تَحْرُمُ أبدًا الأمُّ وكلُّ جَدَّةٍ وإن عَلَتْ، والبنتُ وبنتُ الابنِ وبنتاهما من حَلالٍ وحرامٍ وإن سَفَلْنَ، وكلُّ أختٍ وبنتُها وبنتُ بنتِها، وبنتُ كلِّ أخٍ وبنتُها وبنتُ ابنِه وبنتُها وإن سَفَلَتْ، وكلُّ عَمَّةٍ وخالةٍ وإن عَلَتَا، والْمُلاعَنَةُ على الْمُلَاعِنِ،
فيكون هنا قد تولى طرفي العقد، أما بالولاية فيمكن هذا فيما سبق، لو زوَّج الأب ابنه الصغير، وله بنت أخ هو وليها، فهنا يتولى طرفي العقد بالولاية.
[ ١ / ٦١٠٨ ]
هذا إنسان له ابن صغير ما بعد بلغ، مراهق يريد يُزوِّجه، وله بنت أخ هو وليها؛ هو عمهما فهو وليها، يجوز أن يزوجها ابنه إذا رضيت طبعًا؛ لا بد من رضاها، وحينئذٍ يكون تولى طرفي العقد بالولاية ولَّا بالوكالة؟
طلبة: بالولاية.
الشيخ: بالوِلاية، نعم، تولَّاه بالولاية، إذن تولي طرفي العقد يكون بالوكالة، ويكون بالوِلاية، ويكون بالولاية والأصالة.
بالولاية والأصالة مثل أيش؟ لو تزوج هو ابنة عمه وهو وليها، صار الآن زوَّج نفسَه، ما زوَّج غيره، زوَّج نفسه مَوْلِيته وهي بنت عمه.
طالب: من دون البلوغ ما يصح أن يتزوج؟
الشيخ: يصح، لكن لو زوَّجه أبوه صح.
طيب إذن على ها الحال نقول: إن تولي طرفي العقد يكون بوجوه ثلاثة، شو؟
بالوكالة، والولاية، وبالولاية والأصالة.
طالب: () أبناء العم؟
الشيخ: لا.
الطالب: أبناء العم إذا صار يريد يتزوجها ما يُوكل له واحدًا ويقول له: زوجني؟
الشيخ: لا، ما هو بشرط، ولا ينبغي له، لكن لو كان لها اثنان أبناء عم فحينئذٍ يجوز هو يعقد لنفسه، ويجوز أن يعقد له ابن العم الثاني، ويكون ابن العم الثاني بالولاية، ما هو بالوكالة، بالولاية لا بالوكالة، أما ..
طالب: تقصد ()؟
الشيخ: وهو؟
الطالب: بالوكالة والأصالة؟
الشيخ: إي، ها هي.
الطالب: () حيث تولى بالوكالة، تولى طرفي العقد بالأصالة من دون ولاية ().
الشيخ: وبالوكالة والأصالة، يعني يوكله شخص في أن يعقد الزواج لنفسه على بنته، على بنت الشخص الموكِّل.
طالب: لو لها ولي اثنان مثلًا من أبناء العم، مَن يتولى يعني زواجها؟
الشيخ: إذا ما تشاحوا فالمسألة بسيطة، وإما أن يتولى العقد الأفضل، الأفضل في دينه وخُلُقه هو اللي يتولى، فإن كانوا سواء أو متقاربين فالأسن، فإن كانوا في السن سواء فلا بد من قرعة، وإن تنازل أحدهما للآخر فلا حرج، هو أحسن.
طالب: في هذه المسألة قول آخر؟
الشيخ: أيهم؟
الطالب: هل يصح تزويج الأبعد مع وجود الأقرب؟
[ ١ / ٦١٠٩ ]
الشيخ: ما يصح، لكن قلنا: إن الأبعد هنا بمعنى البعيد، أو على تقدير (مِنْ).
طالب: لو زوجها اثنان متساويان، وليان متكافئان لرجلين مختلفين.
الشيخ: فإنه إذا زوجها وليان فالأسبق هو الأصح، فإن وقعا معًا، وهذا يمكن متعذر، لكن فرضًا أنهما وقعا فإن النكاح لا يصح، ويُعاد النكاح من جديد، فإن جُهل الأسبق، فماذا نصنع؟
الطالب: () العدد.
الشيخ: لا، إن كان جهلنا الأسبق فأحدهما صحيح يقينًا.
طالب: قرعة.
الشيخ: لا، ما يفعل القرعة، يجب على كل منهما أن يُطلِّق أو يُفسَخ النكاح، إما أن يُفسَخ أو يطلق؛ لأنه ما يمكن أن نصحح أحدهما دون الآخر، والقرعة في إباحة البُضع ما تُتصور.
طالب: صلاة الجمعة في البلد؟
الشيخ: ويش لون؟
طالب: بالنسة للولي، عنده بنات صاروا مثلًا حوالي الثلاثين، وهو () على الزواج والخطاب كثيرون، وإذا قيل: لم لا ترغب في تزويج بناتك؟ قال: بناتي يتشردن (). ويش يفعلن؟
الشيخ: يُزوِّج غيره، يدوِّر على واحد ثانٍ ويزوجها.
طالب: إذا طلق أحدهما وأحدهما ولي العقد، مرة ثانية؟
الشيخ: ما يفعل؟
الطالب: تُحسب طلقة ولَّا ما تحسب؟
الشيخ: ما أدري، ترجع إلى الأهل؛ لأنه في الحقيقة ما .. اعتبارها طلقة إذا صح النكاح، إحنا ما ندري أيهما الأصح.
طالب: إذا كانت في بلاد غير إسلامية ()؟
الشيخ: إي، وهي مسلمة؟
الطالب: ().
الشيخ: ولا فيه حاكم؟
الطالب: ().
الشيخ: فهذه ينتظر حتى يصل إلى البلاد الإسلامية ويزوجها الحاكم.
طالب: يزوجها الحاكم؟
الشيخ: يزوجها الحاكم إي.
طالب: ().
الشيخ: ما يمكن؛ لأنه من لا يصح أن يعقد ما يصح أن يوكل.
طالب: () الدول الغربية ()؟
الشيخ: إي، الدول الغربية إن كانت كافرة فزوجها وليها، وإن كانت مسلمة قبل العقد ما يزوجها إلا مسلم، في مثل هذه الحال ممكن يتصل بإحدى السفارات، مثلًا إذا كان من السعودية يتصل بالسفارة السعودية، وتتصل بأحد القضاة أو بوزارة العدل توكله.
[ ١ / ٦١١٠ ]
وقد يقال: إن السفير يكفي، مثلما قال الفقهاء: إن إذا كانت في مكان ما فيه حاكم ولا ولي زوجه ذو سلطان في مكانه اللي يعتبر مثل شيخ القبيلة، وما أشبه ذلك يزوجه، السفارة مثل هذا، أو أنك تتصل بالدولة وتوكله.
طالب: فيه مسلمون كثيرون عندهم.
الشيخ: وين؟
الطالب: يعني فيه.
الشيخ: إي، بس ما هم من الأولياء.
***
يقول: (فصل: الرابع: الشهادة) (الرابع: الشهادة) يعني أن يشهد على عقد النكاح شاهدان، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢].
فأمر الله تعالى بالإشهاد على الرجعة، والرجعة إعادة نكاح سابق، فإذا كان مأمورًا بالإشهاد على الرجعة، فالإشهاد على العقد ابتداءً من باب أولى؛ لأن المراجَعة زوجته، وهذه أجنبية منه، فإذا أُمِر بالإشهاد على الرجعة فالإشهاد على عقد النكاح من باب أولى، ولحديث: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» (١)، لكن هذا الحديث ضعيف لا تقوم به الحجة؛ ولهذا اختلف العلماء في اشتراط الشهادة في النكاح، فقال بعضهم: إنها شرط في عقد النكاح، وأنه لا يصح النكاح إلا بشهادة، ودليلهم الآية والحديث.
وقال بعض العلماء: إن الإشهاد ليس بشرط؛ لأن عقد النكاح كغيرِه من العقود لا يُشترط فيه الإشهاد، عقد يستبيح به الإنسان الاستمتاع بهذه الزوجة فلم يشترط فيه الإشهاد، كعقد البيع، أو عقد الشراء على المملوكة الذي يستبيح به التسرِّي، ومع ذلك لا يجب الإشهاد.
قالوا: وأما الإشهاد على الرجعة فإنما أُمِر به لئلا يحصل نزاع بين الزوج والزوجة، فيدَّعي مثلًا أنه راجعها، وتُنكر أن يكون راجعها، فيحصل بذلك نزاع بينهما، وبالتالي ربما نقضي بعدم الرجوع ونبيحها لزوج آخر، وهو قد راجع فيكون في هذا مفسدة، أما النكاح ابتداءً فليس فيه نزاع وليس محلًّا للنزاع.
[ ١ / ٦١١١ ]
وقال بعض العلماء: إنه يشترط إما الإشهاد، وإما الإعلان، ويش معنى الإعلان؟ الإظهار والتبيين، وأنه إذا وُجِد الإعلان كفى؛ لأنه أبلغ في اشتهار النكاح، وأبلغ في الأمن من اشتباهه بالزنا؛ لأن عدم الإشهاد أيضًا فيه محظور -نسيت أن أنبه عليه- وهو أنه قد يزني بامرأة، فإذا حملت منه ادعى أنه قد تزوجها، وليس الأمر كذلك، فاشتراط الإشهاد لهذا السبب، لكن إذا وُجِد الإعلان انتفى هذا المحظور ولَّا لا؟
طلبة: ينتفي.
الشيخ: ينتفي من باب أولى أشد من الإشهاد، انتفاء هذا المحظور بالإعلان أبلغ من انتفائه بالإشهاد، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، على أنه يُشترط إما الإشهاد وإما الإعلان، بل قال ﵀: إن وجود الإشهاد بدون إعلان في صحة النكاح فيه نظر؛ لأن النبي ﵊ أمر بإعلان النكاح، فقال: «أَعْلِنُوا النِّكَاحَ» (٢)، ولأن نكاح السر يُخشى منه المفسدة حتى ولو بالشهود؛ لأنه يستطيع الواحد يزني -والعياذ بالله- بامرأة، ثم يقول: تزوجتها، ثم يأتي بشاهدي زور ويشهدان.
فهذه الأقول ثلاثة الآن التي تحضرنا الآن: إما أنه شرط، أو ليس بشرط، أو يشترط هو أو الإعلان.
طالب: هل يجب الإشهاد على العقد يا شيخ؟
الشيخ: لا، ما يجب الإشهاد على العقد.
الطالب: والقول الراجح؟
الشيخ: القول الراجح، اللهم على سبيل () فقط، والمذهب هو الصحيح.
الطالب: وظاهر الآية؟
الشيخ: ظاهر الآية، الأمر ظاهره الوجوب، لكن كثيرًا من الأشياء اللي حصلت من المراجعات في عهد الصحابة خالية من هذا، ().
طالب: إذا ما ادعت زوجة أنه طلق، وهو يقول: لا، ما طلق. فما الحكم؟
الشيخ: القول قول الزوج.
الطالب: الزوج؟ !
الشيخ: الأصل بقاء النكاح.
الطالب: يعني ما يُؤخذ بقولها؟
الشيخ: أبدًا إلا بشهود؛ لأنه بنقبل قول كل امرأة تقول: زوجي طلقني، لأن كل امرأة تزعل على زوجها تقول: طلقني.
[ ١ / ٦١١٢ ]
الطالب: لأن هذا حق له، ادعت أن زوجها طلقها، وهو يقول: ما هو صحيح، وبعدين هو طلقها ..
الشيخ: خلاص، يبقى طلقها بكيفه، لكن بس مجرد أنها تقول: طلقني، ما نقبل قولها.
طالب: ما يطلب منه ()؟
الشيخ: ما يُحلَّف، على المذهب، لا يحلف؛ لأنه ما ().
طالب: ذكرنا الحديث أنه «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِشَاهِدَيْ عَدْلٍ» () عن جابر وعن عمران () وعن عائشة.
الشيخ: موقوفًا ولَّا مرفوعًا؟
الطالب: مرفوعًا.
الشيخ: () بس ما يصح إليهم، الكلام ما يتصل إلى هؤلاء.
طالب: () صحيح ().
الشيخ: والله رأي شيخ الاسلام قوي؛ أنه إذا وجد الإعلان كفى عن الشهادة.
الطالب: وهل تكفي الشهادة عن الإعلان؟
الشيخ: والله في الشهادة مع الإسرار نظر، () كثيرًا، ولكن بعد حجة على القول بأنه يبطل النكاح فيه نظر؛ لأن هذا سوف يشتهر إذا دخل عليها، وأخذها إلى بيته اشتهر.
طالب: شيخ، بماذا يحصل الإعلان؟
الشيخ: بما عدَّه الناس إعلانًا، عندنا الآن بالبواري والإضاءة؛ إضاءة المحلات، وبالدف، وكان بالأول -كما تعرفون- يمشون الناس جماعات للزواج ومعهم () وسرج.
الطالب: ().
الشيخ: () ما يدري عنه الناس، () الوليمة الكبيرة الصحيح يحصل بها، لكن خمسة وستة جرت العادة بأنه يحصل الولائم على هذا الشكل بدون نكاح.
طالب: ما ندري وين المتزوج؟
الشيخ: لا، اتبعهم تدري.
العجيب أنه قبل سنة أو سنتين يعني بعض الناس () يسوون عقودًا وهمية، يجتمع خمسة، ستة، عشرة، () السيارات، ثم يمشون مع الرفاق ()، ثم يبدأ الناس يقولون: ما أكثر الزواج الليلة.
طالب: فاضيين؟
الشيخ: إي، فاضيين.
طالب: شيخ، بعض المحاكم ().
الشيخ: يكون عبئًا على هذا الشخص.
الطالب: الأولاد يعني؟
الشيخ: الأولاد شرعيون؛ لأن كل أولاد يأتون بجماع مشتبه فيه، كلهم شرعيون؛ لأن الشارع يتشوف () وبأدنى شبهة ().
[ ١ / ٦١١٣ ]
أن هذا مما تدعو الحاجة إلى بيانه وإعلانه، والصحابة ما يمكن يتركون هذا الأمر لو كان شرطًا، ما يبينونه فيكون أمرًا مشهورًا مستفيضًا؛ لأن النكاح كلنا يعقد النكاح، أليس كذلك؟ لو كان هذا من الأمور المشترطة لكان جاء به الكتاب أو السنة على وجه بيِّن واضح.
الآن فهمنا الدليل، يقول: الدليل أولًا عدم الدليل، فمن قال: إنه يشترط، فليأتِ بالدليل.
وثانيًا: الدليل، هذا من الأمور العامة التي اعتاد الناس إليها وإلى بيانها، والناس مما تعم به البلوى هذا عندهم، ولو كان أمرًا مشترطًا لكان بيانه واضحًا مشهورًا مستفيضًا.
نحتاج الآن إلى الإجابة عن أدلة القائلين باشتراطه؟
طالب: الأدلة أولًا: الآية، نقول: الآية الرابعة وليست الثانية، فالراجح قد (). وأما الحديث فإنه ضعيف لا تقوم به الحجة، وأما النظر فإننا نقول بأن الإعلان أبلغ من الإشهاد.
الشيخ: صحيح، وهنا ما ينفي وجود الإشهاد مطلقًا؛ لأنه يقول: لا بد من أن يثبت ببينة؛ إما الإعلان وإما الإشهاد لكن الإشهاد ليس بشرط.
ومن العجب أن الشيخ الألباني وفَّقه الله ذكر أن هذا الحديث صحيح، ذكر أن حديث: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» (٣) أنه صحيح مرفوعًا، ثم أتى بأدلة كلها ضعيفة، كل الأدلة والشواهد والرجال ضعيفة، وعلى قاعدة المحدثين لو فرضنا أن هذه الأدلة ضعيفة ضعفًا ينجبر بعضها ببعض، فتكون على قاعدة المحدثين؟
طالب: حديث حسن.
الشيخ: حسنًا لغيره، () تصل إلى درجة الحسن لغيره، في بعض الطرق من هو متروك، مُكذَّب، وما أشبه ذلك، مثل هذا ما يُستشهد به.
وإحنا نبهنا على هذا لأجل أن نعرف أن لكل جواد كبوة، والشيخ الألباني -وفَّقه الله- لا نشك أنه عالم، وأنه يندر مثله في هذا الزمان، لكن ليس معنى أن العالم أنه يكون معصومًا من كل شيء، فالإنسان لا شك أنه بشر يخطئ ويصيب وينسى، ولا أحد معصوم إلا مَنْ عصم الله ﷿.
[ ١ / ٦١١٤ ]
المهم إذن بعد النظر في هذا، يتبين لنا أن الإشهاد ليس بشرط، لكنه ينبغي الإشهاد يعني يتأكد، لا سيما في بلاد كبلادنا يحكمون بأن الإشهاد شرط؛ لأن هذه المسألة لو يحصل خلاف، وتُرفع إلى المحاكم حكموا بفساد النكاح، وحينئذٍ نقع في مشاكل، فكل مسألة في مسائل النكاح يحتاط فيها الإنسان، لا سيما على موافقة الحكام في بلده وفي زمنه فإنه أمر متأكد.
طالب: الأثر الذي ورد عن عمر.
الشيخ: الأثر هو قال: هذا نكاح سر، ولا أدري عن صحته الحقيقة.
الطالب: يكون رجل وامرأة؟
الشيخ: لكن قال: هذا نكاح سر. فهذا ظاهر الحديث ما فيه اعلان.
الطالب: () لو تقدم لرجمته.
الشيخ: لرجمته، إي، لكن هو قال: إنه نكاح سر. الحديث، الأثر اللي عندكم قال: هذا نكاح سر، وظاهر الأثر أنه ما أُعْلِن، والكلام على إذا حصل إعلان بدون إشهاد. ثم الأثر ما أدري بعد عن صحته، ما راجعته الحقيقة، ينظر بعد في صحته وسنده؛ لأنكم تعرفون الفقهاء ﵏ من هذه الناحية، يذكرون الآثار المروية ويقولون: روي عن عمر، وروي عن ابن عباس، وروي عن كذا، وليسوا يحررون في صحة الأسانيد.
طالب: أحد العلماء حكم على حديث بالوضع، وحكم بعض العلماء أنه صحيح.
الشيخ: أيهم؟
الطالب: حديث من الأحاديث.
الشيخ: إي، كثير.
الطالب: «اسْتَعِينُوا عَلَى قَضَاءِ حَوَائِجِكُمْ بِالْكِتْمَانِ» (٤).
الشيخ: إي، ما فيه شك، لكن الرجوع للحق حق، وهذا أمر يقع، ومن أغرب ما يكون أننا رأينا من يقول: أجمع العلماء على عدم قبول شهادة العبد. وآخرون قالوا: أجمع العلماء على قبول شهادة العبد. هذا أعظم ما يكون، فالمهم أن الإنسان يتكلم بحسب علمه والله ﷾ يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
طالب: كتب الشارح هنا: إِذَا زَوَّجَ وَلِيَّانِ فَإِنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا رواية.
الشيخ: إي، يمكن رواية، على المذهب: لا. ما يُقرع بينهما، إذا جُهل السابق.
الطالب: إذا جُهل السابق.
[ ١ / ٦١١٥ ]
الشيخ: هذه رواية ثانية لكن المذهب خلافه، المذهب أنه يُفسخ النكاح، وهذا أولى.
طالب: ().
الشيخ: مَن؟ () القرعة؛ لأن مسائل الفروج ما تُستباح بمثل هذا، والمسألة بسيطة.
طالب: يقرع ().
الشيخ: إي، معناها بيأخذ بالاحتياط بهذا وبهذا، مع أنه ذكر ﵀ أنه إذا طلق أحدهما ما يُحتسب عليه في هذا الطلاق، في مسألة إذا جُهِل، ويفسخ الحاكم أو يُطلِّق أحدهما، وقال: هذا الطلاق لا يُعتد به عليه؛ لأنه لا يُعلَم أن نكاحه هو الصحيح، فلا يؤاخذ بهذا الطلاق.
طالب: غير صحيح يا شيخ الكلام، أنه ما تعتد الطلقة هذه؟
الشيخ: والله ما هو ببعيد؛ لأن ما هو من نكاح متيقن، ليست من النكاح المتيقن، ما دام أنه زوجها وليان ما ندري أيهما الأول فقلنا: طلق. طلقا، أيهما اللي صحيح؟ يمكن هذا ويمكن هذا، إذن ما نحسبها عليهما، الأصل عدم الاعتداد.
طالب: بالنسبة لها إذا أرادت أن تتزوج؟
الشيخ: إي، لا بد من العدة، ولكن بس العدة إن كان قبل الدخول ما فيه عدة، إن كان بعد الدخول فالظاهر ما يحصل اشتباه ().
طالب: الراجح؟
الشيخ: الراجح عدم اشتراط الشهود، إذا وُجِد الإعلان اكتفينا به، لكن بعد انتبهوا.
(الرابع: الشهادة فلا يصح إلا بشاهدين) يعني رجلين، فامرأتان ورجل لا تُقبل شهادتهما، ورجل وامرأة من باب أوْلى، وامرأتان من باب أولى، وأربع نساء كذلك، لا بد من شاهدين رجلين.
الثاني: (عدْلين) وهنا اكتفوا بالعدالة الظاهرة، عدلين ولو ظاهرًا، وهذا أضفه إلى ما سبق من العدالة الظاهرة في الولي، فصار الولي في النكاح والشهادة على النكاح يُكتفى فيهما بالعدالة الظاهرة، وكذلك ذكروا في باب الأذان أنه يُكتفى فيه بالعدالة الظاهرة.
ثانيًا: يقول: (بشاهدين عدلين ذكرين) هذا من باب التأكيد، وإلا فـ (شاهدين عدلين) معروف أنهما من الرجال.
(ذكرين مكلفين) كلما قلنا: مكلفين، فالمعنى بالغان عاقلان؛ لأن المكلف الذي هو أهل للتكليف هو البالغ العاقل.
[ ١ / ٦١١٦ ]
(مُكلَّفين سميعين) يعني يسمعان بآذانهما، فإن كانا أصمين لم تُقبل شهادتهما؛ لأنهما لا يسمعان، الولي لو قال: زوجتك بنتي. وذاك قَبِل، وهما لا يسمعان، فوجودهما كالعدم.
وظاهر كلام المؤلف: ولو كانا بصيرين يقرآن، وكُتب العقد كتابة، لو أخذ ورقة الولي وقال: زوجتك بنتي، وقرآها، ثم أعطياها إلى الزوج وقال تحتها: قَبِلْتُ النكاح، فظاهر كلام المؤلف أن ذلك لا يصح.
والصحيح أنه يصح؛ لأن الشهادة تحصل بذلك، الشهادة الآن واليقين يحصل بذلك، فوصول العلم إلى هذين الأصمَّين صار عن طريق البصر، والمقصود وصول العلم، سواء عن طريق السمع أو عن طريق البصر، المهم أن المؤلف اشترط أن يكونا سميعين، ويش معنى سميعين؟ أي يسمعان الصوت بآذانهما، وعلة ذلك؛ لأن الأصم لا يسمع العقد، فلا يسمع الإيجاب ولا القبول.
وترى المراد بالسميعين: ولو كانا ثقيلي السمع، بحيث إنهما لا يسمعان إلا برفع صوت، ما يهم، المهم أن يكون لهما سمع ولو كان قليلًا.
قلنا: ظاهر كلام المؤلف ما دام اشترط أن يكونا سميعين أنهما لو كانا بصيرين يقرآن وكُتب الإيجاب كتابة من الولي والقبول كتابةً من الزوج، وهما يُشاهدان ذلك فظاهر كلام المؤلف عدم الصحة، والصحيح أنه يصح؛ لأن المقصود بالشهادة وصول العِلم إلى مَنْ؟ إلى الشاهد، كما قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]. فإذا وصل العلم إلى الشاهد كفى.
أيضًا لا بد أن يكونا (ناطِقين): ما هو كل إنسان حيوان ناطق؟ ! ما مر علينا في علم المنطق أن كل إنسان فهو حيوان ناطق؟ إذن كيف نقول: ناطِقين؟ ! المراد ناطقان بالفعل، أما قول أهل الكلام: الإنسان حيوان ناطق. فالمراد ناطق بالفعل أو بالقوة.
(ناطِقين) احترازًا من الأخرسين، فلا تُقبل شهادتهما، وصحيح كلام المؤلف أو ظاهره: ولو كانا سميعين بصيرين؛ لأنهما لا يستطيعان أداء الشهادة.
[ ١ / ٦١١٧ ]
وظاهر كلامه: ولو كانا يُحسِنان الكتابة عند أداء الشهادة، وهذا فيه نظر، والصواب فيه مثل ما قلنا: أنهما إذا كانا يمكن أن يُعبرا عما شهدا به كتابةً أو إشارةً معلومة، فإن الصحيح أن شهادتهما تصح؛ لأن المقصود من كونهما يشترطان السمع، شوف المؤلف: (سميعين) لأجل التحمل، و(ناطقين) لأجل الأداء.
المقصود من اشتراط النطق هو أن نتوصل إلى الأداء الصحيح، فإذا كان هذا هو المقصود فمتى توصلنا إلى أداء صحيح ولو عن طريق الكتابة فإن ذلك كافٍ، وكم من إنسان أخرس عنده من العلم بأحوال الناس ما ليس عند الناطق، لكن يؤدي بطريق الكتابة أو الإشارة. إذن اشتراط السمع والنطق صار فيه تفصيل على القول الراجح.
يشترط أيضًا خلوهما من الموانع، بألا يكونا من أصول أو فروع الزوج، أو الزوجة، أو الولي. ألا يكونا -أي الشاهدان- من أصول الزوج أو الزوجة أو الولي، أو فروعهما.
فعلى هذا إذا زوَّج الأب ابنته، وكان الشاهدان أخويها أخوي البنت فالنكاح؟
طالب: غير صحيح.
الشيخ: النكاح لا يصح، لماذا؟
طالب: لأنهما فروع للولي.
الشيخ: لأنهما فروع للولي.
وكذلك لو زوَّج الإنسان ابنته وله أبٌ حاضر، أبوه حاضر وابنه حاضر، وشهد أبوه وابنه على العقد؛ لم تصح الشهادة؛ فلا يصح النكاح.
وكذلك أيضًا لو كان أبو الزوج حاضرًا، وكان أحدَ الشاهدين، فإن الشهادة لا تصح، فلا يصح العقد.
لو زوَّج أحد الإخوة، وشهد أخوان، يصح العقد؟
طلبة: نعم، صح العقد.
الشيخ: يصح العقد، طيب قلنا توًّا: ما يصح شهادة الأخ على عقْد نكاح أخته؛ لأنه فرع الولي.
فعليه لو سألَنا سائل: هل تصح شهادة الأخ على نكاح أخته؟
نقول: فيه التفصيل؛ إن زوَّج الأبُ ما صحَّ؛ لأنه من فروع الولي، وإن زوج أخوه صح؛ لأنه ليس أصلًا للولي ولا فرعًا له، ولا للمرأة ولا للزوج.
طالب: هو أخو الزوج يعني؟
الشيخ: أخو الزوجة، أما أخو الزوج فلا يضر، الزوج ما يضر مطلقًا. هذا هو المذهب.
[ ١ / ٦١١٨ ]
والقول الثاني في المسألة: أن ذلك يصح؛ أنه يصح أن يكون الشاهدان أو أحدهما من الأصول أو من الفروع، وهذا القول هو الصحيح بلا شك؛ لأن شهادة الأصول والفروع ممنوعة حيث كانت شهادةً للإنسان، حيث كانت شهادة له، أما حيث تكون شهادة عليه وله فلا تُمنع.
ثم إننا نقول أيضًا: المذهب يجوِّزون أن يكون الشاهدانِ، أو أحدهما عدوًّا للزوج أو الزوجة، وشهادة العدو على عدوه غير مقبولة؛ متهم فيها، فنقول: هذا النكاح هل هو للإنسان، ولَّا على الإنسان؟
طالب: له وعليه.
الشيخ: له وعليه، فإذا قبِلتم شهادة العدو على الإنسان فاقبلوا شهادة القريب؛ لأنه للإنسان، فهو لم يتمحض له ولم يتمحض عليه؛ ولهذا لما لم يتمحض عليه قَبِلوا فيه شهادة العدو، وكان يلزمهم على ذلك أن يقبلوا شهادة القريب؛ لأنه لم يتمحض له.
نقول: النكاح في الحقيقة ليس حقًّا للزوج أو الزوجة، ولا حقًّا عليه، هو له وعليه؛ لأنه يُوجِب حقوقًا للعاقد وحقوقًا عليه، له وعليه، فأنتم قبِلتم شهادة العدو في هذا العقد؛ لأنه لم يتمحض عليه، إذن فاقبلوا شهادة القريب؛ لأنه لم يتمحض له، وهذا هو القياس.
فالصواب إذن أنه يصح العقد، وهو رواية عن الإمام أحمد، واختارها كثير من الأصحاب، وهذه المسألة قلَّ من يتفطن لها من العوام، قد يعقدون وأبو الزوج موجود، ويعتبرونه أحد الشهود، وهذا على المذهب ما يصح، ولكن الصحيح أنه جائز.
طالب: () يدل على أنه لا يجوز.
الشيخ: يحتمل أن القانون أسقطه؛ لأنه لا يرى اشتراطه.
طالب: () شهادة الفروع أو الأصول خشية من يمكن يكون ().
الشيخ: إي، ما يخالف، حتى العدو أيضًا.
الطالب: على أساس أن يكون القريب الولي هو نفسه ().
الشيخ: إي، ما يخالف.
الطالب: عدم قبول شهادتهم لهذا السبب.
الشيخ: نحن نقول: هذا ما دام ما هو بحق له متمحض، قد يكون حقًّا عليه، وفي بعض الأحيان حق عليه أكثر، كإيجاب النفقة، وإيجاب المهر، وإيجاب العدة على المرأة وما أشبه ذلك.
[ ١ / ٦١١٩ ]
طالب: الدليل على عدم جواز شهادة () على العموم.
الشيخ: تأتي في الشهادة إن شاء الله تعالى.
انتبهوا للمسألة الأخيرة هذه:
قال: (وليست الكفاءة -وهي دين ومنصب، وهو النسب والحرية- شرطًا في صحته)
(الكفاءة) من الكُفء، وهو المِثْل في اللغة العربية، والمراد بها هنا أن يكون الزوج أهلًا لأن يُزَوَّج.
يقول المؤلف: (ليست الكفاءة وهي دين ومنصب) شرطًا في الصحة، ولاحظوا الدين ويش هو؟
(الدين) يقول عندي بالشرح: (أداء الفرائض واجتناب النواهي)، هذا ما هو شرط أن يكون الزوج مؤديًا لجميع الفرائض، مجتنبًا لجميع النواهي، إذن فيصح تزويج الفاسق، أو لا؟ يصح أن يُزوَّج الفاسق.
ولو اشترطنا في التزويج أن يكون الإنسان عدلًا ما زوَّجنا أحدًا، ما يتزوج ولا عُشر الناس، فاشتراط العدالة في الزواج ليست بشرط، ما هي شرط في صحته.
كذلك أيضًا يقول: (ومنصب وهو النسب)، النسب: يعني أن يكون الإنسان نسيبًا، أي: له أصلٌ في العرب، من قبائل العرب، احترازًا من الذي ليس له أصل، من الموالي، اللي ما له أصل في أنساب العرب، هذا ما له نسب، من ينتسب إليه؟
طلبة: إلى آدم.
الشيخ: إلى آدم، ما ينتسب إلى العرب، فيسمون عندنا عند العامة يسمونهم: خضيري، وأحيانًا يسمونهم: العبيد. يقول: عبد حُر، فهم عبيد باعتبار ما كانوا؛ لأنهم كانوا موالي وأُعتِقوا، كانوا موالي حين الفتوحات الإسلامية وأُعتِقوا، فيه أحد يسميه: خضيري. والظاهر أن هذه التسمية مأخوذة من كونهم في الأصل يأتون ألوانهم تميل إلى السواد، هذا الظاهر والله أعلم، أما حر عبد فهذا واضح السبب.
طالب: ().
الشيخ: إي، وبعضهم يسمونهم: الصفافيري.
يقول: النسب ليس شرطًا في صحة النكاح، وعلى هذا فيجوز أن نُزوِّج امرأة قبيلية من إنسان خضيري غير قبيلي، ما فيه مانع. كذا ولَّا لا؟
طالب: نعم.
[ ١ / ٦١٢٠ ]
الشيخ: كذلك (الحرية) ما هي شرط في صحته، ليست شرطًا في صحته، فيجوز أن نُزوِّج الحرة عبدًا مملوكًا، ما فيه مانع، المانع العكس، ما نزوج الحر عبدة إلا بشروط ستأتي إن شاء الله، أما أن نزوج الحرة عبدًا فهذا جائز، وليس من شرط صحة النكاح أن يكون الزوج حرًّا.
كم دولا من وصف؟ الدِّين، والنسب، والحرية، فيه بعد وصفان آخران ذكرهما بالشرح نتكلم عليهما:
(صناعة غير زَرِيَّة)، يعني غير مُزْرِية بالشخص، أيضًا هذا من الكفاءة؛ ألا تكون صناعته مزرية؛ يعني ممقوتة عند الناس، مثل: الكسَّاح، الكساح ما هو؟ منظف الكُنُف؛ الحمامات ينظفها، هذا يسمى كساحًا. زبَّال: يكنس الزبالة ويحملها، كنَّاس، هذا ما هو كفء لامرأة مصونة محترمة أهلها تجار أغنياء، لو زوَّجناها إنسانًا كسَّاحًا ينظف الكنف يصح العقد ولَّا ما يصح؟
طالب: يصح العقد.
الشيخ: يصح، ما هو شرط.
كذلك (يَسار بحسب ما يجب لها) (يسار) يعني غنى، ما هو شرط أن يكون الزوج غنيًّا، يُزَوَّج ولو هو فقير؟ نعم، يُزَوج ولو هو فقير، وهي غنية ما تأكل إلا الحلوى، ولحم الطيور، والرز الجيد، وهكذا، وهذا الرجل فقير -على يقول العوام-: يطرد عشاه غداه، يتغدى يومًا ويتعشى يومًا، يُزوَّج ولَّا ما يزوج؟
طلبة: يُزوَّج.
الشيخ: يجوز؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يجوز، يقول المؤلف: ليست الكفاءة شرطًا في صحة العقد، المعنى: يصح العقد بدون الكفاءة، فيصح أن نعقد النكاح لامراة ذات عدل على زوج فاسق، حُرَّة على عبد، قبيلية على خضيري، بنت بزَّاز على كسَّاح، بنت البزَّاز، من هو البزاز؟
طالب: قماش.
الشيخ: اللي بيعلبس أعلى أنواع القماش. طيب بنت غني جدًّا على فقير مُعدِم، يجوز هذا وليس شرطًا في الصحة، لماذا نص المؤلف قال: ليست شرطًا في صحته؟ أليس عدم إدخال هذه الشروط دليلًا على أنه ليس بشرط؟
طالب: بلى. ()
الشيخ: عُدِمت الصحة، ما ينعقد النكاح، لا زوجنا بنت بزاز بكساح، فالنكاح؟
طلبة: باطل.
[ ١ / ٦١٢١ ]
الشيخ: باطل، فاسد، الأحسن نعبر بفاسد؛ لأنهم يرون أن النكاح المختلف فيه يسمى فاسدًا، فهو فاسد.
