ثم قال المؤلف: (باب الموصى به) الموصى به ذكرنا فيما سبق أنه إما مال يتبرع به وإما تصرف يتصرف فيه الموصى إليهم؛ فمن أوصى شخصًا بالنظر على أولاده الصغار فهذه وصية بماذا؟
طلبة: بالتصرف.
الشيخ: بالتصرف، ومن أوصى بمئة تُجْعَل في مسجد تصرَّف بمال. الموجود هنا الوصية بالمال.
قال: (تصح بما يُعْجَز عن تسليمه كآبق وطير في الهواء) (تصح الوصية بما يعجز عن تسليمه) أي بالذي، ويجوز أن تكون (ما) نكرة موصوفة أي بشيء يعجز عن تسليمه.
فـ (ما) هنا تصح أن تكون موصولة أو نكرة موصوفة؛ إن كانت موصولة فالتقدير بالذي يعجز عن تسليمه، وإن كانت نكرة موصوفة فالتقدير بشيء يعجز عن تسليمه. والمعنى لا يختلف.
(بما يعجز عن تسليمه كآبق) آبق هو العبد هرب من سيده؛ وعلى هذا نقول: (آبق) صفة لموصوف محذوف التقدير كعبد آبق.
فإذا كان شخص له عبد آبق فأوصى به لآخر قال: عبدي فلان -وهو آبق- أوصيت به لفلان فالوصية صحيحة، كيف يصح بعبد آبق لا ندري هل يأتي أو لا يأتي؟
نقول: لأن الوصية تبرع والموصى له فيها إما سالم وإما غانم، وهذا ليس بغرر إذا كان الأمر دائرًا بين السلامة والغنم فهذا ليس بغرر؛ الموصى له إن جاء العبد فقد غنم، وإن لم يأت فقد سلم ما جاءه شيء.
وربما يكون العبد هرب من سيده فإذا علم بأنه أوصى به لزيد حضر، أليس كذلك؟ ربما يكون سيده يؤذيه ويعذبه ويضربه ويوبخه فهرب فلما مات أوصى به لشخص معروف بالكرم والسماحة والعبادة والعلم، فلما علم العبد قال: هذا ما أريد؛ حضر، استفاد الموصى له ولَّا لا؟
وتصح أيضًا بـ (طير في الهواء)، كيف طير في الهواء؟ مثل أيش؟ حمام. إنسان له حمام طائر تطير في الهواء فقال: أوصيت بحمامي التي تطير لزيد يجوز؟ يجوز، والعلة ما سبق أنه إما سالم وإما غانم.
[ ١ / ٥٧٣٢ ]
هل تصح بالجمل الشارد؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم تصح. بالشاة الضالة؟ نعم.
المهم تصح بالذي يعجز عن تسليمه والذي يقدر عليه؛ لأن الموصى له إما غانم وإما سالم وليس عليه ضرر.
(وبالمعدوم) هذا أبلغ، تصح بالشيء المعدوم مثل (كبما يحمل حيوانه وشجرته أبدًا أو مدة معينة) هاه كيف؟
طالب: ().
الشيخ: إي (كبما) يعني: أوصى له بما تحمل () حيوان قال: أوصيت لفلان بما تحمل بعيري، بعيره الآن لم تحمل بعد، يصح؟
طلبة: ().
الشيخ: قال: أوصيت لفلان بما تحمل بعيري، يصح؟
طلبة: يصح.
الشيخ: إي نعم بما يحمل حيواني، وهي الآن ما حملت.
طلبة: ().
الشيخ: الله أكبر، أنتم أخذتم أنها لا تصح بالحمل إلا إذا تحقق وجوده قبله، وبينتُ لكم أثناء شرحي أن المراد بذلك الحمل المعين، وأما الحمل الذي يقصد به النماء فإن ذلك لا بأس به ألم تذكروا هذا؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: إذن فرق بين أن يقول: أوصيت له بحمل هذه الناقة اللي في بطنها ويتبين أن بطنها ليس فيه شيء هذا لا تصح، وبين أن يقول: أوصيت له بما تحمل هذه الناقة على سبيل أنه نماء فهذا يصح.
