[ ١ / ٥٠١١ ]
تَصِحُّ على شَجَرٍ له ثَمَرٌ يُؤْكَلُ، وعلى ثَمَرَةٍ موجودةٍ، وعلى شَجَرٍ يَغْرِسُه ويعملُ عليه حتى يُثْمِرَ بجُزْءٍ من الثمرةِ، وهو عَقْدٌ جائزٌ، فإن فَسَخَ المالِكُ قبلَ ظُهورِ الثمرةِ فللعاملِ الأُجْرَةُ، وإن فَسَخَها فلا شيءَ له، ويَلزَمُ العاملَ كلُّ ما فيه صلاحُ الثمرةِ من حَرْثٍ وسَقْيٍ وزبارٍ وتَلقيحٍ وتشميسٍ وإصلاحِ مَوضِعِه وطُرُقِ الماءِ وحَصادٍ ونحوِه، وعلى ربِّ المالِ ما يُصْلِحُه كسَدِّ حائطٍ وإجراءِ الأنهارِ والدُّولَابِ ونحوِه.
(فصلٌ)
الثالثُ (شَرِكَةُ الوُجوهِ) أن يَشْتَرِيا في ذِمَّتَيْهِما بجاهيهما، فما رَبِحا فبينَهما، وكلُّ واحدٍ منهما وَكيلُ صاحبِه وكَفيلٌ عنه بالثَّمَنِ، والْمِلكُ بينَهما على ما شَرَطَاهُ، والوَضيعةُ على قَدْرِ مِلْكَيْهِما، والربحُ على ما شَرَطاه.
الرابعُ (شَرِكَةُ الأبدانِ) أن يَشْتَرِكا فيما يَكتسبانِ بأَبْدَانِهما، فما تَقَبَّلَه أحدُهما من عَمَلٍ يَلْزَمُهما فِعْلُه، وتَصِحُّ في الاحتشاشِ والاحتطابِ وسائرِ الْمُباحاتِ، وإن مَرِضَ أحدُهما فالكَسْبُ بينَهما، وإن طالبَه الصحيحُ أن يُقيمَ مُقامَه لَزِمَه.
الخامسُ (شَرِكَةُ المفاوَضَةِ) أن يُفَوِّضَ كلٌّ منهما إلى صاحبِه كلَّ تَصَرُّفٍ ماليٍّ وبَدَنِيٍّ من أنواعِ الشَّرِكَةِ، والربحُ على ما شَرَطَاه، والوَضيعةُ بقَدْرِ المالِ، فإن أَدْخَلَا فيها كَسْبًا
الشرط، فنقول: الشرط فاسد، والشركة صحيحة على ما هي عليه، والله أعلم.
() والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، ما هي أعم أنواع الشركة؟
().
باب المساقاة.
طالب: ().
الشيخ: لا.
الطالب: أو ما يجوز.
[ ١ / ٥٠١٢ ]
الشيخ: إي، نعم، (أَوْ غَرامةً نَادِرَيْنِ أَوْ مَا يَلزمُ أَحَدَهُمَا مِنْ)، الغرامة النادرة مثل الغرامة التي تكون بالحوادث، فيقول أحد الشريكين للآخر: إذا وقع عَلَيّ غرامة من حادث أخذتُه من مال الشركة، فيقول صاحبه: نعم لا بأس. نقول: إن هذا الشرط فاسد مفسِد، لماذا؟ لأنه ربما تكون هذه الغرامة مُجْحِفَة بمال الشركة كله، أليس كذلك؟
هذا الرجل اشترك مع شريكه شركة مفاوَضة في مال قدره مئة ألف، ثم صار على هذا الشريك حادث قُدِّر بمئة ألف، إذا شرط أن يكون من الشركة معناه أنه أجحف بالمال كله، فظهر شريكه فقيرًا، وظهر هو أيضًا فقير، فلا يصح هذا الشرط.
ولكن هل هو فاسد غير مُفْسِد؟ بمعنى أن الشركة صحيحة، وعلى ما شرطَاه من الملك والربح، أو أنه فاسد مُفْسِد؟ المذهب أنه فاسد مُفْسِد؛ لأنه يعود بجهالة الربح والأصل؛ إذ لا يُدْرَى ماذا يحصل من الربح بعد أن تُخْصَم منه هذه الغرامة، بل لا يُدْرَى ما يبقى من رأس المال إذا خُصِمَت منه هذه الغرامة.
وكل شرط يعود إلى الشركة بجهالة الربح فهو مُفْسِد لها، فهذه قاعدة الشركات؛ أن كل شرط يؤدي إلى جهالة الربح فهو فاسد مُفْسِد.
على المذهب لو تَمَّت الشركة على هذا الشرط، واشتغلت الشركة لمدة سنة، ثم قيل لهما: إن الشركة فاسدة، فماذا نصنع؟ يقولون: حينئذ يكون لكل واحد منهما ربح ماله، ولا يشاركه الآخر فيه، ليش؟ لأن الشركة فاسدة، ويكون لكل واحد منهما على الآخر أجرة مثله فيما عمله بماله.
[ ١ / ٥٠١٣ ]
أحيانًا تكون أجرة أحدهما تُجْحِف بمال الثاني كله ربما، قد يكون أحد الشريكين شخصًا ذا خبرة في المحاسبات أو غيرها من التي ترتفع بها أجرته، وحينئذ يأخذ من مال صاحبه الشيء الكثير، ولهذا القولُ الثاني في المسألة أنها إذا فسدت الشركة فإنه يُرْجَع إلى سهم المثل لا أجرة المثل؛ لأن هذا إنما أخذ المال برضا صاحبه على أساس أيش؟ على أساس الشركة، فإذا فسدت الشركة، أي فسد العقد الذي اتفقَا عليه فإننا نرجع إلى سهم المثل، ونقول: لكل واحد منهما من الربح سهم مثله، لا السهم الذي اتفقَا عليه؛ لفساد الشركة.
قال المؤلف: (أَوْ مَا يَلزمُ أَحَدَهُمَا مِنْ ضَمانِ غَصْبٍ أَوْ نَحْوِهِ)، يعني إذا اشترطَا ما يلزم أحدهما من ضمان غصب، وهذا غير الغرامة، الغرامة تأتي بغير اختيار الإنسان، والغصب؟
طلبة: باختياره.
الشيخ: باختياره، قال أحدهما للآخر في الشركة: أي غصب أو سرقة تصدر من أحدنا فإنها تُخْصَم من مال الشركة، نقول: هذا لا يصح، ليش ما يصح؟ لأنه يذهب أحد الشريكين ويغصب أموال الناس ويأكله، ويقول: اجعلها من مال الشركة، وهذا لا يستقيم، ولّا لا؟
لو أنه قال هذا واتفقا على هذا الشرط، قال: نعم، أنت الآن هاديك الله، وأنت رجل الآن ما تريد أكل الحرام، ولا يمكن أن تغصب، نبغي نتفق على هذا الشرط، لما تم العقد ذهب واحد وغصب سيارة إنسان، وقال: نكدّها، حتى تكسرت وتلفت، على من تكون السيارة؟
طلبة: على مال الشركة.
الشيخ: على مال الشركة، هذا لا يمكن، فلذلك نقول: لا يصح أن يشترط أحدهما على الآخر ما يلزمه من ضمان غصب أو نحوه، كخيانة في أمانة ونحو ذلك، لا يجوز أن يُشْتَرَط؛ لأن هذا قد يُجْحِف بمال الشركة، ويفتح باب الطمع لأحدهما والفساد، واشتراط هذا لا شك أنه غير صحيح.
لكن الشركة إما أن نقول بصحتها، أو نقول بفسادها، ولكن نرجع إلى سهم المثل، لا إلى أجرة المثل.
***
[باب المساقاة]
[ ١ / ٥٠١٤ ]
ثم قال المؤلف: (باب المساقاة)، المساقاة مفاعَلة من السقي، والمفاعلة غالبًا تأتي بين اثنين، كالمشارَكة والمقاتَلة والمجاهَدة والمصارَعة، وما أشبه ذلك.
المساقاة لا تكون إلا بين اثنين؛ مُسَاقٍ ومساقَى، فما هي المساقاة؟ المساقاة تكون على الأشجار، والمزارعة تكون على الأراضي؛ الأشجار أن يدفع الإنسان شجر بستانه، سواء كان من النخل، أو من العنب، أو من الرمان، أو من البرتقال، أو غيره، يدفع هذا البستان بشجره إلى شخص على أن يقوم عليه بالسقي والمصالح، وله جزء من الثمر.
فعندنا الآن شجر ومالِك وعامل، يقوم المالك فيدفع الشجر للعامل بجزء من ثمرته، يقوم عليه ويصلحه، وهذه جائزة.
وإذا قال قائل: أين الدليل على جوازها؟ فنقول: لنا على ذلك دليلان؛ الدليل العام، وهو أن الأصل في المعاملات الحِل إلا ما قام الدليل على تحريمه.
والدليل الآخر أن النبي ﷺ لما فتح خيبر عامَل أهلها عليها بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع، قال: «تَبْقَوْنَ فِيهَا عَلَى أَنَّ لَكُمْ نِصْفَ الثَّمَرَةِ، وَلَنَا نِصْفُ الثَّمَرَةِ» (١).