هذه الرواية في الحقيقة لا شك أنه من أضعف ما يكون من الروايات، ولكن لها وجهة نظر في مسألة الدين، الدين في بعض فروع الدين: خُلوّ المرء أو الزوج من هذا المانع شرْط في صحة النكاح، مثل الزاني، الزاني مؤمن ولَّا كافر؟
طلبة: مؤمن.
الشيخ: مؤمن، لكن الصحيح أنه لا يجوز أن يُزوج بعفيفة؛ لقوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣]. فالزاني ما يجوز نزوجه بعفيفة حتى يتوب؛ لأن هذا يتعلق بالفروج، وهو قدح عظيم للزوج، وكما أننا لا نزوج الزانية حتى تتوب، فلا نزوج الزاني حتى يتوب، وسيأتي في كلام المؤلف.
هذا إذا قلنا: ليس شرطًا في صحته، فهل هو شرط للزومه؟ نشوف.
قال: (فلو زوَّج الأبُ عفيفةً بفاجر): مَن الفاجر هنا؟
طالب: الزاني.
الشيخ: الزاني؛ لأنه مُقابَل بعفيفة، لو زوج الأب عفيفة بفاجر فالنكاح -على رأي المؤلف- صحيح؛ لأن ما هي بشرط للصحة، الكفاءة ليست شرطًا للصحة، النكاح صحيح.
والصواب في هذه المسألة بالذات أن النكاح فاسد؛ لأن الله يقول: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣]، ومعنى ذلك أن العفيفة ما يجوز أن تتزوج بالزاني، وهو كذلك.
(أو عربية بعجمي)، زوَّج عربية بعجمي، المراد بالعجمي هنا من ليس بعربي ولو كان ينطق بالعربية، فالمعتبر هنا بالعروبة والعُجمة المعتبر النسب لا اللسان، قد يكون عربيًّا وهو لا يعرف إلا اللغة الأعجمية، الكلام هنا المراد بالعروبة النسب، (لو زوَّج عربية) أي عربية الأصل والنسب، بقطع النظر عن اللسان.
(بعجمي) والمراد بالعجمي هنا من ليس بعربي، فيشمل عجم الفرس كإيران وما ضاهاها، ويشمل عجم الغربيين كالإنجليز والفرنسيين، وكذلك الأمريكان والروس، كلهم عجم، كل من سوى العرب فهو أعجمي.
[ ١ / ٦١٢٢ ]
هذا رجل من العرب قبيلي، زوَّج إنسانًا غير قبيلي، يصح النكاح؟
طالب: نعم يصح.
الشيخ: يصح؛ لأنه ليس شرطًا في صحته، لكن (لمن لم يرضَ من المرأة أو الأولياء الفسْخ)، المرأة معلوم يشترط رضاها كما سبق، إذا ما رضيت ما تدخل في الزواج، لكن الأولياء ولو بعدوا لهم الفسخ؛ يعني واحد قبيلي زوج ابنته خضيرية برضاها، والرجل صاحب دين وتقوى وخلق ومال، ومن أحسن الناس، فجاء ابن عم بعيد، وقال: أنا ما أرضى. له يفسخ؟
طالب: نعم، يفسخ.
الشيخ: نعم، له أن يفسخ على المذهب، حتى مَن حدث بعد، هذه امرأة هي قبيلية تزوجها خضيري، وبقيت معه خمسين سنة، وجابت منه أولادًا، فوُلد لأحد أبناء عمها البعيدين ولد، من يوم وُلد قال: أتزوجون هذه بنت عمنا، أتزوجونها الخضيري؟ قال: أنا ما أقبل، افسخوا النكاح. يُفسَخ النكاح؟ إي نعم، يُفسخ النكاح ولو لها أولاد وبيت، وفسد البيت وكل شيء علشانها، ابن العم اللي يمكن حاسد، ولا قصده، ما يهمه شرف النسب! لكنه حاسدها. يُفسخ.
وظاهر كلام المؤلف: حتى أولاده، أولاده هيفسخون؟
طالب: لأنهم أولياء.
الشيخ: لأنهم أولياء، فالظاهر من كلام الفقهاء أنه حتى أولادها لهم الفسخ، يقولون: نبغي نفسخ أمنا من أبينا؛ لأن أبانا خضيري وأمنا قبيلية.
طالب: فيكونون خضيرية!
الشيخ: ظاهر كلام المؤلف حتى هؤلاء؛ لأن كونهم أولياء، (). ولكن يمكن أن نجيبهم بمثل ما قال غانم، نقول: كيف أنتم تفسخون عشان أبوكم خضيري؟ أنتم خضيرية أيضًا؟ ! فيقولون: نعم، نحن خضيرية، لكن نسب أمنا ممكن يضيع، نسب الأم لا نريد أن يضيع، نبغي نفسخ النكاح.
نشوف في مسألة الدين الآن، أهم شيء الدين؛ في مسألة الدين قلنا: إن مسألة العفة والفجور الصحيح أن ذلك شرط للصحة، وعلى هذا لا يصح العقد، إذا زوَّج الإنسان ابنته برجل مشهور -والعياذ بالله- بالزنا أو مشهور باللواط، فإن العقد لا يصح.
[ ١ / ٦١٢٣ ]
الدين اللي غير هذا مثل إنسان يشرب الخمر أو يحلق اللحية، أو ما أشبه ذلك، هذا نقص في الدين وخلل، هل لبقية الأولياء أن يفسخوا؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، المذهب لهم أن يفسخوا، وهذه المسألة لو فُتح فيها الباب حصل في ذلك شر كثير، يجي إنسان يزوج هذا الرجل ويحلق لحيته، ويجي ابن عم بعيد ويقول: أطالب بفسخ النكاح؛ لأن هذا الرجل ما عنده دين. على المذهب يفسخ النكاح.
كذلك أيضًا لو كان يشرب الدخان، أو كان يتعامل بالربا، أو ما أشبه ذلك فله الفسْخ، هذا في الحقيقة في كلام الفقهاء نظر في هذه المسألة، لكن هنا شيء قد يكون كلامهم لهم حظ من النظر، فيما لو كان الخلل بشرب خمر، فإن شرب الخمر في الحقيقة لا يقتصر ضرره على الشارب، يتعدى إلى زوجته وإلى أهله، أحيانًا يدخل على زوجته بالسكين ليقتلها.
وأحيانًا -والعياذ بالله- يقولون: إنهم يأتون إليهم عُراة، يأتي إليها عريانًا ()، وأحيانًا يطلب أن يزني ببناته كما هو مشهور، يطلب، لولا أن النساء يغلقن على البنات ويسكرن البيبان كان هذا يطالبون بالزنا بها، هذا في الحقيقة لو قيل بالمذهب في هذه المسألة لكان له وجه، إذا عُرِف أن هذا الزوج يشرب الخمر فللبعيد من الأولياء أن يطالِب بفسخ النكاح.
وهذه مسألة تغيب عن كثير من القضاة؛ ولهذا يسألون عنها كثيرًا فيما إذا كان الزوج حدثَ منه شُرْبُ الخمر، هل يُفسخ العقد ولَّا ما يُفسخ؟ منهم من توقف في الأمر، ومنهم من قال: ما يفسخ؛ لأن العدالة ليست شرطًا في بقاء النكاح ولا ابتدائه.
[ ١ / ٦١٢٤ ]
ولكن الحقيقة أننا إذا رجعنا إلى كلامهم هنا، وجدنا أن المذهب: يجوز الفسخ لفقد الدِّين، كما أن ظاهر حديث زوجة ثابت بن قيس أن خلل الدين يبُيح للمرأة طلب الفسخ؛ لأنها قالت: يا رسول الله، هذا ثابت، لا أعيب عليه في خلق ولا دِين ولكن أكره الكفر في الإسلام (٥). فظاهر قولها هذا: أنها لو عابته بخلق ودين لكان لها حق طلب الفسخ، وهذا هو الصحيح عندنا، وهو المذهب الموافق للمذهب في هذا الباب. ()
وزوجناها () تُصَدَّق ولَا لا؟
طالب: تصدق.
طالب آخر: قبل الدخول.
الشيخ: قالوا: إن كان إنكارها قبل الدخول صُدِّقت؛ لأن الأصل عدم الإذن والرضا، فنقول: هاتوا الشهود أنها أذنت وإلا فلا نكاح.
إن كان بعد الدخول فهي ما تُقبل، ويش السبب؟ لأنها أذِنت فعله، ولو أننا قبلنا هذا لكان كل امرأة يدخل عليها زوجها ولا يجوز له، الظاهر أنها ما أذنت أن يكون زوجها. ونفتح بابًا عظيمًا على الناس، قد تقول هي: أنا ما دريت أنه لا بد من إذني. تقول دخلت عليه: والله أنا ما علمت أنه لا بد من الإذن. فهل نقبل قولها ولَّا نرفض هذا؟ وهذه أيضًا قد تقع، ما تقولون في هذه المسألة؟
طلبة: ().
الشيخ: ما ندري إحنا الآن، هو يقول: إنه أذن ها الولي. وهي تقول: ما أذن، ولا هناك شهود يفصلون.
طالب: القرينة تدل على .. والدخول.
طالب آخر: () ما يقبل.
الشيخ: ما يقبل؟
الطالب: إي.
الشيخ: عندنا في بلادنا ما هو منتشر خصوصًا بالبادية، البادية عندهم أن الأب يُزوِّج بنته رضيت ولَّا ما رضيت، وكذلك الحاضرة من قبل أيضًا.
طالب: ماشيين على المذهب.
الشيخ: دعنا من ماشيين على المذهب! إحنا مذهبنا مذهب النبي ﷺ.
الطالب: أقول: البادية ماشيين على المذهب.
الشيخ: إي، البادية ماشيين على باديتهم! البادية ماشيين على اللي اتحط في البادية!
[ ١ / ٦١٢٥ ]
هذه المسألة والله تحتاج إلى تأمل، إذا كانت ممن يجهل ذلك فقد نقبل قولها، ونقول: إذا كان أنها ما تبغي الزوج، وأنها ما علمت أن لها الحق في المنع فلا نكاح.
وقد نقول: إننا لا نقبل قولها إلا بشهادة، بحيث إنك تقول: والله أنا زوجني أبوي، وأنا ما دريت، وغصب عليَّ إلى الدخول، وتقول ها الكلام، فيه ناس يشهدون مثلًا على هذا الكلام، فهذا معناه أنه فيه بينة أنها ما رضيت إلى أن دُخل عليها.
طالب: ممكن يشهد واحد شهادة زور أنها ما درت؟
الشيخ: مسألة شهادة الزور لا بد من أن يكون عدلًا يحتاج إلى تزكية، حتى إذا زُكي عاد ما ..
الطالب: () كثيرًا.
الشيخ: ما نقدر، إنما إذا صار ظاهره العدالة، أو يُشترط العدالة ظاهرة وباطنة بينة.
طالب: () شروط ..
الشيخ: أربعة.
الخلاصة أن الشروط أربعة: تعيين الزوجين، ورضاهما، والولي، والشهادة على المذهب، أو على رأي شيخ الإسلام: الإعلان.
الطالب: والكفاءة ما تُشترط؟
الشيخ: الكفاءة في الصحيح أنها ليست بشرط، لكن مسألة الزنا قد نجعله في الموانع، هم جعلوا الزنا في الموانع، لكن اعتبروه في جانب المرأة ولم يعتبروه في جانب الرجل. وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام عليه.
طالب: () المرض ().
الشيخ: بيجينا إن شاء الله هذا في العيوب.
[باب المحرمات في النكاح]
قال: (باب المحرمات في النكاح)
التحريم أسألكم الآن، هل هو وارد أم مورود عليه؟
طالب: وارد.
الشيخ: وارد، التحريم وارد لا مورود عليه، إذن فالأصل الحل، الأصل في النساء الحل؛ لأن الله لما عدد المحرمات قال: ﴿وَأَحَلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
طالب: ﴿أُحِلَّ﴾.
الشيخ: قراءة سبعية. ﴿أُحِلَّ﴾ نظرًا إلى قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. ﴿وَأَحَلَّ﴾ نظرًا إلى قوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأَحَلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
[ ١ / ٦١٢٦ ]
المهم أن قوله ﷾: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾ أو ﴿وَأَحَلَّ﴾ معناه أن الأصل الحل في النساء حتى نعلم أن هذه المرأة ما تحل، إذن فالتحريم وارد.
المحرمات في النكاح ينقسمن أولًا إلى قسمين: محرمات إلى الأبد، ومحرمات إلى أمد، فهمتم؟ محرمات إلى الأبد دائمًا وأبدًا، ومحرمات إلى أمد.
القسم الأول: المحرم إلى الأبد أنواع: محرم بالنسب، ومحرم بالرضاع، ومحرم بالمصاهرة، ومحرم باللعان، ومحرم بالاحترام. خمسة أنواع.
المحرم إلى الأبد خمسة أنواع، وهو القسم الأول: محرم بالنسب، وبالرضاع، وبالمصاهرة، وباللعان، وبالاحترام.
نبدأ بالخفيف: الاحترام مَن؟
طالب: زوجات الرسول.
الشيخ: زوجات الرسول ﵊، وهذا بالنسبة إلينا انتهى وقته لكنه محرم على الأبد: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٥٣]، إلى يوم القيامة، وهن المحرمات إلى الأبد.
الملاعنة: ستأتي في كلام المؤلف، ونؤجلها إلى أن يأتي كلام المؤلف.
المحرمات بالنسب سبعة أشياء، ذكرها الله في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ [النساء: ٢٣]: سبعة.
فقوله تعالى: ﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾ تشمل الأم وإن علت من جهة الأم أو من جهة الأب؛ يعني (وإن علت) ما هو معناها ارتفعت على السطح، علت: يعني صارت جدة، أُم جدة، أُم جد، وهكذا. أو ما يشمل؟
طلبة: يشمل.
الشيخ: ولاحظوا أن أوسع الشمولات في هذا الباب هو باب النكاح؛ لأنه بأدنى سبب يحصل التحريم.
الأم في باب الميراث، هل هي الأم وإن علت؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأن الجدة المسبوقة بذَكَرٍ قبله أُم ما ترث. طيب هذه واحدة ﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾.
[ ١ / ٦١٢٧ ]
﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ يشمل البنت وإن نزلت، مثل بنت الابن وبنت البنت وهكذا. وظاهر قوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ يشمل بنت الإنسان من الزنا، وهذه مسألة فيها خلاف، ونريد من ثلاثة منكم أن يحققوا هذه المسألة:
محمد البراق يحقق أنها حرام، ومحمد إسماعيل يحقق أنها حلال، ووليد يحقق أنها حرام على أبيها حلال لإخوتها. ().
من الأم التي ولدته مباشرة، والجدة وإن علت، هذا الدليل.
وقوله: (كل جدة وإن علت): يشمل الجدة من قِبَل الأب، والجدة من قِبَل الأم. وبهذا نعرف أن التحريم في النكاح أشد سريانًا من الإرث؛ لأن الإرث لا ترث الجدة أم أبي الأم، وأما هذا فتحرم.
كذلك يحرم البنت؛ لقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾، وهذه تشمل يقول: (بنت الابن وبنتاهما)، بنت مَنْ؟ بنت البنت، وبنت بنت الابن، يعني وإن نزلوا، وهذا داخل في عموم قوله: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾. هذا الدليل من حيث الأثر.
أما الدليل من حيث النظر فلأن الأم وإن علت أنت بضعة منها، يعني أنت بضعها، والبنت وإن نزلت هي بضعة منك، فلا ينبغي أن يستحل أحد من كان بضعة منه، أو من كان هو بضعة منه. هذا هو الحكمة في التحريم.
ولذلك الرضاع لماذا تحرم المرضعة؟ لأن هذا الطفل نشأ من لبنها، شوف لما تغذى بس باللبن صار حرامًا أو انتفى التحليل، فكيف بمن هو جزء؟
وقال: ويحرم أيضًا، قال: (من حلال وحرام): البنت وبنت الابن والأم وإن علت (من حلال وحرام)، يعني سواء كانت البنت من حلال، وهي البنت التي نشأت عن وطء بعقد صحيح، أو عن وطء بشبهة، هذه من حلال، ويش لون وطء بعقد صحيح؟ يعني رجل عقد على امرأة عقد نكاح صحيح فأتت منه ببنت، هذه البنت من حلال ولَّا حرام؟
طلبة: حلال.
[ ١ / ٦١٢٨ ]
الشيخ: من حلال. كذلك أيضًا من نشأت بوطء شُبهة، فإنها تكون بنتًا من حلال، حلال باعتقاد الواطئ، حرام بحسب ما في نفس الأمر، وإن شئنا قلنا: هذه مرتبة بين الحلال والحرام. وعلى هذا فتكون البنت إما من حلال خالص، أو من حرام خالص، أو من حلال بحسب ظن المكلف حرام بحسب الواقع.
البنت التي نشأت بعقد نكاح صحيح، هذه من حلال خالص ما فيه شبهة، وحرام خالص بنت الزنا.
إذا زنى رجل بامرأة، أو جامعها جماعًا في حكم الزنا، مثل أن يعقد عليها عقدًا باطلًا ويجامعها وهو يعلم أنه باطل، فهذا وإن كان بعقد فالعقد هنا صورة وليس بحقيقة، مثل أن يتزوج امرأة معتدة من غيره وهو يعلم أن ذلك حرام، ثم يجامعها وتأتي منه ببنت، ويش حكم هذه البنت؟
طالب: بنت زنا.
الشيخ: هذه بنت زنا، مثل بنت الزنا تمام؛ لأن هذا العقد وجوده كعدمه، هذه البنت بنت الزنا أو ما في حكمه هذه من حرام خالص، وحرام عليه ولَّا لا؟
طالب: بلى.
الشيخ: نعم، حرام عليه، ما يتزوجها، مع أنها لا تُنسب إليه شرعًا، ما يُقال: بنت فلان، ولا يرثها ولا ترثه، لماذا؟ لأن قوة التحريم في النكاح لها نفوذ أكثر من الإرث والنسب؛ ولهذا بنتك من الرضاع حرام عليك مع أنها لا تُنسب اليك، ولا ترثها ولا ترث منك. التحريم في النكاح له قوة ونفوذ.
القسم الثالث: قلنا: المشتبِه، اللي ما هو حلال خالص ولا حرام خالص، وهو ما كان حرامًا في نفس الأمر حلالًا بحسب ظنِّ المكلَّف، مثل: تزوج امرأة معتدة يظن أن ذلك لا بأس به، وجامعها، وأتت منه ببنت، هذه البنت جاءت بأيش؟
طالب: بوطء شُبهة.
الشيخ: بوطء شُبهة، تكون بنتًا له تُنسب إليه، وترثه ويرثها، ويحرم عليه نكاحها، وهذا واضح.
كذلك إنسان جاء فوجد امرأة نائمة في فراشه، وكان مثلًا مشتاقًا إلى الجماع بدون أن يتأمل جامعها على طول، يظن أنها زوجته، هذا أيضًا يعتبر أيش؟
طالب: وطء شُبهة.
[ ١ / ٦١٢٩ ]
الشيخ: وطء شُبهة، حلال في ظن المكلَّف، حرام في نفس الواقع أو في نفس الأمر؛ فلأنه كان يراه حلالًا صارت البنت المخلوقة من هذا الماء بنتًا له ترثه ويرثها، وتحرم عليه في العقد.
طالب: وتُنسب إليه؟
الشيخ: تُنسب إليه نعم.
الطالب: ولو كانت من أخته؟
الشيخ: ولو كانت أخته، يعني لو جامع أمه مثلًا، يحسبها زوجته، فأتت ببنت؛ فهي بنته.
طالب: ما تكون بنته وأخته؟ !
الشيخ: تكون بنته وأخته، لكن أخته من أمه ما ترث، ما ترث بالأخوة من الأم؛ لأنها بنت، فتحجب نفسها بنفسها.
إذن (من حلال وحرام)، قلنا: إن وطء الشبهة ليس حلالًا محضًا ولا حرامًا محضًا، وإذا كان الحرام المحض يُحَرِّم فالشبهة من باب أولى.
(وإن سفلت، وكل أخت)، ما قال المؤلف: كل بنت. قال: (والبنت) (والأم)، وهنا قال: (كل أخت)، لماذا؟ لأن الأخت تكون شقيقة ولأب ولأم؛ فلهذا قال: (كل أخت) هي حرام على الإنسان سواء كانت شقيقة، أو لأب، أو لأم.
(وكل أخت وبنتُها وبنتُ ابنتها)، طيب وبنت ابنه؟
كل أخت وبنتها، وبنت ابنتها، وبنت ابنها، وإن نزلت فهي حرام عليه، لماذا؟ لأن الأخت حرام واضح، وبنت الأخت حرام أيضًا، وبنت الأخت حرام ولَّا لا؟
طالب: بلى.
الشيخ: حتى في نص الآية حرام: ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾. وإن سفلت.
(وبنت كل أخ وبنتها): (وبنت كل أخ) شقيق أو لأب أو لأم.
(وبنت كل أخ وبنتها وبنت ابنه): ابن الأخ، (وبنتها)، إذن الإخوة، ومن تفرع عنهم كلهم حرام، الأخوات ومن تفرع عنهم، وبنات الإخوة ومن تفرع عنهم، كلهم حرام؛ لأنك إما أن تكون عمًّا وإما أن تكون خالًا.
[ ١ / ٦١٣٠ ]
قال المؤلف: (وكل عمة وخالة وإن علتا): يعني (كل عمة) ليش قال: (كل)؟ يشمل العمة الشقيقة التي هي أخت أبيك من أمه وأبيه، والعمة من أب، وهي أخت أبيك من أبيه، والعمة من الأم وهي أخت أبيك من أمه، فكل عمة، وكل خالة أيضًا وهي أخت أمك إن كانت شقيقة من أمها وأبيها، وإن كانت من أبيها، وإن كانت من أمها، كل خالة.
(وإن علتا)، ويش لون هذا الكلام؟ الخالة تعلو؟ !
طلبة: نعم، الخالة تعلو.
الشيخ: تكون مَن؟ تكون خالة أبيك، أو عمة أبيك، أو خالة أمك، أو عمة أمك، أو خالة جدك، أو خالة جدتك، أو عمة جدك، أو عمة جدتك وهكذا، إلى ما لا ناهية له، (وإن علتا)؛ لأنك لا تخلو إما أن تكون أنت ابن أخ من أبناء الإخوة وإما من أبناء الأخوات.
فكل عمة وكل خالة وإن علتا فهي حرام، عمة أبيك عمة لك ولَّا لا؟ خالة أبيك خالة لك، وهكذا عمة جدك وعمة جدتك، وخالة جدك وخالة جدتك، كلهن حرام؛ لدخول ذلك في قوله: ﴿عَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ﴾؛ ولهذا عمة الأب هي عمة لك، حتى أنت تسميها عمة، وخالة أبيك تسميها خالة.
(وإن علتا) انتهى المحرمات بالنسب، وهن سبع: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ [النساء: ٢٣]. واختصرها بعض العلماء بقوله: الأصول وإن علوا، والفروع وإن نزلوا، وفروع الأب الأدنى وإن نزلوا، وفروع الأب الأعلى لصلبهم خاصة، فجعلوها أربعة أنواع: الأصول وإن علوا، والفروع وإن نزلوا، وفروع الأصل الأدنى وإن نزلوا، وفروع الأصل الأعلى لصلبهم خاصة. واضح؟ هو أفصل من الآية لكنه ما هو بأوضح من الآية، أفصل من الآية.
فالفروع وإن نزلوا يدخل فيها البنات وبنات الأدنى وإن نزلوا.
والأصول: الأمهات والجدات وإن علوا.
وفروع الأصل الأدنى وإن نزلوا: من هم فروع الأصل الأدنى؟ الإخوة وإن نزلوا، هذا فروع الأصل الأدنى؛ لأن الأصل الأدنى أمك وأبوك.
[ ١ / ٦١٣١ ]
وفروع الأصل الأعلى لصلبهم خاصة، منهم العمات والخالات لصلبهم خاصة؛ ولهذا بنت العمة تجوز ولَّا لا؟ وبنت العم تجوز وهكذا؛ لأنه يقول: فروع الأصل الأعلى لصُلبهم خاصة فقط، فانحصرت المحرمات بالنَّسب في أربعة أنواع: أصول، فروع، فروع الأصل الأدنى وإن نزلوا، فروع الأصل الأعلى لصلبهم خاصة فقط.
قال المؤلف: (والملاعَنة على الملاعِن): الملاعَنة بالفتح: التي لاعنها زوجها، (على الملاعِن) اللي هو الزوج.
طالب: بالكسر ما يصلح؟
الشيخ: الملاعِنة؟
الطالب: نعم.
الشيخ: لا، هو الملاعِن؛ لأنه يقول: لعنها الزوج.
فـ (الملاعَنة على الملاعِن) الذي لاعنها.
وفي الحقيقة أن كلمة (لاعَن) على وزن (فاعَل) تكون للمشتركَيْنِ في الغالب، فإن كان قد لا تكون للمشتركين مثل: (سافر) ما فيه اشتراك. لكن (قاتَلَ) فيه اشتراك، (لاعَنَ) فيه اشتراك من الجانبين، فهي يصلح أن تجعلها بالفتح في الموضعين، أو بالكسر في الموضعين، أو تخالف، لكن المخالفة أولى؛ لأن اللعن حقيقة يصدر من الزوج.
فـ (الملاعَنة على الملاعِن) ويش هي الملاعنة؟ يعني امرأة مثلًا واجهها إنسان قال: الله يلعنك. قالت: الله يلعنك أنت؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ما هو بهذا.
(الملاعَنة على الملاعِن) معناه أن الرجل إذا رأى زوجته تزني والعياذ بالله، فإن له الحق أن يقذفها بالزنا فيقول: إن زوجتي زنت. في هذه الحال يقال له: إما أن تأتي ببينة أربعة شهود، وإما أن تعترف المرأة بذلك، وفي هاتين الحالين لا يحتاج للعان، ما يحتاج لعانًا؛ السبب: لأن البنية قامت بالشهود أو بالإقرار.
وإما أن نقيم عليك الحد ثمانين جلدة؛ لأنك قذفتها.
طالب: الزوج ما يُجلد؟
الشيخ: كلا، بلى. وإما أن نقيم عليك الحد ثمانين جلدة.
[ ١ / ٦١٣٢ ]
وإما أن تُلاعن؛ لأن الرسول قال له: «الْبَيِّنَة أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ» (٦). فنقول له الآن: ما دام ما فيه بينة ولا إقرار نبغي نجلدك ثمانين جلدة إلا إن كنت بتلاعن. فإذا قال: أنا أختار اللعان. هنا قلنا للمرأة أو الرجل: تلاعنا. فيقول هو: أشهد بالله لقد زنت زوجتي هذه. أربع مرات.
ويقول في الخامسة: وأن لعنة الله عليه لكن يأتي بالضمير بالياء، قلنا: يعني بالغائب لئلا يسند إلى المتكلم، وإلا الأصل أنه يقول: عليَّ. يقول: وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين.
فإذا قال ذلك أربع مرات، والخامسة قال هذا الكلام ثبت عليها حد الزنا؛ الحد إما رجم وإما جلد وتغريب، إلا أنها لها أن تسقط الحد باللعان، هي ترد عليه؛ ولهذا قال الله ﷿: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾ [النور: ٨]، فتشهد أربع مرات أنه كاذب فيما رماني به من الزنا، وتقول في الخامسة: ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٩].
وإنما كان اللعن في حقه، والغضب في حقها والغضب أفظع وأعظم؛ لأنه هو أقرب من الصدق منها؛ إذ إنه لا يمكن لأحد أن يُدنِّس فراشه بهذه الفاحشة إلا وهو صادق، أما هي فربما تريد دفْع السوء عنها؛ سوء السمعة وعن أهلها فلا تبالي، كما وقع ذلك فيما وقع في عهد الرسول ﷺ، أنها قالت: لن أفضح قومي سائر اليوم (٧). ووافقت على هذا الأمر العظيم نسأل الله العافية؛ أن غضب الله ..
إذا تلاعنوا هذا اللعان ويش اللي يحصل؟ تحصل الفُرقة بينهما بدون فسخ وبدون طلاق، تكون الفرقة تلقائيًّا، وتحرم عليه تحريمًا مؤبدًا لا تحل له إلى يوم القيامة؛ لأنه ليس من الحكمة أن تحل امرأة شهد عليها زوجها بالزنا وهي كذَّبته أمام الناس، هذا من أعظم ما يكون من الفراق؛ ولهذا كان الحكمة ألا يجتمعا أبدًا، هذه الملاعنة والملاعن.
فإذا قال قائل: لماذا لم يكن قذْف الزوجة كقذف الأجنبية؟ فما هو الجواب؟
[ ١ / ٦١٣٣ ]
نقول: إن الجواب ما أشرنا إليه قبل قليل، وهو أن الرجل لا يمكن أن يُقدم على رمي زوجه بالزنا إلا وهو صادق، فلهذا خُفِّف عنه.
وتعرفون قصة سعد بن عبادة ﵁ حينما نزل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]. فقال ﵁: أدع لكع بن لكع على أهلي، والله لأضربنه بالسيف غير مصفح (٨). ويش معنى غير مصفح؟ يعني أضربه بحده، ما هو بصفيحته، لا، أضربه بحده. فقال الرسول ﵊: «أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ ! وَاللَّهِ إنِّي لَأَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي» (٨). ثم أنزل الله الآية اللي بعدها بحكم رمي الزوج زوجته بالزنا، فكان في ذلك فرج، وكان سعد بن عبادة ﵁ من أشد الناس غيرة على أهله، حتى إنه إذا طلق زوجةً من نسائه ما يتزوجها أحد بعده من شدة غيرته (٩).
وهو ﵁ تعرفون أنه سيد كبرى القبيلتين من الأنصار وهي الخزرج. هذا الملاعنة على الملاعِن، تحرم تحريمًا مؤبدًا.
طالب: حول الفرقة أو () إن عفا عنها زوجها؟
الشيخ: العلماء يقولون: إنه إذا كان في طهر لم يجامعها فيه فإنه يجب عليه أن يقذفها لئلا تلد ولدًا يُنسب إليه وهو ليس له، وأما ما سوى ذلك فينظر إلى الأصلح، إن كانت امرأة من هالنساء اللي يُخشى عليها فعل الفاحشة، لا يصلح لها ولا تصلح له، فالأولى أن يفعل أو يُطلِّق ويتركها، حسب الحال.
طالب: قوله: (وكل أخت) فذكر أنه يجوز زواج الأخ من أخته إذا كانت أخته من الزنا؟
الشيخ: هذه خليها عندك، ما نعطيك عنها جوابًا.
الطالب: المؤلف ما .. بالنسبة إلى ..
الشيخ: ما نعطيك عنها جوابًا كلام المؤلف ولَّا، كيف؟
[ ١ / ٦١٣٤ ]
طالب: إذا انتفى () لاعن امرأته وانتفى، () فبنت المرأة زوجته تحرم عليه وقد لاعنها؟ وهي قد قطعًا قد تكون بنتًا لغيره؟
الشيخ: إي، لا، إذا انتفى منها ما تحرم عليه، أجنبية منه، لكنها بنت زوجته القديمة فتحرم عليه من جهة الصهر، هي أجنبية منه من حيث النسب، لكن من حيث الصهر تكون بنت زوجته وإن كان قد دخل بأمها تحرم عليه.
الطالب: ().
الشيخ: من جهة؟
الطالب: من جهة أنه يقتله قد يُقتَل بما قتل؟
الشيخ: لا، هذا جائز أن تقتله.
الطالب: بس قد يدعي أولياؤه ..
الشيخ: دعنا من الدعوة عليه والملابسات وغيره، إنما فيما بينك وبين الله لو وجدت رجلًا، والعياذ بالله على أهلك، نسأل الله أن يعصمنا وإياكم لكان لك أن تقتله، فيما بينك وبين الله.
الطالب: لكن تُدان، تُقتَل؟
الشيخ: أما مسألة أنك تدان قد يكون هذا يُنظَر في الموضوع. الصحيح في هذه المسألة ما اختاره شيخ الإسلام أنه يُنظَر للقرائن.
الطالب: شبهة واردة؟
الشيخ: أي شبهة؟
الطالب: قد يكون عدوًّا له وأدخله بيته.
الشيخ: ويش اللي غصبه على ..؟
الطالب: يريد يُدخِله بيته ويقتله، فيدعي ..
الشيخ: لا، إحنا الكلام على مَن وجد رجلًا على امرأته، فقلته وهو عليها، هو ما متحرك هو، يبغي بيقول مثلًا لامرأته: لا تتحركي، خلي الحكومة أو الدولة تأتي وتشاهده عليكِ.
لكن إذا قتله في غير هذه المسألة، مثل إنسان دخل على شخص وصال عليه، أراد يقتله أو أراد أهله، ودافع عن نفسه وقتله.
الطالب: زوجته لا تطيعه، ولو قال: () قتله ().
الشيخ: لا، ما هي على كل حال تقوم، قد تخشى على زوجها وتقعد ().
المهم ما علينا من الملابسات، الكلام على أنه فيما بينه وبين الله يجوز أن يقتله، وربما يقتله ولا يعلم بذلك أحد ويأخذه يدفنه ولا يدرَى عنه، يصلي عليه، ويغسله ويكفنه، ولا يدرى عنه.
الطالب: مسألة ()؟
[ ١ / ٦١٣٥ ]
الشيخ: إنما مسألة .. غير هذه لو دخل رجل شخص دخل إلى بيتك متلصصًا أو يريد أهلك وتبغي تدفعه بالتي هي أحسن وأبى ..
ويَحْرُمُ بالرَّضاعِ ما يَحْرُمُ بالنَّسَبِ،
() معروف الشر والفساد فإنه لا يُقتل به صاحب البيت، ولا يمكن العمل إلا على ما قاله الشيخ، واحتمال أنه يجيبه يدخله بيته، هذه تنافي القرينة اللي ذكرها الشيخ.
طالب: شيخ إذا زنت () حدث منها مرة.
الشيخ: إحنا قلنا: يُنظر للمصلحة في هذا، والمصالح تختلف.
الطالب: ().
الشيخ: إي، إذا تابت زال عنها هذا الوصف.
الطالب: ().
الشيخ: إذا تابت بارك الله فيكم ()، وهذه تقع كثيرًا، فهذه لا ينبغي أن يُفشي سرها أو ينشر عاره، وأيضًا هل يطلقها أو لا ينظر للقرائن، قد تكون أم أولاد ويحصل بالتفرق مفاسد، وإذا تابت الله () عنها، وكثير من النساء تكون قد حصل عليها مثل الزنى في أول أمرها أو ما أشبه ذلك.
طالب: ().
الشيخ: ها هو ذا ().
قال المؤلف: (ويحرم بالرضاع ما يحرم بالنسب) (يحرم بالرضاع): الباء للسببية، (ما يحرم بالنسب) مثلها: الباء للسببية، وقوله: (ما) باعتبار الجنس، يعني: الأجناس التي تحرم بالنسب يحرم نظيرها من الرضاع.
عرفنا قبل قليل: أن المحرمات بالنسب سبع، فنظيرهن من الرضاع سبع: أمك من الرضاع وإن علت، بنتك من الرضاع وإن نزلت، أختك من الرضاع مطلقًا، بنت أختك وإن نزلت، بنت أخيك وإن نزلت، العمة وإن علت، الخالة وإن علت، (يحرم بالرضاع ما يحرم بالنسب): هذا معنى الحديث أو لفظه، قال النبيُّ ﵊: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» (١). وفي رواية: «الرَّضَاعَةُ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُهُ الْوِلَادَةُ» (٢).
