحة التصرف ما لم ينقضه المالك، لم يبقَ في هذا إشكال.
قال المؤلف ﵀: (والقول في قيمة التالف أو قدره أو صفته قوله، وفي رده وعدم عيبه قول رَبِّه).
هذه عدة اختلافات:
الأول: اختلاف المالك والغاصب في قيمة التالف المغصوب، الآن تالف؛ غصب سيارة واحترقت، فاختلف المالك والغاصب في قدر قيمتها، فقال المالك: القيمة عشرون ألفًا، وقال الغاصب: القيمة أربعون ألفًا، صح المثال؟
طلبة: ما يمكن.
الشيخ: ما يمكن؟
طالب: الأولى العكس.
[ ١ / ٥٢٢٣ ]
الشيخ: إي نعم، إذن قال المالك: القيمة أربعون ألفًا، وقال الغاصب: القيمة عشرون ألفًا، فمَن القول قوله؟
يقول: القول قول الغاصب؛ لماذا؟ لنا في ذلك دليل وتعليل؛ أما الدليل فهو قول النبي ﷺ: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (٤)، فهنا عشرون ألفًا متفق عليها، ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: الغاصب يقول: إنها عشرون ألفًا، والمالك يقول: أربعون ألفًا، إذن عشرون ألفًا متفق عليها ما فيها إشكال، يبقى العشرون الثانية يدَّعِيها المالك، نقول: أنت مُدَّعِي، والنبي ﷺ يقول: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي»، هاتِ بينة تشهد بأن السيارة تساوي أربعين ألفًا، وإلا فليس لك إلا ما أَقَرَّ به المدَّعَى عليه، وهو الغاصب، واضح؟ هذا الدليل.
التعليل أن الغاصب غارم، والغارم قوله مقبول؛ لأن ما زاد على قوله الأصل براءته منه، الأصل براءة الذمة، فلا يمكن أن نخالف هذا الأصل إلا ببينة، ما أدري القاعدة واضحة ولَّا لا؟ الغاصب غارم ولَّا غير غارم؟
طلبة: غارم.
الشيخ: غارم؛ لأننا بنغرمه القيمة، الغارم قوله مقبول فيما يُطْلَبُ غُرْمُه؛ لأن الأصل براءته مما زاد على ما يُقِرُّ به، فمثل هذا الغاصب سنُغَرِّمُه قيمة السيارة، إذن فهو غارم ولّا غير غارم؟
طالب: غارم.
الشيخ: غارم، هو الآن مقر بعشرين ألفًا، نُغَرِّمه إياها، العشرون الأخرى الأصل براءة ذمته منها حتى يقوم دليل على أن ذمته مشغولة بها، وهذه قاعدة عند العلماء؛ أن كل غارم فقوله مقبول فيما غَرِم، أعرفتم يا جماعة؟ على أي أساس قلت هذه القاعدة؟
طالب: قول الرسول ﷺ ..
الشيخ: نعم، على الحديث: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (٤)، وعلى أن الأصل براءة الذمة، فما أقر به فقد أقر بأن ذمته مشغولة به، وما أنكره فالأصل؟
طلبة: البراءة.
[ ١ / ٥٢٢٤ ]
الشيخ: براءة الذمة، المهم أن تأخذوا هذه القاعدة الفقهية: كل غارم فقوله مقبول، ولهذا دائمًا يعلِّلُون، يقول: القول قوله؛ لأنه غارم.
فإذا قال قائل: الفرق الآن كبير بين قول المالك والغاصب؛ إذ إن الفرق هو النصف، أفلا يمكن أن نلغي قول كل واحد منهم ونرجع إلى قيمة المثل؟ بمعنى أن نقول للمالك: تعالَ صِف السيارة، ونقول للغاصب: صف السيارة، فإذا اتفقا على وصفها نسأل أهل الخبرة، نقول: ما تقولون في سيارة صفتها كذا وكذا؟
أقول: إن هذا القول لا شك أنه أقرب إلى العدل، يعني إذا كان الفرق بين قول المالك والغاصب كبيرًا كهذا فيمكن أن نلغي القولين جميعًا، ونقول: أعطونا صفة السيارة، قالوا: هي سيارة موديلها كذا ونوعها كذا ولونها كذا، ويذكرون أوصافها، إذا اتفقوا على الوصف ويش بقي علينا؟ تقدير القيمة، نلغي قوليهما، ونرجع إلى أهل الخبرة، نذهب إلى أهل المعارض ونقول: ما تقولون في سيارة صفتها كذا وكذا وكذا، كم قيمتها؟ إذا قالوا: قيمتها أربعون، أخذنا بقول مَن؟
طلبة: بقول المالك.
