[ ١ / ٥٣٩٧ ]
وهي مالٌ أو مُخْتَصٌّ ضَلَّ عن ربِّه وتَتَبَّعَه هِمَّةُ أوساطِ الناسِ، فأَمَّا الرغيفُ والسَّوْطُ ونحوُهما فيُمْلَكُ بلا تَعريفٍ، وما امْتَنَعَ من سَبُعٍ صغيرٍ كثَورٍ وجَمَلٍ ونحوِهما حَرُمَ أَخْذُه، وله التقاطُ غيرِ ذلك من حيوانٍ وغيرِه إن أَمِنَ نفسَه على ذلك، وإلا فهو كغَاصبٍ، ويُعَرِّفُ الجميعَ في مَجامِعِ الناسِ - غيرَ المساجدِ – حَوْلًا ويَمْلِكُه بعدَه حُكْمًا، لكن لا يَتَصَرَّفُ فيها قبلَ مَعرِفَةِ صِفاتِها، فمَتَى جاءَ طالبُها فوَصَفَها لَزِمَ دَفْعُها إليه، والسفيهُ والصبِيُّ
يُعَرِّفُ لُقَطَتَهما وَلِيُّهما،
[باب الجعالة]
والفقهاء ربما يعللون تعليلًا آخر فيقولون: لأنه غارم؛ فهو إذا قال: إنه عشرة؛ الجعل، وقال العامل: عشرون. من الذي سيغرم العشرين؟ الجاعل والغارم لا يُقْبَل دعوى مَنْ غرَّمه إلا ببينة.
ثم قال المؤلف: (ومَنْ ردَّ لُقَطَةً، أو ضالَّة، أو عمل لغيره عملًا بغير جُعْلٍ لم يستحق عوضًا، إلَّا دينارًا أو اثني عشر درهمًا عن رد الآبق ويرجع بنفقته أيضًا)
يقول: (من ردَّ لقطة أو ضالة فلا عِوَضَ له).
الفرق بين اللقطة والضالة أن الضالة في الحيوان واللقطة في غيره، ويشتركان في أن كل واحد منهما ضائع ضال عن ربه، فالدراهم نسميها لقطة، والبعير ضالٌّ.
فهذا رجل رد لقطة؛ يعني: وجد لقطة وردها إلى صاحبها، دراهم، يعني وجد دراهم وردها إلى صاحبها، فلا عوض له، ليس له عوض إلا إذا كان صاحبها قد قال الأول: من رد لقطتي فله كذا.
ضالة وجد شاة فأخذها وردها على صاحبها فليس له عوض إلا إذا كان صاحبها قد أخرج العوض وقال: مَنْ رَدَّ شاتي فله كذا وكذا.
(أو عمل لغيره عملًا) وجد شخص جدار إنسان مائلًا فأقامه؛ فهل له أجر؟
ليس له أجر؛ لأن صاحبه لم يعقد معه أجرة، فلا يستحق العوض على ذلك إلا في مسألة واحدة ذكرها المؤلف، وسنزيد عليها مسألتين أخريين:
[ ١ / ٥٣٩٨ ]
المسألة الأولى؛ قال: (إلا دينارًا أو اثني عشر درهمًا عنْ رد الآبِقِ)
الدينار الوحدة من النقود الذهبية، والدرهم الوحدة من النقود الفضية، فإذا رد الإنسان آبقًا –يعني: عبدًا آبقًا- ردَّه إلى صاحبه، وإن لم يجعل عوضًا على ردِّه فله دينار أو اثنى عشر درهما؛ لأنه رُوِيَ في ذلك حديث عن رسول الله ﷺ (١) وآثار عن الصحابة (٢)، ولأن الآبق ليس كغيره؛ لأن الآبق آدميٌّ محترم، ورده من إباقه فيه مصلحة للسيد ومصلحة للعبد؛ لأن العبد ربما إذا أبق ذهب وشرد إلى دار الكفر وضاع دينه كما ضاع هو عن سيده، بخلاف الشاة وشبهها، فلهذا أوجب الشارع لمن ردَّه إما دينارًا وإما اثني عشر درهمًا هذه واحدة.
المسألة الثانية: قال العلماء: إذا أنقذ مال غيره من هلكة، فإن له أجر المثل؛ مثاله: رأى مال غيره يسقط في الماء، أو شاته أو بعيره يسقط في الماء، فأنقذها من الماء؛ فله أجر المثل.
شبَّ حريق في بيته فاستخرج أمتعته فله أيش؟ أجر المثل؛ لأن هذا مما تدعو الضرورة إليه، بخلاف ما ليس ضرورة إليه؛ فإن هذا باختيار الإنسان، فلو قال صاحبه: أنا لا أعطيك أجر المثل، ليش الثلث؟ مين قالك الثلث؟ خلي النار تحرقه.
نقول: هذا سفه، وكل إنسان يفرح إذا وجد مَنْ ينقذ ماله من الهلكة.
المسألة الثالثة: إذا كان الإنسان قد أعد نفسه للعمل فجاء شخص فأعطاه الثوب، قال: خذ الثوب هذا، خِطْه لي ثوبًا. أعطاه الثوب، وخاطه له، فجاء من الغد صاحب الثوب، وقال: أعطني ثوبي. قال: لا بأس، لكن أعطني أجر الخياطة. قال: ما أعطيك أجر الخياطة، أنا ما قلت لك: خطه ولا عقدت معك، فهل له شيء؟ نعم له؛ لأن الرجل هذا قد أعدَّ نفسه للأجر والعوض.
[ ١ / ٥٣٩٩ ]
وكذلك لو جاء شخص إلى غسَّال الثياب، وقال: خذ ثوبي هذا اغسله، فلما جاء من الغد جاء يأخذ ثوبه، أعطاه الغسال الثوب، قال: جزاك الله خيرًا، وطهرك من الذنوب. وانصرَف، فقال الغسال: أعطني أجري. قال: ما اتفقت معك على شيء، أنا قلت: اغسله، والآن جزاك الله خيرًا. ويش نقول؟ نقول: لا بد أن يعطيه عوضًا؛ لأن هذا قد أعد نفسه لذلك.
أما لو أعطى شخصًا عاديًّا غيرَ مُعِد نفسه لذلك، قال: خذ هذا الثوب اغسله، فأخذه وغسله فلما صار في الصباح وجاء يطلبه، قال: أعطني أجر الغسل. فهل يستحق شيئًا؟ لا؛ لأن هذا الرجل الذي غسل لم يُعِدَّ نفسه للغسل بعوض، يكون هذا له الأجر؛ أجر الآخرة، أما أجر الدنيا فيقول صاحب الثوب: أنت لم تُعِدَّ نفسك لهذا يا أخي، أنا أعطيتك على أنك محسن، ما على أنك غسَّال؛ فصار الذي يستحق عوضًا بلا عقد في ثلاثة أشياء:
الأول: في رد الآبق.
والثاني: في إنقاذ المال من الهلكة.
والثالث: مَنْ أَعَدَّ نفسَه لعمل فأعطيته ليعمل لك، فإنه يجب عليك العوض وإن لم تتفق معه على عوض، كل هذا إذا قال قائل: لماذا قلنا؟
أما الأول فقد وردت فيه أحاديث وآثار، وأما الثاني فلأن هذا مقتضى الحال لو تصورنا أن صاحب المال الذي وقع في الهلكة عندك الآن لاستغاث بك، أليس كذلك؟ فمقتضى الحال أن تستحقَّ عوضًا؛ لأن صاحبه بلا شك يطلب منك أن تنقذه، وأما الثالث فلأن العامل قد أعدَّ نفسه للعمل، والعادة جارية بأن هذا العامل يعمل للناس بأجرة لا مجانًا.
