ثم قال المؤلف:
(باب الكتابة)
[ ١ / ٥٧٨٦ ]
الكتابة اسم مصدر: كَتَبَ يَكْتُبُ كَتْبًا وَكِتَابَةً، وربما نقول أيضًا: الكتابة أيضًا هي مصدر، وهي مأخوذة من الكَتْب، وهي أن يشتري العبد نفسه من سيده، هذه كتابة، وقد قال الله تعالى في كتابه: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]، فالكتابة إذن: شراء العبد نفسه من سيده، وسميت بذلك؛ لأن الغالب ألَّا تقع إلا بمكاتبة بين السيد والعبد.
حكم الكتابة بيَّنها المؤلف فقال:
أولًا: تعريفها قال: (وهو بيعُ عبدِه نفسَه بمال مؤجل في ذمته) لو قال المؤلف: شراء العبد نفسه من سيده، لكان أوضح وأخصر. لكن -سبحان الله- أحيانًا يكون الإنسان تغيب عنه العبارات أو يتابع غيره. (بيعُ عبدِه نفسَه) (بيع) هنا مصدر مضافة إلى المفعول به أو إلى الفاعل؟
طالب: المفعول به.
الشيخ: و(نفسَه)؟
طالب: إلى الفاعل.
طالب آخر: المفعول به.
طالب آخر: مفعول ثانٍ.
الشيخ: ومن ثم صارت العبارة مشكلة (بيعُ عبدِه نفسَه) (بيع) مصدر مضافة إلى الفاعل أو إلى المفعول به؟ إذا قلنا: إلى المفعول به فسَيِّدُه ويش اللي ناصبه؟ مفعول ثانٍ تقول: بعتُ زيدًا دارًا، زيدًا: مفعول أول، ودارًا: مفعول ثانٍ. أو زيدًا: منصوب بنزع الخافض؛ يعني: بعت على زيد دارًا، هنا (بيع) مضافة إلى مفعول به؛ لأن البائع ليس العبد. من البائع؟ السيد، والعبد مشترٍ؛ يعني: بيعُ السيدِ عبدَه نفسَه؛ أي: نفس العبد. والخلاصة: أن يبيع السيدُ على العبدِ نفسَه، هذه الكتابة.
قال: (بمال مؤجل في ذمته) لا بد من هذا؛ أن يكون مالًا مؤجلًا، فلا تصح بمال حالٍّ؛ لأن العبد ليس عنده مال، ولو ملكه أحد مالًا فماله لسيده.
[ ١ / ٥٧٨٧ ]
ولكن لو قال قائل: العبد ليس عنده مال، ولكن لو فرض أن أحدًا من الناس قال له: اشترِ نفسك من سيدك، وأنا أعطيك المال نقدًا، هل يصح؟ يصح؛ ولهذا يُعتبر اشتراط التأجيل إن أراد به المؤلف أنه لا بد من التأجيل فهذا ليس بصحيح؛ لأنه قد تكون القضية كقضية بريرة مع عائشة؛ بريرة كاتبت أهلها على تسع أواقٍ، ثم جاءت تستعين عائشة، فقالت عائشة: إن أراد أهلك أن أعدَّها لهم ويكون ولاؤك لي فعلتُ (٨)، فهذا دليل على أن الكتابة يجوز أن تكون بحالٍّ إذا كان من غير العبد، أما من العبد فهذا متعذر؛ لأنه لا يملك.
يقول: (في ذمته) في ذمة من؟ في ذمة العبد، لماذا؟ لأنه لا يمكن أن تقع على عين؛ إذ إنه ليس له مال، فصار لا بد أن يكون مؤجلًا في الذمة.
ثم بَيَّن المؤلف حكم الكتابة فقال: (تُسَن مع أمانة العبد وكسبه)، نعم (تُسَن) أفادنا المؤلف أن الكتابة سنة إذا كان العبد أمينًا قادرًا على التكسب، فقول المؤلف: (تُسَن) بهذين الشرطين: أن يكون العبد أمينًا قادرًا على التكسب، فإن لم يكن أمينًا؛ بأن كان يخشى من عتقه أن يذهب إلى الكفار ويكون معهم على المسلمين، أو خُشِيَ أنه إذا عتق سعى في الأرض فسادًا فهنا لا تسن الكتابة؛ كذا يا أخ؟ ماذا قلت أنا؟
طالب: إذا كان العبد يُخْشَى فساده أو ذهابه للكفار لا يسن عتقه أو مكاتبته.
