[ ١ / ٧٥٧١ ]
إذا أَخَذَ الملتزِمُ نِصابًا من حِرْزِ مثلِه من مالٍ معصومٍ، لا شُبهةَ له فيه، على وَجْهِ الاختفاءِ قُطِعَ، فلا قَطْعَ على مُنْتَهِبٍ ولا مُخْتَلِسٍ ولا غاصبٍ ولا خائنٍ في وَديعةٍ أو عارِيَّةٍ أو غيرِها، ويُقْطَعُ الطرَّارُ الذي يَبُطُّ الجيبَ أو غيرَه ويَأخذُ منه.
و(يُشْتَرَطُ) أن يكونَ المسروقُ مالًا مُحْتَرمًا،
حين استشارهم عمر في الزيادة على الأربعين، فقال عبد الرحمن بن عوف: أَخَفُّ الْحُدُودِ ثَمَانُونَ. (١)
إذن عقوبة الخمر حد ولّا لا؟ لا، ليست حدًّا.
طلبة: ().
الشيخ: لا مقتضى هذا اللفظ ما هو الصحيح أو الضعيف.
مقتضى هذا اللفظ (أخف الحدود ثمانون)، يعني: فاجعلها ثمانين، فجعلها عمر ثمانين.
فقولهم: أخف الحدود ثمانون، وهي في عهد أبي بكر وعهد عمر لا تزيد على أربعين (٢)، معناها أنها ليست بحد، ولو كانت حدًّا لكان أخف الحدود أربعين.
ثم نقول: لو كانت حدًّا ما استطاع عمر ولا غيره أن يتجاوزها.
ولهذا لو كثر الزنى في الناس هل نزيد على مئة جلدة؟ ما نزيد.
الحد لا يمكن أن يزيده أحد، كما لا تزاد صلاة الظهر على أربع، وصلاة المغرب على ثلاث، وصلاة الفجر على اثنتين، لا تُزاد أيضًا الحدود التي قَدَّرَها الله أو رسوله.
وعلى هذا فالقول الراجح أن عقوبته عقوبة تعزير، ولكن أيش؟ لا تقل عن أربعين؛ لأن هذا أقل ما ورد فيه.
في عهد الرسول ﵊ أُتِيَ بشاربٍ، فقاموا يجلدونه، منهم من يضربه بنعله، ومنهم من يضربه بيده، ومنهم من يضربه بردائه، وبالجريد. (٣)
لو كان هذا حدًّا هل يكون هكذا تأديبه؟ لا يكون هكذا تأديبه، بل يُقَدَّر ويُحَدَّد حتى لا يزيد أحد ولا ينقص.
وقول المؤلف: (ثمانون جلدة مع الحرية وأربعون مع الرق).
(ثمانون جلدة) بناءً على قضاء عمر ﵁، حيث رفع العدد إلى ثمانين جلدة (٢)، وعمر له سُنَّة مُتَّبَعة.
[ ١ / ٧٥٧٢ ]
وهذا نظير أَخْذ أهل العلم برأي عمر في الطلاق الثلاث (٤)؛ أنه يكون طلاقًا بائنًا، مع أنه في عهد النبي ﷺ وعهد أبي بكر وسَنَتَيْن من خلافة عمر كان الطلاق الثلاث واحدة. (٥)
فهذا مثله، أخذوا بالأخير من فعل عمر ﵁، وهو أنه يُجْلَد شارب الخمر ثمانين جلدة، واختار كثير من أهل العلم أن ما بين الأربعين إلى الثمانين راجع إلى نظر الحاكم؛ إن رأى من المصلحة أن يبلغ الثمانين بلغ، وإلا فأربعون.
قال: (وأربعون مع الرق).
بناءً على القاعدة التي مرت علينا، وهي أن الرقيق عقوبته على النصف من عقوبة الحر.
انتهى باب حد الْمُسْكِر.
وهنا مسألة ما ذكرها الماتِن والناسُ يحتاجون إليها، وهي أن العصير هل يحرُم ولّا ما يحرُم؟ عصير العنب، عصير البرتقال، وما أشبه ذلك، هل هو حرام ولّا حلال؟
طالب: الأصل حلال.
الشيخ: حلال ما فيه شك، إلا إذا غلى، إذا غلى يعني ارتفعت قيمته؟
طالب: لا، درجة الحرارة.
الشيخ: إي، إذا غلى: إذا صار يغلي، تَخَمَّر.
فإذا غلى صار خمرًا حرامًا، يعني إذا بدأ يزبد يكون فيه زَبَد فإنه يكون حرامًا، أو إذا أتى عليه ثلاثة أيام -على المشهور من المذهب- وإن لم يَغْلِ فإنه يكون حرامًا، ليش؟
قالوا: لأن ثلاثة الأيام يغلي فيها العصير غالبًا، ولما كان الغليان قد يخفى أُنِيطَ الحكم بالغالب؛ لظهوره، وهو ثلاثة أيام، والصحيح خلاف ذلك.
الصحيح أنه لا يحرُم إذا أتى عليه ثلاثة أيام، لا سيما في البلاد الباردة، أما إذا كان في بلاد حارة فإنه بعد ثلاثة أيام ينبغي أن يُنْظَر فيه، والاحتياط أن يُتَجَنَّب، وأن يُعْطَى البهائم أو ما أشبه ذلك؛ لأنه يُخْشَى أن يكون قد تخمر وأنت لا تعلم به.
***
[باب التعزير]
ثم قال المؤلف: (باب التعزير).
[ ١ / ٧٥٧٣ ]
(التعزير) لغةً: المنع، ومنه قوله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩] أي: تمنعوه مما تمنعون منه أنفسكم وأولادكم، فالتعزير في اللغة: المنع.
أما في الاصطلاح فقال المؤلف: (وهو التأديب)، هذا التعزير، ووجه مناسبته للغة: أن التأديب يمنع المؤدَّب من ارتكاب ما لا ينبغي، أليس كذلك؟
(التأديب) المؤلف -﵀- يقول: وهو التأديب، ولم يعين لا جنسه ولا نوعه، وعليه فيختلف باختلاف الناس، وباختلاف المعصية، وباختلاف الزمن، وباختلاف المكان.
قد يكون بعض الناس نُعَزِّرُه بالتوبيخ أمام قومه، يكون هذا أشد من كل شيء عليه؛ خذ منه عشرة ملايين ريال ولا تُوَبِّخه بكلمة أمام الناس، ولّا لا؟
وقد يكون بعض الناس بالعكس؛ يهون عليه ما يتعلق ببدنه، ولكن ماله لا يريد منه أن يؤخَذ منه شيء، إذا عثر وتَدَمَّت أصبعه قال: شوية ولا ()، وبعض الناس يكون تأديبه بفصله عن الوظيفة أو بتوقيفه أو ما أشبه ذلك.
المهم أن المؤلف أفادنا بقوله: (وهو التأديب) أنه -أي التعزير- كل ما يحصل به الأدب، والأدب هو التقويم، تقويم الأخلاق كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، فكان خُلُق النبي ﷺ القرآن.
إذن إذا قال قائل: ما هو التأديب؟ هو التقويم أو فعل ما يحصل به التقويم.
(وهو واجب)، هذا حكم التأديب، واجب، على مَن؟ على من له حق التأديب، قد يكون على الإمام، أو نائبه، أو الحاكم، أو الأب، أو الأم، أو ما أشبه ذلك، كل مَن له حق التأديب فهو واجب عليه، «مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ». (٦)
وقوله: (وهو واجب)، هذا هو ما ذهب إليه المؤلف -﵀- أنه واجب.
وقال بعض أهل العلم: إنه ليس بواجب على الإطلاق، ولا يُترَك على الإطلاق، وأن ذلك يرجع إلى اجتهاد الحاكم، بشرط أن يكون أمينًا.
[ ١ / ٧٥٧٤ ]
وعَلَّلَ ذلك بأمور كثيرة وقعت في عهد الرسول ﵊ وترك التأديب عليها، وبأن المقصود التأديب، وكثير من الناس إذا مَنَنْتَ عليه وأطلقته يكون هذا الإطلاق عنده أكبر من التأديب، يرى لهذا الإطلاق محلًّا ويمتنع عن المعصية، أشد مما لو رُحْتَ تضربه، يمكن لو تضربه أمام الناس يمكن عاد يعاند ويعود إلى المعصية، لكن لو تَمُنّ عليه صار ذلك أقوم له.
ولهذا في الأسرى مر علينا في الجهاد أنه يجوز للإمام أن يَمُنّ عليهم، ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] حسب ما تقتضيه المصلحة.
فهذا الرجل ربما إذا أتينا به وقلنا: يا أخي، هذا ما ينبغي من مثلك، وأنت رجل بالحقيقة يشق علينا أن نؤدبك أمام الناس، أو أن نظهر تأديبًا لك، ولكن نظرًا لمقامك وحالك فإننا نريد أن نسمح عنك، وننصحك أن تعود لمثله، هذا ربما يكون في نفسه أنفع مما لو ضربناه أسواطًا في السوق.
والصحيح أنه ليس بواجب على الإطلاق، وأن للإمام أو لِمَن له التأديب أن يسقطه إذا رأى غيره أنفع منه وأحسن.
قال: (في كل معصية لا حدَّ فيها ولا كفارة).
قوله: (في كل معصية) إن أراد بالمعصية ما يقابل الطاعة ففيه نظر؛ لأن الإنسان قد يُعَزَّر على ترك الطاعات، ما هو على المعاصي.
وإن أراد بالمعصية المخالفة مطلقًا فهذا صحيح، إن أراد بالمعصية أيش؟
طالب: ما يقابل ..
الشيخ: ما يقابل ..
الطالب: الطاعة.
الشيخ: الطاعة، فليس بصواب، وإن أراد بالمعصية مخالفة الأمر، فيشمل فعل المعصية وترك الطاعة، فكلامه صحيح، ذلك لأنه ثبت التأديب على ترك الواجب: «مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا» (٧)، هذا يشمل على فعلها أن يفعلوها ولا بد، وهذا تعزير على أيش؟
طلبة: على ترك واجب.
الشيخ: على ترك الواجب.
[ ١ / ٧٥٧٥ ]
والنبي ﵊ قال: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامُ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمُّ النَّاسَ»، إلى أن قال: «ثُمَّ أَنْطَلِقُ بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ» (٨)، وهذا على ترك الواجب.
فالصحيح أن التأديب -ولعله مراد المؤلف- أن التأديب واجب في كل معصية، سواء كانت تلك المعصية بترك الواجب أو بفعل المحرَّم.
لكن لاحظ أن التأديب على فعل المحرَّم لا يتكرر، وأما التأديب على ترك الواجب فيتكرر حتى يقوم بالواجب.
مثلًا لو إنسان قلنا له: صَلِّ، الآن بيخرج الوقت، تهاوَنَ، ضربناه، وتهاون، نضربه حتى يصلي، ولّا لا؟ ولو تكرر؛ لأن المراد تقويمه، فلا ندع ضَرْبَه حتى يَتَقَوَّم.
أما معصية فُعِلَت وراحت وذهبت فهذه يعاقَب عليها مرة واحدة، فإن عاد عاقبناه بعقوبة جديدة لمعصية جديدة.
يقول: (في كل معصية لا حدَّ فيها ولا كفارة)، فإن كان فيها حد فالحدُّ كافٍ عن التعزير، وإن كان فيها كفارة فالكفارة كافية عن التعزير.
مثال التي فيها الحد: لو زَنَى رجل بامرأة وهو غير مُحْصَن، يعني لم يتزوج بعد، نجلده مئة جلدة.
هل نُعَزِّره مع ذلك؟ لا، اكتفاءً بالحد.
(ولا كفارة) الكفارة أيضًا ما فيها تعزير، المعصية التي فيها كفارة لا تعزير فيها؛ لأن الكفارة نوعُ تعزيرٍ، فهي إلزام له؛ إما بعمل شاق، وإما بمال يفدي به نفسه.
مثاله: رجل جامع امرأته في نهار رمضان مع وجوب الصوم عليه، عليه كفارة، أيش؟
طالب: عتق ..
الشيخ: عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا، هذا نوع تعزير، أليس نوع تعزير؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، ولَّا بلى؟
طلبة: بلى.
[ ١ / ٧٥٧٦ ]
الشيخ: بلى، كيف تعزير؟ عتق الرقبة معناه إنه سيبذل شيئًا كثيرًا من ماله، صيام شهرين متتابعين سيعمل عملًا شاقًّا، إطعام ستين مسكينًا كذلك؛ لأنه إذا لم يجد الرقبة ولم يستطع الصيام فإطعام ستين مسكينًا، فيكتفى بالكفارة عن التعزير، واضح؟
فيه أيضًا لو قال المؤلف: ولا قصاص أو ولا قَوَد، لكان أجود؛ لأن المعصية اللي فيها قَوَد يُكْتَفَى بالقود عن التعزير، فلو أن رجلًا قتل رجلًا أو قطع طرفه على وجه يثبت به القصاص فإنه أيش؟ يُقْتَصّ منه ويُكْتَفَى؛ لأن الله تعالى لم يذكر شيئًا سوى المقاصة.
ونقول: ولا دية، ونكتفي بالدية عن التعزير؟
طالب: الكفارة ().
الشيخ: يعني مثلًا لو جنى جناية ليس فيها كفارة، وليس فيها قصاص، وليس فيها حد، لكن فيها دية، هل نقول: ديتها كفارتها أم لا؟
ظاهر كلام المؤلف: لا؛ لأن الدية حق للآدمي، والتعزير حق لله.
بدليل أن الذي يجني على شخص جناية ليس فيها قصاص قد فعل أمرين: اعتدى على حق الله؛ لأن الله حرَّم علينا أن نعتدي على مَن له حرمة، والثاني: حق الآدمي، وإذا كان كذلك فنقول: حق الآدمي له، وحق الله لله.
ولهذا أوجب الله في قتل الخطأ كفارة ودية؛ الكفارة لله والدية للآدمي.
وهذه محل نظر، قد يقال: إننا نؤدِّبُه مراعاة للحق العام، حتى لا تنتشر الفوضى ولا يقتل الناس بعضهم بعضًا، وقد يقال: إننا نكتفي بالدية عن التأديب؛ لأنها نوع من التعزير، إذن التعزير واجب ولّا مستحب؟
طالب: واجب.
الشيخ: واجب، على رأي المؤلف، وما محله؟ (كل معصية لا حدَّ فيها ولا كفارة).
إذا قال قائل: ما هو الدليل على وجوب التعزير؟
نقول: عندنا أدلة عامة وأدلة خاصة؛ أما الأدلة العامة فهي أن الشريعة جاءت مَبْنِيَّة على تحصيل المصالح وتقليل المفاسد، القاعدة هذه مُتَّفَق عليها ولّا لا؟ مُتَّفَق عليها.
[ ١ / ٧٥٧٧ ]
ومن المعلوم أن في التعزير تحصيلًا للمصالح وتقليلًا للمفاسد، يقول الله ﷿ مُقَرِّرًا هذه القاعدة: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]، ويقول جل وعلا: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٨].
أما الأدلة الخاصة فإنها أدلة متناثرة، مثل ما أشرنا إليه قبل قليل من قول الرسول ﵊: «مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ». (٧)
ومثل: تحريق رَحْل الغالِّ من الغنيمة (٩)، فإن هذا تعزير ولّا لا؟
الغالُّ من الغنيمة، مَن هو الغالُّ من الغنيمة؟ الذي يكتم شيئًا مما غنم هذا يُحْرَق رَحْلُه؛ لأنه غَالٌّ.
ومثل كاتم الضالة، الضالة الضائعة يعني البعير إذا ضاعت وكتمها، فإنه يضمن قيمتها مرتين.
ومثل مَنْ عطس ولم يحمد الله فإننا نُعَزِّره، بماذا؟ ما نقول: يرحمك الله، حرمناه من شيء يحبه.
ولهذا كان اليهود عند الرسول ﷺ يتعاطسون ويحمدون الله، علشان يقول لهم الرسول ﷺ: يَرْحَمُكُمُ اللهُ، لكن ما يقول: يرحمكم الله، يقول: «يَهْدِيكُمُ اللهُ». (١٠)
وهكذا الكافر إذا عطس وحمد الله لا تقل: يرحمك الله، قل له: يهديك الله، وإذا هداه الله رحمه.
إذن صار التعزير فيه دليل عام، وأدلة خاصة.
الرسول ﷺ ما قال: كل معصية لا حدَّ فيها ولا كفارة فأَدِّبُوه فيها، ما قال هكذا، لكن نرى قضايا متعددة فيها التعزير، ويمكن أن نأخذ من هذه الأفراد هذه القاعدة التي ذكر المؤلف.
طالب: قول المؤلف: (وأربعون مع الرِّقّ)، هل هذا القول راجح ولّا مرجوح؟
الشيخ: الظاهر أن هذا قول راجح.
الطالب: لماذا؟
الشيخ: لأنّا رأينا أن الزنى من أعظم ما يكون من الفواحش، نصَّف الله فيه العقوبة.
طالب: ().
الشيخ: حتى العبد، على ما عليه الجمهور.
الطالب: على الراجح الترجيح إنه ما عليه.
[ ١ / ٧٥٧٨ ]
الشيخ: حتى على العبد، على ما عليه الجمهور، فإذا كان كذلك فإنهم يقيسون عليه كل العقوبات.
ثم إن الغالب أن الأرقاء ليسوا في المروءة كالأحرار، ويكون عليهم ضغوط، وربما إنهم يُسْتَدْرَجُون في هذه المعاصي.
الطالب: لكن هذا ..
الشيخ: هو إذا قلنا -بارك الله فيك- إذا قلنا بالقول الراجح ترى ما فيه إشكال أصلًا، إذا قلنا بالقول الراجح إنه التعزير، فإذا لم يندفع إلا بالتعزير بثمانين أو بمئة ما فيه مانع.
الطالب: لكن على القول بالحد عموم الأدلة، ما ..
الشيخ: ما عندنا دليل في الخمر أصلًا.
الطالب: حَدَّ عمر، ولكن ما نص على ..
الشيخ: لا، هو المعروف أن في عهد عمر، ما بلغني أن الذين شربوا كانوا أرقاء، () أنه بلفظ عام.
طالب: شيخ، ألا يقال بوجوب التعزير بحديث: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ» (١١)، وولي الأمر قادر على التغيير بيده، ثم «فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ».
الشيخ: لا، هو المنع لا بد منه، يعني مثلًا رأينا واحدًا يعزف على الآلة، التغيير باليد أننا نأخذ الآلة هذه ونكسِّرها.
الطالب: لكن ما يردعه يا شيخ.
الشيخ: ما يخالف إذا لم يرتدع، أما قلنا: إذا لم يرتدع فإن الصواب أنه يرجع لرأي الإمام، وأن الإمام يجب عليه ينظر المصالح.
طالب: شيخ، بالنسبة للبيرة التي ما فيها كحول، ألا نمنعها من باب سد الذريعة؛ لأنها تشبه الخمر تمامًا، ثم ربما يريدون يستدرجون المسلمين حتى فيما بعد يعني يشربونها، عندما () هذه التسمية وهذا المشروب.
الشيخ: هذه ..
الطالب: يكون فيها بعض الكحول، تدرُّجًا حتى يَجُرُّوا المسلمين لها.