الشيخ: بقول المالك، إذا قالوا: قيمتها عشرون، أخذنا بقول الغاصب، إذا قالوا: قيمتها ثلاثون، ألغينا قوليهما وأخذنا بالثلاثين، إذا قالوا: قيمتها عشرة، هل نرجع إلى العشرة أو نرجع إلى قول الغاصب؟
طلبة: إلى قول الغاصب.
الشيخ: هذا محل خلاف بين الفقهاء ﵏؛ قال بعضهم: نأخذ بالعشرة؛ لأننا لما ألغينا قوليهما، صارت المسألة ابتدائية، وأهل الخبرة قالوا: تساوي عشرة.
وقال بعض أهل العلم: بل نأخذ بما قال الغارم، إي نعم، اللي هو الغاصب؛ لأن الغاصب أقرَّ على نفسه الآن بأن في ذمته عشرين للمالك، فكيف نسقط عنه العشرة؟ وهذا إلى الواقع أقرب، هذا أقرب إلى الصواب
؛ لأننا نأخذ الإنسان بما؟
طلبة: أقر به.
الشيخ: أقر به، هذه واحدة.
[ ١ / ٥٢٢٥ ]
ثانيًا: (أو قَدْرِه)، القول في قدر المغصوب قول الغاصب، كيف قَدْر؟ مثل أيش؟ قال المالك: إنك غصبت مني شاتين، وقال الغاصب: لم أغصب إلا واحدة، مَن القول قولُه؟
طلبة: الغاصب.
الشيخ: قول الغاصب، هذا واضح؛ أن القول قول الغاصب، للدليل والتعليل؛ الدليل: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (٤)، فشاة واحدة متَّفَق عليها الآن، الشاة الثانية مختلَف فيها، المالك يدَّعِيها، والغاصب ينفي هذه الدعوى، فنقول: أنت أيها المالك مُدَّعٍ، والغاصب مُنْكِر، والبينة على المدَّعِي، واليمين على مَن أنكر.
التعليل أن الغاصب غارم، والغارم قوله مقبول؛ لأن الأصل براءة ذمته مما لم يُقِرَّ به، هذه العلة.
ثانيًا: القول في صفته قول؟
طالب: الغاصب.
الشيخ: الغاصب، قال المالك للغاصب: غَصَبْتَنِي عبدًا كاتبًا مهندسًا، وقال الغاصب: بل غصبتك عبدًا أُمِّيًّا أخرق، الأول كم قيمته؟
طالب: كثير.
الشيخ: كثير، والثاني؟
الطالب: قليل.
الشيخ: ما يسوى نفقته، قليل، عبد، أُمِّي، أخرق، هذا لا أحد يشتريه، مَن القول قولًُه؟
طلبة: الغاصب.
الشيخ: قول الغاصب؛ لأن الجميع اتفقوا على غصب عبد، لكن ادَّعَى المالك وصفًا زائدًا على الذات، وهو أنه كاتب مهندس، والغاصب ينكره، قال المالك: غصبتني قمحًا جيدًا، وقال الغاصب: بل قمح رديء، مَن القول قولُه؟
طلبة: الغاصب.
الشيخ: القول قول الغاصب؛ للدليل والتعليل.
كذلك يقول: (قولُه)، يعني: قول الغاصب.
(وفي رده وعدم عيبه) -وعندي نسخة (تَعَيُّبه) - القول (قول ربه)، (في رده) قال المالك: لقد غصبتني عبدًا ولم ترده عليّ، فقال الغاصب: بل رددته عليك، القول قول مَن؟
طلبة: قول المالك.