الشيخ: لا تُسَن مكاتبته، صحيح؟ نعم؛ لأنه ليس بأمين، ولأن العتق هنا يفضي إلى شر، ودرء المفاسد أولى من جلب المصالح، العتق لا شك أنه مصلحة، لكن المفسدة التي تترتب عليه يجب درؤها.
الثاني: قدرته على التكسب، فإن كان عاجزًا عن التكسب كما لو كان زمِنًا؛ يعني: لا يستطيع أن يكتسب ولا يسعى، فهنا لا تُسَن الكتابة.
دليل هذا قول الله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]، قال المفسرون: أي صلاحًا في دينهم وكسبًا.
[ ١ / ٥٧٨٨ ]
فإن لم نعلم خيرًا يقول المؤلف: (وتكره مع عدمه) مع عدم الخير؛ يعني: تُكْرَه إذا كان يُخْشَى منه الشر والفساد، أو إذا لم يكن ذا كسبٍ؛ لأنه إذا أعتق وليس ذا كسب صار كلًّا على نفسه وعلى غيره.
ونرجع إلى قول المؤلف: (تُسَن) فإن هذه المسألة فيها خلاف، إذا علم السيد في عبده خيرًا وطلب منه العبد الكتابة، فالمؤلف يرى أن إجابته سنة، وتعليل ذلك أن الله أمر به فقال: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: ٣٣]، وتعليل كون الأمر للندب لا للوجوب أن العبد ملك للسيد، ولا يُجْبَر الإنسان على إزالة ملكه إلا إذا تعلق به حق الآدمي.
وقال بعض العلماء -ومنهم الظاهرية-: إن الكتابة تجب إذا طلبها العبد بهذا الشرط ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]، قالوا: لأن الأصل في الأمر الوجوب، ولأن في هذا تكثيرًا للأحرار، والشارع له تشوف إلى الحرية حتى إنه يعتق بالتمثيل، ويعتق بالسراية.
وأما الجواب عن قولهم: إن الإنسان لا يُجْبَر على إزالة ملكه إلا إذا كان لآدمي، فيقال: بل قد يُجْبَر ولو لغير آدمي؛ كما في الزكاة يجب أن يخرجها الإنسان من ملكه بأمر الله ﷿، وهذا القول قوي جدًّا؛ أي: وجوب إجابة العبد إلى الكتابة إذا طلبها بشرط أن نعلم فيه خيرًا.
ثم قال: (ويجوز بيع المكاتب، ومشتريه يقوم مقام مكاتبه) يعني: لو أن الرجل كاتب عبده وأراد أن يبيعه هل يجوز؟
الجواب: نعم، يجوز، ودليل ذلك حديث عائشة في قصة بريرة: أن عائشة اشترتها من أهلها، فأجازها النبي ﷺ وأقرها على ذلك، بل أذن لها باللفظ قال: «خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ» (٨)، فبيع المكاتب يجوز.
ولكن هل يملك السيد الثاني أن يبطل كتابته؟
[ ١ / ٥٧٨٩ ]
الجواب: لا؛ لأن سبب العتق قد انعقد، فلا يملك المشتري إبطال الكتابة، لكن العبد يبقى على كتابته، فيقوم مشتريه مقام مكاتبه الأول، ويبقى العبد عند المشتري بصفة مكاتب، لكن لو أن العبد رغب أن يبقى عبدًا عند المشتري؛ يعني: أن المشتري رجل طيب ينتفع به العبد، فرغب أن يكون عند المشتري عبدًا، ماذا يعمل؟
طالب: لا بأس.
الشيخ: لا بأس، لكن كيف يعمل؟
قال العلماء: يمكن ألَّا يؤدي النجوم التي عليه، ما يؤدي القيمة التي اتفق عليها مع سيده الأول، وإذا عجز عاد قنًّا، كما قال المؤلف، نقول: ترغب السيد الثاني؟ قال: إي، واللهِ ما أحب أن أفارقه، أحب أن أكون عنده؛ رجل طيب وحبيب ومكرم، قلنا: لا تعطيه فلوسًا قول: ما عندي شيء، لا تعمل، وإذا عجزت عدتَ قنًّا.