بقي مسألة رابعة: لو أن شخصًا عمل ما فيه مصلحة لمال الشخص وطلب العوض على ذلك، فهل يلزمه العوض يلزم صاحب المال؟
[ ١ / ٥٤٠٠ ]
لا؛ لأن صاحب المال يقول: أنا ما أمرتك لا باللفظ ولا بالقرينة، ليش يمكن نأخذ منها عوضًا، نفس صاحب المال يقول: لماذا تتصرف في مالي؟ أنا كريتك على هذا، مثال ذلك: إنسان رأى هذه السيارة واقفة عند الباب وفيها وسخ، وذهب وجاب منشفة وصابون ونظف السيارة كأنها جديدة، الآن فلما جاء صاحب السيارة، قال: يلَّا أعطني عشرة ريالات، يلزمه ولا ما يلزمه؟
طلبة: ما يلزمه.
الشيخ: ليش؟
طالب: لأنه ما أمره.
الشيخ: لأنه لم يأمره، لكن لو حصل من السيارة خلل؛ ابتداء حريق، فعالجها حتى أطفأها، ثم جاء يطلب الأجر، هذا يقال: إنه هلكة، له ذلك؛ لأن هذا وإن لم يقل صاحبها بلسان المقال: أنقذْها، فقد قاله بلسان الحال.
أما مسألة التنظيف والتغسيل فهذا لم يقله لا بلسان الحال ولا بلسان المقال، وكثير من الناس إلى الآن إذا اشتروا سيارات جُدُدًا وعليها غبارها قال: خلها تبقى مغبرة؛ لأجل يدرون الناس أنها جديدة، ثم يفك الأمبير حق العداد، وإذا شاف الواحد يقول: ما مشت إلا عشر كيلوات أو نحو ذلك مما فيه تجربة ويَغُشُّ الناس بهذا الشيء، نسأل الله العافية.
على كل حال أهم شيء إنَّ عندنا هذه المسألة؛ وهي أن مَنْ عمل لغيره عملًا إلى جُعْلٍ لم يستحق عوضًا إلا ما ذكره المؤلف والمسألتين اللتين أشرنا إليهما.
قال المؤلف: (ويرجع بنفقته أيضًا) (يرجع) من؟ رادُّ الآبق (بنفقته أيضًا) وإنما يرجع بنفقته؛ لأن الآبق في ضرورة إلى النفقة مثل الأكل والشرب والكسوة والإيواء، كل هذا له أن يرجع بعوضه؛ لأن هذا من الأمور الضرورية لهذا الآبق، فله أن يرجع فيه.
فإن نوى التبرع بهذا كله؛ برد الآبق والنفقة، ثم بعد ذلك نُدِّم، وقيل له: كيف تنوي التبرع وقد خسرت عليه كذا وكذا وتعبت فيه؟ فأراد الرجوع ..
طلبة: له أن يرجع.
الشيخ: لا، ليس له أن يرجع؛ لأنه حال فعْلِه فَعَلَه لا على سبيل التعويض، انتبه!
[ ١ / ٥٤٠١ ]
فيه مسألة أخرى؛ هو نوى الرجوع في الرد والنفقة، ولكن في أثناء الحال نوى أنه يُبْرِئ صاحب العبد؛ يعني: نوى بقلبه أنه أبرأه، ثم بعدئذٍ نُدِّم أو هو نفسه تَنَدَّم وأراد الرجوع فهل يرجع أو لا؟
له أن يرجع؛ لأنه حين فِعْلِه للفعل كان ناويًا الرجوع والتعويض لكن فيما بعد نوى أن يبرئه ولم يبرئه، والإنسان إذا نوى الشيء ولم يفعله فهو بالخيار؛ كما لو عزل الإنسان دراهم ليتصدق بها وقبل أن يتصدق بها عدل عن هذا، يجوز ولا لا؟
يجوز، وكما لو بنى بيتًا في نيته أنه سيوقفه على الفقراء ثم بعد استكمال البيت عدل عن هذه النية يجوز ولا لا؟ نعم، يجوز؛ لأنه لم يتلفظ في الوقف، ولم يشرعه للفقراء، وإنما نوى نية، وكما لو نوى أن يضحي بهذه الشاة ولكن لم يعينها ثم عدل وباعها فليس عليه شيء.
كثيرًا ما يغذي الإنسان الشاة قبل الأضحية بشهرين، ثلاثة، أربعة، على أنه سيضحي بها، ثم بعد ذلك يعدل عنها فلا حرج؛ لأن هذه الأشياء لا تتم إلا بالإمضاء فعلًا، أما قبل أن يمضيها فعلًا، وإنما هي مجرد نية فلا يجب عليه شيء.
طالب: الفرق بين إذا نوى إذا رد ().
الشيخ: الفرق أنه إذا ردَّه بنية أنه متبرع، إذا ردَّ الآبق بنية أنه متبرع فهذا العمل وقع تبرعًا حال فعله، أما المسألة الثانية فقد نوى حال فعل العمل أنه راجع على صاحبه بالعوض فيكون عمله على أنه معوَّض له، ثم بعد ذلك في أثناء الحال نوى الإبراء، ثم عاد وطلب لكن في الأول لم ينو إلزام صاحب العبد بشيء أبدًا.
طالب: النية في قلبه ().
الشيخ: إي في قلبه، لكن هو الآن يعتقد أنه عامل لله محسن، فلا يمكن أن يعود العمل الذي نواه لله أن يكون معوَّضًا عنه، أما الثاني فقد نوى العمل على أنه معوَّض عنه ثم نوى الإبراء ولم يفعله؛ ولهذا نقول: نوى الإبراء، وذاك نقول: نوى التبرع والإحسان. ()
***
[ ١ / ٥٤٠٢ ]
الطالب: ونحوهما حرُم أخذُه، وله التقاطُ غيرِ ذلك من حيوان وغيره، إن أَمِنَ نفسه على ذلك، وإلا فهو كغاصب.
[باب اللقطة]
الشيخ: قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب اللقطة) اللُّقَطة ويقال: اللَّقْطة واللِّقْطة.
هي في اللغة العربية الشيء الملقوط؛ يعني: الذي يلتقطه الإنسان فهي أعم مما قال المؤلف ﵀.
أما في الاصطلاح فقال: (هي مال أو مختص ضل عن ربه) (مال أو مختص) المال هو ما يَصِحُّ تملكه وعُقِدَ البيع عليه، والمختص هو الذي لا يُمْلَك لكن صاحبه أحقُّ به من غيره.
مثال الأول: كالدراهم والدنانير، ومثال الثاني: كلب الصيد والسرجين النجس وجلد الميتة على قول.
هذه لا نسميها مالًا؛ لأنه لا يصح عقد التمليك عليها، لكن نسميها اختصاصًا أو مختصًّا؛ فالمال ما يصح تملكه وأخذ العوض عنه، والمختص ما لا يصح تملكه وأخذ العوض عنه لكن صاحبه أحق به.
مثال الأول: الدراهم، والدنانير، والأقلام، والساعات، والراديو، وغير ذلك كثير.
مثال الثاني: كلب الصيد، والسرجين النجس، جلد الميتة على قول، فهذه لا تُباع ولا تشترى ولكن صاحبها أخصُّ بها؛ فلو وجد إنسان كلب صيد سميناه لقطة ولو وجد دراهم أو دنانير سميناها أيضًا لقطة.
وقوله: (ضلَّ عن ربه) يعني: ضاع عن ربه، وقوله: (ربه) يعني: مالكه؛ لأن الرب يطلق على المالك كما قال النبي ﷺ في ضالة الإبل: «دَعْهَا، مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا» (٣) يعني: مالكها.