[ ١ / ٥٢٢٦ ]
الشيخ: قول المالك؛ للدليل والتعليل أيضًا، اتفق الجميع على أن العبد كان عند الغاصب، أليس كذلك؟ الغاصب يقول: نعم، غصبتُ لكن رددته، والمالك يقول: غصبته ولكن لم ترده، فاتفق الجميع على أنه عند الغاصب، ثم ادعى الغاصب أنه رده، نقول: أنت الآن مُدَّعٍ، وقد قال النبي ﷺ: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» (٤)، هاتِ بينة أنك رددته على مالكه، وإلا فهو عندك، أما التعليل فنقول: إن الأصل؟
طالب: براءة الذمة.
الشيخ: ما هو براءة الذمة، الأصل بقاء ما كان على ما هو عليه حتى يقوم دليل على انتفاء هذا الأصل، فالأصل أن هذا العبد لما كان عند الغاصب فهو باقٍ حتى تقوم بينة على أن هذا الأصل قد زال.
(في عدم تعيُّبِه) قال المالك: إنك غصبتني عبدًا سليمًا، وقال الغاصب: بل عبد معيب، مثاله: رد الغاصبُ العبدَ وعينُه قد فُقِئَت، أعور، العور عيب ولّا كمال؟
طلبة: عيب.
الشيخ: عيب، فقال المالك: إنك غصبته مني سليم العينين، وقال الغاصب: بل غصبته منك أعور، مَن القولُ قولُه؟
طلبة: المالك.
الشيخ: الأصل عدم العين أو الأصل وجود العين؟
طلبة: وجود العين.
الشيخ: عدم العين ()، السؤال الآن: هذا الغاصب الآن رد العبد وهو أعور، فقال المالك: إنك غصبته مني وهو سليم العينين، وقال الغاصب: بل غصبته منك وهو أعور، ما حدث عندي شيء، مَن القول قوله؟
طلبة: المالك.
الشيخ: القول قول المالك، لماذا؟ لأن الأصل السلامة، وهو وجود العين، فيقول المالك: الأصل السلامة، هات بينة على أن العور كان موجودًا قبل الغصب، وإلا فعليك الضمان، إذا ضَمَّنَّا الغاصب، في المثال الذي ذكرت، فكيف نُضَمِّنُه؟ قال بعض العلماء: نُضَمِّنُه بنصف القيمة، وقال بعض العلماء: نُضَمِّنُه بما نقص، هل بينهما فرق؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إي نعم بينهما فرق، إذا قلنا: إن هذا العبد قيمته سليمًا عشرة آلاف ريال، فكم ضمانه على القول بأنه يُضَمَّن بنصف القيمة؟
[ ١ / ٥٢٢٧ ]
طلبة: خمسة آلاف.
الشيخ: خمسة آلاف؛ لأن نصف القيمة بالنسبة للعبد هي نصف الدية بالنسبة للحر، والعين فيها نصف الدية بالنسبة للحر، إذا قلنا بما نقص نقوِّم العبد الآن سليمًا، ونقوِّمه أعور، قالوا: سليمًا يساوي عشرة آلاف، أعور يساوي ألفين، كم يَضْمَن؟
طلبة: ثمانية آلاف.
الشيخ: ثمانية آلاف، بدل ما قلنا في الأول: خمسة آلاف، أيهما أقرب للقواعد؟ الثاني أقرب للقواعد؛ لأن العبد مملوك يُبَاع ويُشْتَرَى، ليس كالحر، الحر ديته مقدَّرة من قِبَل الشرع، لكن هذا عبد مملوك يباع كما تباع البهائم، وحينئذ نقول: يلزم الغاصب على القول الثاني -وهو الراجح- كم؟
طالب: ثمانية آلاف.