وبقي هذا الحكم حتى توفي النبي ﵊، وحتى خلافة عمر بن الخطاب، وفي أثناء خلافته حصل من اليهود اعتداء وظلم، فأجلاهم ﵁.
الحاصل أن المساقاة أن يدفع الإنسان بستانه الذي فيه الشجر لمن يقوم على هذه الشجر بجزء منين؟ من ثمرها، وهي جائزة بالنص.
وجائزة أيضًا بالنظر الصحيح، ما هو النظر الصحيح؟ هو أن الإنسان قد يعجز عن القيام بما تحتاجه هذه الشجرة عجزًا بدنيًّا أو عجزًا ماليًّا، فيكون حينئذ بين أمرين؛ إما أن يهمل هذا الشجر فيموت ويهلك، وهذا فساد وإضاعة مال، وإما أن يعطيه مَن يعمل به بأجرة، وهذا قد يكون شاقًّا عليه، بأجرة بأن يقول: خذ هذا البستان فقُم بسقيه ومصالحه، لك كل شهر كذا وكذا. هذا جائز لكنه قد يشق على صاحب البستان، خصوصًا إذا كان عجزه من أجل المال.
[ ١ / ٥٠١٥ ]
وإما أن يعطيه شخصًا يقوم عليه بجزء منه من ثمره، وهذا هو المساقاة، فصار النظر الصحيح يدل عليه.
فإن قلت: إذن تكون المساقاة جارية على القياس.
فالجواب: نعم، هي جارية على القياس، خلافًا لمن قال: إنها جارية على خلاف القياس؛ لأن الجزء المشروط للعامل مجهول، فإن هذا الشجر قد يثمر ثمرًا كثيرًا يقابل أضعاف ما أنفق العامل عليه، وقد يُثْمِر ثمرًا قليلًا دون ما أنفق عليه، وقد لا يثمر شيئًا، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: فيكون العامل خاسرًا مئة في المئة، لذلك كان نصيب العامل مجهولًا، فكانت على خلاف القياس، فيقال: هذه نظير المضاربة تمامًا، ليش؟ لأن المضاربة يأخذ العامل الدراهم، ويسافر ويتعب، ويذهب يمينًا وشمالًا، ويربح ربحًا عظيمًا كثيرًا، وفي النهاية يشتري سلعة تُجْحِف بجميع الربح، إذن خسر ولّا لا؟ خسر البدن وخسر المال؛ لأن هذا الربح اللي كان متوقع أن يحصل له ذهب، ومع ذلك فهي جائزة.
وأقول: إن المضاربة على خلاف القياس أيضًا؛ لأن العامل يتعب تعبًا عظيمًا، ولا يحصل على شيء إذا خسر المال، أو إذا لم يربح المال، فنقول: ما هو القياس الذي تعنيه؟ القياس الذي يكون على خلافه أن يكون أحد المتشارِكَيْن غانمًا والثاني غارمًا، أما إذا اشتركَا في الْمَغْنَم والْمَغْرَم فإن هذا على وفق القياس، وكون العامل تحت الخطر لا يعني خلاف القياس؛ لأن كل إنسان يعمل في هذه الدنيا فهو تحت الخطر، حتى الإنسان اللي يعمل في ماله تحت الخطر، لذلك نقول: هي لما تتضمنه من المصلحة ولكونها جارية على سنن الحياة هي موافقة للقياس.
إذن المساقاة ما اسمها عندنا في اللغة العامية؟ الْمُفَالَحَة.
[ ١ / ٥٠١٦ ]
قال المؤلف ﵀: (تَصِحُّ)، كلمة (تصح) تدل على أنها تجوز؛ لأنه يلزم من الصحة الحِلّ؛ إذ لا يكون الشيء صحيحًا حتى يكون حلالًا، ولهذا الحرامُ فاسد، إلا ما لا حكم له، يعني ما لا يترتب عليه حكم فإنه حرام، ولا يقال: فاسد ولا غير فاسد، كاللعن والسب والشتم والظهار، وما أشبه ذلك من الأشياء التي هي حرام بنفسها، ما يترتب عليها صحة وفساد فهذه تكون حرامًا، ولا يقال صحيحة ولا فاسدة، إذن قول المؤلف: (تصح) يلزم منه الحِلّ والجواز، ولّا لا؟
يقول: (تَصِحُّ عَلَى شَجَرٍ)، إذن لا بد من شجر، فلو دفع أرضًا لمن يغرسها مساقاةً فإنها -على كلام المؤلف- لا تصح، لا بد أن يكون الشجر موجودًا، لكن لو دفعت إليه أرضًا ليشتري شجرًا على حسابي، ثم هو عامِلٌ فيه بعد غرسه، فهذا جائز؛ لأنني جعلته وكيلًا لي في تحصيل الشجر وغرسه، ثم هو عامل بالمساقاة بعد أن يُغْرَس.
قال: (لَهُ ثَمَرٌ) احترازًا مما لو ساقَيْتُه على شجر لا ثمر له، مثل الأثل؛ الأثل له ثمر لكن ما هو يؤكَل، فيه شجر لا ثمر له؟
طلبة: ().
الشيخ: لا الشجرة هذه لها ثمر، ما يخالف، على كل حال فيه أشجار ليس لها ثمر، هذه الأشجار إذا ساقَيْتُه عليها فإن المساقاة لا تصح؛ لأن المساقاة دفع شجر لمن يقوم عليه بجزء من ثمره، فإذا كان ما له ثمر فإذن لم يكن له شيء.
ولكن الصحيح في هذه المسألة أنه إذا كان هذا الشجر الذي لا ثمر له مما تكون غلته بقطعه فإن المساقاة عليه تصح، مثل الأثل؛ الأثل فيه ثمر لكنه غير مقصود، فإذا ساقيته على هذا الأثل على أن يكون له نصفه إذا قُطِع فهذا لا بأس به؛ لأني اشترطت أنا وإياه فيما يحصل من هذا الشجر، سواء كان من ثمره أو من أصله الذي يُقْطَع ويأتي بدله ما يخلفه.
(لَهُ ثَمَرٌ يُؤْكَلُ)، فإن كان الثمر لا يؤكَل لم تصح المساقاة عليه، حتى وإن كان هذا الثمر مما يُقْصَد ويُنْتَفَع به بأدوية أو غيرها، وهذا فيه نظر، كلام المؤلف فيه نظر.
[ ١ / ٥٠١٧ ]
فالصحيح أنه يجوز على الشجر الذي يُنْتَفَع به بقطعه وإن لم يكن له ثمر، وتصح على الشجر الذي له ثمر لا يؤكَل لكنه مقصود، مثل الأثل، له ثمر يسمى عندنا باللغة العامية ()، ما يخالف، لا مشاحة في اللفظ، هذا يؤخذ هذا الثمر ويُجْعَل في الدباغ، يشبه القَرَظ إن لم يكن هو القَرَظ، تُدْبَغ به الجلود.
إذن فهو ثمر مقصود لكنه لا يؤكَل، فعلى كلام المؤلف لا تصح المساقاة على هذا الشجر.
وعلى القول الصحيح تصح؛ لأن القاعدة هي أن يكون للعامل شيء في مقابلة عمله، فإذا كان له شيء في مقابلة عمله من ثمر يؤكَل، أو ثمر لا يؤكَل لكنه مقصود يُنْتَفَع به، أو من قطع الشجر نفسه عند تكامل نموه فلا مانع من المساقاة.
فإن قلت: ما مثال الشجر الذي ينطبق عليه ما قال المؤلف، ويش مثاله؟
طالب: النخل.
الشيخ: النخل، له ثمر يؤكَل، العنب له ثمر يؤكَل، الرمان، الفواكه، كلها لها ثمر يؤكَل، هل يُشْتَرَط في المأكول أن يُقْتَات؟ يعني أن يكون قوتًا مُدَّخَرًا؟ الجواب: لا.
(لَهُ ثَمَرٌ يُؤْكَلُ، وَعَلَى ثَمرَةٍ مَوْجُودَةٍ)، تصح المساقاة على ثمرة موجودة، بأن يكون صاحب البستان بعد أن أثمر النخل انسحب من النخل، عجز عن إتمام سقيه إلى أن يَجُذَّه، فاتفق مع شخص على أن يعمل على هذا النخل بالسقي والإصلاح بجزء من الثمرة، يجوز ولّا لا؟
يجوز، أقول: المساقاة على أيش؟ على الثمرة، يعني معناه أنه لا فرق بين أن يسلِّمه الشجر قبل أن يثمر، وبين أن يسلمه إياه بعد الثمر.
(وَعَلَى شَجَرٍ يغْرِسُهُ وَيَعْمَلُ علَيْهِ حتى يُثْمِرَ)، يعني: ويجوز أيضًا على شجر ليس له ثمر الآن، لكن له ثمر في المستقبل، يعمل عليه هذا العامل حتى يثمر، فالمساقاة إذن ثلاثة أنواع أو ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن تكون على شجر يُثْمِر، لكن في حال عدم الثمر يجوز ولّا لا؟
طالب: نعم.
