أولاد البنات فإنهم يدخلون.
قال: (كما لو قال: على ولد ولده وذريته لصلبه) يعني كما لو قال: على ولد ولده، قال: هذا وقْف، ما هو على ولدي، على ولد ولدي، من يدخل؟ أولاد البنين فقط (على ولد ولده)، فإنه يدخل أولاد البنين دون أولاد البنات، ولكن الصحيح إذا قال: على ولد ولدي فإنه يدخل أولاد البنين وأولاد البنات دون أولاد بنات البنات؛ لأنه قال: على ولد ولدي، كلمة ولدي الثانية تشمل الذكور والإناث، وولد الأولى تشمل أيضًا الذكور والإناث، فإذا قال: هذا وقْف على ولد ولدي.
[ ١ / ٥٥٨٠ ]
نقول: طيب، كلمة ولد في اللغة العربية تُطلق على الذكور والإناث، وأنت قلت: ولد ولدي، ولدي الثانية أي البنين والبنات، فإذا قال ولد ولدي كأنما قال: ولد بَنِيَّ وولد، لكن أولاد بنات البنات هؤلاء لا يدخلون، لماذا؟ لأن أولاد البنات لا يدخلون في مسمى الأولاد وهذا قال: أولاد أولادي.
شوف ولد ولدي، الرجل ما قال: على ولدي إطلاقًا، قال: هذا وقف على ولد ولدي، ولده من يعني؟ بنوه وبناته كذا ولَّا لا؟
وهو قال: ولد ولدي، الكلمة هذه بمنزلة ولد بَنِيَّ، وولد بناتي، إذن يدخلون، أول بطن يدخلون لا شك في هذا. البطن الثاني لا يدخل ولد البنات، يعني الآن ولد الولد فيهم ذكور وإناث، أولاد البنات من ولد الولد لا يدخلون، لماذا؟ لأنهم لا يُنسبون إلى أجدادهم. فلا يدخلون كما لو قال: على ولدي نقول: يشمل الذكور والإناث، لكن ولد الولد لا يدخل ولد البنات، هذا أولاد أولادي يشمل أولاد الأولاد من بنين وبنات، وأما أولاد أولاد الأولاد فإن الإناث يعني أولاد البنات لا يدخلون.
وقال المؤلف: (وذريته لصلبه) يعني كما لو قال: وقْف على ذريتي لصلبي، إذا قال: وقف على ذريتي لصلبي فإن أولاد البنات لا يدخلون؛ لأن أولاد البنات ليسوا ذرية لصلبه، بل هم ذرية لبطنه.
الولد يكون في بطن الأنثى وفي صلب الرجل، فإذا قال: ذريتي لصلبي صار اللي يدخل في الوقف من يُنسبون إليه عن طريق الذكور لا من يُنسبون إليه عن طريق البنات، لماذا؟
لأن من يُنسب إليه عن طريق البنات لا يُنسب إليه لصلبه، يُنسب إليه نسبة بطن، الولد يكون في بطن الأنثى، فإذا قال: لذريتي لصلبي لم يدخل أولاد البنات.
[ ١ / ٥٥٨١ ]
وظاهر كلام المؤلف أنه لو قال: لذريتي ولم يقل: لصلبي فإنه يدخل أولاد البنات، وعلى هذا يُفرَّق بين قوله: هذا وقْف على ذريتي، أو هذا وقف على ولدي، إذا قال: على ولدي؛ لا يدخل أولاد البنات، إذا قال: على ذريتي؛ دخل أولاد البنات، ولعل من أدلة هذا القول أن الله تعالى قال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى﴾ [الأنعام: ٨٤، ٨٥] فجعلهم من ذرية إبراهيم، فإذا قال: على ذريتي، ولم يقيدها؛ دخل فيها أولاد البنات، فكان الوقف على الذرية له صيغتان: الصيغة الأولى: أن يقول: هذا وقف على ذريتي لصلبي، فمن يدخل؟ أولاده وأولاد بنيه دون أولاد بناته، ليش؟
طالب: ().
الشيخ: قيدها بالصلب قال: لصلبي وأولاد بناته ليسوا من ذريته لصلبه، بل من ذريته للبطن، ما هو لبطنه أيضًا.
أما لو قال: وقْف على ذريتي فقط، فظاهر كلام المؤلف أن أولاد البنات يدخلون، وهذا أحد القولين في المسألة أنه إذا قال: لذريتي، وأطلق فإن أولاد البنات يدخلون؛ لأنه لا يخرج أولاد البنات إلا إذا قال: ذريتي لصلبي، ويأتي إن شاء الله بيان التحقيق فيها.
(ولو قال: على بنيه، أو بني فلان اختص بذكورهم إلا أن يكونوا قبيلة فيدخل فيه النساء دون أولادهن من غيرهم). لو قال: هذا وقْف على بَنِيَّ، شوف بَنِيَّ، وله بنون وبنات من يدخل؟
[ ١ / ٥٥٨٢ ]
يدخل الذكور فقط، يعني البنون فقط؛ لأنه قال: بَنِيَّ. لو قال: على بني فلان، بني زيد، من يدخل؟ الذكور فقط إلا إذا كانوا قبيلة دخل النساء مع الرجال مثل أن يقول: هذا وقْف على بني تميم، بنو تميم قبيلة من أكبر قبائل العرب، فيدخل فيها النساء والرجال، ودليل ذلك في القرآن: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ٢٦] يشمل الرجال والنساء. ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ٤٠] يشمل الرجال والنساء، قال النبي ﵊: «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ» (١). يشمل الرجال والنساء، فإذا كانوا قبيلة شمل الجميع إذا قال: بني فلان.
لو كان هناك رجل يسمى تميمًا فقال: هذا وقْف على بني تميم هذا؟
طالب: يشمل الرجال فيهم.
الشيخ: هذا ليس قبيلة، من يكون له؟
طلبة: للرجال.
الشيخ: للذكور فقط، ما هو للرجال، للذكور فقط وليس للرجال.
طلبة: ().
الشيخ: نعم، وليس للرجال فقط، للذكور وليس للرجال فقط؛ لأن الرجل هو البالغ ولو قلت: للرجال خرج الصغار.