الشيخ: هذه من باب سد الذرائع، لو أن الحكومات أصلًا منعتها كان طيبًا، لكن إذا وجدت وهي ليست تُسْكِر ولو أكثر الإنسان منها ما يمكن نقول: حرام.
طالب: ().
[ ١ / ٧٥٧٩ ]
الشيخ: يعني هذه ترجع إلى السياسة العامة، يعني لو أن ولاة الأمور في الدول الإسلامية قاطعوا هذا، وقالوا: لا، () في بلادنا؛ لأنه كما قلنا: يمكن يستمرؤها الناس ويتساهلون، ويتدرَّجون إلى الخمر.
طالب: الجهاد حد أم تعزير؟
الشيخ: جهاد أيش؟
الطالب: الكفار.
الشيخ: بالنسبة للكفار إي.
الطالب: قتالهم؟
الشيخ: القتال واجب علينا حتى تكون كلمة الله هي العليا، فهو لإقامة دين الله، بقطع النظر عن فلان وفلان، ولهذا الصحيح أن الكفار إذا بذلوا الجزية وخضعوا لأحكام الإسلام فإنه يحرم قتالهم.
طالب: ما تقول يا شيخ: لوجوب التعزير؟ يعني ليس حدًّا لوجوب التعزير؛ لحديث الرسول ﷺ بالنسبة لشارب الخمر فقط؛ لأنه في ناس ..
الشيخ: نعم، نعم، إي، ما فيه شك، مسألة شارب الخمر هذا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ما فيه شك، ما هو براجع لاجتهاد الإمام، يجب أن يقام التعزير، هذه ملاحظة جيدة.
طالب: حتى لو أنه.
الشيخ: يعني ما ورد به النص من التعزير لا يمكن أن يكون للإمام فيه خيار في هذا وفي غيره، حتى تضعيف القيمة في مسألة كاتم الضالة، وتحريق رَحْل الغالّ، ما يمكن نقول: هذا يرجع لاجتهاد الإمام، فما ورد به النص من التعزير فلا بد أن ينفذ.
طالب: ()؟
الشيخ: إي، وكذلك اللي يمنع على القول الصحيح نأخذ شطر ماله.
الطالب: فما يرد عليه في هذه الحال؟
الشيخ: بالنسبة للمال هل هو المال الذي منع زكاته فقط، أو عموم ماله، أما الأخذ فلا بد.
طالب: اللوطي يُحَدّ أو يعزر؟
الشيخ: أنت ما حضرت الدرس معنا في الحدود؟
الطالب: ما حضرت هذا.
الشيخ: متى شَرَّفْتَنا في باب الحدود؟ ().
طالب: أقول: الحديث ليس ضعيفًا.
الشيخ: أيهم؟
الطالب: تعزير مانع الزكاة بأخذ شطر ماله. (١٢)
الشيخ: لا، حسن، حديث بَهْز بن حكيم عن أبيه عن جده الصحيح أنه حسن.
الطالب: الحديث الذي يقول: أن لا يحرق بالنار إلا رب النار.
الشيخ: «لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ ..» (١٣).
[ ١ / ٧٥٨٠ ]
الطالب: «بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ».
الشيخ: إي نعم.
الطالب: اللوطي هذا يخالف الحديث ..
الشيخ: هذا يجاب عنه بأن هذا أرادوا به ﵃ التنكيل البالغ، ما أرادوا إنهم يختارون النار؛ لأن مثلًا افرض إن هذا يمكن يتعدل بغير النار.
الطالب: نعم.
الشيخ: فلا يقول: أروح أعذبه في النار علشان إني أحرق به تعذيبًا، وهذا يقول: نحن نؤدب، ونرى أن هذا أنكى وأبلغ.
طالب: ما أُطْلِق عليه اسم الخمر مع أنه لا يزيل العقل، كالمخدرات مثلًا، المخدرات التي لا تزيل العقل؟
الشيخ: هذه ما أطلق عليها اسم الخمر، يقال: هذه مخدرات، ما يسمى خمرًا.
الطالب: حَدُّها؟
الشيخ: هذه حَدُّها يرجع إلى اجتهاد الإمام، والمعروف الآن أن فعلها في بني آدم أشد من فعل الخمر، وأنها تقتل الإنسان، تعدم خلايا المخ، وقد ذكروا لي أن بعض الناس -حتى في الدول غير الإسلامية- يوجِبون القتل على مَن يُرَوِّجُها، وأن اللي يروجها يُقتَل، مما يدل على أنها خبيثة جدًّا.
طالب: وبالنسبة لحد الخمر، هل يُزَاد على ثمانين ما دام اجتهادًا؟
الشيخ: إي نعم، ما دام اجتهادًا يُزَاد، يعني ما يحصل به الردع حتى القتل.
طالب: زواج المتعة هل هو حَدّ؟
الشيخ: زواج المتعة؟ أيش لون هذا؟
الطالب: يعني زواج () له حد معين أو يوم أو سنة؟
الشيخ: حد يعني لو أن أحدًا تزوج زواج متعة، هذا يُنْظَر إذا كان هذا الذي تزوَّج عنده شبهة في الحكم.
الطالب: يعني ().
الشيخ: فيُرْفَع عنه الحد، أما إذا لم يكن عنده شبهة ويقول: نعم، أنا أرى أن نكاح المتعة حرام، لكني فعلته مع اعتقادي أنه حرام، فهذا مثل الزاني، يُقَام عليه حد الزاني تمامًا.
طالب: إذا كان العبيد () في الحدود، إذا زنت الأمة الْمُحْصَنَة؟
الشيخ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥].
الطالب: كيف يكون الحد؟
الشيخ: خمسين.
[ ١ / ٧٥٨١ ]
الطالب: إذا كانت محصنة؟
الشيخ: إي، خمسين.
الطالب: الحرة، تُرْمَى بالحجارة؟
الشيخ: إي، حتى تموت، وهذه تُجْلَد خمسين جلدة؛ لأن هذا هو الذي يمكن تنصّفه.
طالب: الْمُحْصَنة إذا كانت مثلًا بكرًا.
الشيخ: إذا كانت ثيبًا وزنت وهي أَمَة فعليها خمسين جلدة.
الطالب: إذا كانت مُحْصَنة؟
الشيخ: ويش معنى مُحْصَنة؟
الطالب: متزوجة، عندها زوج.
الشيخ: إي، وكذلك إذا كانت مُحْصَنَة، هي الثيب.
الطالب: عليها ..
الشيخ: نصف عذاب الحرة، والذي يمكن تنصُّفه هو الْجَلْد.
أمثلة: (كاستمتاع لا حد فيه) -طبعًا استمتاع محرَّم- (كاستمتاع محرَّم لا حد فيه).
مثل: أن يُقَبِّل الإنسان امرأة أجنبية، أو يضمها، أو يمسها لشهوة، أو ما أشبه ذلك، فهذا استمتاع محرَّم ولا حد فيه، فالواجب فيه التعزير.
(وسرقة لا قطع فيها)، بأن يكون اختل فيها شرط من شروط وجوب القطع الآتية -إن شاء الله- مثل: أن يسرق درهمًا، فهذه سرقة لا قطع فيها، فيُعَزَّر، أو أن يسرق من غير حِرْز، يجد مثلًا الدراهم على العتبة فيسرقها، هذا أيضًا ليس فيه قطع، وفيه التعزير ولّا لا؟ فيه التعزير.
المهم، إذا قيل: ما هو الضابط للسرقة التي لا قطع فيها؟ نقول: هي التي لم يتم فيها شروط القطع الآتية في الباب الذي بعده.
(وجناية لا قَوَد فيها)، أفادنا المؤلف من قوله: (جناية لا قَوَد فيها) فائدتين:
الفائدة الأولى: أفادنا المؤلف أن الجناية التي فيها قَوَد ليس فيها تعزير، لماذا؟ استغناءً بالقود.
وأفادنا فائدة أخرى أيضًا: أن الجناية التي فيها دية فيها تعزير؛ لأنه قال: لا قَوَد فيها، والجنايات -كما سبق- جنايتان: جناية فيها قَوَد، وجناية ما فيها قَوَد.
المهم أن التي فيها القَوَد ليس فيها تعزير اكتفاءً بالقَوَد، ويش هو القَوَد؟
طلبة: القصاص.
[ ١ / ٧٥٨٢ ]
الشيخ: القصاص، والجناية اللي فيها دية ظاهر كلام المؤلف أن فيها تعزيرًا، وهو أحد القولين في هذه المسألة، والقول الثاني: لا تعزير فيها اكتفاءً بالدية.
فيه شيء؛ جناية ليس فيها قَوَد ولا دية ولا كفارة، كما لو جرحه جرحًا ليس فيه قَوَد وبرأ، ولم يؤثر فيه شيئًا، فقد سبق لنا أن هذا فيه الحكومة، وأنها إذا لم تنقصه فليس فيها شيء.
ففي هذه الحال، يعني مثلًا رجل جرح إنسانًا من جبهته مثلًا جرحًا لم يصل إلى العظم، وبرأ الجرح وتلاءم ولم يؤثر شيئًا، هل عليه شيء؟ ما فيه قَوَد، وليس فيه دية؛ لأنه لم يؤثر، ولا حكومة؛ لأنه ما أَثَّر شيئًا.
هذا نقول: فيه تعزير؛ لأنه ليس فيه قَوَد ولا دية، ففيه التعزير.
الجناية على المال، الجناية على المال فيها تعزير؟ ولّا يُكْتَفَى بالضمان؟ قد نقول: إن الجناية على المال فيها حقان؛ حق عام، وحق خاص، فالحق الخاص ويش فيه؟ فيه الضمان، والحق العام -وهو منع الفوضى والفساد والشر بين الناس- يجب فيه التعزير.
فإذا وصل الأمر إلى القاضي، ورأى أن يُعَزِّر هذا الجاني بالضمان للمجني عليه، وبالتعزير للحق العام فهذا لا بأس به.
الجناية على العِرْض؟ الجناية على العِرْض كالسب والشتم وما أشبهها؟ فيه حد، وفيه تعزير، اللي فيه الحد هو القذف، كما سبق، وما لا يوجب الحد من القذف والسب ففيه التعزير.
قال: (وإتيان المرأة المرأةَ)، كيف تأتي المرأةُ المرأةَ؟
طالب: السحاق.
الشيخ: إي نعم، السحاق، يعني المرأة -والعياذ بالله- تَحْتَكُّ بالمرأة الأخرى وتُنْزِل، هذا يسمى سحاقًا، وربما تستعمل شيئًا تتصوره آلة وتستمتع بالمرأة الأخرى، هذا لا يوجب الحد؛ لأنه ليس زنى، ولكنه يوجِب التعزير، مَن اللي يُعَزَّر؟
طالب: كلتا المرأتين.
الشيخ: كلتا المرأتين.
(والقذف بغير الزنى) ذكره المؤلف.
(القذف بغير الزنى) يعني أن يسبه ويشتمه بغير الزنى، مثل أيش؟
طالب: يا حمار، يا بخيل.
[ ١ / ٧٥٨٣ ]
الشيخ: مثل: يا حمار، يا كلب، يا بخيل، يا سيئ الخُلُق، وما أشبه ذلك، ولكن لاحظ أن الأخيرة هذه ما يتعلق به حق الآدمي: لا يطالب إلا إذا وصل إلى القاضي، وقد سبق لنا في باب القذف هل هو حق لله أو حق للمقذوف؟ وبَيَّنَّا أن فيه خلافًا، فالقذف بغير الزنى هذا فيه التعزير، وليس فيه الحد.
فإن أسقط المجني عليه حقه سقط، ولكن إذا وصل إلى الإمام أو إلى القاضي فإنه يبقى عندنا أيش؟
الحق العام؛ لأن كوننا نجعل الناس فوضى كل مَن شاء سب وشتم وقذف ونتركهم هذا لا يليق.
قال المؤلف: (بغير الزنى، ولا يُزَاد في التعزير على عشر جلدات).
(لا يزاد في التعزير)، أولًا: مَن الذي يتولى التعزير؟
طالب: الحاكم أو نائبه.
الشيخ: الحاكم أو نائبه، أو نقول: مَن له ولاية التأديب مطلَقًا، هذا هو الأعم، الذي يتولى التعزير مَن له ولاية التأديب؛ فالأب يعزِّر ابنه، والمعلِّم يعزر تلاميذه، وكذلك الأمير يعزِّر رعيته، كل مسؤول عن أحد مسؤول عن تأديبه فله حق التأديب.
ولكن يقول: (لا يُزاد في التعزير على عشر جلدات)، نجلده عشر جلدات فقط، بسوط لا جديد ولا خَلِق، ولا مَد ولا تجريد، ولا رفع يد، بحيث يتبين الإبط، عشر جلدات.
لو وجدنا رجلًا عند امرأة بات معها ليلة كاملة يستمتع بها جميع الاستمتاعات، إلا أنه لم يصل إلى حد الزنى، نطرق عليه الباب صباحًا ونقول: تفضل، ونأخذ معنا سوطًا موصوفًا بهذه الصفات، نضربه مع ظهره عشر جلدات ولا نزيد، ونقول: إن رَغِبْتَ فَعَاوِد.
طالب: يعاود.
الشيخ: يعاود ولّا ما يعاود، والحقيقة أن قولهم -رحمة الله عليهم-: (لا يزاد في التعزير على عشر جلدات) لا بد أن يكون له مُسْتَنَد، وإلا لكان معارِضًا لقولهم فيما سبق: وهو التأديب وهو واجب، لماذا؟ لأن عشر جلدات في مثل هذا الْمُنْكَر العظيم الذي لم يَصِل إلى الحد هل يحصل به تأديب؟
طالب: ما يحصل.
[ ١ / ٧٥٨٤ ]
الشيخ: أبدًا ما يحصل، هو يقول: ما يهم، أتَصَبَّح بعشر جلدات يمكن تنفض الغبار عن ثوبي، ويعود.
لكن لهم مستند؛ المستند أنه ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لَا يُجْلَدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشْرَةِ أَسْوَاطٍ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ». (١٤)
قالوا: والحد هنا بمعنى العقوبة؛ لأن الحديث في سياق العقوبات، «لَا يُجْلَدُ»، وإذا كان في سياق العقوبات وجب أن نحمل الحد على أيش؟ على العقوبة، أي: لا يعاقَب أَحَدٌ جَلْدًا فوق عشر جلدات إلا في حد، والحد أدناه كم؟
طالب: ثمانون.
الشيخ: أدناه ثمانون، كما سبق؛ حد القذف، وعلى هذا فلا يجوز أن نزيد على عشر جلدات، وقال بعض أهل العلم: بل يجوز الزيادة على عشر جلدات، وعشرين، وثلاثين، وأربعين، ومئة، ومئتين، وألف، وألفين، بقدر ما يحصل به التأديب؛ لأن المقصود التقويم -تقويم الاعوجاج- والتأديب، وإزالة الشر والفساد، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ونحن رأينا رسول الله ﷺ عَزَّرَ بما هو أعظم من عشر جلدات، كما سنذكر إن شاء الله تعالى.
وإذا كان كذلك فإنه يجب أن يُحْمَل قول الرسول ﵊: «إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ» (١٥)، أي: في مُحَرَّمٍ من محارمه؛ لأن حدود الله تُطْلَق على الواجبات وعلى المحرَّمات وعلى العقوبات، أو لا؟
﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، هذه الواجبات، تُطْلَق ﴿فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ هذه أيش؟ الواجبات.
﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧] المحرَّمات، الحدود العقوبات المقدَّرة شرعًا واضحة، وإذا كان التعزير هو التأديب، وكان لا يتأدب هذا الفاعل للمعصية إلا بأكثر من عشر جلدات، فحينئذ إما أن نقول: لا نزيد، وتكون هذه الجلدات عبثًا؛ لأن جلدات لا تفيد، معناها أنها عبث لا فائدة منها، والشرع لا يأمر بالعبث، بل لا يأمر إلا بما فيه المصلحة والحكمة.
[ ١ / ٧٥٨٥ ]
وإذا كان هكذا فإنه يجب أن يُحْمَل كلام الرسول ﵊ على ما فيه المصلحة، وعلى ما له معنى مستقيم، ويُحْمَل الحد في الحديث على الحدود الحكمية التي إما تَرْك واجب، وإما فِعْل محرَّم.
يصير المعنى أننا لا نؤدب أحدًا على ترك مروءة مثلًا فوق عشرة أسواط.
لو وجدنا واحدًا مثلًا في مجمع كمجمعنا هذا، مجمع علم واحترام، وجدناه يأكل الفصفص ()، ويش يكون هذا؟
طالب: هذا خلاف المروءة.
الشيخ: خلاف المروءة، هذا نجلده، لكن ما نجلده أكثر من عشر جلدات، كذا ولّا لا؟ نعطيه في كل حبة جلدة، أو ما يكفي، هذا لا نزيد على عشر.
رجل قال لابنه: اجلس في القهوة، بيجينا زوَّار، الابن سمع الأولاد يلعبون كرة، وطلع وخلَّى القهوة، رجع والده ويبغي يؤدبه، ويش نقول؟
طالب: لا تزد على عشر جلدات.
الشيخ: لا تزد على عشر جلدات، كان يأمر ابنه الصغير بالصلاة وله إحدى عشرة سنة، ولكن الابن يتمرد، كم يجلده؟
طالب: عشر.
الشيخ: فإن لم تنفع؟
طالب: يزيده.
الشيخ: فإن لم تنفع؟
طالب: يزيد.
الشيخ: يزيد؛ لأن هذا ترك واجب، حد من حدود الله، وعلى هذا فنقول: الحد في الحديث هو أيش؟ محارم الله، يعني الحدود الحكمية لا الحدود العقوبية، الحدود الحكمية إما تَرْك واجب وإما فِعْل محرَّم.
وعرفتم وجه وجوب حمل الحديث على ذلك من أن الشارع إنما يقصد بذلك التأديب، والتأديب لا يحصل بمثل عشر جلدات لمن ارتكب ذنبًا عظيمًا لا يوجِب الحد.
وهذا القول هو الراجح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة من أهل العلم المحققين، وهو الذي يتعين العمل به.
وسيأتينا -إن شاء الله تعالى- بيان أن التعزير أيضًا لا يقتصر على هذا النوع من التعزيرات، بمعنى أنه لا يقتصر على الجلد، قد يكون التعزير بأنواع متعددة، حتى على المذهب يكون بأنواع متعددة، وهو ما يدل على أنه يجوز زيادة على عشر جلدات.
[ ١ / ٧٥٨٦ ]
طالب: يا شيخ، على قولك إذا رأينا واحدًا يأكل الفصفص يعني جلدناه عشر جلدات، على هذا يعني الفصفص محرَّم ومعصية؟
الشيخ: لا، ما هو معصية، هذا تَرْك مروءة؛ يعني ليس من المروءة أن الإنسان في مجلس علم كهذا يروح يأخذ فصفصًا ويقعد يتلهى به ويُلْهِي غيره، حتى غيره لو سمعوا طرقعة بين أسنانه يلتفتون.
الطالب: بس القاعدة عند المؤلف أن الجلد يكون في معصية لا حد فيها ولا كفارة.
