وهي أَيمانٌ مُكَرَّرَةٌ في دَعْوَى قَتْلِ مَعصومٍ، ومن شَرْطِها اللَّوَثُ، وهي العَداوةُ الظاهرةُ كالقبائِلِ التي يَطْلُبُ بعضُها بعضًا بالثأرِ، فمَن ادُّعِيَ عليه القتْلُ من غيرِ لَوَثٍ حَلَفَ يمينًا واحدةً وبُرِّئَ، ويُبْدَأُ بأيمانِ الرجالِ من وَرَثَةِ الدمِ،
أو أن الفرع لا عقل عليه إن كان من قبيلة أخرى. وهذا قول ثالث.
[ ١ / ٧٤٠٨ ]
كيف العقل عليه إن كان من قبيلة أخرى؟ مثل أبناء المرأة؛ إذا كانت المرأة من آل فلان، وتزوجها رجل من آل فلان، صار أبناؤها ليسوا من قبيلتها، أليس كذلك؟ فذهب بعض أهل العلم إلى أنهم ليسوا من العقل -يعني لا يعقلون- لا يؤدون شيئًا من العقل؛ لأنهم من قبيلة أخرى.
وأصل هذا العقل كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- () أنه مبني على النصرة والدفاع والحماية، ومن كان من قبيلة أخرى فليس من أهل النصرة والحماية والدفاع.
ولكن المشهور من المذهب -كما ترون- يقولون: كما أنهم غانمون بالإرث فهم غارمون بالعقل، وكيف لا نجعلهم غانمين ونورثهم؟
إذا دعت الحاجة إلى ذلك في العقل، فالأقوال في عمودي النسب ثلاثة أو أربعة، () من غير القبيلة؛ مثل أبناء المرأة إذا كانوا من غير قبيلتها، أما لو كانوا من قبيلتها -كما لو تزوجها ابن عمها- فهم عاقلة.
إذا قال قائل: هؤلاء هم العاقلة، فماذا عليهم؟ عليهم أن يؤدوا العقل؛ أي: الدية عن القاتل، وهذا بالنص والإجماع في الخطأ.
واختلف العلماء في شبه العمد، والصحيح أنه كالخطأ؛ أي أن العاقلة تحمله، فالعاقلة تحمل ()، سيأتي إن شاء الله. إذن هؤلاء هم العاقلة، وسموا بذلك لما سبق.
طالب: ()؟
الشيخ: الصحيح العموم؛ لأن أولادها وإن كانوا من غير قبيلتها فقد وجب عليهم نصرها.
(ولا عقل على رقيق) يعني: لو كان للجاني قريب رقيق؛ يعني لين وليس بخشن؟ ويش معنى رقيق؟ يعني مملوكًا، ضده الحر، لو كان له قريب رقيق مملوك فإنه لا عقل عليه، بماذا؟ بوجهين:
الوجه الأول: أنه ليس من أهل النصرة في العادة؛ لأنه مملوك.
والثاني: أنه لا مال له؛ لأن مال المملوك لسيده.
والدليل قول النبي ﷺ: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ» (١)، فجعل المال للذي باع.
إذن لا عقل على رقيق من وجهين:
الوجه الأول: أنه ليس من أهل النصرة غالبًا.
[ ١ / ٧٤٠٩ ]
والثاني: أنه لا يملك مالًا حتى يدفعه.
نأخذ من هذا أنه يشترط لتحميل العاقلة أن يكون العاقل حرًّا، ولَّا لا؟ () هذا الشرط.
يختلف مع شروط تحمل العاقلة يقول: شروطها كذا () الشرط الأول: هذا أن يكون حرًّا.
قال: (ولا على غير مكلف) من غير المكلف، الصغير والمجنون؛ لقول النبي ﷺ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ» (٢)، فلا يحمل الصغير ولو كان عنده مال كثير، ولا يحمل المجنون ولو كان عنده مال كثير، لماذا؟ لأنهما ليسا من أهل النصرة، غالبًا ما هم مكلفين؛ لأن هذا حق مالي لآدمي فهو كالإنفاق، لكن لأنهما ليسا من أهل النصرة غالبًا، أنت عندما () بالصغير أو بالمجنون؟ لا.
إذن لا عقل على صغير ولا على مجنون.
خذ شرطًا ثانيًا: التكليف؛ يعني: يشترط لتحميل العاقلة أن يكون مكلفًا.
لو كان له أخ صغير عنده مال كثير وابن عم بالغ عنده مال؟
طلبة: ابن العم.
الشيخ: والأخ؟
طلبة: ().
الشيخ: لا؛ لأنه صغير غير مكلف.
(ولا على فقير) كلمة (فقير) مأخوذة من الفَقْر؛ وهو الخُلُو، وهو موافق للقَفْرِ؛ القفر المكان الخالي، وهذا يسمونه الاشتقاق الأصغر؛ يعني أن الكلمتين يتوافقان في الحروف ويختلفان في الترتيب، يسمى هذا اشتقاقًا، المعنى واحد تقريبًا.
فالفقير مأخوذ مِن؟ أصلُه من القفر؛ وهو الخلو الموافق لكلمة (الفقر) في عدد الحروف وإن كان يخالفه في الترتيب.
فالفقير هو الذي لا يجد شيئًا، ولو كان قريبًا من الجاني لا يحمل شيئًا، لماذا؟ لأن ليس عنده مال.
لا يقال: إنه يجب في ذمته حتى يغنيه الله؛ لأن المسألة كلها مبنية على النصرة والمحاماة، وهذا فقير لا يستطيع، ومن كان فقيرًا معدمًا كيف نلزمه؟ !
زد شرطًا ثالثًا: أن يكون غنيًّا.
فما هو الفقر المانع؟ وما هو الغنى؟
[ ١ / ٧٤١٠ ]
يجب أن نعرف الفقر في كل موضع بحسبه؛ فمثلًا في باب إيجاب الزكاة الغني من يملك نصابًا، وفي باب إعطاء الزكاة الغني من عنده قوته وقوت عائلته لمدة سنة، وفي باب النفقات الفقير من يعجز عن التكسب وليس عنده مال. وفي هذا الباب يقول المؤلف عندي في الشرح: الفقير هو الذي لا يملك نصاب زكاة عند حلول الحول فاضلًا عنه؛ يعني معناه: أن الفقير هو الذي لا يملك نصابًا عند وجوب دفع الدية فاضلًا عن كفايته وكفاية عياله ()، بل قال: أنا عندي ألف ريال تكفيني أنا وعائلتي، نأخذها منه؟ لا؛ لأنه فقير.
قال: (ولا أنثى) يعني: ما يحمل العقل على أنثى ()، لكن لا يجب عليها، هذه أنثى عندها مال كثير كثير كثير، وقتل أخوها رجلًا خطأ، نحملها؟ لا، لماذا؟ لأنها ليست من أهل النصرة؛ المرأة ما هو بيُستنْصر بها ولا يستعان بها، لكن أليس بعض الناس يقول: () فلا تجب للمرأة أو لا؟
طالب: ().
الشيخ: هذا يمكن، نادر أو خلاف العادة فلا عبرة به، حتى لو كانت أمه أو أخته أو ابنته فإنه لا تحمل من العقل شيئًا؛ لأنها ليست من أهل النصرة والدفاع صح، ولَّا لا؟ ولهذا ما تجد أحدًا يستعين بامرأة أبدًا إلا في بعض الأحوال النادرة.
يقال: إن رجلًا قالت له امرأة: أريد أن أسابقك، فقال: لا يمكن أن تسابقيني؛ إن غلبتك في المسابقة فلا فخر لي، وإن غلبتيني فعار عليَّ، إذن ما أسابقك، صح كلامه ولَّا لا؟ صح، إن سبقها ما فيه فخرٌ، معروف أن الرجل أقوى من المرأة وأسبق من المرأة، وإن سبقته فهو يُعَيَّر؛ يقال: هذا اللي سابق المرأة وسبقته، لكن هذا ما لم تكن زوجته، إن كانت زوجته فالرسول ﷺ سابق عائشة مرتين.
[ ١ / ٧٤١١ ]
(ولا مخالف لدين الجاني) مخالف لدينه؛ يعني: بأن يكون الجاني مسلمًا والآخر كافرًا، أو بالعكس؛ لأنه ليس من أهل النصرة؛ إذ إن الفصل بين المسلم والكافر ولو كان أقرب قريب ثابت شرعًا وعقلًا، قال الله تعالى لما قال نوح: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥] قال له: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦]، ولهذا قال النبي ﵊: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» (٣)، وإذا انقطع التوارث انقطع التعاون والتناصر، فلا يُحْمَل المخالف في الدين شيئًا من العقل. نزيد شرطًا خامسًا؛ وهو اتفاق الدين.
وظاهر كلام المؤلف حتى في الولاء، خلافًا لما قالوه في باب الفرائض؛ حيث قالوا: إن اختلاف الدين لا يمنع التوارث، وسبق لنا أن الصواب أن اختلاف الدين يمنع التوارث حتى في الولاء، وهنا قال: (ولا مخالف لدين الجاني). هذه خمسة شروط.
الشرط السادس: أن تكون الجناية خطأ أو شبه عمد؛ لقوله: (ولا تحمل العاقلة عمدًا محضًا) فبقوله: (عمدًا) خرج الخطأ، وبقوله: (محضًا) خرج شبه العمد، فلا تحمل عمدًا محضًا، لكنها تحمل الخطأ وشبه العمد.
والدليل على ذلك أن النبي ﷺ حمَّل الدية في المرأتين اللتين اقتتلتا من هذيل بالدية على العاقلة في شبه العمد (٤)، فالخطأ من باب أولى، والخطأ بالإجماع -بإجماع العلماء- أن العاقلة تحمله، وفي شبه العمد خلافٌ، والصحيح أنها تحمله.
إذن فيُشترط شرطًا سادسًا؛ وهو ألَّا تكون الجناية عمدًا، يعني إذن شبه العمد والخطأ. وهنا يحصل التساؤل: لماذا نحمل العاقلة الدية مع أن الجاني غيره؟
والجواب على ذلك من وجهين:
[ ١ / ٧٤١٢ ]
الوجه الأول: أن هذا حكم رسول الله ﷺ، فيجب علينا الاستسلام له؛ لأن حقيقة الإسلام لا تتم إلا بالاستسلام لما حكم به الرسول ﵊، قال الله ﷿: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
فإذا قال القائل: سلمنا لأمر الرسول ﵊، لكن كيف نجيب عن قول رب الرسول ﷾: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر: ١٨]؟
فالجواب: أن هذا في الذنوب والآثام؛ ﴿لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ هذا في الذنوب والآثام. وأما في النصرة والمساعدة والمعاونة فذاك شيء آخر، فإيجاب الدية على العاقلة من باب النصرة والمعاونة، كما أوجبنا على الغني الإنفاق على من؟ على قريبه الفقير.
أما قوله ﷾: ﴿لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ فهذا في الذنوب والآثام، آية أخرى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٦ - ٣٩]، وقد أجمع العلماء على أن الرجل لو وهب للإنسان شيئًا من ماله الذي حصله بكسبه وكده، فذلك جائز ولَّا ممنوع؟ جائز، وهو ليس من سعي المعطى، فدلَّ ذلك على أن المراد بالآية الذنوب والآثام ﴿لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.
أما الوجه الثاني لتحميل العاقلة الدية، إحنا ذكرنا وجهين وتلونا الدليل من السنة، والوجه الثاني: أن الخطأ يقع كثيرًا من الإنسان، ولو حملناه كل خطأ يقع منه لاستنفذنا ماله، فكان من الحكمة أن يُنَاصر ويُعَاون.
[ ١ / ٧٤١٣ ]
فإن قلت: هذه الحكمة موجودة في عهد الصحابة وفي زمن مضى، لكن لها عاقبة سلبية -كما يقولون في وقتنا الحاضر- وهو أن الإنسان إذا علم أن عاقلته سوف تحمل الدية عنه ترى يتهور ولا يبالي قتل نفسًا أو لم يقتل، فما الجواب عن هذا؟
طالب: نفصِّل.