طيب وكذلك في الشجرة أوصيت بفلان بما تحمل نخلتي هذه يصح؟ يصح كل سنة يكون حملها لمن؟ للموصى له.
***
طالب: () على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال رحمه الله تعالى: وبالمعدوم كبما يحمل حيوانه وشجرته أبدا أو مدة معينة فإن لم يحصل منه شيء بطلت الوصية وتصح بكلب صيد ونحوه وبزيت متنجس وله ثلثهما ولو كثر المال إن لم تجز الورثة وتصح بمجهول كعبد وشاة ويعطى ما يقع عليه الاسم العرفي، وإن أوصى بثلثه فاستحدث مالا ولو دية دخل في الوصية ومن أوصي له بمعين فتلف بطلت، وإن تلف المال غيره فهو للموصى له إن خرج من ثلث المال الحاصل للورثة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
() لو أن شخصًا له جمل شارد فأوصى به لآخر ما تقول؟
[ ١ / ٥٧٣٣ ]
طالب: هذا لم يملكه.
الشيخ: لا، ملكه جمله شرد.
الطالب: ليس بحوزته الآن.
الشيخ: ليس بحوزته، أوصى به لشخص هل يجوز أو لا؟
طالب: جائز.
الشيخ: يجوز؛ يمكن الموصى له ما يحصله؟
الطالب: ().
الشيخ: الموصى له قد لا يحصله.
طالب: الوصية ().
الشيخ: حتى وإن لم يحصل الموصى له؛ يضره شيء؛ إن حصله فقد اكتسب خيرًا، وإن لم يحصله لم يكن عليه ضرر.
لو باع هذا الجمل الشارد، لو باعه.
طالب: من اللي باعه؟
الشيخ: صاحبه؛ رجل له جمل شارد () إنسان فقال: ().
الطالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، لماذا؟
الطالب: لأنه ().
الشيخ: غير قادر عليه؛ صاحبه غير قادر على تسليمه الآن، ومن شروط صحة البيع أن يكون المبيع مقدورًا على تسليمه، وهذا الذي اشترى الجمل الشارد هل سيشتريه بقيمته أو بأقل؟
طلبة: بأقل.
الشيخ: بأقل؛ يعني: إذا كان الجمل لو كان بين أيدينا يسوى ألفًا سيشتريه بكم بخمس مئة؟
طيب إذا اشتراه بخمس مئة إن وجده صار غانمًا () صاحب الجمل، وإن لم يجده صار غارمًا والغانم صاحب الجمل.
إذن هذا ما يصح؛ لأن كل معاملة تدور بين الغُنْم والغرم فهي من الميسر، بخلاف التبرع؛ إذا أوصى له بجمل شارد فهو إن وجده غانم وإن لم يجده سالم ما عليه شيء ().
هل يجوز أن يوصي له بما تحمل أمته؟
طالب: يجوز، إذا تحقق وجود الحمل.
الشيخ: إذا تحقق وجود الحمل كذا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: طيب الأخ؟
طالب: يجوز -يا شيخ- مطلقًا.
الشيخ: يجوز مطلقًا.
الطالب: لأنه قصد النماء، ما قصد حملًا معين.
الشيخ: يعني: ليس حملًا معينًا فقصده النماء، متأكد؟ عندنا الآن قولان؛ قول بالجواز وقول بالمنع.
طالب: ().
الشيخ: لا بما تحمل. هذا لفظ السؤال؟
الطالب: ().
الشيخ: تؤيد مَن؟ إنه يجوز؟
الطالب: ().
الشيخ: صح، فهمت؟ أما لو أوصى بحمل معين؛ أوصيت بحملها؛ بما في بطن هذه البهيمة وتبين أنه ليس في بطنها شيء فالوصية باطلة.