المؤلف ﵀ يقول: إذا قال: وقف على بنيه أو بني فلان دخل فيه النساء دون أولادهن من غيرهم، ظاهر كلامه ﵀ أن هذا جائز، أن يُوقِف على بنيه دون بناته، لكن هذا فيه نظر فإنه لا يجوز أن يُوقِف على البنين دون البنات؛ لأنه إذا أوْقَف على البنين دون البنات صار جورًا، والجور حرام، ودليل ذلك حديث بشير بن سعد الأنصاري حيث نحل ابنه النعمان نحلة يعني أعطاه عطية، فقالت أمه أم النعمان: أنا لا أرضى حتى تُشهِد النبي ﷺ وكأنها ﵂ صار في نفسها شيء، فذهب إلى النبي ﷺ يُشهِده وقال: إني نحلت ابني النعمان كذا وكذا قال له النبي ﷺ: «هَلْ فَعَلْتَ هَذَا بِوَلَدِكَ كُلِّهِمْ؟» قال: لا. قال «أَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي؛ فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ» ثم قال: «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» (٢).
[ ١ / ٥٥٨٣ ]
فإذا وقَّف على بنيه دون بناته فهل هذا جور؟ جور لا شك، إنسان وقَّف على بنيه عمارة تريع بالسنة مليونين، وبناته ما أعطاها شيئًا، هذا حرام بلا شك، وهو من الجور الذي تبرأ النبي ﷺ منه وقال: «أَنَا لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ».
وأما من أجاز ذلك وقال: إن هذا ليس عطية تامة؛ لأن الوَقْف لا يتصرف فيه الموقوف عليه لا ببيع ولا شراء. نقول: ولكن الموقوف عليه ينتفع بِغلَّته، وهذا تفضيل بلا شك.
فالمهم أن القول الصحيح أنه لا يجوز أن يُوقِف على بنيه دون بناته، وأنه لو فعل فالوقف باطل؛ لأنه مخالف لشرع الله، وما خالف شرع الله فهو باطل. لو وقَّف على بني فلان دون بنات فلان؟
طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ما عدل بينهم.
طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز عليه العدل؛ لأنهم ليسوا أبناءه وبناته، أبناء شخص آخر، وهذا بالإجماع، يعني يجوز أن أعطي واحدًا من أبناء فلان دون بقية الأبناء، أو أعطي لأبناء فلان دون البنات، يعني لا يجب عليه العدل بينهم.
قال: (وإن وقَّف علي بنيه أو بني فلان اختص بذكورهم إلا أن يكونوا قبيلة فيدخل فيه النساء دون أولادهن من غيرهم) هذا بعد مسألة ثانية.
(يدخل فيه النساء دون أولادهن من غيرهم) أي من غير هذه القبيلة، فلو قال: هذا وقْف على بني تميم، يعطي الرجال والنساء أو لا؟ .
طالب: ().
الشيخ: تزوجت امرأة من بني تميم برجل من بني هاشم، وجاءها أولاد منه، هل يعطون من الوقف على بني تميم ولَّا لا؟
طلبة: لا يعطون.
الشيخ: ليش؟
طلبة: لا ينتسبون إلى بني تميم.
الشيخ: لأنهم لا ينتسبون إلى بني تميم، ينتسبون إلى بني هاشم.
لو تزوج امرأة من بني تميم ابنُ عم لها فجاء بأولاد يُعطون من الوقف؟
طالب: يعطون.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأنهم ينتسبون إليهم.
الشيخ: لأنهم من بني تميم، ينسبون إلى بني تميم؛ ولهذا قال المؤلف: (دون أولادهن من غيرهم).
[ ١ / ٥٥٨٤ ]
ثم قال: (والقرابة، وأهل بيته، وقومه، يشمل الذكر والأنثى من أولاده، وأولاد أبيه، وجده، وجد أبيه).
القرابة إذا قال: هذا وقْف على قرابتي فإنه يشمل الذكر والأنثى من الفروع إلى يوم القيامة، ومن الأصول إلى الجد الرابع فقط.
من الفروع إلى أي؟
طالب: إلى يوم القيامة.
الشيخ: إلى يوم القيامة، من الأصول إلى الجد الرابع، مثال ذلك: قال رجل: هذا وقف على قرابتي، وله أولاد، وله أب، وجد، وأبو جد، وأولاد؛ ابن، وابن ابن، وابن ابن ابن، كم الجميع؟
طلبة: ستة.
الشيخ: ستة، هذا الذي وقف على قرابته، كيف نُوزِّع الوقف على هؤلاء الستة؟
طلبة: الأقرب فالأقرب.
الشيخ: الأقرب فالأقرب؟ لا.
طلبة: بالسوية.
الشيخ: بالسوية؛ لأنه قال: على قرابتي، ولم يقل: الأقرب، فالأقرب قرابتي، وهؤلاء كلهم قرابته. إذا كان له أبناء عم يجتمعون معه في الجد السادس؟
طلبة: ما يدخلون.
الشيخ: ما يدخلون؛ لأنه يشمل إلى جد أبيه فقط، وجد أبيه كم هو؟ أب، جد، جد أب. من أولاده وأولاد أبيه وجده وجد أبيه، الثالث؟
طلبة: ().
الشيخ: من أولاده -هلم إلى المعنى- أولاد أبيه، هذا الأب، وجده، هذا الجد، وجد أبيه، هذا الجد، كم؟
طالب: ().
الشيخ: الثالث.
طالب: أولاد أبيه.
الشيخ: كيف؟
الطالب: أولاد أبيه.
الشيخ: لا، من أولاده، وأولاد أبيه، وجده، وجد أبيه، الثالث إي نعم، والله أعلم.
طالب: بالنسبة للوقف لو على أبنائه للذكور دون الإناث قلنا: هذا جور وباطل، نوزع الوقف عليهم؟
الشيخ: لا، نبطله أصلًا.
الطالب: لكنه أخرجه من ماله، أوقفه، كيف نبطله؟
الشيخ: ما صح، مثل لو وقَّف على الأغنياء ما صح.
طالب: قول النبي ﷺ: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِي فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» (٣). فنحن نقول: لو كان دون البلوغ ().
الشيخ: كيف يعني؟
الطالب: يعني لو أوقف على من يختص بذكرهم، ولم نقل ().
الشيخ: ويش الإشكال في الحديث؟
الطالب: ().
[ ١ / ٥٥٨٥ ]
الشيخ: نعم، صح لأجل يشمل من دون البلوغ.
الطالب: والحديث هذا يعم البلوغ ودون البلوغ.
الشيخ: يعم البلوغ؟
الطالب: ما فوق البلوغ ودونه.
الشيخ: يعني كلمة رجل، ويش تقولون يا جماعة؟
طالب: أيش الإشكال؟
الشيخ: الإشكال يقولون: إنه قلتم: إن الرجل من كان بالغًا، وقول الرسول: «فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» (٣) يشمل البالغ وغير البالغ.
طالب: الذكر اللي هو مقابل الأنثى.