الشيخ: هذا التأديب، هذا على رأي المؤلف، لكن الصحيح أنه ما هو بعلى هذا، التأديب سواء في هذا أو في ترك المروءة.
طالب: وإتيان المرأةِ المرأةَ لماذا لا نقيسه على اللواط فنقتلهما؟
الشيخ: ما يصح؛ لأن اللواط أولًا: ورد به النص، والثاني: أن الفرق بينهما أن اللواط يحصل به الاستمتاع والإيلاج، وليس كهذا.
طالب: أقول: هذا إن ()، هو فعل محرَّمًا، ().
الشيخ: لا، بس ما هو محرَّم لحق الله، هذا لحق الأب، ولهذا لو أن الأب عفَا وترك ما قلنا: هذا حرام عليك.
طالب: () أن النبي كان يؤدِّب على ().
الشيخ: سيأتينا إن شاء الله تعالى.
هذا يقول: ما هو الدليل على أنه لا يرفع يده حتى يُرَى إبطه؟
يقولون: إنه إذا رفع يده حتى يرى إبطه، معناه: أنه يرد السوط على المضروب ورودًا قويًّا، وليس المقصود تعذيبَه، وإن المقصود تأديبه، لكن هذا فيه نظر، () هناك سبق الكلام عليه، وبَيَّنَّا أن الصواب أنه يُجْلَد جلدًا لا يضره، ولكن يؤدبه.
طالب: إذا كان ولد () في المجلس عندنا ضيوف يقهويهم، والولد ترك ذلك، هل يجوز للأب أن يضرب () عشر جلدات.
الشيخ: ينظر فيه؛ لأن الأبناء يختلفون، وأيضًا التمرّد هل هو كثير من الابن ولّا لا؟ قد يكون بعض الأبناء يكفيه مثلًا إنك تهوشه، أو تصعّر وجهك دونه، أو تعبس في وجهه.
[ ١ / ٧٥٨٧ ]
طالب: قول الذين يقولون: إنه ما يُوبَّخُ الولد حتى يبلغ العاشرة؛ لأن الله وصَّى الرسول ﷺ في الصلاة التي هي أهم الواجبات لم يضرب فيها إلا بعد العاشرة، وقبل العاشرة لم يضربه.
الشيخ: أقول: هذا يحتاج إلى نظر؛ لأن هذا من حقوق الله، وحقوق الله تكليفية، ما تكون إلا بعد البلوغ، بخلاف حق الآدمي.
طالب: () عشر سنين أو إحدى عشرة سنة، هل الصلاة واجبة عليه ولَّا لا؟
الشيخ: لا، ما هي بواجبة.
الطالب: ().
الشيخ: واجب على الأب أن يؤدب.
الطالب: لكن ما يزيد على عشر جلدات.
الشيخ: إي، يزيد على عشرة؛ لأنها حد من حدود الله.
الطالب: ما هو واجب يا شيخ.
الشيخ: بالنسبة للوجوب، إي نعم.
الطالب: ما هو واجب يا شيخ؟
الشيخ: لا، هذا ما يصح، ما يزيد على العشر، إلا إذا قلنا: بأن الحد ما أمر به الشرع مطلقًا، تحتاج إلى تأمل هذه.
طالب: ().
الشيخ: نقول: إن الابن اللي يبلغ عشر سنوات ما وجبت عليه الصلاة، فهو إذا تركها لم يرتكب محرَّمًا فلا يُزَاد في التعزير على عشر جلدات، وهذا إيراد قوي.
طالب: ().
الشيخ: الرجل يعني؟
الطالب: ().
الشيخ: هذه قد نقول: إن الواجب فِعْل الصلاة فقط، لا مع الجماعة، نُعَوِّده، لا مع الجماعة فقط، إلا مع الجماعة وجوبًا.
طالب: حلق اللحية ()؟
الشيخ: أهو معصية؟
الطالب: نعم.
الشيخ: يجب فيها التعزير.
الطالب: حكم الشارب؟
الشيخ: لا، الشارب لا؛ لأنه ما هو معصية، يقول: حلق اللحية هل يجب فيه التعزير؟ يجب فيه التعزير؛ لأنه ترك واجبًا، الرسول قال: «وَفِّرُوا» (١٦)، وهذا التعزير نكرره أيضًا.
الطالب: ().
الشيخ: كلما حلق كررناها، وأما حلق الشارب فالصحيح أنه لا يؤدَّب فاعله، يعني معناه إنه ما يُعَزَّر، وإن كان بعض العلماء قال: إنه ينبغي أن يؤدَّب فاعله، لكن في النفس من هذا شيء، والذين قالوا: إنه يؤدَّب، يقولون: إن حلق الشارب مُثْلَة، وهو صحيح.
طالب: ().
[ ١ / ٧٥٨٨ ]
الشيخ: نعم، يُعَزَّر؛ لأنه خلاف أمر الرسول ﵊، بعض العلماء -﵏- قالوا: ما لم يُسْتَهْجَن طولها، يعني: ما لم تكن طويلة مرة، ويصير مستهجنًا الإنسان، وبعضهم يقول: ما زاد على القبضة فله أَخْذُه، ولكن إذا نظرنا لعموم الأحاديث وجدنا أنها عامة.
طالب: ممكن بعض الناس يستهجنون.
الشيخ: لا، هو المقصود عامة الناس أو أوساط الناس، وأما فيه ناس يستهجن اللي تبقى طول الأنملة.
طالب: () حق التعزير، إذا قال ().
الشيخ: هل التعزير واجب ولّا سنة؟ إن كان سنة لا بأس.
طالب: إذا رأى ولي الأمر، رأينا أنه ليس بواجب، إلا إذا رأى ولي الأمر.
الشيخ: طيب.
طالب: بعض الناس يقول: لو عَزَّرْنَا في الشوارع () أهل الحسبة.
الشيخ: إي.
الطالب: هؤلاء يُنَفِّرُون من الدين، فهل هذا صحيح؟
الشيخ: والله هذا يتبع المصلحة؛ لأن هذا يردع الفساد، وتستقيم الأحوال، والإنسان اللي بينفره من الدين تأديبُ ولي الأمر عليه معناه إنه ما عنده دين.
الطالب: بعض الجهلاء من الناس اليوم غالبهم جاهل.
الشيخ: والله هذه أنا أرى أن طلبة العلم ينبغي لهم إنهم يوجهون الناس دائمًا في كل مناسبة على أن هذه التعزيرات والحدود التي أمر الشارع بها أنها رحمة بالخلق.
يعني ورد في الحديث وإن كان ضعيفًا أنه إقامة حد واحد خير من أن يُمْطَرُوا أربعين صباحًا. (١٧)
وهذا لا شك إنه صحيح، يعني أن إقامة الحدود تنفيذًا لفريضة الله كما قال عمر -﵁- في الرجم، قال: فيَضِلُّوا بترك فريضة أنزلها الله (١٨)، يعني يُنَبِّهُون الناس على هذا.
طالب: () يعزر، ما () الكلام.
الشيخ: ما يخالف، نحن ننصحه أول مرة، لكن كما قال شيخ الإسلام في قتل شارب الخمر في الرابعة، قال: إذا لم ينته الناس بدون القتل قُتِل.
[ ١ / ٧٥٨٩ ]
كانوا بالأول -لكن الأمور تدهورت شوي- كانوا بالأول يتفقدون الناس في صلاة الفجر، وإذا لم يحضر أحد وجاء العصر ودخل للسوق هذا الذي تخلَّف أخذوا شمَاغه وخلّوه يمشي أصلع في السوق، وهذه تعتبر في زمن مضى تعتبر شديدة جدًّا.
وتلقاه يحط مِشْلَحه () شعر رأسه، ويركب لبيته علشان يلبس الشِّمَاغ.
ويُحْكَى أن بعض الإخوان اللي يتفقدون الجماعة يبدأ بالناس التجار اللي يكون شِمَاغهم زين وجديد، إذا كانوا حاضرين قال: الباقين ينبغي ألا يحضروا؛ لأن شمغهم رديئة، يمكن ما يأخذه.
طالب: ().
الشيخ: كيف؟
طالب: يأخذه له ولّا ().
الشيخ: لا، يأخذه له، ولهذا يحرص إنه يتفقد الجماعة، يحرص حرصًا عظيمًا، إي نعم.
طالب: هذا يجب يعزر. ()
الشيخ: (ومن استمنى بيده من غير حاجة عُزِّر)، هذه الجملة ربما نقول: إن لها مناسبة في باب حد الزنى، ولها مناسبة هنا، أما مناسبتها هنا فلأن العقوبة فيها من باب التعزير، وأما مناسبتها في الزنى فلأن هذا اعتداء من الفاعل في شيء لا يحل له.
ولكن لا يهمنا المكان، الذي يهمنا أن قول المؤلف: (مَن استمنى بيده من غير حاجة عُزِّر).
معنى (مَن استمنى) أي: مَن حاول إخراج المني حتى خرج بيده، سواء كان ذَكَرًا أو امرأة.
وقوله: (من غير حاجة)، أي: من غير حاجة إلى ذلك، والحاجة نوعان: حاجة دينية، وحاجة بدنية؛ أما الحاجة الدينية فهو أن يخشى الإنسان على نفسه من الزنى، بأن يكون في بلد يتمكن من الزنى والزنى فيه يكون بسهولة، فهو يقول: إنه إذا اشتدت به الشهوة فإما أن يطفئها بهذا الفعل، وإما أن يذهب إلى أي مكان من دور البغايا ويزني، فنقول له هنا: هذه الحاجة؛ الحاجة الشرعية؛ لأن القاعدة المقررة في الشرع أنه يجب أن ندفع أعلى المفسدتين؟
طلبة: بأدناهما.
[ ١ / ٧٥٩٠ ]
الشيخ: بأدناهما، وهذا هو الأصل، فإذا كان هذا الإنسان لا بد أن يفعل عجز أن يتحمل، فإما هذا وإما هذا، فإنا نقول حينئذ: يُبَاح لك هذا الفعل للضرورة، أما الحاجة البدنية فأن يخشى الإنسان على بدنه من الضرر إذا لم يخرج هذا الفائض الذي عنده؛ لأن بعض الناس قد يكون قوي الشهوة، فإذا لم يخرج هذا الفائض الذي عنده فإنه يحصل به التعقد في نفسه، وأيضًا يسميها الناس ().
يكون الرجل يكره أن يعاشر الناس وأن يجلس معهم ويصاب بهذا المرض، فإذا كان يخشى على نفسه من الضرر فإنه يجوز له أن يفعل هذا الفعل؛ لأن هذه حاجة أيش؟ حاجة بدنية، فيجوز له أن يفعل، فإن لم يكن حاجة وفعل فإنه يُعَزَّر، أي: يؤدَّب بما يردعه، كيف يؤدَّب؟
سبق لنا إن أُدِّب بالجلد لا يزاد عن عشر جلدات، ولكن الصحيح أن التعزير لا يختص بالجلد، بل يكون بعدة أنواع: بالتوبيخ، والهجر، والجلد، وأخذ المال، وإتلاف المال، وغير ذلك؛ لأن المقصود بالتعزير هو التقويم والتغيير، واستفدنا من قول المؤلف.
طالب: والسجن يجوز يا شيخ؟
الشيخ: نعم، والسجن.
استفدنا من كلام المؤلف أن الاستمناء باليد من غير حاجة حرام، مع أنه لم يصرح به، لكن إيجاب التعزير على فاعله يدل على أنه معصية؛ لأنه سبق لنا أن التعزير يجب في كل معصية، وعلى هذا فيكون حرامًا الاستمناء باليد.
وإذا قلنا: إنه حرام، فإنه يحتاج إلى دليل؛ لأن الأصل في غير العبادات الحِلّ، فما هو الدليل على التحريم؟
الدليل على التحريم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧]، ﴿وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ المشار إليه ماذا؟ الأزواج وما ملكت اليمين.
﴿فَمَنِ ابْتَغَى﴾ أي: مَن طلب الوصول إلى اللذة ولم يحافظ على فرجه فابتغى وراء ذلك ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾.
[ ١ / ٧٥٩١ ]
﴿هُمُ الْعَادُونَ﴾ يعني: بالنسبة لهذا الفعل، وليس مَن طلب ذلك من زوجته أو ما ملكت يمينه.
والعادي معناه المتجاوز للحد، وهذا يدل على التحريم.
دليل آخر قول النبي ﷺ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ». (١٩)
ووجه الدلالة من ذلك قوله ﷺ: «وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ»؛ لأن هذه العادة -الاستمناء- لو كانت جائزة لأرشد إليها النبي ﷺ؛ لأنها أهون من الصوم، لا سيما عند الشباب، ولأنها أيسر، ولأن الإنسان ينال فيها شيئًا من المتعة، فهي جامعة بين سببين يقتضيان الحل لو كانت حلالًا، والسببان هما:
طالب: السهولة واللذة.
الشيخ: السهولة واللذة، والصوم فيه مشقة ولّا لا؟ وليس فيه لذة.
ولو كان هذا جائزًا لاختاره النبي ﵊ وأرشد إليه؛ لأنه الموافق لروح الدين الإسلامي لو كان جائزًا، وعلى هذا فيكون الحديث دليلًا على التحريم.
هل يمكن أن نستدل بقوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣]؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يمكن؟ ليش، ويش الدليل؟
طالب: الأمر.
الشيخ: الأمر ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ﴾، على أنه قد ينازعنا منازع فيقول: المراد يستعفف عن الزنى، وحينئذ لا يكون فيه دليل.
[ ١ / ٧٥٩٢ ]
أما من الناحية النظرية -عندنا دليل من القرآن والسنة، والثالث الناحية النظرية- فإن هذا يهدم البدن، ويؤثر عليه حتى على الغريزة الجنسية، يؤثر عليها جدًّا، والشاب في حاجة إلى هذه الغريزة التي خلقها الله ﷿، في المستقبل إذا تزوج، فإذا تزوج وهذه المادة عنده ضعيفة خسر خسرانًا عظيمًا، وقد وُجِدَت نشرات كثيرة في المجلات وغيرها وكتب مؤلَّفة في هذا تبين أضرار هذا الفعل.
وهو ظاهر، ولهذا غالب مَن يفعله تجده مُصْفَرّ الوجه، تجد عنده خمولًا؛ لأن هذا ينهك البدن، فعلى هذا يكون دليل التحريم من الكتاب والسنة والنظر الصحيح.
أما الإجماع ما فيه إجماع؛ لأن من العلماء مَن أحلَّه، ولكن المرجع عند النزاع إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
وعلى هذا أقول: إن الاستمناء حرام، إلا لحاجة شرعية أو بدنية.
إذا قال قائل: أليس قد رُوِيَ عن السلف أنهم كانوا يطلبون أبناءهم إذا سافروا في الغزوات أن يستغنوا به؟ فنقول: نعم، لكن هذا محمول على أيش؟ على الحاجة، لا على الإطلاق؛ لأنه ما دام عندنا دليل من الكتاب والسنة ومن النظر الصحيح فإن السلف لا يمكن أن يفعلوا شيئًا محرَّمًا، لكنه يُحْمَل على الحال المباح.
لو طلب استخراج المني بغير الاستمناء باليد هل يجوز أو لا يجوز؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؛ لأن العلة واحدة، سواء كان ذلك باليد، أو كان ذلك بأي وسيلة؛ لأن العلة واحدة، لكن لو فَكَّر فأنزل، عليه شيء؟
طالب: لا.
الشيخ: إي نعم يتقطر، إنسان مثلًا شاب وعنده شهوة يبدأ يفكر لكن ما ().
طالب: () المرأة.
الشيخ: فهذا لا شيء عليه، لكنه لا يفكر بامرأة معينة؛ لأن التفكير بمرأة معينة سبب للفتنة؛ لأنه ربما مع تفكيره بها يُمْلِي له الشيطان فيتصل بها أو تتعلق نفسه بها، أما إذا فكر في مثل هذا العمل مطلقًا، فيتصور كأنه يجامع امرأة وحصل الإنزال فهذا لا بأس به.
[ ١ / ٧٥٩٣ ]
مع أننا ننصح بعدم التعرض له؛ لأن الشيء الذي ليس بطبيعي الغالب أنه يُحْدِث من الضرر أكثر مما يكون فيه من النفع.
[باب القطع في السرقة]
ثم قال المؤلف -﵀-: (باب القطع في السرقة).
السرقة هل هي حرام أو جائزة؟
طلبة: كبيرة.
الشيخ: كبيرة من كبائر الذنوب؛ لأن كل معصية أَوْجَبَ الشارع فيها حدًّا فهي من كبائر الذنوب.
ولكن المؤلف لم يتعرض لحكمها، يعني: ما قال: إنها حرام؛ للعلم بها، وهي محرَّمة بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فظاهر، من أدلته قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨].
والذي يسرق آكل المال بالباطل ولّا بالحق؟
طالب: بالباطل.
الشيخ: لكن إذا قال: هذا زميلي وصديقي، ووجدت في محفظته ورقة فئة خمسين ريالًا، وأنا إلى جانبه وضعت يدي فيها ولا يدري، ويش رأيكم، حرام ولّا غير حرام؟
طلبة: حرام.
الشيخ: حرام؛ لأن هذا أكل المال بالباطل.
ومن أدلة الكتاب أيضًا: إيجاب الحد على السارق، أما السنة فقال النبي ﵊: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ». (٢٠)
وقال ﷺ في حجة الوداع وهو يخطب الناس: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا». (٢١)
وأما الإجماع فمعلوم، إذن السرقة حرام، ولكن نحتاج إلى معرفة السرقة.
السرقة: هي أَخْذ المال على وجه الاختفاء من مالكه أو نائبه.
فخرج بقولنا: (أخذ المال) خرج به أَخْذ ما ليس بمال، كما لو أخذ الإنسان تتنًا (٢٢)، ما تُقْطَع يده، ولا يسمى سارقًا شرعًا؛ لأن هذا التتن ليس له حُرْمة، مُحَرَّم، ولهذا لو أتلفه مُتْلِف لم يكن عليه ضمان.
وكذلك لو سرق خمرًا، الخمر لو سرقه إنسان فإن هذا ليس بسرقة شرعًا، لماذا؟
[ ١ / ٧٥٩٤ ]
طلبة: ليس بمال.
الشيخ: ليس بمال.
المال هو العين المباحة النفع، وهذا عين محرَّم.
(على وجه الاختفاء) خرج به ما كان على وجه العلانية.
فلو أن أحدًا أخذ من شخص مالًا عَلَنًا؛ إما غصبًا، وإما غيره؛ خطفه من بين يديه ومشى، فإن هذا ليس بسرقة، أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، ليس بسرقة.
وقوله: (من مالكٍ أو نائبه).
دخل في قوله: (أو نائبه) المستعير، والمستأجر، والمودِع، والولي، وكل من كان مالُ غيره بيده بإذن الشرع أو بإذن مالكه، هذا نائب المالك.
فنائب المالك: كل مَن كان ملك غيره بيده بإذن من الشرع أو من المالك، خرج بذلك ما لو سرقه من غير مالكه ولا نائبه، كما لو سرق مغصوبًا من غاصب، فإن هذا ليس بسرقة؛ لأنه عند الغاصب ليس له حُرْمة.
فلو أنك علمت بأن هذا الرجل غصب من هذا الشخص مالًا ثم سرقت المال فإن ذلك ليس بسرقة؛ لأنه ليس من مالكٍ ولا نائب المالك.