[ ١ / ٥٧٣٤ ]
رجل أوصى لشخص بما تحمل نخلته لمدة عامين؟
طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز.
طالب: إي نعم؛ لأنه يقصد النماء ولم يعين، وإن عين فلا بد من وجودها.
الشيخ: إن عين فلا بد أن يكون الحمل موجودًا أن يكون الثمرة موجدة.
إذن يفرق بين النماء بين ما قصد به النماء وبين الشيء المعين.
***
قال المؤلف ﵀: (فإن لم يحصل منه شيء بطلت الوصية) (إن لم يحصل منه شيء) منين؟ من الحيوان والشجرة.
قال: أوصيت لزيد بما تحمل به هذه البقرة لمدة ثلاث سنوات، البقرة تحمل كل سنة بولد، مضت ثلاث سنوات ما حملت ماذا نقول في الوصية؟
طلبة: بطلت.
الشيخ: بطلت الوصية، لكن لو قال الموصى له للورثة: البقرة تحمل كل سنة مرة فأعطوني ثلاث أبقار صغيرة ولَّا أعطوني الأم بدلها ولَّا بيعوا الأم وأعطوني نصف قيمتها.
طلبة: ليس له شيء.
الشيخ: ليس له شيء؛ لأنه عيَّن له ما تحمل فلم تحمل فتبطل الوصية.
كذلك أيضًا لو قال: أوصيت لفلان بثمرة هذا النخل لمدة ثلاث سنوات صح، الوصية صحيحة ولَّا غير صحيحة؟
طيب هذا النخل لم يحمل شيئًا هذه المدة تبطل الوصية.
طيب حمل شيئًا لكن فسد.
طلبة: ().
الشيخ: يأخذه فاسدًا.
لو فرض أن هذا الحمل الذي حمل النخل صار حشفًا نقول: خذه حشفًا فإن قال الموصى له للورثة قال النبي ﷺ «إِذَا بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا» (٦).
يقولون له: هذا ليس ببيع؛ نحن ما ضمنا لك سلامة الثمر؛ إن سلم الثمر فهو من نعمة الله عليك وهو لك، وإن لم يسلم فهو أيضًا من نعمة الله عليك؛ لأن الله يبلوك بالشر والخير وليس لك إلا هذا الثمر.
قال: (وتصح بكلب صيد ونحوه) تصح الوصية بكلب صيد مع أن كلب الصيد ليس بمال، لكنه قد أُذِنَ بالانتفاع به.
[ ١ / ٥٧٣٥ ]
وكلب الصيد هو الكلب الذي يصيد، والكلاب منها كلاب ذكية تتعلم الصيد ومنها كلاب غير ذكية ما تتعلم. الكلاب المعلمة يجوز اقتناؤها للصيد فهذا رجل عنده كلب صيد أوصى به لشخص بعد موته يجوز؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: مع أن الكلب لا يجوز بيعه وإن كان مُعَلَّمًا، لكن تجوز الوصية به؛ لأن باب التبرع أوسع من باب المعاوضة.
وقوله: (صيد ونحوه).
وتَصِحُّ بكلبِ صَيْدٍ ونحوِه، وبزَيْتٍ مُتَنَجِّسٍ وله ثُلُثُهما ولو كَثُرَ المالُ إن لم تُجِزِ الوَرَثَةُ، وتَصِحُّ بمجهولٍ كعَبدٍ وشاةٍ، ويُعْطَى ما يَقَعُ عليه الاسمُ العُرْفِيُّ، وإذا أَوْصَى بثُلثِه فاستُحْدِثَ مالًا ولو دِيَةً دَخلَ في الوَصِيَّةِ. ومَن أَوْصَى له بِمُعَيَّنٍ فتَلِفَ بَطَلَتْ. وإن أَتْلَفَ المالَ غيرُه فهو للمُوصَى له إن خَرَجَ من ثُلُثِ المالِ الحاصلِ للوَرثةِ.