الشيخ: كلمة ذكر تكفي، كأنما يقول: إما أن تجعلوا كلمة (رجل) للصغير والكبير، وإما أن تقولوا: فلأولى رجل ذكر، بس هذا يشمل الصغير والكبير.
طالب: ().
الشيخ: إي، لكن الصحيح ليس كلمة رجل.
الطالب: فيه التفصيل، () وعندي شخص، وأقول: الرجل ها ذاك، شوف الرجل ها ذاك.
الشيخ: ما يصير رجلًا.
الطالب: ما يصير رجلًا ().
الشيخ: نعم، الحكمة من ذِكر الرجل في الحديث الإشارة إلى تخصيصه بالتعصيب، هذه الحكمة، وإلا لكانت كلمة ذكر تغني عن رجل؛ لأن كل رجل ذكر، وليس كل ذكر رجل، فإذا أتينا بالعام شمل.
فالآن الحديث كلامنا ما فيه شيء، الحديث ما يعارض كلامنا، لكن الحديث ربما يقول قائل: ما الحكمة في أن الرسول ﷺ قال: «فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» (٣). لماذا لم يقل: فلأولى ذكر؟
فالجواب على هذا أن نقول: إن الرسول ذكر الرجل إشارة إلى سبب أحقيته بالتعصيب وهو الرجولة؛ لأن الرجل عليه من الحقوق ما ليس على المرأة: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤].
طالب: ().
الشيخ: إي، لكن كلمة ذَكَر تغني.
الطالب: لا، بس في الحديث.
الشيخ: إي، في الحديث لو قال: فلأولى رجل ذكر كفى عن رجل، وصار عاصبًا بنفسه.
الطالب: بس هو يقول: قال: رجل؛ لأنه عاصِب.
الشيخ: لا، هو يقول: ليش يُقال: رجل؟
الطالب: ().
[ ١ / ٥٥٨٦ ]
الشيخ: نفس الشيء؛ لأن الآن كلمة رجل أخص من ذكر، وهو لو ذكر الأعم وقال: فلأولى رجل ذكر لكفت.
الطالب: () عصبة بنفسه ()؟
الشيخ: لا، ما هو هذا، ولا يمكن يجتمع عصبة بنفسه وعصبة بغيره، ما يمكن.
الطالب: هي وأخواتها.
الشيخ: أخوات عاصبات بغيرهن، لكن هو ما هو عاصب، يعني معناه أنه ما يرث، أنت قصدك يجتمع وإن لم يرث؟
الطالب: نعم.
الشيخ: غير صحيح.
طالب: ذرية الرجل تكون في أولاده وأولاد أولاده إلى يوم القيامة.
الشيخ: إي نعم، قال الله تعالى في نوح: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧]، أو لا؟ وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ [مريم: ٥٨].
طالب: ().
الشيخ: أنت منهم يا .. أنت من ذرية نوح عرفت؟ هل يصح أن أسميك يا بن نوح؟
الطالب: ().
الشيخ: ولهذا يقال: إن نوحًا ﵊ هو الأب الثاني للبشرية؛ لأن الله قال: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧].
طالب: ().
الشيخ: سيأتينا إن شاء الله الدليل، ما كملنا.
طالب: لو أن إنسانًا عنده ستة أبناء من ذكور وإناث ثلاثة ذكور ..
الشيخ: إذن ما يصح أن تقول: ستة أبناء.
الطالب: أولاد، ثلاثة ذكور، وثلاث إناث، وكانت عنده عمارتان، جعل الأولى وقفًا للبنين والثانية وقفًا للبنات، وكانت الأولى دخلها أكبر من الثانية، فهل هذا يعتبر جورًا؟
الشيخ: إي نعم، هذا ما يجوز؛ لأن الوقف -كما قلنا- لازم يستوي الذكر والأنثى ()
***
طالب: وإلا جاز التفضيل والاقتصار على أحدهم.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
إذا قال رجل في وقفه: هذا وقْف على ذريتي لصلبي.
طالب: يدخل أبناء الرجال دون ..
الشيخ: يدخل أولاده.
الطالب: أولاد الرجال.
الشيخ: يدخل أولاده.
[ ١ / ٥٥٨٧ ]
الطالب: أولاده من الأبناء والبنات، أما أبناء البنات فلا يدخلون؛ لأنهم ليسوا من ذريته لصلبه.
الشيخ: وبنات البنات؟
الطالب: وكذلك البنات؛ يعني ذرية البنات لا يدخلون من ضمن ..
الشيخ: ذريته لصلبه.
الطالب: ذريته لصلبه.
الشيخ: إذا وقَّف على بني فلان؟
طالب: يشمل النساء والرجال، مثل لو قال: أوقفت على بني تميم، فهو يشمل النساء والرجال.
الشيخ: كيف هذا؟ قال: هذا وقْف على بني فلان، بس وجاء يسألنا؟
الطالب: نعم، يشمل الرجال والنساء، ولكن لا يشمل البنات الذين تزوجوا من بني هاشم.
طالب آخر: يدخل في الذكور فقط إلا إذا أراد القبيلة.
الشيخ: يختص بالذكور إلا إذا كانوا؟
الطالب: يريد القبيلة.
الشيخ: كيف يريد القبيلة؟
الآن لو يقول: هذا وقْف على بني أحمد بن بقور، وقلت: أنا أريد القبيلة، تصير أنت القبيلة؟ ! إذن صحِّح العبارة، إلا أن يريد قبيلة ما!
الطالب: إذا قال: قبيلة.
الشيخ: أجب جواب من أول، إذا قال: وقْف على بني فلان.
طالب: يدخل فيهم الذكور.
الشيخ: خطأ.
الطالب: إذا قال: هذا وقف على بني فلان.
الشيخ: على بني فلان.
الطالب: يتوقف على الذكور.
الشيخ: كيف؟ هو جاء يسأل يقول: أنا والله وجدت وثيقة، وهذا وقْف على بني فلان، جاء يسألك ويش تقول؟
الطالب: يدخل في هذا الذكور.
الشيخ: خطأ.
طالب: إن كان يقصد بذلك أبناء شخص معين فإنه لا يدخل إلا الذكور، وأما إن كان يقصد ببني فلان يعني قبيلة فإنه يشمل الذكر والأنثى.
الشيخ: إذن فيه، نسأل نقول: هل بنو فلان قبيلة؟ فهو للذكور والإناث، هل بنو فلان فرد من أفراد الناس؟ فإنه يختص بالذكور.
ولاحظوا أن الأخ يقول: يدخل فيه الذكور، والعبارة هذه غير صحيحة؛ لأن قولك: يدخل فيه الذكور معناه أن الإناث داخلون من الأصل، فما هو العبارة الصحيحة؟
طالب: يختص.