الشيخ: ما هو التفصيل؟
الطالب: ().
الشيخ: لا يتحمل، إذن نقيد النص، الأخ يفصل؛ يقول: إذا كان هذا يؤدي إلى تهور الجاني وعدم مبالاته فإننا نحمله ذلك؛ نحمله الدية.
طالب: لكن هذا نادر.
الشيخ: نادر؟
الطالب: ().
الشيخ: ().
الطالب: ().
الشيخ: ما هو رايح يتعمد () لكنه يتهاون.
الطالب: ()؟
الشيخ: لا.
الطالب: ().
الشيخ: أبدًا، ولا قرش واحد.
طالب: ().
الشيخ: ما هو ذلك؟
الطالب: هو ليس عمد، لكنه من هذا الباب () وبما أنه تهور نحمله ().
طالب آخر: () في المرة الثانية ().
الشيخ: تفصيل جديد، هو على كل حال الواجب أن نتمشى على الشرع، وكما يظهر لي أن من ظهر منه أمارة التهور وعدم المبالاة فإنه يحجز؛ يعني: يُعزر بما يرغب به الإمام، قد يكون تعزيره بسحب رخصته، قد يكون تعزيره بسحب السيارة.
المهم الذي يرى الإمام -ولي الأمر- يعزره به، وأما الأمور الشرعية فيجب أن تتمشى على ما جاء به الشرع، هذا هو الأصل ().
العاقلة عمدًا، إي نعم داخل فيه، ولكن عمدًا محضًا.
(لا تحمل العاقلة عبدًا) يعني: لو أن أحدًا قتل عبدًا خطأ أو شبه عمد فإن العاقلة لا تحمله، لماذا؟ لأن ضمان العبد يجري مجرى ضمان الأموال؛ ولهذا دية العبد قيمته بالغة ما بلغت، فلا تحمله العاقلة، عندما يقتل العبد فكيف تكون ديته؟ قيمته بالغة ما بلغت، إذن فضمانه جارٍ مجرى ضمان الأموال، وإذا كان كذلك فإن ضمانه يكون على القاتل، كما لو قتل الإنسان بهيمة؛ رجل أراد أن يرمي صيدًا، فأصاب بعير شخص، فماتت البعير، من يضمنها، العاقل ولَّا القاتل؟
طلبة: القاتل.
[ ١ / ٧٤١٤ ]
الشيخ: القاتل، فكذلك العبد؛ لأن ضمانه ضمان أموال.
وقال بعض العلماء: إن دية العبد مضمونة على العاقلة؛ لأنه إنسان، ولأنه تجب الكفارة في قتله، فإذا وجبت الكفارة وجبت الدية، وإذا وجبت الدية فهي على العاقلة.
ولكن القول الأول أصح؛ لأنه لا يلزم من وجوب الكفارة أن تكون الدية على العاقلة -كما عرفتم- في الشروط () من شروط.
إذن أضف إلى هذه الشروط السابقة -كم هي؟ - ألَّا يكون ضمان المقتول جاريًا مجرى الأموال، فإن كان جاريًا مجرى الأموال فإن العاقلة لا تحمله.
ثانيًا: (ولا صلحًا) لا تحمل العاقلة الصلح، كيف صلح؟ القتل فيه صلح؟ نعم، ادعى إنسان على شخص بأنه قتل مورثه؛ يعني: جماعة جاؤوا لشخص قالوا: أنت قتلت مورثنا؛ قتلت أبانا، قال: ما قتلت، قالوا: قتلتَ ()؛ فإما أن تسلم الدية، وإما أن نشكوك، لما رأى أن المسألة تأزمت قال: أنا أبغي أصالحكم () مصالحة، خذوا مني خمسين ألفًا وفي أمان الله.
فهل تحمل العاقلة هذا الصلح؟ لا، لماذا؟ لأنه لم يثبت؛ ما ثبت ببينة، ولا باعتراف القاتل، ولا باعتراف الذي ادُّعي عليه القتل، إنما هو صلح عن دعوى، والعاقلة ما لها بها دخل، فمعنى قوله: (صلحًا) يعني صلحًا عن دعوى قتل أنكره المدعى عليه. يجب أن نعرف معنى العبارة: (ولو صلحا) يعني: عن دعوى قتل أنكره المدعى عليه. وتعليل ذلك أن هذا لم يثبت، والعاقلة لا تحمل شيئًا لم يثبت.
فإذا قيل: إن هذا الرجل قد صالح عن الدعوى عليه، وبإمكانه أن يصر على الإنكار ثم يحاكم إلى القاضي، ولَّا لا؟ وإذا حاكم إلى القاضي تبين الحق، وعلى هذا فنقول: إن الصلح لا تحمله العاقلة؛ لعدم ثبوته.
(ولا اعترافًا لم تصدقه به) هذا أيضًا لا تحمله اعترافًا من المدعى عليه، (لم تصدقه به) أي: بهذا الاعتراف.
[ ١ / ٧٤١٥ ]
مثاله: أن يُدَّعى على شخص أنه قاتل، فيعترف بأنه هو القاتل، ولكن العاقلة قالوا: ما نصدق أبدًا ()، فهل نلزمهم؟ ما نلزمهم؛ لأنه ما ثبت هذا ببينة، لم يثبت هذا ببينة.
إذن على من يكون؟ يكون على الجاني الذي ()، والعاقلة لم تصدقه، وعلى هذا فلا يلزمها ما لم تصدق به أو يثبت ببينة.
ولأنا لو ألزمنا العاقلة بذلك -بالدية- لكان فتح باب لأهل الحيل، يقول: تعالوا ادعوا عليَّ أني أنا اللي قاتل أبوكم ومحمل عاقلتي الدية، وأنا ()، وتكون الدية بيني أنا وإياكم أنصاف، شرط أن تكون لنا عشرون ولكم عشرون، ممكن هذا ولَّا ما هو ممكن؟ ممكن؛ ولهذا يجب أن نسد كل باب يمكن أن يتحيل به ().
إذا قال قائل: عرفنا أن العاقلة لا تحمل اعترافًا لم تصدق المعترف به، فما تقولون؛ هل الأولى أن تصدق أو الأولى أن تنكر؟ وهل إنكارها مقبول؟
نقول: يجب أن تنظر العاقلة إلى القرائن؛ فإن دلت القرائن على صدق المقر وجب عليها أن تصدق؛ لتبرئ ذمتها مما يجب عليها، وإن لم يغلب على ظنها صدقه فلها أن تنكر () على أنه هو القاتل.
طيب فيما إذا اعترف ولم تصدقه ثبتت الدية عليه والكفارة عليه ولَّا لا؟ عليه، لكن هذا بينه وبين الله؛ إن كان صادقًا في اعترافه بأنه هو القاتل لزمته، وإلا لم تلزمه.
يقول: (ولا ما دون ثلث الدية التامة) يعني: ولا تحمل العاقلة ما دون ثلث الدية التامة؛ وهي دية الحر الذكر المسلم، هذه هي الدية التامة، هي دية الحر الذكر المسلم، كم هي؟ مئة بعير.
(ما دون الثلث) لا تحمله العاقلة، ما تحمل العاقلة دون الثلث؟
طلبة: نعم.
الشيخ: طيب لو أن رجلًا قطع ثلاثة أصابع من ذكر حرٍّ مسلم خطأ، تحمله العاقلة؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، طيب أربعة؟ تحمله العاقلة؛ لأن أربعة فيها أربعون، وهي فوق الثلث.
الجائفة تحملها؟ المؤلف يقول: (ما دون الثلث) الجائفة تحملها ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: كم فيها الجائفة؟
الطلبة: ثلث.
الشيخ: ثلث، تحملها.
[ ١ / ٧٤١٦ ]
طيب الموضحة؟
طلبة: لا تحملها.
الشيخ: دون الثلث، كم فيها؟ خمس من الإبل، لا تحملها.
الهاشمة؟
طلبة: لا تحملها.
الشيخ: المنقلة؟
طلبة: لا تحملها.
الشيخ: لا تحملها. المأمومة؟
طلبة: تحملها.
الشيخ: تحملها؛ لأن فيها ثلث الدية.
هل هناك دليل أو تعليل؟
الدليل: أن ذلك هو المروي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (٥) ﵁ أنها لا تحمل ما دون الثلث، ولا ريب أن عمر بن الخطاب ﵁ أحد الخلفاء الأربعة، بل أحد الخلفاء الذين أُمِرْنَا باتباعهم، وهذه في الغالب لا تصدر عن اجتهاد، قد يكون فيها نص حكم به ﵁، ولم يروه عن النبي ﵊.
وأما التعليل: فلأن ما دون الثلث قليل لا يشق على الجاني أن يقوم به، ولا يحتاج أن يحمل غيره إياه بالمواساة؛ لقول النبي ﷺ: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» (٦)، وعلى هذا فما دون الثلث لا تحمله، والثلث فما فوق تحمله.
رجل قتل مجوسيًّا خطأ تحمله العاقلة؟
طلبة: ().
الشيخ: لا يا إخوان، المقتول مخالف للدين لا شك، لكن القاتل والعاقل كلهم مسلمون.
طلبة: ().
الشيخ: كم دية الوثني؟
الطلبة: ().
الشيخ: ثمان مئة درهم؛ أقل من ثلث الدية، أو لا؟ إذن لا تحمله، نقول: الدية عليك؛ لأنها قليلة.
وإن كان بعض العلماء قال: إنها تحمله؛ لأنها دية كاملة، لكن المشهور من المذهب أنها لا تحمله؛ لأنها قليلة ولا تحتاج إلى المساعدة والمساندة.
***
ثم قال المؤلف ﵀: (فصل في كفارة القتل).
[ ١ / ٧٤١٧ ]
واعلم أن كفارة القتل من الكفارات المغلظة، ويشاركها في ذلك نوعان من الجريمة؛ وهما: الظهار، والوطء في نهار رمضان لمن يلزمه الصوم، إلا أن هاتين الجريمتين تخالف كفارتهما كفارة القتل بأن فيهما إطعامًا وليس في كفارة القتل إطعام؛ لأن هناك في كفارة الظهار وكفارة الوطء ترتيبًا: عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينًا، لكن هذه ما فيها إطعام؛ إما عتق رقبة، وإلا صيام فقط.
ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ إلى آخره [النساء: ٩٢].
قال المؤلف: (من قتل نفسًا محرمة خطأ مباشرة أو تسببًا بغير حق فعليه الكفارة) ().
انتبهوا للقيود والألفاظ العامة.
أولًا قال: (من قتل) و(من) اسم شرط، وأسماء الشرط للعموم، فيشمل كل قاتل، حتى الصغير؟ نعم حتى الصغير، والمجنون؟ والمجنون. والحر والعبد؟
طلبة: نعم.
الشيخ: كيف؟
طالب: لأنه من باب أولى
الشيخ: ما هو من باب أولى () الحر والعبد.
طيب يشمل الذكر والأنثى؟
طلبة: نعم.
الشيخ: الذكر والأنثى، كل هذا داخل في قوله: (مَنْ)، والمسألة هذه أما إذا كان بالغًا عاقلًا فلا ريب أن الكفارة تلزمه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢].
وأما إذا كان غير بالغ ولا عاقل فإن في المسألة خلافًا بين أهل العلم؛ فذهب أبو حنيفة وجماعة من أهل العلم إلى أنه لا كفارة على الصغير والمجنون، قال: لأن الكفارة حق لله، وليست حقًّا ماليًّا محضًا فلا تلزمه؛ لقوله ﷺ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ» (٢)، ومنهم الصغير والمجنون، فلا تلزمهما الكفارة؛ لأنهما ليسا من أهل التكليف.