الشيخ: ثمانية آلاف درهم لا خمسة آلاف؛ لأنه يضمن بما نقص ()، فلا بد من يمينه، يعني ما نقول: القول قولك، وفقط، ونعطيه ونأخذ بقوله، لا بد من اليمين، فمثلًا إذا قال الغاصب للمالك: إني رددته عليك، فقال المالك للغاصب: ما رددته عليّ، نقول للغاصب: ائت ببينة، قال: ما عندي بينة، نقول للمالك: احلف أنه لم يرده عليك، فإن حلف ألزمنا به الغاصب، وإن لم يحلف قضينا عليه بالنكول، وقلنا: الآن نحكم ببراءة الغاصب؛ لأنك نكلت، ولو كنت صادقًا في أنه لم يرده عليك لم يكن اليمين بِضَارٍّ لك، هل يضره اليمين إذا كان صدقًا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، امتناعه من اليمين يدل على أنه كاذب، إذا امتنع هل نرد اليمين على المدَّعِي أو لا؟ في هذا خلاف بين العلماء؛ بعضهم قال: إذا امتنع الْمُنْكِر نرده على المدَّعِي، والصحيح أننا لا نردها إلا إذا رأى الحاكم من المصلحة ذلك، مثل أن يعرف أن هذا المدَّعَى عليه الذي هو الْمُنْكِر رجل وَرِع يهاب اليمين، فحينئذ لا بأس أن يردها على المدَّعِي، فالمهم أن هذا راجع إلى القاضي.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن جهل رَبَّهُ تصدق به عنه مضمونًا) (إن جهل ربه) يعني: إن جهل الغاصبُ صاحبَ المال، (رَبُّ) بمعنى؟
طلبة: صاحب.
[ ١ / ٥٢٢٨ ]
الشيخ: صاحب، بأن يكون قد غصب شيئًا من إنسان ولا يدري مَن هذا الإنسان، وهذا يقع كثيرًا، كرجل غريب وجد معه المواطن شيئًا أعجبه فأخذه منه قهرًا، هذا غصبه أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ذهب الغريب إلى بلده، ولا يعرف بلده ولا مَن هو، ثم إن هذا الغاصب مَنَّ الله عليه بالتوبة وتاب، وقال إنه قد تاب، ويريد أن يُنْقَذ من هذا الغصب، ولكنه لا يعرف صاحبه، فماذا نقول؟ يقول المؤلف: (تصدق به عنه)، (تصدق به) أي: بالمغصوب، (عنه) أي: عن ربه اللي هو المالك.
فإذا قال قائل: كيف يتصدق به عنه وهو مجهول؟ نقول: هو مجهول للمتصدِّق معلوم عند الله ﷾، فالله ﷿ يعلمه، وسيُعْطَي أجر هذه الصدقة لِمَن؟
طلبة: لصاحبها.
الشيخ: لصاحب المال، فهو مجهول لك معلوم لله ﷿، وسيوصل هذا إلى صاحبه.
وقول المؤلف: (مضمونًا) يعني أنه لا يبرأ منه البراءة الكاملة بحيث لو جاء صاحبه أو عرفه يومًا من الدهر فإنه يضمنه له ما لم يُجِز تصرفاته.
مثال ذلك: بعد أن تصدق هذا الرجل بهذا المغصوب لجهالة مالكه وجد مالكَه، نقول: الآن قل للمالك: إنك تصدقت بالمغصوب عنه، فإن أمضاه برئت منه، والأجر لِمَن؟
طالب: للمالك.
الشيخ: للمالك، وإن قال: لا أوافق أعطني مالي، وجب عليه أن يسلِّم له المال؛ مثله إن كان مِثْلِيًّا، وقيمته إن كان متقوَّمًا، والأجر لِمَن؟
طلبة: للغاصب.
الشيخ: يكون أجر الصدقة للغاصب، وهذا يُعْطَى عوض ماله؛ مثله إن كان مِثْلِيًّا، وقيمته إن كان متقوَّمًا، ولهذا قال المؤلف: (تصدق به عنه مضمونًا)، هذا الحكم ينسحب على كل مال جهل الإنسان مالكه، كل مال جهلت مالكه فإنك تتصدق به عنه مضمونًا يكون أجره لصاحبه، وإذا جاء خَيِّرْهُ، قل: أنا تصدقت به، إن شئت أمضيت الصدقة والأجر لك، وإن شئت ضمنت لك مالك، والأجر لِمَن؟ والأجر لي.
[ ١ / ٥٢٢٩ ]
مثال ذلك: رجل أودعك وديعة، وبقيت الوديعة عندك، وقال لك هذا الرجل: اجعل هذه عندك، أنا بأصل مثلًا الرياض وآتي في خلال يومين، أودعها عندي وبقي يومين وثلاثة وشهرًا وشهرين وسنة وسنتين ما جاءني، فأنا الآن أَيِسْتُ منه، صح ولّا لا؟ لأن رجلًا حدد لي أنه بيجي في يومين، وبقي سنتين، معناه أنه لو كان على الوجود لجاء، يحتمل أنه راح وحصل له حادث أو مات، المهم أنني بعد مُضِيّ هذه المدة أَيِسْتُ منه، فماذا أعمل بهذه الوديعة؟
طلبة: أتصدق بها.