الشيخ: يختص بالذكور.
إذا كان على قبيلة شمل الذكور والإناث، هل يشمل أولاد الذكور والإناث؟
[ ١ / ٥٥٨٨ ]
طالب: نعم، يشمل إلا إذا كان أولاد الإناث ليسوا من هذه القبيلة.
الشيخ: أحسنت، يشمل أولاد الذكور والإناث إلا إذا كان أولاد الإناث من غير هذه القبيلة، مثاله؟
الطالب: مثاله: إذا تزوجت يعني مثلًا إذا كان عندنا على قبيلة.
الشيخ: إذا قال: هذا وقْف على بني تميم.
الطالب: على بني تميم، وكانت فيهم امرأة تزوجت من بني هاشم، فأولادها ليسوا داخلين في الوقف.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأنهم ليسوا من بني تميم.
الشيخ: أحسنت، صحيح يا جماعة؟
طلبة: نعم، صحيح.
الشيخ: قال المؤلف ﵀: (والقرابة وأهل بيته وقومه) يعني إذا قال: هذا وقْف على قرابتي، فمن القرابة؟ هل هم القرابة من قِبل الأم ومن قِبل الأب، أو من قبل الأب فقط؟ وإذا قلنا: من قبل الأب فهل هم كل قريب من قِبل الأب وإن بعد، أو له حد؟
فهذه أربعة أشياء أولًا: هل يشمل القرابة من جهة أبيه وأمه أو لا؟
يقول المؤلف ﵀: (شمل الذكر والأنثى من أولاده وأولاد أبيه وجده وجد أبيه) فيشمل أربعة: أولاده، وأولاد أبيه، وأولاد جده، وأولاد جد أبيه، أربعة فقط من القرابة.
أولاده الذكور والإناث، ولو بعدوا، أولاد أبيه من هم؟
طالب: إخوانه.
الشيخ: إخوانه، وأبناء إخوانه، وإن نزلوا، أولاد جده: أعمامه، وأبناء أعمامه وإن نزلوا، أولاد جد أبيه: أعمام أبيه، وأبناؤهم وإن نزلوا، فيشمل أربعة: فروعه، وفروع أبيه، وفروع جده، وفروع جد أبيه، هؤلاء هم القرابة، لكن إذا علمنا بقرينة الحال أو بقرينة اللفظ أنه أراد بالقرابة قرابة أبيه وأمه شمل قرابة الأم.
ولنضرب لهذا مثلًا رجل قال: هذا وقْف على قرابتي وله ابن عم جد، وله أخ من أم، فلمن الوقْف؟
الوقف لابن عم الجد وليس للأخ من الأم؛ لأن الأخ من الأم ليس من أولاده، ولا أولاد أبيه، ولا أولاد جده، ولا أولاد جد أبيه، صح ولَّا لا؟
طلبة: صح.
[ ١ / ٥٥٨٩ ]
الشيخ: لكن قد يكون هناك قرينة تدل على أنه أراد أخاه من أمه، فإذا وُجِدت قرينة تدل على ذلك فإنه يُعمل بها مثل أن قال: هذا وقْف على قرابتي ولا يُعطى أولاد أخي من أمي، فهل يدخل الأخ من الأم هنا؟
طالب: نعم.
الشيخ: يا إخوان، وين أنتم؟
طالب: لا يدخل.
الشيخ: يقول: هذا وقْف على قرابتي، ولا يُعطَى أولاد أخي من أمي.
طالب: لا يُعطى.
الشيخ: يُعطى الأخ من الأم؟
طلبة: لا يُعطى.
الشيخ: ليش؟
طلبة: وجدت قرينة.
الشيخ: ويش القرينة؟
طلبة: لأنه نص على ألا يدخل.
الشيخ: لأنه نفى أولاده، أولاد الأخ، فهذه قرينة تدل على أنه أراد دخول الأخ من الأم في القرابة، وإلا فالأصل أن كل من جاؤوا من قِبل الأم حتى الإخوة من الأم ليس لهم حق فيما إذا قال: هذا وقف على قرابتي.
إذا دل الدليل الصريح على أنه أراده مثل قال: هذا وقْف على قرابتي من قِبل الأب، ومن قِبل الأم، ما تقولون؟
طالب: يدخل.
الشيخ: يدخل الإخوة من الأم، ويدخل الأخوال، والأجداد من قِبل الأم، وأخوال الأم، كل قرابة من قِبل الأم إلى الجد الثالث؛ لأن من فوق الجد الثالث إذا كانوا لا يدخلون في قرابة الأب فإنهم لا يدخلون في قرابة الأم.
أهل بيته يشمل أيضًا أربعة بطون: أولاده، وأولاد أبيه، وأولاد جده، وأولاد جد أبيه.
أهل بيته هل يشمل زوجاته؟
طالب: لا يشمل.
[ ١ / ٥٥٩٠ ]
الشيخ: على كلام المؤلف لا يشمل أهل البيت ما يدخل فيه الزوجات، ولكن هذا فيه خلاف بين العلماء؛ فمنهم من قال: إن الزوجات أول من يدخل في أهل البيت؛ لقول الله تعالى في نساء النبي ﷺ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]؛ ولأن هذا هو المعلوم عرفًا، فإن الرجل يقول: سأذهب إلى أهلي، وليس في البيت إلا زوجته، والنبي ﷺ قال: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي» (٤). فالزوجات لا شك أنهن داخلات في أهل البيت.
قومه يشمل أربعة بطون فقط مَنْ؟ أولاده، وأولاد أبيه، وأولاد جده، وأولاد جد أبيه، إذا قال: قومي، هذا وقْف على قومي، وعلى هذا فمن يشترك معه في الجد الرابع له حق ولَّا لا؟
طالب: ليس له حق.
[ ١ / ٥٥٩١ ]
الشيخ: ليس له حق، وهذه أيضًا فيها شيء من النظر؛ لأنه ينبغي أن يقال: إن المراد بالقوم القبيلة مع أن القوم قد تطلق على ما هو أعم، أحيانًا يريد الناس بالقوم أهل البلد كافة، يقال مثلًا: ليش أنت تدافع عن أهل البلد الفلاني؟ قال: لأنهم قومي. ليش تدافع عن أهل الرياض؟ قال: لأنهم قومي. ليش تدافع عن أهل مكة؟ قال: لأنهم قومي. ليش تدافع عن أهل المدينة؟ لأنهم قومي، ليش تدافع عن أهل العنيزة؟ لأنهم قومي، دائمًا يقال هكذا، فيُراد بالقوم أهل البلد، وعلى هذا فإذا كان للقوم معنى مطرد عرفًا لا ينصرف الإطلاق إلا إليه وجب أن يتبع؛ لأن القول الراجح في ألفاظ الواقفين والبائعين والراهنين وغير ذلك القول الراجح أن المرجع في ذلك إلى العرف مقدم على اللغة كما قالوا ذلك في الأيمان، الأيمان قالوا: مرجعها إلى النية إذا احتملها اللفظ، ثم ذكروا السبب، ثم ما يتناوله الاسم، وقدَّموا العرف على اللغة، فكذلك بقية الألفاظ يُقدَّم فيها المدلول العرفي على المدلول اللغوي.