[ ١ / ٧٤١٨ ]
وهل مثلهما النائم؛ يعني: لو نامت امرأة على طفلها وهي لم تشعر ومات، فهل عليها كفارة؟ نعم، عليها الكفارة، وإن كانت مرفوعًا عنها القلم، لكن عليها الكفارة؛ لأنها من أهل التكليف، والنوم مانع، وليس فوات شرط، بخلاف الصغير والمجنون فإن الصفة فيهما فوات شرط، وأما الصفة في النائمة فهي وجود مانع، وإلا فهي من أهل التكليف.
وما ذهب إليه أبو حنيفة أقرب إلى الصواب مما ذهب إليه جمهور أهل العلم، وإن كان قول جمهور أهل العلم له حظ من النظر؛ لأنهم يقولون: إن الله أوجب الكفارة في الخطأ فدلَّ ذلك على عدم اشتراط القصد، وإنما يشترط التكليف في العبادات من أجل القصد الصحيح، والصغير والمجنون لا قصد لهما، فلا تجب عليهما العبادات، ووجوب الكفارة في القتل ليس من شرطها أيش؟
طلبة: القصد.
الشيخ: القصد؛ بدليل وجوبها على المخطئ؛ فلذلك قلنا: إنها تجب على الصغير والمجنون؛ لعدم اشتراط القصد فيها، بدليل أنها واجبة على المخطئ، وهو قول قوي وجيه جدًّا.
لكن يقال: إن أصل التكليف ليس بلازم لمن ليس بمكلف، هذا التعليل عندي أقوى من تعليل الجمهور.
قوله: (قتل) أو نقول: من لزمته دية إنسان وجبت عليه كفارته؟
طلبة: ().
الشيخ: الأول، لماذا؟
طالب: لأن القاتل عمدًا لا تجب كفارة.
الشيخ: لا؛ لأن الدية قد تجب بدون قتل، أو لا؟ في ذهاب السمع دية، وفي ذهاب البصر دية، وكذلك اليدين لو قطعهما جميعًا فيهما الدية؛ ولهذا نقول: التعبير بالقتل لا بد منه، ودليله القرآن؛ ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾.
قال المؤلف: (نفسًا) هذه نكرة في سياق الشرط فتكون عامة، لكنها خُصِّصت بأوصاف تمنع القول بالعموم.
() (محرمة) ويش معنى محرمة؟ يعني محرم أكلها؟ محرم قتلها؛ وهي المعصومة، المعصوم أربعة أصناف من الناس، من؟ المسلم، والذمي، والمعاهد، والمستأمن، هؤلاء معصومون؛ أنفسهم محرمة.
[ ١ / ٧٤١٩ ]
فأما الحربي؛ لو قتل إنسان حربيًّا خطأ ليس بمضمون لا بدية ولا بالكفارة؛ لأنه غير معصوم.
طالب: ()؟
الشيخ: () على كل حال هذه قال بها بعض أهل العلم، فإن اصطلحوا تقديرًا لهذا القول فلا بأس، وأما إذا كانوا يعتقدون ().
طالب: () الصغير والمجنون والنائم؟
الشيخ: لا، النائم تجب فيه الكفارة.
الطالب: حتى على قول أبي حنيفة؟
الشيخ: إي نعم، حتى على قول أبي حنيفة.
الطالب: ().
الشيخ: سمعت ماذا قلت، قلنا: ويش إخراجه؟ أن عدم التكليف في النائم لا لفوات الشرط ()، لكن لوجود مانع؛ وهو النوم.
طالب: ()؟
الشيخ: أن يكون القاتل حرًّا.
طالب: ().
الشيخ: ما فيه إلا القتل () الجاني.
الطالب: ().
الشيخ: ألَّا يكون الجاني عبدًا؛ لأنه إذا كان عبدًا تكون الدية في رقبته.
كفارة القتل ويش معناها؟ أن هذا من فعله () يعني: هو الذي تسبب في وجود هذا الشيء، هذا عند القائلين بالتفريق.
هل تجب الكفارة على النائم لو قتل نفسًا؟ عللنا بكلام المؤلف () صح، وتعم نفسه ونفس غيره.
طلبة: ().
الشيخ: إي، يشتري من تركته رقيق ويعتق، ما هي مشكلة، كذا ولَّا لا؟ بلى، يشمل حتى نفسه، فلو أن أحدًا كان يعبث في سلاح معه، ليصلحه مثلًا، ثم () وقتله فإن عليه الكفارة، وليس عليه الدية؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾.
طالب: ().
[ ١ / ٧٤٢٠ ]
الشيخ: طيب نشوف الآية: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢]، والآية: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ ﴿مُؤْمِنًا﴾ وهو مؤمن، ويسمى قاتلًا؛ لأن الرسول ﵊ قال: «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ عُذِّبَ بِهَا» (٧)، فهو قاتل لنفس مؤمنة، فيلزمه الكفارة، وهذا هو المشهور من المذهب، وجزموا به، وقالوا: إنه يجب أن تؤدى الكفارة من تركته؛ لعموم الآية.
ولكن هناك قولًا آخر: إنها لا تجب على من قتل نفسه، واستدلوا بقصة عامر بن الأكوع ﵁ في غزوة الخيبر: خرج مرحب اليهودي يطلب المبارزة، فتقدم إليه عامر ليبارزه، فلما أراد عامر ﵁ أن ينزل له؛ يعني: يطعنه من الأسفل، كان سيفه قصيرًا، فعاد السيف وضرب عين ركبة عامر، فنزف الدم ومات ﵁، فلما مات شك الناس فيه، وقالوا: بطل أجر عامر، حتى إن بعضهم توقف في الدعاء له، قالوا: لأنه قتل نفسه بسهمه، يقول سلمة بن الأكوع: فبينما أنا مع الرسول ﵊ آخذًا بيدي وجدني ساكتًا شاحبًا؛ يعني: كأنه مغموم، فقال: «مَا لَكَ؟» قال: قلت: يا رسول الله، إنهم يقولون: بطل أجر عامر؛ قتل نفسه، قال: «كَذَبَ مَنْ قَالَهُ، إِنَّ لَهُ الْأَجْرَ مَرَّتَيْنِ»، () ﵊: «إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ، قَلَّ عَرَبِيٌّ مَشَى بِهَا مِثْلَهُ» (٨)، فالرسول ﵊ ذكر في هذا الحديث ثلاثة أمور:
[ ١ / ٧٤٢١ ]
أولًا: كذب من قال: إنه بطل أجره، قال العلماء: والكذب هنا بمعنى الخطأ؛ يعني: أخطأ؛ لأنه لم يطابق قوله الواقع؛ لأنهم هم ما أخبروا عن شيء حدث، إنما قالوا قولًا ظنوه، فكلامهم هذا إنشاء وليس خبرًا، فقال: «كَذَبُوا»، وهذا أحد المواضع الذي يكون شاهدًا، الذي يستشهد ().
كما يقال: شعرٌ شاعرٌ؛ يعني: شعر جيد جدًّا، و«جَاهِدٌ مُجَاهِدٌ» يعني: أنه جاهد جدًّا.
وقيل: بل معنى الجاهدِ الجادُّ في الأمور، والمجاهد: المجاهد في سبيل الله، وهذا التفسير أحسن؛ لأنه إذا دار الأمر بين كون الكلام تأسيسًا أو توكيدًا حُمِل على أنه تأسيس؛ لأننا إذا حملناه على التوكيد ألغينا مدلول الكلمتين، فإذا حملناه على التأسيس عملنا بمدلول الكلمتين، فعلى هذا يكون الأحسن في تفسيره أنه جاهد في أمره؛ جاد، ومجاهد في سبيل الله، فيكون الرسول ﵊ أثنى عليه من جهة العمل والجد فيه، ومن جهة الإخلاص أنه مجاهد في سبيل الله.
الثالث: قال: «لَهُ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ»، كيف له الأجر مرتين؟ لأن الرجل بارز، وهذا أجر، وقتل نفسه في سبيل الله، وهذا أجر آخر؛ ولذلك كان له الأجر مرتين، ودعا له الرسول ﵊، ولم يقل النبي ﵊: إن عليه كفارة، ولو كانت الكفارة واجبة عليه لبيننها النبي ﷺ؛ لدعاء الحاجة إلى بيانها.
ثم إنك إذا قرأت الآية ظهر لك منها أن المراد غير قاتل نفسه؛ لأنه قال: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾، ولا تجتمع الدية مع الكفارة إلا فيما إذا كان المقتول غير نفسه، أما إذا قتل نفسه فإنه لا تجب الدية بالاتفاق، فسياق الآية يدل على أن المراد من قتل غيره، وهذا القول أرجح؛ يعني: ليس من جهة الآية، الآية قد ينازع فيها منازع، لكن من جهة قضية أو قصة عامر بن الأكوع ﵁.
[ ١ / ٧٤٢٢ ]
وقول المؤلف: (من قتل نفسًا محرمة بغير حق) احترازًا مما إذا قتلها بحق، (مباشرة أو تسبُّبًا) يعني: قتلها مباشرة أو تسببًا.
المباشرة واضح أن يباشر قتله هو بنفسه؛ يعني مثلًا ضربه بعصًا صغير ومات، أو أراد أن يرمي صيدًا فأصاب إنسانًا؛ هذه مباشرة.
التسبب مثل أن يحفر بئرًا في محل لا يجوز له حفره فيه، فيسقط فيه إنسان، يكون هذا متسببًا، هو لم يباشر القتل، لكن فعل ما يكون سببًا في القتل، فعليه الكفارة، لماذا؟ قالوا: لأن المتسبب كالمباشر في الضمان، فلزم أن يكون كالمباشر في وجوب الكفارة، وهذا هو القول الراجح.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن المتسبب لا كفارة عليه، وأن الكفارة إنما هي على المباشر؛ لأن المتسبب لا يسمى قاتلًا، ولكن الصحيح أن المتسبب كالمباشر، فكل من تسبب لشخص حتى مات فعليه الكفارة.
قال المؤلف: (من قتل نفسًا محرمة أو شارك في قتله خطأ مباشرة أو تسببًا بغير حق فعليه الكفارة) الأول قال المؤلف: (أو شارك فيه) (من قتل) (أو شارك)، إذا شارك في القتل فعليه كفارة، وعليه وعلى شريكه دية واحدة؛ الدية واحدة، والكفارة متعددة، فإذا اشترك اثنان في قتل شخص فعليهما دية واحدة، وعلى كل واحد منهما كفارة، وهذا كثير.
يصطدم اثنان بسيارتهما، وكل منهما مخطئ، فيموت من بينهما رجل، فعليهما دية هذا الرجل؛ دية واحدة، وعليهما كفارتان؛ على كل واحد كفارة.
ولو مات من بينهما رجلان فعليهما ديتان وأربع كفارات، لماذا لا يقول: أنا أكفر عن واحد، وأنت كفر عن واحد؟ لا تتبعض، وأنتم الآن اشتركتم؛ كل واحد منكما شارك في قتل كل واحد منهما، فيكون عليكما لكل واحد كفارتان؛ واحدة على زيد، وواحدة على عمرو، هكذا قال أهل العلم، وعللوا ذلك بأنها لا تتبعض.
[ ١ / ٧٤٢٣ ]
وإذا كان هذا هو التعليل فإنه ينبغي أن يقال: إذا كان التكفير بالعتق فإنه يمكن تبعضه؛ يشتركان في شراء رقبة ويعتقانها، هذا ممكن ولَّا لا؟ هو ممكن، في نظرنا ممكن، لكن في نظر من قال: لا تتبعض يقول: غير ممكن؛ لأن حقيقة الأمر أن كل واحد منهما أعتق نصف رقبة فقط، وكل واحد منهما قاتل بالمشاركة.
فالمذهب أنه إذا شارك ولو بجزء واحد من مئة جزء فعليه كفارة.
وعلى هذا لو اشترك مئة () في قتل واحد، عليهم كم من كفارة؟ مئة كفارة؛ على كل واحد كفارة.
فيه وجه آخر لأصحاب الإمام أحمد ﵏ يقولون: إنهم يشتركون في الكفارة، وفي الحقيقة أن هذا بالنسبة للعتق قد يقال: إنه ممكن، لكن بالنسبة للصيام غير ممكن في الواقع.