وهل الرضاع يُحرم به ما يحرم بالصهر أو لا؟
هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، فجمهور أهل العلم على أنه يحرم بالرضاع ما يحرم بالصهر، وسيأتي إن شاء الله مَن يحرم بالمصاهرة، وهم:
[ ١ / ٦١٣٦ ]
فروعُ الزوج وإن علَوْا، وأصولُه وإن نزلوا، وأصولُ الزوجةِ وإن علَوْا، وفروعُها وإن نزلوا بشرط الدخول في المسألة الأخيرة.
هؤلاء المحرمات بالمصاهرة، وسيأتي -إن شاء الله- الكلامُ عليها، إنما العلماء اختلفوا:
هل يحرم بالرضاع ما يحرم بالمصاهرة؟ على قولين:
فجمهور أهل العلم -ومنهم الأئمة الأربعة- على أنه يحرم بالرضاع ما يحرم بالمصاهرة، فأم زوجتك من الرضاع حرام عليك كأم زوجتك من النسب، ويش هي أم زوجتك من الرضاع؟
طالب: التي أرضعَتْ زوجتَك.
الشيخ: التي أرضعَتْ زوجتَك، كده؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: زين، حرام عليك كما أن التي ولدَتْ زوجتَك حرام عليك.
بنت زوجتك من الرضاع من زوجٍ غيرِك -أما إن كان من الرضاع منك فهي بنتك- لكن بنت زوجتك من الرضاع من زوجٍ سابقٍ أو لاحقٍ حرام عليك ولَّا لا؟
طلبة: حرام عليك.
الشيخ: حرام عليك، كبنتها من النسب، هذا رأيُ جمهور أهل العلم، ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية خالف في ذلك وقال: إن المصاهرة لا تأثير للرضاع فيها، ويأتي -إن شاء الله- الكلامُ عنها.
***
الباحث: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد:
مسألة:
أ. رجل زنى بامرأة فأتت منه ببنت، السؤال: هل يجوز للرجل الذي زنى بها أن يتزوج البنت؟
ب. هل يجوز لابن الرجل الذي زنى بها -وهو من غيرها- أن يتزوج البنت؟
أما زواج الرجل مِن بنتِ مَن زنى بها ففيه خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال بالجواز، ومنهم من حرم ذلك، والآن نستعرض أدلة الفريقين بما ذكره أهل العلم.
الشيخ: هنا ينبغي أن يُذكر المذاهب، () فمنهم مثلًا مذهب الشافعي ومذهب مالك ومذهب أحمد، أحسن.
الباحث: بس إحنا ما دخلنا في الموضوع يا شيخ، ما تطرقنا.
الشيخ: أنت ذكرت هذا؟
الباحث: ().
الشيخ: لا، تقول: منهم من قال بالجواز ومنهم من قال ..
الباحث: إي نعم.
الشيخ: مين اللي قال بالجواز؟
الباحث: الآن يأتيك إن شاء الله.
[ ١ / ٦١٣٧ ]
الشيخ: يأتي، طيب.
الباحث: أولًا: القائلين بالتحريم: أدلتهم من ..
الشيخ: القائلون.
الباحث: إي نعم، القائلون بالتحريم:
أدلتهم من القرآن هو قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فذكر المفسرون أن الآية على عمومها فيشمل البنت من حرام أو حلال.
قال ابن كثير في تفسيره: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾، استدل جمهور العلماء على تحريم المخلوقة من ماء الزاني عليه بعموم قوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾، فإنها بنت فتدخل في العموم.
وقال أبو عبد الله ابن حيَّان والقرطبي في تفسيرهما: أنَّ البنتَ المحرمة: كلُّ أنثى رجع نسبُها إليك.
أدلتهم من السنة: احتجوا بما في قصة جريج الثابتة في الصحيح أنه قال: «يَا غُلَامُ مَنْ أَبُوكَ؟ فَقَالَ: فُلَانٌ الرَّاعِي» (٣). فنسب الابنُ نفسَه إلى أبيه من الزنى.
وردَّ هذا الاستدلالَ أبو الطيب القنوجيُّ في تفسيره بقوله: وهذا احتجاج ساقط؛ لأن هذا مُطْلَق مقيَّد بما ورد من الأدلة الدالة على أن الحرامَ لا يُحَرِّمُ الحلالَ.
ثانيًا: احتجوا بما رواه أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (٤) عن حفص عن ليث -وهو ابن أبي سليم- عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود قال: لا يَنْظُرُ اللَّهُ إلى رَجُلٍ نَظَر إلى فَرْجِ امرأةٍ وابنتِها.
قلت: هذا الحديث مرفوع حكمًا؛ لأنه ليس للرأي فيه مجال وهو يحدث عن أمر غيبي، ولأن عدم نظر الله لشيء لا يمكن أن نعلمه إلا عن طريق المنقول الصحيح.
وأما سند هذا الحديث فرجاله ثقات غير الليث بن أبي سليم فهو ضعيف، فيسقط الاستدلال بهذا الحديث.
ولكن ذكر الشافعي في كتاب الأم (٥) () هذا الحديث ولكنه مُخَدَّر (٦) باللعنة، وهو مروي عن وهب بن منبه قال: مكتوبٌ في التوراة: ملعونٌ مَنْ نَظَر إلى فَرْجِ امرأةٍ وابنتِها.
[ ١ / ٦١٣٨ ]
قال ابن حزم: وهذا طريفٌ جدًّا. واحتجَّ بما رُوي عن ابن جريج قال: أُخبِرت عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن أم الحكم قال: قال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ: زنيتُ بامرأةٍ في الجاهليةِ أفأنكح ابنتَها؟ قال: «لَا أَرَى ذَلِكَ، وَلَا يَصْلُحُ لَكَ أَنْ تَنْكِحَ امْرَأَةً تَطَّلِعُ مِنِ ابْنَتِهَا عَلَى مَا تَطَّلِعُ عَلَيْهِ مِنْهَا؟» (٧). وهذا حديث ضعيف، وعلَّه ابن حزم في المحلى بأنه منقطع في موضعين من إسناده.
واحتجوا كذلك بما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ..
الشيخ: ما () ابن جريج، فرصة.
الباحث: كيف؟
الشيخ: هو عن ابن جريج عن النبي ﷺ.
الباحث: عن ابن جريج قال: أُخبِرْت عن أبي بكر عن النبي ﷺ.
الشيخ: إي، أُخبرت عمن؟
الباحث: عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن أم الحكم.
الشيخ: مَن أخبره؟
الباحث: هذا الانقطاع.
الشيخ: مجهول.
الباحث: مَن مجهول؟
الشيخ: كلمة (أُخبرت)، يمكن مجهول اللي أخبره.
الباحث: إي مجهول.
الشيخ: الراوي مجهول.
الباحث: إي منقطع.
الشيخ: لا، ما ()، سمه مجهولًا؛ الراوي.
الباحث: بس الراوي ما مذكور.
الشيخ: إذا ما ذُكر قلت: عن فلان، وليس بمجهول، ما نسميه منقطعًا.
الباحث: صار عندنا المجهول هو ما ذُكر ولم يرو عنه أحد.
الشيخ: لا، هذا مجهول الحال.
الباحث: ومجهول العين ().
الشيخ: إذا قال: أُخبرت عن فلان، (أُخبرت) يعني: أخبرني واحد، مَن الذي أخبره؟ نشوف.
أما إذا قال: عن فلان، وما أدركه: صار منقطعًا، هذا الفرق بينهما، فهمت؟
الباحث: إي نعم.
واحتجوا كذلك بما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه قال: حدثنا ..
الشيخ: كما أن لفظ هذا الحديث أظهر أنه ما هو من كلام الرسول ﵊؛ لأنه قال: «لَا أَرَى» لا أرى كذا، ومثل هذا التعبير ما يقع من الرسول ﷺ؛ لأنه لم يقل: (لا يحل لك) هذا أيضًا مما يدل على ضعفه من حيث المتن.
[ ١ / ٦١٣٩ ]
الباحث: واحتجوا كذلك بما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (٨) قال: حدثنا جرير بن عبد الحميد عن حجاج عن أبي هانئ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ نَظَرَ إِلَى فَرْجِ امْرَأَةٍ لَمْ تَحِلَّ لَهُ أُمُّهَا وَلَا ابْنَتُهَا».
قلت: هذا حديث ضعيف فيه علتان:
الأولى: الحجاج بن أرطاة فإنه ضعيف كثير التدليس.
والثانية: أبو هانئ فإنه مجهول كما قال ابن حزم، وقال البيهقيُّ: إسناده مجهول، وضعَّفه الحافظُ في الفتح وذكره عن أم هانئ، والصواب ما ذكره ابن حزم في المحلى وابن أبي شيبة في مصنفه، ولم يذكره أحد عن أم هانئ فيما نعلم، ولم أجد فيما هو بين يدي من كتب الرجال أحدًا يروي عن أم هانئ اسمه حجاج، فالصواب هو عن أبي هانئ.
ثالثًا: ما رُوي عن السبب في التحريم:
صح ما رواه عبد الرزاق في مصنفه (٩) وابن أبي شيبة، عن أبي بكر بن عبد الرحمن وأبي سلمة بن عبد الرحمن ومجاهد وعطاء وطاووس والحسن والشعبي، وهي روايتان عن عروة وابن المسيب، وهو مروي عن عمران بن حصين.
ونقل شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى التحريم عن أبي حنيفة وأحمد، وعن مالك روايتان ورجحه شيخ الإسلام -أي التحريم- كما في كتابه الاختيارات. وقال في الإنصاف عن الخرقي ..
طالب: قال: كما في كتابه الاختيارات.
الشيخ: إي يعني على كل حال مجموع، اللي جمعه البعض.
الطالب: يعني لو حذف الهاء مثلًا ..
الباحث: أنا حطيت الاختيارات بين قوسين، يعني كتابه المسمى (الاختيارات).
الشيخ: إي عبد الله بيقول: إن الكتاب ما هو من تأليف الشيخ، مجموع اللي جمعه البعلي، لكن يُنظر إلى رأيه، يعني لو حذف الهاء (كتاب الاختيارات).
[ ١ / ٦١٤٠ ]
الباحث: وقال في الإنصاف عن الخرقي: إن وطء الحرام مُحَرِّمٌ كما يُحَرِّم وطءُ الحلالِ والشبهةِ، وصرح القاضي في تعليقه أنه حرام، وذكره ابن عابدين في شرحه على الفقه الحنفي عدم الجواز، وفصَّل في ذلك ثم قال: ولا فرق في أصله وفرعه أو أخته أن يكون من الزنى أو لا، ونقل عن البحر أنه دخل في البنت ..
الشيخ: بنته كانت أو أخته من أهم ما يكون الحوار؛ ولهذا ما تولد من مائه لا يشك فيه؛ إذ يكون التحريم به.
الباحث: ونقل عن البحر: أنه دخل في البنت بنتُه من الزنى، فتحرم عليه بصريح النص؛ لأنها بنته لغة، والخطاب إنما هو باللغة العربية ما لم يثبت نقْلٌ. انتهى.
وشدَّد في ذلك ابنُ أبي ليلى حيث قال: إن القبلة واللمس ..
الشيخ: هذا أيضًا (نقْل) هذه مرت علينا قبل () أن القرآن يُحْمل على مقتضى اللغة إلا إذا كان الشرع نقله عن معناه ()، مثل الصلاة والزكاة والحج وما أشبه ذلك، فالعبرة بمدلول الصلاة.
الباحث: وشدد في ذلك ابن أبي ليلى حيث قال: إن القبلة واللمس يُحَرِّم الأمَّ والبنتَ. وذكر الموفق ابن قدامة في المقنع: أن البناتِ سواء من حرام أو حلال؛ لدخولهن في عموم لفظ: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
طالب: القبلة واللمس تحرم البنت؟ !
الشيخ: لا هذا غلط هذا.
الباحث: إحنا ذكرنا أنه شدَّد في ذلك.
وذكر أبو الفرج في الشرح الكبير قال: ويحرم على الرجل نكاحُ ابنتِه من الزنى؛ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. وهذه بنت مخلوقة من مائه وهي بضعة منه، فلم تحل له كبنته من النكاح، وتخلُّف بعض الأحكام لا ينفي كونها بنتًا كما لو تخلَّف لرق أو اختلاف دين، ومما يدل على ذلك قولُ النبي صلى ..
[ ١ / ٦١٤١ ]
الشيخ: قوله: (التخلُّف على الأحكام) هذا فيه قصور الحقيقة؛ لأن اللي يتخلف جميع الأحكام كل الأحكام ما عدا مسألة التحريم، وإلا كل الأحكام تتخلف إلا مسألة التحريم في بنت الزنى، لا يرثها ولا ترثه وليس مَحْرَمًا لها وليست محرمًا له، ولا تجب نفقتُها، كل الأحكام تنتفي إلا مسألة التحريم، فقوله: (تخلف بعض الأحكام). ويش يُفهم منه؟
طالب: أن فيه أشياء ..
الشيخ: أن الأكثر؟
الطالب: محرم.
الشيخ: () أن أحكام النسب في مسألة الزنى أكثرها ثابتة، والأمر ليس كذلك، وهذا هو الذي يوجب للإنسان الحقيقة التردد في هذه المسألة، لولا أن الرضاع يزيل الشك على الإنسان لكانت المسألة فيها إشكال كبير، () الشافعي قوية.
الباحث: ومما يدل على ذلك قولُ النبيِّ ﷺ في امرأةِ هلالِ بنِ أميةَ: «انْظُرُوهُ -يَعْنِي وَلَدَهَا- فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى صِفَةِ كَذَا فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ» (١٠). يعني الزانيَ. هذا ما أُثِر عن السلف في القول بالتحريم.
ثانيًا: القائلون بالجواز:
طالب: ().
الشيخ: لا، هذه الملاعنة، في باب اللعان، هلال بن أمية قذف زوجته بشريك بن سحماء.
الطالب: ().
الشيخ: لا، هو هلال بن أمية حكم الرسول به لهلال؛ لأنه لما تلاعنا حكم بهلال ولكن قال: «انْظُرُوا فِيهِ، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا فَهُوَ لِهِلَالٍ» (١١). أو ..
الطالب: ().
الشيخ: شبهه الرسول قال: إن جاءت به كذا وكذا وكذا، وجاءت به على النعت المقرون.
الطالب: بس في الحقيقة للزوج.
الشيخ: إيه للزوج. نعم.
الباحث: ثانيًا: القائلون بالجواز:
من القرآن: لم يذكروا دليلًا من كتاب الله؛ وذلك لأنهم بنوا ذلك على أنها ليست ابنته، ولأنها أجنبية منه ولا تُنسب إليه شرعًا، ولا يجري التوارث بينهما، ولا يلزمه نفقتُها، فلم تحرم عليه كسائر الأجانب، فإذا أُخرجت من المحارم جاز نكاحُها.
[ ١ / ٦١٤٢ ]
الشيخ: لا، لهم دليل من القرآن، أيش؟ ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
طالب: وأيضًا قوله: ﴿خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان: ٥٤]، تعرضوا -طائفة من العلماء- قالوا: على وجه الشرع، التعريف على وجه الشرع، فقالوا: فما لم يأت على وجه الشرع فليس بصهر. آية ثانية ().
الشيخ: () المهم على كل حال أن لهم أن يحتجوا بالقرآن فيقولوا: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، هل بنت الزنى ترث؟
الطالب: لا ترث.
الشيخ: لا ترث، إذن ما تدخل في قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]، فليست داخلة في الأولاد بنص القرآن؛ لأنها ما ترث، ولو كانت داخلة في الآية ورثت، ثم بعد ذلك يقولون: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، فتكون داخلة في العموم. نعم.
الباحث: من السُّنة: استدلوا بذلك بما روي عن عائشة قالت: سُئل رسولُ الله ﷺ عن الرجل يتبع المرأة حرامًا أينكح ابنتها؟ أو يتبع الابنة حرامًا أينكح أمها؟ قال: «لَا يُحَرِّمُ الْحَرَامُ، إِنَّمَا يُحَرِّمُ مَا كَانَ بِنِكَاحٍ حَلَالٍ».
وهذا حديث باطل ومنكر، وقد أخرجه الطبراني في الأوسط (١٢)، وابن عدي في الكامل (١٣)، وابن حبان في الضعفاء (١٤)، والدارقطني (١٥)، والبيهقي (١٦) من طريق المغيرة بن إسماعيل بن أيوب، عن عثمان بن عبد الرحمن، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة.
وعِلَّتُه: هو عثمان بن عبد الرحمن؛ قال ابن حبان: كان يروي عن الثقات الموضوعات، وكذبه ابن نعيم، وقال الهيثمي وعبد الحق: متروك، وكذا قال الحافظ في التقريب.
والراوي عن المغيرة مجهول كما قال الذهبي، وقال ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه: هذا حديث باطل.
ثالثًا: ما رُوي عن السلف في الجواز:
[ ١ / ٦١٤٣ ]
ذكر الحافظ في الفتح: أن الجمهور ذهبوا إلى ذلك، وحجتهم: أن النكاح في الشرع إنما يطلق على المعقود عليها لا على مجرد الوطء والزنى لا صداق فيه ولا عدة ولا ميراث، وقالوا: إذا زنى بامرأة لم تحرم عليه أمُّها ولا ابنتُها.
وقال ابن عبد البر: أجمع أهل الفتوى من الأمصار على أنه لا يحرم على الزاني تزوُّج مَن زنى بها، فنكاح أمِّها وابنتِها أجْوَزُ.
قلت: وهذا إذا لم تكن من مائه فيجوز نكاحُها على قول الجمهور وابنِ عبد البر.
الشيخ: الظاهر مراد الفتح هذا، بنت المزنِيِّ بها من غير مائه هذا صحيح، وهو قول الجمهور، قول الجمهور: أنها تحل بنت المزني بها من غير مائه، ما هي بنت الزاني، الكلام مفهوم.
طالب: ().
الشيخ: في الأخير تبيَّن بعض الشيء، إنما قول الفتح مثل الجمهور يعني بذلك: بنت المزني بها غير المخلوقة من ماء الزاني، يعني مثلًا لو زنى رجل بامرأة يحل له ابنتُها؟
طلبة: ().
الشيخ: تحل، لكن على مذهب الحنابلة: لا ما تحل، بنت المزني بها حرام على الزاني ولو من غير مائه؛ لأنهم يقولون: إن الموطوءة في الزنى كالموطوءة في النكاح، فكما أن الربيبة -ربيبة الموطوءة- حرام فربيبة المزني بها؟
طالب: من باب أولى.
الشيخ: ما هو من باب أولى، لا، يكون حرامًا بس، إنما على كل حال هو ضعيف، مذهب الحنابلة في هذا ضعيف بل باطل في الحقيقة؛ لأنه كيف نجعل أثر السفاح كالنكاح، ثم إن الله يقول: ﴿رَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣]، والمزني بها ليست من نسائكم، وعلى كل حال عدِّي العبارة هذه؛ لأن اللي يسمع في الأول يظن أن رأي الجمهور في نكاح بنت المزني بها من مائه.
طالب: () البداية؟
الشيخ: إيه، في البداية، فالمراد المزني بها من غير مائه.
[ ١ / ٦١٤٤ ]
الباحث: وروى البيهقي (١٧) من طريق يونس بن يزيد عن الزهري: أنه سُئل عن الرجل يفجر بالمرأة أيتزوج ابنتها؟ فقال: قال بعض العلماء: لا يفسد اللهُ حلالًا بحرامٍ.
الشيخ: صحيح، هذه بنته من غير مائه، بنت المزني بها من غير مائه. نعم.
الباحث: وذهب الشافعيُّ إلى الجواز كما في كتابه الأم فذكر كلامًا مثل هذا ثم قال: إنما ثبتت الحرمة بطاعة الله، فأما معصية الله بالزنى فلم يثبت بها حرمة، بل هُتِكت بها حرمة الزانية والزاني.
وقال في الإنصاف: قال الشيخ تقي الدين: الوطء الحرام لا يمكن تحريم المصاهرة.
والقول بالجواز إحدى الروايتين عن مالك نقلها عنه شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى.
ونقل أبو الطيب القنوجي في تفسيره أن هذا -أي الجواز- قولُ أكثر أهل العلم، واحتج الجمهور بقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣].
الشيخ: ترى هذا انتقل البحث على رأسه ()، إلى هذا انتقل البحث إلى المصاهرة، ما هو معنا.
الباحث: لا، هو ذكرها () على أنه ..
الشيخ: لا، بس المصاهرة ما هي مسألة بنت الزاني ().
الباحث: والموطوءة بالزنى لا يصدق عليها أنها من نسائهم، ولا من حلائل أبنائهم، واحتجوا بحديث عائشة الذي تقدم ذكْرُه. هذا ما ذكره أبو الطيب في تفسيره ومال إليه.
واستدلوا بما رواه ابن ماجه ..
الشيخ: () كل هذه عن المصاهرة، ما هي ()، البقية كله على هذا؟
الباحث: لا، انتهى، الآن يأتي ..
واستدلوا بما رواه ابن ماجه عن ابن عمر موقوفًا بلفظ: «لَا يُحَرِّمُ الْحَرَامُ الْحَلَالَ» (١٨). قلت: هذا لا يصح سندُه إلى ابن عمر.
وقال أبو محمد بن حزم: إن من زنى بامرأة لم يحرم عليه -إذا تاب- أن يتزوج أمها أو ابنتها، والنكاح الفاسد والزنى في هذا سواء.
هذا ما ذكرناه من أدلة الفريقين، والذي يترجح عندنا هو التحريم؛ وذلك من وجوه:
[ ١ / ٦١٤٥ ]
أولًا: أن ظاهر الآية على عمومها، ولا يمكن أن نحدد ما أطلقه الله.
ثانيًا: لو نظرنا إلى الرضاع لوجدناه ..
الشيخ: طيب، بس للمنازع أن يقول: من يقول: إنها بنته؟
الباحث: اللغة تقول: إنها بنته.
الشيخ: نحن نتكلم عن الشرع، إن القاعدة عندنا أن القرآن نزل على المعنى اللغوي ما لم يكن هناك نقْلٌ (١٩)؛ يعني ما لم يكن هناك اصطلاح شرعي فيُحْمَل عليه، فعلى هذا نقول: مثلًا البنت ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] تكلمنا فيها الآن. نقول: هل هذه بنتك؟ ويش الجواب؟ إن قال: نعم، قلنا: إذن ترث منك؛ لأن الله يقول: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، وأنت لا تقول بالإرث، ولَّا لا؟
طالب: بلى.
الشيخ: وإن قال: لا، قلنا: إذن ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، فهي حلال.
طالب: ().
الشيخ: هي المشكلة الآن: هل هي ابنتك ولَّا لا؟ حقيقة الأمر أنها ليست ببنتك شرعًا، شرعًا ليست بابنة لك؛ ولهذا جميع أحكام النسب لا تثبت لها، لكني أنا الذي يرجح عندي ما قاله الجمهور -خلافًا للشافعي- أنه إذا كان الرضاع مؤثرًا وهي أن تنمو بلبن امرأتك فتحرم عليك ولَّا لا؟
طالب: بلى.
الشيخ: فكيف بالتي خُلِقت من مائك؟ تكون أحرم وأولى بالتحريم، ففي الحقيقة هذا هو الذي يكسر أدلة الشافعي، وإلا أدلته قوية جدًّا في نظري والعلم عند الله. لكنه واضح، نعم.
الباحث: ثانيًا: لو نظرنا إلى الرضاع لوجدناه يحرم المصاهرة ..
الشيخ: لا، ما هي عندنا المصاهرة، اترك المصاهرة، الرضاع ما يحرم المصاهرة على الصحيح ..
الباحث: من جهة المرتضع.
الشيخ: إي من جهة المرتضع، ما هي المصاهرة هذه.
طالب: قوله تعالى: ().
الشيخ: هذه في المصاهرة، ﴿حَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣] هذه من جهة المصاهرة.
طالب: يا شيخ الآن المرتضع ما هو يحرم على أخواته؟
[ ١ / ٦١٤٦ ]
الشيخ: المرتضع يحرم عليك لأنه رضع من ماء امرأتك، المرتضع يعني: بنت رضعت من زوجتك تحرم عليك؛ لأنها رضعت من لبن امرأتك، لكن مسألة هل تحرم عليك بنتها من الرضاع؟ مسألة خلافية، وستُذكَر إن شاء الله فيما بعد. نعم.
الباحث: لو نظرنا إلى الرضاع لوجدناه يحرم المصاهرة، وهو أقل نفوذًا من بنت الرجل من الزنى؛ لأنها من صلبه، فمن باب أولى تحريم الثاني قياسًا على الأول.
الشيخ: إيه، إذن ما تقول: المصاهرة، تقول مثلًا: ويؤيد ذلك ثبوتُ التحريم بالرضاع من لبن الزوجة، فثبوته بكونها خُلِقت من مائه من باب أولى. هذا صحيح. نعم.
الباحث: ثالثًا: أن بنت الرجل من الزنى هي من مائه، ولا يمكن أن ينكح ما كان سببًا في إيجاده وتكوينه.
الشيخ: أو أحسن: ما كان بضعة منه.
الباحث: رابعًا: أن الابن من الزنى قد يُنسَب إلى أبيه من الزنى، وهذا مساغ لغة وشرعًا ..
الشيخ: ويش هي؟ !
الباحث: أن الابن من الزنى قد يُنسَب إلى أبيه من الزنى، وهذا مساغ لغة وشرعًا كما في قصة جريج.
الشيخ: يعني سائغ؟
الباحث: إي نعم.
الشيخ: كما في قصة جريج ردوا عليها؟
الباحث: ().
الشيخ: ما هو سائغ شرعًا، شرعًا ما ينسب إلى الزاني، الرسول قال: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» (٢٠).
طالب: جريج ما هو نسبه؟
الشيخ: هو قال: مَن أبوك؟
الطالب: قال: فلان.
الشيخ: من أبوك؟ يعني: من خُلِقت من مائه؟ هذا الصحيح. نعم.
الباحث: خامسًا: أن أدلة القائلين بالتحريم من السنة أكثر وأقوى من القائلين بالجواز، أما تخلف بعض الأحكام -وهو العقد الصحيح- لا ينافي كونها بنته؛ لأنها مخلوقة من مائه كما حكاه أبو الفرج ..
الشيخ: لا، هذه علقنا عليها، ما هو صحيح هذا، كل الأحكام متخلفة إلا التحريم. هات المسألة الثانية ..
طالب: أدلة التحريم ().
الشيخ: لا، كلها ضعيفة، خلاف الأصل.
[ ١ / ٦١٤٧ ]
الباحث: ولكن مع ما ذكرنا من صحة القول بالتحريم فإن هذا -أي نكاح الرجل ابنتَه- لم يُؤثر عن أحد من العرب لا في الجاهلية ولا في الإسلام، إلا ما روي عن حاجب بن زرارة أنه تزوج ابنته.
الشيخ: ابنته منين؟ !
الباحث: ابنته.
الشيخ: من الزنى ولَّا من النسب؟
الباحث: أطلقوها.
الشيخ: ابنته! ! لا، ما هو صحيح.
طالب: الأصل عند الإطلاق أنها من النسب.
الشيخ: إيه هي من النسب ما فيه شك.
طالب: () تزوجها؟
الشيخ: يعني إذا تزوجها عادة لا تُحَكَّم، ما فيه أحد يحكم على هذه المسألة ابنته من الزنى () النسب صحيح، هذا ما هو معروف عند العرب، وإن كان معروفًا عند المجوس، المجوس ينكحون ذوات المحارم يتزوج الرجل ابنته. نعم.
الباحث: والظاهر أن ذلك قبل أن يسلم، ذكر ذلك النضر بن شميل المازني في كتاب ().
المسألة الثانية: هل يجوز لابن الرجل الذي زنى بها وهو من غيرها أن ينكح البنت؟ في هذا خلاف بين أهل العلم على قولين: الجواز، وعدمه.
أدلة القائلين بالجواز. القائلين؟
الشيخ: إي صح القائلين.
الباحث: قلت في السابق يا شيخ: اذكر أدلة القائلين.
الشيخ: لا، أنت قلت: القائلون بالجواز، في السابق: (القائلون) ما فيها شك. قلت: القائلين. والصواب: القائلون.
طالب: كانت الثانية: (القائلين بالجواز) يمكن؟
الشيخ: إيه القائلون، الثانية: القائلون.
طالب: مضافة على (أدلة).
الشيخ: لا، إذا جاءت في كلام العرب ضمن الصحيح، لكن كلام الإنسان أكثر قوله اللحن، ما يمكن صح. نعم.
الباحث: من القرآن قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، إلى قوله: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، قال أبو حيان في تفسيره: الأخت المحرمة: كلُّ مَن جمعك وإياها صلبٌ أو بطنٌ، وهذه قد جمعك وإياها الصلبُ.
ثانيًا: من السنة لم يوردوا شيئًا من السنة؛ وذلك لأنهم اكتفوا بالمسألة الأولى، وهذه فرع عنها فالحكم واحد، فإذا حرم الأصل حرم الفرع.
[ ١ / ٦١٤٨ ]
ثالثًا: ما رُوي عن السلف في التحريم، قال ابن عابدين في شرحه: لا فرق في أصله أو فرعه أو أخته أن يكون من الزنى أو لا، قال في البحر: وتدخل في ذلك أخته من الزنى بصريح النص؛ لأنها أخته لغة، والخطاب إنما هو باللغة العربية ما لم يثبت نقْلٌ (١٩).
وذكر شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى: التحريم قول أبي حنيفة وأحمد.
قلت: وكل من حرمها على الأب لا بد أن يحرمها على أبنائه؛ لأنه يجمعهم الصلب.
وقال في المغني: ويحرم على الرجل نكاحُ بنتِه من الزنى، وأختِه، وبنتِ ابنِه، وبنتِ بنتِه، وبنتِ أخيه وأختِه من الزنى، وهو قول عامة الفقهاء. وتبعه على ذلك الشارح.
أدلة القائلين بالجواز: من القرآن لم يذكروا شيئًا من كتاب الله؛ لأنهم أحلوها لأبيه فمن الأَوْلى أن تحلَّ لفروعه وأصوله.
من السنة: الدليل من السنة عندهم هو عدم الدليل على التحريم، وتعليلاتهم معروفة كما تقدم في المسألة الأولى، والأصل في النساء: الحلُّ إلا ما حرمه الشارع.
مَن ذهب إلى الجواز: ذهب إلى الجواز الشافعيُّ، وهي إحدى الروايتين عن الإمام مالك، وذهب أبو الطيب في تفسيره إلى الجواز، وعلَّلُوا ذلك بأن وطء الحرام لا ينشر المصاهرة كما حكاه الشيخ تقي الدين، وكل من أباحها لأبيه ممن ذكرنا آنفًا فلا بد أن يبيحها للابن؛ لأنه فرع عن أبيه لا ينفك عنه في مثل هذا.
والذي يترجح من أدلة الفريقين: هو الأول وهو التحريم؛ لأنه متمسك بظاهر ما أطلقه الله.
الشيخ: على كل حال البحث جيد، ولكن بس فيه تداخُلًا في مسألة الصهر، ما تدْخُل معنا، الصهر شيء والنسب شيء آخر.
***
البحث الثاني
الباحث: الحمد لله رب العالمين وبعد:
هل يجوز للرجل أن يتزوج بنته من الزنى؟
[ ١ / ٦١٤٩ ]
قال القرطبي ﵀ في الجزء الثالث عشر عند قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان: ٥٤]، قال: قال ابن العربي: النسب عبارة عن خلط الماء بين الذكر والأنثى على وجه الشرع، فإن كان بمعصية كان خلقًا مطلقًا ولم يكن نسبًا محققًا؛ ولذلك لم يدخل تحت قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] بنتُه من الزنى؛ لأنها ليست ببنت له في أصح القولين لعلمائنا وأصح القولين في الدين، وإذا لم يكن نسبٌ شرعًا فلا صهرَ شرعًا، فلا يُحَرِّم الزنى بنتَ أُمٍّ ولا أُمَّ بنتٍ، وما يُحَرَّم من الحلال لا يُحَرَّم من الحرام؛ لأن الله امتنَّ بالنسب والصهر على عباده، ورفع قدرهما، وعلَّق الأحكامَ في الحلِّ والحرمة عليهما، فلا يلحق الباطل بهما ولا يساويهما. انتهى كلام ابن العربي. ثم قال القرطبي ..
طالب: ().
الشيخ: سبحان الله! كان في الأول جعل مسألة الزاني من مائه، ثم عرَّج إلى مسألة الصهر.
طالب: ().
الشيخ: ()، إنما نقْلُ المسألة هذه إلى الصهر غلط. أنت ما اختزلت منه شيئًا من كلامه؟
طالب: لا.
الشيخ: نقْلٌ مُلَفَّظ.
الطالب: إي.
الباحث: ثم قال القرطبي: اختلف الفقهاء في نكاح الرجل ابنتَه من الزنى أو أختَه أو بنتَ ابنِه من الزنى، فحرم ذلك قوم: منهم ابن القاسم، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. وأجاز ذلك آخرون: منهم عبد الملك بن الماجشون، وهو قول الشافعي.
وقال أيضًا عند تفسير قوله ..
[ ١ / ٦١٥٠ ]
الشيخ: انتبهوا إلى () المذاهب ما ينقلون () حتى () على أنه يحرر الأقوال ويعتني بها ويعللها ويدلل عليها، ما ذكر في الكلام مثلًا الإمام أحمد، والسبب في ذلك: أن أصحاب الإمام أحمد كانوا قلة جدًّا في الأمصار، حتى إنه ما دخل في الأزهر إلا منذ سنوات قريبة، وكان في الأول ما هو معروف؛ ولذلك لا تستغربوا أنه ما () مع أنه لا شك أنه لما يتأمل الإنسان المذاهب يجد أن كل جملة -ما هو في كل مسألة- أن مذهب الإمام أحمد أقرب إلى السنة من غيره، هنا ذكر مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي. نعم.
الباحث: وقال عند تفسير قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] في المسألة الرابعة عشر: والصحيح من قول مالك وأهل الحجاز أن الزنى لا حكم له؛ لأن الله ﷾ قال: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وليست التي زنى بها من نسائه، ولا ابنتها من ربائبه، وهو قول الشافعي وأبي ثور؛ لأنه لما ارتفع الصداقُ في الزنى ووجوبُ العدةِ والميراثُ ولحوقُ الولدِ ووجوبُ الحدِّ؛ ارتفع أنْ يُحكمَ له بحكم النكاح الجائز.
ثم قال في نهاية بحثه -بعد أن ذكر حديثَ جريج وقولَه للصبي: «مَنْ أَبُوكَ؟ قَالَ: فُلَانٌ الرَّاعِي» (٣) - قال: فهذا يدل على أن الزنى يُحَرِّم كما يُحَرِّم الوطءُ الحلالُ، فلا تحل أمُّ المزنِيِّ بها ولا بناتُها لآباء الزاني ولا لأولاده، وهي رواية ابن القاسم في المدونة، ويُستدل به أيضًا على أن المخلوقة من ماء الزنى لا تحل للزاني بأمها، وهو المشهور.
قلت: في كلامه ما يدل على أن بحثه الأخير في بنت المزني بها لأم لا من مائه بخلاف بحثه الأول في سورة الفرقان ..
الشيخ: نسميه تداخُلًا.