الشيخ: أتصدق بها عنه مضمونة ولَّا مع البراءة؟
طلبة: مضمونة.
الشيخ: مضمونة، تصدقت بها عنه ثم جاءني بعد مضي ثلاث سنوات، فماذا أقول؟
أقول له: الآن أنت بالخيار؛ إن شئت أمضيت الصدقة والأجر لك، وإن شئت ضمنت مالك والأجر لي، واضح هذا ولّا لا؟
رجل أعارك عاريَّة، مثل: أعطاك كتابًا، وأنت لا تعرف الرجل، ثم ضاع عنك ولم تعرفه، وأَيِسْتَ منه، ماذا تصنع؟
طلبة: ().
الشيخ: أنا أَيِسْتُ منه، نقول: تتصدق به مضمونًا، فإذا جاء صاحبه قلت: إني أيست منك فتصدقتُ به، جعلته في مكتبة، أعطيته طالب علم، فإن شئت أمضيتَ، وإن شئت رجعت.
إذا قال: أنا أُمْضِي، فالأجر له، إذا قال: أنا أرجع، ننظر إذا كان الكتاب موجودًا رددناه عليه، إن كان غير موجود ضمناه بقيمته مستعمَلًا لا جديدًا، وعلى هذا فَقِسْ.
فالقاعدة إذن كل مال مجهولٌ صاحبُه مئيوس منه يتصدق به عنه مضمونًا، ولا تبقى المسألة معلَّقة؛ لأنه حتى الإنسان اللي عنده المال سيتعب، يبقى معلَّقًا لا يدري ماذا يصنع، نقول: ما من شيء إلا ويجعل الله له فرجًا ومخرجًا، فأنت الآن تصدق به، ثم إذا جاء فخَيِّرْهُ.
فإذا قال قائل: هذا التصرف يقتضي صحة تصرف الفضولي، وأنتم لا تقولون به، ويش معنى تصرف الفضولي؟
طلبة: ().
الشيخ: تصرف الفضولي أن يتصرف الإنسان بمال غيره بدون إذنه، فإذا أجاز التصرف فهل يَنْفُذ أو لا يَنْفُذ؟ فيه خلاف.
[ ١ / ٥٢٣٠ ]
مثال ذلك: أنا أخذت كتاب غانم وبعته بدون إذنه، هذا التصرف فضولي، يعني بغير وكالة وبغير إذن، لكن كانت البيعة طيبة، بعته وهو يساوي عشرة باثني عشرة، وجاب الثمن للأخ غانم، وقال: قد أَجَزْت البيع، يصح ولّا ما يصح؟
طلبة: على المذهب لا يصح.
الشيخ: على المذهب لا يصح ولو أجاز؛ لأنني تصرفت حين تصرفت وأنا لا أملك التصرف، والقول الثاني؟
طالب: الجواز.
الشيخ: أنه يصح، إذا أجازه صح البيع، وله ()، هذه المسألة فيما إذا جهل مالكه، قلنا: إنه يتصدق به ويُخَيِّر مالكَه إذا وجده، أليس هذا إجازة للتَّصَرُّف الفضولي؟
طالب: نعم.
الشيخ: الجواب: نعم، لكن يقولون: إن هذا قد دعت الحاجة والضرورة إليه، وإذا دعت الحاجة والضرورة إليه فهو جائز للضرورة، كما قلنا في مال المفقود، مال المفقود اللي راح ولا ندري، ما عنه خبر، أليس يورَث ويُوَزَّع؟ يورَث ويُوَزَّع لدعاء الحاجة إلى ذلك.
وعلى هذا فنقول: إذا دعت الحاجة إلى ذلك ابتداءً أو دوامًا فإنه يصح -التصرف الفضولي-، وإذا لم تَدْعُ لم يصح.