طالب: ().
الشيخ: طيب ما صام شهرين، ما فيه كفارة فيها شهر فقط.
الطالب: اللي ما عتق إلا نصف رقبة.
الشيخ: وهذه، لكن العتق قد يقول قائل: إن مبناه على التحرير وعلى المال، يعتمد على المال أكثر، لكن الصوم عبادة بدنية محضة.
طالب: ()؟
الشيخ: صام عن كل واحد شهر، إلا () على كل حال الاحتياط المذهب في هذه المسألة هو أن يلزم من كل واحد كفارة ().
ما هي الكفارة؟ الكفارة عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين.
ودليلها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٩٢].
[ ١ / ٧٤٢٤ ]
لا بأس أن نقف قليلًا في الآية؛ ذكر الله في الآية ثلاثة أصناف: مؤمن، ومعاهد، ومن قوم عدو لنا وهو مؤمن؛ مؤمن ملة، ومؤمن من قوم عدو لنا، ورجل غير مؤمن بيننا وبينه ميثاق.
الأول قال الله فيه: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ﴾، المؤمن يجب فيه أمران: تحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلمة إلى أهله.
والثاني: من قوم عدو لنا فيه الكفارة دون الدية، لكن من هذا الرجل الذي من قوم عدو لنا وهو مؤمن؟
قال بعض العلماء: صورة ذلك أن يقف رجل من المؤمنين في صف القتال فنقتله، ففي هذه الحال لا تجب له دية؛ لأنه هو الذي فرط في نفسه ووقف في صف الكفار، ولكن علينا الكفارة.
وقال بعض العلماء: صورتها أن يكون رجل مؤمن، لكن ورثته كفار، وهذا هو الصحيح، وهو المتعين، يقول: رجل مؤمن وورثته كفار أعداء لنا، فهذا يجب علينا الكفارة، لماذا؟ لأنه مؤمن، ولا تجب الدية؛ لأننا إذا دفعناها لأهله صاروا يستعينون بها على قتال المسلمين، فلا ندفعها إليهم.
الثالث ممن ذكر الله في الآية: ﴿إِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] ﴿إِنْ كَانَ﴾ أي: المؤمن أو المقتول؟ المقتول يتعين؛ لأن المؤمن ما نعطيه دية في أهله؛ لعدم التوارث، لكنه كافر معاهد من قوم بيننا وبينهم ميثاق، فهذا علينا فيه الدية ويش بعد؟ والكفارة.
وهذا موجود الآن في عهدنا؛ هؤلاء العمال الكفار لو أن أحدهم قتلهم خطأ وجب فيه الدية والكفارة؛ لأن بيننا وبينهم ميثاق.
العمد هل فيه الكفارة أم لا؟
قال بعض العلماء: في العمد كفارة؛ لأنه إذا وجبت الكفارة في الخطأ فالعمد من باب أولى؛ يعني: في العمد أشد إثمًا، فإذا أوجب الله عليهم كفارة في الخطأ فهو إشارة وإيماء إلى وجوب الكفارة في العمد.
[ ١ / ٧٤٢٥ ]
وقال بعض العلماء: إنه لا كفارة في العمد. واستدلوا بأن الله تعالى شرط لوجوب الكفارة أن يكون خطأ؛ ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾، ثم أتى بعد ذلك بعد الآية هذه بقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾، فلم يجعل له شيئًا يقيه من النار.
وقالوا أيضًا: إن العمد أعظم جرمًا من أن تدخله الكفارة، ولا فيه إلا -والعياذ بالله- هذا الوعيد الشديد، وهذا القول أصح.
[باب القسامة]
انتهى الكلام على كفارة القتل، ونبدأ الآن في القسامة.
القسامة مأخوذة من القسم؛ وهو اليمين. تعريفها قال (وهي أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم) وصفتها أن يدعي قومٌ أن مورثهم قتله فلان، ويحلفون على أنه هو القاتل، ويكررون الأيمان، فإذا فعلوا ذلك وتمت شروط القسامة أُعْطِي المدعى عليه لهؤلاء ليقتلونه، فالمسألة ما فيها بينة، ما فيها إلا هذه الأيمان.
وقد أجراها النبي ﵊ أو حَكَم بها النبي ﷺ، وكانت القسامة معروفة في الجاهلية، فأبقاها النبي ﷺ على الحكم على ما هي عليه مع تغيير في شروطها، ويظهر طريقها في مثال:
ادعى ورثة زيد على شخص بأنه هو الذي قتل مورثهم، فقال الشخص: أبدًا ما قتلت، قالوا: بل أنت القاتل، ثم تحاكموا إلى القاضي فقال القاضي لهم: تحلفون على هذا أنه هو الذي قتل مورثكم؟ قالوا: نعم، نحلف، ما عندنا بينة، كم يحلفون؟ يحلفون خمسين يمينًا، فإذا حلفوا خمسين يمينًا على هذا الرجل أنه قاتل مورثهم أُخِذ وقُتِل.
والقسامة في الحقيقة فيها مخالفة لغيرها من الدعاوي من وجوه ثلاثة:
الوجه الأول: تكرار الأيمان فيها.
والوجه الثاني: قبول قول المدعي فيها.
والوجه الثالث: حلف المدعي على شيء لم يره.
ومع ذلك فإنها حكم شرعي، لا حظوا وجه المخالفة:
[ ١ / ٧٤٢٦ ]
أما الأول -وهي أنه أخذ فيها بقول المدعي- فإنها لم تخالف الأصول عند التأمل؛ لأنك إذا تأملت الأصول وجدت أن اليمين إنما تشرع في الجانب الأقوى؛ يعني: في جانب أقوى المتداعيين، ما هي بدائمًا في جانب المدعى عليه؛ أحيانًا تكون في جانب المدعى عليه، وأحيانًا تكون في جانب المدعي؛ لأنه قال: (للأقوى) الأقوى من الجانبين جانبي المدعي والمدعى عليه تشرع فيها اليمين؛ بدليل أن أهل العلم قالوا: لو تنازع الرجل والمرأة في أواني البيت؛ فقالت المرأة: هذه لي، وقال الرجل: هذه لي، فالذي يصلح للرجل يكون له بيمينه.
الدلة -حقة القهوة- المرأة تقول: لي، والرجل يقول: لي. من نأخذ؟ المدعي، حتى لو هي مع المرأة، المرأة تقول: هذه في يدي، وهذا هو اللي بيدعي، وهي لي، الآن نغلب جانب الرجل، نقول: احلف أنها لك وخذها؛ لأن جانبه أقوى.
أيضًا رجل آخر ..
طالب: ().
الشيخ: وهي الآن ما بعد صارت مشتركة إلى الآن.
ثانيًا: لو أن رجلًا ذا وقار وهيئة وعليه () معه مسحاة عامل بيده، وإلى جانبه عامل يقول: المسحاة لي، عامل رافع ثوبه متحزم؛ ثوب غير نظيف، معروف أنه عامل، العامل يقول: هذه المسحاة لي، وذاك يقول: المسحاة بيدي، أنا صاحبها، البينة على من؟ على المدعي، المدعي من هو الآن؟ العامل، لكن في هذه الحال من نغلب؟ جانب العامل، نقول: الآن احلف أنها لك وخذها، كذا ولَّا لا؟ صارت اليمين الآن في جانب من؟ في جانب المدعي.
رجلان في بلد من عادتهم أن يستروا رؤوسهم بالشماغ، فوجدنا رجلًا أصلع، ما عليه شماغ، ورجل آخر عليه شماغ وبيده شماغ، الرجل الأصلع يقول: أعطني الشماغ، هذا لي، والرجل الثاني يقول: هذا بيدي، وهو لي، أنت مدعٍ. ويش نقول؟ أيهما أقوى جانبًا؟ المدعي اللي ما عليه شيء، فنقول للمدعى عليه: إنها له، احلف وخذها.
[ ١ / ٧٤٢٧ ]
تبين الآن أن القسامة ليست شاذة عن أصول الدعاوى؛ لأن في الدعاوى ما يشهد لها، والقسامة فيها قرائن ترجح جانب المدعين؛ وهو اللوث؛ أي: العداوة الظاهرة، كما سيأتي في شرح المؤلف.
بقينا الوجه الثاني للمخالفة أن فيها تكرار الأيمان ولا غيرها من الدعاوى، يتكرر فيها الأيمان ولَّا يمين واحدة؟ يمين واحدة، والقسامة تُكرر، لماذا؟ نقول: لعظم شأن الدماء.
مسألة الدعوى في دم بحيث إذا أقدم هؤلاء على اليمين وحلفوا خمسين يمينًا أُعطوا الرجل وقتلوه، وهذا أبلغ ما يكون من الخطر، فمن أجل ذلك كررت خمسين يمينًا.
ويبقى النظر لماذا جعلت خمسين يمينًا ولم تجعل عشرة أيمان مثلًا؟
نقول: هذا ليس إلينا، كما أن هذا لا يرد على أن صلاة الظهر أربع ركعات، ولم تجعل ثماني ركعات مثلًا.
الحاصل أن كونها بخمسين أو بعشرة أو بعشرين هذا ليس إلينا، المهم أن نفهم وجه الحكمة في تكرار الأيمان.
الوجه الثالث: كيف يحلف الإنسان على شيء لم يره؟
نقول: نعم، للإنسان أن يحلف على شيء لم يره اعتمادًا على القرائن، وغلبة الظن له أن يحلف اعتمادًا على القرائن وغلبة الظن.
والدليل على هذا أن النبي ﷺ أقر الرجل الذي جامع زوجته في نهار رمضان، حين قال: واللهِ ما بين لابتيها أهل بيت أفقر مني (٩). ما قال له: ما تحلف؛ لأنك ما تدري، بل أقره؛ لأن عنده غلبة ظن ().
(أيمان مكررة) (أيمان) جمع يمين؛ وهو الحلف. (مكررة) كم قدرها؟ خمسون يمينًا.
(في دعوى قتل معصوم) أفادنا المؤلف (في دعوى قتل) أنها لا تكون في دعوى جرح، ولا في دعوى مال، وإنما تكون في دعوى قتلٍ فقط، فالمال ليس فيه قسامة، وكذلك ما دون القتل؛ كالجروح والأعضاء، وما أشبه ذلك.
فلو أن رجلًا ادعى على عدوه أنه قطع يده، والعداوة بينهما ظاهرة بينة، فإننا لا نجري القسامة في ذلك؛ لأن القسامة إنما جاءت في القتل، وأما الأعضاء والأطراف والجروح فليس فيها قسامة.
[ ١ / ٧٤٢٨ ]
إذن ماذا نصنع لو ادعى أن هذا الرجل -وهو من أعدائه الظاهرين- قطع يده، نقول: هل لك بينة أو يقر المدعى عليه، وإلا يحلف المدعى عليه وينتهى؟ ما هو الدليل على امتناعها في دعوى الأعضاء والجروح؟
الدليل: تعليل؛ قالوا: لأن القسامة إنما وردت في دعوى القتل، وهي خارجة عن الأصول والقياس، وما خرج عن الأصول والقياس فلا يُقَاس عليه، وإنما يقتصر فيه على ما ورد؛ لأنه لا مدخل للعقل فيه.
وقال بعض أهل العلم: بل إنه تجرى القسامة في دعوى قطع الأعضاء والجروح.
وعللوا ذلك بأنه لما جرت القسامة في القتل -وهو أعظم من قطع العضو أو الجرح- كان جريانها فيما دون ذلك من باب أولى.
وليست القسامة خارجة عن الأصول، بل الأصول في الحقيقة تشهد لها؛ لأننا لو لم نعمل بالقسامة لضاعت الدماء وهتكت النفوس، فالأصول تشهد لها؛ لأن لدينا لوثًا؛ وهو القرينة الظاهرة التي تؤيد دعوى المدعي، فلا فرق إذن بين النفس وما دونها، لكن المذهب -كما ترون- لا تُجرى إلا في القتل.