[ ١ / ٦١٥١ ]
الباحث: حيث صرح بذلك، وأما وجه الاستدلال من الحديث فكما قال، وقد ذكر دليلًا للمُجَوِّزين وهو ما روته عائشة: أنَّ النبيَّ ﷺ سُئل عن رجلٍ زنى بامرأةٍ، فأراد أن يتزوجَها أو ابنتَها، فقال: «لَا يُحَرِّمُ الْحَرَامُ الْحَلَالَ، إِنَّمَا يُحَرِّمُ مَا كَانَ بِنِكَاحٍ». رواه الدارقطني (٢١).
وهذا الحديث قال عنه ابن حجر في الفتح: أخرجه الدارقطني والطبراني، وفي إسناده عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي وهو متروك، وقد أخرج ابن ماجه طرفًا منه من حديث ابن عمر: لا يحرم الحرام الحلال (٢٢). وإسناده أصلح من الأول.
قلت: قال ابن حزم: ولا يحرم وطءٌ حرامٌ نكاحًا حلالًا إلا في موضع واحد: وهو أن يزني الرجل بامرأة فلا يحل نكاحُها لأحد ممن تناسل منه أبدًا، وأما لو زنى الابن ..
طالب: خرج عن الموضوع يا شيخ.
الشيخ: لا، هذا هو الموضوع، أكيد هو الموضوع، إذا زنى بامرأة يقول: لا يحل له ولا لفرعه كلُّ مَن تناسلَ منه.
الطالب: هذا صح؟
الشيخ: هو المقصود.
الطالب: لأن ما تناسل منه عمومًا.
الشيخ: (منه) صح، لأن اللي خُلقت من مائه أخت لأولاده .. نعم.
الباحث: قال ابن حزم: ولا يحرم وطءٌ حرامٌ نكاحًا حلالًا إلا في موضع واحد: وهو أن يزني الرجل بامرأة فلا يحل نكاحُها لأحد ممن تناسل منه أبدًا.
الشيخ: هذا في الصهر، ما له دخل.
الباحث: إيه، لا.
وأما لو زنى الابن بها لم يحرم بذلك نكاحُها على أبيه وجده، ومَن زنى بامرأة لم يحرم عليه إذا تاب أن يتزوج أمها أو ابنتها، والنكاحُ الفاسدُ والزنى في هذا كله سواءٌ؛ برهانُ ذلك قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢].
الشيخ: هذا في الصهر يا جماعة، حنا كلامنا على ..
الباحث: إيه بس عقَّب عليها ..
الشيخ: طيب هات المسألة.
[ ١ / ٦١٥٢ ]
الباحث: في إطلاقِه ثم حصْرِه ما يتضمن حتى ولو كانت البنت من مائه لا سيما مع قوله بعد ذلك: ولم يأت نص صريح بتحريم نكاح حلال من أجل وطء حرام، فالقول به لا يحل؛ لأنه شرع لم يأذن به الله ﷿.
ثم قال -بعد أن ذكر شيئًا من أقوال المحرمين-: وخالفهم آخرون فلم يحرموا بوطء حرام نكاحًا حلالًا، رُوِّينا ذلك أيضًا عن ابن عباس.
ومن طريق حماد بن سلمة، أخبرنا يحيى بن يعمر قال: لا يحرم الحرام الحلال (٢٣).
ومن طريق أبي عبيد، حدثنا يحيى بن سعيد -وهو القطان- حدثنا ابن أبي ذئب، عن خاله الحارث بن عبد الرحمن، عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير قالا جميعًا: الحرام لا يحرم الحلال (٢٤).
ومن طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري: أنه سُئل عمَّن فجر بامرأة فقال: لا يحرم الحرام الحلال (٢٥).
ومن طريق مجاهد وسعيد بن جبير قالا جميعًا: لا يحرم الحرام الحلال.
وهو أحد قولي مالك، وهو قول الليث بن سعد، والشافعي، وأبي سليمان، وأصحابهما، وأصحابنا. ا. هـ.
وقال النووي في روضة الناظرين: فرع: زنى بامرأة فولدت بنتًا: يجوز للزاني نكاحُ البنتِ لكن يُكره. وقيل: إن تيقن أنها من مائه -إن تُصُوِّرَ تيقنُه- حرمت عليه. وقيل: تحرم مطلقًا. والصحيحُ: الحلُّ مطلقًا. ثم قال -بعد مسألة أخرى-: قلت: وسواء طاوعته على الزنى أو أكرهها، والله أعلم.
وقال محمد نجيب المطيعي في تكملة المجموع: فرع: فإن زنى بامرأة فأتته بابنة -يمكن أن تكون منه بأن تأتي بها لستة أشهر من وقت الزنى- فلا خلاف بين أهل العلم أنه لا يثبت نسبُها من الزاني، ولا يتوارثان، وأما نكاحه لها فقد قال الشافعي ﵁: أكره له أن يتزوجها، فإن تزوجها لم أفسخ.
واختلف أصحابنا في العلة التي لأجلها كُرِه للزاني أن يتزوج بها، فمنهم من قال: إنما كُرِه ذلك ليخرج من الخلاف، فإن من الناس مَن قال: لا يجوز له نكاحُها، وعلى هذا لو تحقق أنها من مائه بأن أخبره النبي ﷺ ..
[ ١ / ٦١٥٣ ]
الشيخ: (فإن من الناس)، تعبير عام ويش يقتضي؟
طالب: تقليلًا.
الشيخ: أن الناس كلهم مع أنهم الجمهور. نعم.
الباحث: مَن قال: لا يجوز له نكاحها، وعلى هذا لو تحقق أنها من مائه بأن أخبره النبي ﷺ في زمانه أنها من مائه لم يحرم عليه نكاحها؛ لأن علة الكراهة حصول الاختلاف لا غير.
ومنهم من قال: إنما كُرِه له ذلك لإمكان أن تكون من مائه؛ لأنه لم يتحقق ذلك، فلو تحقق أنها من مائه -بأن أخبره النبيُّ ﷺ في زمانه أنها من مائه- لم يجز له تزوجُها ..
الشيخ: أو في الرؤيا؛ لأن رؤيا النبي حق، هذا عن رأيي.
الباحث: لم يجز له تزوجُها، هذا مذهبنا، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة وأحمد: لا يجوز له تزوُّجُها. واختلف أصحاب أبي حنيفة في علة تحريمها، فقال المتقدمون من أصحابه: إنما حرم نكاحُها لكونها ابنة مَن زنى بها، لا أنها ابنته من الزنى؛ لأن الزنى عنده يثبت به تحريمُ المصاهرة على ما مضى. فعلى هذا: لا تحرم على آبائه وأبنائه.
وقال المتأخرون من أصحابه ..
الشيخ: خذوا بالكم من هذه النقطة: هؤلاء يرون أن تحريم بنت الزانية عليه من أجل المصاهرة؛ أنها بنت مَن جامع بناءً على أن الزنى تجري به المصاهرةُ، وعلى هذا الرأي يجوز لولده أن يتزوجها؛ أن يتزوج بنت أبيه من الزنى على هذا الرأي، ويجوز لأبيه أن يتزوجها -بنت ابنه من الزنى- لأن الربيبة إنما تحرم على الزوج فقط دون أقاربه، وهذا رأي ثالث جاء جديدًا. نعم.
الباحث: وقال المتأخرون من أصحابه: إنما حرم نكاحُها لكونها مخلوقةً من مائه، فعلى هذا تحرم على آبائه وأبنائه، وهذا أصح عندهم.
دليلنا أنها منفية عنه قطعًا بدليل أنه لا يثبت بينهما التوارثُ ولا حكمٌ من أحكام الولادة، فلم يحرم عليه نكاحُها كالأجنبية، وإن أكره رجل امرأة ..
[ ١ / ٦١٥٤ ]
الشيخ: ما أقواه من دليل! هذا دليل قوي لكنه بس مثلما قلت: يعارَض بالرضاع، يقال: مسألة التحريم في النكاح غير مسألة الإرث والولاية وما أشبه ذلك. إي نعم.
الباحث: وإن أكره رجل امرأة على الزنى فأتت منه بابنة فحكمُه حكمُ ما لو طاوعته على الزنى؛ لأنه زنًى في حقها. ا. هـ.
وقال الشنقيطي في أضواء البيان -بعد أن ذكر كلام ابن العربي والقرطبي- قال مُقَيِّده -عفا الله عنه وغفر له-: الخلاف في هذه المسألة مشهور معروف، وأرجح القولين دليلًا فيما يظهر: أن الزنى لا يحرم به حلالٌ، فبنته من الزنى ليست بنتًا له شرعًا، وقد أجمع أهل العلم أنها لا تدخل في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]. فالإجماعُ على أنها لا ترث ولا تدخل في آيات المواريث دليلٌ صريحٌ على أنها أجنبية منه وليست بنتًا شرعًا، ولكن الذي يظهر لنا أنه لا ينبغي أن يتزوجها بحال؛ وذلك لأمرين:
الأول: أن كونها مخلوقةً من مائه يجعلها شبيهة شبهًا صوريًّا بابنته شرعًا، وهذا الشبه القوي بينهما ينبغي أن يزَعَهُ عن تزويجها ..
الشيخ: تزويجها!
الباحث: كل الكتب يعبرون هكذا: (تزويجها).
الشيخ: نفهم.
الباحث: نستغرب لها لكن أثبتناها.
الشيخ: لا، هو صحيح، تزويجها به يعني.
الباحث: إي نعم.
الشيخ: تزويجها به؛ لأنها هي ما هي بتزوج نفسها، تُزَوَّج، لأنه هو يقال: تزوج بها، وهي يقال: زُوِّجَتْ به، فهمتم؟ فتزويجها به صحيح، تزوُّجُه بها صحيح، يعني هو يعقد لنفسه، لكن هي ما تعقد لنفسها وإنما يُعْقَد لها، فيقال: تزويجها به. عرفتم الآن؟
طلبة: نعم.
الشيخ: هذا التفسير.
طالب: صار معها زوجًا، صارا زوجين.
الشيخ: إي نعم، هما زوجان، لكن بس هي ما زوَّجَتْ نفسها.
الباحث: وهذا الشبه القوي بينهما ينبغي أن يزعه عن تزويجها. الثاني: أنه ..
[ ١ / ٦١٥٥ ]
الشيخ: عن تزويجها به قصد، أما إن قصد: يزعها عن تَزَوُّجِه هو، فالصواب: تَزَوُّجها. نعم.
الباحث: الثاني: أنه لا ينبغي له أن يتلذذ بشيءٍ سببُ وجودِه معصيتُه لخالقه جلَّ وعلا، فالندمُ على فِعْل الذنب الذي هو ركنٌ من أركان التوبة لا يلائم التلذُّذَ بما نشأ عن نفس الذنب.
هذا ما تيسر جمعه ().
الشيخ: كأن الشنقيطي يوافق الشافعي.
الباحث: إي نعم، يقرأ قراءة.
الشيخ: بس قل: ينبغي ألا يتزوج بها.
طالب: مسألة الرضاع () كيف () امرأة () ما المانع من تزوُّجِها؟
الشيخ: لا، مسألة الرضاع -هي عندي أنا- هي الركن الأساسي في تحريم بنت الزوجة.
الطالب: الرضاع على الشك.
الشيخ: لا مسألة الشك هذه ..
الطالب: الرضاع مشكوك في هذه المرأة، فهل ()؟
الشيخ: لو شُكَّ فيه ما فُسِخ النكاحُ المتيقن.
طالب: () كيف ()؟
الشيخ: قيل: إنها كانت امرأة ()، أو المعنى: أنه ينبغي لك أن تتركها. نعم.
***
الباحث: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فقد قال في المغني: يحرم على الرجل نكاحُ بنته من الزنى، وهو قول عامة الفقهاء، وقال مالك والشافعي -في المشهور من مذهبه-: يجوز ذلك. ولنا قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وهذه بنته، فإنها أنثى مخلوقة من مائه، هذه حقيقة لا تختلف بالحل والحرمة.
[ ١ / ٦١٥٦ ]
ويدلُّ على ذلك قولُ النبيِّ ﷺ في امرأة هلال بن أمية: «انْظُرُوهُ -يَعْنِي وَلَدَهَا- فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى صِفَةِ كَذَا فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ» (١٠) -يعني الزانيَ- لأنها مخلوقة من مائه، فأشبهَتِ المخلوقةَ من وطءٍ بشبهةٍ؛ ولأنها بضعة منه فلم تحلَّ له كبنته من النكاح، وتخلُّف بعض الأحكام لا ينفي كونها بنتًا كما لو تخلف الرق ..
الشيخ: لرقٍّ، خلِّها (لِرِقٍّ).
الباحث: كما لو تخلف لرِقٍّ أو اختلافِ دين. انتهى.
الشيخ: أشكل على بعض.
طالب: على بعض فيه قصور.
الشيخ: إيه فيه قصور، أيش اللي تخلَّف؟
طالب: كل الأحكام ..
الشيخ: كل الأحكام إلا مسألة النكاح.
الباحث: اللي هو يعني هذا.
الشيخ: إيه، التعبير بتخلُّفِه على الأحكام يتبادر إلى الذهن أن المتخلف عشرون في المائة، مع أن كل الأحكام متخلفة، أحكام النسب كلها متخلفة إلا مسألة تحريم النكاح ولَّا حتى النظر ما ينظر لها ولا () بخلاف الرضاع، الرضاع يثبت المحرمية ويثبت جواز النظر لكن هذا لا.
طالب: لأنه قال: فلم تحل له كبنته من النكاح. يعني: لو تخلف في بعض الأحكام في بنته من النكاح ..
الشيخ: لا، تخلف بعض الأحكام في بنته من الزنى، ما يمنع أن تكون بنتًا له، هذا قصدُه.
ثم قال: (كما لو تخلف لرق أو اختلاف دين)، يبغي يقيس عليها بنته الحقيقية بوطء حلال، يتخلف عنها مثلًا الإرثُ إذا كانت رقيقة، أو مخالفته في الدين.
الباحث: وقال في الفروع: وعمر ﵁ ألحق أولاد الزنى في الجاهلية بآبائهم، يُروى ذلك من وجهين. وقد قضى النبيُّ ﷺ بالولد للفراش، وقال: «احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ» (٢٠).
واحتج جماعة بأنه فِعْلٌ يوجب تحريمًا كالرضاع إذا غصب لبنها وأرضع طفلًا نشر الحرمة، وكالوطء في دبر وحيض، وكالمتغذية بلبن ثار بوطئه ..
الشيخ: ثاب.
الباحث: ثاب بوطئه؟
الشيخ: نعم، ثاب: يعني اجتمع.
[ ١ / ٦١٥٧ ]
الباحث: وكالمتغذية بلبن ثاب بوطئه وهو لبن الفحل، فالمخلوقة من مائه أولى ..
الشيخ: صحيح هذا الحقيقة، هذا الدليل اللي ما يجد الإنسان فيه شكًّا في هذا الموضوع (). يعني هذا الدليل -سبحان الله العظيم- من أوضح ما يكون.
طالب: الدليل ويش هو؟
الشيخ: الدليل أنه إذا كان الشرع أثبت التحريم فيمن رضعَتْ من لبن امرأتك، كيف لا يثبت التحريمُ فيمن هي من مائك؟ ! هذا من باب أولى.
الباحث: وكما تحرم بنت ملاعَنة ومجوسية ومرتدة ومطلقة ثلاثًا مع عدم أحكام النكاح. وعند شيخنا: (ينشر). قلت: قال المحشِّد: في مخطوطة الأثر: (لا ينشر). كلمة (ينشر) هذه ..
الشيخ: () ما هي في الإرضاع السليم، وإلا كانت في مسألة ثانية.
الباحث: ولا ينشر حرًّا.
الشيخ: إي بس الرضاع المحرِّم الصحيح أنه ينشر.
الباحث: يعني النسخة الأصل؟
الشيخ: ماذا عن رأي شيخ الإسلام في هذه المسألة؟ إنما الصحيح أنه ينشر، حتى لو أُكْرِهت المرأة على أن تُرضِع وأرضعته ثبت التحريم. نعم.
الباحث: واعتبر في موضع التوبة حتى في اللواط وحرم بنته من زنى. انتهى.
وقال في الاختيارات: وتحرم بنته من الزنى، قال الإمام أحمد في رواية أبي طالب في الرجل يزني بامرأة فتلد منه ابنته فيتزوجها فاستعظم ذلك، وقال: يتزوج ابنته؟ ! عليه القتل، بمنزلة المرتد. وحمل القاضي قوله: (يُقتل)، على أنه لم يقع له الخلاف، فاعتقد أن المسألة إجماع، أو على أن هذا فيمن عقد عليها غير متأول ولا مقلد، فيجب عليه الحد.
وقال أبو العباس: كلام أحمد يقتضي أنه أوجب عليه حد المرتد لاستحلال ذلك لا حد الزنى؛ وذلك أنه استدل بحديث البراء، وهذا يدل على أن استحلال هذا كفر عنده. انتهى.
الشيخ: إيه لكن لا شك أنه ما لم يكن متأولًا أو مقلدًا؛ أما لو كان متأولًا أو مقلدًا ما يرتد، يعني لو قال: أنا مذهبي مذهب الشافعي مثلًا أو مذهب مالك، أو تأول النصوص في هذا الأمر ما يرتد.
طالب: حديث البراء مذكور هنا ولَّا ().
[ ١ / ٦١٥٨ ]
الشيخ: إي، حديث البراء فيه: أن الرسول بعثه ليقتل رجلًا نكح امرأة أبيه (٢٦). فقالوا: إن هذا يُقتل كفرًا. بعضهم قال: حدًّا، لكنه يُقتل في الحال ولو كان غير مُحْصَن.
طالب: وليس هناك ()؟
الشيخ: ما بعد بعرف، الحديث مطلق.
الباحث: وسُئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن بنت الزنى فأجاب: الحمد لله، مذهب الجمهور من العلماء: أنه لا يجوز التزوج بها، وهو الصواب المقطوع به حتى تنازع الجمهور: هل يُقتل مَن فعَل ذلك؟ فقد يقال: هذا إذا لم يكن متأولًا، وأما المتأول فلا يُقتل وإن كان مخطئًا، وقد يقال: هذا مطلقًا، كما قال الجمهور: إنه يُجلَد مَن شَرب النبيذ المختلف فيه متأولًا. إلى أن قال: وأحمد لم يبلغه أن في المسألة خلافًا، فإن الخلاف فيها إنما ظهر في زمنه لم يظهر في زمن السلف؛ فلهذا لم يعرفه.
وأما حجة الجمهور فهو أن يقال: قولُ الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ..
الشيخ: () على إطلاق الإمام أحمد أنه ما بلغه هذا، أنتم فاهمون الموضوع هذا؟
طالب: نعم.
الشيخ: يقول: كون الإمام أحمد أطلق أنه يُقتل، أن الخلاف ما كان معروفًا في السلف، وكما عرفتم أول مَن قال به الشافعيُّ، والشافعي شيخ الإمام لكنه يمكن ما ظهر إلا أخيرًا، أو أنه يُنسب إلى مذهب الشافعي لا إلى شخصه. إي نعم.
الباحث: وأما حجة الجمهور فهو أن يقال: قولُ الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] هو متناوَلٌ لكل مَن شمله هذا اللفظ سواء كان حقيقة أو مجازًا، وسواء ثبت في حقه التوارثُ وغيرُه من الأحكام أم لم يثبت إلا التحريمُ خاصةً.
وقال في موضع آخر: لا يحل ذلك عند جماهير العلماء، ولم يُحِلَّ ذلك أحدٌ من الصحابة والتابعين لهم بإحسان؛ ولهذا لم يعرف أحمد بن حنبل وغيرُه من العلماء -مع كثرة اطلاعهم- في ذلك نزاعًا عن السلف، فأفتى أحمد بن حنبل أنَّ فِعْل ..
الشيخ: أنَّ مَن فَعَل.
[ ١ / ٦١٥٩ ]
الباحث: يمكن أنَّ مَن فعل ذلك قُتل.
طالب: إنْ فَعَل.
الشيخ: إنْ فَعَل، (إنْ)؟
الباحث: إي نعم. فأفتى أحمد بن حنبل: إنْ فَعَل ذلك قُتل، فقيل له: إنه حكى فلانٌ في ذلك خلافًا عن مالك؟ فقال: يكذب فلانٌ. وذكر أن ولد الزنى يُلحق بأبيه الزاني إذا استلحقه عند طائفة من العلماء، وأن عمر بن الخطاب ألاط -أي ألحق- أولاد الجاهلية بآبائهم، والنبيُّ ﷺ ..
الشيخ: هذا الذي قبل فِعْل عمر الحقيقة أنه محل بحث () ومحل نظر ومهمة جدًّا.
طالب: أين هي؟
الشيخ: وهي إلحاق ولد الزاني به إذا استلحقه، أما إذا كانت ذات فراش فهو للفراش، لكن إذا لم تكن ذات فراش واستلحقه الزاني هل يُلحق به أو لا؟ هذه مسألة مهمة، وإذا كان ممكن نضعها أيضًا بينكم للبحث؛ لأنها تقع من بعض الناس -والعياذ بالله- يزني بامرأة بكر وتحمل منه، وهذه تجري عند بعض الناس، فإذا رأوا أنها حملت قالوا: نبغي نزوجها هو خشيةَ العار، فزوَّجوها به، فإذا قلنا بجواز استلحاقِ الزاني ولدَه من الزنى فهذا العقد يكون صحيحًا، ويستلحق الولد، وإذا قلنا بعدمه صار العقد باطلًا ووجب الانتظار حتى تضع، ثم إن شاء تزوجها وهذا الولد ليس له ..
طالب: نزوجها هي ولَّا الزاني؟ ().
الشيخ: لا، تتوب، إذا ظهرت التوبة زال عنها الوصف.
طالب: لو عقد عليها وهي حبلى؟
الشيخ: ما يجوز إلا إذا كان الولد للعاقد، العقد على الحبلى لا يجوز إلا إذا كان الولد للعاقد، إذا كان الولد للعاقد جاز، مثل لو وطئ امرأة بشبهة ما هو زنى، وطئها بشبهة ثم أراد أن يعقد عليها () زوج، يجوز ما فيه مانع؛ لأن الماء له.
طالب: التوبة هنا قد تظهر وما تابت ..
الشيخ: على كل حال التوبة هذه تظهر في مثل علامات الندم والبكاء والرجوع إلى الله وحسن العمل تظهر.
طالب: قد تخاف العار وتبكي -يا شيخ- من أجل أن يتزوجها الرجل مشكلة هذه.
[ ١ / ٦١٦٠ ]
الشيخ: على كل حال نقول: إذا تبين أنها تابت يجوز نكاحها، بس الكلام على أن هذه المسألة استلحاق الزاني؛ لأن الجمهور على خلاف الجواز، جمهور أهل العلم على أنه لا يجوز، وكلام ابن القيم في الهدي فيه تردد: هل يجوز ولَّا ما يجوز .. كَمِّل.
الباحث: والنبي ﷺ قال: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» (٢٠). هذا إذا كان للمرأة زوج، وأما البغي التي لا زوج لها ففي استلحاق الزاني ولدَه منها نزاع ..
الشيخ: مَن يقوله؟ الشيخ؟ كلام مين؟ كلام الشيخ؟
طالب: المازني ولَّا لا؟
الشيخ: لا، ما هو رحمة الله عليه، كلام الشيخ؟
الباحث: إي.
الشيخ: هذا جيد. نعم.
الباحث: وذكر في مكان آخر -أي: شيخ الإسلام- قوله: فإذا كان لفظ الابن والبنت يتناول كل من ينتسب إلى الشخص حتى قد حرم الله بنته من الرضاعة، فبنته من الزنى تسمى بنته، فهذا أولى بالتحريم شرعًا، وأولى أن يُدخِلوها في آية التحريم، وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وأحمد بن حنبل وأصحابه، ومالك وأصحابه، وجماهير أئمة المسلمين، ولكن النزاع المشهور بين الصحابة والتابعين ومَن بعدهم في الزنى: هل ينشر ..
الشيخ: مرَّ علينا قبل قليل مذهب مالك.
طلبة: رواية.
الشيخ: يقول بالجواز، لكن () رواية، قول في مذهب مالك. نعم.
الباحث: ولكن النزاع المشهور بين الصحابة والتابعين ومن بعدهم في الزنى: هل ينشر حرمة المصاهرة؟ فإذا أراد أن يتزوج بأمها وبنتها من غيره؟ فهذه فيها نزاع قديم بين السلف، وقد ذهب إلى كل قول كثيرٌ من أهل العلم، كالشافعي ومالك في إحدى الروايتين عنه: يبيحون ذلك. وأبو حنيفة وأحمد ومالك في رواية أخرى: يحرمون ذلك. فهذه إذا قلَّد الإنسانُ فيها أحد القولين جاز ذلك، والله أعلم.
[ ١ / ٦١٦١ ]
وأجاب في موضع آخر بقوله: لا يجوز أن يتزوج بها عند جمهور أئمة المسلمين -إلى قوله-: وهو قول كثير من أصحاب الشافعي، وأنكر أن يكون الشافعيُّ نص على خلاف ذلك، وقالوا: إنما نص على بنته من الرضاع دون الزانية التي زنى بها والله أعلم. انتهى.
الشيخ: ().
الباحث: يمكن (وأُنْكِر) أو (وأنكروا) أي: الذين هم أصحاب الشافعي ..
الشيخ: أيش معنى هذا؟
الباحث: يعني: كثير من أصحاب الشافعي.
الشيخ: إي، خلِّها: إنما أنكر على بنته من الرضاع، ويش معنى هذا؟
الباحث: أنكروا أنه قال في بنت المزني.
الشيخ: وإن قال في بنته من الرضاع ().
الباحث: أي: ونص على بنته من الرضاع أن قوله في بنته من الرضاع.
الشيخ: بنته من الرضاع ما أحد يقول: إنها حلال!
طالب: لعلهم يريدون: وأنكر الْحِلَّ.
الشيخ: أنتم متأكدون صفحته؟
الباحث: إي نعم.
الشيخ: راجعوها وشوفوا العبارة، إذن نجيب الكتاب ونشوف إن شاء الله.
طالب: ما تبيَّن، قرأناها عدة مرات وعلَّقْنا عليها.
الشيخ: علقتم عليها، طيب نشوفه.
الباحث: قلت: قوله: (وأنكر) هكذا في مجموع الفتاوى، والظاهر أنها خطأ مطبعي والصواب (وأنكروا) أي أصحاب الشافعي، والله أعلم.
وفي صحيح البخاري (٢٧) عن أبي هريرة أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ» ..
الشيخ: بس مسألة (وأنكروا) (وأنكر) هذه ما هي مشكلة، أنكر: يعني هؤلاء القوم، ما هي مشكلة (أنكر)، اللي مشكل هو في بنته من الرضاع، وقالوا: هذا في بنته من الرضاع!
طالب: يمكن المراد: أنكر أن يكون الشافعي نصَّ على حلِّ بنته من الزنى، وإنما نص على تحريم بنته من الرضاع.
الشيخ: لا، ما قال: تحريم، هذا مجرد العبارة؛ ولهذا تعرف العبارة فيها حذف ولَّا لا.
طالب: يا شيخ، قوله: لا يجوز أن يتزوجها؛ لأن الشافعي نص على أن هذه بنته من الرضاع لا يجوز أن يتزوجها.
[ ١ / ٦١٦٢ ]
الشيخ: هم الحين بينكرون أن الشافعي نص على حلها؛ على حل بنته من الزنى، هم قالوا: وإنما هذا في بنته من الرضاع. نعم.
الباحث: وفي صحيح البخاري (٢٨) عن أبي هريرة أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ»، وذكر منهم أنه «كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يُقَالُ لَهُ: جُرَيْجٌ»، وفيه: «فَأَقْبَلَ عَلَى الْغُلَامِ فَقَالَ: مَنْ أَبُوكَ؟ قَالَ: الرَّاعِي». وذكر الحافظ في الفتح أنه جاء بلفظ: «أَنَا ابْنُ الرَّاعِي» (٢٩)، انتهى.
فهذا الحديث دليل صريح على أن ولد الزنى ولدٌ للزاني، وأشار القرطبي في تفسيره إلى هذا الحديث ثم قال: فهذا يدل على أن الزنى يحرم كما يحرم الوطء الحلال، فلا تحل أمُّ المزني بها ولا بناتُها لآباء الزاني ولا لأولاده. انتهى.
فخلاصة ما سبق: أن ولد الزنى كغيره لعموم الآية، ولحديث هلال بن أمية في الصحيحين، ولحديث جريج في الصحيح، ولأنه خُلق من ماء الزاني فلا فرق بين الحلال والحرام في هذا، ولأن عمر ألحق أولاد الجاهلية بآبائهم، وقوله ﵊: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» (٢٠) الحديث، والله أعلم.
الشيخ: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» هذا () ما يؤيده، «وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» ().
طالب: ().
الشيخ: لا، هذا ما قلتوه أنتم في دليلكم هذا.
الطالب: ().
الشيخ: أقول: ما قلتوه في دليلكم هذا.
الطالب: لا، ذكرناه.
الشيخ: أقول: ما ذكرتم محل الشاهد يعني.
طالب: الخلاصة يعني؟
الشيخ: حنا الآن قلنا لكم: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ»، هذا دليل ليس لمن يقول بأن: ولد الزنى كولد الصلب ..
طالب: ().
الشيخ: ليس دليلًا.
الطالب: إي نعم، لكن آخر الحديث ..
الشيخ: آخر الحديث: «وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ» (٢٠) ما جبتوه؟
الطالب: إحنا قلنا الحديث.
[ ١ / ٦١٦٣ ]
الشيخ: لا، ما يصلح هذا، هذا باتفاق للمستدلين: أنك تحذف الشاهد وتجيب اللي ما هو شاهد! ! هذا عيب، الإنسان يجيب وقوله: «وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ» (٢٠) هذا وتركت الأول.
ثم إن «وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ» ذكرنا فيما سبق: هل هو على سبيل الاحتياط ولَّا على سبيل عمالة الدليلين أو السببين؟ فيه خلاف وإن كان الراجح عندنا أنه على سبيل الاحتياط؛ لأن هذين السببين متناقضان عند العمل بهما جميعًا.
طالب: الدليل في حديث جريج أيضًا عليهم هم، قال: «مَنْ أَبُوكَ؟ قَالَ: الرَّاعِي» (٣٠) ..
الشيخ: الراعي، صحيح، هذا معناه أنه يدل على أن البنت من الزنى حرام.
طالب: () حديث «وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ».
الشيخ: ما يصح إلا على سبيل الاحتياط فقط، فأنتم إذن معناه إذا قلنا بهذا معناه أنَّا لِنَّا شويه، وجعلناه أنه من باب الاحتياط، لا، في الحقيقة أنه ما هو من باب الاحتياط، تحريم بنت الزنى من باب الأمر القطعي.
طالب: ويكون معينًا.
الشيخ: من باب الأمر القطعي يا أخي، ما ينبغي أنَّا نجيب الأدلة الاحتياطية لمسائل مقطوع بها، إذا جبت الأدلة الاحتياطية لمسائل مقطوع بها أضعفتها، المسألة عندي أنها من المقطوع به، والذي يجعل ذلك هو ما ذكرت في مسألة الرضاع، معقول أن الشارع يحرم بنتك من الرضاع التي رضعت من لبن من زوجتك كنت أنت السبب في تأثُّرِه أو بحصوله، ثم لا يحرم مَن خُلقت من مائك؟ ! هذا شيء ..
طالب: إذن نشطب عن هذا الدليل: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ ..».
الشيخ: إي، اشطبوا عليها ما تصح لا فرضًا ولا عكسًا ولا وضعًا ولا موضوعًا ولا شيء.
طالب: ().
الشيخ: لا، الراجح اللي بيجينا إن شاء الله في مسألة الصهر، الراجح أن الزنى لا يؤثر إطلاقًا في مسألة المصاهرة ().
***
[ ١ / ٦١٦٤ ]
أربعة أنواع: محرمات بالنسب وبالرضاع وبالمصاهرة وبالملاعنة وبالاقتران خمسة أنواع، سبق لنا المحرمات بالنسب ومنها على القول الراجح ابنتُه من الزنى فإنها حرام عليه، وسبق لنا أن التحريم أيضًا ينتشر إلى فروع الزاني وأصوله، يعني أنها كابنته من النسب تمامًا، وسبق لنا النقاش في هذه المسألة وآراء العلماء في هذا، وأن الراجح هو هذا الأمر.
أما الثاني: فقال المؤلف: (ويحرم بالرضاع ما يحرم بالنسب) (ويحرم بالرضاع) الباء هنا للسببية، أي: بسبب الرضاع، (ما يحرم بالنسب)، أي: بسبب النسب، والنسب هو القرابة.
وقد سبق لنا في باب الميراث أن أسباب الإرث ثلاثة، منها النسب، وقلنا: إن النسب هي القرابة، وهي الاتصال بين شخصين بولادة قريبة كانت أو بعيدة، إلا أنه -كما عرفتم فيما سبق- ما يحرم من النسب إلا الأصول، والفروع، وفروع الأصل الأدنى وإن نزلوا، وفروع الأصل الأعلى لصلبه فقط.
أما الرضاع فيقول المؤلف: (ويحرم بالرضاع ما يحرم بالنسب)، وهكذا قال النبي ﵊: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» (١)، لكن ما هو الرضاع الْمُحَرِّم؟ الرضاع الْمُحَرِّم يشترط له شروط:
الشرط الأول: (أن يكون لبن آدمية)؛ احترازًا من لبن الشاة، فلو ارتضع طفلان من شاة لم تكن أمًّا لهما من الرضاع ولَّا لا؟
طالب: بلى.
الشيخ: ولا يكونان أخوين.
واحترازًا أيضًا من لبن الرجل، قلنا: (لبن آدمية)، احترازًا من لبن الرجل () لبن الرجل! ! هل يمكن؟ العلماء هكذا يقولون، فرضوا هذه المسألة وقالوا: يمكن أن يوجد لبن من رجل والله أعلم هل يكون هذا أم لا؟ المهم على كل حال لا بد أن يكون من آدمية، الدليل قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، أمهات، وهي أمهات ما تكون إلا لأمهات الآدميين.
[ ١ / ٦١٦٥ ]
وقد قيل: إن الفرق بين أمهات الآدميين وغيرهن أن غيرهن يقال: (الأُمَّات) ما يقال: (الأمهات)، يعني مثلًا عندك غنم فيها أطفال صغار، وفيها أمهات تقول: هذه هي (الأُمَّات)، ما تقول: (الأمهات)، الأمهات يقول بعض أهل اللغة: إنها خاصة في الآدمية، الآدميات هذا شرط.
الشرط الثاني: أن يكون خمس رضعات فأكثر، وهذا الشرط معترك بين أهل العلم، فمنهم من لم يشترطه إطلاقًا، واستدل بعموم قوله تعالى أو بإطلاق قوله تعالى: ﴿أُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، ما قال: خمسًا، ولا ثلاثًا، ولا أربعًا، إلى آخره، ما قال شيئًا، فيرى هؤلاء أنه يثبت الرضاعُ بمرة واحدة، واستدلوا بقول الرسول ﵊ لزوجة أبي حذيفة: «أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ» (٣١). ولم يقل: خمس رضعات.
واستدلوا أيضًا بما ثبت في الصحيحين (٣٢) في قصة الرجل الذي جاءته امرأة فأخبرت بأنه أرضعته وزوجته، فأمر النبي ﵊ بفراقها وقال: «كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟»، ولم يسأل الرسول ﵊ أو يستفسر كم أرضعته، قالوا: فهذا دليل على أنه لا يشترط العدد.