والصحيح أنه يصح مطلقًا، ويدل على ذلك حديث عروة بن الجعد ﵁، أن الرسول ﷺ أعطاه دينارًا يشتري به أضحية، فاشترى أضحيتين بدينار واحد، ثم باع واحدة بدينار، فجاء إلى الرسول ﷺ ومعه دينار وأضحية، فقال له النبي ﷺ: «بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي بَيْعِكَ» (٥)، فكان لا يشتري شيئًا ولو ترابًا إلا ربح فيه.
المهم أن الرسول ﷺ أجاز تصرفه، ولو كان تصرف الفضولي ممنوعًا مطلقًا لنهاه الرسول ﵊؛ لأن النبي ﷺ لا يُقِرُّه على باطل، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ولأن الحق حق آدمي ولَّا حق لله؟
طلبة: حق آدمي.
الشيخ: حق آدمي، فإذا أجازه الآدمي فالحق له، لماذا لا يَنْفُذ؟
[ ١ / ٥٢٣١ ]
لكن ما رأيكم بالذي طلَّق زوجته، فسمعته جارته فصاحت به: ويلك يا فلان، تُطَلِّق زوجتك؟ فقال: وأنت طالق على شور رجلك، ويش تقول هذا؟ الظاهر أن هذا لا يصح؛ أولًا: لأن هذا وقع في حال غضب شديد، كأنه يقول: ما لك دخل في الموضوع، لكن من شدة غضبه عليها طلَّقها على شور زوجها، إي نعم.
(ومَن أتلف محترَمًا، أو فتح قفصًا، أو بابًا، أو حَلَّ وِكَاءً، أو رباطًا أو قيدًا، فذهب ما فيه، أو أتلف شيئًا ونحوه ضمنه).
ذكر المؤلف هذه المسائل في باب الغصب؛ لأنها تشبه باب الغصب من حيث العدوان.
الأول قال: (مَن أتلف محترَمًا) فهو ضامن له، يعني: إذا أتلف الإنسان شيئًا محترَمًا فهو ضامن له، والمحترَمُ هو الذي لا يجوز إتلافه.
مثال ذلك: أتلف كتابًا لشخص، وهذا الكتاب لا يشتمل على بِدَع ولا على شيء مُنْكَر، إنما هو كتاب علم؛ إما ديني أو غير ديني، المهم أنه أتلف هذا الكتاب، فعليه؟
طلبة: الضمان.
الشيخ: الضمان مع الإثم، وكيف يضمن؟ إن كان مثليًّا فبمثله، وإن كان غير مثلي فبقيمته كما سبق، فإن عَفَا ربه فهل يضمن؟
طلبة: لا.
الشيخ: إذا عفا ربه فلا يضمن، بل ويسقط الإثم أيضًا؛ لأنه إذا عفا الإنسان فالله أحق بالعفو.
وقول المؤلف: (محترَمًا) احترزًا مما ليس بمحترَم، كما لو أتلف خمرًا فإنه لا يضمنه؛ لأن الخمر للمسلم ليس بمحترَم، وكما لو أتلف كتاب بدعة وضلالة فإنه لا يضمنه، لماذا؟ لأنه غير محترَم، وكما لو أتلف دخانًا -أي التبغ- فليس عليه ضمان؛ لأنه ليس بمحترَم، حيث إنه حرام لا يمكن الانتفاع به؛ لا بيعًا ولا هبة ولا استعمالًا ولا شيء أبدًا، فهو ليس بمحترم، فإذا أتلف ما ليس بمحترَم فليس عليه شيء، أتلف آلة لَهْو يضمن ولَّا لا؟
طلبة: لا يضمن.
[ ١ / ٥٢٣٢ ]
الشيخ: لا يضمن؛ لأنها ليست بمحترمة، لكن إن أتلفها على وجه تفوت به ماليتها ضمن ماليتها فقط، يعني قد تكون خشبًا، فإذا أحرقها بالنار يضمن قيمة الخشب لا قيمة الآلة، وأما إذا كسرها بحيث يفوت منفعتها على صاحبها فليس عليه ضمان؛ لأن عينها موجودة، والذي أتلف هو المنفعة المحرَّمة، فهذا لا ضمان عليه.