ولكن لا نقول ذلك مُقَرِّرِين للقاعدة الباطلة التي يقول فيها العوام: السارق من السارق كالوارث من أبيه، عند العوام قاعدة، لكنها باطلة: السارق من السارق كالوارث من أبيه.
الوارث من أبيه حلال ميراثه؟
طلبة: حلال.
الشيخ: والسارق من السارق؟
طالب: حرام.
الشيخ: حرام، لكنهم هم يُحِلُّونه، يقولون: هذا سارق () هذا خطأ، إنما لا يعد سرقة شرعًا، لكن فيه الضمان وفيها الإثم.
يعني لا نقول: إنه يجوز للإنسان أن يأخذ مال الغير ممن هو عنده بغير إذن شرعي، ولا بإذن مالكه، هو حرام عليه، لكن لا يُعَدّ سارقًا؛ لأن السرقة يترتب عليها أحكام كما سيأتي إن شاء الله.
تعريف السرقة الآن: أَخْذ المال على وجه الاختفاء من مالكه أو نائبه، هذه هي السرقة شرعًا.
قال المؤلف: (إذا أخذ الْمُلْتَزِم نِصابًا من حِرْزِ مِثْلِه من مالِ معصومٍ على شبهة له فيه على وجه الاختفاء قُطِع)، انتبه للشروط!
(إذا) شرطية، وفعل الشرط (أَخَذ)، وجوابه (قُطِع)، إذن كل ما بعد أداة الشرط فهو شرط.
[ ١ / ٧٥٩٥ ]
أولًا: (إذا أخذ الملتزم)، مَن (الملتزم)؟ الملتزِم اثنان فقط، المعصوم أربعة، لكن (الملتزم) اثنان: المسلم والذمي، ما قال المؤلف: البالغ العاقل؟ هذه الشروط العامة.
كذلك أيضًا (الملتزِم) في الشروط العامة.
() إقامة الحدود؟
طالب: ().
الشيخ: أن يكون ملتزِمًا.
لكن المؤلف حَذَفها اقتصارًا، ولّا اختصارًا؟
طلبة: اقتصارًا.
طلبة آخرون: اختصارًا.
الشيخ: تعرفون الفرق بين الاقتصار والاختصار؟
طلبة: نعم.
طالب آخر: لا.
الشيخ: الاختصار تقليل اللفظ مع زيادة في المعنى، يكون اللفظ القليل شاملًا للمعنى كله.
والاقتصار: حذف بعض الأمور، ويكون الباقي من الكلمات سادًّا مسد معناه لا يزيد.
(الملتزم نصابًا)، النصاب هنا غير النصاب في باب الزكاة، النصاب هنا: رُبُع دينار، أو على المذهب: أو ثلاثة دراهم إسلامية، أو عَرَضٌ قيمتُه كأحدهما.
إذن النصاب: ربع دينار أو ثلاثة دراهم، أو عَرَضٌ قيمتُه كأحدهما، فإذا أخذ الملتزم هذا المقدار فقد أخذ النصاب.
(من حِرْزِ مِثْلِه)، (حرز) بمعنى: حِفْظ، فالْمُحْرَز بمعنى المحفوظ، ومعنى (من حِرْزِ مثله)، أي: من مكان يُحْفَظ فيه مثل هذا المال، هذا معنى (من حرز مثله): من مكان يُحْفَظ فيه مثل هذا المال.
وهذا يختلف -كما سيأتي إن شاء الله تعالى- في الباب الخامس.
حرز المال: ما جَرَت العادة بحفظه فيه، انتبه!
فمثلًا: الخشب والحديد، جرت العادة بأن يُحْفَظ في مستودعات، في أي مكان، حتى الآن في البناء تجدهم يضعون الحديد ويضعون الخشب في الشوارع، ويرون أنها مُحْرَزَة.
الذهب والفضة والماس واللؤلؤ وما أشبهها؟
طالب: في الصناديق.
الشيخ: في الصناديق؟ إي نعم، يبيعونه في الصناديق في الدكاكين.
لو أن رجلًا جاء ووجد صندوقًا من الخشب فيه جنيهات على عتبة الدكان في الساعة الواحدة من الليل () وأخذ الجنيهات اللي فيه –الذهب- هل هذا سرقة؟
طلبة: لا، ليس بسرقة ..
الشيخ: هذا غير مُحْرَز، لا يُقْطَع بذلك.
[ ١ / ٧٥٩٦ ]
قال المؤلف: (من مال معصوم)، سبق لنا أن المال هو ما كان عينٌ مباحةُ النفع، فخرج به ما ليس بمال.
(ومعصوم)، مَن المعصوم؟
طلبة: أربعة.
الشيخ: المسلم، والذمي، والمعاهَد، والمستأمن، احترازًا مما لو أخذه من مال غير معصوم، كالحربي مثلًا، اللي بيننا وبينهم حرب هذا لا حرمة لماله معنا، لنا أن نأخذه بأي وسيلة.
(لا شبهة له فيه)، لا شبهة له، أي: للآخذ.
(فيه)، أي: في المال، بألَّا يكون من مال ابنه، أو من مال أبيه، أو من مال زوجته، أو ما أشبه ذلك، ممن جرت العادة بأنه يأخذ من ماله.
(على وجه الاختفاء)، خرج به ما كان على وجه العلانية، فإنه لا يُقْطَع، حتى لو أخذ مالًا كثيرًا.
هذه العبارة انتظمت غالب شروط القطع في السرقة.
أولًا: شروط أن يكون الآخذ ملتزِمًا.
الثاني: أن يكون المأخوذ نصابًا.
الثالث: أن يكون مُحْرَزًا في حِرْزِ مثلِه.
والرابع: أن يكون من مال.
والخامس: أن يكون من مال معصوم.
والسادس: ألَّا يكون له فيه شبهة.
والسابع: على وجه الاختفاء.
قال: (قُطِع) يعني: اللي غَيَّب () هذه كأنما غَيَّب غالب الشروط.
قال: (فلا قطع على مُنْتَهِب ولا مُخْتَلِس).
الْمُنْتَهِب: الذي يأخذ المال على وجه الغنيمة مُعْتَمِدًا على قوته، يجي مثلًا عندي () فجاء رجل قوي () ومشى، هذا نسميه؟
طالب: مُنْتَهِبًا.
الشيخ: مُنْتَهِب.
أو مثلًا قال: ()، فلما أعطيتُه إياها ()، هذا أيضًا مُنْتَهِب؛ لأنه أخذ الشيء عَلَنًا معتمدًا على قوته.
أما المختلِس فهو الذي يأخذه خَطْفًا، وهو ماشٍ يركب، فهذا أخذه عَلَنًا لكن معتمدًا على أيش؟
طالب: سرعته.
الشيخ: على هربه وسرعته، ما () مثل الشمس، نقول: هذا أيضًا ليس عليه قطع؛ لأن هذا ليس سرقة، السرقة اسمها يدل على أن الإنسان يأخذ على وجه الاختفاء.
كذلك لو أنه وقف عند متجر وقال لصاحب الدكان: عندك كذا وكذا؟ وراح اللي أمامه الآن ما فيه شيء مما يريد.
قال: عندك الحاجة الفلانية؟
[ ١ / ٧٥٩٧ ]
قال: نعم، قال: وين هي ما أشوفها، قال: في الدكان، قال: روح ().
فلما راح () أخذ ما يحلو له من هذا المكان وراح، أيش يكون هذا؟ هذا ليس بسرقة لأنه ()؛ لأن هذا الآن لما كان ظاهرًا غير مُحْرَز، الواجب إنك تنتبه أنت صاحب الدكان الواجب إنك تنتبه.
إذا قال: روح طلعه مثلًا من الدكان وتعالى وأنا ويَّاك، إذا كنت تخشى منه، هذا يبقى ().
طالب: ().
الشيخ: ().
(ولا مختلس، ولا غاصب).
الغاصب: الذي يأخذ المال قهرًا بغير حق، هذا ليس عليه القطع؛ لأنه ليس بسارق.
مثال ذلك: رجل غصب لي أرضًا، وغرس فيها وَبَنَى، فنحن لا نقطعه، ليش؟ لأنه غصبٌ ليس على وجه الاختفاء.
(ولا خائن في وديعة أو عارية).
الخائن: هو الذي يَغْدِر بك في موضع الائتمان، وهي صفة نقص ولّا مدح؟
طلبة: نقص.
الشيخ: نقص في كل حال، الخيانة ما تكون صفة مدح أبدًا.
الخائن: هو الذي يغدر بك في موضع الائتمان.
قال: (في وديعة أو عارية).
الوديعة: هي استحفاظ الغير على المال على الاستيداع، والمال الذي عنده يسمى وديعة، فاستحفاظ الغير على المال يسمى استيداعًا، والمال المستحْفَظ عليه يسمى وديعة.
مثال ذلك: أعطيت رجلًا كتابًا، قلت: خُذْ هذا -جزاك الله خيرًا- هذا وديعة عندك إلى مدة شهر، وديعة، لما مضى الشهر وجئت إليه أطلبه منه قال: ما عندي شيء، ولا أعرفه، أيش يكون هذا؟
خيانة ولّا لا؟
طالب: خيانة.
الشيخ: هذا خان في الوديعة، فلا يُقْطَع؛ لأنه لم يأخذ المال على وجه الاختفاء.
طالب: نسميها الأمانة.
الشيخ: نسميها الأمانة عند الناس، كذلك أيضًا الخائن في العارية.
العارية: هي المال المدفوع للغير لينتفع به ويرده، مثل أن تعطيه هذا الكتاب وتقول: انتفع به، راجع فيه لمدة شهر، لمدة أسبوع، لمدة سنة، هذا نسميه عارية.
لما أعطيته الكتاب وجئت أطلبه بعد انتهاء المدة قال: ما عندي لك شيء، هذا خائن ولا أمين؟
طالب: خائن.
الشيخ: خائن، فلا يُقْطَع؛ لأن ذلك ليس بسرقة.
[ ١ / ٧٥٩٨ ]
وقوله: (ولا خائن في وديعة أو عارية أو غيرها)، (أو غيرها) يعني: غير العارية.
مثل أن يخون في شيء أَجَّرتُه إياه، استأجر مني سيارة فخان فيها؛ إما أخذ منها شيئًا يحتاجه لسيارته أو ما أشبه ذلك، فإن هذا ليس بسرقة فلا يُقْطَع.
وقول المؤلف: (أو عارية)، هذا ما مشى عليه -﵀- وهو قول جمهور أهل العلم؛ أن الخائن في العارية لا يُقْطَع، ولكن المذهب خلاف ما ذهب إليه المؤلف، المذهب أن الخائن في العارية يُقْطَع.
واستدلوا بحديث المخزومية أنها كانت تستعير المتاع فتجحده، فأمر النبي ﷺ بقطع يدها. (٢٣)
وليس الخيانة في العارية كالخيانة في الوديعة؛ لأن الوديعة قبضها ().
من قاسها على هذا فقد أخطأ؛ لأن الفرق بينهما ظاهر، ولأننا إذا قطعنا جاحد العارية امتنع الناس من جحدها، وإذا لم نقطعه تَجَرَّأ الناس على الجحد، وفي هذا سد لباب العارية، تجد الناس لا يُعِيرُون، ما دام الإنسان يخشى على ماله من () بعد هذا.
والصحيح أن جاحد العارية يُقْطَع، ولكن كيف ذلك؟
أعرت شخصًا كتابًا يقرأ فيه، ثم جحده، فأقمت بينة عليه أنه عنده، تبين الآن ثبوت العارية، وثبوت جحدها، فحينئذ يتعين القطع. ()
السرقة كيف يقطع النبي ﷺ يدها مع احترامها؟ لأن الأصل في الآدمي أنه مُحْتَرَم ولّا ()؟
طالب: بخلاف الوديعة.
الشيخ: بخلاف الوديعة، فإن () صحة المالك.
والأمر السادس أيضًا أن فيه سدًّا لباب المعروف، ولّا لا؟
لأن الْمُعِير مُحْسِن، فإذا كان المعير يُجْحَد ولا يؤخَذ له حقه إلا بالضمان فقط فإن الناس قد يمتنعون عن العارية، ولهذا العارية واجبة في بعض الصور، وهذا يؤدي إلى عدم القيام بهذا الواجب.
[ ١ / ٧٥٩٩ ]
ثم نقول أيضًا: هي قسم برأسها، افرض أنها لا تدخل في السرقة لغةً، فما دام فيها نص فما موقفنا أمام الله ﷿ إذا كان يوم القيامة، ويش موقفنا والرسول ﵊ قطع بها، وقال: «لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا». (٢٣)
والإنسان ما هو ينظر في أحكامه الشرعية ولا في فتاويه أو فيما يقول، يجب أن ينظر أولًا كيف يقابل الله ﷿ بما قال قبل كل شيء؛ لأنك مسؤول.
فالمفتي والقاضي مبلغ لرسالة الله ﷿؛ لقول الرسول: «بَلِّغُوا عَنِّي» (٢٤)، يجب أن تعتبر نفسك مسؤولًا أمام الله ﷿، في كل شيء تحكم به لا بد أن تلاحظ سؤال الله ﷿ قبل كل أحد في حكم القطع فيجب علينا أن ننفذ.
ولهذا المشهور من مذهب الإمام أحمد -﵀-: أنها تُقْطَع، خلافًا لما ذهب إليه المؤلف، وهو الصحيح، ولهذا الإمام أحمد يقول: ما أعلم شيئًا يدفعه، ماذا أقول؟
(ويُقْطَع الطَّرَّار)، (يُقْطَع الطَّرَّار) نائب فاعل.
ومن الذي يتولى قطع يده؟ الإمام أو نائبه كما سبق في أول كتاب الحدود، ومن هو الطَّرَّار؟
من الطَّرَّ: وهو القطع، ولهذا قال: (الذي يبُط الْجَيْب أو غيره ويأخذ منه)، والبَطّ ليس بشرط، المهم أن الإنسان إذا كان في جيبه، تعرفون الجيب؟
الجيب: المخباة التي تكون في الصدر، هذا الجيب؛ لأنها في الجيب، فهذا طَرَّار، يبُط الجيب، يعني: بِمِبْرَاة لطيفة يشقه ويأخذ منها، أو يشقه وتسقط الدراهم ويأخذها من الأرض، هذا يسمى عند أهل العلم الطَّرَّار؛ لأنه سرق من حِرز، فإن الناس يجعلون دراهمهم في جيوبهم ومخابيهم.
أو مثل: يجلس إلى جنبك ويُدْخِل يده ويأخذ، فإنه يُقْطَع؛ لأنه سرق من حِرْز.
وإنما نص عليه المؤلف؛ لأن بعض العلماء يقول: إن هذا لا قَطْع فيه لإمكان التحرز منه باليقظة، فإن الغالب إذا كان الإنسان مستيقظًا ويقظًا الغالب إنه ما أحد يسرق منه.
[ ١ / ٧٦٠٠ ]
ولكن الصحيح ما ذهب إليه المؤلف؛ لأن الإنسان مهما كان في اليقظة فلا بد من غفلة.
وكثيرًا ما تكون مثلًا في محل الزحام، هذاك ماسك مثلًا مخباتك بيدك، وحاطط بالك لها، وإما تدري وإما تنسى يمكن واحد يزحم جدًّا ويأخذه، وعندهم شُطْرَة السراق، يجيء واحد يزاحمك والثاني يسرقك، يدخل يده، وهذه وقعت، وقعت لواحد أعرفه، عند مكتب الخطوط، و() يسلم تذكرته وهو بيأخذ الكارت عند دخول الطائرة، وفيها اثنان واحد يزاحمه، وهو في مخبأته دراهم فوق الألف، واحد يزاحمه ويرصُّه، وهذا ابن حلال ما يدري، يحسبه إنه بيأخذ كارت مثله، والأمور تنتهي وهذا ما .. الدراهم ما فيه شيء، ولا المأخوذات، فهم لهم حِيَل.
إذا قلنا: إن مثل هؤلاء لا يُقْطَعُون معناها فتحنا باب شر على الناس، فالصواب: أنه يُقْطَع.
وقول المؤلف: (أو غيرَه) يعني: غير الجيب، مثل المخباة اللي في الجنب، أيهما أحرز الجيب أو الجنب؟
طالب: الجيب.
الشيخ: الجيب؟ إي، لماذا؟
طلبة: ().
الشيخ: لأن هذه في الصدر ويعلم به، وهذا في الجنب، وكثيرًا ما يكون في الزحام في الجنب يستولي الإنسان على المخباة ولا تشعر بذلك أبدًا، بخلاف الجيب.
المخباة الطالعية الآن، هل تعتقدونها حِرزًا؟
طلبة: حرز.
الشيخ: حرز؟ هذا الجيب، هذا الطوق، وهذا اللي على الرقبة يسمى طوقًا.
طالب: ().
الشيخ: والله إني ما أدري هي حرز ولّا لا.
طالب: ().
الشيخ: لا، مثلًا مثل الأقلام الظاهرة هذه، الأقلام الظاهرة ما هي مُحْرَزَة بالحقيقة؛ لأنها بسيط أخذها، ولا تبغي شيئًا أبدًا.
طالب: ().
الشيخ: أو كذلك دراهم بارزة، إي نعم، والله ما أدري هل هذه حرز ولّا لا؟
طالب: ().
الشيخ: يمكن، إذا كان إنه نازلة مرة () ولا تظهر الدراهم يمكن تكون حرزًا.
قال: (ويُشْتَرَط)، يعني يُشْتَرَط لأيش؟ للقطع في السرقة شروط مع الشروط العامة السابقة وهي أربعة.
(يُشْتَرَط أن يكون المسروق مالًا مُحْتَرَمًا)، شرط فيه شرطين:
[ ١ / ٧٦٠١ ]
أن يكون مالًا، فأما ما ليس بمال فلا قطع فيه، والثاني: أن يكون مُحْتَرَمًا، فإن كان مالًا غير مُحْتَرَم فإنه لا يُقْطَع إذا كان مالًا غير مُحْتَرَم، لا بد أن يكون مالًا محترمًا.
مثال المال المحترم: كالثياب، والطعام، والدراهم، والدنانير، والكتب، وغير ذلك من الأشياء الكثيرة، وأما ما ليس بمال فإنه لا يُقْطَع السارق بـ ..
فلا قَطْعَ بسرِقَةِ آلةِ لهوٍ ولا مُحَرَّمٍ كالخمْرِ، ويُشترَطُ أن يكونَ نِصابًا وهو ثلاثةُ دَراهمَ أو رُبُعُ دِينارٍ، أو عَرَضٌ قِيمتُه كأحدِهما، وإن نَقَصَتْ قيمةُ المسروقِ أو مَلَكَها السارقُ لم يَسْقُطْ القَطْعُ وتُعتبَرُ قِيمتُها وَقتَ إخراجِها من الْحِرْزِ، فلو ذَبَحَ فيه كبشًا أو شَقَّ فيه ثوبًا، فنَقَصَتْ قِيمتُه عن نِصابٍ ثم أَخْرَجَه أو تَلِفَ فيه المالُ لم يُقْطَعْ، وأن يُخْرِجَه من الْحِرْزِ، فإن سَرَقَه من غيرِ حِرْزٍ فلا قَطْعَ.