وقال بعض أهل العلم: إن المحرِّم ثلاث رضعات فأكثر، فما دونهن فليس بمحرِّم، واستدلوا بمفهوم قوله ﷺ: «لَا تُحَرِّمُ الْإِمْلَاجَةُ وَلَا الْإِمْلَاجَتَانِ، وَلَا الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ» (٣٣). قالوا: فمنطوق الحديث: أن الثنتين لا تُحَرِّمان. ومفهومه: أن ما فوقهما مُحَرِّم.
وقال بعض أهل العلم: الْمُحَرِّم خمس رضعات، واستدلوا بما رواه مسلم من حديث عائشة قالت: كان فيما أُنزِل مِنَ القرآنِ عشْرُ رَضَعَاتٍ معلوماتٍ يُحَرِّمْنَ، فَنُسِخْنَ بِخمسٍ معلوماتٍ، فَتُوُفِّيَ رسولُ اللهِ ﷺ وهي فيما يُتْلَى مِنَ القرآنِ (٣٤). أفهمتم؟
[ ١ / ٦١٦٦ ]
فالآن هذه الآراء الثلاثة هي التي في الحقيقة لها شبهة نظر، فيه آراء أخرى: سبع، وعشر، لكنها ما أعلم لها وجهًا، إنما هذه الآراء الثلاثة هي أصل الخلاف، فأما من قال: إنها واحدة، فعرفتم أدلتهم، ومن قال: إنها ثلاث، استدلوا بمفهوم، وين المفهوم؟
طالب: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ ..».
الشيخ: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ، وَلَا الْإِمْلَاجَةُ وَلَا الْإِمْلَاجَتَانِ». هذا المنطوق. المفهوم: ما فوقهما يُحَرِّم.
والذين قالوا: خمسًا، استدلوا بمنطوق: (خمسُ رضعاتٍ معلوماتٍ) مع الشك لا عبرة بهن، لا بد أن يكُنَّ معلوماتٍ، يُحَرِّمن.
فإذا رجعنا إلى القاعدة الأصولية وجدنا: أنه متى ثبت النص المقيِّدُ وجب حمْلُ المطلَق عليه، لكن النص المقيد أعلَّه بعض أهل العلم، ذكر له علَّة وقال: كيف تكون هذه الخمسُ من كتاب الله وهي لا توجد فيه؟ ! وكيف تقول: فتُوُفِّيَ رسولُ اللهِ ﷺ وهي فيما يُتْلَى من القرآنِ (٣٥). والقرآن محفوظ؟ ! ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، ولو كان هذا الحديث ثابتًا لوجب أن تكون الآية باقية، ما دام الرسول ﷺ توفي وهي فيما يتلى من القرآن أين تروح؟ ! ما يمكن تُضيَّع بعد ما توفي الرسول ﵊ وهي فيما يتلى من القرآن.
قالوا: فهذا دليل على أن الحديث غير صحيح؛ لأنه مخالف لصريح القرآن: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. فإذا كان كذلك رجعنا إلى الحديث الثاني المقيِّد بمفهومه بأيش؟ بالثلاثة، المقيِّد بمفهومه بالثلاثة، فيكون مقيِّدًا للإطلاق في قوله: ﴿اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وفي قوله: «أَرْضِعِيهِ» (٣١). وفي قولها: إني قد أرضعْتُكما (٣٦).
[ ١ / ٦١٦٧ ]
يكون هذه نصوصًا مطلَقة، وأنا قلت: مطلقة ولم أقل: عامة، ما قلت: عامة؛ لأن صيغة الفعل ليست من صيغ العموم، من صيغ أيش؟ من صيغ الإطلاق، وليست من صيغ العموم. صيغ العموم -كما تعرفون-: أسماء الشرط والموصول وما أشبه ذلك، هذا الفعل يقال فيه: إنه مطلق، ولا يقال: عام.
الحقيقة أن هذه العلَّة التي ذكرها مَن علَّ حديث عائشة علَّة قوية في بادئ الأمر، لكن أجاب عنها أهل العلم وقالوا: إن الحديث صحيح، وإذا كان الحديث صحيحًا فلا ينبغي أن نُعِلَّه لمجرد ظاهره، بل يجب أن نلتمس له تأويلًا صحيحًا. وهذا حق، هذه الطريقة أو القاعدة حق: أنه متى صح الحديث عن رسول الله ﵊ فإنه لا يمكن أن نُبطله باحتمال يمكن إزالته؛ لأن المسألة خطيرة لأنك إذا أعللته ورددته معنى ذلك أنك أبطلت حكمًا حكم به مَن؟
طلبة: الرسول ﷺ.
الشيخ: الرسول ﷺ، فقالوا: إن قولها: وهي فيما يُتْلَى من القرآنِ (٣٥)؛ أنه كان نسْخُها أخيرًا عند وفاة الرسول ﷺ، فكان مَن لم يعلم بالنسخ يتلوها، ومَن علم بالنسخ ما كتبها في المصحف ولا تلاها، فحملوا قوله: (وهي فيما يتلى) أيش؟ على أن بعض الناس يتلوها؛ لأن قوله: (فتُوُفِّيَ رسولُ اللهِ وهي فيما يُتْلَى) الجملة (وهي فيما يُتلى) حال مقيِّدة لقوله: (تُوُفِّي)، يعني في حال وفاته هي فيما يُتلى.
فعلى هذا لا يكون الحديث معلولًا بذلك لإمكان الجواب، وكلما أمكن تصحيح كلام الرسول ﵊ إذا صح السند إليه فإن الواجب هو ذاك. إذا تبين هذا فيقال: ما نوع النسخ الواقع في هذا الحديث؟
قلنا: أما باعتبار جزئه الأول فهو من باب نسخ اللفظ والحكم، أيش هو الأول؟
طلبة: عشر رضعات.
الشيخ: عشر رضعات، هذه منسوخة لفظًا وحكمًا، وأما باعتبار جزئه الثاني فهو من باب المنسوخ لفظًا لا حكمًا، وهذا وارد في القرآن، في القرآن ما نُسخ لفظُه وبقي حكمُه، مثل آية الرجم.
[ ١ / ٦١٦٨ ]
إذن إذا كان هذا الحديث صحيحًا وزالت العلَّة فإنه يقضي على ما سبق من الإطلاق أو التقييد بالمفهوم في (ثلاث)، كيف ذلك؟ لأن المطلَق يُقيَّد ما فيه إشكال، والمفهوم لا يعارِض المنطوقَ، وذلك لدخوله في دلالته، والسبب أنه لا يعارضه لدخوله في دلالته: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ، وَلَا الْإِمْلَاجَةُ وَلَا الْإِمْلَاجَتَانِ» (٣٣). هل يعارض (خَمْسُ رضعاتٍ معلوماتٍ يُحَرِّمن)؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأن (خمس رضعات معلومات يحرمن) تقول أيضًا: (لا تحرم الإملاجة والإملاجتان ولا المصة ولا المصتان). هذا مدلولها أيضًا، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: ويكون ما زاد على الثلاث زيادة عِلْم يجب الأخذ به؛ ولهذا يقولون: إن المفهوم لا يعارض المنطوق. السبب: لدخول المنطوق هذا في منطوق ذلك، فإن «لَا تُحَرِّمُ» يدل عليها قولُه: (خمسُ رضعاتٍ معلوماتٍ)، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: وما زاد على الثلاث الذي دلَّ مفهومُ حكمِ المقيد بالثلاث على أنه مُحَرِّم، نقول: ما زاد على ذلك قد وُجِد فيه النطق أو المنطوق بحديث (خَمْسُ رضعاتٍ). فيكون زيادة عِلْم، والأخذ بالزيادة الصحيحة واجب، وهذا هو الذي استقر عليه مذهب الإمام أحمد ﵀، ولكن بقي عندنا بحث آخر:
ما هي الرضعة؟ هذه هي أيضًا مشكل: هي المصَّة؟ هي إمساك الثدي؟ هي الوجبة أو ما أشبه ذلك؟ فيها خلاف أيضًا.
فمنهم من قال: إن الرضعة هي المصَّة، فإذا مصَّ الصبي الثدي ثم ابتلعه فهذه واحدة؛ لقوله: «الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ» (٣٧). فعلَّق الحكم بالمصِّ، فإذا كان مصَّة أو مصَّتان عُلِّقَ الحكمُ بها.
[ ١ / ٦١٦٩ ]
بعضهم يقول: إن الرضعة إمساك الثدي، فما دام أن الثدي في فمه فهو رضعة، فإذا أطلقه فهو الرضعة الثانية، قالوا: لأنه قال: «الْإِمْلَاجَةُ وَالْإِمَلَاجَتَانِ» (٣٣). والإملاجة: إدخال الثدي في فم الصبي، فما دام في فمه لو مصَّ مائة مرة فهي واحدة، ولو تكلكش له ويلتفت ويرجع فهي ثانية، ويمكن على هذا في مجلس واحد يرضع عشر رضعات أو أكثر.
ومنهم من قال: إن الرضعة معناها الفَعْلَة من الرضاع، فإن انفصلت كل واحدة عن الأخرى بفاصل طويل فتلك رضعة ثانية، أما ما دام في حجر المرأة فإنها رضعة واحدة، كما تقول: هذه أَكْلَة، هذا غداء، هذا عشاء وما أشبه ذلك، فالعشاء ليس كل لقمة ترفعها إلى فمك يكون عشاءً، العشاء مجموع اللقم هذه، وكذلك الغداء ما كل ثمرة تبلعها تكون غداء، إنما الغداء مجموع الأكل.
وعلى هذا فيكون مفهوم المراد بالرضعة معناه: الفَعْلَة من الرضاع التي تنفصل عن الأخرى. وأما مجرد فصل الثدي فهذا لا يعتبر رضعة.
الحقيقة أن هذه الآراء أيضًا الثلاثة تكاد تكون متكافئة، فما الذي يرجحها؟ يرجح أحدها على الآخر؟ يرجح أحدها على الآخر -عندي-: أن الأصل عدم التأثير، حتى نتحقق وجود الشرط، فهذا الذي ارتضع مصَّة وأطلق ومصَّة وأطلق ومصَّة وأطلق، عندنا شك الآن: هل هذا مراد الرسول ﵊؟ أو هل هذا مراد الآية التي نُسخت أو لا؟ وما دام عندنا ..
ويَحْرُمُ بالرَّضاعِ ما يَحْرُمُ بالنَّسَبِ، إلا أمَّ أختِه وأختَ ابنِه، ويَحْرُمُ بالعَقْدِ زوجةُ أبيه وكُلُّ جَدٍّ وزوجةُ ابنِه وإن نَزَلَ دونَ بناتِهنَّ وأُمَّهاتِهِنَّ، وتَحْرُمُ أمُّ زوجتِه وجَدَّاتُها بالعَقْدِ وبنتُها وبناتُ أولادِها بالدخولِ،
وهو اختيار شيخنا عبد الرحمن السعدي ﵀، والأول هو المذهب الذي يقولون: إن الرضعة هي الْتقام الثدي، فإذا أطلقه فهي رضعة ()، هذا هو المشهور من المذهب، على كل حال إذا سلكنا الأصل، وهو أن الأصل أيش؟
[ ١ / ٦١٧٠ ]
طالب: عدم التأثير.
الشيخ: عدم التأثير، قلنا: ما يمكن أن نحكم بتأويل شيء إلا حيث علمنا أن الشروط موجودة فيه. هذان شرطان.
الشرط الثالث: أن يكون الرضاع في زمنه -أو بعبارة أصرح- أن يكون الإرضاع في زمنه؛ أي: في زمن الرضاع، الحقيقة الباب هذا ما هو ببحث لهذا، لكن لا بد لنا أننا نستوعبه.
الشرط الثالث: أن يكون الإرضاع في زمن الرضاع.
فما هو زمن الرضاع؟
أيضًا موضع خلاف بين العلماء، ولذلك الحقيقة في مسألة الرضاع كل امرأة تشاركك في رضاع وتعقد عليها النكاح يسمى عند أهل العلم فاسدًا، يُسَمَّى فاسدًا؛ لأنه موضع خلاف، لكن إن اعتقدت صحته فهو صحيح عندك؛ يعني بعض الطلبة لو قيل له: مثِّل لنا بنكاح فاسد يمكن يعجز، لكن يجيء إلى باب الرضاع يلقى ما شاء الله ().
النكاح الباطل واضح؛ يعني فيه معتدات وغيرها كثير، لكن النكاح الفاسد قد يُعْوِز طالب العلم، ولكننا نقول: ادخل في باب الرضاع وتجد -ما شاء الله- هَيْلًا بلا كيلٍ، الفاسد الذي فيه خلاف بين العلماء، والباطل اللي أجمعوا على بطلانه، إي نعم.
أقول: في زمن الرضاع، فما زمن الرضاع؟ قيل: الحولان، وقيل: الفطام.
أما من قال بالحولين فاحتج بقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، قالوا: فقال الله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ فجعل الله -﷾- الحولين كليهما زمنًا للرضاع؛ فمتى رضع الطفل في هذا الوقت فالرضاع مؤثر، وإن رضع بعد الحولين فالرضاع غير مؤثر.
[ ١ / ٦١٧١ ]
وقال بعض أهل العلم: المعتبر الفطام زمن الرضاع هو زمن الرضاع على اسمه، مادام يتغذى باللبن فهو على زمن الرضاع، فإذا صار يتغذى بالطعام فقد انتفى زمن الرضاع، واستدلوا بحديث: «لَا رَضَاعَ إِلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ» (١)، واستدلوا أيضًا بالمعنى؛ فالمعنى هو أن الحكمة من تأثير الرضاع هو أن الجسم ينمو عليه؛ ولذلك رضاع الكبير ما يؤثر؛ لأن الجسم لا ينمو عليه، فإذا كان كذلك فهو بعد الفطام لا يؤثر فيه، وأما قبل فيؤثر.
ويظهر الفرق بين القولين فيما لو فُطِمَ طفلٌ قبل السنتين، وصار يأكل الخبز والتمر والبسكوت ()، هذا إذا أرضعناه؛ على القول بأن المعتبر الحولين مؤثر، وعلى القول بأن المعتبر الفطام لا يؤثر؛ لأنه كإرضاع الكبير.
والعكس بالعكس؛ لو أن طفلًا صار قليل النمو، وصار ما يأكل، وتم له سنتان وهو إلى الآن وهو يتغذى باللبن وأرضعناه؛ على القول بأن المعتبر الحولان لا يؤثر هذا الرضاع، وعلى القول بأن المعتبر الفطام يؤثر، وهذا في المعنى أقوى من معتبر الفطام.
وفي الحقيقة أن الإنسان يستبعد أن يكون الطفل الذي لا يُفطم قبل الحولين لا يؤثر فيه الرضاع، هذا بعيد، يعني حتى خارج عن الآية، أما الذي يفطم قبل الحولين ثم يرضع بعد الفطام فهذا محل نظر؛ هل يؤثر أو ما يؤثر؟ ولكن الخلاف -كما عرفتم- واضح فيه.
[ ١ / ٦١٧٢ ]
وقال ابن حزم وأتباعه أهل الظاهر، ابن حزم من أهل الظاهر ما هو بإمامهم، قال: إن رضاع الكبير يؤثر ولا عبرة بالحولين، والأحاديث الواردة فيه ضعيفة، والآية ما تدل على أنه لا يؤثر رضاع بعد ذلك، وآية النساء ﴿أُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] مطلقة، وعندنا أيضًا دليل من السنة: كان أبو حذيفة له مولى أعتقه، فكان يدخل على أهله، فشق عليهم ذلك، فشكوا إلى الرسول ﵊، فقال لامرأته: «أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ» (٢)، ولم يعلل النبي ﵊ ما قال: لأنك في حاجة لذلك، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فعندنا إطلاق في القرآن ونص في السنة ().
ما جواب الذين يقولون: لا بد من العشر؟
طالب: ().
الشيخ: لا، هذا دليله، لكن ما جوابهم على الذين قالوا: إن مطلق الرضاع محرم؟ إحنا ذكرنا فيما سبق إذا وجد خلاف بين العلماء يحتاج المخالف إلى أمرين؛ وهما: إثبات قوله، والرد على مخالفه، فهم أثبتوا قولهم بحديث عائشة، يحتاجون الآن إلى الرد على مخالفيهم. الجواب على الذي قال بأنه لا يشترط العدد مطلقًا.
طالب: أن الأدلة التي استدلوا بها مطلقة حديث عائشة مقيد ..
الشيخ: ما تقول: كلها مطلقة () اللي قالوا بعدم العدد.
الطالب: بعدم العدد مطلق على شيء مقيد، فيحمل المقيد على ..
الشيخ: أو العكس.
الطالب: المطلق على المقيد.
الشيخ: يحمل المطلق على المقيد، زين، كما أنه بالنسبة للحديث: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ» (٣) يجاب عنه بأنه لا دليل فيه أصلًا، وجهه أن قوله: (الرضاع) (أل) فيه للعهد الذهني؛ لأن الرضاع المعروف شرعًا وهو الذي تمت فيه الشروط.
طالب: ()؟
الشيخ: إي نعم، طيب الذين قالوا بالثلاث؟
طالب: ().
الشيخ: يقول: ما تحرم المصة ولا المصتين ولا ().
الطالب: إي نعم، ().
[ ١ / ٦١٧٣ ]
الشيخ: لأنه منطوق وذاك مفهوم، فمن قال بالخمس فقد قال بأن الثلاث لا تحرم، ومن منع القول بالزيادة فقد ألغى أحاديث عائشة؛ الخمسة.
فيه شرط ثالث للرضاع؟
طالب: يشترط زمن للرضاع.
الشيخ: نعم، يشترط أن يكون في زمن للرضاع. وما هو زمنه؟
الطالب: الحولان.
الشيخ: على رأي كثير من أهل العلم، أو؟
الطالب: الفطام.
الشيخ: أو الفطام على رأي بعض أهل العلم.
فإن كان في غير هذا الزمن؟
طالب: لا يؤثر.
الشيخ: فلا يؤثر، تمام. هذا الشرط فيه خلاف؟
طلبة: ما ذكرناه.
الشيخ: ما ذكرناه!
طالب: أربعة أقوال صاروا.
الشيخ: لا، صار أولًا يشترط أن يكون مقدرًا بزمن، والزمن إما الحولان أو قبل الفطام، يعتبر هذا واحدًا، لكن بس اختلفوا في الزمن المقدر أو أنه غير مقيد بزمن مطلقًا، وأن المرأة لو ترضع واحدًا أكبر منها صارت أمًّا له.
والثالث: أنه إن احتيج إليه لم يتقيد بزمن، وإلا فلا.
الآن نحتاج أن نناقش هذه الأقوال الثلاث، فما هو دليل القائلين بأنه غير مقيد بزمن مطلقًا؟
طالب: حديث ..
الشيخ: أولًا من القرآن؛ لأن القرآن بحث في هذا ..، تكلم الله ﷿ في هذا الأمر.
الطالب: لأنه ما قيَّد، قال: ﴿أُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
الشيخ: طيب، ﴿أُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾، زين، أطلق.
الطالب: إي نعم. الثاني من السنة قال: «أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ» (٢).
الشيخ: حديث سالم مولى أبي حذيفة، كان مولى لهم، كان بالأول عندهم عبد، وكان يتردد عليهم وألفوه وألفهم، فلما عتقوه صار مشقة عليه وعليهم الدخول، فقال الرسول ﷺ لامرأته: «أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ» وهو كبير.
طالب: لبن الذكر، فعلًا الطفل إذا بلغ الحلم () لو داس على ().
الشيخ: صحيح؟
الطالب: مجربة، الطفل بمجرد ما يبلغ الحلم لو داس على الثدي ().
الشيخ: عجيب!
الطالب: يعني وإحنا صغار حصل معانا ..
الشيخ: أخذت هذا من مين؟
[ ١ / ٦١٧٤ ]
الطالب: () يبلغ الحلم الثدي بتاعه ().
الشيخ: ().
طالب: علم النفس نفس الكلام هذا على أساس أنه يحصل فيه أمراض.
الشيخ: إي، بس () دائمًا يعني؟
طالب: الطفل -بقول لسيادتك- لما يبلغ الحلم تبص تلاقي الصدر بتاعه كبر وحجَّر ولو داس عليه ينزل لبن.
الشيخ: عجيب! إذن معناه كلام علماء صحيح؛ يعني: ما صار فرضًا، صار أمرًا واقعًا.
الطالب: دا عن تجارب، أنا نفسي وإحنا كنا صغيرين ينزل لبن ..
الشيخ: سبحان الله! خلاص هذا عين اليقين وعلم اليقين، أحسنت، بارك الله فيك، هذا حقيقة جزاك الله خيرًا، هذه فائدة، هذه نطلبها من زمان، كنا نقرأ على شيخنا عبد الرحمن السعدي ﵀ يقول: هذه من المسائل الفردية اللي ما يمكن تقع.
طالب: ().
الشيخ: اسأل به خبيرًا.
طالب: يعني هذه شهادة () نفسي شخصيًا لما بلغنا () لبن.
الشيخ: زين خلاص انتهينا، طيب الآن صار كلام العلماء ﵏: يشترط أن يكون من آدمية صار مفهومه؛ يعني: هذا الاحتراز يخرج به لبن البهيمة ولبن الرجل، الحمد لله.
قلنا: يشترط أن يكون في زمن الرضاع، هذا هو المشهور عند أهل العلم، لكنهم اختلفوا في هذا الزمن؛ فمنهم من يرى أنه الحولان، ومنهم من يرى أنه الفطام، وشرحت هذا يا إخواني، شرحنا هذا، وعرفنا دليل كلٍّ منهما.
وقال بعض أهل العلم: إنه لا يُشترط له زمن، وممن ذهب إلى هذا أهل الظاهر وقالوا: إنه لا يُشترط له زمن، وأن الرضاع مؤثر مطلقًا، واستدلوا بالإطلاق والعموم؛ الإطلاق في القرآن، والعموم في السنة.
في القرآن: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣].
وفي السنة: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» (٣)، وحملوا (أل) على العموم وقالوا: كل رضاع فهو محرم.
[ ١ / ٦١٧٥ ]
واستدلوا أيضًا بنوع من النظر فقالوا: إن هذا اللبن وإن كان الذي ارتضعه كبيرًا فإنه فسوف يغذي البدن، صحيح أنه البدن ليس في ضرورة إليه، ولكن لا بد أن يتغذى به؛ لأن كل ما دخل إلى المعدة حصل به تغذية. هذا قول.
القول الثاني: إنه للحاجة، ندعه بعد ..
هذا القول هذه أدلته. وأدلة القائلين بالزمن تقدم لنا أدلتهم، فما جوابهم عن هذا القول؟
ما جواب القائلين المحددين للرضاع بزمن عن هذا القول المطلق؟
الجواب أن نقول: أما إطلاق القرآن الكريم فإنه مقيد بالسنة، وسبق لنا الدليل: «لَا رَضَاعَ إِلَّا مَا أَنْشَزَ الْعَظْمَ» (٤) «وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ» (١).
وكذلك ما ثبت في الصحيحين أن الرسول ﵊ قال لأزواجه: «انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ؛ فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ» (٥)، ومن فُطِمَ فإن مجاعته لا تسد بالرضاع تسد بالطعام؛ بالأكل والشرب.
وقول الرسول ﵊: «إِنَّمَا الرَّضَاعَةُ» (إنما) أداة حصر، و(الرضاعة) (أل) فيها للعهد الذهني؛ وهي الرضاعة المعتبرة شرعًا، هذه ما تكون إلا من المجاعة التي بها يزول جوع الطفل.
واستدلوا أيضًا بالنظر؛ بأن الجسم لا ينمو حقيقة إلا على هذا اللبن قبل الفطام، فكان هذا هو المعتبر، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، والتقييد بالحولين اختيار أصحاب المذهب، المشهور من المذهب أن المعتبر الحولان، فمتى رضع بعدهما ولو لم يُفطم فلا أثر للرضاع، ومتى رضع قبلهما ولو فُطم فالرضاع معتبر، أجابوا عن إطلاق القرآن.
[ ١ / ٦١٧٦ ]
أما عموم السنة في قوله: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ» (٣) فنازعوا أن تكون (أل) هنا للعموم، وقالوا: إن (أل) هنا للعهد، والمراد «مِنَ الرَّضَاعِ» أي: الرضاع المحرِّم؛ وذلك لأن نصوص الشرع تحمل على أي شيء؟ على المعهود الشرعي، ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] البيع هنا، هي تحمل (أل) هنا على العموم ولَّا تحمل على العهد؟ على العهد، ما تعم كل بيع، البيوع المحرمة غير داخلة في هذه الآية؛ كبيع أهل الجاهلية المتضمنة للغرر، فإذن نقول: (أل) الواردة في قوله: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ» (٣) المراد به العهد الذهني، فيعود الرضاع هنا إلى المعنى المعتبر شرعًا؛ وهو الرضاع المحرِّم.
ذكرنا أيضًا لهم دليل ثالث نسيته، استدلوا أيضًا بحديث سالم مولى أبي حذيفة فقالوا: إن الرسول ﵊ قال: «أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ» (٢)، فهذا دليل على أن رضاع الكبير مؤثر.
وذهب شيخ الإسلام ﵀ إلى التفصيل في ذلك؛ وقال: إن دعت الحاجة إلى المحرمية في رضاع الكبير فإنه يعتبر، وإلا فلا يعتبر، واستدل بقصة سالم مولى أبي حذيفة؛ فإنه رجل كبير بالغ، ولكن الرسول قال لها: «أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ»، وهذا لا شك أنه لحاجة.
فإذا قال: هل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب؟
العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لكن يجب أن نعلم أن خصوص السبب ينقسم إلى قسمين:
قسم يكون خصوص السبب فيه مجرد الشخصية فقط؛ يعني أن هذا الشخص هو سبب الحكم، فهنا لا شك أنه لا عبرة بخصوصه، إذا كان السبب تخصيصًا بالشخصية فإنه لا شك أنه لا عبرة به، حطوا بالكم لهذه القاعدة.
فمثلًا أوس بن الصامت هو سبب نزول آيات الظهار، فهل نقول: إن حكم الظهار يختص به؟ لا، ما يختص به بالإجماع؛ لأنه سبب شخصي، وكما قلنا فيما سبق: إن الأحكام الشرعية لا يمكن أن تُعَلَّق بالأشخاص لمجرد أنه فلان بن فلان.
[ ١ / ٦١٧٧ ]
والثاني: أن يكون سبب الحكم سببًا معنويًّا فهذا يجب أن يُخصص العموم بما يشبه ذلك السبب، إذا كان السبب الذي من أجله جاء العموم سببًا معنويًّا فإنه يجب أن يُخصص به العموم.
مثال ذلك: قوله ﷺ: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» (٦) ما تقولون في هذا اللفظ؟ عام ولَّا لا؟
طلبة: عام.
الشيخ: الصيام عام، «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ»، لكن نعرف أن السبب هذا أن الرسول ﷺ رأى زحامًا ورجلًا قد ظُلِّل عليه، وكأنه وصل إلى حال بالغة من المشقة، فقال: «مَا هَذَا؟» تعجب من كون الناس يزدحمون على هذا الرجل وينظرون إليه، قالوا: صائم، فقال: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ»، ما المراد بهذا العموم؟ الصيام الذي يصل إلى مثل هذه الحال، أما صيام لا يؤثر فإنه لا يمكن أن نقول: ليس من البر وقد صام النبي ﵊ في السفر، وصام أصحابه أيضًا معه، ومع ذلك ما قال: لا تصوموا فإنه ليس ببر.
طيب، إذا خصصنا الحديث: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» في مثل هذه الحال، هل قلنا بعموم اللفظ؟
طلبة: بعموم اللفظ.
الشيخ: إِلَّا قلنا بعموم اللفظ، لكن قلنا بعموم اللفظ مشروطًا بأن يكون الحكم في مثل حال الرجل هذا؛ ولذلك ما قلنا بخصوص السبب؛ وهو الرجل، ما قلنا هذا الحكم خاص بالرجل نفسه، ما قلنا، كل واحد يجيه من المشقة مثلما جاء هذا الرجل فإن الصيام في حقه ليس من البر.
إذن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ما هو على إطلاقه، يجب أن نقول: إن السبب نوعان: سبب شخصي، فهنا لا يختص الحكم به، وسبب معنوي فهذا يُخَصُّ العموم بما يشبه تلك الحال التي ورد من أجلها.
[ ١ / ٦١٧٨ ]
طيب، نأتي إلى قصة سالم مولى أبي حذيفة، شيخ الإسلام ﵀ قال: إن النصوص الدالة على التقييد بالزمن مخصوصة في قصة سالم، وأنه إذا وجد رجل يحتاج إلى الدخول في هذا البيت فإنه لا حرج أن ربة البيت ترضعه، فيكون مَحْرَمًا لها، وقال: إن قصة سالم صريحة في هذا.
أما مسألة كيف يرضع؟ فهذا شيء آخر؛ إما أن نقول: أن يرضع من ثديها، وهنا الحاجة دعت لذلك، كما يجوز النظر للعورة وهي عند الحاجة، أو يقال: أنها -مثلًا- تحلب له ويرضع، هذه المسألة يقول شيخ الإسلام: إنها مخصصة للعمومات.
الجمهور لا يرون هذا الرأي، ويش يرون؟ أنه لا بد من التحديد بزمن، لا بد أن يحدد بزمن، فما جوابهم عن حديث سالم مولى أبي حذيفة؟
الحقيقة أن حديث سالم هو اللي مشكل، أما إطلاق ﴿أُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وإطلاق «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ» (٣) وما أشبهه، فلا فيه إشكال؛ لأنه عرفنا المقيد، لكن قصة سالم مولى أبي حذيفة هي المشكل، فهل نقول بها أو لا؟
ذكرنا أن شيخ الإسلام يقول بها، الجمهور لا يقولون بها، يحتاجون الآن إلى الإجابة عنها، وإلا لألزموا بالقول بها.
يقولون: الجواب عنها؛ إما أن هذا خاص بسالم مولى أبي حذيفة؛ خاص به شخصيًّا، فلا يتعداه إلى غيره. هذا جواب.
جواب آخر: أن هذا الحكم منسوخ.
دعوة الخصوصية تحتاج إلى دليل، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: إذا كان الرسول ﵊ إذا ورد الحكم موجه إليه وهو الذي ثبتت له الخصوصيات يحتاج إلى دليل على التخصيص، فما بالك بغيره؟
ويقول الجمهور: نحن لا نسلم أن حكمًا من أحكام الشريعة العامة العادلة يختص بواحد لشخصه، هذه يجب أن نعرفها وكررناها مرات، الشريعة عامة ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: عادلة؟
الطلبة: نعم.
[ ١ / ٦١٧٩ ]
الشيخ: طيب، ما يمكن تخصص هذا الشخص لأنه فلان بن فلان، أبدًا، إلا لمعنى إذا وجد في غيره ثبت الحكم لهذا الآخر، فيقولون: نحن لا نسلم التخصيصات الشخصية لأحد سوى الرسول ﷺ، ثم إن الرسول أيضًا ثبتت له الخصوصيات، لماذا؟ لأنه تميز بمعنى لا يشركه فيه غيره؛ ولهذا حتى خصوصيات الرسول ﷺ لا شك أنها ثبتت لكونه رسول الله ﷺ الذي لا يوجد له نظير من الرسل، وهو مبعوث إلى عامة الأمم؛ الناس.
إذن نرجع إلى القول بأن سالم مولى أبي حذيفة الحكم خاص به فنقول: لإبطال هذا القول وجهان، ما هما؟ أقول لكم: الجمهور أجابوا عن حديث سالم نعيده من جديد:
الجمهور أجابوا عن حديث سالم بأنه؛ إما مخصوص أو منسوخ، نقول: كلا الإجابتين غير صحيح، دعوى أنه مخصوص مسلمة ولَّا لا؟ غير مسلمة؛ لأننا لا نسلم الخصوصيات الشخصية لغير الرسول ﵊.
سالم مولى أبي حذيفة ويش اللي يخليه يخصص بحكم شرعي من أحكام الشريعة العامة العادلة؟ ! فلا نسلم التخصيص. هذه واحدة.
ثانيًا: لو سلمنا ذلك جدلًا فأين الدليل على التخصيص؟ إذن بطل هذا الوجه.
الوجه الثاني في الإجابة عن حديثه أنه منسوخ، وتعرفون أن شروط النسخ؛ يعني من أهم شروطه شرطان:
أولًا: تعذر الجمع بين الدليلين.
وثانيًا: العلم بتأخر الناسخ. وهنا الجمع ممكن ولَّا غير ممكن؟
طلبة: ممكن.
الشيخ: نعم، على رأي الشيخ ممكن؛ بأن يحمل عليه سالم على الحاجة، وما عداه على غير الحاجة.
ثانيًا: العلم بتأخر الناسخ، من يقول: إن الحديث «إِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ» (٥) بعد حديث سالم مولى أبي حذيفة؟
طالب: ما قال أحد.
الشيخ: إن قال أحد وجاب دليلًا، فيمكن نقول، مع أنه يمكن الجمع فلا نسخ.
[ ١ / ٦١٨٠ ]
الحقيقة أن حديث سالم من أشكل الأحاديث، لكن أنا عندي -والله أعلم- أن حديث: أرأيت الحمو؟ قال: «الْحَمْوُ الْمَوْتُ» (٧)، عندي ممكن أن يُستدل به على النسخ أو ما يمكن؟
طلبة: نعم.
طالب: في ظاهره ممكن.
الشيخ: طيب، نشوف الآن، الرسول ﵊ لما قال: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ» (٨)، ونهى عن الخلو بالمرأة، قالوا: أرأيت الحمو، مين هو الحمو؟ قريب الزوج كأخيه وعمه وابن أخيه وما أشبه ذلك يدخل على امرأته، قال: «الْحَمْوُ الْمَوْتُ» (٧)، وهذا فيه حاجة للدخول ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: فيه حاجة عامة، ما هي خاصة فيه مولى، ما أكثر الأزواج الذين لهم إخوة، ولهم أعمام، ولهم أبناء إخوة، وما أشبه ذلك.
فحينئذٍ نقول: إن الظاهر -والله أعلم- أن حديث سالم مولى أبي حذيفة منسوخ بهذا الحكم، وأنه لو كانت الحاجة مجيزة لرضاع الكبير لأرشد النبي ﵊ إلى هذا، هذا -والله أعلم- أقرب شيء عندي.
ثم إننا نقول: ما دمنا في إمكان الاحتياط -وهو ألَّا ترضعه- فإنه أولى من عدم الإرضاع، والمسألة عندي ما نضجت النضوج الكبير، إنما يترجح عندي -والله أعلم، وهو أحوط- أن رضاع الكبير لا يؤثر مطلقًا؛ لا لحاجة، ولا لغير حاجة، ونقول: الأسلم والأولى والأتقى أن يبتعد، ومن تبين له أنه مؤثر عند الحاجة فسيحل مشكلات كثيرة عن الناس، ويش لونه؟ في الحمو، يكون أخو الزوج اللي ما في البيت إلا أخوه وزوجته وهو معهم ساكن، إذا أراد الخلاص من الخلوة ويش يعمل؟
طالب: ترضعه.
الشيخ: ترضعه زوجة أخيه ويكون ابنًا لها، وينتهي الإشكال.
طالب: الحمو هذا يمكن يموت الزوج ويأخذها أو يطلقها، أو يمكن الأولاد .. تصير مشكلة؟
الشيخ: إذا صارت أُمًّا لهم ().
الطالب: إي صحيح، أقول: يعني هذا ما هو مثل المولى، المولى ..
الشيخ: المولى يمكن يأخذ زوجة سيده بعده.