وقوله: (ضلَّ عن ربه) خرج به ما لو تركه ربه عمدًا لرغبته عنه؛ يعني: سَيَّبَه فهذا ليس بلقطة، بل هو لمن وجده وتسييب المال كثير ولا بأس به؛ فقد أراد جابر بن عبد الله ﵄ أن يُسَيِّبَ جمله، حتى لحقه النبي ﵊ وضرب الجمل ودعا له حتى نشط الجمل وصار يمشي مع الناس بل يتقدم الناس (٤).
[ ١ / ٥٤٠٣ ]
فإذا كان عند الإنسان شيء؛ مال من حيوان أو غيره قد زالت رغبته عنه فأراد أن يطرحه ويلقيه فلا حرج عليه، ومن وجده وهو يعلم أن صاحبه تركه رغبة عنه فهو له ولا يُسَمَّى لقطة.
ومن هذا الباب ما يكون من المخلفات من بعض الشركات؛ بعض الشركات مثلًا تنفذ مشروعًا وليكن طريقًا؛ تنفذ طريقًا، ويبقى شيء من أدواتها قد تركته رغبةً عنه لا تريده؛ كمواد بناء، وأخشاب، مسامير، وما أشبه ذلك، نعلم أنها تركته رغبة عنه، فوجده إنسان فهل يكون لقطة؟
لا بل هو لواجده.
ومثل ذلك فيما يظهر ما يكون من السيارات التي حصلت عليها حوادث وتركها أصحابها رغبة عنها؛ فإنها لا تكون من اللقطة، بل تكون لواجدها إلا أن يكون هناك نظام عند الدولة بأن هذه المخلفات تكون للمرور، أعني: مخلفات السيارات فلا يتعرض لها أحد.
قال المؤلف: (وتتبعه هِمَّةُ أوساط الناس) ظاهر كلامه أنه لا بد أن يكون هذا الضال عن ربه مما تتبعه همة أوساط الناس، فإن كان لا تتبعه فليس بلقطة، وفي هذا نظر.
والصواب أن هذا القيد (تتبعه همة أوساط الناس) قيد فيما يجب تعريفه لا في اللقطة، وأن اللقطة تكون حتى في الشيء الذي لا تتبعه همة أوساط الناس فإنه لقطة لكن لا يجب تعريفه.
وقوله: (تَتْبَعُه همَّةُ أوساط الناس) يعني: تتعلَّق به نفوسهم؛ يعني أنه إذا ضاع منه تعلَّقت نفسه به وصار يطلبه.
وقوله: (أوساط الناس) أوساط الناس مالًا أو أوساط الناس خلقًا؟
الظاهر الثاني، ومعنى قولنا: الظاهر الثاني يعني: أوساط الناس خلقًا؛ لئلا يدخل البخيل ولا يخرج الكريم، فإن بعض الناس عندهم كرم لو ضاع منهم الشيء الكثير لم يهتموا به، وبعض الناس عندهم بخل شديد لو ضاع منهم الشيء اليسير ذهبوا يطلبونه، ألم تسمعوا قول الشاعر:
بَلِيتُ بِلَى الأَطْلَالِ إِنْ لَمْ أَقِفْ بِهَا
وُقُوفَ شَحِيحٍ ضَاعَ فِي التُّربِ خَاتَمُه
[ ١ / ٥٤٠٤ ]
الشحيح الذي يضيع خاتمه في التُّرب يبقي يحرث من أول النهار إلى آخره لعله يجد هذا الخاتم، وإذا حرث جانبًا قال: لعله في الجانب الثاني، إذا حرث من الجانب الثاني قال: لعله في الوسط، إذا حرث في الوسط قال: لعله في قاع المكان وهكذا.
إذن العبرة بأوساط الناس خلقًا؛ يعني: ليس كريمًا لا يهتم بشيء، ولا بخيلًا يهتم بكل شيء، ولا شك أيضًا أن أوساط الناس من حيث المال أيضًا معتبر، فإن الفقير إذا ضاع منه الشيء اليسير تعلَّقت نفسه به، والغني لا تتعلق به نفسه في الغالب.
المهم هل قولنا: (وتتبعه همَّةُ أوساط الناس) من تمام تعريف اللقطة أو لا؟
نقول: أما ظاهر كلام المؤلف فنعم؛ لأنه قال: (مال أو مختص ضلَّ عن ربِّه وتتبعه همة أوساط الناس)، وأما على القول الراجح فلا؛ لأن هذا قيد فيما يجب تعريفه لا في حقيقة اللقطة.
قال: (فأما الرَّغيف والسوط ونحوهما فيُمْلَك بلا تعريفٍ) (الرغيف) يعني: الخبزة، (السوط) يعني: العصا، (ونحوهما) كالحبل والقلم الرخيص وما أشبهها فإنه يملك بلا تعريف، من الذي يملكه؟
يملكه واجده ولا حاجة أن يعرف؛ يقول: من ضاع له القلم؟ من ضاعت له خبزة؟ من ضاع له سوط؟ لأن هذا شيء زهيد إذا ضاع من الإنسان لا يذهب يطلبه.
يشترط في هذا ألا يكون عالمًا بصاحبه، فإن كان عالمًا بصاحبه وجب عليه إعلامه؛ مثل أن أجد قلمًا لا يساوي درهمًا، لكني أعرف أنه لفلان، فهنا لا يحل لي أن آخذه، ولكن يجب عليَّ إعلام صاحبه أو إيصاله إليه، أيهما الواجب؟
الواجب الإعلام، أما الإيصال ما يجب عليه، قد يقول مثلًا: قد أكون أنا حفظته في بيتي ووجدت صاحبه في المسجد بعيدًا عن البيت، فهل يجب عليَّ أن أرجع إلى البيت لآتي به إليه؟ لا يجب عليَّ، يجب عليَّ إعلامه به، ثم آتي به متى تيسَّر، أو أقول: اتبعني وأعطيك إياه.
[ ١ / ٥٤٠٥ ]
على كل حال يشترط في هذا القسم الذي ذكره المؤلف ألا يعلم بصاحبه، فإن عَلِمَ بصاحبه وجب عليه إعلامه به؛ لأنه يعلم مالكه، فكيف يحل له مال غيره وهو يعلمه؟
الحذاء؛ من هذا النوع، أو تتبعه همة أوساط الناس؟
الحذاء يختلف؛ فيه حذاء رخيص جدًّا، وفيه حذاء غالٍ رفيعُ الثمن، لكن صاحبه قد أهلكه باستعماله؛ حتى إن خاتم الحذاء قد انقطع، والوطئة قد تخرقت، لو كان جديدًا يساوي خمسين درهمًا لكن الآن ويش يساوي؟ ولا شيء، يعني: يمكن اللي يجده، يمكن ما يلبسه، لكن صاحب الحذاء من أجل أنه يريد أن يستمتع به يستمتع به.
فالحذاء إذن لا يصح أن نقول: إنه من هذا الباب على الإطلاق، بل يُنْظَر فيه؛ هل هو من النوع الرخيص أو من الغالي، وهل إذا كان من الغالي قد أُتِلَف من الاستعمال أم لم يتلف.
قال: (فيُمْلَك بلا تعريف)، ثم قال: (وما امتنع مِنْ سَبُعٍ صَغيرٍ كَثَوْرٍ وجمل ونحوهما حَرُمَ أخذُه)
هذا القسم الثاني؛ (ما امتنع) (حرم) هل نجعل (ما) هنا موصولة أو نجعلها شرطية؟ يجوز الوجهان؛ يجوز أن يكون التقدير: والذي امتنع حَرُم أخذه، ويجوز أن نقول: وإن امتنع من سبع صغير حرم أخذه؛ يعني معناه أن نجعل (ما) بمعنى (إن) شرطية، والمعنى واحد، فالشيء الذي يمتنع من صغار السباع لا يجوز أخذه، يحرم؛ الدليل أن النبي ﷺ سُئِلَ عن ضالة الإبل فقال: «دَعْهَا، مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا» (٣) فقال: «دَعْهَا» فأمر بتركها، والأمر للوجوب وقد غضب الرسول ﵊ من ذلك؛ ممن سأله عن ضالة الإبل غضب لئلا يتجرأ أحد على أخذها.