[ ١ / ٥٠١٨ ]
الشيخ: مثل بعد أن جُذَّت النخيل وخلت من الثمرة ساقاه عليها لسنوات مستقبلة، يجوز، وإن كان الثمر حين العقد غير موجود.
الصورة الثانية: أن يدفع إليه الشجر وفيه الثمرة.
الصورة الثالثة: أن يطلب منه أن يَغْرِس؛ أن يساقيه على شجر يغرسه، فيقول: ساقَيْتُك على مئة نخلة تغرسها في هذه الأرض وتقوم عليها حتى تثمر بنصف ثمرتها، يجوز ولّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يجوز، لكن قيمة الشجر على مَن؟
طلبة: على المالك.
الشيخ: على صاحب الأرض، على المالك؛ لأن هذا الشجر سيعود إليه فتكون قيمته عليه.
فيه صورة رابعة: لو ساقاه على الشجر بكل الثمرة، قال: لك كل الثمرة، فالمذهب أن هذا لا يجوز، والصحيح أنه جائز بلا شك؛ لأنه إذا جازت المساقاة بجزء من الثمرة جازت بكل الثمرة؛ لأن ذلك أَحَظّ للعامل.
ولو ساقاه على أن يعمل ولا شيء له من الثمر؟ فالمذهب أيضًا لا يجوز، ليش؟ لأن العامل ما ربح شيئًا، ولكن لو قيل بالجواز لكان له وجه؛ لأن العامل تبرَّع بنفسه، يعني يعمل في هذا البستان، نعم قد يقال: إذا قلنا بالجواز هنا فيجب أن تكون مؤونة الموادّ على مَن؟
طلبة: على المالك.
الشيخ: على المالك، على صاحب الشجر؛ لئلَّا نجمع على العامل بين الخسارة المالية والبدنية؛ ولأن هذا مجهول؛ إذ لا يُدْرَى ماذا يستحقه النقل من المواد.
أنا مثلًا عندي نخل وساقَيْتُ عليه شخصًا، قلت: خذ النخل هذا اعمل فيه، قال: والله أنا عارف إنك محتاج، ولكن أن باعمل فيه بدون مقابل، عرفتم الآن؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ترى عكس الذي قلنا: إن الصحيح جوازه، وهو أن يدفع إليه النخل وله الثمر كله، هذا بيعمل في النخل والثمر كله لصاحب المال، لصاحب النخل، هذا لا يجوز على المذهب.
[ ١ / ٥٠١٩ ]
وأقول: لو قيل بالجواز بشرط أن تكون المواد على صاحب النخل، النخل يحتاج إلى لقاح، طُلْعة () الذي يُشْتَرَى بالدراهم ويوضع في الثمرة، يحتاج إلى مِسْحَاة يُصَرّ فيها الماء، وربما يحتاج إلى رشاشات، ربما يحتاج إلى آلة يصعد بها إلى الشجرة، وتسمى عندنا الْكَرّ، لكنه ليس ضد الفَرّ.
على كل حال لو قلنا بالجواز في هذه الصورة فيجب أن يقيَّد بأن تكون المواد على مَن؟
طلبة: على المالك.
الشيخ: على المالك، ليش؟ لأن هذا العامل الذي تبرَّع ببدنه ليعمل في نخلك قد يتصور أن المؤونة قليلة، وتكون أكثر مما يتصور، قد يقول: هذه النخلة تحتاج إلى عشرة ريالات من اللقاح، ولكنها بعد ذلك يتبين أنها تحتاج إلى عشرين ريالًا أو أكثر، فلذلك إن قلنا بالجواز فيجب أن يقيَّد بأن تكون المؤونة على مَن؟
طلبة: على المالك.
الشيخ: على صاحب المال، إي نعم.
طالب: ().
الشيخ: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أن المساقاة هي: دفع شجر لمن يعمل عليه بجزء من ثمرته، سواء كان الشجر قد أثمر أو بعد إثماره.
وسبق لنا أن هذه المعاملة نوع من المشاركة، وأنه يلاحَظ فيها ما يلاحَظ في الشركة مما سبق بأن يُشْتَرَط للعامل جزء من الثمرة مشاع معلوم، وسبق لنا أنها من الأمور الجائزة لا المحرمة، وسبق لنا أيضًا دليل ذلك أن الرسول ﷺ عامَل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع (١).
وأن النظر الصحيح يقتضي حِلَّها؛ لأن الإنسان قد يكون عنده أشجار لا يستطيع القيام عليها، ويوجد بعض الناس عنده قدرة وليس عنده بساتين، أي أنه يوجد من الناس مَن عنده بساتين ولا قدرة له على العمل بها، ومن الناس من ليس عنده وعنده قدرة على العمل، فكان من المصلحة أن يُعْطِيَ صاحبُ البساتين العاجز عن القيام عليها مَن يقوم عليها بجزء من الثمرة.
[ ١ / ٥٠٢٠ ]
وسبق لنا أنه يُشْتَرَط أن يكون عَلَى شجر له ثمر يُؤْكَل، وأن الشجر الذي لا ثمر له لا تصح المساقاة عليه، والشجر الذي له ثمر لا يُؤْكَل لا تصح المساقاة عليه، وأن الصحيح في هذا الجواز، وأنه يجوز أن يساقَى على شجر له ثمر لا يُؤْكَل لكنه مقصود، بل وعلى شجر ليس له ثمر لكنه يُقْطَع ويُنْتَفَع بقطعته كالثمرة.
وسبق لنا أيضًا أنه لا بد أن يكون جزء مشاعًا معلومًا، وأنه لو قال: ساقَيْتُك على هذا البستان، على أن يكون لك ثمر النخل الشرقي ولي ثمر النخل الغربي، لم تصح المساقاة، أو على أن يكون لك ثمر الشجر الذي على السواقي والبِرَك دون ثمر الشجر الذي على النواشف، فهذا أيضًا لا تصح المساقاة فيه.
وأنه لو قال: لك ثمر السُّكَّرِي ولي ثمر البَرْحِي، فإن ذلك لا يصح، وأنه لو قال: ساقيتك على مئة كيلو لك والباقي لي، أو مئة كيلو لي والباقي لك، فإنه لا يصح.
كل ذلك؛ لأن مثل هذه الشروط تؤدي إلى الْمَغْنَم أو الْمَغْرَم لأحدهما دون الآخر، والأصل في الشركة اشتراك الشريكين في الْمَغْنَم والْمَغْرَم.
ثم قال المؤلف في بيان حكم هذا العقد من الناحية الوضعية لا التكليفية؛ لأن الأحكام كما في أصول الفقه قسمان: تكليفية ووضعية، فالتكليفية هي التي يُتَكَلَّم فيها من حيث العقاب والثواب، الوضعية من حيث الصحة والفساد واللزوم والجواز، فهل المساقاة عقد جائز أو عقد لازم؟ يعني إذا عقدنا اتفاقًا بيننا على أن تكون فلاحًا في هذا النخل بجزء من ثمرته، فهل هذا العقد لازم أو جائز؟ يقول المؤلف: (وهو عقد جائز)، (وهو) أي: عقد المساقاة عقد جائز، ويش معنى جائز؟ يعني: غير لازم، يعني: يجوز للعامل والمالك الفسخ بدون عذر.
وهنا نقول: إن العقود تنقسم ثلاثة أقسام: عقد لازم من الطرفين، وعقد جائز من الطرفين، وعقد لازم من أحد الطرفين جائز من الطرف الآخر.
العقد اللازم ما لا يمكن فسخه إلا بسبب أو تراضٍ من الطرفين، واضح؟
طلبة: نعم.
[ ١ / ٥٠٢١ ]
الشيخ: العقد اللازم ما هو؟ ما لا يمكن فسخه إلا بسبب أو تراضٍ من الطرفين، وإلا فليزم كل واحد منهما أن يَفِيَ به، مثل البيع والإجارة، البيع لا يمكن لأحدنا فسخه إلا برضى من الطرفين أو بسبب من الأسباب التي تُبِيحُ الفسخ.
الوكالة عقد جائز من الطرفين، يجوز للوكيل أن يفسخ الوكالة، ويجوز للموكِّل أن يفسخ الوكالة، ولا إثم في ذلك، لا على الوكيل ولا على الموكِّل، العقد اللازم من أحد الطرفين دون الآخر هو ما كان فيه الحق لأحد الطرفين، فلمن له الحق الفسخ، ومن عليه الحق فهو لازم في حقه ليس له الفسخ، مثل الرهن، الرهن لازم من طرف الراهن، جائز من طرف المرتهن، لماذا؟ لأن الحق فيه للمرتَهِن وعلى الراهن، فالراهن لا يمكنه فسخه، والمرتَهِن يمكنه فسخه.
مثال ذلك: استقرضت منك مئة درهم وأرهنتك سيارة، الرهن من قِبَلي أنا أيها الراهن لازم، ما أستطيع أني أفسخه، ومِن قِبَلِك جائز، فإنه يجوز لمن استقرضت منه وأرهنته السيارة أن يقول: قد فسخت الرهن فتصرف في سيارتك كيف شئت، أما أنا –الراهن- لا أستطيع أن أفسخ الرهن؛ لأنني لو فسخته لقال المرتهن: فسخك هذا يضيع حقي، فليس لك حق في الفسخ.