الطالب: وبعدين هذا .. الأولاد يصير مثل ()؟
[ ١ / ٦١٨١ ]
الشيخ: إذا صارت () أخوه له أولاد، فأولاده يكونون محارمًا له، سواء ما صار أخوه اللي من الرضاع ولَّا لا، لكن عيال العيال ..
الطالب: إي، عياله.
الشيخ: إي، ما يخالف، يصير إخوته من الرضاع ما فيه شيء.
طالب: () رجل له زوجتان وأحدهما .. فأرضعت الأخرى ..؟
الشيخ: لا، حاجة الرجل إلى الدخول والمخالطة، ما هي بحاجة أنها تفرق بينها وبين زوجها؛ لأن أولًا: هذا محرم، لا تسأل المرأة طلاق أختها (٩).
الطالب: وأبو الزوج؟
الشيخ: ().
وهذا الذي قاله المؤلف: (يحرم بالرضاع ما يحرم بالنسب) هو لفظ حديث في الصحيحين، قال النبي ﵊: «يَحْرُمُ بِالرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ بِالنَّسَبِ» (٣)، والباء فيهما للسببية؛ أي: الذي يحرم بسبب النسب يحرم نظيره بسبب الرضاع، وقد ذكرنا أنها كم؟
طلبة: سبع.
الشيخ: سبع، المحرمات من النسب سبع، كما في القرآن، فيكون نظيره من الرضاع محرمًا سبعًا.
قال المؤلف: (إلا أم أخته وأخت ابنه) فإن أم أخته من النسب حرام عليه، وأم أخته من الرضاع ليست حرام عليه؛ لأن أم أخته من النسب؛ إما أمه، وإما زوجة أبيه، فإن كانت أمه فهي حرام عليه بالنسب، وإن كانت زوجة أبيه فهي حرام عليه بالمصاهرة، لكن بالرضاع لا، أم أخته من الرضاع ليس بينه وبينها علاقة؛ لأنها إن كانت قد أرضعته فهي أمه، ولا يقال: أم أخته، يقال: أمه، وإن كانت لم ترضعه فليست زوجة أبيه، أليس كذلك؟ يقول العلماء الذين استثنوا هذا يقولون: لأن أم أخته من النسب إذا كانت زوجة أبيه فإنما تحرم بالمصاهرة، أم أخته من النسب إذا كانت زوجة أبيه فإنما تحرم بأيش؟
طلبة: بالمصاهرة.
الشيخ: بالمصاهرة، النبي ﵊ يقول: «يَحْرُمُ بِالرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ بِالنَّسَبِ» (٣)، وأم أختك من النسب إذا لم تكن أمك فهي حرام عليك بالمصاهرة فلا تدخل في الحديث.
[ ١ / ٦١٨٢ ]
وأكثر أهل العلم لم يستثنوا ذلك، ما استثنوا شيئًا، أبقوا الحديث على عمومه وقالوا: إن أم أختك من الرضاع؛ يعني: المرأة التي أرضعت أختك وليست زوجة أبيك أنه ليس بينك وبينها علاقة، فلا يتوجه الاستثناء، والاستثناء في الحقيقةِ نوع استدراك على لفظ الشارع، والشارع لفظه مُحْكَم ما يحتاج إلى استدراك؛ لأنك لو سألك سائل: أم أختك من النسب إذا لم تكن أمك فهي زوجة أبيك، والرسول يقول: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ بِالنَّسَبِ» فهي أصلًا لم تدخل حتى تحتاج استثناء، ما دخلت أصلًا، واللي ما دخل ما يستثنى، ليش أنه يستثنى وهو من الأصل ما دخل في اللفظ؟ فلا وجه للاستثناء.
وفي هذا الذي قاله المؤلف دليل على أن الرضاع لا يؤثر في تحريم المصاهرة، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- في الكلام على المحرمات بالمصاهرة، وأن القول الراجح في هذه المسألة أن الرضاع لا يؤثر في المصاهرة.
الأمر الثاني من الاستثناء قال: (وأخت ابنه) أخت ابنه ما تحرم عليه من الرضاع، وهي تحرم عليه، أخت ابنه تحرم عليه في النسب ولَّا لا؟
طلبة: تحرم عليه.
الشيخ: تحرم عليه بالنسب؛ لأن أخت ابنه إن كانت من زوجته منه فهي بنته، وإن كانت من زوج آخر فهي ربيبته، أليس كذلك؟ هذا بالنسب، هذا إذا كانت بالنسب، فأخت ابنك بالنسب؛ إما ابنتك، وإما ربيبتك؛ أي: بنت زوجتك، فهي حرام عليك بالنسب، أخت ابنك من النسب حرام عليك، سواء كانت منك، أو من زوج قبلك، أو من زوج بعدك أيضًا.
[ ١ / ٦١٨٣ ]
أخت ابنك من الرضاع لا تحرم عليك؛ يعني: ابنك رضع من امرأة لها بنت، يجوز أن تتزوج بالبنت أنت يا أبا الرضيع؟ نعم يجوز أن تتزوج بالبنت؛ لأنه ما بينك وبينها علاقة، ولأنها نظير ما يحرم بالمصاهرة؛ لأن أخت ابنك من الرضاع؛ إن كانت هي رضعت من زوجتك فهي بنتك من الرضاع، ما يقال: أخت ابنك من الرضاع، يقال: بنتك من الرضاع، وإن كان ابنك رضع من أمها فلا علاقة بينك وبينها، وهي نظير من يحرم بالمصاهرة، والنبي ﵊ يقول: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ بِالنَّسَبِ» (٣).
طالب: وجه الاستثناء؟
الشيخ: وجه الاستثناء ظاهر؛ لأن أخت ابنك من النسب حرام عليك بكل حال؛ لأنها إما بنتك، أو ربيبتك، أخت ابنك من الرضاع ما تحرم عليك؛ لأنها إن كانت من امرأتك -رضعت هي من امرأتك- فهي بنتك، ولا يقال: أخت ابنك، وإن كان ابنك هو الذي رضع من أمها فلا علاقة بينك وبينها؛ لأنها ما هي من زوجتك حتى نقول: ربيبة، من امرأة أجنبية.
ووجه ذلك أن أخت ابنك من النسب إنما تحرم عليك بكل حال؛ لأنها إما من طريق النسب، وإما من طريق المصاهرة، والرضاع لا تؤثر فيه المصاهرة، وهذا أيضًا نقول فيه ما قلنا بالأول: إنه لا وجه لاستثنائه؛ لأنه غير داخل في لفظ الحديث من الأصل، والذي يستثنى ما كان داخلًا فيُخرَج، أما ما لم يكن داخلًا فالذي دخل يكون ويش عليكم منه؟ أنا واقف عند الباب، ما دخلت حتى تطلعوني؟ فلا وجه لاستثنائه.
ثم إن في الاستثناء قلنا: نوع استدراك على لفظ الشارع، والشارع اللفظ فيه محكم متقنٌ.
طالب: الاستثناء قلنا: ليس داخلًا في حديث الرسول ﷺ ..
الشيخ: إي، لكن ويش اللي استثنينا أولا؟ «يَحْرُمُ بِالرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ بِالنَّسَبِ» (٣)، إلا؟
الطالب: إلا أخت الابن من ().
الشيخ: إلا أخت ابنه، ويش بعد؟ وأُم؟ ويش قلنا؟
طالب: أم أخته وأخت ابنه.
[ ١ / ٦١٨٤ ]
الشيخ: إلا أم أخته وأخت ابنه، وجه الاستثناء على كلام المؤلف أنه بالنسب؛ أن أم أختك من النسب ().
ربيبتك، لكن في الرضاع الأمر بالعكس؛ أم أختك من الرضاع قد لا تكون زوجة أبيك، أم الأجنبية ما لها دخل، فلا تحرم عليك، وكذلك نقول في أخت ابنه ..
طالب: الاستثناء -يا شيخ- قوله: أم أخته ولا قال: أم أخيه؟
الشيخ: إي؛ لأن أخاه ما بينه وبينهم تناكح، فيه حد بيتزوج أخاه؟ !
الطالب: لا، الأم.
الشيخ: ويش لون؟
الطالب: قال: أم أخته ولا قال: أم أخيه؛ يعني هي الأم هذه المرضعة؟
الشيخ: أم أختك الآن تحرم عليك بالنسب؛ لأنها إما أمك، وإلا زوجة أبيك، سدا ولَّا لا؟ طيب أم أخيك ..
الطالب: إي نعم، مثل أم أختك.
الشيخ: زين، هذا نفس الشيء.
الطالب: لا، أقول: مثل ..
الشيخ: نعم مثله.
قال المؤلف: (ويحرم بالعقد ما يحرم) إلى آخره، اللي مضى عندنا الآن كم؟ من المحرمات إلى الأبد؟ صنفان؛ النسب واللعان.
يقول: (ويحرم بالعقد زوجة أبيه وكل جد، وزوجة ابنه وإن نزل) (يحرم بالعقد) أي عقد؟ عقد الزوجية، بدليل قوله: (زوجة أبيه)، وقوله: (بالعقد) للسببية الباء، والمراد بالعقد هو العقد الصحيح، يحرم به زوجة أبيه وإن علا، فكل امرأة تزوجها أبوك ولو طلقها فهي حرام عليك إلى الأبد، وكل امرأة تزوجها جدك من قبل الأب أو من قبل الأم فهي حرام عليك إلى الأبد.
[ ١ / ٦١٨٥ ]
الدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٢٢]، فلو تزوجها فهو أعظم من الزنا، لو تزوجها لكان أعظم من الزنا؛ لأن الله قال في الزنا: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]، وأما هذا فقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٢٢]، فنكاح ذوات المحارم أعظم -والعياذ بالله- من الزنا؛ ولهذا ذهب كثير من أهل العلم إلى أن من زنا بأحدٍ من محارمه ولو لم يكن محصنًا فإنه يجب قتله، وفي هذا حديث في السنن (١٠)، ويأتي -إن شاء الله- الكلام عليه.
طيب، إذن يحرم زوجة أبيه، ويش قلنا؟ وإن علا من قبل الأب أو من قبل الأم، الدليل ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]، وبمجرد العقد يثبت النكاح، ولم يشترط الله ﷾ لا دخولًا ولا غيره، بمجرد العقد الصحيح يثبت هذا الحكم.
ثانيًا: (وزوجة ابنه وإن نزل) لقوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، هذا الدليل.
طالب: والزوجة ()؟
الشيخ: قلنا: وإن علا، داخلة في الأب ..
الطالب: على المذهب؟
الشيخ: نعم، قلنا: في مسألة ..
الطالب: ما استدلوا به؟
الشيخ: نعم، ما استدلوا به؛ لأننا قلنا في باب النكاح: النكاح يؤثر فيه أدنى سبب؛ ولذلك أثر فيه الرضاع، ولم يؤثر الرضاع في الإرث ولا في النفقات ولا في غيره، النكاح ليس كغيره أدنى سبب يؤثر فيه، وإلا كان استدللنا بها عليه، كانوا استدلوا بها عليه، لكن هم يجيبون لأن مسألة النكاح ما تقاس عليها مسائل الفرائض؛ لأن أدنى سبب يؤثر فيه.
[ ١ / ٦١٨٦ ]
(زوجة ابنه وإن نزل) يعني: ابنه وابن ابنه وابن بنته وإن نزل، فكل من ينتسب إليك بأبوة من جهة الأب أو من جهة الأم فإن زوجته حرام عليك. ما هو الدليل؟ ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. هذا اثنان.
عبَّر عن ذلك بعض أهل العلم بقوله: يحرم بالعقد على الزوجة -نطاق محصور- أصول الزوج وفروعه.
كذلك يقول: (وزوجة ابنه وإن نزل دون بناتهن وأمهاتهن) ويش معنى (دون بناتهن وأمهاتهن)؟ يعني: دون بنات زوجة أبيه، ودون بنات زوجة ابنه، ودون أمهاتهن، الحقيقة أن هذا الاستثناء لو ما جابه المؤلف كان أوضح، لكن لا بد أن نشرحه.
(دون بناتهن) اللي تكلم عليه المؤلف زوجة الأب وإن علا، وزوجة الابن وإن نزل، زوجة الأب وإن علا حرام على من؟ على الابن وإن نزل، وزوجة الابن وإن نزل حرام على الأب وإن علا، تبادل.
(دون بناتهن) فابنة زوجة أبيك حلال لك.
طالب: ابنة زوجة أبيك؟
الشيخ: إي، ابنة زوجة أبيك حلال لك.
الطالب: من رجل آخر.
الشيخ: طبعًا من رجل آخر، لو كانت من أبيك صارت أختك.
طالب: ربيبة.
الشيخ: ما هي ربيبة لك، ربيبة لأبيك.
طالب: ()؟
الشيخ: () بنت زوجة أبيك حلال لك، فيجوز للرجل أن يتزوج امرأة وابنه بنتها.
وكذلك أيضًا زوجة الابن يجوز للأب أن يتزوج بنتها من غير ابنه؛ لأن بنتها من ابنه يكون هو جدها، لكن يتزوج بنت زوجة ابنه من غير الابن، يصح ولَّا لا؟
طالب: نعم.
طالب آخر: يصح.
الشيخ: فعلى هذا يجوز أن يتزوج الرجل بنتًا ويتزوج أبوه بنتها.
طالب: ()؟
الشيخ: ما وصلنا للأمهات، بنتها.
قال المؤلف: (وأمهاتهن) عكس المسألة هذه، فيجوز للإنسان أن يتزوج أم زوجة أبيه، إلا أن تكون زوجة أبيه أمه، هو ما يجوز أن يتزوج أمها؛ لأنها تكون جدته، إذن يجوز أن يتزوج أم زوجة أبيه.
وكذلك يجوز للرجل أن يتزوج أم زوجة ابنه أو ما يجوز؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز.
طالب: () أم زوجة ابنه.
[ ١ / ٦١٨٧ ]
الشيخ: يجوز، أم زوجة ابنه، إي نعم؛ ولهذا قال: (دون بناتهن وأمهاتهن)، والسبب في ذلك -يا إخواننا- أن التحريم يختص بالزوجين دون فروعهم وأصولهم؛ يعني بمعنى: أن الزوجة فقط يحرم عليها أصل زوجها وفرعه، والزوج نفسه يحرم عليه أصل زوجته وفرعها، أضبطوا القاعدة دي، ولا حاجة إلى الاستثناء اللي يمكن يشكل عليكم.
طالب: ()؟
الشيخ: الزوج وحده يحرم عليه أصول زوجته وفروعها؛ يعني: أمهاتها وإن علون، وبناتها وإن نزلن، والزوج نفسه يحرم عليه أصول زوجته وفروعها؛ يعني: أمهات زوجته وإن علون، وبناتها وإن نزلن.
يقول المؤلف: (وتحرم أيضًا أم زوجته وجداتها بالعقد) ويش معنى (بالعقد)؟ أي: بمجرد العقد مثل لو ()، يحرم على الزوج أم زوجته وجداتها بالعقد، الدليل ..
طالب: حتى ولو لم يدخل عليها يا شيخ؟
الشيخ: نعم ولم يدخل عليها، الدليل قوله تعالى في معرض المحرمات: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، ﴿أُمَّهَاتُ﴾ يدخل بها الجدات وإن علون.
طالب: ويدخلها البنات؟
الشيخ: يا أخي هي البنت تصير الأم، اصبر يا أخي.
﴿أُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ فيحرم بالعقد، يحرم على من؟ على الزوج فقط دون أصوله وفروعه يحرم عليه أمهات زوجته وإن علون، ويش نسمي أمهات الزوجة أصول ولَّا فروع؟
الطلبة: أصول.
الشيخ: أصول، اضبطوا الثلاثة الآن، عندنا يحرم بالعقد على الزوجة أصول زوجها وفروعه بالعقد، وعلى الزوج أصول الزوجة، الثلاث ها دولي بمجرد العقد.
() في باب المصاهرة: يحرم بمجرد العقد على الزوج نفسه أصول زوجته وفروعها.
طالب: أصول الزوجة؟
الشيخ: إي نعم، أصول الزوجة فقط وفروعها على هذا الزوج، ويحرم كذلك بالعقد على الزوجة أصول الزوج ..
طلبة: وفروعه.
الشيخ: لا، قلناها ..
طلبة: لا.
الشيخ: ويحرم على الزوج فقط أصول الزوجة بالعقد.
طالب: دون الفروع.
الشيخ: الفروع فيها تفصيل يجيء، صار اللي يحرم بالعقد ثلاثة: أصول الزوجة وفروعها على من؟
طلبة: على الزوج.
[ ١ / ٦١٨٨ ]
الشيخ: على الزوج، وأصول .. عكسنا -الله يهديكم- يحرم بالعقد على الزوجة أصول الزوج وفروعه، تمام، هذا محكم مضبوط، اكتبوه ما فيه شيء. وكذلك يحرم بالعقد على الزوج أصول الزوجة، كم دوله؟
طلبة: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة، هؤلاء يثبت فيهم التحريم بالعقد، مين بقي معنا؟
طالب: فروع الزوجة.
الشيخ: باقي معنا فروع الزوجة، فروع الزوجة ما يحرمون على زوجها إلا بالدخول، ما يكفي العقد وحده، لا بد من الدخول وهو الجماع؛ ولهذا قال المؤلف: (ويحرم عليه أم زوجته وجداتها بالعقد وبنتها وبنات أولادها بالدخول) (بنتها) ويش بنتها من فروعها؟
طالب: نعم.
الشيخ: (وبنات أولادها) فرع، وقوله: (بنات أولادها) يشمل بنات الأبناء وبنات البنات؛ لأن (الأولاد) إذا أُطْلِقت شملت البنين والبنات، إذن هذا هو الذي وحده ينفرد عن الثلاثة، ويش ينفرد به؟ بأنه لا بد من الدخول وهو الجماع، اللي هو فروع أيش؟ فروع الزوجة على من؟ على الزوج لا بد فيه من الدخول.
الدليل قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] ﴿رَبَائِبُكُمُ﴾ من هن الربائب؟ بنات الزوجة وإن نزلن، لكن لاحظوا الآية الكريمة مشروطة، نحن اشترطنا شرطًا واحدًا؛ وهو الدخول، والله تعالى في القرآن اشترط شرطين: أحدهما في الربائب، والثاني في الزوجات، الربائب اشترط فيهن: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾، ﴿رَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾، والنساء الزوجات اشترط: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾، فجعل الله تعالى شرطين؛ شرطًا في الربائب، وشرطًا في النساء الزوجات، ونحن ما ذكرنا إلا شرطًا واحدًا في؟
طلبة: الزوجات.
الشيخ: الزوجات، إذن فالدليل أخص من المدلول، ومعلوم أنه لا يجوز الاستدلال بالأخص على الأعم؛ لأن المدلول تابع للدليل، فإذا كان الدليل خاصًّا وجب أن يكون المدلول خاصًّا، فنحتاج حينئذٍ إلى الإجابة عن الآية الكريمة.
[ ١ / ٦١٨٩ ]
طيب، ما هو الجواب؟
أجاب بعض أهل العلم بأن هذا الشرط شرطٌ مقيِّدٌ وأنه لا بد من الشرطين: أن تكون الربيبة بالحجر، وأن تكون الزوجة مدخولًا بها، وهؤلاء لا يمكننا أن نقول لهم شيئًا، ويش السبب؟ لأنهم تمسكوا بظاهر القرآن، فـ ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ مثل ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾؛ الكل منهما صفة لموصوفه، هؤلاء ما نطالبهم بالإجابة عن الآية.
إذن عند هؤلاء لو لم تكن الربيبة في حجرك حَلَّت لك؛ مثل أن تكون بنت الزوجة عند أبيها السابق، فهو على قول هؤلاء تحل لك؛ لأن الله اشترط شرطًا، ولأنها إذا كانت في حجرك فهو المناسب ألَّا تحل لك؛ لأنها أصبحت مثل بنتك بالرعاية والولاية، فهي بنت زوجتك، وهي في حجرك، وإذا لم تكن في حجرك فهي كالأجنبية منك.
وقال جمهور أهل العلم: إن ذلك ليس بشرط؛ يعني: لا يُشترط أن تكون الربيبة في الحجر.
هؤلاء يحتاجون إلى الإجابة عن الآية الكريمة؛ لأن كل أحد يخالف ظاهر القرآن لا بد أن يأتي بدليل، وإلا رُدَّ قوله، أجابوا عن الآية الكريمة بأن هذا القيد؛ إما للإشارة إلى الحكمة والعلة؛ وهي أن ربيبتك كالتي في حجرك من بناتك وليست مقصودة.
وأجاب آخرون بأن ذلك مبني على الغالب؛ أن الإنسان إذا تزوج امرأة لها بنت أن بنتها تكون مع أمها.
وفي كلا الجوابين عندي نظر وقلق، أما إذا قلنا بأن العلة الإشارة إلى الحكمة، نقول إذن فلنتبع الحكمة، ولَّا لا؟ إن وجدت، وإلا فانتفى الحكم.
وأما القائلون بأن هذا مبني على الأغلب ففيه نظر أيضًا؛ لأنه من المعروف أن المرأة إذا تزوجت سقط حقها منين؟
طلبة: من الحضانة.
الشيخ: من الحضانة، وحينئذٍ تكون البنت مع أبيها، فالغالب ألَّا تكون مع أمها، يندر أن تكون امرأة مات عنها زوجها ولها بنات، ثم تزوجها رجل وصار بناتها عنده كبناته، هذا وإن كان واقع لكنه نادر بالنسبة للواقع الكثير.
[ ١ / ٦١٩٠ ]
لكن عندي أن هذا الشرط غير مقصود؛ بدليل آخر الآية اشترط الله تعالى شرطين: ﴿رَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾، ثم أتى بمفهوم شرط واحد فقط؛ وهو قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، مما يدل على أن مفهوم الشرط الأول غير معتبر، ولو كان معتبرًا لبينه الله ﷿، ولقال: فإن لم يكنَّ في حجوركم أو لم تكونوا دخلتم بأمهاتهن فلا جناح عليكم، فلما لم يقل ذلك عُلِم أن هذا الشرط ليس قيدًا.
وهذا القول هو قول جمهور أهل العلم، وهوالراجح؛ أنه لا يُشترط في الربيبة -أي: في تحريمها على زوج أمها- لا يُشترط أن تكون في حجره، ولو كانت من زوج سابق أو من زوج لاحق، هذا هو الصحيح.
وعلى هذا فتكون القاعدة عندنا في تحريم المصاهرة، القاعدة كما يلي: أولًا: يحرم على الزوجة أيش؟
طلبة: أصول زوجها.
الشيخ: أصول زوجها وفروعه، سدا؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: طيب، أصولها هل يحرمون على أصول الزوج؟
طالب: لا.
طالب آخر: إي نعم.
الشيخ: أقول: أصول زوجها هل يحرمون على أصولها؟
طالب: لا.
الشيخ: طيب ..
طالب: عليها هي.
الشيخ: لا، هذا قلناه، طيب فروعها هل يحرمون على فروع زوجها؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما يحرمون؟ بنت زوجتك يجوز ولدك يتزوجها؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: زين، إذن يحرم على الزوجة وحدها -حط تحتها خط- أصول زوجها وفروعه، ويحرم على الزوج فقط أصول زوجته، هذا يضاف إلى ما سبق أنه يحرم بمجرد العقد، ويحرم عليها أيضًا فروعه -اللي هم عياله، بناته وبنات عياله وما أشبه ذلك- ويش به؟ بشرط الدخول.
طالب: ()؟
الشيخ: إلا يحرم عليه، قلنا: يحرم على الزوج أصول الزوجة بالعقد، وهذا يضاف إلى ما سبق؛ أنه بمجرد العقد، ويحرم عليه أيضًا فروعها، لكن بشرط الدخول؛ وهو الجماع.
[ ١ / ٦١٩١ ]
لو تزوج امرأة وعقد عليها ودخل عليها وجلس عندها مدة طويلة ولكنه ما جامعها، ثم طلقها ولها بنت، يجوز يتزوج البنت؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يجوز؛ لأنه لم يجامعها ولا بد من الجماع، فهذا هو الذي يحرم، ويقول العلماء: هذا يحرم بالمصاهرة، هذا من المحرمات بالمصاهرة.
طالب: الدخول عليها ()؟
الشيخ: لا، ما يعمم، هذا كمسألة العدة، كمسألة المهر أن مجرد الخلوة ..
الطالب: ().
الشيخ: لا، ما ورد في مسألة المهر إلا ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، ذكر بلفظ المس، فألحق به الصحابة الخلوة، على أن المسألة فيها خلاف مثل المهر، إنما هذه لا بد من الجماع.
طالب: ()؟
الشيخ: لا، ﴿دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] ما قال: عليهن، ففرق بين هذا وهذا.
طالب: ولو فعل معها -يا شيخ- مقدمات الجماع؟
الشيخ: ولو فعل ما تحرم منه، لا بد من الجماع.
بقينا في مسألة، المؤلف يقول ﵀: (وبنتها) ..
طالب: ()؟
الشيخ: وهو؟
الطالب: ().
الشيخ: إي نعم، ويش مثل؟
الطالب: ().
الشيخ: لا، ما أستحضر شيئًا في هذا، والسلف مختلفون في هذا الأمر.
فيه مسألة: لو أن رجلًا زنا بامرأة، ما هو عقد، زنا بامرأة، فهل يحرم عليه أصلها وفرعها؟ وهل يحرم عليها أصله وفرعه؟
طلبة: ما يحرم.
الشيخ: لماذا؟
طالب: ليس زوج.
الشيخ: لأنه ما يدخل في الآية، الله قال: ﴿أُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣]، ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢] ﴿مَا نَكَحَ﴾، ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣]، والزانية ما تدخل في هذا، هل الزانية -المزني بها يعني قصدي- من حلائل الأبناء؟ يعني: لو زنا ابن شخص بامرأة، هل نقول: هذه المرأة من حلائله؟
طالب: لا، ليس من حلائله.
الشيخ: طيب، وهل نقول: إن أمها -أم هذه المزني بها- من أمهات نسائك؟
طالب: لا.
[ ١ / ٦١٩٢ ]
الشيخ: إذن فتكون حلالًا؛ لدخولها في قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وفي قراءة: ﴿وَأَحَلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾، فتكون داخلة في الحلال، ومع ذلك فالمذهب عندنا -مذهب الحنابلة- أن الزنا كالنكاح، فإذا زنا بامرأة حرم عليه أصولها وفروعها، وحرم عليها أصوله وفروعه تحريمًا مؤبدًا.
وهذا من غرائب العلم؛ أن يُجعل السفاح كالنكاح، هذا من أغرب ما يكون، وهو من أضعف الأقوال.
وأضعف منه أيضًا من قال: إن الرجل إذا لاط بشخص -والعياذ بالله- فهو كالمرأة المعقود عليها عقدًا شرعيًّا؛ فيحرم على هذا اللائط فروع الملوط به وأصوله، ويحرم على الملوط به فروع اللائط وأصوله، هذا أبعد وأبعد من القول الأول؛ وذلك لأن اللواط لا يحل الفرج فيه بأي حال من الأحوال؛ لا بعقد ولا بغير عقد، الزنا يحل الفرج فيه بأيش؟ بالعقد، فرج امرأة يمكن تعقد على امرأة ويحل لك، لكن اللواط -والعياذ بالله- ما .. هذا أيضًا أغرب من الأول، وأبعد عن الصواب من الأول.
والصواب أنه لا أثر في تحريم المصاهرة لغير عقد صحيح؛ أنه لا أثر بالمصاهرة لغير عقد صحيح؛ وذلك لأن العقود إذا أُطْلِقت في الشرع حملت على أيش؟ على الصحيح.
ومن الغرائب أنهم يقولون في الظهار: لو ظاهر الإنسان من امرأة يثبت الظهار ولَّا لا؟ امرأة أجنبية ما هي بزوجته؟
طلبة: ().
الشيخ: مع أن قوله: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢] مثل ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣] في هذا، وكذلك في الإيلاء ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] قالوا: ما يثبت إلا مع زوجة، فكيف نقول في هذه المسألة؟
فالصواب في هذه المسألة -يا إخواننا- أن كل ما كان طريقه محرمًا فإنه لا أثر له في التحريم بالمصاهرة.
طالب: () العقد بشبهة ()؟
الشيخ: لا، العقد بشبهة؛ لأنه يعطى حكم الصحيح، العقد بشبهة؛ لأن العاقد يعتقد أنه صحيح.
[ ١ / ٦١٩٣ ]
الطالب: كان خطأً؟
الشيخ: خطأ؟
الطالب: () بشبهة خطأ، العقد.
الشيخ: إي نعم، الشبهة قد تكون شبهة عقد أو شبهة اعتقاد، وأظن المسألة جماعية، وإلا لو لم تكن إجماعًا لكان في النفس شيء في شبهة الاعتقاد، إذا وطء امرأة يظنها زوجته فإن تحريم أصولها وفروعها عليه في النفس منه شيء، فإذا لم يكن إجماع فالأصل الحل. أما إذا عقد عليها عقدًا فاسدًا بشبهة فهذا له حكم الصحيح.
هذه مسألة تتفرع على مسألة المصاهرة ويش هي؟ اللي ذكرنا الآن، هل الزنا كالنكاح تثبت به المصاهرة؟ وهل اللواط كذلك؟ وقلنا: إنه ليس كذلك، وإن إلحاق هذا بهذا من أبطل القياس ومن غرائب العلم.
البحث الثاني في مسألة المصاهرة: هل تثبت المصاهرة بالرضاع ولَّا ما تثبت؟ بمعنى هل يحرم على الزوجة آباء زوجها من الرضاع وأبناؤه من الرضاع أو لا؟
هذه المسألة جمهور أهل العلم -ومنهم الأئمة الأربعة- على أنه يثبت التحريم، فيقولون: إنه يحرم على الزوجة أبو زوجها من الرضاع وابن زوجها من الرضاع، ترى هي اللي مرضعته ولَّا غيرها؟
طالب: لا.
الشيخ: أسألكم هي اللي مرضعته ولَّا غيرها؟
طلبة: غيرها.
الشيخ: لأنها لو كانت هي المرضعة صارت أمه، واضح. لكن هذا رجل له زوجتان، أرضعت إحداهما بنتًا، والثانية لم ترضعها، فهي بنته ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: زين، هذه البنت من الرضاع هل يؤثر الرضاع في مسألة المصاهرة؟ قلت لكم: إن جمهور أهل العلم يرون أنه مؤثر، وأن أصل زوجها من الرضاع -يعني أبا زوجها من الرضاع- حرام عليها؛ مثل أبي زوجها من النسب، وكذلك أم زوجته من الرضاع حرام عليه كأم زوجتها من النسب، قلت: هذا رأي من؟
طلبة: الجمهور.
الشيخ: جمهور أهل العلم، ومنهم الأئمة الأربعة.
ما دليلهم؟
استدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، والمرضعة تسمى أمًّا؟
طالب: نعم.
الشيخ: تسمى أمًّا. هذا دليل.
[ ١ / ٦١٩٤ ]
وقال: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]، والأب من الرضاع يسمى أبًا، وكذلك ﴿حَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣]، لكن في ﴿حَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ فيه شيء يمنع، لكن أجابوا عنه.
واستدلوا أيضًا -وهو العمدة في دليلهم، لو كان متجهًا- بقوله ﵊: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» (٣)، فقالوا: كما أن أبا الزوج من النسب حرام على الزوجة فيكون أباه من الرضاع حرام عليها، وكما أن أم الزوجة من النسب حرام على الزوج فأمها من الرضاع أيضًا حرام. هذا دليلهم.
أما شيخ الإسلام ﵀ فقال: نعم، أنا أستدل بهذا الحديث عليكم «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»، فأنا أسألكم: ما سبب التحريم في أم الزوجة على الزوج؟
طلبة: المصاهرة.
الشيخ: ويش سبب؟ نسب، ما بينه وبينه نسب، صحيح بينه وبينه الأنثى نسب، لكن ما هي علاقة التحريم بين الأنثى وأبيها حتى نقول: نشوف ويش العلاقة؟ علاقة التحريم بين أم الزوجة وزوجها، والعلاقة بينهما ليست النسب، فما هي العلاقة أو سبب التحريم؟ هو المصاهرة، فالحديث يدل بمنطوقه على أنه يحرم بالرضاع ما يحرم بالنسب، ويدل بمفهومه على أنه لا يحرم بالرضاع ما يحرم بغير النسب.
[ ١ / ٦١٩٥ ]
ثم إن استدلالكم بعموم قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] استدلال غير صحيح من الآية نفسها، لو كانت الأم عند الإطلاق تشمل الأم من الرضاع والأم من النسب لم يكن لقوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ لم يكن لها فائدة؛ لأن ﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾ سبقت في أول الآية ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾، فلو كانت الأم عند الإطلاق يدخل فيها الأم من الرضاع ما كُرِّر، ما قيل: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾، وكذلك الأخت من النسب، الأخت عند الإطلاق ما يدخل فيها الأخت من الرضاع، وإلا لما قال: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾، فلا دليل لكم.
وأما استدلالكم بقوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢] فإن من المعلوم أن الأب من الرضاع لا يدخل في مطلق الأب أبدًا، هو يدخل في مطلق الأب؟ ما يسمى أبًا إلا بقيد، أب من الرضاع، فلا يدخل في مطلق الأب.
وكذلك نقول: ﴿أُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ ما يدخل فيها الأم من الرضاع؛ لأنا عرفنا أن كلمة (الأم) ما يدخل فيها عند الإطلاق الأم من الرضاع.
وأما قوله: ﴿رَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ (من) للتبعيض، ومعلوم أن البنت من الرضاع ما هي من المرأة، منين؟ من أُمٍّ أخرى، لكن هذه أرضعته.
[ ١ / ٦١٩٦ ]
وأما قوله: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣] فإنها قد تكون حجة عليهم؛ لأن الله قال: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] هذا القيد وين روحوه؟ قالوا: هذا القيد احترازًا من ابن التبني؛ يعني: لا من أبنائكم الذين تبنيتموهم، فيقال: إنه لا يمكن أن يحترز الله في القرآن عن ابن باطل شرعًا؛ لأن الابن الباطل شرعًا داخل حتى يحتاج إلى قيد يخرجه؟ غير داخل، فابن التبني ليس شرعيًّا من الأصل؛ ولهذا استدل الله ﷿ على بطلانه بأمر حسي معقول؛ ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: ٤] صح؟ أو لا؟ ما فيه واحد له قلبان؟ الناس إذا صار الواحد () يقولون: هذا له قلبان.
طالب: مبالغ.
الشيخ: مبالغ، طيب.
﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] صح ولَّا لا؟ هل الإنسان إذا قال لزوجته: أنت عليَّ كظهر أمي، يصير ظهرها كظهر أمه؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ ﴿مَا جَعَلَ﴾ (ما) نافية، و(جعل) فعل ماضٍ؛ يعني: ما جعلهم أبناء شرعًا، فإذن لم يقرر الله ﷿ البنوة المدَّعاة في الجاهلية، من الأصل ما قررها، فإذا لم تكن مقررة من الأصل صارت غير داخلة من الأصل، فلا حاجة إلى إخراجها في قوله: ﴿مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
[ ١ / ٦١٩٧ ]
وعلى هذا فالآية تدل على ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الذي نراه ونرجحه؛ أنه لا دخل للرضاع في المصاهرة؛ وذلك لأن لدينا عمومًا من القرآن، ما يمكن أن نخرم هذا العموم إلا بدليل بيِّن يخرمه، ما هو الدليل؟ ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، و(ما) هذه اسم موصول تفيد العموم، أي إنسان يقول: هذه المرأة حرام، نقول: جيب دليلًا، أو لا؟ نعم، مثلما قال النبي ﵊ لما سئل: ما يلبس المحرم قال: لا يلبس كذا ولا كذا ولا كذا ولا كذا (١١)، فأي واحد يقول: هذا حرام على المحرم، نقول له: جيب دليلًا، بل الآية أصرح من حديث المحرم؛ لأن فيها أصل التصريح: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
فعلى هذا يكون القول الراجح ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀؛ من أن الرجل يجوز أن يتزوج أم زوجته من الرضاع، لكن بعد أن يفارق الزوجة بموت أو طلاق، ما يجمع بينهما؛ لقول الرسول ﵊: «يَحْرُمُ بِالرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ بِالنَّسَبِ» (٣)، وهنا المحرَّم الجمع ما هو بالمرأة، المحرَّم الجمع، فإذا حرم الجمع بالنسب حرم بالرضاع.