قال المؤلف: (في دعوى قتل معصوم) (معصوم) أما دعوى قتل غير المعصوم فإنها لا تسمع أصلًا؛ يعني: لو أن أحدًا من الكفار الحربيين ادعى أن مورثه الحربي قتله مسلمون، هل تُسمع الدعوى؟ لا تُسمع؛ لأنه وإن ثبت أنهم قاتلوه فلا شيء عليهم؛ لأنه حربي غير معصوم.
وكذلك لو كان مباح الدم لِرِدَّتِه، أو مباح الدم لزناه وهو محصن، أو مباح الدم لوجوب قتله في حد قطع الطريق مثلًا؛ فإن هذا غير معصوم، فلا تُسمع الدعوى في قتله؛ وذلك لأنه وإن ثبت القتل فإنه غير مضمون، فيكون تشكيل الدعوى وسماعها من باب اللغو الذي لا فائدة منه.
وهذه قال: (في دعوى) فهمنا أن الذي يحلف من؟ المدعي، ما قال في دفع دعوى، ولا قال: في قتل، بل قال: (في دعوى)؛ ولهذا كانت في جانب المدعي.
قال المؤلف: (من شروطها اللوث) القسامة لها شروط لا بد أن تتعين، وقبل أن نذكر شروطها نذكر ما هو أصلها، هل لها أصل في الشرع؟
[ ١ / ٧٤٢٩ ]
نقول: نعم، لها أصل في الشرع، وأصل ذلك أن عبد الله بن سهل بن زيد الأنصاري خرج هو ومحيصة ابن مسعود بن زيد الأنصاري؛ أبناء عمٍّ خرجوا في جماعة إلى خيبر بعد أن فُتِحَت يمتارون التمر؛ يشترون من اليهود تمرًا فتفرقوا، كلٌّ ذهب إلى حائط ونخل، فوجد محيصة عبد الله بن سهل ﵁ يتشحط في دمه قتيلًا؛ يتمرغ مقتولًا، يتمرغ للموت فقال لليهود: قتلتم صاحبنا، فقالوا: ما قتلناه، فرُفع الأمر إلى النبي ﷺ، فتقدم إلى النبي ﷺ عبد الرحمن بن سهل أخو عبد الله المقتول وحويصة ومحيصة فأراد عبد الله أن يتكلم فقال النبي ﷺ: «كَبِّرُ»، أو قال: «الْكُبْرَ»، فتكلم حُوَيِّصَة ومُحَيِّصَة، فقال النبي ﵊: «تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ» (١٠)، في رواية: «تَحْلِفُونَ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ قَتَلَهُ» (١١)، فقالوا: يا رسول الله، كيف نحلف ونحن لم نر ولم نشهد؟ فأخبرهم أن اليهود يحلفون خمسين يمينًا، فقالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، فوداه النبي ﷺ من عنده.
وهذا دليل على أنهم لو حلفوا لملكوا قتله، هذا هو أصلها. وقد كانت القسامة معروفة في الجاهلية، فأقرها النبي ﷺ على ما كانت عليه في الجاهلية.
وهذا دليل على أن المعاملات التي عند الكفار إذا كانت موافقة للشرع فإنه يؤخذ بها، لا يقال: واللهِ هذا عمل كفار ما يمكن نأخذ به، إذا أقره الشرع يؤخذ به، كما أن المضاربة كانت معروفة في الجاهلية وأقرها الإسلام؛ المضاربة () نوع من المشاركة يدفع رجل دراهم ويعمل بها آخر على جزء للعامل من الربح حسب ما يتفقان عليه؛ فمن أحدهما المال، ومن أحدهما العمل. هذا هو أصل القسامة.
[ ١ / ٧٤٣٠ ]
ولهذا قال العلماء: من شرطها اللوث، كلمة: (من شرطها) قد تشكل على الطالب، كيف من شرطها اللوث؛ يعني أن اللوث بعض شرط؛ لأن (مِن) للتبعيض، فإذا قال: من شرطها اللوث؛ يعني معناها أن اللوث بعض شرط؟
والجواب على هذا أن نقول: (شرط) مفرد مضاف فيفيد العموم؛ يعني المفرد المضاف للعموم، فكأنه قال: من شروطها، عندكم (من شروطها)؟
طالب: نعم.
الشيخ: لا، هذا خلاف الأصل، اللي في الأصل وعليه الشارح: (من شرطها).
(اللوث) مصدر: لَاثَ يَلُوثُ، واللوث هو العداوة الظاهرة على كلام المؤلف؛ يعني: العداوة الظاهرة بين القاتل والمقتول، سواء كانت بين القبائل أو بين الأفراد، لكن لا بد أن تكون عداوة ظاهرة، بخلاف العداوة الخفية، هذه ما تكون لوثًا.
ففسَّر المؤلف اللوث بأنها العداوة الظاهرة، وضرب لذلك مثلًا؛ كالقبائل التي يطلب بعضها بعضًا بالثأر.
كان في الأول البادية قبائل إذا مرَّ أحد من قبيلة في قبيلة أخرى قتلوه، ثم القبيلة الأخرى إذا مرَّ بها إنسان من القاتلين قتلوه طلبًا للثأر، فكانوا على هذا، وهو معروف من قديم، فإذا وُجد قتيل من قبيلة عند قبيلة أخرى معادية لها فإن هذا يسمى لوثًا.
وقال بعض العلماء: إن اللوث كل ما يغلب على الظن القتل به؛ أي: بسببه، فكل شيء يغلب على الظن وقوع القتل به فإنه من اللوث، سواء هذا، أو لو وجدنا قتيلًا وعنده رجل بيده سيف ملطخ بالدم، فهذا قرينة ظاهرة على أن القاتل هو هذا الرجل، مع أنه فيه احتمال أنه غيره، لكن اللي يغلب على الظن أنه هذا.
وكذلك لو أن القتيل كان فيه رمق وقال: إن قاتله فلان، فإنه قرينة تدل على أنه هو، فيؤخذ بذلك؛ يعني: هو يؤخذ يقتل، لكن تجرى القسامة بهذه الصورة؛ لأن لدينا ما يغلب على الظن أنه قتله.
ومن الغرائب أن بعض أهل العلم استدل على هذه الصورة بقصة البقرة، فهل فيها دليل؟
طالب: ().
[ ١ / ٧٤٣١ ]
الشيخ: نعم، هي في الحقيقة الاستدلال بها بعيد؛ يعني قضية البقرة لما ضربوا القتيل بها ببعضها قام وقال: اللي قتلني فلان، إذا وجد آية على هذا النحو ما تبقى قسامة؛ ولهذا ما () فيها قسامة.
على كل حال هذا الرأي الذي يقول: إن اللوث كل ما يغلب على الظن القتل بسببه، فإن هذا القول اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهو أصح؛ لأن علة القسامة معلومة؛ وهي غلبة الظن بوقوع القتل، فما دام ثبت غلبة الظن بالقتل فإنه يؤخذ به.
ثم إن أولياء المقتول هل يجوز لهم أن يحلفوا وهم لم يشهدوا ولم يرو؟
قلنا: إنه إذا غلب على ظنهم ذلك لهم أن يشهدوا، ولكن يجب عليهم التثبت حتى لا يقعوا في اليمين الغموس؛ لأن اليمين الغموس هي التي يحلف الإنسان وهو فاجر فيها يقتطع بها مال امرئ مسلم، فكيف بمن يقتطع بها نفس امرئ مسلم؟ تكون أعظم وأعظم؛ ولذلك على أولياء المقتول أن يتثبتوا غاية التثبت، حتى إذا كانت القرينة عندهم مثل الشمس حلفوا.
طالب: ()؟
الشيخ: أبدًا؛ لأنهم فعلوا ما أُمروا به، ولكن قد نقول: يجب عليهم الضمان لأولياء المقتول؛ لأنه تبين أنه ليس هو القاتل ().
(فمن ادُّعِيَ عليه القتل من غير لوث حلف يمينًا واحدة وبرئ) (فمن ادعي عليه القتل) أين نائب الفاعل؟
طلبة: ().
الشيخ: الضمير () ولَّا القتل؟
طالب: القتل.
الشيخ: القتل (فمن ادعي عليه القتل) لأن ابن مالك يقول:
وَلَا يَنُوبُ بَعْضُ هَذِي إِنْ وُجِدْ
فِي اللَّفْظِ مَفْعُولٌ بِهِ
و(القتل) مفعولٌ به؛ لأنك تقول: ادعيت القتلَ.
فمن ادُّعِي عليه القتلُ من غير لوث حلف يمينًا واحدًا وبرئ، كسائر الدعاوى.
[ ١ / ٧٤٣٢ ]
مثاله: رجل ادعى أن فلانًا قتل مورثه وليس هناك لوث، فقال القاتل اللي ادُّعي عليه القتل: ما قتلت، نقول للمدعي: هل لك بينة؟ إن قال: نعم، قلنا: أحضرها وأعلمنا بما تقتضيها البينة، إن قال: لا، قلنا للمدعَى عليه: احلف. مرة ولَّا مرتين؟ مرة واحدة؛ يحلف يمينًا واحدة: واللهِ ما قتلت هذا الرجل، ثم يبرأ؛ يعني ما هناك لوث لا ظاهرًا ولا باطنًا.
فإن أبى أن يحلف المدعى عليه أبى أن يحلف () يجيب شهود، وإلا ما أنا بحالف، فهل يُحكم عليه أو لا يُحكم؟ إن كان موجب الجناية المال قُضِي عليه بالنكول، وإن كان موجب الجناية قصاصًا لم يُقْضَ عليه بالنكول.
إذا قال: إنه قتله عمدًا، فالجناية عمدًا توجب القصاص، قال: أبدًا، ما قتلته، قلنا: احلف، قال: ما أنا بحالف، نقول: خلاص، لا نقضي عليك بشيء، ليش؟ لأن الجناية توجب القصاص، والقصاص لا يقضى فيه بالنكول؛ لأننا لو قضينا فيه بالنكول لقتلنا هذا الناكل؛ يعني معنى أن قضى عليه بالنكول أن نأخذ منهم المدعى به، فهنا لو قضينا عليه بالنكول لقتلناه، والنفس محترمة عظيمة ما يمكن تُقتل بالنكول، لا سيما أن بعض الناس تأخذه العزة بالإثم ويقول: أبدًا، ما أحلف، إما يجيب بينة، لكن ما أنا بحالف، ويكون صادقًا في نفي الدعوى، لكن ما هو حالف، فلو أننا قتلناه لاقترفنا جرمًا عظيمًا. ولكن هل نخلي سبيله ونتركه؟ نعم، الفقهاء يقولون: يُخلى سبيله، ما نتعرض له.
ولكن الصحيح أننا نلزمه بالأمر الثاني الذي يجب بقتل العمد، ما هو؟ الدية؛ لأن الدية مال، أما أن يذهب هكذا فالمسألة خطيرة، المال ما فيه إذهاب نفس؛ فنلزمه بالمال.
أما إذا كانت الجناية لا توجب القصاص، وإنما توجب المال فإنه إذا نكل حكمنا عليه بالنكول.
[ ١ / ٧٤٣٣ ]
مثال ذلك: رجل ادعى أن صاحب السيارة هو الذي دعس مورثه، هذا خطأ ولَّا عمد؟ خطأ، هذا هو الغالب أنه لم يتعمد، فقال صاحب السيارة: أبدًا، الذي دعسه شخص آخر، وراح مشى ما هو أنا، نقول: احلف ولَّا لا؟ نقول: احلف؛ لأن المدعي ما عنده بينة، فنقول للمدعى عليه: احلف، قال: ما أحلف ()، نقول له: نقضي عليك بالنكول، فنلزمك بالدية؛ لأن الدعوة هنا توجب مالًا، فإذا كانت توجب مالًا فإن المال يُقضى فيه بالنكول، فنلزمه به.