يقول: (فإن أدى عَتَقَ) جبرًا على الثاني ولَّا اختيارًا؟ جبرًا على الثاني؛ لأن الثاني لا يملك فسخ الكتابة، كما أن الأول كذلك لا يملك فسخها؛ لأن الكتابة عقد جائزٌ من جهة العبد لازمٌ من جهة السيد.
(فإن أدى عَتَقَ، وولاؤه له) لمن؟ ولاؤه للمشتري.
إن اشترط السيد الأول أن يكون الولاء له لا للمشتري، يصح؟
طالب: لا يا شيخ.
الشيخ: ليش؟
الطالب: إلا إذا قال هو المشتري نفسه، فالولاء يكون للذي اشتراه؛ يعني لحديث عائشة.
الشيخ: هذا زيدٌ كاتب عبدَه مبروكًا، له عبد اسمه مبروك فكاتبه، ثم باعه على عمرو، فقال زيد لعمرو: عند بيع مبروك عليه قال له: إن ولاءه لي، فقال: أهلًا وسهلًا، الولاء لك، يجوز؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: لماذا؟ ما هو بالحق له؟ الحق للمشتري الثاني، فإذا رضي بالتنازل للأول أيش المانع؟
الطالب: إذا كان رضي هو؟
الشيخ: إي، رَضِيَ.
الطالب: ما فيه بأس.
الشيخ: ما فيه بأس.
الطالب: إذا مجرد أنه اشترط عليه أن ولايته ..
الشيخ: اشترط إذا عَيَّن ما يحتاج، لكن إذا رضي.
[ ١ / ٥٧٩٠ ]
الطالب: لا، حتى إذا رضي ما دام أنه اشترى؛ لأن الحديث بريرة عائشة اشترطت أنها إذا دفعت الفلوس أن بريرة تكون من ولايتها، والنبي ﷺ يقول: الولاء ().
الشيخ: يعني: للسيد الأول.
الطالب: المالك إذا دفع لهذا المشتري فإنها تكون من تحت ولايته.
الشيخ: نضرب -مثلًا- بهدايةِ الله وبك: بعت على هداية الله عبدًا اسمه مبروك، اشتراه هدايةُ الله، فاشترطَت أنت أن الولاء لك لا لهدايةَ ورضي، ما فيه بأس. يجوز؟
الطالب: لا يجوز شيخ.
الشيخ: لماذا يا أخي؟
الطالب: لأن هؤلاء من أهل بريرة اشترطوا أن ().
الشيخ: تنزل نفسك منزلة من؟
الطالب: أنا نزلت مكان الذين كانوا أولًا.
الشيخ: أهل بريرةَ، وهدايةُ الله؟
الطالب: عائشة، مثلًا.
الشيخ: ويش تقولون؟ صح يا جماعة؛ يعني: لو رضي؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، ولو رضي؟
طلبة: ولو رضي.
الشيخ: ولو رضي، طيب. الدليل أن بريرة جاءت تستعين عائشة ﵂ في كتابتها، فقالت: إن أحب أهلك أن أعد لهم ما اتفقتم عليه تسع أواقٍ فعلت، ويكون ولاؤك لي، فذهبت بريرة إلى أهلها وقالت لهم، قالوا: لا، إلا أن يكون الولاء لنا، فجاءت بريرة فأخبرت عائشة والنبي ﵊ عندها، فقال لها: «خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ؛ فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (٨). قال: «اشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ»، خلي الولاء لهم، «فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» يعني: أنهم وإن اشترطوا أن الولاء لهم فإنه لا يصح الشرط، الولاء لمن أعتق. إذن يكون ولاؤه للثاني للمشتري لا للأول؛ ولهذا يقول: (وولاؤه له).
قال: (وإن عجز) هذا مقابل قوله: (فإن أدى) (عاد قنًّا) و(عاد) يعني: رجع، (قنًّا) أي: عبدًا.
حكم الكتابة سُنَّة بشرطين؛ هما: الأمانة، والقدرة على التكسب.
[ ١ / ٥٧٩١ ]
وقيل: في هذه الحال تكون واجبة، بيع المكاتب جائز، ومشتريه يقوم مقامه، ولاؤه للمشتري الثاني الذي عتق في ملكه، إن عجز عن الأداء عاد قنًّا، سواء بعد الشراء أو قبل الشراء، والله أعلم.
طالب: العلة أنها للأول أو المشتري الثاني؟
الشيخ: للمشتري ملكه.