وقوله: (من سَبْعٍ صغير) احترازًا من السبع الكبير؛ لأن السبع الكبير قلَّ أن يمتنع منه حيوان، لكن السبع الصغير مثل الذئب والضبع وما أشبههم كالكلب العقور مثلًا.
وقول المؤلف: (كَثَوْرٍ) مثال للسبع ولا للممتنع؟
[ ١ / ٥٤٠٦ ]
طالب: للممتنع.
الشيخ: للممتنع؛ الثور يمتنع من صغار السباع؛ يعني: لو جاء الذئب إلى الثور ما يقدر يأكله، ينطحه الثور حتى يشق بطنه، الجمل كذلك لا يمكن أن يأكله السبع الصغير ينطحه برجله حتى يهلكه، فهذا الذي يمتنع من السبع الصغير يحرم أخذه؛ والدليل كما سمعتم.
وقوله (ونحوهما) كالجاموسة مثلًا؛ فإنه يَحْرُم أخذها، وكذلك ما يمتنع من السبع الصغير بعدوه كالظباء، فإنه يمتنع من السبع الصغير بعَدْوِه؛ سرعته، وكذلك ما يمتنع من السبع الصغير بطيرانه مثل الحمام، فإذا وجدت حمامة حَرُم عليك أخذها، دعها؛ لأنها تأكل الحب وتشرب الماء وترجع إلى صاحبها كما جاء في الحديث: «لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ؛ تَغْدُو خِمَاصًا، وَتَرُوحُ بِطَانًا» (٥)
إذن ما امتنع من السبُع الصغير لكبر جسمه أو لشدة عدوه أو لطيرانه فإنه يَحْرُم أخذه.
يرد علينا ما يورده كثير من الناس بالنسبة للحمامة؛ تأتي حمامة إلى بيته ويطردها، ولكنها تأتي يطردها، وتأتي فماذا يصنع معها؟ أحيانًا تبيض وتفرخ ويحصل منها كميات، فماذا يصنع؟
أقول في هذا: إذا عجز عن طردها فأحسن ما يكون أن يقدِّر ثمنها؛ أن يقدر قيمتها ويتصدق بها لصاحبها، وتكون هذه الحمامة ملكًا له؛ لأنه مشكل إذا قلنا: إنه لا يملكها وفرخت عنده وصار لها نماء كثير، فلمن يكون هذا النماء؟ فنقول: من الأصل إذا عجزتَ عن طردها فقدِّر قيمتها وتصدَّق بها وتكون لك.
إلا أن تكون تعرف مالكها، فإن كنت تعرف مالكها وجب عليك إبلاغه بأنها عندك ثم إن شاء طلبها وإن شاء تركها.
[ ١ / ٥٤٠٧ ]
وإذا قلنا: إن هذا النوع يحرُم التقاطه وأخذه؛ فإنه يَحْرُم ما يفعله بعض الناس الذين يقتنون الحمام، بعض الناس يكون عندهم من الحمام ذَكَرٌ جَذَّابٌ يجذب الحمام، فيشتري هذا الذكر من أجل أن يجذب الحمام إليه تجده يمكن في أسبوع يحصل له عشرين أو ثلاثين حمامة، جاء بها هذا الذكر؛ فهل يجوز أن يقتنى مثل هذا الذكر؟
الجواب: أما إذا اقتناه قصدًا من أجل أن يجذب حمام الناس إليه فهذا حرام لا إشكال فيه، ولكن يبقى النظر إذا كان لم يقتنه قصدًا إلا أن الواقع صار كذلك.
فهل نقول: اذبح هذا الذكر لئلا تجذب حمام الناس أو يقول: والله أنا ما أذبحه.
الذي يظهر لي أنه يجب أن يحبسه أو يذبحه؛ لأننا ما دمنا علمنا بأن هذا يجذب الحمام إليه فقد علمنا الضرر الناتج عن هذا المال، وإذا نتج عن مالك إضرار الآخرين وجب عليك كف الضرر ما أمكن.
(حَرُم أخذُه) قال: (وله التقاط غير ذلك من حيوان وغيره، إن أَمِنَ نفسه على ذلك وإلا فهو كغاصب)
قوله: (وله) اللام هنا للإباحة، ولكن هل المراد بالإباحة هنا استواء الطرفين أو أن الالتقاط أرجح أو عدمه أرجح؟
نقول: إن المؤلف أتى باللام الدالة على الإباحة في مقابلة الحكم بالتحريم في قوله: (حَرُم أخذه) فكأنه قال: ولا يحرم أخذ ما سوى ذلك، ولا يلزم من نفي التحريم انتفاء ترجيح أحد الطرفين فنقول: ما عدا ذلك لك التقاطه، ولكن هل الأفضل أن تلتقطه أو أن تدعه؟
في هذا تفصيل؛ إن كنت تخشى ضياع هذا المال لو تركته، وتعلم من نفسك أنك قادر على تعريفه فالأفضل أن تأخذه؛ لأن في هذا حفظًا لمال أخيك، وأنت تعلم من نفسك أنك سالم منه فالأفضل هنا أن تأخذه.
وإن كنت لا تعلم من نفسك القدرة على تعريفه، ولا تخشى عليه من الضياع لاحتمال أن يجده صاحبه، فالسلامة أسلم، اتركه؛ لأنك إذا أخذته سوف تلزم نفسك بالتعريف، والتعريف ربما يَشُقُّ.
[ ١ / ٥٤٠٨ ]
قال المؤلف: (وله التقاط غير ذلك من حيوان وغيره)؛ مثال الحيوان الذي يجوز التقاطه: الشاة؛ الشاة لا تمتنع من صغار السباع، فإذا وجدت شاة فلك أن تأخذها؛ ولهذا لما سئل النبي ﷺ عن ضالة الغنم قال: «هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ» (٣) ولم يمنع النبي ﷺ من أخذها.
ما تقولون في الحمير؟ هل هي من القسم الأول الذي ذكره المؤلف؛ أي هل هي من القسم الذي يحرم أخذه؟ أو من القسم الذي يباح أخذه؟
طالب: ما يمتنع.
طالب آخر: الأهلية ولَّا؟
الشيخ: الأهلية.
طلبة: ما يمتنع.
الشيخ: في هذا خلاف؛ بعض العلماء يقول: إنه يمتنع من صغار السباع، وأنه يحرم أخذه كما يحرم أخذ الجمل والثور، وبعضهم يقول: إنه لا ().
فإن المعروف أن الحمار إذا شم الذئب أو سمع صوته عَقَر ولم تقله رجلاه، بل لم تقله الأرجل الأربعة، كلها خلاص تخر، ويقف للذئب، والذئب يأتي ويأكله هنيئًا مريئًا وبناء على ذلك يَحْرُم أخذُه ولَّا ما يحرم؟
طالب: ما يَحْرُم أخذه.
الشيخ: لا يحرم أخذه، وهذا هو الصحيح، فإذا وجدت حمارًا ضائعًا فلك أن تأخذه كما لو وجدت شاة، ولكن تُعَرِّفُه كما يذكر المؤلف.
طالب: الشاة شجاع.
الشيخ: عجيب!
الطالب: () يوقف على محله، و()
الشيخ: يسوي كده ويبول أيضًا، أنت تقول: الشاة أيش؟
الطالب: شجاع ().
الشيخ: الشاة شجاع ولا أشجع؟
طالب: أشجع.
الشيخ: إي نعم.
طالب: () الطرقات () المهملة ().