قال المؤلف ﵀: (وإن وُجِدت قرينة تقتضي إرادة الإناث أو حرمانهن عُمِل بها) هذه قاعدة مفيدة في هذا الباب، فإذا كان هذا اللفظ فيه ما يدل على أنه شامل للذكور والإناث وأولاد الذكور وأولاد الإناث وجب أن نعمل بها، وإذا كان هناك قرينة تدل على أنه خاص بالذكور عُمِل بها؛ لأن القرائن تُعيِّن المعاني.
ثم قال: (وإن وَقَّف على جماعة يمكن حصرهم وجب تعميمهم والتساوي وإلا جاز التفضيل والاقتصار على أحدهم). إذا وقف شخص على جماعة، فهل يجب أن نعمم هؤلاء الجماعة بالوقف بأن نعطي كل واحد؟ وهل يجب أن نسوي بينهم إذا أعطيناهم؟ أو نفضل بعضهم على بعض بحسب الحاجة أو بحسب الصفات الحميدة، أو ماذا؟
[ ١ / ٥٥٩٢ ]
نقول: في هذا تفصيل، إذا كان لا يمكن حصرهم فإنه لا يجب التعميم، ولا التساوي؛ يعني لا يجب أن نعطي كل فرد ولا أن نُسوِّي بين من أعطينا منهم، مثال ذلك: قال: هذا وقْف على الفقراء، فهنا لا يجب التعميم، يعني لا يجب أن نبحث عن كل فقير ونعطي الفقراء على حد سواء؛ لأن في ذلك مشقة عظيمة.
أما إذا كان يمكن حصرهم فإنه يجب تعميمهم، ويجب التساوي بينهم، مثال ذلك: قال: هذا وقف على أولاد فلان، فلان له خمسة أولاد، يمكن حصرهم؟
طالب: ().
الشيخ: يمكن، ماذا قلت؟
طالب: ().
الشيخ: وقَّف على أولاد زيد وهم خمسة، يمكن حصرهم فيجب تعميمهم، نعطي كل الخمسة، وبالتساوي ولَّا بالتفضيل؟
طلبة: بالتساوي.
الشيخ: بالتساوي، فإذا كان ريع الوقف خمس مئة وهم خمسة وجب أن نعطي كل واحد مئة؛ لأن هذا ممكن.
فإذا قال قائل: ما الدليل على أنهم إذا كانوا لا يمكن حصرهم لم يجب التعميم والتساوي؟
الدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠]. ومعلوم أنه لا يجب عليك أن تبحث عن كل فقير على وجه الأرض، ولا أن تسوي أيضًا بين الفقراء الذين يمكنك حصرهم؛ لأن المراد بذلك الجنس جنس الفقراء.
لو وقَّف على جماعة يمكن حصرهم، ثم صار لا يمكن، مثل واحد له عشرة أولاد، فقال شخص: هذا وقف على أولاد زيد، عشرة، أمكن حصرهم؟
طالب: نعم.
الشيخ: أمكن حصرهم، العشرة كل واحد منهم جاب عشرين ولدًا، كم صاروا؟
طالب: مئتين.
الشيخ: مئتين، يمكن حصرهم؟
طالب: ما يمكن.
الشيخ: إي، يمكن، المئتان كل واحد جاب عشرين ولدًا، كل ولد جاب عشرين ولدًا، كم؟
طالب: ألفان.
الشيخ: مئتان كل واحد.
طلبة: أربعة آلاف.
الشيخ: أربعة آلاف، هذا فيه صعوبة، يمكن، لكن فيه صعوبة، الأربعة آلاف كل واحد جاب عشرين، كم؟
طالب: أربعين ألفًا.
طالب آخر: ثمانين ألفًا.
[ ١ / ٥٥٩٣ ]
الشيخ: ثمانين ألفًا، هذا عاد لا يمكن حصره؛ ولهذا نقول: إذا كان هؤلاء الجماعة يمكن حصرهم ابتداءً، ثم تعذر حصرهم لم يجب التعميم ولا التساوي.
بالعكس لو قال: على بني فلان وهم قبيلة، لكن هذه القبيلة انقرضت أتاها وباء فانقرضوا ولم يبقَ منهم إلا عشرة، ما تقولون؟
طلبة: يجب تعميمهم.
الشيخ: يجب تعميمهم والتساوي؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا فمتى أمكن الحصر وجب التعميم والتساوي، ومتى تعذر الحصر لم يجب التعميم ولا التساوي.
ثم قال المؤلف ﵀: (فصْل: والوقف عقد لازم) الوقف سبق لنا أنه تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة، فهو من باب التبرع، فهل هو عقد لازم أو عقد جائز؟ يقول المؤلف: إنه عقد لازم، لا يمكن فسخه؛ ولهذا قال: (لا يجوز فسخه)، والعقود ثلاثة أنواع: لازم من الطرفين، وجائز من الطرفين، ولازم من طرف، جائز من طرف، كم هذه؟
طالب: أربعة.
الشيخ: لا، ثلاثة. جائز من الطرفين، ولازم من الطرفين، ولازم من طرف، جائز من طرف، فمثلًا البيع لازم من الطرفين إذا انتهى الخيار؛ ولهذا قال النبي ﵊: «إِنْ تَفَرَّقَا وَلَمْ يَتْرُكْ أَحَدُهُمَا الْبَيْعَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» (٥). أي لزم، هذا لازم من الطرفين. الإجارة لازم من الطرفين.
ومثال الثاني الجائز من الطرفين الوكالة، فالوكالة عقْد جائز من الطرفين، يجوز للوكيل أن يفسخ الوكالة، ويجوز للموكِّل أن يفسخ الوكالة، فلو قلت لشخص مثلًا: خذ هذه السيارة بِعْها فقد وكلته في البيع، يجوز أن أفسخ هذه الوكالة أو لا يجوز؟
يجوز أن أقول له: يا فلان، إني فسخت وكالتك، أعطني السيارة. هل يجوز للوكيل أن يفسخ الوكالة؟
نعم، يجوز للوكيل الذي أعطيته السيارة ليبيعها أن يرجع إليَّ ويقول: والله أنا ما أستطيع، خذ سيارتك، هذا عقد جائز من الطرفين.