و(حِرْزُ المالِ) ما العادةُ حِفْظُه فيه، ويَختلِفُ باختلافِ الأموالِ والبلدانِ وعَدْلِ السلطانِ وجَوْرِه وقُوَّتِه وضَعْفِه، فحِرْزُ الأموالِ والجواهرِ والقُماشِ في الدُّورِ والدَّكاكينِ والعِمرانِ وراءَ الأبوابِ والأغلاقِ الوَثيقةِ، وحِرزُ البَقْلِ وقُدورِ الباقِلَّا ونحوِهما وراءَ الشرائجِ إذا كان في السوقِ حارسٌ، وحِرْزُ الحطَبِ والخَشَبِ الحظائرُ، وحِرْزُ المواشي الصِّيَرُ، وحِرْزُها في الْمَرْعَى بالراعي ونظَرِه إليها غالبًا، وأن تَنْتَفِيَ الشبهةُ، فلا يُقْطَعُ بالسرِقَةِ من مالِ أبيه وإن عَلَا، ولا من وَلَدِه وإن سَفَلَ، والأبُ والأمُّ في هذا سواءٌ، ويُقْطَعُ الأخُ وكلُّ قريبٍ بسَرِقَةٍ من مالِ قريبِه، ولا يُقطَعُ أحدٌ من الزوجين بسَرِقَتِه من مالِ الآخَرِ، ولو كان مُحْرِزًا عنه، وإذا سَرَقَ عبدٌ من مالِ سَيِّدِه أو سَيِّدٌ من مالِ مُكاتَبِه، أو مُسلِمٌ حُرٌّ من بيتِ المالِ
[ ١ / ٧٦٠٢ ]
لا يُقطع السارق بسرقته؛ مثاله: لو سرق حرًّا صغيرًا؛ جاء إلى طفل موجود عند باب أهله فسرقه وذهب به وباعه، يقطع؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟
طلبة: لأنه ليس بمال.
الشيخ: لأنه ليس بمال، وإلى جانبه رقيق صغير في سنه، سرق الاثنين جميعًا، يقطع؟
طلبة: يقطع.
الشيخ: يقطع بأيش؟
طلبة: بالرقيق.
الشيخ: يقطع بالرقيق ولا يقطع بالحرِّ، لماذا؟ لأن الرقيق مال، والحر ليس بمال.
طالب: لكن يُقتل بالحر، ما يقطع.
الشيخ: لا، ما قتله.
الطالب: لا، يقتل هو به.
الشيخ: ما قتله حتى يُقتل به، المهم أنه لا يقطع؛ لأنه ليس بمال.
لو سرق طفلة عليها حلي من الذهب؛ الآن صار فيه مال وغير مال، يقطع ولَّا لا؟
طلبة: لا يقطع.
الشيخ: المذهب لا يقطع؛ السبب؟
طالب: لأنه اجتمع مبيح وحاظر.
الشيخ: لأنه معنا مبيح وحاظر؛ فالمبيح للقطع سرقة الحلي، والحاظر سرقة الطفلة؛ لأنها حرة.
وقال بعض أهل العلم: إنه يقطع بسرقة الصغير وبسرقة الطفلة التي عليها حلي؛ قال: لأن هذا الذي سرقه سرقه على أنه مال، هو ما سرقه إلا ليبيعه، فسرقه على أنه مال فيعامل ما هو بنقيض قصده؛ بقصده ما دام سرقه على أنه مال، فإننا نقطع يدك حتى لا تعود لمثلها، والأحرار عند أهلهم أغلى من المماليك؛ لو قيل لأبِ هذا الطفل الذي سُرِقَ مع مملوكه: أيهما أحب إليك أن يُسرق؟ ابنك ولّا مملوكك؟ ويش يقول؟ ابنه؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ما يقول: ابني. يقول: المملوك أحب إلىَّ؛ لو تبغون مئة مملوك ما يهم، لكن ولدي ما أبغي يُسرق.
[ ١ / ٧٦٠٣ ]
ولكن القاعدة تؤيد ما ذهب إليه المذهب؛ لأنه ليس بمال، لكنه يجب أن يُعزَّر تعزيرًا بليغًا يردعه وأمثاله عن هذا العمل، وربما يصل الحد إلى أبلغ من قطع اليد، قد يكون من المفسدين في الأرض الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣].
أيضًا: (لا قطع بسرقةِ آلة لهو) لماذا؟ مع أنه مال؟
طلبة: لكنها غير محترمة.
الشيخ: لكنها غير محترمة. آلة اللهو مثل أيش؟ كالمزمار، والعود، والربابة، والكمان، والكمانجو، وما أشبه ذلك أشياء كثيرة.
طالب: والطبل.
الشيخ: وكذلك الطبل، الطبل غير الدف. والمسجل والراديو؟
طلبة: من آلات اللهو.
الشيخ: ليش؟
طالب: ().
الشيخ: لا، هو المسجل والراديو ليس كذلك؛ لأنه محترم في الواقع؛ لأنه أعلى، أحطها زين يكون زين، أحطها شين يكون شينًا، لكن الذي لا يُستعمل إلا في المحرم هذا لا قطع بسرقته، وهل فيه ضمان؟
ولا ضمان فيه؛ فلو أخذته وكسرته قلنا: جزاك الله خيرًا، ولا نُضَمِّنك، ولا نؤثِّمك؛ لماذا؟
لأنه يجب إتلاف آلة اللهو وجوبًا، ولا يحل لمالكها أن يبقيها عنده، بل يجب عليه إتلافها، ويجب على من قدر أن يغيرها بيده فيتلفها، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه.
فإذا قال قائل: هذه الآلة؛ اللهو، هل يجوز أن أسطو على صاحبها وآخذها وأكسرها؟
لا، نقول: فيه تفصيل، إذا كان لك سلطة فنعم، أما إذا لم يكن لك سلطة فلا تفعل؛ لأن ذلك يسبب فتنة أكبر من بقائها عنده، وقد تتمكن، وقد لا تتمكن، قد يدافع ولا تتمكن، ولكن إذا أخذتها خفية وسرًّا على وجه أنه لم يعلم، وكسرتها، فهذا طيب، ولا إثم عليك، ولا فيه فتنة.
ولهذا قال: (لا قطع بسرقة آلة لهو)؛ لأنها غير محترمة.
[ ١ / ٧٦٠٤ ]
(ولا محرَّم كالخمر) يعني: لا يقطع بسرقة محرم كالخمر؛ لماذا؟ لأنه غير مال، حتى غير مال لا يتمول فهو غير محترم، ولا مال أيضًا، ليس فيه مالية إطلاقًا، بخلاف آلة اللهو؛ آلة اللهو فيها مالية؛ لأنها لو غُيِّرت عن آلة اللهو لكان يمكن أن ينتفع بها، لكن الخمر ما يمكن أن ينتفع به أبدًا؛ لأنه حتى لو خلل يجوز ولَّا ما يجوز؟
طلبة: ما يجوز.
الشيخ: لا يجوز، إلا إذا تخلل بنفسه، فعليه إذا سرق خمرًا فإنه لا قطع عليه؛ لأنه ليس بمال.
لكن كيف يسرق خمرًا بلا إناء؟ هل يمكن يسرق خمرًا بلا إناء.
طلبة: نعم.
الشيخ: يمكن، إي نعم يمكن أن يسرق خمرًا بلا إناء، يدخل على محل الخمارة هذه -والعياذ بالله- ومعه إناء، ويملأ هذا الإناء من هذا الخمر، يمكن ولّا لا؟
طلبة: يمكن.
الشيخ: فإن سرق الخمر بإنائه، هل يقطع ولَّا ما يقطع؟
طلبة: لا يقطع.
الشيخ: المذهب لا يقطع، الإناء يُضمن؛ لكن القطع؛ لا يقطع ليش؟ لأن السرقة اشتملت على مبيح وحاظر، فغلب جانب الحظر الذي يمنع القطع.
ولكن ألا يمكن أن يقال: إن في ذلك تفصيلًا، فإن كان قصده الإناء قُطِع، وإن كان قصده الخمر لم يقطع، يمكن أن نقول هكذا، والدليل على ذلك أن هذا الرجل لا يعرف أنه لا يشرب الخمر، ومن حين أخرجه أراقه، هذا علمنا أنه أيش؟ أراد الإناء، وعلى هذا فيقطع، وكذلك لو أنه صب الخمر قبل أن يخرجه من مكانه، ثم خرج بالإناء فعليه قطع؛ لأنه سرق الإناء.
لو سرق الآن هذه الأطياب اللي فيها كحول، تبلغ حد الإسكار، يقطع ولَّا ما يقطع؟
طلبة: يقطع.
الشيخ: هو إذا قلنا: إنه خمر ما قطع، وإذا قلنا: إنه ليس بخمر، وأنه مال يتمول، ويباع ويشترى فإنه يقطع؛ وعلى هذا فيُرجع إلى رأي الحاكم الشرعي في ذلك؛ القاضي هو الذي يتولى هذا الأمر؛ لأن المسألة فيها نزاع بين العلماء.
[ ١ / ٧٦٠٥ ]
طالب: رجل عمد إلى أن يسرق من رجل ظاهريِّ المذهب فسرق منه () فكسرها، فاعترض هذا الرجل ظاهري المذهب من الظاهرية فقال: إنها حلال عندي، وأنت كسرتها فعليك ضمانها.
الشيخ: هذا يرجع إلى الحاكم بينهم اللي بيصدر الحكم هو القاضي ويحكم بما يراه سواء على مذهب هؤلاء أو مذهب هؤلاء.
الطالب: لكنه اعترض بأنه ليس على مذهبه.
الشيخ: لا عبرة به، العبرة بما يراه القاضي على حسب مذهبه هو.
طالب: لو كسر إناء الخمر () هل عليه شيء؟
الشيخ: الضمان؛ يضمِّنه، الإناء مضمون على كل حال، الكلام على القطع.
طالب: هل يضمنه؟
الشيخ: إي نعم، يضمنه.
الطالب: () يكسر إناء الخمر.
الشيخ: إي نعم، يكسر إزالة للمنكر.
الطالب: ولكن يضمن.
الشيخ: يضمن نعم؛ لأنه ينتفع به في غير الخمر.
طالب: من جاء إلى شخص معه مال، وأخذه وهرب، أخذه اختلاسًا، هل يعتبر اختلاسا؟
الشيخ: هكذا ذكر الفقهاء.
الطالب: ما يُعتبر هذا انتهابًا؟
الشيخ: لا، الانتهاب؛ يقول: إنه يعتمد على قوته.
الطالب: ما يُسمَّى غصبًا؟
الشيخ: الغصب يمكن هذا إذا كان قهرًا، سواء أخذه وهرب أو أخذه وبقي واعتمد على قوته كله غصب لكن قلنا: إن الغصب أعم من الانتهاب؛ لأنه يشمل المنقول والعقار.
الطالب: () يستحق النظر () مثل هذا صار اختلاسًا ()، إنسان عنده مال () شخص.
الشيخ: نحن الآن نتكلم بكلام العلماء؛ العلماء يقولون: إن الاختلاس هو الذي يخطف الشيء ويمر به، خطفه وهو ماشٍ، لكن له صور أخرى أيضًا غير هذه؛ مثل الذي ذكرنا في مسألة صاحب الدكان الذي استغفله، هذا اختلاس بلا شك.
الطالب: لكن ذكرنا غصب الأرض، هل يعتبر سرقة؟
الشيخ: لا ما هو بسرقة، هذا غصب حتى النُّهْبة ما تعتبر سرقة بنص الحديث.
الطالب: إي نعم، لكن هل يعتبر هذا المال فيه نص الفقهاء على أنه لا يقطع، الغصب هكذا أخذ أرضًا.
الشيخ: لا يقطع.
الطالب: نصهم على هذا، لماذا؟
الشيخ: لأنه ليس بسرقة.
[ ١ / ٧٦٠٦ ]
الطالب: أخذه ظاهر؛ يعني: مثلًا مجرد غصب.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: لكن ذكرهم له واعتراضهم هذا لماذا؟
الشيخ: لأن تعريف السرقة أخذ المال على وجه الاختلاس، والغاصب يأخذه قهرًا بغير حق.
الطالب: ().
الشيخ: إي نعم، فيه ضمان يضمنه إن كسره ضمنه.
الطالب: لماذا ()؟
الشيخ: لكن هذا يؤدب، أما نفس الرجل هو محترم الآن، الرجل نفسه محترم، لكن إذا كان الذي استعمله في المحرم هو الذي يؤدب فإذا رأى وليُّ الأمر أن مِن المصلحة أن يعزِّره بإتلاف ماله الذي يستعمله في المعصية صار هذا من باب التعزير.
طالب: هل يُضمَّن السارق إذا سرق إناء فيه خمر؟ () بها عنده حتى ينظر ويطلع تحدث فتنة أم لا لو حدثت يرجعه؟
الشيخ: أبدًا هو إذا صار سرقة، فالغالب أنه ما يُدرَأ عنه إذا كان يخشى أن يعلم به، وقال: أنا أنتظر فهذا لا بأس.
طالب: الغانم من الغنيمة، هل تقطع يده؟
الشيخ: لا، الغانم من الغنيمة له حكم شرعي خاص، وهو أنه يحرق رحله ومتاعه.
طالب: السارق الذي يسرق البنوك، هل يُقطع؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: الذي يسرق البنوك؛ بنوك ربوية؟
الشيخ: إي، ما هي بدراهم.
طالب: غير مباحة.
الشيخ: لا، اللي ما هو مباح؛ الكسب التصرف، هذا ما هو مباح، لكن الدراهم نفسها محترمة.
طالب: ما هي ربوية يا شيخ.
الشيخ: إي، لكن الفرق بين الشيء المحرم لذاته والمحرم لكسبه، يجب علينا أن نعرف الفرق؛ المحرم لعينه هذا حرام ولا حرمة له، والمحرم لكسبه يكون حرامًا من جهة كسب الكاسب فقط، أما المال فإنه محترم ومحرز وعليه حماية.
طالب: الذي يسرق مثلًا الخمر من واحد، ثم يروح ويشربه هل عليه قطع؟
الشيخ: هذا يُؤدَّب مرتين؛ مرة على الخمر، ومرة على انتهاك بيوت الناس.
الطالب: تقطع يده؟
الشيخ: لا، ما تُقطع يده.
طالب: () القطع في السرقة؛ لأنه لا يمكن التحرز منه ()، كذلك اللي بيغصب يعتمد على القوة لا يمكن التحرز منه.
الشيخ: لا، يمكن.
الطالب: كيف هو أقوى؟
[ ١ / ٧٦٠٧ ]
الشيخ: إي نعم، هو بس.
الطالب: ().
الشيخ: هذا لأنه مغلوب، هذا يمكن يجازى مجازاة المفسدين في الأرض، أنك تقول: هذا الذين يعرضون الناس بالسلاح فيغصبونهم المال، هولاء قطاع طريق عند أهل العلم، فيعاملون معاملة المفسدين في الأرض.
الطالب: يعني: يكونون أشد.
الشيخ: أشد، إي نعم؛ يعني: إذا تعارض الناس بالسلاح، وبدأ يقف على الإنسان يقول: أعطني هذا المال، وإلا قتلتك مثلًا أو جرحتك، هذا معلوم ما فيه شك أن هذا قاطع طريق.
طالب: الطرار () الطرار.
الشيخ: لغة ().
طالب: نسميه طرَّار.
الشيخ: الطرار.
الطالب: ().
الشيخ: لا عندنا ما ..
طالب: قوله: (لا قطع بسرقةِ خمر)، حتى ولو كان السارق من ذميٍّ؟
الشيخ: إي نعم، اعتبارًا بالمسروق، ظاهر كلامهم ولو من ذمي، لكن ينبغي أن يقال: إذا كانت بين الذميين أن تُقطع؛ لأنها عندهم مال محترم، وهذه () إلى بحث، إذا سرقه من ذمي.
طالب: إذا كان العين مُعَدَّة للخمر هل يُقطع ولَّا لا؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: إذا سرق عينًا معدة للخمر؟
الشيخ: هي إلى الآن ما صار خمرًا.
الطالب: لكن معدة يعني: أكيد.
الشيخ: إي نعم، يقطع؛ لأنه هنا الآن، وهو مال محترم.
طالب: ().
الشيخ: إي نعم؛ لأن عندنا الحلي موجب للقطع، وهذا الحر لا يقطع به، فهذه السرقة تعتبر سرقة واحدة، جملة واحدة فيها ما يقطع به وفيها ما لا يقطع به.
طالب: لكن هذا التعليل؛ يعني: لو سرق من الخمر وأخذ ماله.
الشيخ: لا، بينهما فرق؛ لأن المال لا علاقة له بالخمر؛ ولهذا قلنا: إناء الخمر ما فيه قطع، ولو كان يساوي شيئًا كثيرًا، لكن أخذ الدراهم، الدراهم ما لها علاقة بالخمر، والحلي على الطفل؛ ولهذا لو سرق حليًّا منفصلًا عن الطفل وطفلًا أوجبنا القطع.
طالب: الطفل هذا الذي سرق اللي عليه الحلي ما نقول: فيه تفصيل () الذهب ليبيعه ويشتري ().
[ ١ / ٧٦٠٨ ]
الشيخ: إحنا نرى أنه يقطع، اللي أرى لكن على المذهب، اللي أرى أن سارق الطفل الذي عليه الحلي أنه يقطع؛ لأنه في الحقيقة ما أراد إلا الحلي، ما هو راح يبيع الطفل هذا ().
وأن يكون (ثلاثة دراهم)، وأن يكون المسروق (نصابًا) يعني: يشترط للقطع أن يكون المسروق نصابًا، والنصاب في كل موضع بحسبه، ففي باب الزكاة نصاب الفضة مئتا درهم، والذهب عشرون دينارًا، وهنا يختلف عما هناك.
النصاب يقول: وهو (ربع دينار أو ثلاثة دراهم أو عَرَض قيمته كأحدهما) (ربع الدينار) الدينار مثقال، والمثقال أربعة غرامات وربع، فكم يكون ربع الدينار؟
طلبة: واحد وواحد من ستة عشر.
الشيخ: واحد غرام وواحد من ستة عشر؛ يعني: ربع الربع، فإذا سرق الإنسان من الذهب ما يزن غراما وربع الربع قطع؛ لحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «لَا قَطْعَ إِلَّا ِفي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» (١)، وهو في الصحيحين، وعلى هذا فيكون هذا الحديث مخصِّصًا لعموم الآية وهي قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، فإن ظاهرها العموم، ولكن هذا الحديث يخصصها فيكون ما دون النصاب لا قطع فيه.
قال المؤلف: (أو ثلاثة دراهم) والدراهم تكون من الفضة، والدرهم سبعة أعشار المثقال، فكم تكون الثلاثة دراهم؟ سبع وسبع أربعة عشر، واحد وعشرين عشرًا؛ يعني: اثنين وعشر يعني: مثقالان وعشر مثقال.
(أو عَرَض قيمته كأحدهما) العرض يعني متاعًا؛ كقلم وساعة وراديو ومسجل وثوب، وما أشبه ذلك، إذا كان قيمته تساوي ربع دينار، أو ثلاثة دراهم فإنه يقطع وإلا فلا.