الطالب: هو لا يستطيع، ما أوفى الأول يعود له؟
الشيخ: الأول رفض قيمته ().
الطالب: الشرط هنا يعود على من؟
الشيخ: على الثاني، يوفي البقية للثاني.
الطالب: إذا كان -يا شيخ- رجل أعتق عبدًا أو رجل أوصى بعبده أنه إذا توفي يعتق فكان ..
الشيخ: أعتقه؟
الطالب: أعتق قال: إذا مت ..
الشيخ: دبَّره يعني؟
الطالب: إي نعم، فبعد أن توفي كانت قيمة العبد عشرة آلاف، وكان عنده بس خمسة آلاف وعليه ديون قيمتها، يعتق نصف العبد؟
الشيخ: الديون كم قيمتها؟
الطالب: الديون عشرة آلاف هل يعتق نصف العبد؟
الشيخ: عنده الآن خمسة () أو لا؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: قيمة العبد عشرة، ودراهم نقد خمسة، وعليه عشرة آلاف طبعًا يقدم الدين.
الطالب: يعتق نصف العبد؟
الشيخ: لا، يُقَدَّم الدين، إذا قدمنا الدين عشرة آلاف ويش يبقى؟ خمسة آلاف، ما يعتق من العبد إلا ما يقابل ثلث الخمسة.
الطالب: طيب -يا شيخ- الآن ما ذكرت مثل الأول، قلنا: لو عتق العبد جزء منه، كيف يكون هذا؟
الشيخ: قلنا: يؤخذ بالسراية، يسري عتقه على الورثة ويستسعى.
طالب: ذكرنا في الدرس الماضي () وعتق العاتق جزءًا منه () بالسراية ..
الشيخ: لجميع العبد.
الطالب: لجميع العبد، فإن كان فقيرًا فيه قولان للعلماء؛ يعني -مثلًا- يعتق، وبعضهم قال: يمشي بالسراية، وبعضهم قال: لا يمشي بالسراية، لكن يقول للعبد: اعمل حتى () شركائه () في هذه الحال () إذا وصى جاء الشركاء () قول العلماء الذي قالوا: اعمل، ويعطي حق الورثة؟
الشيخ: إلَّا يعمل، ويعطي للورثة نصيبهم.
الطالب: ما ذكرنا هذا يا شيخ.
الشيخ: ما ذكرناه؟ ! ما قلنا: يستسعى؟ !
[ ١ / ٥٧٩٢ ]
طالب: نعم، قلنا.
الشيخ: معنى يستسعى؛ يعني: يعمل.
الطالب: اليوم ما ..
الشيخ: اليوم.
طالب: يا شيخ، العبد لو أعتق على الورثة يكون ولاؤه لمن؟ أعتق السدس منه يقولون: استسعى ولاؤه لمن؛ يعني: يتجزأ ولاؤه؟
الشيخ: ولاؤه لمن عتقه في ملكه، هو عتق في ملك الورثة.
الطالب: يعني كل واحد له جزء في الولاية؟
الشيخ: نعم إي، لو مات -مثلًا- هذا الرجل عن أسياده ورثوه بحسب ملكهم.
الطالب: بس -يا شيخ- الولاء ما يكون إلا في الميراث فقط؛ يعني: إذا طلبوه بشيء ما يجب عليه ..
الشيخ: الولاء في كل عتق، كل من عتق العبد على ملكه فولاؤه له.
الطالب: طيب الولاء بس ما يكون إلا في العتق فقط؟
الشيخ: الولاء ما فيه إلا في العتق.
الطالب: يعني المثال: لو معتق وجاء أحد أوليائه يقول مثلًا: افعل لي كذا ..
الشيخ: ويش لون افعل لي؟
الطالب: يعني يسأله شيئًا أو يستقرضه -مثلًا- مالًا، أو يستخدمه في شيء وكذا، ما يجب عليه إلا في حدود العتق فقط.
الشيخ: ما أنا فاهم.
الطالب: يا شيخ، الآن العبد أعتقه سيده.
الشيخ: طيب. صار حرًّا.
الطالب: إي، صار حرًّا.
الشيخ: الآن السيد ما يملك عليه شيء أبدًا.
الطالب: إلا بس العتق.
الشيخ: الإرث، وكذلك ولاية النكاح -مثلًا- إذا كانت امرأة، الولاء معروف يثبت بولاء العتق ما يثبت بولاء النسب ونحوها.
***