ثم قال المؤلف: (ويقضى بأيمان الرجال من ورثة الدم) الآن فهمنا أن الأيمان كم؟ خمسون يمينًا، فهل المعتبر عدد الأيمان أو عدد الحالفين؛ يعني: هل إننا نلزم أولياء المقتول بأن نحلف منهم خمسون رجلًا، أو أن المقصود خمسون يمينًا ولو من رجل واحد؟
المؤلف -وهو المذهب- أن المقصود خمسون يمينًا ولو من رجل واحد، إذا كان لا يرث المقتول إلا هذا الرجل يحلف خمسين يمينًا ().
النساء لا مدخل لهن في القسامة ..
فيَحْلِفون خمسينَ يَمينًا، فإن نَكَلَ الورثةُ أو كانوا نساءً حَلَفَ الْمُدَّعَى عليه خمسينَ يمينًا وبُرِّئَ.
(كتابُ الْحُدودِ)
لا يَجِبُ الحدُّ إلا على بالغٍ عاقلٍ مُلتزِمٍ عالِمٍ بالتحريمِ، فيُقِيمُه الإمامُ أو نائبُه
الآن فهمنا أن الأيمان كم؟ خمسون يمينًا، فهل المعتبر عدد الأيمان أو عدد الحالفين؟ يعني: هل أننا نُلزِم أولياء المقتول بأن يحلف منهم خمسون رجلًا، أو أن المقصود خمسون يمينًا ولو من رجل واحد؟
المؤلف وهو المذهب أن المقصود (خمسون يمينًا)، ولو من رجل واحد إذا كان لا يرث المقتول إلا هذا الرجل يحلف خمسين يمينًا ()، فالنساء لا مدخل لهن في القسامة؛ ولهذا ينفي هذا الوهم.
قوله: (فيحلفون خمسين يمينًا) (يحلفون) الضمير ضمير ذكور ولَّا إناث؟
طلبة: ذكور.
[ ١ / ٧٤٣٤ ]
الشيخ: ذكور فمثلًا إذا كان الميت المقتول يرثه ابنان وبنت، مسألة مِنْ كم؟ من خمسة لو أردنا أن نقسم قسمة مال؛ كذا لها عشرة، ولهم أربعون، للآخرين أربعون؛ لكل واحد عشرون، هل نقول الآن: يحلف كل ابنٍ خمسةً وعشرين يمينًا، أو يحلف كل ابن عشرين يمينًا؟
طلبة: الأول.
الشيخ: الأول؛ ولهذا قال: (فيحلفون) أي: الذكور يحلفون خمسين يمينًا، أما النساء فلا مدخل لهن.
ولو كان المقتول له ابن وعشر بنات، كيف اليمين؟ يحلف الابن فقط خمسين يمينًا؛ لأن النساء ما لهم دخل في القسامة؛ لأن الرسول ﵊ قال: «يَحْلِفُ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْكُمْ» (١).
إذا كان المقتول له ثلاثةُ أبناء هم ورثته، كيف يحلفون؟ كيف نوزع الخمسين؟
طلبة: ()
الشيخ: طيب، نشوف الآن، اقسم خمسين على ثلاثة.
طالب: سبعة عشر.
الشيخ: سبعة عشر.
طالب: ستة عشر، ويبقى اثنان.
الشيخ: اصبر، نشوف ستة عشر ويبقى اثنان () أربعين، ويبقى عشرون عندنا ثلاثة، كيف يحلفون؟
يقولون: إن الكسر يُجْبَر؛ إذ لا يمكن تبعضه هنا، وعلى هذا () مجموع أيمانهم، يكون مجموع أيمانهم ()، كل يمين ولا حرج، جبر الكسر بسيط؛ لأنه لو قال قائل: لماذا لا تُحَلِّفُون اثنين منهم بالقرعة؟ لا قرعة هنا، الأيمان ما تدخلها القرعة؛ إذن فلا مناص من جَبْرِ الكسر.
هذا ما ذهب إليه المؤلف وهو المذهب؛ أن الأيمان الخمسين توزَّع على من؟ على الذكور من الورثة، وأنه لو لم يكن إلا واحد حَلَّف الخمسين كلَّها.
[ ١ / ٧٤٣٥ ]
والقول الثاني في المسألة: إنه لا بد من خمسين رجلًا، يحلف كل واحد يمينًا واحدًا؛ لأن الرسول ﷺ قال: «يَحْلِفُ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْكُمْ» (١)، ما قال: تحلفون خمسين يمينًا؛ قال: «يَحْلِفُ خَمْسُونَ رَجُلًا» ولأن هذا أحوط وأبلغ؛ لأنه إذا علم هؤلاء الجماعة أو القبيلة أو الفخذ أنه لا بد أن يَحْلِفَ خمسون منهم، قد يكون بعضهم ينصح بعضًا، ويقول: اتق الله، ولا تؤثِّمْنا مثلًا، فحينئذٍ يكون فيه فائدة ومصلحة، وهذا القول أقرب إلى ظاهر الأدلة أنه لا بد من حَلِف خمسين رجلًا، ولكن كيف يكون هؤلاء الرجال؟
نقول: ننظُر للأقرب فالأقرب، طبعًا الورثة نبدأ بهم، ثم بمن يكون وارثًا بعدهم، ثم بمن يكون وارثًا بعد الآخرين؛ الأول فالأول.
فمثلًا إذا () وأب وإخوة وبنو إخوة وأعمام، () الأخوة نكمل خمسين رجلًا، هل يحلف الأعمام؟
طالب: لا.
الشيخ: يعني: عندنا أبناء وأب وإخوة وأبناء إخوة يحصل من مجموع هؤلاء الأجناس الأربعة؛ يحصل منهم خمسون رجلًا، هل نحلف الأعمام؟ لا، لكن لو لم يحصل خمسون رجلًا منهم حلفنا الأعمام، وهكذا وهذا القول -كما قلت- أقرب إلى ظاهر الحديث، وظاهر الأدلة وأقرب إلى الاحتياط والتحري في مسائل الدماء.
يقول المؤلف ﵀: (فيحلفون خمسين يمينًا، فإن نَكِل الورثة).
والكلام الآن في دعوى فيها، لو نكل الورثة قالوا: والله ما نحلف على شيء لم نره، توجه اليمين إلى من؟
إلى المدَّعى عليه، كما في الحديث، إذا قال: والله ما نحلف ولا يمين واحد؛ لأنا ما شاهدنا ولا رأينا، يقول المؤلف: (حلف المدعى عليه خمسين يمينًا وبرئ)
توجه الأيمان إلى المدعى عليه، ويقال: احلف خمسين يمينًا.
إذا قال الورثة: نحن لا نرضى بأيمان مَنِ ادعينا عليهم؛ لأن الذي يتجرأ على القتل يتجرأ على اليمين، ولا يبالي ما يكون ..
طالب: ظاهر الحديث ()
[ ١ / ٧٤٣٦ ]
الشيخ: نعم، نقول: في هذه الحال تُؤَدَّى ديتُه من بيت المال، كما فعل الرسول ﷺ لما قال أولياء المقتول: لا نرضى بأيمان اليهود، وهم كفار، فوداه النبي ﷺ من عنده.
فإن حلف المدعى عليه؛ رضي المدعون وحلف المدعى عليه خمسين يمينًا، فماذا يكون؟
طلبة: يبرأ.
الشيخ: يبرأ.
وقول المؤلف: (حلف المدَّعى عليه)، هل المدَّعى عليه هنا عام يشمل الواحد والمتعدد؟ هو كذلك، لكنه عام أريد به الخاص؛ لأن القسامة لا تصح إلا على واحد، يعني: لا يمكن أن ندعي على اثنين نقول: هؤلاء قتلوا مورثنا؛ لأن لفظ الحديث: «عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ» (٢)، فيكون القسامة ما تجري إلا إذا كان المدَّعَى عليه واحدًا.
والعجيب أن بعض أهل العلم قالوا: لا تجرى القسامة إلا إذا كان المدَّعى عليه أكثر من واحد، عكس هذه المسألة، قالوا: لأن القسامة بين القبائل، فإذا ادَّعَى على واحد، قلنا: ما فيه قسامة كسائر الدعاوى؛ ادعى على جماعة حينئذ تجرى القسامة.
ولو قال قائل: نجعلها كغيرها من الدعاوي، بمعنى إن ادَّعَوا على واحد أجرينا عليه القسامة، وإن ادَّعَوْا على اثنين فأكثر أجرينا عليهم القسامة؛ لأنه من الممكن أن يكون المدَّعُون يدَّعون أن شخصين قتلاه، أليس كذلك؟ يعني مثلًا، واحد أمسكه، والثاني قتله مع التواطؤ إذا كان () كما مر علينا أن نمسك يحبس حتى يموت ().
وقال المؤلف: (أو كانوا نساءً) من هم اللي كانوا نساء؟ الورثة، فإن كان الورثة ()، (أو كانوا نساء) بأن هلك هالك عن بنت وأخت شقيقة، وادعت البنت والشقيقة أن مورثهم قتله فلان، فهل نجري القسامة؟
طلبة: لا
الشيخ: ليش؟ لأنه لا مدخل للنساء في القسامة، حتى لو ادعى العصبة الآخرون قالوا: إذا كنتم لا تقبلون دعوى النساء فنحن ندعي، مثلما لو ادعى أخو الميت اللي هو عم البنت، وأخو الأخت يصح التمثيل؟
الورثة بنت وأخت شقيقة؛ للبنت النصف وللأخت الشقيقة الباقي.
[ ١ / ٧٤٣٧ ]
طالب: كيف يتوارث؟
الشيخ: أخوها من أبيها، يمكن؟
طالب: يمكن.
الشيخ: هنا الأخ من الأب لا يرث، لو قال الأخ: هذا أخو المقتول، أنا اللي () نقول: ما يمكن () لماذا؟ لأنه لا يرث.
والمسأله هذه في الحقيقة تحتاج إلى تحرير؛ لأن في قصة عبد الله بن سهل ﵁ لما جاء أخوه وابنا عمه حُوَيِّصَةُ ومُحَيِّصَةُ قال الرسول ﷺ: «كَبِّرْ» (٣). فبدأ حُوَيِّصَةُ بالكلام، وهذا يدل على أن العصبة لهم حق؛ لأن الرسول خاطبهم قال: «تَحْلِفُونَ»، وهو يخاطب هؤلاء، فالمسألة هذه تحتاج إلى تحرير؛ وإن شاء الله تعالى ().
طالب: ().
الشيخ: لا ()؛ لأن الرسول قال: «كَبِّرْ» فبدأ حُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةُ.
فالحاصل أن هذه تحتاج إلى تحرير؛ لأنه ربما تكون يعني البنت والأخت الشقيقة لا مدخل لهما في القسامة، لكن العار الذي يلحق هؤلاء بين الناس، بل قتل صاحبكم، ولَّا أخذتم بالثأر؟
() لو فرض ذاك لحصل فيه مفسدة عظيمة، يمكن يقتلون بهذا الواحد عشرة، ولَّا لا؟ لا سيما إذا كانت هذه القبيلة أقوى من تلك.
مدخل أكمل الشيخ -﵀- في هذا الملف الصوتي والذي بعده حديثه في (كتاب الحدود)، وسوف يعاد مرة أخرى في أول (كتاب الحدود)، ولم نرد حذف هذه المادة إتماما للفائدة، ومتابعة للمادة الصوتية.">
ثم ننتقل الآن بعد الجنايات إلى الحدود.
الحدود جمع حد، والحدُّ يطلق على معانٍ كثيرة، ففي كتاب الله تطلق الحدود على المحرمات، وعلى الواجبات، ويقال في المحرمات: ﴿لَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧].
يمكن عندك: عبد الرحمن بدأ، ولكن الرسول قال: «كَبِّرْ» ().
طالب: ().
الشيخ: لا، غلط، بعدما قال: «كَبِّرْ» فبدأ حويصة، عبد الرحمن أراد أن يتكلم فقال له: «كَبِّرْ» فبدأ حويصة.