إذا قال قائل: هناك فرق بين ربع الدينار وبين ثلاثة الدراهم؛ لأن ثلاثة الدراهم لا تبلغ ربع الدينار، فإذا اختلفت قيمة الدينار أو قيمة ربع الدينار وثلاثة الدراهم، فبأيهما نأخذ؟
[ ١ / ٧٦٠٩ ]
نقول: أما المذهب فتأخذ بأقلِّهما، فإذا سرق الإنسان متاعًا يساوي ثلاثة دراهم، ويساوي ثمن دينار، يقطع ولّا لا؟
يقطع على المذهب؛ لأننا نقول: أو ثلاثة دراهم، وإذا قُدِّر أن الفضة أغلى من الذهب وسرق شيئًا يساوي دينارًا كاملًا، لكن لا يساوي ثلاثة دراهم؟ يقطع.
إذن النصاب متردد بين ربع الدينار وبين ثلاثة الدراهم، ونعتبر الأكثر ولَّا الأقل؟ نعتبر الأقل.
والقول الثاني في المسألة: إن النصاب ربع دينار فقط، وليس ثلاثة دراهم، فإذا سرق شيئًا يساوي ثلاثة دراهم، لكنه لا يساوي ربع دينار، فليس عليه القطع.
وإذا سرق ما يساوي ربع دينار فعليه القطع، وإن كان لا يساوي ثلاثة دراهم، وهذا القول أصح؛ لأن حديث عائشة صريح فيه: «لَا قَطْعَ إِلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا»، وأما الحديث الآخر أن الرسول ﷺ قطع في مِجَنٍّ قيمتُه ثلاثة دراهم (٢)، فهذا محمول على أي شيء؟
على أنه يساوي ربع دينار وأن ثلاثة الدراهم تساوي ربع دينار في ذلك الوقت، والدينار اثنا عشر درهمًا من الفضة، وهذا القول أصح.
إذن فالنصاب على المذهب واحد من أيش؟ من أمرين إما ربع دينار أو ثلاثة دراهم، والقول الصحيح أنه ربع دينار.
يقول: (وإذا نقصت قيمة المسروق، أو ملكها السارق لم يسقط القطع) يعني أن هذا السارق سرق هذا الشيء، وهو يساوي ربع دينار، أو ثلاثة دراهم على المذهب، لكنه لما رُفِع إلى الحاكم، وإذا قيمته قد نزلت، فصار لا يساوي إلا أقل من ربع دينار، فهل العبرة بالترافع، أو العبرة بالسرقة؟
الثاني؛ ولهذا قال: (إذا نقصت) يعني: عند الترافع إلى الحاكم فإنه لا يسقط القطع؛ لأنه حين سرق سرق نصابًا.
مثال ذلك: سرق قلمًا يساوي ربع دينار، ولما رُفع إلى الحاكم صار القلم لا يساوي إلا ثُمن دينار؛ بأن السعر نقص، أو لأن القلم انكسر، أو ما أشبه ذلك، فإنه هنا لا يسقط القطع، بل القطع ثابت.
[ ١ / ٧٦١٠ ]
كذلك لو (ملكها السارق) قوله: (ملكها) ظاهر كلامه أنه يعود إلى القيمة؛ لأنه قال: (وإذا نقصت قيمة المسروق أو ملكها) أي: القيمة وليس كذلك، بل المراد: (أو ملكها) أي: ملك العين المسروقة، فإن القطع لا يسقط.
مثال ذلك: رجل سرق من شخص ثوبًا يساوي ربع دينار، وبعد أن سرقه ملكه؛ ذهب إلى صاحبه فاشتراه، فهنا إذا طالب صاحبه إذا كان قد طالب ورفع إلى الحاكم فإن القطع لا يسقط، وإذا لم يكن قد رُفع إلى الحاكم فإنه يسقط، لا لأنه ملكها، ولكن لأن من شرط القطع أن يطالب المسروق منه بماله، وإذا باعه أو وهبه فإن المطالبة تسقط حينئذ، ويسقط القطع.
الخلاصة الآن: إذا نقصت قيمة المسروق بعد الترافع إلى الحاكم فإن القطع لا يسقط؛ يقطع.
إذا ملك العين المسروقة فإن القطع لا يسقط أيضًا، لكن لو ملكها قبل الترافع فإن القطع يسقط، لا لأنه ملكها، ولكن لأنه من شرط القطع أيش؟ أن يطالب المسروق منه بماله.
والدليل على أن هذا من شرط القطع حديث صفوان بن أمية في قصة الرجل الذي سرق رداءه، فأمر النبي ﷺ بقطع يده، فقال صفوان: هو له يا رسول الله، قال: «فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ» (٣)، فدل هذا على أنه لو لم يطالب فلا قطع.
ثم قال المؤلف ﵀: (وتُعتبر قيمتها وقت إخراجها من الحرز) (تُعتبر قيمتها) أي: قيمة العين المسروقة التي تبلغ النصاب وقت إخراجها من الحرز.
انتبه لهذا الشرط الذي ذكر (فلو ذبح فيه كبشًا، أو شقَّ فيه ثوبًا فنقصت قيمته عن نصاب، ثم أخرجه أو أتلف فيه المال لم يُقْطع) القيمة التي هي النصاب يُشترط وقت الإخراج، لا وقت السرقة، فلو أن رجلًا دخل على مراح غنم، وأراد أن يسرق شاة، فقال في نفسه: إن خرجت بها حية بلغت النصاب، وإن ذبحتها لم تبلغ النصاب، فأريد الآن أن أذبحها، وأخرج بها مذبوحة، عليه قطع؟
[ ١ / ٧٦١١ ]
لا، لا قطع عليه؛ لماذا؟ لأنه أتلف أو نقص قيمة هذا الشيء قبل أن يخرجه من حرزه، فهو كما لو أن رجلًا دخل على بيت، وفيه مال فأفسد هذا المال، وخرج من البيت هل يقطع؟ لا؛ ولكنه يعتبر متلفًا للمال فيضمنه بما يقتضيه الضمان.
كذلك لو أن رجلًا دخل على متجر وفيه ثياب، هتك الحرز -حرز المتجر- وفيه ثياب، وقال: إن خرجت بالثوب مخيطًا سليمًا بلغت قيمته النصاب، فقطعت به، وإن شققته قبل أن أخرج به نقصت، فذهب فشقه ثم خرج به لابسًا له، فعليه قطع؟
لا؛ لأنه أتلف هذا الشيء قبل إخراجه، فهو كما لو أكل الطعام في محل صاحبه أو أحرق الثوب أو ما أشبه ذلك؛ فعليه ضمان غصب فقط.
طالب: فيه حيلة.
الشيخ: هي حيلة، ولكن حيلة تسقط القطع، لأن من شرطه أن يكون حين الإخراج قد بلغ النصاب كما لو أتلفه إتلافًا لو فرض أن هذا الرجل أتلفه فإنه لا يقطع.
يقول ﵀: (أو شقَّ فيه ثوبًا فنقصت قيمته عن نصاب، ثم أخرجه).
طالب: قولًا واحدًا يا شيخ.
الشيخ: لا ما يبعد أن يكون فيها خلاف إذا كان حيلة فلا بد أن يكون فيه خلاف، لكنه الذين يقولون بسقوط القطع يقولون: إن هذا الرجل أتلف مالية هذا المال المسروق قبل أن يخرجه وهو في ملك صاحبه.
قال: (أو تلف فيه المال) كيف تلف فيه المال؟ يعني أنه في نفس الحرز أتلف المال، فإنه لا يقطع، ويش مثاله؟
مثل رجل دخل على مكتبة وفيها كتب فأحرق هذه الكتب وقيمتها غالية، لو سرق واحدًا من هذه الكتب لقطعت يده، لكنه لم يسرق ولكنه أتلف المال، فنقول في هذه الحال: إنه لا قطع عليه، ولكنه يضمن المال، ويعزر بما يراه الإمام؛ لأن هذه معصية.
ثم قال: (وأن يخرجه من الحرز) والصواب أن يقول: وأن يكون من حرز؛ لأن الإخراج سبق فيما قبل، وأن يكون من حرز يعني: يشترط لوجوب القطع أن تكون السرقة من حرز، والحرز معناه ما يُحَصَّن به المال ويحفظ به هذا الحرز.
[ ١ / ٧٦١٢ ]
يقول المؤلف: (فإن سرقه من غير حرز فلا قطع) إذا سرق السارق المال من غير حرز فإنه لا يقطع. ما هو الدليل على ذلك مع أن الآية عامة؟
الدليل على ذلك ما قاله النبي ﵊ في الثمر: «إِذَا سَرَقَ قَبْلَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ، فَإِنَّهُ تُضَاعَفُ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ وَلَا قَطْعَ» (٤) هكذا جاء الحديث عن النبي ﷺ؛ وذلك لأنه قبل أن يؤويه الجرين ليس في حرز، فإذا أواه الجرين وحفظ فيه، وأظنكم تعرفون الجرين؟
طالب: ما نعرفه.
الشيخ: الجرين هو الذي يجمع فيه التمر لييبس.
طلبة: يُسمَّى الجوع.
الشيخ: يُسمَّى الجوع عند بعض الناس.
طالب: يُسمَّى الجُرَين بفتح الراء.
الشيخ: الجُرَين؟
الطالب: نعم.
الشيخ: الجَرِين والجُرَين تصغير.
طالب: المجران.
الشيخ: المجران؟
الطالب: نعم.
الشيخ: على كل حال يُسمى مربدًا ويُسمى بيدرًا.
المهم أنه مجمع الثمر لييبس، هذا الجرين، فإذا سرق من غير حرز فلا قطع لهذا الحديث، فيكون الحديث مخصِّصًا لماذا؟ لعموم الآية: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾.
والحرز يقول المؤلف: إنه (حرز المال ما العادة حفظه فيه) إعراب (حرز) و(ما العادة): (حرز) مبتدأ، و(ما) اسم موصول خبر المبتدأ، و(العادة) مبتدأ، و(حفظه) خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر صلة الموصول؛ فحرز المال يعني: المكان الذي العادةُ حفظُهُ فيه.
وفي قول المؤلف: (العادة) دليل على أن المرجع فيه إلى العرف، وليس إلى الشرع؛ لأن الشرع أطلق ولم يقيده، وكل شيء يطلقه الشارع ولم يقيده فإنه يرجع فيه إلى العرف إذا لم يكن له حقيقة شرعية.
(ويختلف باختلاف الأموال، والبلدان، وعدل السلطان، وجوره، وقوته، وضعفه) صحيح يختلف الحرز باختلاف الأحوال التي ذكرها المؤلف.
[ ١ / ٧٦١٣ ]
أولًا: الأموال؛ هل الأموال حرزها واحد؟ لو أن رجلًا جاء إلى حوش غنم، وسرق منها شاة فقد سرقها من الحرز؛ فلو قال السارق: أنا لم أسرقها من الحرز؛ لأن الأموال تحفظ في الصناديق الحديدية، أرأيت الذهب؟ وين أحطه فيه؟
طلبة: في الصناديق الحديدية.
الشيخ: في الصناديق الحديدية فهو يقول: إنه سرقه مما يحفظ به المال، كيف نقول له؟
طلبة: العادة حفظه فيه.
الشيخ: نقول: إن العادة حفظه فيه، ما جرت العادة أن الواحد لو صار عنده غنم يروح يحطها في الصندوق التجوري أبدًا لو حطها فيه لهلكت.
إذن: ما جرت العادة فيه فهو الحرز.
يختلف أيضًا باختلاف البلدان؛ كيف اختلاف البلدان؟ هل نقول: المدن الكبيرة تحتاج إلى حرز أشد، أو نقول: القرى الصغيرة تحتاج إلى حرز أشد؟
طلبة: الأول.
طلبة آخرون: السلطان.
الشيخ: دعني من السلطان، إلى الآن ما وصلنا السلطان، أحيانًا تقول: المدن الكبيرة تحتاج إلى حرز أشد؛ لا سيما إذا كان فيها أجناس مختلفة من الوافدين، وأحيانًا تقول: القرى الصغيرة تحتاج إلى حرز أشد؛ لأن أهلها قليلون، ويسطو عليها اللصوص أكثر.
على كل حال البلدان هذه ترجع إلى ما يتعارفه الناس، قد تكون مثلًا هذه البلاد القرية الصغيرة تكون أحرز لقلة أهلها، وإمكان ولاتها أن يضبطوها، وقد يكون الأمر بالعكس.
كذلك يختلف باختلاف عدل السلطان وجوره، أيهما أقوى؟ ()؛ ماذا تقولون يا جماعة: هل العدل أقوى في الحرز أو الجور؟
طلبة: العدل.
الشيخ: الظاهر أن العدل أقوى؛ أولًا لأن العدل من الإيمان، وقد قال الله ﷿: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ [الأنعام: ٨٢]، والإمام العادل أو السلطان العادل يعينه الله ﷿ في حفظ الأمن بلا شك أكثر مما يعين الجائر.
[ ١ / ٧٦١٤ ]
وأيضًا الجائر؛ لا يترك الناس السرقة إلا خوفًا منه، فإذا كان في حال غيبوبة ملاحظته فإنهم يتجرؤون على السرقة؛ فالجائر في الواقع أمن الناس في حكمه أقل، وأيضًا ليس الجائر ما يتصوره بعض الناس الشدة في الحكم، من الجور ألا يعدل في الرعية؛ ولهذا قال النبي ﵊ لبشير بن سعد حين أعطى ابنه النعمان شيئًا لم يعطه إخوته قال: «إِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ» (٥)، فمن جور السلطان ألا يعدل في الرعية، وإذا لم يعدل في الرعية فلا شك أن الأمن يختل.
قوته وضعفه؛ أيهما أقرب إلى الإحراز؟
الطلبة: القوة.
الشيخ: القوة نعم، هذا لا شك فيه أنه إذا كان السلطان قويًّا فإن الأمن يستتب أكثر مما إذا كان ضعيفًا، لو كان السلطان ضعيفًا إذا جئنا نشتكي إليه قلنا: فلان سرق الغنم من الحوش قال: ويش أنه ما سرق الذهب من الصناديق، ولو جئنا نشكي عليه سرقة الذهب من الصناديق. قال: هما، بس ما حصل اختلاف في الأعراض، ما سطا عليكم في الأعراض ولا جاءكم في الفرش؛ احمدوا ربكم، ويش يكون هذا؟ هذا ضعيف، هذا سبب الفوضى وسبب السرقات.
إذن: كلما كان السلطان قويًّا صار الحرز أقل تحرُّزًا، حتى إنه في بعض الأحيان؛ إذا كان السلطان قويًّا ربما يوضع الشيء على الأرصفة، وهو من الأشياء المثمنة، ولا أحد يأتيه، وإذا كان ضعيفًا فإنها تُكسر الأبواب وتُسرق الأموال.
قال المؤلف: (فحرز الأموال والجواهر والقماش في الدور والدكاكين والعمران وراء الأبواب والأغلاق الوثيقة).
(حرز الأموال والجواهر) ويش هي الأموال إذا قال: الجواهر؟ الأموال النقود.
وكذلك (الجواهر) مثل اللآلئ وغيرها، وكذلك (القماش)، ويش في القماش؟ الثياب.
[ ١ / ٧٦١٥ ]
(في الدور، والدكاكين، والعمران وراء الأبواب والأغلاق الوثيقة) هذه الأمور الثلاثة: الأموال، والجواهر، والقماش يكونون في العمران، في الدور والعمران؛ لا يمكن لإنسان أن يضع هذه الأمور في البر، حتى لو كانت في الصناديق، لو أن رجلًا خرج بماله إلى البر، ووضعه في صندوق تجوري، هل يكون هذا إحرازًا؟
طلبة: لا يكون إحرازًا.
الشيخ: لا يكون لماذا؟ لأنه ما حوله أحد، يأخذ السارق الصندوق وما فيه، وإذا لم يستطع ذهب إلى إخوانه في السرقة واستعان بهم وحملوه جميعًا.
لا بد أن تكون هذه الأشياء في الدور والعمران، ولا بد أيضًا يقول المؤلف ﵀: (وراء الأبواب والأغلاق الوثيقة) ما يكفي أن تكون في الدور، والدكاكين، والعمران، حتى يكون فيها أبواب، وأغلاق وثيقة، وأظنه تختلف هذه الأمور الثلاثة، حتى ولو كانت في الدكاكين وراء الأبواب المغلقة، فالذهب مثلًا أو النقود ليس حرزها كحرز القماش أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: فلو أن رجلًا هتك الدكان، وكسر الباب، وسرق من القماش قطعت يده، وإن سرق من الدراهم، ولم تكن الدراهم في الصناديق تقطع ولّا لا؟
طلبة: لا تُقطع.
الشيخ: هذا رجل هتك هذا الدكان وكسره، ودخل ووجد فيه ثيابًا ودراهم على المعصرة، فأخذ الثياب وخرج بها، وأخذ الدراهم وخرج بها.
طلبة: يقطع في الثياب.
الشيخ: يقطع في الثياب، ولا يقطع في الدراهم؛ إذن لو سرق الدراهم وحدها لم يقطع، ليش وكلها في مكان واحد؟
لأنه جرت العادة أن الدراهم ما تجعل هكذا على الماصة في الدكان؛ ولهذا تجد الرجل لو نسى أن يدخلها وذكر في بيته يرجع ولّا لا؟
طالب: يرجع.
الشيخ: نعم، العادة أنه يرجع، والله أني نسيت أدخل الدراهم؛ أفلا يمكن أن نفرق بين الدراهم القليلة والكثيرة؟ يعني أن الناس يتساهلون فيما إذا كانت الدراهم مئة مئتين، يمكن يضعها على الماصة أو يضعها في درج غير مقفل، لكن الأموال الكبيرة ما يضعها.
[ ١ / ٧٦١٦ ]
إذن نرجع إلى القاعدة يا جماعة؛ أن حرز المال ما جرت العادة بحفظه فيه.
كذلك أيضًا يمكن إذا كان السلطان قويًّا جدًّا يمكن أن تكون الدكاكين حرزًا للدراهم، وإن لم تكن في نفس الصناديق؛ لأنه لقوة السلطان لا أحد يجترئ على كسر الأبواب، أليس كذلك؟ نعم ما فيها شك.
لو أن رجلًا علق ثوبه في بيته وفيه دراهم، وجاء السارق ودخل البيت وأخذ الدراهم من هذا الثوب، يقطع ولَّا لا؟ يُقطع؛ لأنه جرت العادة الآن خصوصًا، والحمد لله في بلادنا جرت العادة أن مثل هذا يعتبر حرزًا، وأن الناس ما بهم يأخذون أبواقهم من جيوبهم يدخلونها في الصناديق.
طالب: حتى ولو كانت كثيرة؟
الشيخ: إي نعم، حتى ولو كانت كثيرة؛ لأن الكثيرة بس يدخلوها علشان ما تضيق عليه في الحمل ولَّا لو كان مثلًا عنده فئة خمس مئة ريال، عنده عشرين منها أو أكثر لا يبالي أن تكون في جيبه، ولا يرى أن ذلك إخلال في الحرز.
طالب: إذا صار السلطان قويًّا ()؟
الشيخ: لا أبدًا لو () عليه ().