فصارت العقود الآن من حيث اللزوم والجواز ثلاثة أقسام: لازم من الطرفين، وجائز من الطرفين، ولازم من طرف جائز من طرف.
المساقاة هل هي كالإجارة فتكون عقدًا لازمًا، أو كالوكالة فتكون عقدًا جائزًا؟
المؤلف ﵀ يرى أنها عقد جائز من الطرفين، فلكل واحد منهما الفسخ، كل واحد له أن يفسخ، العامل ومَن؟
طالب: المالك.
[ ١ / ٥٠٢٢ ]
الشيخ: والمالك، مثاله: أعطيت هذا العامل بستاني على أن يعمل فيه على النصف، نصف الثمرة، فأخذ البستان، ولما مضى شهر أو شهران قال: والله أنا هَوَّنْت، العمل شاق وبيتعبني وهَوَّنْت. فقال المالك: كيف تُهَوِّنه؟ أنت الآن فَوَّتَّنِي الزبائن؛ لأنه معروف أن المساقاة لها وقت معين، يعني الموسم موسم المساقاة معروف، عند جذاذ النخل مثلًا تكون المواسم، قال: أنت الآن فَوَّتَّنِي المواسم، قال: والله أنا ما أستطيع، خلاص، له أن يفعل؟
طلبة: له.
الشيخ: إي نعم، على القول بأنها عقد جائز له أن يفعل.
فسخنا بناءً على طلبه، ثم عاد إليَّ وقال: أنا عملت في بستانك، حرثت ووجَّهت الماء، وسقيت النخل لمدة شهرين، أَعْطِنِي الأجرة، فماذا أقول؟ أقول: ليس لك شيء، الفسخ جاء من قِبَلِك فليس لك شيء، كَمِّل ولك السهم الذي اتفقنا عليه.
ولهذا يقول المؤلف: (وَهو عَقْدٌ جَائِزٌ لكل منهما فسخها، فَإِنْ فَسَخَ المالكُ قَبْلَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ فلِلعَامِلِ الأُجْرَةُ، وَإِنْ فَسَخَها هُوَ -أي العامل- فَلَا شَيْءَ لَهُ).
إذا فسخها هو، أي العامل، له الأجرة ولّا لا؟ ليس له الأجرة؛ لأنه هو الذي أسقط عمله بنفسه، وإن فسخها المالك فللعامل الأجرة؛ لأنه فَوَّت ثمرة عمل العامل باختياره، وهذا إذا كان قبل ظهور الثمرة، فإن كان بعد ظهور الثمرة فإنها تنفسخ، لكن يلزم العامل إتمام العمل وله أجرة المثل، أجرة المثل في إتمام العمل، وإن كان من المالك فكذلك، نقول: يصح وللعامل أجرة المثل.
وقال بعض العلماء: إنه إذا كان بعد ظهور الثمرة أُلْزِمَ العامل بإتمام العمل، وصار على ما شرطَاه.
[ ١ / ٥٠٢٣ ]
القول الثاني في أصل المسألة: أن المساقاة عقد لازم كالإجارة، وبناء على هذا القول يتعيَّن تعيين المدة، فيُقال: ساقيتك على سنة أو سنتين أو ثلاث سنين، أو ما أشبه ذلك؛ لأن العقد اللازم لا بد أن يُحَدَّد حتى لا يكون لازمًا مدى الدهر، فعلى هذا القول -القول بأنها عقد لازم- يتعين تعيين المدة، ولا يمكن لأحد منهما فسخها ما دامت المدة باقية، فإن تعذَّر العمل عليه لمرض أو غيره أُقِيمَ مَن يقوم بالعمل على نفقة مَن؟
طلبة: العامل.
الشيخ: العامل، وله السهم المتفَق عليه، وهذا القول الثاني هو الصحيح؛ أنها عقد لازم، وهو الذي عليه عمل الناس اليوم، فإنهم يعتبرون المساقاة عقدًا لازمًا.
وربما يُسْتَدَلّ لذلك بأن الرسول ﵊ قال لأهل خيبر عاملهم بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع، وقال: «نُقِرُّكُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا». (٢)
يعني: نُقِرُّكُم ما شئنا من الإقرار، وأنتم ما دمتم باقين فعلى المعاملة، ولأننا لو قلنا بأنها عقد جائز، لزم من ذلك الضرر، وكثر النزاع والخلاف بين الناس، وكل ما يتضمَّن الضرر أو يُفْضِي إلى النزاع والخصومة بين الناس فإن الشارع يمنع منه، ولأن العامل لو قلنا بأن العقد جائز ربما يتحيل، فيأتي إلى صاحب الملك ويأخذ منه الملك مساقاةً في موسم المساقاة، فإذا زال الموسم جاء إلى المالك وفسخ، وكذلك بالعكس؛ ربما يكون المالك أعطى العامل هذا الملك ليعمل فيه، فإذا زادت الأسهم للمُلَّاك فسخها، يعني تكون الْمُلّاك عند موسم المساقاة تكون رخيصة بالنسبة لأهل الملك، فإذا زادت أسهم الملك فيما بعد قال للعامل: قد فسخت، وأجرة مثلك أعطيك إياها، واضح؟
طالب: نعم واضح.
الشيخ: كأنه ما هو واضح لبعض الإخوان؟
طالب: ما اتضح يا شيخ.
[ ١ / ٥٠٢٤ ]
الشيخ: إذا قلنا بأنها عقد جائز وأعطى المالك بستانه لعامل يعمل عليه بالنصف؛ نصف للمالك، ونصف للعامل، في أثناء هذه المدة ارتفعت الأسهم، وصار مثل هذا البستان إذا أُعْطِيَ مساقاةً يعطَى المالك الثلثين، والعامل الثلث، ماذا يصنع المالك إذا كان عقدًا جائزًا؟
طلبة: يفسخ.
الشيخ: يفسخ، يذهب إلى العامل ويقول: والله أنا فسخت، وأجرة مثلك أعطيك إياها؛ لأنه يعرف أنه سيربح السدس إذا فسخ، واضح الآن؟
طلبة: نعم.
الشيخ: على كل حال القول المتعيّن والصواب هو أن المساقاة عقد لازم، وأنه يتعين فيها تحديد المدة.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (وَيَلْزَمُ العَامِلَ كُلُّ ما فِيهِ صلاحُ الثَّمَرَةِ؛ من حَرْثٍ وسَقْيٍ وزِبَارٍ وتَلقِيحٍ وتشْمِيسٍ وإِصْلاحِ موضعِهِ وطُرُقِ الماءِ وحصادٌ –أو: وحصادٍ، بالجر، جائزة بالوجهين- ونحوِه).
كل ما فيه صلاح الثمرة فهو على العامل، وكل ما فيه حفظ الأصل فهو على المالك، ولهذا قال: (وعلى ربِّ المَالِ ما يُصْلِحُهُ)، يعني ما يحفظ الأصل، (كسَدِّ حَائِطٍ، وإِجْرَاءِ الأَنْهَارِ، والدُّولابِ وَنَحْوِهِ).
نمشي مع المؤلف ثم نذكر القول الراجح في هذه المسألة.
قال: (كُلُّ ما فِيهِ صلاحُ الثَّمَرَةِ من حَرْثٍ) الحرث تصح به الثمرة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: معلوم؛ لأن حرث الأرض وتقليبها يؤدي إلى ظهور طعم الأرض في الشجر، وبالتالي إلى إصلاح الثمرة.
(وسقي) فيه صلاح الثمرة ولّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ما فيه شك فيه صلاح الثمرة.
(وزِبَار) ويش هو الزبار؟ الزِّبَار يقول الشارح: إنها قطع الأغصان الرديئة، ويش تسمى عندنا؟
طالب: التحسين.
الشيخ: لا، اللي يقطعون الأغصان الرديئة في العنب؟
طالب: التقليم.
الشيخ: التقليم أظن، هذا يَلْزَم العامل، وكذلك بالنسبة للنخل يلزم العامل قص الجريد اليابس مثلًا، ويلزمه أيضًا قلع القنوان الفاسدة كالتي يكون فيها السوس وشبهه، المهم كل ما يعود إلى إصلاح الثمرة.
[ ١ / ٥٠٢٥ ]
(التلقيح) يلزم العامل، وشراء اللقاح على المالك، والتلقيح على العامل، فإن كان البستان فيه فحول فعلى العامل أن يأخذ من هذه الفحول ليلقح بها النخل.
يقول: (وتشميس)، تشميس أيش؟ تشميس الثمر؛ لأنه جرت العادة بأنه إذا جُذّ النخل وُضِع الثمر في مكان شامِس من أجل أن يَيْبَس، فالتشميس على مَن؟
طلبة: على العامل.
الشيخ: على العامل.
(وإِصْلاحِ موضعِهِ)، أي موضع التشميس، وهو ما يسمى بالبَيْدَر، يُصْلِح الموضع، ينظفه ويكسوه بالأسمنت أو شبهه؛ ليكون نظيفًا، حتى إذا وضع الثمر عليه لم يتلوَّث.