[ ١ / ٥٥٩٤ ]
الثالث: عقد جائز من طرف، لازم من طرف، مثل الرهن، الرهن إذا رهنت بيتي لشخص بدراهم؛ يعني هو يطلبني مثلًا بمئة ألف، فرهنته بيتي، فالرهن هنا لازم مني جائز منه، من جهتي لازم لا يمكن أن أفسخ، من جهة المرتهن جائز، فالمرتهن يستطيع يأتي إليَّ ويقول: يا فلان، أنا فسخت الرهن، وهذا بيتك افعل فيه ما تشاء لكن أنا لا يمكنني أبدًا أن أفسخ الرهن حتى لو ذهبت إلى المرتهن وقلت: يا فلان، أنا فسخت الرهن، هونت عن رهن بيتي، يقول: ليس لك حق. هذا جائز من طرف لازم من طرف آخر، وضابطه -أي ضابط الجائز من طرف دون الآخر- أن يكون الحق فيه لأحد الطرفين، فمن له الحق فهو جائز في حقه، ومن عليه الحق فهو لازم في حقه. فيه شيء آخر؟ فيه مثال آخر ما هو؟
طالب: المضاربة.
الشيخ: المضاربة عقد جائز من الطرفين، لكل منهما أن يفسخ، إننا من أهل اليمين.
طالب: الوقف.
الشيخ: الوقف عقد لازم من الطرفين.
طالب: الخيار.
الشيخ: أيش الخيار؟
الطالب: الخيار في البيع.
الشيخ: الخيار للطرفين إذا كان قبل التفرق جائز للطرفين.
طالب: لازم جعل الخيار هو لازم وجائز، وهذا قسم آخر لازم وجائز.
الشيخ: لا، ما هو لازم وجائز.
طالب: الجعالة.
الشيخ: الجعالة جائزة من الطرفين ().
طالب: ().
الشيخ: لا، ما هي لازمة؛ لأنه يفسخ ونعطيه أجرة العمل اللي فعل فقط.
طالب: الدين.
الشيخ: كيف الدين؟
الطالب: الإبراء جائز.
الشيخ: لا الإبراء ما هو فسخ.
يقولون: الكتابة؛ كتابة العبد، إذا كاتب السيد عبده؛ يعني باع على العبد نفسه، فللعبد أن يبطل الكتابة، وليس للسيد أن يبطلها؛ لأن هذا عقد لازم بالنسبة للسيد؛ إذ إن إبطاله للكتابة يعني ترك العتق، وهذا لا يجوز، فهذا عقد جائز من طرف ولازم من طرف آخر.
طالب: بالنسبة للقرابة يا شيخ قلنا: إن الجد الثالث ().
[ ١ / ٥٥٩٥ ]
الشيخ: إي نعم، يقولون: لأن قرابة الرسول ﷺ لما أنزل الله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] لم يتجاوز في الإنذار أكثر من هذا. ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ الآية عشيرتك.
طالب: قول المؤلف: إذا وجد قرينة تبين إرادة الإناث أو حرمانهن عمل بها، أليس في هذا معارضة لقول النبي ﷺ: «فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا» (٢)؟
الشيخ: هو يريد أن يبين لك ما يقتضيه اللفظ.
طالب: قال: ويُعمل بها.
الشيخ: نعم، يعمل بها، يقال: إن النساء مرادة أو غير مرادة، مثلًا لو كان على الإخوة، الإخوة لا يجب العدل بينهم بالعطية، الأعمام لا يجب العدل بينهم في العطية، هو يريد أن يبين لك أن النساء يدخلن أن لا، على أننا قلنا فيما سبق: إن الوقف على المذهب لا يجب التعديل فيه؛ لأن ملكه ليس بتام، ولكن الصحيح أنه يجب التعديل فيه.
طالب: أحيانًا ().
***
الطالب: فصل: والوقف عقد لازم، لا يجوز فسخه، ولا يباع إلا أن تتعطل منافعه، ويُصرف ثمنه في مثله، ولو أنه مسجد وآلته وما فضل عن حاجته جاز صرفه إلى مسجد آخر والصدقة به على فقراء المسلمين.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أنه إذا وقَّف على قرابة فإنه يشمل.
طالب: أربعة.
الشيخ: بطون.
الطالب: أربعة بطون؛ أولًا: الأولاد، وأولاد أبيه، وأولاد جده، وأولاد جد أبيه.
الشيخ: أولاده، وأولاد أبيه، وجده، وجد أبيه. هل يشمل الأخوال؟
الطالب: لا يشمل.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأنهم ليسوا من الأربعة.
الشيخ: الأخوال؟
الطالب: الأخوال من الأم.
الشيخ: والمؤلف يقول: (أولاد أبيه وجده وجد أبيه).
ما معنى قول المؤلف: (إن وُجِدت قرينة تقتضي إرادة الإناث أو حرمانهن عُمِل بها).
طالب: إذا صرح الواقف.
الشيخ: لا، ما هو إذا صرح، المؤلف يقول: إذا وُجِد قرينة.
[ ١ / ٥٥٩٦ ]
طالب: قرينة لأيش؟
الشيخ: (إذا وجد قرينة تقتضي إرادة الإناث أو حرمانهن عُمِل بها).
الطالب: نعم، إذن الواقف تصرف في وصيته.
الشيخ: ما هي وصية، وقف اللي معنا.
الطالب: وقْف، كان له وقف من أمه فقال: إن هذا الوقف على قرابتي إلا أولاد أخيهم فيدخل أخوهم.
الشيخ: أيش تقولون يا جماعة؟ هذا يدخل.
الطالب: بيصرح بعدمه يدخل أولاده.
الشيخ: لكن يريد حرمان الإناث، ما هو الذكور، إن وُجِدت قرينة تقتضي إرادة الإناث أو حرمانهن.
طالب: إذا كان تقتضي حرمان الإناث لا نعمل بها.
الشيخ: معلوم ما نعطيهم لكن نريد مثالًا.
طالب: تريد مثلًا نقول: هذا وقف على أولادي فقط دون الإناث.
الشيخ: هذا صريح.
طالب: إذا قال مثلًا: هذا وقف على أولادي، ثم أولادي، وليس له أولاده إلا بنات فهنا نعلم أن ..
الشيخ: وليس له أولاده إلا بنات.
الطالب: نعم، ونعلم أنه أراد البنات.