[ ١ / ٧٤٣٨ ]
أقول: الحدود في القرآن تأتي بمعنى الواجبات، وبمعنى المحرمات، في المحرمات يقول: ﴿لَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]، وفي الواجبات: ﴿لَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، لما ذكر الله ما يَحْرُم على الصائم قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾، ولما ذكر ما يجب في المطلقات قال: ﴿فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾.
ويُطْلَق الحد على المراسيم التي تفصل بين الجارين، فيقال: هذه حدود الأرض كذا، وهذا واضح كثير.
ويُطلَق الحدُّ على ما يحصل به التعريف، وهذا الموجود عند المناطقة، وعرَّفوه بأن الحد: هو الوصف المحيط بموصوفه المُمَيِّز له عن غيره، هذا الحد.
قال السفاريني:
فَالْحَدُّ وَهْوَ أَصْلُ كُلِّ عِلْمِ
وَصْفٌ مُحِيطٌ كَاشِفٌ فَافْتَهِمِ
(وَصْفٌ مُحِيطٌ) يعني: بموصوفه، (كَاشِفٌ) يعني: مميز له عن غيره.
هذا الحد عند مَنْ؟ عند أهل المنطق؛ الوصف المحيط بموصوفه المُمَيِّز له عن غيره، فلا بد أن يكون جامعًا مانعًا.
مثال ذلك: لو قلت: ما هي الطهارة؟ فقلت: الطهارة هي استعمال الماء في الأعضاء الأربعة ()، هذا محيط بموصوفه ولَّا لا؟
لا يحيط بالموصوف؛ لأنه باقٍ عندنا الغسل والتيمم، فهو غير محيط بموصوفه فليس بحدٍّ.
ولو قلت: إن الطهارة هي أن يطهِّر الإنسان ثوبه، ويغسل وجهه بعد النوم، وما أشبه ذلك صار غير صحيح أيضًا؛ لأنه هنا دَخَّل غير المحدود، فلا بد أن يكون الحدُّ جامعًا مانعًا، فإن لم يكن جامعًا مانعًا فهو () لو قلنا في تعريف حد الواجب ما هو؟ الواجب ما أُمِر به.
طلبة: ()
الشيخ: لا، هذا غير مانع؛ السبب لأنه يدخل فيه غيره، ولَّا لا؟ يدخل فيه المستحب، فهنا ما مَيَّزه عن غيره.
ولو قلت: إن الواجب ما صدَّره الله تعالى بقوله: يجب عليك، لكان غير صحيح؛ ليش؟ لأنه ما أحاط بالموصوف؛ لأن الواجب يجب ولو بغير هذه الصيغة.
[ ١ / ٧٤٣٩ ]
يطلق الحد -وهو المراد هنا- فيراد به هي العقوبة المُقَدَّرة شرعًا في معصية؛ لتمنعَ من الوقوع في مثلها، وتكفِّرَ ذنب صاحبها.
التعريف مرة ثانية؛ عقوبة مُقَدَّرة شرعًا في أيش؟ معصية؛ لتمنعَ من الوقوع في مثلها، وتُكَفِّرَ ذنب صاحبها.
الأخير هذا ما هو بلازم، لكن أتينا به حتى يتبين الحكمة من العقوبة، فإن ما هو المقصود من العقوبة مجرد العقوبة فقط، بل لها حكمة؛ وهي المنع من الوقوع في مثلها، سواء من الفاعل أو من غيره، والثاني: تكفير ذنب صاحبها.
مثال ذلك: رجل زنا، يجب أن نجلده مئة جلدة، الجلد هذا عقوبة ولَّا غير عقوبة؟
طلبة: عقوبة.
الشيخ: مقدر؟ مقدر، مَنْ قَدَّرَهُ؟ الله ﷿؛ الشرع.
الحكمة من ذلك: الردع لأجل ألَّا يفعلها هو أو غيره مرة ثانية.
وثانيًا: التطهير والكفارة، فإن الإنسان إذا فعل ذنبًا وَحُدَّ عليه كَفَّر الله عنه، لا يجمع الله عليه بين عقوبة الدنيا والآخرة.
فخرج بقولنا: (عُقوبة مقدرة) غير المقدرة، مثل قوله ﵊: «مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ» (٤)، كم قال اضربوهم؟ ما حدد، إذن هذا الضرب ليس بِحَدٍّ، لكنه تعزير.
وقولنا: (مُقَدَّرٌ شَرْعًا): خرج به العقوبة التي يقدرها القاضي، فإن قال القاضي: حكمت على فلان بأن يجلد خمسين جلدة، هذه ما هي حد؛ من اللي مقدره؟ القاضي فلا تكون حدًّا.
[ ١ / ٧٤٤٠ ]
وقولنا: (في معصية) هذا بيان للواقع؛ لأن العقوبات هذه تكون على معاصٍ، وليس هناك عقوبة من الشرع على غير المعصية، ليس فيه عقوبة على ترك واجب، ولا على ترك مباح، لكن ترك الواجب لا شك أنه يتضمن فعل المحرم، إلا أنه ليس فيه عقوبة، إلا إذا كانت ردة، ففيه القتل، لكن القتل بالردة والقتل بالقصاص ليسا من الحدود، خلافًا للمتأخرين الذين يجعلون القتل بالردة، والقتل بالقصاص من الحدود، هذا غلط، ما فيه شك؛ لأن الحدَّ لا بد من تنفيذه، والقصاص يسقط بالعفو، والردة القتل فيها يسقط بالرجوع إلى الإسلام، لكن الزاني مثلًا لو زنى وثبت عليه الزنا، هل يمكن يسقط؟ أبدًا، ما يمكن يسقط، حتى لو تاب إذا كانت الجريمة قد ثبتت ببينة، لو تاب ما يُقْبَل، لا بد أن يُقام عليه الحد.
إذن الحد في اللغة المنع، وفي الاصطلاح هنا في هذا الباب عقوبة مقدرة شرعًا في معصية؛ لتمنعَ من الوقوع في مثلها، وتُكَفِّرَ عن صاحبها، فائدتان فيه.
هل الحد واجب تنفيذه أم لا؟
يقول المؤلف: (لا يجب الحد إلا على بالغ)، وليت المؤلف قال: يجب الحد ().
عليه بالنكول أننا نأخذ منه المدعى به، فهنا لو قضينا عليه بالنكول لقتلناه، والنفس محترمة عظيمة، ما يمكن تُقْتَل بالنكول، لا سيما أن بعض الناس قد تأخذه العزة بالإثم، يقول: أبدًا ما أحلف، إما يجيب بينة، وإلا ما أنا بحالف، ويكون صادقًا في نفي الدعوى، لكن ما هو حالف، فلو أننا قتلناه لاقترفنا جرمًا عظيمًا.
ولكن هل نخلي سبيله ونتركه؟ نعم الفقهاء يقولون: يخلى سبيله، ما ().
هل الحدُّ واجب تنفيذه أم لا؟
[ ١ / ٧٤٤١ ]
يقول المؤلف: (لا يجب الحد إلا على بالغ)، وليت المؤلف قال: يجب الحد على كل بالغ؛ لأن الإيجاب أحسن من النفي؛ لأن قول: لا يجب الحد إلا على كذا، كأن الأصل عدم وجوب الحد، لكن لو قال: يجب الحد على كل بالغ عاقل ملتزم عالم بالتحريم؛ لأن الحد إقامتُه واجبة بالكتاب، وبالسنة، والإجماع؛ قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، والأمر للوجوب ﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ حتى لا يجترئ أحد على السرقة بعد ذلك، ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ختمها بالعزة حتى يكون له السلطان ﷿، ﴿حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨] حتى لا يقال: إن هذا سفه، ليش تقطع إيده؟ عشان ربع دينار؟ ! تُقْطع اليد علشان ربع دينار؟ !
ولو قطعها جانٍ لكان خمس مئة دينار، أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: إذا سرقت قطعت في ربع دينار، وإن قطعت في جناية سلم خمس مئة دينار، حماية للأموال في قطعها بربع دينار، وحماية للنفوس في وجوب خمس مئة دينار في قطعها.
() الحد واجب، وقال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢] فإياك أن تقول: ارحم هذا، تجلده مئة جلدة، شيخ كبير، تجلده مئة جلدة! ! ترى ما تزوج، أما إذا تزوج فالحجارة، لكن ما تزوج، شيخ كبير، تجلده مئة جلدة، ارحمه، ما أرحمه؛ لأن من هو أرحم مني أمر بجلده، ونهاني أن أرأف به، ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النور: ٢].
اجلدوه في بيته، حتى في البيت ما يطلع أحد، ولَّا بالمركز ما يطلع أحد.
قال: لا، ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ ﴿طَائِفَةٌ﴾، والذي شرَّع هذه الحدود؟
طالب: الله.
[ ١ / ٧٤٤٢ ]
الشيخ: والله أرحم من الخلق بهم، أرحم من الوالدة بولدها؛ لأن في إقامة الحدود مصالح عظيمة ما تُحْصَى، فيها ردع وفيها تطهير.
يقول بعض الملحدين والزنادقة يقول: إننا لو قطعنا يد السارق لأصبح نصف الشعب مقطوعًا، () العشرة خمسة منهم () على يديه، ويش لون هذا؟ وين المصانع؟ ووين الحرب؟ ووين الزرع؟ ووين () إذا صار الواحد () ويش نقول له؟
طالب: () لو قطع مرة.
الشيخ: إي نعم، نقول: معنى ذلك أنه أقرَّ الرجل على أن نصف شعبه سراق حرامية، ولو أنه قُطِعَ واحد من هؤلاء لارتدع آلاف، ولا سرق سارق ولم يكن سارقًا، لكن ابن آدم لقصور نظره ينظر إلى الحاضر، ولا ينظر إلى المستقبل.
() ذكرنا دليلًا من القرآن على وجوب الحد، وقال تعالى في قطاع الطريق: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ [المائدة: ٣٣]، هذا ﴿إِنَّمَا﴾ يعني: ما جزاؤهم إلا هذا فـ (إنما) أداة حصر.
وقال عمر ﵁ وهو يخطب الناس على منبر الرسول الله ﵊: وإني أخشى إن طال بالناس زمان أن يقولوا: لا نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله (٥)، ترك فريضة؛ يقول عمر ﵁: فريضة أنزلها الله، أنكر عليه الناس؟ أبدًا أقروه؛ لأنها فريضة من فرائض الله يجب أن تنفذ.
ولكن فيه إنسان كريم، وشريف، وطيب، ومن () طيبة، سولت له نفسه أن يسرق ربع دينار، وثبت عليه ذلك، والرجل طيب، وكريم، وخيِّر، ومن حمولة طيبة رفيعة، ويش تقولون هذا؟
طلبة: يقطع.
الشيخ: انتظروا.
طالب: وصلت السلطان.
[ ١ / ٧٤٤٣ ]
الشيخ: وصلت السلطان، لكن السلطان جاءه ناس يتوجهون، وقالوا: هذا رجل طيب ومثله طيب وهو ورجل شريف، أفضل الأحوال يُشاهَد يفتح للناس إذا جاءه الضيوف، كيف يفتح الباب؟ نقول: يفتح باليسرى، ما مشكلة، على هذا يقام عليه الحد، على الشريف وعلى الوضيع، وعلى الغني والفقير، والذكر والأنثى، والحر والعبد، لا فرق؛ لأن الله ﷿ لم يفرق، ﴿السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ ما دام سرق هذا جزاؤه.
بل لو قال قائل: إن سرقة هذا الشريف لولا أن الله حدَّ حدًّا، لقلنا: تُقْطَع يده ورجله؛ لأنه شريف، تَدَنُّسُه بالسرقة أعظم من تدنس الوضيع، أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ: إي نعم؛ ولهذا مرَّ علينا في () في زنا الأشيمط واستكبار الفقير أشد من زنا الشاب ومن استكبار الغني.
هذا الرجل شريف ومن حمولة شريفة كيف يسرق؟ أو كيف يزني مثلًا؟ إذن لا فرق بين الغني والفقير، والصغير والكبير.