قال: (وطُرُق الماء)، السواقي، هو الذي يصلحها –العامل- وكذلك تصريف الماء وتعديله من مكان إلى مكان، كله على العامل.
(وحصاد)، الحصاد أيضًا على العامل، وهذا في المزارعة، والجذاذ يقول الفقهاء: إنه عليهما بقدر حصتَيْهِمَا، بخلاف الحصاد، فجذاذ النخل على العامل والمالك بقدر حصتيهما؛ إذا كان أنصافًا فعلى العامل النصف وعلى المالك النصف، وقيل: إن الجذاذ على العامل كالحصاد.
قال: (وعلى رب المال ما يُصْلِحُه كسد حائط)، ().
والباقي أعيان، في المسألة الأولى الباقي من رأس المال، هذا الفرق بينهما، فالتنضيض يكون للجميع.
[شركة الوجوه]
(فصل. الثالث: شَرِكَةُ الوُجُوهِ)، الوجه هنا ليس الوجه الذي في الرأس، المراد بالوجه الجاه، وجاه الإنسان يعني شرفه وقيمته عند الناس ومنزلته بينهم.
فشركة الوجوه يعني الشركة التي مبناها على الجاه؛ على جاه الشريكين.
قال: وهي (أَنْ يَشْتَرِيَا فِي ذِمَّتَيْهِمَا بِجَاهَيْهِمَا، فَمَا رَبِحَا فَبَيْنَهُمَا)، هذان رجلان ليس عندهما مال، فقراء، لكن لهم جاه عند الناس وهما معروفان بالصدق والأمانة، فذهبَا إلى صاحب محل كبير، وقالَا له: بِعْ علينا كذا وكذا، أو أقرضنا دراهم، فأقرضهما دراهم، أو باع عليهما سيارات أو أطعمة، أو ما أشبه ذلك.
[ ١ / ٥٠٢٦ ]
اتفقا على أن يأخذَا بجاهيهما ويعملَا بهذا المال الذي أخذاه، وما ربحَا فبينهما، هذه نسميها شركة الوجوه، اشتركَا بماذا؟ اشتركَا ببدن، صح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لكن المال من غيرهما، وبهذا يحصل الفرق بينها وبين شركة العِنَان؛ لأن شركة العنان كما سبق يُحْضِر كل واحد منهما مالًا من عنده ويشتركان فيه، أما هذه فهما فقراء ليس عندهما مال، لكن اشتريَا شيئًا بذمتيهما أو استقرضَا شيئًا ثم اشتريَا به بذمتيهما، فتسمى هذه شركة الوجوه، بمعنى الجاهات، ليس معنى الوجوه اللي في الرؤوس.
فإن قال قائل: هل هذا أمر مشروع وجائز أو لا؟ يعني أصل هذه المسألة هل ينبغي للإنسان أن يعمل هذا العمل؟
نقول: سبق لنا أنه لا ينبغي للإنسان أن يستَدِين؛ لأن هذا يُثْقِل كاهله، وربما لا يقدر على قضاء الدَّيْن فيما بعد، فهذان الرجلان اللذان اشترَكَا بجاهيهما، لنفرض أنهما ذهبَا إلى رجل تاجر واشتريَا منه عشر سيارات، كل واحدة قيمتها ثلاثون ألفًا، كم صار عليهما؟ عشر سيارات من ثلاثين ألف، ثلاث مئة ألف.
هذان فقيران متى يحصل لهما ثلاث مئة ألف؟ ربما يتَّجِرَان بهذه السيارات ويبيعانها على أناس مُعْدِمين؛ لأن بعض الناس يجلبه الطمع، يأتيهم رجل فقير ويقول: هذه السيارة أنتم اشتريتموها بثلاثين ألفًا، أنا بأخذها منكم بخمسة وأربعين ألفًا إلى سنة، يقولو: خمسة عشر ألفًا في سنة واحدة، النصف، خذ. ويأتي الثاني ومثله، وهؤلاء الذين أخذوا السيارات معدمين فقراء.
إذن الشريكان اللذان اشتريَا بجاهَيْهِمَا يقيَا مشغولي الذمة، فيحصل بهذا ضرر عظيم، لهذا نقول: إن شركة الوجوه، وإن كان الفقهاء ﵏ يقولون: هذه شركة الوجوه، ويجوِّزونها في الأصل، لكنها لا تنبغي؛ لأنها خطر على الإنسان أن يُرْهِق نفسه بالديون، ثم تتلف عليه، وليس له وفاء.
[ ١ / ٥٠٢٧ ]
فإن قال قائل: أنا بأشتري شيئًا قليلًا، كما يوجد مثلًا عند أهل الْخُضَر الآن، يأتي اثنان يشترون لهم مثلًا عشرة سطول بعشرين ريالًا، من الريالين، ويبيعوهم من أربعة، يصلح؟
طلبة: نعم يصلح.
الشيخ: هذا يصلح، وهذا أمر بسيط، وربما يفتح الله بها رزقًا كثيرًا.
الخلاصة أن شركة الوجوه أن يشتركَا بَدَنَانِ بمال يأخذانِه من غيرهما بجاهِهِمَا، فما ربحَا فبينهما.
قوله: (ما رَبِحَا فبينهما) حسب الشرط.
بقي عندنا الملك؛ ملك هذه الشركة.
قال المؤلف ﵀: (والملك بينهما على ما شرَطَاه)، يقول: (وَكُلُّ وَاحِدٍ منهُمَا وَكِيلُ صَاحِبِهِ وكَفِيلٌ عَنْهُ بِالثَّمَنِ) إلى آخره.
هذا الرجلان اشتريَا المال من شخص على أنهما شريكان فيه، سوف يتصرفان في المال، ولّا لا؟ كل واحد منهم يتصرف فإنه يتصرف بالوكالة في نصيب شريكه، وبالأصالة في نصيبه، هذه من جهة، بالنسبة للرجل الذي أعطاهم المال ما موقفهما أمامه؟ موقفهما أن كل واحد منهما كفيل عن الآخر بمعنى أنه لو قُدِّرَ تلف هذا المال فلصاحبه أن يطالب كل واحد منهما.
فإن قال أحدهما: إننا اتفقنا على أن يكون المال بيننا نصفين، فلا تطالبني إلا بالنصف الذي علَيّ؟
فالجواب: يقول: لا، أنتما كل واحد منكما كفيل عن الآخر؛ لأنني ما بعت إلا عليكما جميعًا، والله أعلم.
() نحن في القسم الثالث من الشركة، وهي () تكون خسارة وكيف يكون الربح؟
قال المؤلف ﵀ في بيان ذلك: (الملك بينهما على ما شرَطَاه).
فإذا قال أحدهما للثاني: سنشتري من صاحب المحل الكبير هذا سنشتري منه سيارات نترزَّق الله فيها، على أن يكون لي الثلث، ولك الثلثان، يصح ولَّا ما يصح؟
طلبة: يصح.
الشيخ: وافق الثاني يصح.
قال: على أن يكون الملك بيننا، يصح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: أنصاف يعني.
طالب: إي نعم.
الشيخ: على أن يكون لك الربع ولي ثلاثة أرباع؟
طلبة: يصح.
[ ١ / ٥٠٢٨ ]
الشيخ: يصح، الدليل؟ نقول: عندنا دليل عام؛ وهو أن الأصل في المعاملات أيش؟
طلبة: الحِلّ.
الشيخ: الحِلّ حتى يقوم دليل على المنع، هذا هو الأصل، بخلاف العبادات فالأصل فيها المنع حتى يقوم دليل على الإذن.
دليل آخر: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (٣)، فيكون على ما اشترطَاه.
ممكن أن نقول دليلًا آخر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، فما تعاقد عليه الناس يجب الوفاء به.
الأمر الثاني: الوضيعة، يعني الخسران على قَدْر ملكَيْهِما، فإذا اتفقَا على أن يكون لأحدهما الربع وللآخر ثلاثة أرباع، وخسرَا، فالخسارة تكون بينهما أرباعًا، على صاحب الربع ربعه، وعلى صاحب الثلاثة أرباع ثلاثة أرباع.
لو قال: لي الربع ولك ثلاثة أرباع، والخسارة أنصافًا، لا يجوز؛ لأننا حينئذ نحمِّل صاحب الربع أكثر من خسارة ماله، وتحميلنا إياه أكثر من خسارة ماله معناه إضافة شيء من ماله إلى مال الآخر، ولّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: وهذا أكل للمال بالباطل، ننظر الآن، إذا قلنا: لك ثلاثة أرباعه ولي ربعه، خسرنا أربع مئة، وقد قلنا: إن الخسارة أنصافًا، يكون على صاحب الربع؟
طالب: مئتان.
الشيخ: زيادة، فمعنى ذلك أننا اقتطعنا من ماله شيئًا أضفناه إلى مال الآخر، بدل ما يكون على صاحب ثلاثة الأرباع ثلاث مئة صار عليه مئتان، ولّا لا؟ وهذا لا يجوز، لماذا؟ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨].
فأنت إذا حَمَّلْت صاحب الربع إضافة من الخسارة اللي عليك فقد أكلتَ مالًا بالباطل، فيكون هذا حرامًا.