الشيخ: أو قال: هذا وقف على أولادي، ويفضل أولادي الذكور، هذه قرينة تدل على أنه أراد الإناث أو قال: من مات أو ولد فنصيبه لولده. المهم تكون قرينة أو حرمانهن، حرمان الإناث مع أنه هو الأصل، لكن الأصل عدم دخول.
طالب: الإناث.
الشيخ: لا، ما هو الإناث ()، إذا وجدت قرينة تقتضي إرادة حرمان الإناث مثل أن يقول: هذا وقف على أولادي الذين يجاهدون في سبيل الله، هذا نعلم أنه لم يرد الإناث؛ لأن الجهاد يختص بمن؟
طالب: بالرجال.
الشيخ: بالرجال. وقَّف رجل على جماعة، هل يجب أن يعمم وأن يساوي بينهم؟
طالب: نقول: إذا أمكن حصرهم هذه الجماعة () يعمموا ويعاملون بالسوية.
الشيخ: مثل؟
الطالب: مثل أن يقول: هذا وقف على بني فلان، على أولاد فلان ويمكن حصرهم وعدهم، أما إذا لم يمكن حصرهم.
الشيخ: مثل؟
الطالب: مثل أن يقول: هذا الوقف على بني هاشم، ولا يمكن حصرهم فلا يجب التسوية ولا التعميم.
الشيخ: فلا يجب التسوية ولا التعميم.
في الأول إذا كان يمكن حصرهم يقول المؤلف: يجب التساوي.
[ ١ / ٥٥٩٧ ]
لو قال قائل: هل يجوز أن أفضل من هو أكثر حاجة؟
طالب: نعم، نفضل ما هو أكثر حاجة.
الشيخ: طيب كيف يقول المؤلف: وجب التساوي؟ !
طالب: إذا أمكن حصرهم.
الشيخ: إي نعم، مثل قال: وقفت هذا الوقف على أولادي.
الطالب: أولاده ممكن حصرهم.
الشيخ: إي نعم، هل يجب التساوي بأن نعطي كل واحد منهم عشرة مثلًا؟
الطالب: لا، إلا إذا دلت قرينة على أنه يقدم في الحاجة.
الشيخ: إذا دلت قرينة وإن لم تدل وجب التساوي.
هذا صحيح، هذا اللي مشى عليه المؤلف، لكن بعض العلماء قال: إن بعضهم إذا كان يحتاج أكثر فإنه يُفضَّل، أو تميز بعضهم بطلب علم أو ما أشبه ذلك فإنه يفضل.
يقول: الوقْف هل هو من العقود اللازمة أو الجائزة؟
طالب: من العقود اللازمة.
الشيخ: اللازمة، علل.
الطالب: لأن كل من وقف شيئًا عليه اللزوم حتى ما يتوقف مرة أخرى.
الشيخ: أحسنت لكن علل، ليش أنه عقد لازم؟ لماذا لا نقول؟
الطالب: لأنه ما يجوز فيه الفسخ.
الشيخ: إي نعم، لكن لماذا لا نقول: إنه يجوز فيه الفسخ؟
الطالب: لأنه من النذور والواجبات.
الشيخ: يعني شيء أخرجه لله.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: فلا يجوز أن يرجع فيه كالصدقة تمامًا.
ذكرنا أن العقود تنقسم إلى ثلاثة أقسام من حيث اللزوم وعدمه.
طالب: جائز من الطرفين.
الشيخ: جائز من الطرفين.
الطالب: ولازم من الطرفين، وجائز ولازم، جائز من الطرفين، ولازم من الطرفين.
الشيخ: نعم، جائز من الطرفين، ولازم من الطرفين، والثالث جائز ولازم، كيف جائز ولازم؟
الطالب: لازم من طرف وجائز من طرف.
الشيخ: إي، تمام، فسِّر، اللازم من الطرفين.
طالب: مثل الوقف.
الشيخ: لا .. المثال، تعريفه.
الطالب: اللازم من الطرفين؟
الشيخ: نعم.
الطالب: ما لا يملك كل واحد منهما الفسخ.
الشيخ: ما لا يجوز فسخه إلا باتفاقهما، مثاله؟
الطالب: البيع.
الشيخ: البيع. الجائز من الطرفين.
طالب: الوكالة.
[ ١ / ٥٥٩٨ ]
الشيخ: كالوكالة يجوز لكل واحد منهما أن يفسخا وإن لم يرضَ الآخر، اللازم من أحدهما.
الطالب: اللازم من أحدهما مثل الرهن.
الشيخ: مثل الرهن يجوز للراهن أن يفسخ الرهن، ولا يجوز للمرتهن، كذا؟
الطالب: لا يا شيخ بالعكس.
طالب آخر: لازم من الراهن.
الشيخ: إي، والجائز؟
الطالب: الذي أخذ الرهن.
الشيخ: الجائز من المرتهن؛ لأن الحق لمن؟
الطالب: للمرتهن.
الشيخ: للمرتهن، فإذا قال: والله أنا خذ مالك الذي أرهنتني، فهذا يكون لا بأس به، لكن لو قال الراهن: أنا فسخت الرهن قلنا: لا.
طالب: يكون جائز للذي أعطاه الرهن.
الشيخ: لا، يقول: للمرتهن.
يقول المؤلف: (ولا يباع إلا أن تتعطل منافعه) (لا يباع) الضمير يعود على الوقْف (إلا أن تتعطل منافعه)، فإن بِيع ومنافعه لم تتعطل فالبيع فاسد غير صحيح، مثال ذلك: رجل وَقَّف بيتًا مغله لطلبة العلم، فإنه لا يجوز أن يُباع هذا البيت إلا إذا تعطلت منافعه بالكلية مثل أن يكون بيتًا قديمًا () ولا يسكنه أحد، فهنا نقول: إنه يجوز بيعه؛ لأن منافعه قد تعطلت، فيجوز أن يُباع، وإذا بيع فإنه يقول المؤلف: (ويُصرف ثمنه في مثله) لا يُباع ويبقى ثمنه طلقًا بل يُباع ويبقى ثمنه وقفًا فيُصْرف في مثله؛ أي أنه يُشترى بيت مثله ويُجعل وقفًا.
وعُلِم من قول المؤلف: (إلا أن تتعطل منافعه) أنه لو نقصت منافعه لكن بقي فيه شيء فإنه لا يباع، فلو فُرض أن هذا البيت كان مغله عشرة آلاف ريال في السنة، ثم نقص حتى صار لا يبلغ إلا ألف ريال، وألف ريال يذهب منها خمس مئة ريال لتعميره وخمس مئة ريال تبقى، فهل يجوز بيعه؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز حتى لو أردنا أن نبيعه لننقله إلى مكان أصلح فإنه لا يجوز.