الشيخ: اتركها ما يجوز.
طالب: يعني: تُتْرَك ().
الشيخ: إي نعم، أنت ليس لك من الأمر شيء، هذا يرجع إلى الدولة؛ الحكومة، إنما أنت لا يجوز أن تأخذها، يجوز أن تطردها عن الطريق لا بأس.
طالب: ().
الشيخ: هذا بعد شيء يرجع للقضاة.
طالب: مَنْ يطوفون الأسواق؛ عمال النظافة ما يجدون عند الأبواب، هل يطرقون الأبواب ويستأذنون أهلها بالنسبة لهذا ..
[ ١ / ٥٤٠٩ ]
الشيخ: سمعتم سؤاله، يقول: ما يوجد عند الأبواب مما يُلْقَى، هل يلزم عمال النظافة أن يسألوا أهل البيت، هل تريدون هذا أم لا؟
الجواب: لا، لا يلزمهم؛ لأن أهل البيت ما أخرجوه إلا وهم راغبون عنه إلا إذا كان هناك احتمال أن الذي خرج به صبي؛ مثل أن نعرف أن مثل هذا الإناء لا يُلْقَى ولا يُرْمَى، فحينئذ لا بد من السؤال، أو يكون الشيء ثمينًا، يخشى أن أهل البيت ضموه مع الأشياء الأُخَر، ولم يعلموا به كما لو وجدوا حليًّا، فهنا لا بد من إخبار أهل البيت بذلك.
طالب: أحسن الله إليك، صغار الإبل ما تمنع ().
الشيخ: صغار الإبل ما تمنع ()، صحيح فيكون حكمها حكم الشاة.
طالب: بارك الله فيكم، علمنا دليل تحريم أخذ لقطة الجمل لكنه ما امتنع من سبع صغير، كيف يكون الدليل، على أنه يَحْرُم أخذ ما امتنع من سبع؟
الشيخ: قياسًا على الجمل؛ لأن الرسول قال: «مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا؛ تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا» (٣)
طالب: بالنسبة يا شيخ ()، نقول: هل يحرم أخذه؟
الشيخ: نعم.
الطالب: ويش الدليل على هذا؟
الشيخ: لأنه مثل الجمل؛ يحمي نفسه، يرد الماء، ويأكل الشجر حتى يجده ربه؛ يعني: شرط أن يأمن نفسه على ذلك، يعني: يأمن نفسه على تملكه، فإن كان يخشى أن يطمع فيه، ولا يُعَرِّفُه فإنه لا يجوز له أن يلتقطه، وحينئذ نقول: يمكن أن نجعل الحكم في هذا كما يلي:
أولًا: أن يخشى من ضياعه وأن يلتقطه مَنْ يتملكه فالأولى أيش؟
طلبة: أخذه.
الشيخ: الأولى أخذه، فإن قال قائل: لماذا لا توجبون أخذه إذا كان في مكان يخشى أن يأخذه من يأخذه ولا ينشده؟
فالجواب؛ أننا لا نوجب ذلك؛ لأننا لو أخذناه لا نتيقن أن يصل إلى صاحبه فربما ننشده ولا نجد صاحبه، ولهذا لا يجب التقاطه في هذه الحال، ولكن نقول: الأفضل أن تأخذه لأن هذا أقرب إلى رجوعه لصاحبه.
[ ١ / ٥٤١٠ ]
الحال الثانية: أن يَخْشَى الواجد نفسه على هذا الموجود؛ بمعنى أنه يخشى أن يتملكه ولا ينشُده، فهنا يَحْرُم أخذُه، ما هو الأولى تركه، يجب تركُه ويحرم أخذه؛ لأن المؤلف يقول: (وإلَّا) يعني: وإن لم يأمن نفسه على ذلك (فهو كغاصب)، والغصب حرام فيحْرُم عليه أخذه في هذه الحال، ويش بقي عندنا؟
الحال الثالثة: أن يأمن نفسه ولا يخاف على ذلك، فهل السلامة أسلم وأولى أو الأخذ أولى؟
طالب: السلامة أولى.
طالب آخر: الأخذ أولى.
الشيخ: السلامة أولى، يتركه، فكم من إنسان أخذ اللقطة على أنه سيعرِّفها ثم يتهاون أو يأتيه شغل يصده عن تعريفها أو لا يجد ما يعرفها به إلا بثمن باهظ، وما أشبه ذلك فالحاصل أن الأحوال الآن كم؟
ثلاثة: أن يخشى عليها، أن يخشى على نفسه، أن لا يخشى شيئًا. إن خَشِيَ عليها؟
طلبة: أخذها.
الشيخ: أخذها، على سبيل الوجوب أو على سبيل الأفضلية؟
طالب: الأفضلية.
الشيخ: الأفضلية، وبيَّنا لكم وجه امتناع القول بالوجوب، وإلا لقال قائل: يجب أن يحفظ مال أخيه، وبينَّا أنه لا يجب بسبب أنه لا يعلم صاحبه وربما لا يهتدي إليه فلا يجده.
أن يخشى على نفسه فيحرم عليه الأخذ؛ لأنه إن أخذ فهو كالغاصب.
ألا يخشى هذا ولا هذا؛ فله الأخذ، لكن السلامة أولى وأفضل.
يقول المؤلف: (إن أَمِنَ نفسه على ذلك وإلا فهو كغاصب)، ثم قال: (ويُعَرِّف الجميع في مجامع الناس) يعرِّف الجميع؛ أي من القسم الثالث، ما هو؟
طلبة: ()
الشيخ: لا، من القسم الثالث، ما هي بالحال الثالثة؛ القسم الثالث ما سوى الأول والثاني يعني: ما سوى الذي يملكه بدون تعريف، وما سوى الذي يحرم عليه أخذه. (يعرِّف الجميع) كيف قال: الجميع؟
لأنه ذكر حيوانًا وغير حيوان؛ يعني: يعرف الحيوان وغير الحيوان.
أما تعريف غير الحيوان فقد دلت عليه السنة؛ لأن النبي ﷺ قال «اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً» (٣).
[ ١ / ٥٤١١ ]
وأما الحيوان فقد اختلف العلماء في وجوب تعريفه؛ فمنهم من قال بوجوب التعريف كما هو كلام المؤلف حيث قال: (يُعَرِّفِ الْجَمِيعَ)، ومنهم من قال: إنه لا يجب أن يعرفه؛ لأن النبي ﷺ قال: «هِيَ لَكَ» في الشاة يجدها الرجل قال: «هِيَ لَكَ، أَوْ لِأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ»، و(أو) هنا للتخيير فهي لك إن شئت ألا تعرِّفْها، أو لأخيك إن عرَّفْتَها فوجدها، أو للذئب إن شئت ألا تأخذها ولا تعرِّفْها فهي للذئب يأكلها.
ولكن الصحيح ما ذهب إليه المؤلف؛ أنه يجب أن يعرِّف الجميع؛ الحيوان وغير الحيوان ومعنى يعرِّف؛ أي: يطلب مَنْ يعرِّفْها فيقول مثلًا: مَنْ ضاعت له الدراهم؟ من ضاعت له الدنانير؟ من ضاع له الحلي؟ من ضاع له القلم؟
وما أشبه ذلك من الألفاظ المجملة التي تبين النوع دون الوصف؛ فيبين النوع دون الوصف لا يقول مثلًا: مَنْ ضاع له القلم الذي صفته كذا وكذا وكذا، أو مَنْ ضاعت له الساعة التي صفتها كذا وكذا؛ لأنه لو قال: هكذا لادَّعاها كلُّ إنسان لكن يبين النوع دون الوصف.