[ ١ / ٥٠٢٩ ]
الربح، يقول المؤلف: (على ما شَرَطَاه)، لا على قَدْر المال، لماذا؟ لأن الربح قد يكون نتيجة للعمل، ولا ريب أن الناس يختلفون في العمل، في النشاط فيه، في الحذق، هذا أيضًا ربما يسافر وهذا لا يسافر، المهم أن الربح على ما اتفقَا عليه، فإذا اتفقا على أن الملك بينهما، اشتريا من هذا التاجر بضاعة على أن الملك بينهما أنصافًا، جائز؟
طلبة: نعم.
الشيخ: جائز، على ما شَرَطَاه، قال: وعليك من الخسارة الثلثان، وعلَيَّ الثلث؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لأن الخسارة على قدر المال، قال: ولك من الربح الثلث ولي الثلثان؟
طلبة: جائز.
الشيخ: هذا جائز؛ لأن الربح يعود أحيانًا إلى العمل، ولهذا نعطي المضارب يعمل، والمال كله مني، وله نصف الربح مثلًا.
إذن هذه الأمور الثلاثة: الملك، والوضيعة التي هي الخسارة، والربح، نقول فيها كما يلي: الملك على ما شَرَطَاه، الربح على ما شَرَطَاه، الوضيعة على قَدْر المال لا على ما شَرَطَاه، فإن قالَا: الخسارة على قدر مَالَيْنَا، تكون الخسارة على ما شَرَطَاه؟
طالب: نعم.
طالب آخر: لا.
طلبة آخرون: على قدر ملكه.
الشيخ: انتبه الآن، قال: الخسارة على قدر مَالَيْنَا؟
طلبة: صحيحة.
الشيخ: إذا كانوا أثلاثًا يبقى الخسارة أثلاثًا، يصح الشرط ولّا لا؟
طلبة: يصح.
الشيخ: يصح، ويكون هذا الشرط من باب؟
طالب: اللغو.
الشيخ: ما هو لغو، من باب التوكيد، يعني ما هذا إلا توكيد للعقد، كما لو بعت عليك هذا الشيء واشترطت على أني أنتفع بالثمن، وأنت اشترطت على أن تنتفع بالمبيع، ويش يصير هذا؟ تأكيد ولّا لا؟
طالب: تأكيد.
الشيخ: تأكيد إي نعم.
[شركة الأبدان]
يقول المؤلف ﵀: (الرابع شركة الأبدان)، شركة الأبدان ما فيها مال، ليس عندهما مال يشتركان فيه ولا أَخَذَا مالًا من غيرهما بجاههما، إنما اشتركَا في أبدانهما.
[ ١ / ٥٠٣٠ ]
قال المؤلف وهي: (أَنْ يَشْتَرِكا فِيمَا يَكْتسِبانِ بأبْدَانِهِمَا)، إذن هذان الشريكان ليس عندهما مال، أو عندهما مال لكن لا يريدان أن يشتركَا في المال، وهذه تكون بين النَّجَّارين والحدادين والحطابين والحرَّاثين، وغيرهم ممن يعملون بالبدن، ويشتركون في الْمَغْنَم.
قال: (فَمَا تَقبَّلَهُ أَحَدُهُمَا مِنْ عَمَلٍ يَلزَمْهُمَا فِعْلُهُ) نقول: (يلزمْهما) بالجزم؛ لأن (يلزمهما) جواب الشرط، كيف ذلك؟ (ما) شرطية، و(تقبل) فعل الشرط، و(يلزم) جواب الشرط، يعني فأي عمل تقبَّلَه أحدهما يلزم الشريكين فعلُه، قلت: إنه يلزم الجزْم هنا، مع أنه من الناحية العربية يجوز الرفع، كما قال ابن مالك:
وبَعْدَ مَاضٍ رَفْعُكَ الْجَزَا حَسَنْ
وَرَفْعُهُ بَعْدَ مُضَارِعٍ وَهَنْ
فهنا (تَقَبَّل) ماضٍ، فيجوز أن نرفع المضارع الذي هو جواب الشرط، لكننا لو رفعنا جواب الشرط هنا لأوهم أن تكون جملة (يلزمهما) صفة لـ (عمل)، يكون التقدير: (فما تقبَّله أحدهما من عمل لازمٌ فعله لهما)، وهذا يُخِلّ بالمعنى، أما إذا قلنا بالجزم يلزمهما فإنه يزول هذا الاشتباه.
على كل حال معنى العبارة أن أحد الشريكين المشترِكَيْن في الأبدان إذا تقبَّل عملًا لزمهما جميعًا فعله، فلو أن رجلين اشتركَا في نِجَارة، وفتحَا محلًّا، وجاء شخص من الناس إلى أحدهما واتفق معه على أن يصنع له عشرة أبواب، وذكر الأبواب، وصح عقد الإجارة، هل يطالِب الشريكين جميعًا بتنفيذ هذا الاتفاق؟
طلبة: نعم.
الشيخ: أو يكون الاتفاق بينه وبين أحدهما فقط؟
طلبة: يلزمهما جميعًا.
الشيخ: يلزمهما جميعًا، يطالب الذي باشر العقد والذي لم يباشر؛ لأن هذا هو مقتضى الشركة، وإلا لو قلنا: إنه لا يطالب إلا مَن باشر العقد، لم يكن للشركة فائدة أبدًا، ولهذا قال المؤلف: (فَمَا تَقبَّلَهُ أَحَدُهُمَا مِنْ عَمَلٍ يَلزَمْهُمَا فِعْلُهُ).
[ ١ / ٥٠٣١ ]
إذا اشترك اثنان في صناعة واحدة كنَجَّارَيْنِ فتحَا محلًّا واشتركَا فيه، فالأمر ظاهر، لكن هل تَصِحّ الشركة مع اختلاف الصنائع؟ كأن يكون أحدهما نجارًا والآخر حدادًا، واشتركَا، فهل يصح؟
هذا محل خلاف بين العلماء؛ منهم من قال: إنه لا يصح الشركة مع اختلاف الصنائع؛ لأنه لا يمكن إلزام أحدهما بصنعة لا يعرفها فيما لو تعذَّر التنفيذ مع العاقد.
ومنهم من قال: تصح مع اختلاف الصنائع، وإذا تعذَّر تنفيذ الاتفاق مع أحدهما أُلْزِمَ الآخر بأن ينفِّذَه، وإن لم يكن على يده، فليستأجر مَن ينفِّذه ويقوم به، انتبهوا.
هذا الأخير هو المذهب؛ أنه يصح الاشتراك مع اختلاف الصنائع، فنفتح مثلًا ورشة كبيرة فيها حدادة ونجارة وسباكة، وكل ما يمكن من الصنائع، ويكون الشيء بيننا أيش؟ مشتركًا، فمثلًا هذا حداد يصنع الأبواب، وهذا نجار يصنع الدواليب، وهذا زَجَّاج يصنع الزجاج، وهذا صاحب ألمونيوم، كل واحد منا خمسة أو ستة له صنعة خاصة، فيصح الاشتراك، ويكون ما قدَّره الله من الربح بيننا.
واستمع يقول المؤلف: (وَتَصِحُّ في الاحْتِشَاشِ والاحْتِطَابِ وَسَائِرِ المُبَاحَاتِ، وَإِنْ مَرِضَ أَحَدُهُما فالكَسْبُ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ طَالَبَهُ الصَّحِيحُ أَنْ يُقِيمَ مُقامَهُ لَزِمَه).
(تَصِحُّ في الاحْتِشَاشِ)، وهذا عمل بدني ولّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يشترك اثنان؟
طالب: ممكن.
الشيخ: يشترك اثنان، يخرجان إلى البَرّ، يحتشان ويبيعانه في السوق، يصح، تصح أيضًا في الاحتطاب؛ يشترك اثنان في الحطب، يقول: نخرج إلى البَرّ ونحطب ونبيعه في السوق، ويكون بيننا.
سائر المباحات مثل: الصيد، المعادن، الأحجار النفيسة، السمك، وغيرها من الأشياء التي تكون بعمل البَدَن، فسواء كان العمل صنعة ومهنة كالنَّجَّارين والحدَّادِين، وما أشبه ذلك، أو كان العمل اجتناء وتحصيلًا فإنه تصح الشركة، وتسمى هذه شركة أبدان.
[ ١ / ٥٠٣٢ ]
قال المؤلف: (إِنْ مَرِضَ أَحَدُهُما فالكَسْبُ بَيْنَهُمَا)، يعني هذان الشريكان اشترَكَا في عمل نجارة، وتم العقد معهما على نجارة باب أو بابين، في أثناء العمل مرض أحدهما، وأَتَمّ الثاني العمل، يكون الكسب بينهما.
فإن قال العامل الذي أتم العمل: العمل الذي انفردت به لا يشاركني به الآخر، يعني الاتفاق، نضرب مثلًا ليكون أوضح، الاتفاق على بَابَيْن، لما صنع الشريكان الباب الأول مرض أحدهما، وأتم الثاني الباب الثاني، فقال الذي أتم: نحن في الباب الأول شريكان، أما في الباب الثاني فهو لي، فماذا نقول؟
نقول: هذا ليس بصحيح؛ لأن الشركة لا تنفسخ بالمرض، فالشركة إذن باقية، والأجرة بينهما على ما شَرَطَاه.