يقول: (أو فتح قفصًا)، وإذا فتح القفص ماذا يكون؟
طلبة: فيه طير.
الشيخ: فيه طير، فتح القفص فطار الطير، فعليه الضمان، إذا قال: كيف أضمن وأنا لم أُطَيِّره، هو الذي طار؟ فالجواب: لما فتحت القفص صرت أنت السبب، ولا يمكن إحالة الضمان على الطير، كما لو أن شخصًا قذف بآدمي أمام الأسد فأكله الأسد، هل يضمن هذا القاذف؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لو قال: أنا لم أتلفه، الذي أتلفه الأسد، نقول: الأسد لا يمكن تضمينه، فإذا تعذَّر تضمين المباشر وجب الضمان على المتسبِّب، كذلك يقول: إذا قال الذي فتح القفص: أنا ما علمت أن الطير مطلَق، أنا أحسب أنه مربوط برجله في القفص، كما يفعله بعض الناس، مع كونه في القفص يربطه، فماذا نقول؟
نقول: عليك الضمان، لكن ربما لا نقول: إن عليك إثمًا، لا سيما إذا كان الغالب أن أهل الطيور يربطونها في الأقفاص، إنما الضمان لا بد؛ لأن حق الآدمي يستوي فيه العالم والجاهل، والذاكر والناسي، والعاقل والمجنون، لا بد من الضمان.
كذلك لو فتح بابًا، وماذا يكون؟ فتح بابًا مغلقًا على بهيمة، ولما فتح لها الباب خرجت، عليه الضمان؛ لأنه هو السبب، وإحالة الضمان على البهيمة متعذِّر.
(أو حل وكاء) يعني: وكاء وعاء فيه شيء مائع، كوكاء سقاء اللبن، إنسان أتى على وعاء لبن وحل وكاءه، ثم خرج اللبن، عليه الضمان؟
طلبة: نعم.
الشيخ: الدهن لا، ليس كذلك، إن كان جامدًا فلا ضمان عليه؛ لأنه لن يخرج، وإن كان مائعًا؟
طالب: فعليه الضمان.
الشيخ: فعليه الضمان، إلا إذا حل وكاء الجامد وأبقاه بالشمس حتى ذاب وخرج فعليه الضمان.
[ ١ / ٥٢٣٣ ]
يقول: (أو حل رباطًا أو حل قيدًا)، حل رباطًا يعني لدابة مربوطة، أو قيدًا لدابة مقيدة، ما الفرق بين القيد والرباط؟
الرباط يثبت في الأرض وتُرْبَط به البهيمة، والقيد تُقَيَّد اليد والرجل أو اليدان وهو يمشي غير ثابت، فهذا رجل أتى إلى بهيمة مربوطة فحل رباطها فهربت، عليه الضمان، وآخر وجد بهيمة مقيدة بيديها أو رجليها فحل القيد فهربت، فعليه الضمان.
قال: (أو قيدًا فذهب ما فيه، أو أتلف شيئًا ونحوه ضمنه)، إذا ذهب ما فيه فعليه الضمان، وهو واضح، إذا أتلف هذا الشيء شيئًا فعليه ضمانه، يعني حل قيد جمل، فذهب الجمل وأفسد الزروع وأكلها وتلف فعليه ضمان الجمل، وعليه ضمان الزرع الذي أتلفه الجمل، وذلك لأنه هو المتسبب، والمباشر لا يمكن تضمنيه إن كان هو الضامن.
(وإن ربط دابة بطريق ضيق فعثر به إنسان ضمن)، إذا ربط دابة بطريق فلا يخلو إما أن يكون الطريق واسعًا بحيث لا تضيق على المارة، فهذا لا ضمان عليه، لا سيما إذا جرت العادة بمثل ذلك، وإن ربطها بطريق ضيق فجاء إنسان فعثر بها، أو رمحته لما مَسَّهَا، فعليه الضمان، هل مثل ذلك السيارة؟
إذا أوقفها بطريق ضيق فجاء إنسان واصطدم بها فعليه الضمان، وكذلك لو أوقفها بطريق واسع ولكنه في غير الموقف المخصص فعليه الضمان، مثلًا أوقفها في الطريق وهو واسع، لكن في المسار، في الوسط، فعليه الضمان، والضابط لذلك هو الاعتداء، بأن يفعل الإنسان ما ليس له فعله.