طالب: ()
الشيخ: لا () لكلام المؤلف: (لا يجب الحدُّ إلا على بالغ)، () لتمنعَ من الوقوع في مثلها، وتكفرَ ذنب صاحبها أي إقامة الحد واجبة ().
وكذلك أيضًا أن سارقًا سرق فأمر الرسول ﵊ بقطع يده ()، لكن في إقامة الحد شروط:
أولًا: أن يكون بالغًا؛ فلا يجب الحد على من دون البلوغ، والبلوغ يحصل بواحد من أمور ثلاثة: إما بإنزال المني، وإما بإنبات العانة، وإما بتمام خمس عشرة سنة، وقد سبق لنا أدلة ذلك في باب الحجر.
فإذا بلغ الإنسان فإنه يُنْظَر في بقية الشروط حتى يقام عليه الحد، وأما من دون البلوغ فلا حد عليه، ولو زنا أو سرق؛ لحديث: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ» (٦) هذا دليل.
[ ١ / ٧٤٤٤ ]
التعليل: لأنه ليس أهلًا للعقوبة لعدم صحة القصد التام منه؛ لأنه ناقص؛ ناقص في التصور، وناقص في التصرف؛ ولهذا منع الله من إتيانهم أموالهم لأنفسهم حتى لا يضيعوها، ولكن لا يعني ذلك أن الصغير لا يُعَزَّر، بل يعزر، والتعزير غير الحد؛ ولهذا قال الرسول ﷺ: «مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ وَاضْرَبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ» (٧) فأمر بضربهم قبل البلوغ، فالتعزير شيء وإقامة الحد شيء آخر، وعلى هذا فلو أن صغيرًا فعل الفاحشة ما نقول: هذا لا يجب عليه الحد، اتركوه، بل لا بد أن يُعَزَّر بما يردعه وأمثاله عن هذه الفعلة، وكذلك أيضًا لو سرق ما يترك، بل لو أفسد شيئًا دون ذلك فإنه لا يُتْرَك بدون تعزير، والتعزير شيء والحد شيء آخر.
(عاقل) ضده المجنون، فالمجنون لا يجب عليه الحد؛ لحديث: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ» (٦)، ولأنه ليس له قصد تام يعرف به ما ينفعه ويضره، فيقدم ويحجم، وهل يعزر؟
طالب: ().
الشيخ: ليش؟ لأنه لو عزر ما انتفع، إذن نتركه يفسد أموال الناس، يحرق الدكاكين، ويكسر () ولا ما ().
طالب: ().
الشيخ: نعم، لا بد أن يُمْنَع ولو بالحبس، إما عند وليه، وإما في الحبس العام، فالمهم أنه لا يترك والفساد؛ لأن الله ﷿ يقول: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: ٦٤]، ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، فالذي لا يحبه الله لا يجوز لنا أن نُمكَّن منه أبدًا.
كل فساد في الدين أو الدنيا فإنه يجب على ولاة الأمور ومَنْ قدر من غير ولاة الأمور أن أيش؟ أن يمنع منه؛ لأن الله لا يحبه، فإذا كان لا يحبه الله، كيف نُمَكَّن منه؟ !
إذن المجنون لا يُقام عليه الحد، ولا يُعَزَّر ولَّا نقول: إنه يعزر بما يكف شره؟
طالب: ().
الشيخ: ().
طلبة: ().
[ ١ / ٧٤٤٥ ]
الشيخ: نعم؛ لأن حبس هذا المجنون يريد أن تكون الحرية كاملة في تصرفه، حبسه هذا فيه نوع من التعزير له.
(مُلتَزِم) يعني ملتزمًا لأحكام الإسلام، سواء كان مسلمًا أو كافرًا، فمَنْ هو الملتزم؟ الملتزم هو المسلم والذمي فقط، وهذا غير المعصوم، المعصوم تقدم لنا أنهم أربعة أصناف: المسلم، والذمي، والمعاهد، والمستأمن، لكن الملتزِم صنفان فقط، وهو المسلم ويش بعد؟ والذمي؛ لأن الذمي ملتزم بأحكام الإسلام، لكنه لا يقام عليه الحد إلا فيما يعتقد تحريمه، أما ما يعتقد حله فلا يُقَام عليه الحد، ولو كان حرامًا عند المسلمين؛ ولهذا لا نقيم عليهم الحد في شرب الخمر، ونقيم عليهم الحد في الزنا؛ لأن الزنا محرم بكل شريعة، ليس في الشرائع شيء يبيح الزنا أبدًا، وعلى هذا إذا زنا الذمي بامرأةٍ مثلِه؛ يعني: ما هي من المسلمين، يعني: بيهودية مثلًا أو نصرانية، وهي مختارة فإننا ليش؟ نقيم عليه الحد؛ ليش؟ لأنه محصن، والحد قلتم: إنه تطهير؛ لأن المعروف أن الحد فيه علتان: المنع من الوقوع في مثلها، والثاني التكفير، فإذا كان هذا ليس أهلًا للتكفير، فهي العلة الثانية وهي المنع؛ ولهذا أقام النبي ﷺ الحدَّ على اليهوديين اللَّذَين زنيا؛ لأنهم يعتقدون التحريم فيُقام عليهم الحد.
ولكن لو فُرِضَ أن هذا محرم عندهم، هذا الذنب موجب للحد في الإسلام، غير موجب للحد في شريعتهم، فيكون الحال، فهل نقيم عليهم الحد بمقتضى الإسلام، أو لا؟
الجواب: لا ما نقيم عليهم الحد بمقتضى الإسلام، كما لا نقيم عليهم الحد بمقتضى الإسلام فيما يعتقدون حله، فإذا كانت شريعتهم لا توجب الحد في مثل هذه المعصية، فإننا لا نقيمه عليهم، لكن نعزره؛ لأن التعزير واجب في كل معصية ليس فيها حدٌّ ولا كفارة.
(عالم بالتحريم) هذا الشرط الرابع؛ (بالغ عاقل ملتزِم عالم بالتحريم) خرج به الجاهل بالتحريم، هذا لا حدَّ عليه.
[ ١ / ٧٤٤٦ ]
ولكن كيف نعلم أنه جاهل، أو عالم بالتحريم؟ لأننا إذا قلنا: يشترط أن يكون عالمًا بالتحريم صار كل واحد من الناس يقول: إنه ليس عالمًا بالتحريم، ما دريت والله أن السرقة حرام، ما دريت أن الزنا حرام، ماذا نعمل؟ يُنْظَر، إن كان قد عاش في بلاد الإسلام، فإن دعواه الجهل بالأمور الظاهرة لا يُقْبَل، ولا يُسْمَع منه، أما إذا كان حديث عهد بالإسلام، أو كان ناشئًا في بادية بعيدة، ما يدري عن أحوال المسلمين فإننا نقبل منه دعوى الجهل، فإذا كان مثله يجهله قبلنا دعواه الجهل، ورفعنا عنه الحد، فإن شككنا في هذا الأمر، إن شككنا هل هو ممن يجهل مثل ذلك، أو لا؟ فالأصل عدم أيش؟
طلبة: عدم العلم
الشيخ: عدم العلم، فلا نقيم عليه الحد؛ لأنه لا بد أن يتحقق الشرط، وهو أن يكون عالمًا بالتحريم.
وهل يشترط أن يكون عالمًا بالعقوبة؟
لا يُشتَرط، لو قال: هذا الرجل المحصن الذي زنى قال: إنه لو علم أن حده الرجم ما زنى أبدًا، لكن () الجلد، وهو يصبر على الجلد نرجمه ولا ما نرجمه؟
طلبة: نرجمه.
طلبة آخرون: لا.
الشيخ: نرجمه؛ لأنه لا يشترط العلم بالعقوبة، إذا كان عالمًا بالتحريم فمعنى ذلك أنه رضي بأن يَنْتَهِك حرمات الله، والله ﷿ قد أوجب العقوبة على هذا الفاعل لهذه المعصية، ولا عذر له الآن.
ثم قال المؤلف: (فيقيمه الإمام) يعني: فإذا ثبت الحد، فمنِ المخاطب في إقامته؟ وهل لكل إنسان أن يقيمه؟ لا، قال: (فيقيمه الإمام أو نائبه)، وعُلِمَ من قول المؤلف: (فيقيمه) أنه لا بد من النية، فلو غضب الإمام على شخص في مسألة غير الفاحشة فجلده مئة جلدة، سمع أنه يسب الإمام، قال: هذا الرجل الذي يسبني، يلَّا اجلدوه مئة جلدة، فجلدوه مئة جلدة، فلما انتهوا منه، قال لهم: إنه قد زنا، وتكون الجلدات هذه عن زناه، ينفع؟ لا؛ لأنه لا بد من نية، ولهذا قال: (فيقيمه)، والإقامة لا بد أن يكون لها نية، أو من الآداب أن ينوي الإمام بإقامة الحد أمورًا ثلاثة:
[ ١ / ٧٤٤٧ ]
أولًا: الامتثال لأمر الله ﷿ في إقامة الحدود؛ ولا ينوي بذلك التشفي أو الانتصار؛ أن ينوي بذلك امتثال أمر الله تعالى في إقامة الحد؛ لأن هذا من الواجب مما أوجب الله على العباد فينوي بذلك امتثال أمر الله.
ثانيًا: ينوي دفع الفساد؛ لأن هذه المعاصي لا شك أنها فساد، وأن الله تعالى ما أمر بإقامة الحدود على فاعليها إلا لدفع فسادهم وفساد غيرهم المنتظر، إذا لم يقم عليهم الحد.
الشيء الثالث: إصلاح الخلق، دفع الفساد، الثالث: إصلاح الخلق، ومن بين الخلق الذين يُصلَحون هذا المجرم الذي يقيم عليه الحد، فينوي إصلاحه، وأن الله تعالى يغفر لهما ما سلف.
هذه الأمور الثلاثة يجب على ولي الأمر أن تكون منه على بال، وهي إقامة فريضة الله، دفع الفساد إصلاح الخلق، وكثير من الناس من الولاة أو أقول: بعض الولاة يريد بذلك الانتقام فقط، مجرد الانتقام من هذا الشخص.
هل تسري هذه الآداب الثلاثة إلى المعلم؟
طلبة: نعم.
الشيخ: المعلم يعني: مثلًا، إذا قطع الطالب () مصلحته، إذا قطعه بالمقطعة ينوي بذلك.
طلبة: ().
الشيخ: ().
طالب: ().
الشيخ: () عبارة عن خشبة.
طالب: المسطرة.
الشيخ: لا، المقطعة من القطع.
طالب: المسطرة.
الشيخ: إن شاء الله، واحد منكم يجيب () به.
المهم أنه يعني ينوي بذلك دفع الفساد لا شك، وإصلاح هذا الطالب وغيره أيضًا.
لكن إقامة لفريضة الله؟ ().
طالب: ().
الشيخ: ().
طالب: ().
الشيخ: إي قد نقول: إن هذا وإن لم نقل: يعني نتجاسر إلى حد الفريضة، نقول: إنه مما يُشْرَع، ولو لم يقم بذلك ما دام قلنا: إنه دفع فساد، والله لا يحب الفساد، فهنا مشروع أن يدفع الفساد بكل وسيلة، أليس كذلك؟
[ ١ / ٧٤٤٨ ]
وقول المؤلف: (فيقيمه الإمام) الإمام في كل موضع بحسبه، فعندما نتكلم عن الجنايات والحدود وما أشبهها يكون المراد بالإمام مَنْ له السلطة العليا في الدولة، وعندما نتكلم في باب الجماعة من يكون المراد بالإمام إمام الصلاة، إمام المسجد، ونحو ذلك، فالإمام مَنْ له السلطة العليا في الدولة المدبر لشؤون الدولة هو الإمام.
وقوله: (أو نائبه) من نائب الإمام؟ القاضي، الوزير، الأمير، هذا يرجع إلى العرف نائب الإمام في هذه الأمور يرجع إلى العرف.
[ ١ / ٧٤٤٩ ]