فإذا قال: كيف يَحِلّ له أن يأخذ شيئًا لم يعمل مقابله شيئًا؟
فالجواب: أن الأصل بقاء الشركة، وأن كل واحد منكما مطالَب بما التزم به الآخر، فأنتما شريكان في الْمَغْنَم، وشريكان في الْمَغْرَم.
ثم نقول له: لماذا لما رأيت أخاك قد مَرِض لماذا لم تطالبه بأن يقيم مَن يقوم مقامه؟ أليس هذا بواجب؟ نعم، نقول: كان الذي ينبغي أنك لما رأيته قد مرض طالبته بأن يقيم مُقَامه مَن يساعدك في العمل.
ولهذا قال: (وَإِنْ طَالَبَهُ الصَّحِيحُ أَنْ يُقِيمَ مُقامَهُ لَزِمَه)، فإن أبى قال: خَلِّ واحدًا من قِبَلِك يشتغل معي، قال: لا، أنا إذا كنت صحيحًا عملت معك، وإلا فلا أستطيع، فللآخر فسخ الشركة، تقول: إذا كنت الآن لا تقيم معي مَن يقوم مقامك، فإنني أفسخ الشركة، وله أن يفسخ ولّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم له أن يفسخ، فإن قال قائل: كيف تُمَكِّنُونه من الفسخ وقد تم العقد بينه وبين صاحبه وهما شريكان؟
[ ١ / ٥٠٣٣ ]
قلنا: لكن تَعَذَّر العمل من قِبَل صاحبه، ولا يمكن أن ينفرد هذا بالعمل ونقول: إن صاحبك يشاركك، وهو لم يعمل، فله أن يفسخ، الصواب مُقامه ولا مَقَامه؟ مُقَامه؛ إذا كان من الرباعي فهو بضم الميم، وإن كان من الثلاثي فهو بفتح الميم، فتقول مثلًا: قام الرجل مَقَام أخيه، ولَّا مُقَام أخيه، قام الرجل مَقَام أخيه؛ لأنه من (قام) الثلاثي، وتقول: أَقَمْت الرجل مُقَام أخيه، ولا تقل: مَقام أخيه.
ثم قال المؤلف ﵀، فيه عندي بالشرح مسألة مهمة.
قال: (وإن اشترَكَا على أن يحملَا على دابَّتَيْهِما والأجرة بينهما صح)، صحيح؟ ويش مقابل الدابة في الوقت الحاضر؟
طلبة: السيارة.
الشيخ: السيارة، اتفق صاحبَا سيارَتَيْ شحن على أن يعملَا بسيارتيهما، وما رزقهما الله فهو بينهما، نقول: هذا جائز ولا بأس به؛ لأن فيه تعاونًا، ولأن أحدهما ربما يكون الحظ في أن ينصرف إلى هذا الوجه، والآخر ينصرف إلى وجه آخر، فيقول أحدهما: إذا فاتني الربح في وجهي لم يَفُتْنِي في وجه شريكي، ().
قال: ويصح دفع دابة ونحوها لمن يعمل عليها، وما رزقه الله بينهما على ما شَرَطَاه، هذه أيضًا مفيدة جدًّا، يقول: عندي سيارة وأقول لهذا الرجل السائق: خذ هذه السيارة كُدَّها، وما حصَّلت من الأجرة فبيننا على ما شرطناه، يجوز؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يجوز، ما الذي يشبه ذلك مما تقدَّم؟
طلبة: المضاربة.
[ ١ / ٥٠٣٤ ]
الشيخ: المضاربة، هذه تشبه المضاربة؛ لأن المضارِب يعطي المضارَب مالًا، ويكون الربح بينهما، هذا يعطيه سيارة وتكون الأجرة بينهما، وهي أيضًا من محاسن الشريعة؛ لأن الإنسان قد يكون تاجرًا وعنده أموال، وهناك أناس آخرون يُجِيدُون العمل في هذه الأموال ليس عندهم مال، فكان من محاسن الشرع أن نقول لصاحب المال: أَعْطِ هؤلاء مالك ينتفعون به ويتَّجِرُون به، ولك ربحه، فتستفيد أنت ربحًا أولى من أن يبقى مالك راكدًا، ويستفيد هؤلاء ربحًا أولى من أن يكونوا مُعَطَّلِين ليس لهم شغل.
لو قال قائل: إن هذا مجهول؛ لأن هذا الرجل الذي أخذ السيارة وصار يَكُدّ عليها يمكن يصيبها حادث في حال استعماله لها، فيذهب كل الكسب، ويش الجواب؟
نقول: كذلك المضارَبة، يمكن هذا المضارَب يعمل ويتعب ويسافر ولا يستقر، وأخيرًا يخسر المال، أو على الأقل لا يكسب، ويضيع عمله هباء، والله أعلم.
طالب: ().
الشيخ: يتحرك، أنا أعطيه دراهم ويروح يشتري مثلًا سلعًا أخرى ويبيعها ويحرِّك المال، أما هذا فالدابة ما يتصرف فيها، الدابة اللي أنا أعطيته ما يتصرف فيها لا ببيع ولا غيره.
طالب: ما ينطبق عليها وصف شركة الأبدان؟
الشيخ: لا، ما هي من الأبدان، شبيهة بالأبدان؛ لأن هذا في الواقع عَمِلَ ببدنه الذي أُعْطِيَ الدابة، إي نعم. ()
***
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
آخر ما مَرّ علينا من أنواع الشركة شركة الأبدان، فما تعريفها؟
طالب: ().
[شركة المفاوضة]
الشيخ: الخامس من أنواع الشركة شركة الأملاك ولَّا العقود؟ شركة العقود، شركة المفاوَضة من فاوَض يُفَاوِض، أي: حصول التفويض من كل من الشريكين للآخر، ولهذا قال المؤلف: (أَنْ يُفَوِّضَ كُلُّ واحدٍ مِنْهُمَا إِلى صاحِبهِ كُلَّ تَصَرُّفٍ مَاليٍّ وبَدَنِيٍّ مِنْ أَنْواعِ الشَّرِكَةِ).
[ ١ / ٥٠٣٥ ]
شركة المفاوضة أن يجتمع اثنان يشتركان في مالَيْهِمَا، وكل واحد منهما يُفَوِّض إلى الآخر كل تصرف مالي أو بدني من أنواع الشركة، فيقول: الآن نحن شركاء، ولكل منا أن يضارب بماله لآخر، لكل منا أن يشترك ببدنه مع آخر، لكل واحد منا أن يأخذ مالًا من غيره مضاربَةً، لكل واحد منا أن يأخذ بوجهه ما يَكْفُلُه في مال الشركة.
كل أنواع الشركة السابقة وهي: المضاربة، والعِنَان، والأبدان، والوجوه، تدخل في شركة المفاوضة، إذن المفاوضة عبارة عن عقد شركة يجمع جميع الأنواع، فيقول: أنا مشترك في مالَيْنَا، فإذا عملنا في مالَيْنَا جميعًا فهي شركة أيش؟
طالب: مضاربة.
الشيخ: لا يا أخي.
طالب: عِنان.
الشيخ: عِنان، فهي شركة عنان، وإن أخذ أحدنا من شخص مالًا مضاربةً فأنا أكون شاركت غير المضاربة، يدخل الربح اللي حصل من المضاربة يدخل في الشركة، شركتنا، ويُضَمّ إلى ربحها.
عملت أنا مع غيري بالبدن، شاركت غيري بالبدن، يعني ذهبت أنا وإياه واحتطبنا مثلًا أو جنينا عسلًا، أو ما أشبه ذلك، فما حَصَّلْتُه يدخل في الشركة، المهم أن هذه الشركة عقد شامل لجميع أنواع الشركة فيما بيننا وفي تصرُّفِنَا مع غيرنا.
ولهذا قال: (كُلَّ تَصَرُّفٍ مَاليٍّ وبَدَنِيٍّ مِنْ أَنْواعِ الشَّرِكَةِ)، فهذا النوع الخامس هو أوسع الشركات، لكنه لا يخرج عن إطار أنواع الشركة، فيجمع عِنانًا، ويش بعد؟ مضاربة، وأبدانًا، ووجوهًا، كل الأنواع يشملها، وهذا في الغالب يحصل بين شريكين اتفقَا من أول الأمر كَوَّنَا رأس مال، واستمرَّا يعملان فيه، كما يوجد مثلًا في شركة الراجحي، والشركات الأخرى، ما يحضرني الآن عَدُّها، لكن هي معروفة، كل واحد من الشريكين مُفَوَّض يعمل ما شاء من أنواع الشركة.
قال المؤلف: (والرِّبْحُ عَلَى مَا شَرَطَاهُ)، الربح على ما شَرَطَاه؛ لقول النبي ﷺ: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ». (٤)
[ ١ / ٥٠٣٦ ]
(والوَضِيعَةُ بِقَدْرِ المَالِ)، ولا يمكن أن تكون على ما شَرَطَاه؛ لأنا ذكرنا أن القاعدة في الشركة أن الوضيعة على قدر المال، لا يمكن أن يكون على أحدهما خسارة أكثر من نسبة ماله، فإذا كان ماله بالنسبة إلى مال الشركة الربع، كان عليه من الخسران الربع فقط، لو جعلنا عليه أكثر لكان هذا حرامًا؛ لأنه يستلزم أكل المال بالباطل بغير عِوَض.