ولهذا شيخ الإسلام ﵀ في هذه المسألة لم يصب في أنه يجوز الجمع بين الأختين من الرضاع، هذا رأيه ليس بصواب.
كنت بالأول أذهب إلى طريق احتياطي فأقول: المرأة حلال، أم الزوجة من الرضاعة حلال، لكن تحتجب عنه، هذا ما فيه تناقض؟ حلال وتحتجب، تناقض؛ لأن الحلال ما ..
طلبة: ().
الشيخ: طيب نشوف الآن.
كنت أذهب إلى هذا فأقول: إنها حلال للزوج إذا فارق بنتها من الرضاع، لكن تحتجب عنه، وهذا من باب الاحتياط، وأستدل لذلك بحديث ثبت عن الرسول ﵊ ..
طالب: كيف هي حلال وتحتجب عنه؟
الشيخ: إي، حلال وتحتجب، أو لا؟
طالب: حلال يتزوجها؟
الشيخ: إي، وتحتجب عنه، حلال أن يتزوجها ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
[ ١ / ٦١٩٨ ]
طالب: حلال لازم التناقض وتحتجب عنه؟ !
الشيخ: نقول: هذه أم زوجتك من الرضاع، نقول: إنها حرام عليك، هذا قول الجمهور، إذا كانت حرامًا لا تحتجب، ولَّا لا؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: ولكني أقول: حلال، على رأي شيخ الإسلام، وتحتجب، على رأي الجمهور، حلال، على رأي الشيخ، وتحتجب، ما هو على رأي الجمهور ..
طلبة: العكس.
الشيخ: العكس، سبحان الله العظيم! شيخ الإسلام يقول: إن أم زوجتك من الرضاعة حلال لك، فتحتجب عنك ولَّا لا؟
طالب: لا تحتجب.
طالب آخر: تحتجب.
الشيخ: إلا، إذا قلنا: إنها حلال لك فإنها تحتجب عنك، لكن رأي الجمهور يقولون: حرام عليك ولا تحتجب، أنا أقول: كنت أقول: إنها حرام عليك، هذا الصواب صح، إنها حرام عليك وتحتجب، هذا فيه تناقض ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: الآن فيه تناقض، بارك الله فيكم، الإنسان ينسى.
كنت أرى الاحتياط، ويقولون العوام: إن اللبن ما تظهر الزبد إلا بخض، كنت أقول: إن أم الزوجة حرام؛ تبعًا للجمهور، وتحتجب عنك؛ تبعًا لشيخ الإسلام ابن تيمية؛ وذلك لأننا إذا قلنا: إنها حرام عليك -على رأي الجمهور- تحتجب ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما تحتجب، وإذا قلنا: إنها حلال -على رأي الشيخ- تحتجب، لكني كنت أعمل بالدليلين، وأقول: هذه مسألة مشكوك فيها، وإذا شُكَّ في الأمر فإنه يُسلك فيه طريق الاحتياط فنأخذ بالاحتياط بما قاله الجمهور من تحريم نكاحها، ونأخذ بالاحتياط بما قاله شيخ الإسلام من وجوب الحجاب.
ما هو استناده؟ إذا قال قائل: هذان حكمان متناقضان؟
فإن بانَتِ الزوجةُ أو ماتَتْ بعدَ الْخَلْوَةِ أُبِحْنَ.
(فصلٌ)
وتَحْرُمُ إلى أَمَدٍ أختُ مُعْتَدَّتِه وأختُ زوجتِه وبنتاهما وعمَّتَاهما وخالتاهما، فإن طَلُقَتْ وفَرَغَت العِدَّةُ أُبِحْنَ، وإن تَزَوَّجَهما في عَقْدٍ أو عَقدينِ معًا بَطَلَا،
ثم رأى شَبَهًا بَيِّنًا بعتبة فقال لها: «احْتَجِبِي مِنْهُ» (١) أو لا؟
[ ١ / ٦١٩٩ ]
إذن كيف تحتجب منه وهي أخته؟ من باب الاحتياط فنعمل بالاحتياط.
مع أن بعض أهل العلم قال في قصة سَوْدَة: إنها ما هي من باب الاحتياط، من باب إعمال الدليلين؛ يعني: عندنا دليل وهو فراش يُوجِب أن تكون أختًا فهي أخت، وعندنا دليل وقرينة توجب ألا يكون أخًا لها وهو الشبه فلا تكون أختًا، لكن هذا -وإن كان لا شك أن له أصلًا وهو إعمال الدليلين- لكن إعمال الدليلين مع التناقض فيه نظر؛ لأن إعمال الدليلين ما يرتأى من الدليلين، فعندي أنه من باب الاحتياط، عندي أن قضية سودة من باب الاحتياط وليست من باب إعمال الدليلين، ولكن يبقى لماذا لا نقول في هذه المسألة بالاحتياط؟
تَبَيَّن لي بعد التأمل والتدبر أن كلام شيخ الإسلام ما يحتاج إلى الاحتياط فيه؛ لأن النصوص واضحة في أن قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] يدخل فيه أُمُّ الزوجة من الرضاع وبنتها من الرضاع وكذلك أبو الزوج من الرضاع وابنه من الرضاع، ولكن من أراد أن يحتاط ويأمن ما فيه مانع، إذا كانت الأمور مشتبهة عليه فلا مانع أن يحتاط؛ يأخذ بقول هذا وبقول هذا، والنساء كثير، ما هو ما خلق الله إلا ها المرأة هذه، والله أعلم ().
(فإن بانت الزوجة أو ماتت بعد الخلوة أُبِحْنَ) (فإن بانت الزوجة) الزوجة المعقود عليها، ومعنى بانت أي: طلَّقَها زوجها إما طلاقًا بائنًا وإما طلاقًا لا عدة له؛ يعني: هي تَبِين إما بكونها لا عدة لها وإما بكون الطلاق بائنًا.
مثال ذلك: رجل عقد على امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها، فما رأيكم؟ هذه تَبِين بمجرد الطلاق؛ لأنه ليس لها عدة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾ [الأحزاب: ٤٩].
الصورة الثانية: تزوجها ودخل عليها ولم يدخلْ بها، بل طلقها قبل أن يمسها، عليها عدة ولَّا لا؟
[ ١ / ٦٢٠٠ ]
عليها عدة على المشهور عند أهل العلم، والمسألة فيها خلاف، لكن المشهور أن عليها عدة؛ لأنه استباح منها ما لا يُبَاح لغيره وهو الخلوة فعليها العدة، لكن ربما تبين، متى تبين؟ إذا انقضت العدة بانت.
المهم أنه إذا لم يدخل بالزوجة وطلقها أو ماتت هي قبل الدخول (أبحن).
وقوله: (بعد الخلوة) لها مفهوم موافقة ومفهوم مخالفة.
طالب: بعد الخلوة؟
الشيخ: (أو ماتت بعد الخلوة) لها مفهوم موافقة ومفهوم مخالفة؛ أما مفهوم الموافقة فإذا ماتت قبل الخلوة يُبَحْنَ ولَّا لا؟
الظاهر أنكم ما فهمتم الموضوع. تزوج رجل امرأة ولها بنت من غيره، إن جامعها حرمت البنت لوجود الشرط، وإن طلقها قبل أن يخلو بها وهي عند أهلها، ما دخل عليها ولا شيء؛ تحل البنت ولا لا؟
طلبة: نعم، تحل.
الشيخ: تحل. خلا بها ولم يجامعها فطلقها، تحل البنت؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لأنه قال: (بعد الخلوة)، تحل، كذا؟ دخل عليها، خلا بها وجامعها يعني: دخل عليها وبها؛ تحل البنت ولَّا لا؟
طلبة: لا، تحرم.
الشيخ: تحرم البنت، هذا مفهوم المخالفة، ومفهوم الموافقة إذا فارقها قبل الخلوة.
فالحاصل أن الرجل إذا تزوَّج امرأة ثم فارقها بموت أو طلاق ولها بنت. كم من الأحوال؟
ثلاثة: إما أن يكون الفراق قبل الخلوة وقبل المسيس وقبل كل شيء فتحل، أو بعد الجماع فلا تَحِل؛ تحرم، أو بعد الخلوة دون الجماع فتحل، هذا منطوق كلام المؤلف: (أو ماتت بعد الخلوة أُبِحْنَ).
لو أنه ما جامعها، ولكن تزوج ابنتها؟
ما يحل، ما هو لأنها محرمة عليه تحريمًا مؤبدًا، إلى الآن ما ثبت التحريم المؤبد، لكن لا يحل من أجل الجمع؛ لأنه لا يُجْمَع بين المرأة وعمتها وأختها، ومن باب أولى أمها.
لو تزوجهما في عقد واحد؛ رجل له أُمٌّ وبنت، خطبهما إنسان؛ خطب من هذا الرجل أمه وابنته قال: الله يحييك، إحنا ما ندور إلا أنت، فجلس، وقال: زوجتك أمي وبنتي، فقال: قبلت. ما تقولون في هذا؟
طلبة: ().
[ ١ / ٦٢٠١ ]
الشيخ: يبطلان، متأكدين؟ العجيب أن الفقهاء ﵏ يقولون: إن الذي يبطل نكاحه الأم فقط.
طالب: لأنها كبيرة.
الشيخ: لا، ما هو عشان أنها كبيرة يا شيخ، لا؛ يبطل نكاح الأم؛ لأن الأم تحرم؛ أم الزوجة تحرم بمجرد العقد، وقد عقد على البنت فحرمت الأم، وأما البنت فيصح نكاحها؛ لأنه ما تحرم حتى يُجامِع أُمَّها، هكذا قالوا.
والصحيح أن هذا باطل في العقد؛ لأنه وإن كان غير محرم من جهة، لكنه محرم من جهة أخرى، فإذا كان لو جمع بين أختين في عقد ويش حكم العقد؟
باطل؛ لو قال رجل لإنسان: تعال، عندي لك بنتان، ثم قال: زوجتك ابنتي فاطمة وعائشة. فقال: قَبِلْت، فالنكاح باطل، فكيف عاد بالأم وبنتها؟ من باب أولى.
طالب: لو سبق أحدهما الآخر؟
الشيخ: لو سبق أحدهما الآخر صحَّ ما يصح.
الطالب: البنت وأمها؟
الشيخ: صحَّ، بس يكون المتأخر هو الباطل بكل حال؛ لأنه يكون من باب الجمع.
طالب: مثل إنسان عنده مرأة وأراد أن يأخذ بنت أخيها -امرأة كبيرة- يحل أنه يطلقها علشان يأخذه هذه؟
الشيخ: إي، لا بأس، ما يُشْرَط عليه.
الطالب: نيته أنه يطلقها علشان يأخذ ..
الشيخ: إي، ما فيه بأس، ما فيه مانع.
الطالب: إذا خطب قبل أن يُطَلِّق؟
الشيخ: ما يجوز يخطب.
طالب: ().
الشيخ: يعني بنتها الربيبة قصدك؟ () الربيبة؟
الله أعلم، الفقهاء لا فرق عندهم في هذا؛ الفقهاء يرونها تحرم، وهذا بالنسبة لما أرى تحتاج إلى تأمل.
ثم قال: (فصل) انتهت المحرمات إلى أبد، والمحرمات إلى أبد -يا جماعة- معناه ما تحل هذه المرأة إطلاقًا بأي حال من الأحوال.
فيه محرمات إلى أمد؛ المحرمات إلى أمد؛ يعني: معناه إلى مدة معينة، أو تَغَيُّر حالٍ إلى أخرى، وهؤلاء محرمات لسبب من الأسباب يزول؛ منها قال: (تَحْرُم إلى أمد أختُ مُعْتَدَّتِهِ وأخت زوجته وبنتاهما وعمتاهما وخالتاهما).
أولًا قوله: (أخت معتدته) معنى (أخت معتدته) يعني أخت المرأة التي في عدة منه، ولو كان الطلاق بائنًا.
[ ١ / ٦٢٠٢ ]
مثال ذلك رجل له زوجة فطلقها، عدتها ثلاثة قروء، ما يجوز يتزوج أختها ما دامت ذيك في العدة، لا يجوز أن يتزوجها ما دامت أختها في العدة حتى تنتهي.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين أن تكون معتدة من فراق بائن أو من فراق غير بائن؛ يعني: أو رجعية؛ يعني: لا فرق بين أن تكون المعتدة بائنًا أو رجعية، ولا فرق بين أن تكون بائنًا من وفاة أو حياة، ويش رأيكم في هذا؟ ولا فرق بين أن تكون زوجته معتدة من وفاة أو حياة، أو ما يمكن من وفاة؟
طلبة: ما يمكن من وفاة.
الشيخ: ما يمكن، إذن المعتدة لا فرق بين أن تكون رجعية أو بائنًا؛ البائن مثل: طلق هذه المرأة آخر ثلاث تطليقات، بعد الطلقة الثالثة تَبِين قال: أبغي أتزوج أختها الآن. نقول: لا، حتى تنقضي العدة، ثم بعد ذلك تحل لك الأخت؛ لماذا؟
لأن عُلَقَ النكاح لا تزال باقية، صحيح أن الآن ما يمكن ترجع لك أو لا؟ لكن لا زالت الآن آثار نكاحك باقية عليها ويش هي الآثار الباقية؟ العدة فلا تحل أختها حتى تنتهي.
أخت زوجته تحل؟
الزوجة إلى الآن ما طلقت، إلى الآن وهي معه، فأراد أن يتزوج أختها ما يَحِل؛ الدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣]، ما قال الله: حُرِّمت عليكم أخوات زوجاتكم مثلما قال: أمهات زوجاتكم ونسائكم، بل قال: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا﴾ [النساء: ٢٣]، والواو حرف عطف، ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا﴾ (أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر معطوف على قوله: ﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]؛ لأن الأصح أن العطف على أول معمول فنقول: الواو حرف عطف. ﴿أَنْ تَجْمَعُوا﴾ أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر معطوف على قوله: ﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾، وعليه فيكون تقديرها: وجمعكم بين الأختين ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا﴾ [النساء: ٢٣] حَوِّلْها إلى مصدر، حوِّل ﴿أَنْ تَجْمَعُوا﴾ إلى مصدر؟
طلبة: وجمع.
الشيخ: وجمعكم بين الأختين إلا ما قد سلف، إذن المحرم الجمع.
[ ١ / ٦٢٠٣ ]
قال: (أخت زوجته وبنتاهما) بنتا أخت معتدته وزوجته، (بنتاهما) الضمير في (هما) يعود على المعتدة والزوجة.
طالب: لا، على أخت الزوجة وأخت المعتدة.
الشيخ: لا، على المعتدة والزوجة، (هما) (بنتاهما)؛ يعني الضمير المضاف إليه يعود إلى المعتدة والزوجة؛ يعني: وبنت أخت معتدته وبنت أخت زوجته.
طالب: لو كانت () في الأصل بنت الزوجة.
الشيخ: لا، ما هي بنت الزوجة، بنت أخت المعتدة والزوجة؛ فالضمير في قوله: (هما) يعود إلى أخت المعتدة وأخت الزوجة؛ يعني: وبنت أخت معتدته وبنت أخت زوجته، ماذا تكون الزوجة لهاتين المرأتين؟
طالب: عمة.
طالب آخر: خالة.
الشيخ: خالة تكون خالتها؛ إذن لا يجمع بين المرأة وخالتها اللي هي بنت أختها، أين الدليل؟ الدليل ما ثبت في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله ﷺ قال: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» (٢) هذا الدليل.
التعليل لأن الجمع بين هذه القرابة القريبة يؤدي غالبًا إلى قطيعة الرحم؛ لأنه من المعروف أن الضرتين يكون بينهما من العداوة والبغضاء والشحناء ما هو ظاهر، شيء يجعله الله تعالى في قلب المرأة؛ حتى النساء الفاضلات يحصل منهن تلك الغيرة؛ غيرتها على زوجها؛ فإذا غارت هذه القريبة مثلًا الخالة على بنت أختها هذا صعب؛ من أجل هذا أو من أجل البعد عن قطيعة الرحم حرَّم الشرع الجمعَ بين الأختين، وبين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها.
يقول المؤلف: (وعمتاهما وخالتاهما) عَمَّتَا مَنْ؟
طلبة: ().
الشيخ: عَمَّتَا المعتدة والزوجة، عمة الزوجة وخالة الزوجة أيضًا لا يُجْمَع بينهما؛ أي أن المعنى إذن سواء كانت الزوجة هي العمة والخالة، أو كان المجموع إليها هي العمة والخالة أخذ العلماء من هذا -يعني: جعلوا لهذا- قاعدة؛ فقالوا: كل امرأتين يحرم التناكح بينهما لنسب أو رضاع فإنه يحرم الجمع بينهما، فهمتهم هذه؟
[ ١ / ٦٢٠٤ ]
هذه القاعدة: كل امرأتين لو قُدِّرَ أن إحداهما ذكرًا والأخرى أنثى ما جاز أن يتزوج إحداهما بالأخرى فإنه يحرم الجمع بينهما، أو لا؟
وهذا واضح، فالأخت أخوها لا يتزوجها، فأختها لا تُجمع إليها، العمة لا تتزوج بنت أخيها.
إذن لا يُجمع بين العمة وبنت أخيها، وعلى هذا فقس.
وقولنا: (بنسب أو رضاع) احترازًا مما لو كان ذلك بالمصاهرة، لو كان ذلك بالمصاهرة فلا بأس، ولو كانت إحداهما لو قُدِّرَت ذكرًا لم تحل لها الأخرى فإنه لا بأس به؛ لأن المصاهرة ما هي مثل النسب والرضاع؛ النسب والرضاع صنوان «يَحْرُمُ بِالرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ بِالنَّسَبِ» (٣)، لكن المصاهرة خارجة عنه، وهذا مما يؤكد رجحان قول شيخ الإسلام ابن تيمية في مسألة الرضاع؛ أنه لو قُدِّرَ أن امرأتين يحرُم نكاح إحداهما الأخرى لو كانت ذكرًا بسبب المصاهرة فإن الجمع بينهما لا يَحرُم.
طالب: ما قلت: إن الشيخ، يعني الكلام: أنه يجمع بين البنت وأمها من الرضاع ما هو صحيح؟
الشيخ: لا، ما هي بهذه المسألة؛ مثال ذلك حتى يتضح؛ لأنها يمكن في تصورها فيه صعوبة؛ جمع رجل بين زوجة شخص وابنته مِنْ غيرها يجوز ولَّا لا؟
طالب: يجوز.
الشيخ: واحد أراد أن يتزوج امرأة شخص وابنته من غيرها.
طالب: بنت وأمها.
الشيخ: لا، ما هي بنت وأمها؛ قلت: ابنته من غيرها، أراد يتزوج امرأة رجل؛ هذا رجل مات عن امرأة؛ مات عن زوجته وله بنت من غير هذه الزوجة، يجوز للإنسان يتزوجهما؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يجوز أن يتزوجهما، نعم، يجوز أن يتزوجهما.
طالب: يجمع بينهما يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم، يجمع بينهما، يعقد عليهما بعقد واحد، أو عقب ما تزوج الزوجة، راح وخطب البنت وتزوجها يجوز، ليش؟
لأن هنا لو قُدِّرَ أن البنت ولد جاز يتزوج المرأة هذه ولَّا لا؟
طالب: لا، ما يجوز.
الشيخ: لأنها امرأة أبيه، لكن هذا التحريم بينهما من أجل المصاهرة، وليس من أجل النسب والرضاع، في الحقيقة أنا ما ودي أجيب مسألة تشكل عليكم.
[ ١ / ٦٢٠٥ ]
طلبة: واضحة.
الشيخ: القاعدة اللي إحنا فهمنا الآن، كل امرأتين لا يحل أن يتزوج إحداهما الأخرى لو كانت ذكرًا لنسب، ويش بعد؟
طلبة: أو رضاع.
الشيخ: أو رضاع فإنه لا يَحل الجمع بينهما، ترى هذه قاعدة العلماء، وأنا أشهد أن كلام الرسول أوضح من هذا، لكن لأجل () في الكتب تعرفونها، كلام الله ﷿ وكلام رسوله أوضح؛ في القرآن: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] وفي السنة: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» (٢) كلام واضح بَيِّن ما يَرِد عليه شيء أبدًا، لكن لأجل إذا مرت عليكم في كلام أهل العلم تكون القاعدة عندكم مفهومة، نعم كل امرأتين لا يحل أن يتزوج إحداهما بالأخرى لو كان ذكرًا لنسب أو رضاع فإنه لا يحل الجمع بينهما.
وقولنا: لنسب أو رضاع احترازًا مما لو حرم التناكح بينهما بالمصاهرة فإن ذلك لا يضر؛ ومثاله أن يتزوج رجل زوجة رجل وابنته من غيرها فهذا لا بأس به، مع أنه لو قُدِّر أن هذه البنت ذكر ما جاز أن يتزوج بهذه المرأة اللي هي زوجة أبيه؛ لأنها إما أمه وإما زوجة أبيه.
طالب: فيه دليل يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم، فيها دليل؛ قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
الطالب: إي، لكن جاء جميع اللي ما يحرم ..
الشيخ: جاء القرآن: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣]، وجاءت السنة: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا»، فهذه الزوجة وهذه البنت هو بينهما عمومة؟
طالب: بينهما تحريم.
[ ١ / ٦٢٠٦ ]
الشيخ: ما فيه تحريم؛ ولهذا قلنا لكم: إن كلام الله ورسوله أوضح من ها القاعدة ذي؛ لأن كلام الله ﷾ وكلام رسوله ما فيه استثناء، وأوضح بَعْد حتى أوضح تصورًا، وأبعد من قولة: يحرم التناكح بينهما، وهم حريم كلهم، لكن إحنا قلنا: لو قُدِّر أحدهما ذكرًا، وأنا قلت لكم هذه لأجل إذا مرت عليكم في الكتب تعرفونها ولَّا ما لها داعٍ؟
طالب: ().
الشيخ: لا، يعني: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] بالإجماع، ما فيها خلاف.
طيب، يا جماعة الآن فهمنا أنه يجوز للإنسان أن يجمع بين زوجة إنسان وابنته من غيرها.
سألني رجل الظهر عن رجل تزوج امرأة وأراد ابنه أن يتزوج بنت هذه المرأة فما جوابكم؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز، إي نعم يجوز، لكن هو كأنه استنكر هذا، وقال: نبغي الدليل من الكتاب والسنة، طيب، جزاك الله خيرًا، اللي يطلب الدليل هذا الحقيقة أنا يسرنا كثيرًا، قلنا له: الدليل قوله تعالى لما ذكر المحرمات: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
أنت دور ها البنت هذه وها الولد إذا كان في الآية ما يدل على أنها يحرم نكاحه بها وإلا فهي حلال، وها الآية من أوضح ما يكون لمن أراد أن يستدل ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]؛ ولهذا قلت لكم فيما سبق: إن الأصل الحل ولَّا التحريم؟
طلبة: الحل.
الشيخ: الأصل الحل حتى يَثْبُت التحريم.
هذه محرمة إلى أمد ولَّا لا؟ إلى أمد وهي انقضاء العدة في المعتدة.
قال: (فإن طلقت وفرغت العدة أُبِحْنَ) ويش هي اللي طلقت؟ زوجته (وفرغت العدة أبحن) ويش اللي أبحن أظنها فعل ماض مبني للمجهول، والنون في (أبحن) نائب الفاعل للنسوة، ويش اللي أبحن؟
طلبة: أخت الزوجة الخالة وعمتها.
الشيخ: البنت والأخت والعمة والخالة.
(أبحن) وكذلك لو ماتت أو لا؟ لو ما انقضت العدة.
طلبة: ().
[ ١ / ٦٢٠٧ ]
الشيخ: ما لها، يقول: (فإن تزوجهما) ()، فيه عندي للشرح مسألة مبنية على القول الضعيف يقول: فإن وطئ أخت زوجته بزنا حرمت عليه زوجته حتى تنقضي عدة الموطوءة؛ يعني: لو أن رجلًا زنى بامرأة والعياذ بالله قلنا: إن المرأة الآن حرام عليه؛ زوجته، إلى متى؟ حتى تنقضي عدة المزني بها، ولو قُدِّر إنها حملت المزني بها من هذا الوطء.
طالب: حتى تضع.
الشيخ: حتى تضع؟ بقي الولد في بطنها أربع سنوات؟
طالب: حتى ولو كان.
الشيخ: ولو كان نعم، حتى تضع، لكن تقدم أن القول الراجح في هذه المسائل أن الزنى لا أثر له ولا يمكن أن نجعل الزنا السفاح مثل النكاح الصحيح.
طالب: لو () من الرضاعة () تطليقة الرجل () استبراء () الزوجة ().
الشيخ: متى انقضت العدة سواء استبراء ولا عدة ثلاثة قروء.
الطالب: () القول لا عدة لها.
الشيخ: لا عدة لها.
الطالب: () استبراء فقط ().
الشيخ: لا في حال الاستبراء وهي تعتبر من محارمه بمعنى أن هذا من آثار نكاحه.
لكن في المسألة قول آخر أنه إذا كان الطلاق بائنًا فله أن يأخذ أخت زوجته ما دام الطلاق بائنًا ما فيه رجعة.
وفيه قول ثالث يمكن هو الأقرب؛ أنه إذا كان الطلاق بائنًا بثلاث فإنها تحل له أخت زوجته؛ لأن البائن بثلاث ما تحل للزوج ولا بعقد بخلاف البائن بينونة صغرى فإنها تَحِلُّ له بالعقد، ولكن لا شك إن الاحتياط أولى فيقال: ما دامت في العدة فالأولى التجنب، أما الرجعية فقطعًا؛ لأنها زوجة.
والبائن بفسخ أو بطلاق ثلاث فيها نظر لكن الاحتياط أحسن.
قال المؤلف ﵀: (فإن تزوجهما في عقد أو عقدين معًا بطلا)، إن تزوجهما في عقد بطلا ()؟
طالب: ().
الشيخ: تزوجهما في عقد مثل أيش؟ تزوج أختين في عقد مثل أيش؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، ويش مثاله؟ صورها لنا.
[ ١ / ٦٢٠٨ ]
() لا يصح النكاحان، النكاحان جميعًا لا يصحان؛ والسبب لأنه لا مَزِيَّةَ لتصحيح أحدهما دون الآخر؛ واحدة اسمها فاطمة وواحدة اسمها عائشة، إن قلت: يصح نكاح فاطمة. قالت عائشة: ليش يصح، وأنا لا؟ إن قلت: يصح نكاح عائشة. قالت فاطمة: لا، ليش يصح وأنا لا؟ هل لإحداهما مزية، ما لها مزية؛ إذن يبطل العقد فيهما.
(أو عقدين معًا) تزوجهما في عقدين معًا. يَلَّا صورها لنا؛ مثاله في عقدين معًا؟
طالب: ().
الشيخ: هذا عقدان ولَّا عقد واحد؟
الطالب: عقدان.
الشيخ: معًا ولَّا أحدهما بعد الثاني؟
الطالب: أحدهما.
الشيخ: المؤلف يقول: (معًا) (لو تزوجهما في عقدين معًا)؛ لأنه إذا صار واحد قبل الثاني اختص البطلان بأيش بالثاني، والأول صحيح، ما فيه مانع الأول، عقدين؟
طالب: تزوجهما بعقدين كل واحدة () مرة واحدة.
الشيخ: إي، ويش لون؟
الطالب: زوجتك ..
الشيخ: المعنى واضح، لكن التطبيق، إحنا نبغي التطبيق، المعنى واضح.
طالب: يكرر عليه مرتين.
الشيخ: يكرر عليه مرتين؟ ! ويش لونه يقول؟
الطالب: يقول: زوجتك ابنتي هاتين بعدين ..
الشيخ: لا، ما يصلح؛ لأنه إذا قال: زوجتك ابنتي هاتين صار عقدًا واحدًا.
طالب: يقول: زوجتك ابنتي فاطمة وعائشة، العطف ..
الشيخ: هذا عقد واحد؛ لأن (زوجتك) هذا الإيجاب.
طالب: قال: زوجتك من فاطمة. قال: قبلت. قال: زوجتك من عائشة. قال: قبلت.
الشيخ: هذا عقدان، لكن أيهما الأول ()؟
وَكَّل شخصًا على أن يزوج ابنته؛ وَكَّل شخصًا يزوج بنته فاطمة، وحضر الزوج، وكان الزوج أيضًا موكلًا واحدًا يقبل له، صار عندنا الآن أصيلان ووكيلان، فقال الأب للزوج: زوجتك بنتي فاطمة، والثاني: ينطق بهذا اللفظ لوكيل الزوج. تصورتوا المسألة،
[ ١ / ٦٢٠٩ ]
هذا واحد بيتزوج من هذا الرجل؛ الرجل عنده بنتين وبيزوجه إياهم في عقدين؛ قال: بدل ما إني أتزوج الجميع بعقد واحد، أنا بوكلك تقبل العقد، تقبل فوكَّل واحدًا يقبل نكاح عائشة، وأبو الزوجتين وكَّل واحدًا يعقد لعائشة؛ عندنا الآن الأب بيزوج فاطمة مباشرة مع الزوج، ووكيل الأب بيزوج عائشة لوكيل الزوج، حضر الزوج ووكيله وحضر الأب ووكيله فقال الأب: زوجتك بنتي فاطمة في حال أن الوكيل يقول لوكيل الزوج: زوجت موكلك عائشة بنت فلان في آن واحد فقال الزوج: قبلت. وإذا الوكيل يقول: قبلت. صار كم من عقد الآن؟
طلبة: عقدين.
الشيخ: عقدان في آن واحد، يصح العقد ولا ما يصح؟
() (تأخر أحدهما أو وقع في عدة الأخرى وهي بائن أو رجعية بطل) إن تأخر أحدهما؛ أي أحد نكاح الأختين أو المرأة وعمتها أو المرأة وخالتها (بطل) أيهما؟
الأخير؛ مثل أن يزوجه ابنته فيقول: زوجتك بنتي عائشة. فيقول: قبلت. ثم يقول في نفس المكان: زوجتك بنتي فاطمة. فيقول: قبلت. من الذي يصح نكاحه عائشة، والثانية لا تصح؛ لماذا؟
لأنه إنما حصل الجمع بالعقد الثاني فيكون هو موردَ النهي، الجمع حصل في الحقيقة بالعقد الثاني. العقد الأول ما فيه مانع، عقد إفرادي، لكن لما عقد الثاني حصل الجمع فاختص البطلان به؛ لأنه موضع النهي.
كذلك إذا وقع في عدة الأخرى؛ يعني: طلق زوجته ولها أخت فتزوجها قبل أن تنقضي عدة مَنْ طلقها يصح ولَّا لا؟
ما يصح؛ لأن المعتدة إن كانت رجعية فهي في حكم الزوجة، وإن كانت بائنًا فإنه لم ينقطع عنها علق الزوج، إلى الآن في عدته، فلا يصح أن يتزوج عليها أختها، فيقع النكاح الثاني باطلًا؛ لأنه الذي حصل به الجمع فيكون هو الباطل.
وقوله: (وهي بائن)، تَقدَّم لنا أن بعض أهل العلم؛ يقول: إن البائن يجوز أن يعقد على أختها ومنهم من قال: إن كانت البينونة بالثلاث جاز، وإن كانت بدون الثلاث لم يجز، وقلنا: إن الأحوط ألا يتزوج، والأمر بسيط.
[ ١ / ٦٢١٠ ]
إن وقعا وجهلنا السابق، ما ندري أيهما أسبق، فماذا نصنع؟
طالب: يبطل الجميع.
الشيخ: لا، ما يبطلان جميعًا، يجب فسخهما جميعًا، ما نقول: يبطلان يجب فسخهما، ولا نقول: بطلا؛ لأنه ليس عندنا ما يحصل به البطلان؛ إذ البطلان إنما يكون حين يتحقق أنهما وقعا معًا، أما الآن فلا ندري قد يكونا وقعا معًا، وقد يكون أحدهما سابقًا، فلا ندري؛ إذن يجب الفسخ يجب فسخهما.
ويترتب على ذلك أيضًا أنه يجب نصف المهر لإحداهما، ولو قلنا: بطلا، ما وجب لإحداهما شيء؛ لأنه عقد باطل، ما يوجب المهر، ولا حصل دخول، حتى نقول: يستقر بالدخول، فهذا الفرق فنقول: يفسخان ولا يبطلان، من الذي يتولى فسخهما؟
القاضي، القاضي يقول: تعال، أنت تزوجتَ امرأتين في عقدين لا ندري أيهما أسبق، فأنا أقرر فسخ النكاح فيفسخه، ويجب لإحداهما نصف المهر؛ لأنها مطلقة قبل الدخول، طيب من الذي يجب لها؟ الكبيرة الفقيرة؟
طالب: كلاهما.
الشيخ: لا، واحدة بس؛ لأن أحد النكاحين باطل، أحد النكاحين متأخر نقول: هنا تأتي القرعة؛ لأنها تدخل في الأموال فيُقْرَع بينهما أيتهما يكون لها نصف المهر.
العدة على مَنْ؟ لا عدة على الجميع؛ لأنه لم يحصل دخول.
طالب: القرعة ما يُلجأ إليه إلا عند التساوي، وهنا ما فيه تساوي، العقد صحيح؛ إحداهما صح عقدها؟
الشيخ: أيهما؟
الطالب: ().
الشيخ: إذن تساويا، ليست هذه أحق، ولا هذه أحق، لكن لو تراضيا على أن يقتسما نصف المهر ..
طالب: لا حرج.
الشيخ: إي، لكن يجيء حق الزوج؛ واحدة منهن شابة جميلة، وواحدة عجوز عمياء.
طالب: ().
الشيخ: هذا اللي حصل.
الطالب: ().
الشيخ: لا هو وده تنتهي القرعة على العجوز العمياء؛ علشان يكون نصف المهر شوي؛ لأنه طبعًا ما هو براح يعطيها هذه مثل () ما يعطيها، على كل حال نقول: يقرع بينهما وإذا أقرع بينهما فإذا تراضيتا بعد ذلك على أن يقتسما ما حصل فالحق لهم.
طالب: إذا زالت الجهالة ()؟
[ ١ / ٦٢١١ ]
الشيخ: إذا زالت ما أدري، يمكن نقول: ببطلان القرعة، أما من جهة النكاح ما يرجع، النكاح فُسِخَ، وحكم الحاكم يرفع كل شيء.
لكن بقينا في مسألة المهر: إذا تبين الحال بعد ذلك فإن تبين أنهما وقعا معًا فلا مهر عليه ويُرَدُّ، وإن تبين أن أحدهما هو السابق فهذه محل نظر قد نقول: إن القرعة كحكم الحاكم، وقد نقول: إن القرعة لتمييز المشتبه، وقد زال الاشتباه، فيُرَدُّ المهر لمن تبين أن نكاحها هو الأول.