أنا أقول: يبين النوع، لماذا لم نقل: يبين الجنس؟
لأنه أبلغ في الإبهام؛ لأن الجنس بعيد، قد لا يخطر ببال السامع أن هذا هو الشيء الذي ضاع له، فلا يقول مثلًا: مَنْ ضاع له المتاع؟ ويش السبب؟
لأن المتاع كثير فقد لا يخطر ببال السامع أنه الشيء الذي ضاع له، إذا وجد قلمًا لا يقول: مَنْ ضاع له المتاع؟ ماذا يقول؟
طلبة: القلم.
[ ١ / ٥٤١٢ ]
الشيخ: مَنْ ضاع له القلم؟ لأن هذا أولًا أقرب إلى ذهن السامع، والثاني أنه أريح للواجد؛ لأنه لو قال: من ضاع له المتاع؟ وقد وجد القلم، وكان فيه مئة نفر؛ واحد ضايع له المسجل، واحد ضايع له الراديو، واحد ضايع له الثوب، واحد ضايع له قلم، واحد ضايع له ساعة، كان كل هؤلاء سوف يأتون إليه، وربما يقضون مضجعه كل ساعة من ليله، يطق عليه واحد: سمعت إنك تنشد ضالة، أنا ضايع لي قلم، يقول: ما هو قلم، يروح بعد ما يضع رأسه على الوسادة وإذا بالباب يقرع: سمعت إنك تنشد ضالة. أنا ضايع لي مصحف. والله ما هو بمصحف اللي وجدته. في أمان الله. راح ينام، إذا وضع رأسه على الوسادة جاءه الثالث والرابع، وهلم جرًّا.
لكن إذا قال: قلم. ويش يحدث؟ كل مَنْ ضاع له شيء سوى القلم، فيكون هذا أخصر؛ يعني: مع كونه أقرب إلى تصور السامع فهو أريح لمن؟
طلبة: للواجد.
الشيخ: للواجد.
إذن (يُعَرِّفِ الجميع) ويش معناها؟
طالب: ().
الشيخ: إي، يعرِّف؛ يطلب مَنْ يعرف هذا الشيء الضائع، ويسميه بأيش؟
بالنوع لا بالوصف؛ يعرفه بالنوع لا بالوصف، نقول: بالنوع دون الجنس؛ لأنه أقرب إلى تصور السامع وأريح بالنسبة لمن؟ للواجد
(لا بالوصف) ليش؟ لئلا يدَّعيه مَنْ ليس له، فيأتي ويصفه حسب وصف الواجد، وهو ليس له.
قال: (في مجامع الناس) أي: في الأماكن التي يجتمعون فيها مثل الأسواق.
طالب: ()
الشيخ: لا، يا أخي؛ قال: غير المساجد يا أخي، في الأماكن التي يجتمعون فيها؛ كالأسواق وكحفلات الزواج، وغير ذلك مما يكون مجتمعًا للناس فلا يجزئ إذا عرفها في بيته، مثلًا عزم اثنين ثلاثة دعاهم إلى بيته، وقال: من ضاعت له الساعة؟ مثلًا، هذا ما يكفي، لا بد أن تكون في المجامع.
[ ١ / ٥٤١٣ ]
قال: (غير المساجد) فالمساجد لا يجوز أن تُعَرَّف فيها الضالة؛ لأن النبي ﷺ قال: «إِذَا سَمِعْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا: لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ» (٦) ادعوا عليه بأن الله لا يَرُدَّها عليه، فإن المساجد لم تُبْنَ لهذا؛ المساجد إنما بنيت للصلاة، وقراءة القرءان والذكر وتعليم العلم، وما أشبه ذلك.
لكن، لو عرَّفها عند باب المسجد خارج المسجد، يجوز ولَّا لا؟
يجوز، وعلى هذا فلا بأس من ضَرْبِ إعلان على جدار المسجد مِنَ الخارج؛ يقول: مَنْ ضاع له كذا وكذا؟ حولًا يعني سنة كاملة لقول النبي ﷺ «ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً» (٣).
والمراد الحول الهلالي لا الشمسي، والحول الهلالي ينقص عن الحول الشمسي بنحو عشرة أيام، فمثلًا إذا قلنا: إن الحول الشمسي من أول يوم من الحَمَل -الحمل أحد البروج الاثني عشر- إلى أول يوم منه؛ فإنه يزيد عما إذا قلنا: إن الحول من أول يوم من شهر محرم إلى أول يوم منه؛ لأن الحول الهلالي دون الحول الشمسي، والمعتبر شرعًا هو الحول الهلالي.
هنا بَيَّن المؤلف ﵀ المكان الذي تُعَرَّف فيه الضالة، والزمان وأنه حول كامل؛ ودليله قوله ﷺ «ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةًَ»، ولكن هل يعرَّفها في هذه السنة كل يوم صباحًا ومساء، أو كل يوم مرة، أو كل أسبوع، أو ماذا؟
الجواب على ذلك أن نقول: إن رسول الله ﷺ قال: «عَرِّفْهَا سَنَةً» ونعلم علم اليقين أن الرسول ﷺ لا يريد منك أن تبقى ليلًا ونهارًا تُعَرِّف؛ لا تنام في الليل، ولا تستقر في النهار، ما أراد هذا، فيرجع في ذلك إلى العرف، وقد اجتهد بعض العلماء فقال: يعرِّفُها في الأسبوع الأول كل يوم، ثم كل أسبوع مرة، ثم كل شهر مرة.
الأسبوع الأول كل يوم ثم يعرفها شهرًا في كل أسبوع مرة ثم في كل شهر مرة.
[ ١ / ٥٤١٤ ]
وهذا التقدير اجتهاد من بعض العلماء ليس عليه دليل، ولكن الأولى أن يرجع في ذلك إلى العُرْف، فإن كانت اللقطة في مكان لا ينتابه الناس كثيرًا، فإنه يعرِّفُها حسب ما ينتابه الناس؛ يعني: في مكان محل للذاهب والجائي للمسافر والمقيم، هذا لا بد أن يواصل التعريف كلما اجتمع الناس في هذا المكان؛ لأنه يحتمل أنها ضاعت من المسافر الذي ذهب ولا يرجع إلا بعد أسبوع أو بعد شهر أو بعد سنة ما يعلم.
فالمهم أن المرجع في ذلك إلى العرف وما تقتضيه الحال .. ()
***
الطالب: لكن لا يتصرف فيها قبلَ معرفة صفاتها، فمتى جاء طالبُها فوصفها؛ لزم دفعُها إليه، والسفيه والصبيُّ يُعَرِّفُ لُقَطَتَهما وليُّهما، ومَنْ ترك حيوانا بفَلاة لانقطاعه أو عَجْزِ رَبِّهِ عنه مَلَكَهُ آخذُه، ومَنْ أُخِذَ نعلُهُ أو نحوُه ووجد مَوضِعَهُ غَيْرَهُ فلُقَطَةٌ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ما تقول في رجل وجد قلمًا؛ هل يعرِّفه أو لا يعرِّفه؟
طالب: يعرفه إذا يَعْرِف صاحبه.
الشيخ: ما يَعْرِف صاحبه، لو عرف صاحبه ما احتاج تعريفه.
الطالب: ما يُعَرِّف ..
الشيخ: وجد قلمًا، هل يجب عليه أن يعرِّفه أو لا؟
الطالب: ما يُعَرِّف ..
الشيخ: ما يعرِّف، ولو كان يساوي خمس مئة ريال؟ !
طالب: يعرِّفه إذا يكون معلوم صاحبه، إذا يعرف صاحبه.
الشيخ: هو ما يَعْرِف، لو كان يعرف صاحبه ما احتاج إلى تعريفه.
الطالب: يعرِّفه.
الشيخ: إذا كان يعرف صاحبه ياخد القلم يروح يوديه إياه.
الطالب: يعرِّفُه.