يقول المؤلف: (فَإِنْ أَدْخَلَا فِيهَا كَسْبًا أَوْ غَرامةً نَادِرَيْنِ، أَوْ مَا يَلزمُ أَحَدَهُمَا مِنْ ضَمانِ غَصْبٍ أَوْ نَحْوِهِ فَسَدَتْ)، ويش اللي يفسد؟ تفسد الشركة، ويكون لكل واحد منهما أجرة عمله فقط؛ لأن القاعدة: إذا فسدت الشركة في كل الأنواع فللعامل أجرة عمله، على المشهور من المذهب.
وسبق لنا أن القول الصحيح أن للعامل سهمَ مثلِه لا أجرة مثله؛ لأن هذا العامل يعمل على أنه شريك لا على أنه أجير، فنقول: إذا فسدت رجعنا إلى البدل والعِوَض وهو سهم المثل لا أجرة المثل.
نرجع الآن إلى كلام المؤلف: (إِنْ أَدْخَلَا فِيهَا كَسْبًا) كسبًا نادرًا، الكسب النادر مثل: أدخل فيها الميراث، فقال: في الشركة ما حصل لنا من ميراث فهو بيننا، فهو داخل في الشركة، هذا لا يجوز، لماذا؟ قالوا: لأنه يتضمن غَرَرًا كثيرًا وجهالة كثيرة.
قد يموت لأحدهما رجل يملك ملايين الدراهم، رأس مالهم كل واحد جاب مئة، يعني اشتركوا شركة المفاوضة في مئة، وقالوا: كل ما حصل لأحدنا من شيء من كسب، وكل ما حصل على أحدنا من غرامة فهو داخل في الشركة، هذا فيه غرر وجهالة.
مات لأحدهما رجل هو عاصبه، وخلَّف مئة مليون ريال، ويش يصير؟ هذا يعني أطاح بكل الشركة، لو يقعدون () بشركتهم يمكن مئة سنة ما حَصَّلوا مئة مليون ريال، ومع ذلك حَصَّلُوها بلحظة، نقول: هذا لا يصح.
[ ١ / ٥٠٣٧ ]
إذن الميراث يختص به أحدهما، الذي يرث له، ولا يدخل في الشركة، كذلك إذا أدخل فيها غرامة نادرة، يعني ما تتعلق بالعمل، مثل: قالوا: كل ما حصل على أحدنا من غرامة في الحادث فهو داخل في الشركة، هذا لا يجوز؛ لأنه ربما يحصل على أحدهما حادث يُجْحِف بكل مال الشركة، إذا قَدَّرْنا أن مال الشركة كله مئة ألف، وحصل حادث من أحدهما مات به رجل، ودية الرجل مئة ألف، إذن ذهب مال الشركة كله في هذا الحادث الذي حصل من أحدهما، فلا يجوز أن نجعل ما يَغْرَمُه الإنسان من الغرامات النادرة داخلًا في الشركة.
أما الكسب الذي ليس بنادر، والغرامة التي ليست بنادرة، فهي داخلة بالشركة بلا شك.
مثال الكسب الذي ليس بنادر كسب الإنسان من تحصيل شيء بسيط يحصل له، أو هبة يسيرة، أو هدية يسيرة كهدية الساعة والقلم والمسجِّل والراديو والأشياء البسيطة هذه، هذه لا بأس أن تُدْخَل في الشركة، أما الشيء النادر فلا يدخل في الشركة.
الغرامة التي ليست بنادرة مثل أن يحصل على أحدهما غرامة بسيطة بسبب عملٍ عَمِلَهُ غير متعلق بالشركة، وأما العمل المتعلِّق بالشركة فهذا وإن كان كثيرًا فهو داخل في الشركة.
فالحاصل أن الغُرْم الذي لا يتعلق بعمل الشركة، والكسب النادر الذي لا يتعلق بعمل الشركة، هذا لا يجوز إدخاله في الشركة.
وقال الشافعي وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري وجماعة من العلماء: إنه يجوز إدخال الكسب النادر في الشركة، ولا مانع، ما دام الشريكان قد رَضِيَا بذلك فما المانع؟ بأن يقول كل واحد منهما للآخر: ما حصل لنا من ميراث أو غيره فهو داخل في الشركة، فإنهم يقولون: إنه لا بأس بهذا.
[ ١ / ٥٠٣٨ ]
ولكن الذي يظهر لي أن المسألة تحتاج إلى تفصيل، فيقال فيها: ما كان داخلًا بغير فعل من الإنسان ولا اختيار فإنه ينبغي ألَّا يُدْخَل في الشركة؛ لأنه ليس له فيه عمل، وليس له فيه اختيار، مثل أيش؟ كالميراث، الميراث ليس من كسبي أنا ولا باختياري، فلا يدخل في الشركة؛ لأنني ما كسبته بعمل ولا إرادة، فهذا يبقى لصاحبه ولا يدخل في الشركة.
وما كان بكسب مني وعمل كالتقاطٍ وشبهه فهذا لا بأس أن نُدْخِلَه في الشركة، وإن كان نادرًا؛ لأن كون الإنسان يجد لقطة هو أمر نادر، لكنه يَتَمَلَّكُه باختياره ولَّا قهرًا عليه؟
طلبة: باختياره.
الشيخ: باختياره، مثال ذلك: أحد الشريكين وجد ذهبًا يساوي مئة ألف، وعَرَّفَه سنة، إذا عَرَّفَه سنة ولم يجد صاحبه يدخل في ملكه ولّا لا؟
طلبة: يدخل.
الشيخ: يدخل في ملكه، لكنه في الحقيقة حصل بفعله وباختيار منه؛ لأنه لو شاء لم يلتقط هذه اللقطة، والميراث لا يأتي فيه مثل ذلك، فهذا نقول: إنه يدخل في الشركة؛ لأنه من جنس الاحتشاش والاحتطاب والاصطياد وشبهه، دخل ملكه بفعله، ويش بعد؟ واختياره.
القسم الثالث: ما كان باختياره دون فعله، مثل أن يُوهَب له هبة، فهنا الهبة لا تدخل في ملكه إلا بقبولها، فهذه يحتمل أن نُلْحِقَها بالميراث، ويحتمل أن نُلْحِقَها بالالتقاط وشبهه، فليُنْظَر إلى أيهما أقرب، هل هي أقرب إلى الميراث، أو أقرب إلى ما ملكه بفعله واختياره؟
طالب: ().
[ ١ / ٥٠٣٩ ]
الشيخ: نعم، يحتمل، إنما إن قلنا بأنها أقرب إلى الأخير صح إدخالها في الشركة، ونقول: ما قَبِلَهُ أحدهما من هبة وأدخله في الشركة فلا بأس؛ لأن هذا دخل في الشركة باختياره كسبًا وتشريكًا، وإن قلنا: إنه يشبه الميراث؛ لأن هذا الموهوب له لم يعمل أي عمل، قلنا بأنه لا يجوز إدخال ذلك؛ لأن هنا جائز إذا أدخل فيها ما يُوهَب لأحدهما أن يأتي شخص ويَهَب له المال الكثير، فإذا قلنا: لا بد أن يدخل في الشركة ويكون صاحبك شريكًا لك فيه، فقد يُجْحِف به.
على كل حال أصل المسألة فيها للعلماء أيش؟
طلبة: قولان.
الشيخ: قولان، أحدهما: جواز إدخال الكسب النادر؛ لأن كل واحد منهما اختار ذلك، سواء كان هذا الكسب النادر بتَمَلُّكٍ قهري، أو بتملك اختياري، وسواء كان بفعل الإنسان أو بغير فعله.
والقول الثاني: أنه لا يجوز إدخال الأكساب النادرة، فإن أُدْخِلَ فيها الكسب النادر فسدت ولم تصح؛ لأن أصل الشركة مبنية على الاشتراك في أنواع الشركة الأربعة، لا في كل شيء، ولكن القول الراجح عندي كما أسلفت لكم: إن هذه الأكساب تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: أكساب قهرية لا إرادة للإنسان فيها ولا فعله، فهذه لا تدخل في الشركة، ولا يجوز اشتراط دخولها.
الثاني: ما يحصل بفعل من الإنسان وإرادة مثل الالتقاط؛ اللُّقَطَة يجدها الإنسان فيأخذها وينشدها سنة كاملة، ولا يوجَد صاحبها فتكون له.
القسم الثالث: ما أخذه بهبة ونحوها مما تملَّكَه بإرادته واختياره، فهذا مُتَرَدِّد بين القسمين؛ فإما أن نُلْحِقَه بالقسم الأول؛ الميراث، أو بالقسم الثاني؛ الالتقاط، هذا بالنسبة إذا أدخل فيها كسبًا نادرًا، ولكن لو قيل -على القول بالفساد-: إنه يفسد الشرط دون العقد، لو قيل بفساد الشرط دون العقد لكان له وجه، يعني رجلان اشتركَا شركة مفاوضة ..