طالب: إذا كان حكم الحاكم لا يوافق الواقع ..
الشيخ: لا، هذا مجتهد، والاجتهاد ما يُنْقَض، الآن فُسِخَ، ما هو يقال: إنهم باطلات، حتى نقول: فسخ، والفسخ لا يكون إلا بعد ثبوت الصحة، ففسخه معناه الآن أنه يقول: كلاهما يحتمل أن يكون صحيحًا، ولكن حتى الصحيح أفسخه أنا.
طالب: إذا تبين يا شيخ، هل يجوز يعقد على هذه؟
الشيخ: إي نعم، إذا تبين يجوز أنه يعقد على إحداهما؛ لأن ما فيه عدة الآن.
هذا اللي يبغي منه، لكن إذا تبين أنه واحد صحيح هو لازم يطلقها، إذا تبين أن أحدهما صحيح وهو ما يبغيها لازم يطلقها.
طالب: وإذا يبغاها.
الشيخ: إذا يبغاها فهو ..
الطالب: يعقد.
الشيخ: هو يعقد.
طالب: ().
الشيخ: لا، الفسخ هذا ما يحصل.
طالب: ().
الشيخ: ما ترجع؛ لأنه فَسَخَهُ الحاكم، فسخه.
قال: (وتحرم المعتدة والمستبرأة من غيره والزانية حتى تتوب) (تحرم المعتدة من غيره) إلى متى؟ حتى تنقضي العدة، ولم يقل المؤلف: حتى تنقضي؛ لأنه علق الحكم بوصف.
وتعليق الحكم بوصف يقتضي ثبوت الحكم ما دام الوصف باقيًا وانتفاءه إذا زال هذا الوصف، فإذا انقضت العدة لم تكن معتدة، فلا يجوز لإنسان أن يتزوج امرأة معتدة من غيره سواء كانت العدة من بينونة أو من رجعية؛ فلو مات إنسان عن امرأة وبقيت في العدة، الرجل يمكن يرجع عليها ولا ما يمكن؛ زوجها؟ ما يمكن يرجع، متوف عنها.
[ ١ / ٦٢١٢ ]
إذن لو قال قائل: أنا بأتزوجها؛ لأن زوجها الآن ما يمكن يرجع، نقول: هذا حرام؛ لأن الله قال: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، ما يجوز.
وقوله: (من غيره) المعتدة منه؛ مفهومه أن المعتدة منه لا يحرم نكاحها، ولكن هذا المفهوم فيه تفصيل؛ فالمعتدة منه إن كانت رجعية راجعها بدون عقد أو لا؟ وإن كانت بائنًا بغير الثلاث جازت له بعقد، وإن كانت بائنًا بالثلاث لم تجز له لا بعقد ولا بغير عقد.
إذن المفهوم فيه تفصيل، وفي التفصيل المعتدة من غيره حرام، المعتدة منه فيه تفصيل؛ إن كانت رجعية ()، وإن كانت بائنًا بالثلاث حرم عليه أن يتزوجها؛ لأنها ما تحل إلا بعد العدة إن كانت بائنًا بغير الثلاث له ()؛ مثال ذلك رجل تصالح هو وامرأته على أن يطلقها بألف ريال () بولي وشهود وكل شيء.
رجل آخر طَلَّق زوجته آخر ثلاث تطليقات؛ يعني: طلقها مرة وراجع، وطلقها مرة وراجع، وطلقها الثالثة الآن هي في العدة يجوز يتزوجها؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا يجوز أن يتزوجها إلا بعد زوج كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى.
المستبرأة أيضًا من غيره لا يجوز، المستبرأة من غيره لا يجوز أن يتزوجها حتى ينتهي الاستبراء، ويش معنى المستبرأة؟
المستبرأة على المذهب ما تكون إلا في المملوكة؛ إذا رجل باعها على شخص فإنها يجب أن تستبرئ بحيضة؛ يعني: ما يجوز لأحد يتزوجها، ولا يجوز لأحد أن يطأها، حتى سيدها الذي اشتراها لا يجوز حتى تستبرئ بحيضة؛ يعني: حتى تحيض؛ لأن الرسول ﵊ في غزوة أوطاس نهى أن تُوطَأَ حاملٌ حتى تضعَ ولا ذاتُ حيضٍ حتى تحيضَ (٤) ويش معنى استبراء؟
الاستبراء طلب البراءة؛ البراءة الخلو؛ يعني أننا ننتظر حتى تحيض مرة؛ علشان نعرف أنه ليس بها حمل، هذا معنى الاستبراء؛ لأن الغالب أن النساء في الحمل لا يَحِضْنَ.
[ ١ / ٦٢١٣ ]
قال الإمام أحمد ﵀: إنما تَعرِف النساءُ الحمل بانقطاع الحيض، هذا هو الغالب، فالمستبرأة تحرم على غير مَنِ استبرأها إلى متى؟ حتى ينتهي زمن الاستبراء.
الحامل بماذا يكون استبراؤها؟ بوضع الحمل حتى تضع.
قال: (وتحرُم الزانية حتى تتوب وتنقضي عدتها) الزانية هي فاعلة الفاحشة والعياذ بالله، هذه الزانية تحرم حتى تتوب وتنقضي عدتها.
وظاهر كلام المؤلف ولو مكرهة أو لا؟ ولو مكرهة، مع أن المكرهة لا حد عليها أو لا؟ ولا إثم عليها أيضًا، لكن هذا لا يمنع من انشغال رحمها بماء الزاني بها، فإن الزاني بها قد ينشأ الحمل منه ولَّا لا؟ ولو كانت مكرهة غير راضية، والزانية تحرم على الزاني وغير الزاني إلى أن تتوب؛ الدليل قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣]، ﴿حُرِّمَ ذَلِكَ﴾ أي النكاح، ما هو بالزنا، الزنا معلوم، ﴿حُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.
فلا يجوز للمؤمن أن يتزوج زانية إلى متى؟ حتى يزول عنها وصف الزنا، هذا الوصف الخبيث يزول، ولا يزول ذلك إلا بالتوبة، فإذا تابت بقي علينا انقضاء العدة كما ذكر المؤلف، وسيأتي البحث فيها أيضًا.
نشوف الآية لأن فيها إشكالًا: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ الزاني مؤمن ولَّا كافر؟
طلبة: مؤمن.
[ ١ / ٦٢١٤ ]
الشيخ: مؤمن، كيف يقول: ﴿أَوْ مُشْرِكَةً﴾؟ المؤمن لا يجوز أن ينكح المشركة، ولو كان زانيًا، ثم كيف يقول: لا ينكح إلا زانية؟ هل معناه أن الزاني نقول: روح، دور لك زانية علشان تزوجها؛ لأن الزانية تحرم حتى على الزاني، هذه الآية حصل فيها إشكال بين أهل العلم، ولكن يتضح بما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قال: إن الزاني إذا تزوج زانية فإما أن يكون راضيًا بحكم الله وهو التحريم فيكون في هذه الحال زانيًا؛ لأنه جامعها وهو يعتقد أنها حرام وهذا هو الزنى، وإما ألا يرضى بالحكم الشرعي ويرى حِلَّها فحينئذ يكون مشركًا؛ لأنه أحل ما حرم الله، وتحليل ما حرم الله نوع من الشرك كما في قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١].
وكذلك بالعكس ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ فمن تزوجت بالزاني وهي تعلم التحريم وراضية به مسلمة له فهي زانية، ومن لم ترض به فهي مشركة، وهذا الذي قاله ووجَّه الآية عليه توجيه صحيح منطبق على القواعد الشرعية.
نرجع الآن إلى كلام المؤلف يقول: (تحرُم الزانية على الزاني وغيره حتى تتوب) يعني: ترجع إلى الله من زناها وتصلح حالها، لكن كيف نعرف أنها تابت؟
قال الفقهاء ﵏: توبتُها أن تُراوَد فتمتنع، ويش معنى تراود؟ يجي واحد يقول: أنا ودي أزني بك، إن عَيَّت فهي تائبة، وإن وافقت فهي ما تابت، هذا ميزان التوبة عندهم.
والحقيقة أن هذا القول في غاية ما يكون من الضعف؛ أولًا: إن الدعوة إلى الزنى محرمة؛ كونه يراودها على الزنا هذا حرام ولَّا حلال؟ كيف نتوصل بالحرام إلى شيء حلال؟
ثانيًا: إنه بالمراودة قد تكون هي بالأول تائبة ولا طرأ على بالها أنها تزني بعد ما مضى، لكن إذا راودها هذا الإنسان الشاب الجميل، يمكن أنها تقول: أفعل ها المرة وأتوب.
طالب: تُغيِّر رأيها.
[ ١ / ٦٢١٥ ]
الشيخ: تغير رأيها الأول؛ التوبة؛ لأنه طبعًا ما هو براح اللي يراودها شايب أعمى مُحَرْوَل، ما هي تطيعه، ما مراودها إلا إنسان يجذبها.
ثالثًا: أن هذا المراود هل يأمن على نفسه لو أطاعته؟ ما يأمن؛ قد يكون إنسان عنده عفة كاملة وتقوى لله ﷿، لكن عندما يأتي إلى هذه المرأة ويراودها عن نفسها وتوافق فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم قد يجترئ هو ويفعل.
رابعًا: أن المراودة إما أن تكون بحضرة أناس أو بغير حضرتهم ولَّا لا؟ إن كانت بحضرة أناس ما هي مطيعة له أبدًا، ما هي مطيعته لو هي ما تابت.
وإن كانت بخلوة فهو محرم، لا يجوز أن يخلو بامرأة؛ فهذا القول في غاية ما يكون من الضعف؛ لأنه مخالف لقواعد الشرع لكن توبتها كغيرها وهي أن نعلم صلاح حالها بحيث تبتعد عن مواقع الريب، وبحيث تكره كلما ذُكِرَ لها هذا الكلام كرهت وتغير وجهها وتبين، الإنسان التائب يُعْرَف، أو مثلًا تسأل أنها حصل منها كذا وكذا، فما هو المخلص؛ لأن هذا أيضًا يقع دائمًا، بعض النساء يحصل منها هذا الشيء وتسأل كيف خلاصها؟ وهل عليها كفارة؟ هل عليها صدقة؟ وما أشبه ذلك، ومثل هذا الشيء يُعْرَف بالقرائن، أما أن يراودها فهذا من أضعف ما يكون من الأقوال.
قوله: (وتنقضي عدتها) (حتى تتوب وتنقضي عدتها) عُلِمَ من كلامه أن عليها عدة بالزنى؛ أنها تعتد والعدة كم؟ ثلاثة قروء إن كانت تحيض، إن كانت صغيرة ما بعد تحيض فثلاثة أشهر، أو آيسة فثلاثة أشهر، إن حملت من الزنى فعدتها بوضع الحمل.
[ ١ / ٦٢١٦ ]
فظاهره أن عليها عدة، وهذا ضعيف؛ وجوب العدة عليها ضعيف؛ لأن العدة إنما تجب في النكاح لحق الزوج، والدليل على أنها لحق الزوج اقرأ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ﴾ شف أتى باللام ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩] فدل هذا على أن العدة حق للزوج ويدل لهذا أيضًا من القرآن ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٥٣] فلعظم حق النبي ﵊ صارت أزواجه محرمات كأنهن في عدة إلى الممات، فالحاصل أن العدة حق للزوج وهل للزاني حق على المرأة؟
طالب: لا.
الشيخ: نحبسها عليه ثلاثة قروء وهو فاجر زان، لماذا نحبسها ثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر؟ أو إن ارتفع حيضها وعَلِمَت ما رفعه فإنها على المذهب تبقى في عدة إلى متى؟
طالب: ().
الشيخ: لا، حتى تحيض أو تبلغ سن الإياس فلو زنى بامرأة صغيرة وحاضت أول مرة وجاءها مرض وانقطع الحيض طابت من المرض ولا رجع الحيض نقول: تبقى؛ لأن يتم لها خمسين سنة، ما تُزَوَّج على عدة ها الزاني نعم، ولو عدت إن شاء الله خمسين سنة قلنا: الآن اعتدي بعد ثلاثة أشهر ثم تحلين للأزواج هذا على المذهب.
والصواب أن الزانية ليس عليها عدة وأن الزاني ليس له عدة، لكن يجب خوفًا من أن يكون قد انشغل رحمها بولد يجب أيش؟ الاستبراء، يجب الاستبراء؛ وهي أن تستبرئ بحيضة؛ حيضة واحدة فقط.
فإذا حاضت حيضة واحدة حلت للأزواج، وهذا هو الصحيح.
المؤلف ما ذكر الزاني على غير الزانية أنه حرام، وظاهر كلام الأصحاب أنه؟
طالب: داخل.
الشيخ: لا، ما دخل، أنه يحل، لكن سبق لنا في الكفاءة وهي دين ومنصب أنه لو زوج عفيفة بفاجر فالنكاح ..
طلبة: لا يصح.
[ ١ / ٦٢١٧ ]
الشيخ: لا، يصح على المذهب، يصح لكن لمن لم يرض من الأولياء الفسخ، وسبق هناك أن الصحيح أن النكاح لا يصح ().
(ثلاثًا حتى يطأها زوج غيره) قال: (مطلقته) مطلقة اسم مفعول، ولا يصلح أن تقول: مُطَلِّقته ليش؟ لأن هي ما تطلِّق، (مطلقته) يعني: تحرم ثلاثًا، وسيأتي -إن شاء الله- بماذا يكون طلاق الثلاث؟ هذا له باب سيأتينا إن شاء الله تعالى، وأن القول الراجح؛ أنه لا يكون الطلاق ثلاثًا حتى يتكرر على زوجة لا على مطلقة، ما يكون طلاق حتى يتكرر على زوجة؛ فلو قال لها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، فهي واحدة؛ لأن قوله: أنت طالق الثانية صادفها وهي مطلقة، فلم يثبت فيه حكم ما ثبت به حكم؛ ولهذا لو قال: أنت طالق. وبدأت بالعدة وحاضت مرة ومرة وبقي عليها الحيضة الثالثة ثم قال: أنت طالق، فهل تبتدئ العدة ولَّا لا؟ لا تبتدئ العدة حتى على من يقول بأن الطلقة هذه طلقة معتبرة حتى الذين يقولون بأن هذه الطلقة معتبرة يقولون: إنها لا تبتدئ بها العدة، وهذا مما يدل على أنه إذا لم يثبت لها أثر فلا عبرة به.
ثم إن الله يقول: ﴿طَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] وما دامت هذه الطلقة لا يثبت بها عدة، فإنه طلقها لغير أمر الله أو لا؟ وكل شيء ليس عليه أمر الله فهو رَدٌّ؛ ولهذا اختار شيخ الإسلام ﵀ بأن الطلاق الثلاث مهما كُرِّرَ فإنه لا يقع إلا بعد نكاح أو رجعة.
وقال شيخنا ﵀ ابن سعدي -لما ذكر هذا القول- قال: إن من راجع كلام شيخ الإسلام أو تأمله وجد أنه لا يسوغ القول بغيره. وهذا صحيح عند التأمل يتبين أنه القول الراجح.
إنما على كل حال مطلقته ثلاثًا سواء قلت: إن طلاق الثلاث يقع بكلمة واحدة أو بكلمات متفرقات أو لا يقع إلا بعد رجعة.
المهم إذا حكمنا بأنها طلقت ثلاثًا؛ على اختلاف الآراء فإنها لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره.
[ ١ / ٦٢١٨ ]
المؤلف يقول: (حتى يطأها زوج غيره) ما قال: حتى تنكح؛ لأن كلمة زوج تدل على النكاح؛ إذ لا زوجية إلا بنكاح، ويحتاج أن نقول: نكاح صحيح ولَّا وصفه بأنه صحيح من باب التوكيد؟
من باب التوكيد؛ إذ لا تثبت الزوجية إلا بنكاح صحيح، وعلى هذا فيكون الشروط ثلاثة:
أن تتزوج بعده.
وأن يكون العقد صحيحًا. ويش بعد.
وأن يحصل الوطء. ما هو الدليل؟ الدليل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٠] يعني الثالثة ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠].
فإذا قال قائل: الآية الكريمة ﴿حَتَّى تَنْكِحَ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، والنكاح يكون بمجرد العقد.
والدليل على أن النكاح يكون بمجرد العقد قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] فإن زوجة الأب حرام على الابن بمجرد العقد أو لا؟
فهنا ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ ما فيها أنه لا بد من الوطء قلنا: نعم، ظاهر القرآن أن مجرد العقد الصحيح يُحِلُّها للزوج الأول.
ولكن الله أنزل على رسوله ﷺ الكتاب والحكمة، والسنة بينت أنه لا بد من الوطء، دليل ذلك أن امرأة رفاعة القرظي طلقها رفاعة وبَتَّ طلاقها، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزَّبِير، وكأنه -﵁- إما أنه عُقِلَ عنها أو أنه لا شهوة له، جاءت تشتكي إلى النبي ﵊ تقول: يا رسول الله، إن رفاعة طلَّقني فبَتَّ طلاقي، وإني تزوجت بعده عبد الرحمن بن الزَّبِير ما هو بابن الزُّبير، الزَّبِير وإنما معه مثل هدبة الثوب، هدبة الثوب أظنها رخوة فقال النبي ﵊: «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» (٥).
وهذا كناية عن الوطء، الوطء الذي يحصل به اللذة.
واختلف العلماء؛ هل يشترط الانتشار أو لا يشترط؟ وهل يشترط الإنزال أو لا يشترط؟
[ ١ / ٦٢١٩ ]
عرفتم؟ الانتشار؛ يعني: قيام الذكر، هل يشترط ولَّا لا؟
والصحيح أنه يُشْتَرط؛ لأنه ما يمكن أن يكون لذة في الجماع إلا بذلك، لكن الإنزال هل يشترط أو لا يشترط؟
نعم، المشهور من المذهب أنه لا يشترط؛ أنه ليس بشرط الإنزال، إذا حصل الجماع فإنها يحصل الحل.
وقال بعض أهل العلم: لا بد من الإنزال، وقوله: «حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ»، وسيأتي إن شاء الله الكلام على هذا لكن ذكرناه استطرادًا.
(مطلقته ثلاثًا حتى تنكح زوجا غيره) قلنا بنكاح صحيح. منين أخذنا النكاح الصحيح؟
طالب: ﴿زَوْجًا﴾.
الشيخ: ﴿زَوْجًا﴾؛ لأن الزوجية ما تثبت إلا بعقد صحيح.
لو أنه نكحها للتحليل؛ يعني: واحد طلق زوجته ثلاث مرات، وبانت منه، وجاء له واحد صديق له قال له: جزاك الله خيرًا، أم عيالي طلقتها وأنا أحبها، وبانت مني، خذ هذه عشرة آلاف روح تزوجها ولا منك جامعتها، طلقها عشان آخذها أنا وفعل، تحل له؟
طالب: لا تحل له.
طالب آخر: لا، تَحَيُّل.
الشيخ: إي، تحيل، هل يجوز ولَّا لا؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، العقد ظاهره الصحة، جاب الولي، وجاء بالشهود، وعقدوا واحتفلوا وأعلنوا النكاح، كل شيء نعم، لكن نقول: الحيل لا تبيح المحرم، ولا تُسْقِط الواجب، كل الحيل على المحارم لا تؤثر شيئًا، ومن هنا نعرف أن التحيل على الربا لا يجعله بيعًا حلالًا، والعبرة بالنية وتسمية الخمر بغير اسمه يجعله حلالًا؟ ما يجعله حلالًا.
طالب: () الزوجة () الزوج مثلًا ..
الشيخ: إي نعم، ذكرناها فيما سبق.
طالب: ().
الشيخ: العقد.
طالب: ().
الشيخ: لا، ما ينفع، قال: (والمحرِمة حتى تحل) المحرمة حتى تحل.
والغريب المؤلف ما قال: والمحرم حتى يحل؛ لأن كلامه في المحرمات بالنكاح، كما أنه ما قال: والزاني حتى يتوب.
الكلام الآن في النساء المحرمات، ما هو في الرجال المحرمين، ولا حتى المحرم ما يجوز يتزوج حتى يحل.
[ ١ / ٦٢٢٠ ]
قوله (المحرِمة حتى تحل) بأي إحرام عمرة ولا بحج؟
طالب: بالاثنين.
الشيخ: بعمرة أو حج؛ لحديث عثمان بن عفان أن رسول الله ﷺ قال: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكِحْ وَلَا يَخْطُبْ» (٦) هذا هو الدليل؛ فقوله: (المحرم) وصف، وهو علة الحكم فمتى يزول هذا الحكم؟
إذا زال هذا الوصف؛ إذا حَلَّ من إحرامه جاز. إذن فهذا النكاح إلى أمد ولا إلى أبد؟
طالب: إلى أمد.
الشيخ: إلى أمد.
قال: (والْمُحْرِمة حتى تحل) أي الحلين؟ الثاني؛ لأن التحلل الأول ما يبيح النكاح.
(ولا ينكح كافر مسلمة) الكافر بأي نوع كان كفره؛ سواء كان يهوديًّا أم نصرانيًّا أم وثنيًّا أم شيعيًّا أم شيوعيًّا أيًّا كان فإنه لا يحل أن يتزوج مسلمة ولو كانت فاسقة؟ ولو كانت فاسقة.
(ولا ينكح كافر مسلمة) الدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١] ﴿وَلَا تُنْكِحُوا﴾ لا تزوجوا المشركين حتى يؤمنوا، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠].
أما الدليل من النظر؛ فلأنه لا يمكن أن تكون المسلمة تحت زوج كافر، والزوج سيد قال الله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥] وقال رسول الله ﷺ: «اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّهُنَّ عَوَانٍ عِنْدَكُمْ» (٧) مثل الأسرى، هل تارك الصلاة كافر؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، فلا يجوز أن يزوج بمسلمة، فإن عقد له على مسلمة فالنكاح باطل بإجماع المسلمين؛ على أن الكافر لا ينكح المسلمة، لكن عاد هل هو كافر أو لا الخلاف في هذا معروف؟ لكن الصواب أنه كافر.
[ ١ / ٦٢٢١ ]
قال: (ولا ينكح مسلم -ولو عبدًا- كافرة) المسلم ما ينكح الكافرة؛ الدليل ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وكذلك ما في سورة الممتحنة ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُن﴾ [الممتحنة: ١٠].
طالب: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾.
الشيخ: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ ولا مسلم.
وقوله: (ولو عبدًا) هذه لو ما أدري لماذا جاء بها المؤلف؟ هل هي إشارة خلاف أو رفع توهم بأنه لما نقصت الحرية صار يجوز له أن يتزوج الكافرة لأنها تفوقه في الحرية وهو يفوقها في الدين فيتقابلان؟
ما أدري إن كان أحد من أهل العلم قال بذلك أم لا، فإن كان فيها خلاف فالخلاف لا شك أنه ضعيف، وإن كان رفع توهم فقد يكون أن يتوهم بعض الناس أن حريتها ..
طالب: تقابل إسلامه.
الشيخ: تقابل إسلامه، ورقه يقابل كفرها فيكون كل واحد منهما له مزية على الآخر.
وقوله: (كافرة إلا حرة كتابية) هذا يستثنى منين؟ من نكاح المسلم للكافرة، من الشرط (حرة) والثاني (كتابية)؛ الدليل قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ﴾ [المائدة: ٥].
قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ قال أهل العلم: المراد بالمحصنات هنا الحرائر. والمحصنات في الحقيقة تطلق في القرآن على ثلاثة معانٍ تحضرني الآن:
أولًا: المتزوجات يعني ذوات الأزواج.
والثاني: المحصنات العفيفات عن الزنى.
والثالث: المحصنات الحرائر؛ فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُم﴾ [النور: ٤] فالمراد بالمحصنات هنا؟
طلبة: المتزوجات.
[ ١ / ٦٢٢٢ ]
الشيخ: لا، العفيفات، والمراد بالآية المنسوخة الزنى على مَنْ أحصن أيش؟ المتزوجات ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] على قول فيها المراد المتزوجات، وأما المحصنات الحرائر فمثل هذه الآية ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾.
وقول المؤلف: (كتابية) هي اليهودية أو النصرانية، وهل يشترط أن تكون ملتزمة بدين اليهود والنصارى الدين الخالص أو لا يشترط؟
قال بعض أهل العلم: إنه يشترط بأن توحد الله ﷿ ولا تشرك به شيئًا، ولكنها ما تتبع إلا موسى إن كانت يهودية أو عيسى إن كانت نصرانية، فإن خالفت الإسلام وأشركت فإنها لا تحل، وهؤلاء راموا الجمع بين آية المائدة وآية البقرة ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١] فقالوا: إذا أشركت بالله ولو كانت يهودية أو نصرانية فلا تحل.
وأما إذا كانت غير مشركة بالله، وإن لم تدن بالإسلام الذي جاء به محمد ﵊ فإنها تحل، ويكون الفائدة من قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] الفائدة أنها غير مسلمة وحلَّت، لا أنها مشركة وحلت.
وإلى هذا ذهب كثير من أهل العلم من السلف والخلف، وعلى هذا الرأي إذا كانت النصرانية تقول بأن الله ثالث ثلاثة فإنها لا تحل، ولو تدينت بدين النصارى. وكذلك اليهودية إذا قالت: عزير ابن الله فإنها لا تحل؛ لأنها مشركة. وذهب أكثر أهل العلم إلى أن الآية ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ عامة فكل من انتمى إلى دين أهل الكتاب فهو منهم.
وقالوا: إن هذا مُخصِّص لقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] لأن آية البقرة متقدمة على آية المائدة.
[ ١ / ٦٢٢٣ ]
ثم هذا التعليل في الحقيقة عليل؛ لأن التخصيص لا فرق فيه بين المتقدم والمتأخر، لكن الدليل الواضح هو أن الله تعالى ذكر في سورة المائدة حِلَّ نساء أهل الكتاب، وحكى عنهم الشرك وكفرهم أيضًا -﷾- فقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧] ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠] إلى أن قال: ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١].
فالحاصل أن الذي عليه جمهور أهل العلم أن من تدين بدين أهل الكتاب وانتسب إليهم ولو كان يقول بالتثليث فإنها تحل ذبيحته ويحل نكاحه.
وقوله: (إلا حرة كتابية) هل مثلها المجوسية؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، ليست مثلها مع أن المجوس تؤخذ منهم الجزية، ولكنهم يخالفون أهل الكتاب في حل الذبائح ما تحل ذبائحهم، المجوس ولا تحل مناكحتهم بالإجماع، ولم يخالف في حل ذبائحهم إلا أبو ثور ﵀.
ولكن الإمام أحمد ﵀ أنكر هذا القول إنكارًا عظيمًا في حل ذبائح المجوس فالمجوس لا تحل ذبائحهم ولا يحل نكاح نسائهم، ولكن تؤخذ منهم الجزية؛ لأن الرسول ﷺ أخذ الجزية منهم (٨).
والصحيح في مسألة الجزية -كما تقدم لنا- أنها تؤخذ من جميع الكفار؛ لأن المقصود أن يكون الكفار تحت حضانة المسلمين ورعايتهم لعلهم يسلمون وهذا لا فرق فيه بين اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم.
طالب: ().
الشيخ: إذا كانت ما تدين بدينهم ولو المبدل فليست منهم.
طالب: ().
[ ١ / ٦٢٢٤ ]
الشيخ: لا، الصحيح أنه لا يشترط. الصحيح في هذه المسألة كل ما علق بأهل الكتاب سواء هنا أو في الذبائح فإن الصحيح أن العبرة بأيش؟ بالشخص نفسه.
طالب: الصحيح قول الجمهور؟
الشيخ: إي نعم، الصحيح قول الجمهور: إنها تحل ما لم ترتد عن دينها، إن ارتدت عن دينها، لكن هي الآن مثلما قال الأخ فيه ملاحدة ما يؤمنون لا بعيسى إلا بس مجرد هوية فقط.
طالب: الذين يقولون بالتثليث شرك هذا يا شيخ.
الشيخ: بلى، شرك.
الطالب: يجاب ..
الشيخ: يجاب عن الآية بأن آية المائدة مخصصة لآية البقرة.
طالب: لو قالوا: إن الآية ().
الشيخ: لا.
طالب: قال البعض.
الشيخ: قال بعضهم: اللي يجعل آية البقرة، وآية الممتحنة يأخذ بعمومها يقول هي الباقية، ولكن نقول: ما دام إنها عامة، وهذه خاصة، فالجمع بينهما أولى، الجمع بينهما ولو من طريق التخصيص أولى واضح؛ لأنه معروف ما يجوز القول بالنسخ إلا حتى يتعذر الجمع.
طالب: ما ().
الشيخ: عمر ﵁ قد يكون هذا من باب السياسة؛ لأن عمر له سياسات معروفة فإذا رأى مثلًا ولي الأمر المنع من زواج فهذا جيد، لاسيما بالنسبة لأهل الجزيرة العربية؛ لأنه يلزم من تزوجه بها أن يحضر بها إلى الجزيرة العربية، وقد قال الرسول ﵊: «أَخْرِجُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» (٩) اللهم إلا رجل يبغي يتزوج امرأة؛ لأنها تميل للإسلام، ويعرف منها الرغبة في الإسلام ويقول: لعلها تسلم فإن لم تسلم طلقها فهذا شيء آخر.
طالب: ().
الشيخ: إي، هذا اللي قالوه: إن المشركين محرم، لكن اللي يقولون هذا من باب التخصيص.
طالب: ().
الشيخ: إي هم يؤمنون بمحمد لكن لا بعموم رسالته.
طالب: لا يؤمنون بأنه نبي.
الشيخ: إي لا بد أن تؤمن.
طالب: إذا ما آمَنَت.
الشيخ: إذا ما آمَنَت، والله ما أدري قد يكون له شبهة؛ لأن الآن أحبارهم يقولون: ما هو بهذا محمد اللي بشر به بعيسى.
[ ١ / ٦٢٢٥ ]
بعضهم يقولون بهذا، وقد يكون لهم شبهة ما يكفر المسلم إلا بعد أن تقوم عليه الحجة ().
(ولا ينكح حر مسلم أمة مسلمة) قال: (حر) احترازًا من العبد، فالعبد له أن يتزوج أمة؛ لأنه يساويها.
وثانيًا: (مسلم) احترازًا من الكافر ما ينكح إلا مثل المسلمة مطلقًا فإذن المفهومان مختلفان حكمًا فقوله: (حر) خرج به العبد فيجوز.
وقوله: (مسلم) خرج به الكافر فلا يجوز، فمفهومان مختلفان (أمة مسلمة إلا أن يخاف عنت العزوبة) قال: (أمة مسلمة) اشترط أن تكون مسلمة.
وظاهر كلامه ولو كانت كتابية فلا تحل للمسلم؛ لأنه يشترط أن تكون أمة مسلمة وسيأتي إن شاء الله دليل ذلك، إنما نحن الآن نريد أن نشرح كلام المؤلف (حر) خرج به العبد، (مسلم) خرج الكافر، (أمة مسلمة) خرج به الأمة الكافرة فلا يحل نكاحها بحال من الأحوال.
(إلا أن يخاف عنت العزوبة) (عنت) مشقة (العزوبة) الانفراد عن الزوج، هذا الأعزب هو المنفرد عن الزوج سواء كان رجلًا أو امرأة.
(إلا أن يخاف عنت العزوبة) لحاجة المتعة أو الخدمة، فإذا خاف عنت العزوبة عنت الانفراد عن الزوجة إما لأجل الخدمة وإما لأجل الاستمتاع هذا شرط.
قال المؤلف: (ويعجز عن طول حرة أو ثمن أمة) (يعجز عن طول) الطول المهر (حرة أو ثمن أمة) هذان شرطان؛ الشرط الأول، بل هما في الحقيقة ثلاثة شروط:
الشرط الأول أن تكون الأمة مسلمة.
والشرط الثاني أن يخاف عنت العزوبة.
والشرط الثالث أن يعجز عن طول حرة؛ يعني: عن مهر حرة وثمن أمة؛ الدليل قوله ﵎: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] إلى أن قال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
الشرط الأول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ وقد أشار المؤلف بقوله: (ويعجز عن طول حرة).
[ ١ / ٦٢٢٦ ]
الشرط الثاني: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أن تكون مسلمة؛ ولهذا الشرط ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾.
الشرط الثالث: خوف العنت وقد ذكره الله بقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾. تأمل الآية الكريمة؛ هل ينطبق عليها كلام المؤلف؟
نعم، الجواب: ينطبق إلا في قوله: (وثمن أمة) فإن هذا الشرط ليس موجودًا في القرآن، لكن اشترطه الفقهاء قالوا: لأنه إذا كان قادرًا على شراء الأمة استغنى به عن نكاح الأمة؛ ولأن نكاحه الأمة يلحقه من العار أكثر مما يلحقه لو اشترى أمة وتسرَّاها، ولأنه إذا نكح أمة صار أولاده أرقاء، وإذا تسرَّى أمة صار أولاده أحرارًا؛ ولهذا قال الإمام أحمد ﵀: إذا تزوج الحر أمة رق نصفه؛ رق يعني: صار رقيقًا؛ لأن عياله من ها الأمة عياله مماليك لسيدها، إذا تزوج الإنسان أمة صار أولاده مماليك لسيدها.
الآن صار الدليل من القرآن منطبق على كلام المؤلف إلا في قوله: (عن طول)، (ويعجز عن ثمن أمة) لكن ما ذكره المؤلف له وجه قوي، ثم إن النظر يقتضي ذلك أيضًا. النظر يقتضي التحريم؛ لأنه كما قال الإمام أحمد: يستلزم أن يكون أولاده أرقاء مماليك يباعون ويشترون وهو ح، ر وهذا قد يكون فيه عار أن يرى ولده يقاد بالقلادة إلى السوق ليباع، هذا أمر عظيم ما هو هين؛ فلذلك لا يجوز إلا في حالة الضرورة كما ذكر الله ﷿.
بقي علينا أن يقال: ما قولكم فيما لو اشترط أن يكون أولاده أحرارًا؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: يجوز ولَّا لا؟
طالب: ().
الشيخ: لا، هو الجواز يجوز أن يشترط أن يكونوا أحرارًا، لكن هل يجوز أن يتزوج الأمة بهذا الشرط أو لا يجوز؟
طالب: ().
الشيخ: اختلف في هذا أهل العلم؛ فمنهم من قال: إنه يجوز أن يتزوج الأمة إذا اشترط أن يكون أولاده أحرارًا، وقالوا: لأن العلة هي رِقُّ الأولاد، والآن زال وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.
[ ١ / ٦٢٢٧ ]
ولا يَنْكِحُ عبدٌ سَيِّدَتَه ولا سَيِّدٌ أَمَتَه، وللحُرِّ نِكاحُ أَمَةِ أبيه دونَ أَمَةِ ابنِه، وليس للحُرَّةِ نِكاحُ عبدِ وَلَدِها، وإن اشترى أحدُ الزوجينِ أو وَلَدُه الحرُّ أو مُكاتَبُهُ الزوجَ الآخرَ أو بعضَه انْفَسَخَ نِكاحُهما، ومَن حَرُمَ وَطْؤُها بعَقْدٍ حَرُمَ بِمِلْكِ يمينٍ إلا أَمَةً كِتابيَّةً، إلا أَمَةً كِتابيَّةً، ومَن جَمَعَ بينَ مُحَلَّلَةٍ ومُحَرَّمَةٍ في عَقدٍ صَحَّ فيمَن تَحِلُّ، ولا يَصِحُّ نِكاحُ خُنْثَى مُشْكِلٍ قبلَ تَبَيُّنِ أَمْرِه.