الشيخ: لا، أنت قلت: لا يعرفه قبل قليل، هو أنت؟ !
الطالب: ولو يساوي خمس مئة ريال.
الشيخ: لا يعرفه؟ !
طالب: يعني: يعرفه سنة.
الشيخ: وجد قلمًا يساوي نصف ريال، ما تقول؟
الطالب: يعني: يعرفه بس ما ().
الشيخ: كيف؟ يلَّا يا أخي.
الطالب: يعرِّفه.
[ ١ / ٥٤١٥ ]
الشيخ: أنا أريد أن تقول: يُعَرِّف أو لا يعرف؟ بناء على ما قرأنا.
الطالب: يعرفه.
الشيخ: يعرفه، هو يساوي نصف ريال، وأجرة المعرف عشرين ريالًا.
الطالب: لا ما يعرفه ..
الشيخ: أيش هذا؟ ! كيف؟
الطالب: ضرر، بالنسبة للتعريف.
الشيخ: أنت قلت: لازم يعرفه، الواجب يجب أن يقوم به الإنسان، ولو تكلف دراهم عليه، نقول: يعرفه، ويرجع بالعشرين على صاحب القلم!
الطالب: لا.
الشيخ: كذا، يقول صاحب القلم: لك قلمي ولا أريد شيئًا منك.
الطالب: ما يعرِّف.
الشيخ: الله يهديك، أنا أريد منكم جميعًا أن تبنوا المسائل على ما عرفتم من الأحكام؛ ويش تقول؟
طالب: إن كان القلم مما تتبعه همة أوساط الناس فيعرِّفُه، وإن كان لا تتبعه همة أوساط الناس بحيث أنه رخيص فلا يعرفه.
الشيخ: تمام، إحنا قلنا هكذا؛ قلنا: اللقطة ثلاثة أقسام؛ قسم لا يهتم الناس به يعني: إذا ضاع من الإنسان ما راح يدوره، هذا إذا وجده أحد فهو له ولا يحتاج إلى تعريف إلا إذا كان يعرف صاحبه فيجب عليه أن يبلغه به.
إذن القلم لو سألنا سائل فقال: ما تقولون في رجل وجد قلمًا؛ هل يجب عليه أن يعرفه أو لا؟
نقول: إن كان هذا القلم ثمينًا بحيث تتبعه همة أوساط الناس وَجَبَ عليه أن يعرِّفه، وإن لم يكن ثمينًا لم يجب.
ما تقول: في رجل وجد نعلًا؛ هل يجب عليه أن يعرفه أو لا؟
طالب: نشوف من القسم الأول، أو من القسم الثاني.
الشيخ: أيش تقول؟
الطالب: إذا كان من القسم الأول ..
الشيخ: ويش هو القسم الأول؟
الطالب: الأول هو الشيء البسيط، ما يهتم الناس، لا يعرفه شيئًا، وإذا يعرف مالكه لازم عليه إعلامه، وإذا كان يهتم الناس به يعرِّف الجميع في السوق والمدينة.
الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك، واضح هذا؟
فإذا كان هذا النعل جديدًا يساوي أربعين ريالًا، وكل يساوي مئة ريال، أنا سمعت إن فيه نعالًا تساوي ألف ريال.
طالب: خمسة آلاف.
[ ١ / ٥٤١٦ ]
الشيخ: خمسة آلاف؟ ! خلوه يساوي خمسة آلاف، ولكنه وجد نعلًا عتيقا لا يساوي درهمًا؛ الأول يجب أن يعرفه والثاني لا يجب.
ما تقول: في رجل وجد شاة؟
طالب: إذا كان يعرف صاحبها فالشاة يأخذها فيعرفها.
الشيخ: يعرفها، وهو يعرف صاحبها.
الطالب: لا ما يعرف صاحبها.
الشيخ: إذا كان لا يعرف صاحبها وجب عليه أن يعرِّفها وإن كان؟
طالب: وإن كان لا ..
الشيخ: إذن: نقول يعرفها فقط، ما يحتاج تفصيلًا، إذا وجد شاة وجب عليه تعريفها لأنها من القسم الثاني الذي تتبعه همة أوساط الناس.
***
قال المؤلف ﵀: (ويُعرِّف الجميع في مجامع الناس غير المساجد) المساجد لا يجوز أن يُعَرِّف فيها؛ لأنها لم تُبْنَ لهذا، وسبق الكلام عليها.
قال: (ويملكه بعده حكمًا) يملكه؛ أي: يملك الشيء الملتقَط الذي وجده بعده أي بعد الحول حكمًا أي قهرًا بغير اختياره؛ التملُّك يكون اختياريًّا ويكون حكميًّا أي اضطراريًّا؛ مثال الأول: ما يملك بالبيع والهبة والصدقة وما أشبه ذلك، هذا اختياري ولا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: باختياري أنا؛ إن شئت اشتريت منك هذا الشيء فملكته، وإن شئت لم أشتره، هذا اختياري.
الهبة؛ وهبني رجل شيئًا؛ تَمَلُّكي لهذا الموهوب اختياري، إن شئت قبلت الهبة، وإن شئت رددتها. الصدقة إن شئت قبلتها، وإن شئت رددتها، هذا اختياري.
الاضطراري الحكمي؛ أنه ليس باختياري؛ مثل الميراث، مات إنسان عن ثلاثة أبناء فقال أحد الأبناء: أنا لا أريد الميراث، ماذا نقول له؟ نقول الميراث يلزمك؛ لأنك تملكه حكمًا، فيدخل في ملكك قهرًا وليس لك اختيار فيه.
فإن قال: أنا متنازل عنه لإخواني الاثنين. قلنا: إذا قبله صار هبة منك، وإن لم يقبله فهو ملكك، ما يمكن تنفك عنه.
اللقطة عَرَّفَها سنةً وتمَّت السنة، وقال: أنا ما أبغيها، أنا مغنيني الله عنها، ماذا نقول؟ نقول: دخلت في ملكك قهرًا بغير اختيارك.
[ ١ / ٥٤١٧ ]
ولهذا قال المؤلف: (يملكه بعده حكمًا) أي: بعد الحول، تدخل في مُلْكِه، شاء أم أَبَى، إذا دخلت في ملكه، هل يجوز أن يتصرف فيها أو لا؟
الجواب: يجوز أن يتصرف فيها بالبيع والهبة، والرهن والإيقاف وغير ذلك من أنواع التصرف؛ لأنها دخلت في ملكه.
قبل أن يتم الحول هل يكون مالكًا لها؟
لا؛ لأن الرسول ﷺ قال: ولتكن وديعة عندك قبل أن يتم الحول هي وديعة، أمانة عندك لا يمكن أن تتصرف فيها إلا إذا كان في بقائها ضرر على صاحبها فلك أن تتصرف فيها. صار ما بعد الحول يُتَصَرف فيها، قبل الحول لا يتصرف فيها إلا إذا كان في ذلك ضرر على صاحبها فإنه يتصرف فيها كما لو كانت اللقطة من الأشياء التي لا تبقى، فهنا يتصرف فيها بالبيع ويحفظ الثمن، أو كانت من الأشياء التي تبقى لكن تستنفق أكثر من قيمتها أضعافًا مضاعفة، كما لو وجد شاة، وكان لو أبقاها ينفق عليها أكثر من قيمتها أضعافًا مضاعفة فهنا يبيعها ولَّا لا؟
نعم، يبيعها وإن كان لم يملكها؛ لأن بقاءها ضرر على صاحبها، لو بقيت عنده وهي شاة تساوي ثلاث مئة ريال وكل يوم تأكل منه أربعين ريالًا وهي تساوي ثلاث مئة، اضرب أربعين في ثلاث مئة وستين كم تبلغ؟
طالب: ألف ثلاث مئة وخمسين.