طالب: إذا صار السلطان قويًّا والفلوس مثلًا وضعت برة، في صندوق برة، ما نقول: إنه حرز مع قوة السلطان؟
الشيخ: والله يمكن هي تختلف في الحقيقة فمثلًا إذا كان السلطان قويًّا، وهناك دوريات تمشي في الأسواق، فإن الصندوق التجوري الكبير اللي ما يحمله الرجل وحده يعتبر حرزًا.
طالب: () تترك أحيانًا في مكة وفي مناطق تترك بدون يعني ما تسكر الأبواب هل تُعتبر حرزًا؟
الشيخ: أيش تقولون في هذا؟ الظاهر أنها حرز؛ لأن الحمد لله فيه قوة، ولكن إذا كثر السُّراق ما تكون حرزًا، إذا كثروا لا تكون حرزًا.
طالب: هل نقول: إن الحرز يرجع إلى عرف البلد؟
الشيخ: إي نعم، كل البلد.
الطالب: يرجع للعرف؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: إذا رجل دخل دارًا فوجد فيها مالًا في صندوق فأخذ الصندوق ورماه من النافذة، وخرج من الباب وأخذه وجاء إليه فوجده موجودًا في الشارع بدون حرز وأخذه وذهب، هل تقطع يده؟
[ ١ / ٧٦١٧ ]
الشيخ: إي، فهمتم سؤاله؟ يقول: هذا رجل وجد مالًا في صندوق في البيت ودخل على أنه يسرقه، لكنه رمى به من النافذة بيطلع يأخذه، فقيَّد الله رجلًا أخر فأخذه كذا؟
طلبة: هو نفسه.
الشيخ: هو نفسه، ما فيه شك.
الطالب: رماه في الشارع () الباب.
الشيخ: إي، لكن هو أخرجه من الحرز سواء أخرجه حاملًا له أو رمى به من النافذة، لا أنا ظننت أنه أخذه واحد ثانٍ، إذا أخذه واحد ثانٍ ما عليه شيء.
الطالب: ().
الشيخ: لا ما يقطع؛ لأنه ما أخذه.
الطالب: الأول ما عليه شيء.
الشيخ: يضمن فقط.
طالب: ().
الشيخ: لا، إذا تمالؤوا فهم كواحد إذا حصل تمالُؤ ففعل الواحد فعل للجميع.
طالب: ().
الشيخ: لا يكفي التسمية، ولو كانت مغشوشة إلا إذا كان الغش كثيرًا فهذا يعتبر غير دراهم، لكن ما سماه الناس درهمًا فهو درهم.
طالب: () هل يشترط في الدراهم أن تكون مضروبة؟
الشيخ: لا بد أنها مضروبة، ثلاثة دراهم مضروبة، لكن على المذهب يعتبرون الوزن، ما يعتبرون العدد.
طالب: إذا سرق سارق غنمًا وذبحها قبل أن يخرجها، قيمتها تساوي أكثر من ربع دينار بعد الذبح، فهل يقطع؟
الشيخ: إي نعم، يقطع؛ لأنه حين أخذ بها من الحرز وهي تبلغ النصاب.
طالب: أهل الظاهر والخوارج الذين لا يشترطون النصاب يستدلون بقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ويستدلون بحديث: «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ» (٦) كيف يردون على حديث عائشة ﵂؟
الشيخ: ما لهم وجه رد إلا إذا قالوا: إن عموم القرآن مقدم على أخبار الآحاد والحديث صريح.
الطالب: وهم ما يشترطون الحرز، كيف يردون على هذا الحديث؟
الشيخ: ما عندهم رد معظم الأشياء خلاف العلماء يصير ما له وجه هم أخذوا بالعموم فقط.
طالب: طبع كتابًا بغير إذن صاحبه ().
الشيخ: أيش تقولون في هذا؟
طلبة: أيش السؤال؟
[ ١ / ٧٦١٨ ]
الشيخ: السؤال يقول: ما حكم من طبع كتابًا بغير إذن صاحبه، وذاك قد احتفظ بحقوق الطبع، هل يعتبر سارقًا تقطع يده؟
طالب: للتجارة ولَّا للنفع العلمي؟
الشيخ: كيف؟ طبعه بس.
طالب: ().
الشيخ: وليس بسارق أيضًا، لكن هل يجوز أو لا يجوز؟ هذا سؤالك أنت، ولَّا هو سارق ولَّا غير سارق؟
طالب: كلاهما.
الشيخ: الأول ليس بسارق ما فيه إشكال، لكن الثاني هل يجوز أو لا يجوز؟ الظاهر حسب عادة الناس وعرفهم أنه لا يجوز والشرط العرفي كالشرط اللفظي والمسألة بسيطة اذهب واستأذن منه.
طالب: إذا سرق صندوقًا يظن أن فيه أموالًا، عندما خرج به لم يجد فيه أموالًا، وكان الصندوق أقل من النصاب، هل يقطع ولَّا ما يقطع؟
الشيخ: لا، ما يقطع، العبرة بالواقع ().
ويش رأيكم فيها مع أني ما جاوبت سؤاله؟ يقول: لو أن السارق قُطِعَت يدُه ثم ردوها فبقيت، هل يجوز ولّا لا؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: إي، ما يجوز أصلًا، ما يجوز أن ترد، ولكن لو أنها بُنجت عند القطع يجوز ولّا لا؟
يجوز؛ لأن المقصود القطع، وقد حصل بخلاف ما لو قُطعت قصاصًا فقد سبق أنه لا يجوز.
طالب: إذا رُدَّت، هل تُقطع مرة ثانية؟
الشيخ: لو كان قطعها قصاصًا فإنه لا يجوز أن تُبنج؛ وذلك لأن الجاني جنى على المجني عليه من وجهين:
الوجه الأول: الإيلام.
والوجه الثاني: اختلاف العضو فلا يمكن أن نبنجه.
طالب: إذا خلعت ثم رُدت.
الشيخ: لا، نقول من الأصل: لا ترد.
الطالب: لا، إذا رُدت.
الشيخ: إذا رُدت ما تقطع إلا بسرقة، هذا الظاهر.
طالب: يعني: لو اتردت يا شيخ ()؟
الشيخ: هذه ذكرناها في الدرس ().
طالب: إخراجها قبل ()؟
الشيخ: أيش؟ عايز أسوي؟
الطالب: في ظروف معينة.
طالب آخر: () البيضة يا شيخ ().
[ ١ / ٧٦١٩ ]
الشيخ: إن فيه للعلماء قولين؛ إما أن المراد بالبيضة ما يلبسه المقاتل بيضة الرأس لتجعل اتقاء السهام، وبالحبل الذي له قيمة، كحبل السفن، وإما أن يراد بذلك أن هذا السارق يسرق البيضة فتهون السرقة في نفسه، ثم يسرق ما يبلغ النصاب فيُقطع؛ وذلك جمعًا بين الأحاديث.
وأما قول من قال: إن هذا على سبيل المبالغة فلا يستقيم؛ لأن الشارع أثبت حكمًا، وهو أنه يقطع؛ فالصواب أنه يُحمل على أحد معنيين، وعندي أن الثاني أقرب؛ لأن الأول فيه شيء من التكلف، والخروج عن الظاهر أو البعد عن الظاهر.
قال: (وحِرز البَقل وقُدور الباقلاء) إن خُفِّفت فبالمد وإن شددت فبالقصر؛ يعني تقول: الباقلَّا أو الباقلَاء.
(ونحوهما وراء الشرائج إذا كان في السوق حارس) (حرز البقل) ويش هو البقل؟ البقل كل نبات ليس له ساق، مثل الكراث، والبصل، وما أشبهها، هذا البقل فمثلًا إذا كان فيه بقل، ولنضم إليها أيضًا القرع والبطيخ وما أشبهها.
يقول المؤلف: (قدور الباقلاء) ويش هو الباقلاء؟ يقولون: إنه هو الفول، أو قريب من الفول، طبعًا هو يطبخ في القدور، ومن جاء يغرف له ويبيع عليه، هذه يقول المؤلف.
(ونحوهما) مثل البطيخ، والقرع، والبرتقال، والفواكه حرزها يقول المؤلف: (وراء الشَّرَائج إذا كان في السوق حارس) شوف، الحمد لله يعني: المؤلف في عهده يتشدد في الحرز.
(وراء الشرائج) ويش هي الشرائج؟ جمع شريجة، وهي مثل () أو الشبك، ولنقول: الشبك لكن بشرط (إذا كان في السوق حارس) فإن لم يكن في السوق حارس، فإن ذلك ليس بحرز؛ لأنه إذ لم يكن في السوق حارس، وإن كانت وراء الشرائج، يمكن الشريجة هذه تكسر أو يقفذ مِن ورائها ويُسرق، فلا بد أن يكون في السوق حارس كثير النوم ولّا لا؟
طالب: لا، كثير اليقظة.
[ ١ / ٧٦٢٠ ]
الشيخ: كثير اليقظة، نعم، ما هو حارس يحط الوسادة وينام ويقول: أنا حارس، هذا يحتاج مَن يحرسه هو، وعلى كل حال فالمؤلف اشترط في هذه الأشياء شرطين وهما: أن تكون وراء الشرائج؛ يعني: يحاط عليها، والثاني: أن يكون في السوق حارس، فإن كان في السوق حارس وليس عليها شرائج فليس بحرز، أو كان عليها شرائج وليس في السوق حارس فليس بحرز.
ولكن كما قال هو ﵀: (إن الحرز يختلف باختلاف الأموال، والبلدان، وعدل السلطان، وجوره، وقوته، وضعفه) إذا كان السلطان قويًّا فإنه قد يُكتفى بالشرائج، أو بالحارس، الآن نحن عندنا هنا يعتبر وجودها الآن في المبيعة يعتبر حرزًا؛ ولهذا لا يضمن الإنسان إذا جاء صاحب هذه الأشياء ووضعها عنده للبيت وأبقاها هكذا، لو سُرقت ما يضمن، ليش؟
لأن هذا هو العادة، العادة أنها تبقى في هذا وتُعتبر محرزة، وفي بعض البلاد ربما تكون أبواب الزجاج حرزًا للذهب والدراهم ().
وقد أخبرني بعض الناس أنه ذهب إلى بلد ما، فوجد أن دكاكين الصاغة ليس فيها إلا أبواب من الزجاج، إلا أنها يقول: مجموعة في جهة واحدة معينة، الجهة الواحدة هذه عليها باب مغلق إغلاقًا وثيقًا ما يدخلها أحد يغلق من الساعة الثامنة في الليل، ولا يمكن يفتح إلا من الصباح.
طالب: الزجاج أقوى من الحديد.
الشيخ: ما عاد ندري، هو يقول: من زجاج، ما عاد ندري. المهم على كل حال إن هذا يرجع إلى قوة السلطان.
يقول المؤلف ﵀: (وحرز الحطب والخشب الحظائر) الخشب والحطب حرزه الحظائر، عندنا والحمد لله لا يحتاج إلى حرز، حرزه أن يوضع في مكان البيع، فحرز الحطب والخشب يقول: لا بد من حظيرة تحظر عليه من أي شيء من خشب من خوص من أي شيء.
يقول المؤلف: (وحرز المواشي الصِّير) جمع صِيرة، الصير أظن معروفة يا جماعة؟
طالب: هى الزرايب.
الشيخ: معروفة، يسمونها صيرانة وزريبة.
طلبة: زريبة ().
[ ١ / ٧٦٢١ ]
الشيخ: هى عبارة عن؛ يحطون أشجارًا ويربطون بعضها ببعض حتى تكون مثل الحظار، وتعرفون الحظار أيضًا ولَّا ما تعرفونه؟
طلبة: ما نعرفه.
الشيخ: الحظيرة بعض الناس ما يعرفها، يجيبون خوص النخل بجريده، ويركزونه في الأرض، ويشدون بعضه ببعض بالحبال، هذه الحظيرة، وإذا كان أحد منكم يطلع للبر يشوفه ما فيه مانع، في الصباح () تشوفونه.
يقول: (حرز المواشي الصِّير، وحرزها في المرعى بالراعي ونظره إليها غالبًا) معلوم بالمرعى، ما يمكن حطها في الصير؛ ليش؟
طلبة: لأنها ترعى.
الشيخ: لأنها تبغي ترعى، تبغي تخرج، حرزها في المرعى بالراعي، أما إذا تركناها ترعى بنفسها بتروح وترجع هذا ليس بحرز.
(بالراعي) لا بد أن يكون معها راع.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا يُشترط فيه البلوغ والعقل، ولكنَّ في هذا نظرًا؛ لأن الراعي الصغير هل هو حرز؟ ليس بحرز؛ لأن الراعي الصغير أدنى واحد يأتي ويلعب بعقله، ويأخذ ما شاء، أو يأخذ ويكون الراعي لصغره ما يستطيع أن يفعل شيئًا، لا بد أن يكون راع يحميها.
ولا بد أن ينظر إليها غالبًا، فإن كان الراعي ينام فهو حرز ولّا لا؟
طلبة: ليس بحرز.
الشيخ: ليس بحرز، إذا صار إذا طلعت الشمس ولا سيما في الشتاء، () الوسادة ونام هذا ما يكون حرزًا، أو كذلك يبقى في نقرة من النقر، ويخلى الغنم في نقرة أخرى هل هذا حرز؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ليش؟ لأنه لا ينظر إليها.
والمؤلف يقول: (غالبًا) يعني: ما يشترط أن الراعي دائمًا ينظر إليها؛ لأن الراعي قد يحتاج إلى نقض الوضوء، قد يحتاج إلى صلاة، قد يحتاج إلى أكل، فلا ينظر إليها دائمًا، لكن إذا كان ينظر إليها غالبًا، بحيث يكون حوله ويحيط بها، فإن ذلك يعتبر حرزًا.
[ ١ / ٧٦٢٢ ]
وظاهر كلام المؤلف أنه لا يشترط أن يكون مع الراعي كلب، وهو كذلك، مع أن كلب الماشية يحرزها ولّا لا؟ نعم، يحميها ويحرزها؛ ولهذا رخص الشارع في اقتناء الكلب لأجل أيش؟ لأجل الماشية؛ لأن بعض الكلاب أشد من الرجل المسلح، بعض الكلاب إذا جاء الإنسان حول الغنم خلاص يشق جلده ما يخليه يحوم حول الغنم، ولكن كلام المؤلف هنا يدل على أيش؟ على أنه لا يشترط أن يكون مع الراعي كلب، وهو كذلك.
يقول المؤلف ﵀: (وأن تنتفي الشبهة) إذن انتهينا من الشرط الرابع أو لا؟
طالب: الثالث.
الشيخ: لا يا أخي، كيف الثالث؟ أن يكون مالًا محترمًا، وأن يبلغ نصابًا، وأن يكون من حرز، إي ثلاثة.
قال: (وأن تنتفي الشبهة) هذا شرط رابع، وهو شرط لجميع الحدود، يشترط فيها انتفاء الشبهة، وقد ذكرنا دليله فيما سبق، وهو: «ادْرَؤُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (٧) وقلنا: إن هذا الحديث فيه مقال، ولكن معناه صحيح؛ لأن الأصل في الأعراض والأبدان الأصل فيها العصمة والحماية، فلا يمكن تنتهك إلا بيقين، ما يمكن يقطع يد السارق إلا بيقين، فإذا كان هناك شبهة فلا قطع.
والشبهة ثلاثة أنواع أو أربعة كما سيتبين: إما شبهة ملك، أو شبهة تملك، أو شبهة تبسط، أو شبهة إنفاق، ولننظر إليها.
قال: (فلا قطع بالسرقة من مال أبيه) يعني: لو أن أحدًا سرق من مال أبيه فإنه لا يقطع؛ ليش؟ لأن فيه شبهة، ما هي شبهة ملك ولا تملك؛ لأن الابن لا يتملك من مال أبيه، لكن شبهة إنفاق وشبهة تبسط، تبسط بماله، وهو الذي نسميه باللغة العامية المِيَانة؛ إنه يمون عليه ولا يرى بأسًا بأخذ شيء من ماله، فإذا سرق الابن من مال أبيه ولو كان المال محرزًا وراء الأغلاق الوثيقة فإنه لا يقطع؛ السبب؟
طلبة: لوجود الشبهة.
الشيخ: لوجود الشبهة. قال: (من مال أبيه وإن علا) حتى من جده؟
طلبة: نعم.
الشيخ: حتى من أبي أمه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: حتى من أبي أمه ومن أمه؟
طلبة: نعم.
[ ١ / ٧٦٢٣ ]
الشيخ: ومن أمه؛ ولهذا قال فيما بعد: (والأب والأم في هذا سواء) حتى من أمه والشبهة من أمه ليست الإنفاق، ولكن التبسط، أن يتبسط من ماله ويميون عليها ويقول: هذه أمي، أنا وهي شيء واحد.
(ولا بالسرقة من مال ولده وإن سفل) لا يقطع بالسرقة من مال ولده، مَنِ الذي يسرق من مال الولد؟ هو الأب والأم، فلو سرق الأب من مال ولده لم يُقطع، والشبهة هنا قوية جدًّا، ما هي؟ التملك، كذا؟ والإنفاق، والتبسط أيضًا؛ لأن الإنسان يقول: هذا مال ولدي، أنا وولدي سواء، فلا يقطع بالسرقة من مال ولده، وكذلك الأم لا تقطع بالسرقة من مال ولدها.
الخلاصة الآن الأصول والفروع لا يقطع بعضهم من السرقة من مال الآخر، هذه القاعدة، الأصول والفروع أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: من هم الأصول؟
طلبة: الأب وإن علا.
الشيخ: الأب وإن علا، والأم وإن علت، والفروع؟ الابن وإن نزل، والبنت وإن نزلت، لا يُقطع بعضهم من السرقة من مال بعض.
هذا ما ذهب إليه المؤلف ﵀، وفي المسألة أقوال سنذكرها بعد إن شاء الله.
يقول: (الأب والأم في هذا سواء) كما قلنا: الأصول والفروع.
قال: (ويقطع الأخ) أيُّ الأخوة؟ الشقيق، أو لأب أو لأم؛ (يقطع الأخ، وكل قريب بسرقة من مال قريبه) الأخ يقطع للسرقة من مال أخيه، إذا قال: أنا أمون عليك يا أخي جيت وكسرت الصندوق وأخذت منه فلوس؛ لأني أمون عليك، ما بيننا حساب.
طالب: ما جرت العادة.
الشيخ: نقول: ما بينك حساب ويش () الصندوق عنه اللي () من حسابك وعلى هذا فيقطع.
العم يقطع؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ابن الأخ؟
طلبة: يقطع.
الشيخ: يقطع؛ ولهذا ذكر عبارة عامة: (كل قريب بسرقة من مال قريبه).
إذن القرابة لا تمنع إلا في أيش؟ في الأصول والفروع فقط، كل القرابات ما تمنع إلا في الأصول والفروع فقط، وهذا المشهور من مذهب الحنابلة ﵏.