وفُهِمَ من قول المؤلف: (بطريق ضيق) أنه لو ربطها بطريق واسع فلا ضمان عليه، ولكن المذهب أن عليه الضمان مطلقًا، قالوا: لأن الطريق لمنفعة المستقدر، ليس للإنسان الذي يوقف سيارته أو دابته به، فعليه الضمان مطلقًا، لكن ما ذكره المؤلف أصح، وهو أنه إذا كان الطريق ضيقًا أو واسعًا لكن أوقفها بمكان لم يُعَدّ للوقوف فعليه الضمان.
لو وضع حجرًا في الطريق فعثر به إنسان فمات أو انكسر هل يضمن؟
[ ١ / ٥٢٣٤ ]
نعم يضمن؛ لأنه مُعْتَدٍ، لكن لو وضع الحجر لمصلحة السالكين، كما لو كانت الطريق وحلًا -يعني فيها طين انزلق- فوضع الحجر ليمشي الناس عليه، فنقول: إن كان له حق التصرف، كما لو كان من جهة المسؤولين عن الطرقات، فلا ضمان عليه.
وإن لم يكن له حق التصرف نظرنا؛ إن كان الطريق مشتركًا وجعل هذا بينه وبين جيرانه -والطريق المشترك هو الطريق المسدود- فهذا لا بأس به؛ لأن له حق التصرف فيه، وإن كان نافذًا فهذا محل نظر؛ لأننا نقول: إنه ليس لك الحق بأن تضع مثل هذه الأحجار، ودع الناس في الوحل ما عليك منهم، أما أن تضع حجرًا يكون سببًا لعثرة الناس فيه فهذا ليس إليك.
يقول المؤلف ﵀: (كالكلب العقور لمن دخل بيته بإذنه أو عقره خارج منزله)، إنسان عنده كلب عقور -كلمة عقور تدل على أن العقر من طبيعته وصفاته، بخلاف عقره إذا هُوجِم، فهذا لا يخلو منه كلب- فهذا إنسان عنده كلب عقور، فخرج الكلب إلى السوق وعقر الناس، فعليه الضمان، ولهذا قال: كالكلب العقور لمن عقره خارج المنزل، أو دخل المنزل بإذن رب المنزل، فإنه يضمن.
أما الأول الذي عقره خارج المنزل فظاهر؛ لأنه عقره في مكان لا يختص به صاحب الكلب، وكان على صاحب الكلب أن يربطه حتى لا يعقر الناس، وأما الثاني الذي عقره في المنزل لمن دخل بإذنه فلأن دخوله بإذنه يقتضي أن يكون في حمايته، ومن المعلوم أن كل صاحب مكان؛ أرض، بستان، بيت، إذا كان مستعدًّا لقدوم الضيوف وعنده كلب عقور فإن العادة أن يربط الكلب، فإذا لم يربطه ودخل إنسان بإذنه وعقره فعليه الضمان، فإن دخل بغير إذنه فليس عليه ضمان، لماذا؟ لأن الداخل مُعْتَدٍ، والكلب لم يخرج عن نطاق ملك صاحبه، فإذا دخل إنسان لهذا البيت ..
[ ١ / ٥٢٣٥ ]
فعَثَرَ به إنسانٌ ضَمِنَ، كالكلبِ العَقورِ لِمَن دَخَلَ بيتَه بإِذْنِه أو عَقَرَه خارجَ مَنْزِلِه، وما أَتلَفَت البهيمةُ من الزرعِ لَيْلًا ضَمِنَه صاحبُها، وعَكْسُه النهارُ، إلا أنْ تُرْسَلَ بقُرْبِ ما تُتْلِفُه عادةً وإن كانت بِيَدِ راكبٍ أو قائدٍ أو سائقٍ ضَمِنَ جِنايتَها بِمُقَدَّمها لا بِمُؤَخَّرِها، وباقي جِنايتِها هَدَرٌ كقْتَلِ الصائلِ عليه وكَسْرِ مِزمارٍ وصَليبٍ، وآنيةِ ذَهَبٍ وفِضَّةٍ، وآنيةِ خَمْرٍ غيرِ مُحترَمَةٍ.