طالب آخر: ألف وثلاث مئة ..
الشيخ: اضرب يا أخي، عندكم الأوراق تخلصهم.
طالب: أربعة عشر ألفًا وأربع مئة.
الشيخ: أربعة عشر ألفًا؟
طالب: وأربع مئة.
الشيخ: هذه الشاة إذا بقيت عنده إن كان مضبوطًا الحساب، ستأكل في السنة الواحدة أربعة عشر ألفًا وكم؟
طالب: أربع مئة.
الشيخ: وأربع مئة، هل من المصلحة أن تبقى؟ فإذا جاء صاحبها عطيته قائمة بأربعة عشر ألفًا وأربع مئة، أقول: هات أربعة عشر ألفًا وأربع مئة وأديك الشاة، الشاة تساوي كم؟ ثلاث مئة ريال أو من المصلحة أن أبيعها وأحفظ الثمن ثلاث مئة ريال؟
[ ١ / ٥٤١٨ ]
الثاني من المصلحة، وفي هذه الحال يجب أن يبيعها إلا إذا كان يرجو أن يجد صاحبها من قرب بعد يوم أو يومين أو ما أشبه ذلك في وقت لا تأكل نفقة كثيرة فلا يبعها، لكن إذا علم أنه لن يجد صاحبها من قُرْب فإنه لا بد أن يبيعها، لو وجد الإنسان عدلًا من قثاء، تعرفون القثاء ولَّا لا؟
طالب: نعم.
طالب: العدل؟
الشيخ: العدل كيس كبير، الكيس الكبير من القثاء، تعرف القثاء يا أخ؟
طالب: لا، ما أعرفه.
الشيخ: ما تعرفه؟ إن شاء الله بعد ما ينتهي الدرس واحد منكم يروح للمبيعة تروح أنت وإياه يوريك إياه. هذا العدل من القثاء لو بقي يومين ثلاثة يَفْسُد ولَّا لا؟
طالب: يَفْسُد.
الشيخ: يفسد، إذن لا أبقيه، أبيعه ما دام طريًّا حتى احتفظ بقيمته، فصار ما بعد الحول إذا تم الحول فللملتقط التصرف فيها تصرفًا كاملًا؛ لأنها ملكه وما قبل الحول لا يتصرف إلا إذا دعت الحاجة إلى تصرفه فهنا يتصرف بما هو أصلح.
يقول: (ويملكه بعده حكمًا لكن لا يتصرف فيها قبل معرفة صفاتها) يعني: إذا أراد أن يتصرف فيها بعد الحول فلا يتصرف حتى يعرف صفاتها؛ يعني: ويقيدها؛ يعرف صفاتها مثلًا؛ إذا كانت متاعًا يعرف نوعه، وقدره، وكيفية صفته، رداءة وجودة، إذا كانت دراهم يعرف نوع الدراهم؛ الدراهم السعودية دراهم كويتية دراهم بحرينية، وما أشبه ذلك، يعرفها ويعرف أيضا العدد لماذا؟ من أجل إذا جاء صاحبها بعد الحول فيكون قد احتفظ بها؛ لأنه لا يمكن أن تعطى اللقطة إلا لمن وصفها، ليس كل إنسان يجيء، يقول: والله، اللقطة لي، أعطني إياها حتى يصفها؛ ولهذا قال: (لكن لا يتصرف فيها قبل معرفة صفاتها، فمتى جاء طالبها فوصفها لزم دفعها إليه) (متى) هذه اسم شرط تفيد الزمان، يعني: ففي أي وقت جاء طالبها فوصفها لزم دفعها إليه حتى بعد الحول؟ حتى بعد الحول ألم نقل قبل قليل: إنه إذا تم الحول ملكها؟
[ ١ / ٥٤١٩ ]
نقول: نعم، يملكها لكنه ملك مقيد في الواقع بماذا؟ فيما إذا جاء صاحبها، فإذا جاء صاحبها ووصفها لزم دفعها إليه، إذن ما الفرق بين ما قبل الحول وبعده؟
الفرق أن ما قبل الحول لا يتصرف فيها إلا إذا اقتضت الحاجة أو الضرورة ذلك وما بعد الحول يتصرف فيها كما شاء.
وقول المؤلف (فوصفها) يدل على أنه لا بد من الوصف، فلو جاء شخص وقال: إن اللقطة لي، ولكن لم يصفها فإنه لا يلزم الدفع إليه فإذا قال صاحبها: أنا نسيت لأنها قد ضاعت مني قبل سنة، ونسيت وصفها، ولكنها بالتأكيد لي فقال الواجد: أنا لا أسلمك إلا بوصف وامتنع من تسليمه فهل يأثم؟
طلبة: لا يأثم.
الشيخ: لا يأثم. لو كان الرجل صدوقًا وامتنع من تسليمه؟
طلبة: لا يأثم.
الشيخ: فكذلك لا يأثم؛ لأن هذا حكم شرعي، فأنا لي الحق أن أمنع من تسليمها إليك إلا إذا وصفتها وصفًا ينطبق على صفاتها.
وقوله: (لزم دفعها إليه)؛ ظاهر كلام المؤلف أنه لا يحتاج إلى بينة؛ يعني: إذا وصفها فإنه لا يُطالَب بالبينة مع احتمال أن يكون غير مالك لها؛ لأنه باعها مثلًا، أنتم معي في هذا؟
يعني يمكن أن تكون اللقطة على الوصف الذي وصفها هذا المدعي، لكن يكون المدعي قد باعها وضاعت من المشتري، هذا الاحتمال وارد ولا غير وارد؟ وارد لا شك، لكن مع هذا لا نطالب الواصف بالبينة؛ لأن الأصل بقاء ملكه لأننا لو قلنا له مثلًا: صحيح أنت وصفتها الآن وانطبقت الأوصاف عليها، لكن ربما أنك قد بعتها فيأتينا واحد ثان يقول: أنا اشتريتها منه، فبماذا يجيبنا؟ يقول: الأصل بقاء ملكي أنا الآن وصفتها ووجب دفعها إليَّ بمقتضى السنة فالأصل بقاء ملكي فتدفع إليه.
قال: (والسفيه والصبي يُعرِّف لُقطتَهما وليُّهما) (وليُّهما) فاعل يعرف، السفيه من؟ هو الذي لا يُحْسِن التصرف ولو كان بالغًا فإنه سفيه ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥] الصبي مَنْ هو؟ مَنْ لم يبلغ.
[ ١ / ٥٤٢٠ ]
فإذا وجد السفيه لُقَطَة وجاء بها إلى وَلِيُّه وقال: وجدت هذا الحلي فالواجب على الولي أن يعرفه لأن السفيه لا يُحْسِن التصرف؛ الصبي أيضًا إذا وجد لقطة فإنه يجب على وليه أن يُعَرِّفها، وهذا يقع كثيرًا في مدارس البنات تجد البنت الصغيرة حُليًّا وتيجي تقول: هذا لها، من الذي يعرِّف هذا الحلي؟
الولي لأنها هي غير مخاطبة ولا تعرف، فيجب على الولي أن يعرِّف هذه اللقطة؛ لأنه هو المتصرف في المال، وهو القائم عليهما فيعرف لقطتهما.
إذا لم يأت أحد لهذه اللقطة حتى تمت السنة فلمن تكون اللقطة أللولي أم للواجد؟
طلبة: للواجد.
الشيخ: تكون للواجد ولو كان سفيهًا أو صغيرًا ثم قال: (ومَنْ ترك حيوانًا بفلاة لانقطاعه أو عَجْزِ ربه عنه مَلَكَهُ آخِذُه).
ومَن أُخِذَ نَعْلُه أو نحوُه ووَجَدَ مَوْضِعَه غيرَه فلُقَطَةٌ.