[ ١ / ٧٦٢٤ ]
وقال بعض العلماء: إنه يقطع كل قريب من قريبه ما عدا الأب فقط، الأب وحده واستدل هذا بعموم الأدلة الدالة على وجوب القطع، وقال: إن كل مال بالنسبة إلى غير مالكه محترم، لا يجوز أن ننتهكه، أما الأب فلا يقطع؛ لقول النبي ﷺ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» (٨)، وهذا أحد القولين في مذهب الإمام أحمد، وأظنه مذهب الشافعي أيضًا.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن كل ذي رحم محرم لا يقطع بالسرقة من مال رحمه، وعلى هذا القول فيكون الأخ يقطع ولّا ما يقطع؟
طلبة: لا يقطع.
الشيخ: ما يقطع ابن الأخ؟
طلبة: ما يقطع.
الشيخ: العم؟
طلبة: ما يقطع.
الشيخ: ابن العم؟
طلبة: كذلك.
الشيخ: لا، ما هو كذلك ابن العم يقطع؛ لأنه ليس ذا رحم محرم، وهذا أوسع المذاهب في مسألة القريب فصارت المذاهب في القرابة ثلاثة:
القول الأول وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد: أن السرقة من الأصول أو الفروع ليس فيها قطع.
والثاني: أن السرقة من جميع الأقارب فيها القطع إلا الأب من مال ولده.
والقول الثالث: السرقة من مال الأقارب فيها القطع إلا من كان ذا رحم محرم.
طالب: الأخير ما أفهمه.
الشيخ: يعني: إن الإنسان يقطع بالسرقة من مال قريبه إلا إذا كان بينهما رحم محرم، يعني: بحيث لو كان أحدهما ذكرًا لم يتزوجه الأخر، لو كان أحدهما ذكرًا والآخر أنثى ما صح التزواج بينهما.
طالب: والمقصود؟
الشيخ: هذا المقصود.
طالب: المقصود بالقول الثالث؟
الشيخ: إنه يقطع بالسرقة من كل قريب إلا من بينهما رحم مُحَرَّم أو رحم مُحَرِّم أيضًا يصلح فهمتم الآن؟
[ ١ / ٧٦٢٥ ]
ونحن إذا رجعنا إلى العمومات وجدنا أن أقرب الأقوال القول الثاني الذي يمنع القطع بالنسبة للأب، وما عدا ذلك فإنه يقطع، ولكن مع هذا فالمسألة عندي فيها شيء من الثقل؛ لأن قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ﴾ إلى آخره [النور: ٦١] ذكر فيها كل هؤلاء، ليس علينا جناح أن نأكل من بيوتهم، وهذا يدل على أننا نتبسط في وجه هؤلاء، إلا أنه يقال: إن الآية الكريمة ليس علينا جناح أن نأكل من هذه البيوت إذا دخلناها، أما إذا كانت مغلقة عنا فإنها محترمة محرزة، فانتهاكها الأصل فيه القطع.
طالب: حتى وإن لم يرثوا؟
الشيخ: إي نعم، حتى وإن لم يرثوا.
الآن فهمتم يا إخوان، صار ليست ثلاثة () الأقرب ما يخصه بالأب هذا أقرب الأقوال.
طالب: في شرط ما ذكرنا اللي هو الزمان، الزمان مثلًا في النهار الناس يحطون أشياءهم في السوق، وإذا سرق يُعتبر محرزًا؛ لأن الناس تمشي لكن في الليل لو سرقت ليس محرزًا.
الشيخ: إي نعم، هذا يعود إلى قولنا: ما العادة حفظه فيه، فهذا الذي يكون في النهار على الفضاء لا يصلح أن يكون في الليل على الفضاء.
الطالب: بس هو ذكر، خصَّص صور اختلاف البلاد وجور السلطان وعدله ..
الشيخ: حتى نفس البلد يختلف باختلاف الزمن مثلما قلت أنت؛ فالاحتراز في النهار أقل من الاحتراز في الليل؛ ولهذا السُّراق متى يسرقون في الغالب؟
طلبة: في الليل.
الشيخ: في الليل، إي نعم.
طالب: في الآية () يجوز أن أقول: من المحرم أيضًا يستدل على أن لو سرقت من بيت صديقي () لا؛ لأنه قال: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور: ٦١].
الشيخ: قلنا: إنه يمكن تعارض هذه بأنك إذا دخلت البيت عما هو حرز عنك، وتهتك الحرز وتسرق ما ..
[ ١ / ٧٦٢٦ ]
طالب: ذكر الراعي صغيرًا ما يعتبر غاصبًا إذا كان فيه راعٍ صغير ()؟
الشيخ: إي نعم، بس لا قطع فيه، هو غصب، ما فيه إشكال، حتى لو أخذها مثلًا، وليس عندها راعٍ فهو يضمن لكن الكلام على القطع.
طالب: ما هو ضابط الشبهة؟
الشيخ: هذه القرابة عرفناه، وتختص بالأصول والفروع وبيجينا بعض الأشياء.
طالب: الشبهة كيف هى؟
الشيخ: الشبهة هي كل ما يمكن أن يكون عذرًا للسارق في الأخذ هذه الشبهة.
طالب: الراعي هل يشترط فيه الإسلام؟
الشيخ: لا ما يشترط.
طالب: الراعي إذا كان ينظر () يعني: هو بيأخذ منها على وجه السرعة، يعني: () أو على وجه () إن كان على وجه السرعة والاختفاء صار اختلاسًا يعني: إذا كان رجلًا كبيرًا، وإن كان على وجه () صار ().
الشيخ: لا، هو إذا صار الراعي موجودًا فالناس اللي شافوه فيه راعٍ يحترمونه، يظن هذا محرزًا.
الطالب: بس ما يُسمَّى سرقة.
الشيخ: يُسمَّى سرقة، افرض أن الراعي الآن انشغل لكونه يقضي حاجته أو يصلي أو ما أشبه ذلك، فجاء الإنسان فسرق.
طالب: صار اختلاسًا.
الشيخ: لا، هذا سرقة، ما هو اختلاس؛ لأن هذا يعتبر هذا الصدود اليسير يعتبر كأنه يلاحظ الآن وينظر.
طالب: القول الراجح في اختلاف الذين إذا سرق من الأقارب؟
الشيخ: أن الأب هو الذي لا يقطع.
طالب: وغيره يقطع؟
الشيخ: وغيره يقطع لكن ترى لا بد فيه من شروط يمكن قد تنتفي، الشروط الآتية وهو أن يطالب المسروق منه بماله، قد يكون الأخ إذا سرق من أخيه ما يروح يطالبه عند الحاكم.
طالب: أقول: ما هو اختيار شيخ الإسلام في قدر النصاب؟
الشيخ: ربع دينار.
طالب: ما معنى أننا لا نعتبر الوزن ربع دينار باعتبار العدد؟
الشيخ: هو الدينار حتى عند شيخ الإسلام وعلى المذهب؛ الدينار: مثقال، لكن لو فرض أن الدنانير تقيضت كما هي عندنا الآن، الجنيه أكثر من المثقال فهو ربع جنيه عندهم.
طالب: هل يُعتبر بالمثاقيل؟
[ ١ / ٧٦٢٧ ]
الشيخ: لا، ما هو بالمثاقيل، يعتبر الدينار في كل بلد ووقت بحسبه فمثلًا، ربع الدينار عندنا ربع جنيه سعودي.
طالب: سرقة أعداء الإسلام مثل الحكومات التي تقتل المسلمين وتعتقلهم، لو المسلم سرق أعداء الإسلام.
الشيخ: الذين بيننا وبينهم حرب هؤلاء غير محترمين لا هم ولا أموالهم، اللي بيننا وبينهم حرب ليس لهم حرمة فيجوز أن تأخذ من ماله ولا عليك شيء وحلال لك.
الطالب: يجوز؟
الشيخ: نعم.
الطالب: الحكومات متمسلمة يدَّعُون الإسلام، ولكنهم يحاربون الإسلام، افرض يعني: هؤلاء الذين يُضطهدون سرقوا من هذه الدولة، هل يجوز لهم مثل ذلك؟
الشيخ: إذا سرقوا من هذه الدولة قُطعت رؤوسهم ما هو أيديهم.
الطالب: لكنهم سرقوا ..
الشيخ: أما إذا جاؤوا يتحاكمون علَّمْتُهم ().
الطالب: فرضنا سرق بحيلة؟
الشيخ: المهم بارك الله فيك، هذه الدولة المال الذي بين أيديها ليس لمصالح البلاد الإسلامية هي ما () تصرف على الطرق تبني به المدارس تشتري به السلاح.
طالب: وتشتري به الخمر أيضًا.
الشيخ: وربما تشتري الخمر ما ندري عنها.
طالب: حرز السيارات وما أشبهها؟
الشيخ: حسب العرف؛ السيارة في الجراج تعتبر حرز.
الطالب: إذا كان العرف، وواحد سرق منها شيئًا زاد على النصاب؟
الشيخ: أما الدراهم بالسيارات ما هو بحرز؛ يعني: لو وضعت مثلًا بالسيارة دراهم وهي عند الباب ما هو بحرز.
الطالب: ().
الشيخ: يعتبر حرزًا، هذا في عرفنا حرز ().
وهو أنه إن وجبت النفقة فلا قطع، وإن لم تجب قُطِع فيما عدا الأب؛ إن وجبت النفقة فلا قطع وإلَّا قطع، وهذا أيضًا له حظ من نظر قوي، ويش القوة؟
إن وجوب النفقة له على هذا الرجل شبهة؛ لأن هذا الرجل الذي تجب عليه النفقة، ربما يكون مقصرًا في الإنفاق؛ فذلك يجعل هذا الرجل يسرق من ماله، وهذه شبهة قوية بلا شك وعلى هذا فأصح الأقوال هذه إما القول الأول الذي يخصه بمن؟
طلبة: بالأب.
[ ١ / ٧٦٢٨ ]
الشيخ: بالأب أو القول الأخير الذي يخصه بوجوب النفقة، وأما ذات الرحم المحرم وسائر الأصول والفروع مطلقًا ففيه نظر.
قال المؤلف ﵀: (ولا يُقْطَع أحد من الزوجين بسرقته من مال الآخر ولو كان محرَّزًا عنه).
لا يُقْطَع الزوج بالسرقة من مال زوجته، ولا تُقْطَع الزوجة بالسرقة من مال زوجها.
أما الثاني: وهو سرقة الزوجة من مال زوجها؛ فالشبهة قائمة وهي وجوب النفقة لها على الزوج، فقد يكون الزوج مقصِّرًا فيؤدي ذلك إلى أن تسرق من ماله، تكسر الصندوق وتأخذ، أما إذا كان الصندوق مفتوحًا فلها أن تأخذ بفتوى الرسول ﵊ لهند امرأة أبي سفيان (٩)؛ لكن إذا كان محرزًا فإن هناك شبهة؛ لأنه قد يكون مقصرًا عليها.
وأما سرقة الزوج من مال زوجته فما هي الشبهة؟
قالوا: الشبهة؛ لأن الزوج قَوَّام على المرأة، وله سيطرة، فقد يظن بهذه القَيُّومِيّة أو بهذه القوامة أنه له الحق في أن يسطو على مالها، أيش؟ فيأخذ منه، أو لأن الزوج مع زوجته في الغالب يتبسط بمالها كما تتبسط بماله، وهذا إذا لم يكن محرَّزًا عنه فالتعليل له وجه، لكن إذا كان محرزًا عنه والمرأة متحفظة، وقد جعلت مالها في الصناديق خوفًا من الزوج، فهل يقطع أو لا يقطع؟
المؤلف يقول: (ولو كان محرَّزًا عنه) على رأي المؤلف لا يقطع، والصحيح أن سرقة الزوج من مال زوجته المحرز أنه يقطع.
ولكن قولوا لي: هل يمكن للزوجة أن تطالب بقطع يد زوجها إذا سرق من مالها؟
طلبة: يمكن.
الشيخ: يمكن إن كان الأمور زين بينهما فلا، لو قيل لها: اذهبي إلى القاضي ليقطع يديه. قالت: أبدًا، اقطعوا يديَّ ولا تقطعوا يده، أما إذا كانت الأمور ما هي زينة فإنها تقول: أنا كنت أتربص به مثل هذا الأمر، يلَّا اقطعوا يده، أليس كذلك؟
إذن الصحيح أن الزوج إذا سرق من مال زوجته المحرزة عنه فإنه يُقطع؛ لأنه ما دامت المرأة أحرزته عنه، معناها أنها لا تريد أن يأخذ منه شيئًا.
[ ١ / ٧٦٢٩ ]
وقول المؤلف: (ولو كان محرَّزًا عنه) إشارة خلاف؛ لأن الغالب أن العلماء إذا أتوا بمثل هذه العبارة أنهم يشيرون إلى خلاف في المسألة، حتى إن بعضهم قال -لكنه غير مطرد- قال: إنهم إذا قالوا: (ولو) فالخلاف قوي، وإذا قالوا: (وإن كان كذا) فالخلاف متوسط، وإذا قالوا: (حتى) فالخلاف ضعيف؛ ولكن هذه القاعدة ما هي مطردة.
قال: (وإذا سرق عبد من مال سيده) لم يُقطع، إذا سرق العبد من مال سيده فإنه لا يُقطع، ويش الشبهة؟ ما فيه إلا النفقة، والكلام إذن يا جماعة فيما إذا كان المال محرزًا، أما إذا كان المال غير محرز، كما لو كان هذا العبد بيده المفاتيح -مفاتيح الخزائن- وسرق منها فإنه لا قطع؛ لأن لدينا شرطًا سابقًا وهو أن تكون السرقة من حرز، فإذا كان السيد قد أعطاه المفاتيح، فمعنى ذلك أنه سلطه على المال، لكن كلام المؤلف هنا فيما إذا كان أيش؟ محرزًا هل يقطع أم لا؟
يقول المؤلف: إنه لا يُقطع، والشبهة هنا أن العبد له نوع من التبسط في مال سيده، وأنه تجب نفقته على سيده، فقد يكون السيد مقصِّرًا في الإنفاق عليه، فيلجأ ذلك العبد الذي قصَّر سيده في الإنفاق عليه إلى أن يسرق.
ما تقولون فيما إذا سرق سيد من مال عبده؟
طلبة: لا يُقطع.
الشيخ: إذن ما يُقطع، كذا؟ ما يقطع.
طلبة: على الراجح.
الشيخ: إي نعم، على أن المذهب عندنا أن العبد لا يملك ولو ملك؛ لقول الرسول ﵊: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا لَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ» (١٠)، قال: «فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ».
إذن العبد لا يملك، والمال الذي بيده يتصرف فيه، ليس تصرف مالك، ولكن تصرف اختصاص.
(أو سيد من مال مكاتبه) هذه ممكن تكون: سيد سرق من مال مكاتبه، مَنِ المكاتب؟
المكاتب هو العبد الذي اشترى نفسه من سيده، هذا المكاتب العبد الذي اشترى نفسه من سيده كيف؟
[ ١ / ٧٦٣٠ ]
هذا رجل له عبد، فقال له العبد: أعتقني، قال: ما أعتقك، أنا اشتريتك بألف درهم، قال: كاتبني. يعني: بع نفسي عليَّ، قال: كاتبتك على أن تعطيني ألف درهم وأنت حر.
هذه المكاتبة، وقد أشار الله إليها في القرآن في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: ٣٣] لكن بشرط ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]؛ خير دين ودنيا، خير يعني: صلاحًا في الدين، وكسبًا في المال، وهنا الصحيح أن الأمر على سبيل الوجوب، أن العبد إذا طلب المكاتبة وجب على السيد أن يكاتبه؛ لأن الله أمر بذلك، والأصل الوجوب في الأمر، لكن بهذا الشرط، ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] أو لا؟
صلاحًا في دينهم ودنياهم، الصلاح في الدين معروف، والصلاح في الدنيا هو الكسب.
لكن لو جاء العبد يقول: كاتبْني، وأنا أعرف أني إذا كاتبته ذهب إلى دور البغايا، ودور السينما، والملهيات وما إلى ذلك، أو بدا ما يصلي.
طلبة: تحرم المكاتبة.
الشيخ: ما نكاتبه هذا.
أو قال: كاتبني، وأنا أعرف أنني إذا كاتبته الآن أنا أنفق عليه وإذا كاتبته صار عالة على الناس؛ ما هو بمكتسب فهنا لا نكاتبه.
هذا السيد سرق من مال مكاتبه المكاتب يملك؟
طلبة: يملك.
الشيخ: إي نعم، يملك ماله؛ ولهذا يملك التصرف، إذا كاتبته وقلت: كاتبتك بكذا وكذا درهمًا، ذهب ملك نفسه الآن يبيع، ويشتري، ويؤجر، ويستأجر، ويكون كالحر، إذن له مال السيد سرق من مال مكاتبه، يقول: إنه لا يقطع، أيش الشبهة؟
أنه لا زال ملكه عليه، كما جاء في الحديث الذي يروى عن النبي ﷺ: «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ» (١١) فهذا المكاتب إلى الآن ما عتق، متى يعتق؟ إذا سلَّم ما عليه عتق.
(أو سرق مسلم حر من بيت المال) هذه تصلح لبعض العوام، إذا سرق حُرٌّ مسلم من بيت المال فإنه لا يقطع ليش؟
[ ١ / ٧٦٣١ ]
لأن فيه شبهة، الشبهة أن كل مسلم له حق في بيت المال ولَّا لا؟
إذا كان غنيًّا ولم يتول مصلحة من مصالح المسلمين أيش حقه في بيت المال؟ الفقير له حق في بيت المال، الذي يتولى مصلحة من مصالح المسلمين، كالتعليم، والإمامة، والأذان، وما أشبه ذلك له حق، لكن إذا كان غنيًّا ولم يقم بمصلحة من مصالح المسلمين، ما حقه؟ يقول: قد يكون في يوم من الأيام من ذوي الحقوق فله شبهة.
ولكن قولوا لي: هل معنى ذلك أنه يجوز للإنسان الحر المسلم أن يسرق من بيت المال؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا، حرام عليه، خلافًا لمن قال: إن بيت المال حلال، اكذب على الدولة، اسرق الوظيفة، اعمل ما شئت، ما يخالف، هذا حرام؟ قال: لا، ما هو بحرام، أيش السبب؟ قال: هذا بيت مال المسلمين، بيت مال المسلمين أعظم من ملك واحد معين؛ السبب؟ لأن بيت مال المسلمين خيانة لكل مسلم.
أو مُسلِمٌ حُرٌّ من بيتِ المالِ، أو من غَنيمةٍ لم تُخَمَّسْ، أو فقيرٌ من غَلَّةِ وَقفٍ على الفُقراءِ، أو شخصٌ من مالٍ فيه شَرِكَةٌ له أو لأَحَدٍ مِمَّا لا يُقْطَعُ بالسَّرِقَةِ لم يُقْطَعْ.
ولا يُقْطَعُ إلا بشهادةِ عَدْلَيْنِ، أو إقرارِ مَرَّتَيْنِ، ولا يَنْزِعُ عن إقرارِه حتى يُقْطَعَ، وأن يُطالِبَ المسروقُ منه بمالِه، وإذا وَجَبَ القطْعُ قُطِعَتْ يدُه اليمنى من مَفْصِلِ الكفِّ وحُسِمَتْ، ومَن سَرَقَ شيئًا من غيرِ حِرْزٍ ثمرًا كانَ أو كثرًا أو غيرَهما أُضْعِفَتْ عليه القِيمةُ ولا قَطْعَ.