[ ١ / ٥٥٩٩ ]
واختار بعض أهل العلم أنه يجوز أن يباع لمكان أصلح سواء مناقلة أو بيعًا، ثم يؤخذ الثمن ويُشترى به، فالمناقلة أن تبادل هذه الدار بدار أخرى أنفع؛ هذا مناقلة، والبيع أن تبيع الدار، ثم تشتري بثمنها ما هو أنفع، وهذا القول هو الصحيح أنه يجوز بيع الوقف ليُنقل إلى ما هو أنفع، ولكن نظرًا لأن الناس تغيرت أحوالهم وضعفت أمانتهم فإنه لا يجوز الإقدام على ذلك إلا بمراجعة المحكمة؛ لأننا لو نقول بالجواز لتلاعب الناس بالأوقاف، وصار كل إنسان لا يرغب أن يكون في هذا الحي يبيع الوقف، ويشتري في حي آخر، ومعلوم أنه إذا بِيع الوقف واشتُري بدله في حي آخر معلوم أنه ينقص كيف ينقص؟ لأنك إذا بعته صار مجلوبًا، وإذا اشتريت بدله صار مطلوبًا، والمعروف أن المجلوب تنقص قيمته، والمطلوب تزيد قيمته، فأنت إذا فعلت مثلًا إذا قدرنا أنت مثلًا بعت هذا بمئة ألف، فإنك لن تشتري مثله بمئة ألف؛ لأنك بعته مجلوبًا وتريد أن تشتري لا تجد مثله إلا بمئة وعشرة، إذن لا بد أن تشتري أقل منه بمئة.
ولهذا نقول: إنه لا يجوز البيع إلا إذا كان فيه مصلحة، فإذا علمنا أن فيه مصلحة فالصحيح أنه يجوز، وإن لم تتعطل منافعه، ودليل ذلك أن رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ بعد فتح مكة فقال: يا رسول الله، إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس. قال: «صَلِّ هَاهُنَا». فأعاد عليه قال: «صَلِّ هَاهُنَا» فأعاد عليه، قال في الثالثة أو في الرابعة: «فَشَأْنَكَ إِذَنْ» (٦). فكون الرسول ﷺ يأذن له أن يصلي ما نذر في المسجد الحرام بدلًا عن المسجد الأقصى يدل على أنه إذا فعل الإنسان الأكمل جاز، وأنت إذا نقلت الوقف إلى ما هو أصلح مع بقاء منافعه فهذا كالصلاة في المسجد الحرام دون الصلاة في المسجد الأقصى، وهذا قياس في غاية ما يكون من المطابقة والموافقة.
[ ١ / ٥٦٠٠ ]
إذن فالصحيح في هذه المسألة أنه يجوز بيع الوقف والمناقلة به بشرط أن يكون ذلك أصلح للوقف وأنفع.
قال المؤلف ﵀: (ويُصرف ثمنه في مثله ولو أنه مسجد)، حتى لو فُرِض أنه مسجد تعطلت منافعه وصار الناس لا يصلون فيه كمسجد في حي ارتحل أهله عنه فإنه يجوز بيعه، كيف يجوز بيعه وهو مسجد؟ نعم، يجوز بيعه وهو مسجد. وإذا بيع وهو مسجد هل يجب أن يُجعل مسجدًا أو يجوز أن يجعل مستودعًا؟
الجواب: الثاني، يجوز أن يُجعل مستودعًا، أعني المسجد الذي بيع، أما دراهم المسجد الذي بيع فيجب أن تصرف في مسجد.
وهذا يقع كثيرًا في الأحياء التي تُهجَر كالأحياء القديمة، تجد فيها مساجد، فيجوز أن تُباع هذه المساجد، ويؤخذ ثمنها يُشتَرى به في محل آخر بقعة ويُعْمر عليها مسجد.
أما بالنسبة للمسجد القديم الذي بيع فإنه يرتفع عنه حكم المسجد تمامًا، ويجوز أن يفعل فيه الإنسان كل ما يفعله في البيت العادي فيهدمه مثلًا ويجعله بيتًا له، أو يجعله مستودعًا، المهم أنه يزول عنه حكم المسجد؛ ولهذا قالوا: ولو أنه مسجد.
وفي قوله: (ولو أنه) إشارة إلى أن المسألة ذات خلاف، وأن من أهل العلم من قال: إن المسجد لا يباع؛ لأنه وُقِّف لمصلحة المسلمين وما كان لمصلحة المسلمين فإن الفرد لا يتصرف فيه، ولكن نقول: هذا ليس بصحيح؛ لأن المسجد الآن زال الانتفاع به، مسجد لمن؟ الحي كلهم رحلوا، ما عندنا أحد، ونحن لا نقول: بعه وأبطل الوقف، نقول: بعه واعمر في مكان آخر بدراهمه.
ثم قال: (وآلته وما فضل عن حاجته جاز صرفه إلى مسجد آخر والصدقة به على فقراء المسلمين).
[ ١ / ٥٦٠١ ]
(آلته) يحتمل أن تكون معطوفة على (مسجد)، ويحتمل أن تكون مبتدأ، وكلاهما صحيح أما الأول وهو أن نجعل (آلته) معطوفة على (مسجد) فإن تقدير الكلام يكون هكذا: ولو أنه مسجد، وآلة مسجد، آلة المسجد يعني أدواته مثل سراج، وقود، فُرُش، فإنه إذا تعطلت منافعه يُباع، مثال السراج: لدينا سراج للمسجد انكسر ولم يمكن إصلاحه إذن منافعه تعطلت، فيُباع، ويُصرف ثمنه في مثله؛ أي في سراج إن أمكن. فيه أيضًا قربة ماء انشقت ولم يمكن رقعها فأراد أن يبيعها على الخرازين ليجعلوها نعالًا يجوز أو لا يجوز؟
طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز لأن منافعها تعطلت لكن تُصرف قيمتها في قربة.
أيضًا لو كان هذا المسجد هُدِم جانب منه، وبُنِي على الطراز الجديد المسلَّح فالأخشاب والجريد التي تبقى من المسجد الأول هذه آلة للمسجد ماذا نعمل بها؟
طالب: نبيعها.
الشيخ: نبيعها، ونُدخل ثمنها في مصلحة المسجد.
إذا كان المسجد لا يحتاج إليها تُصرف في مسجد آخر ولهذا قال: (وما فضل عن حاجته جاز صرفه إلى مسجد آخر والصدقة به على فقراء المسلمين).
طالب: ().
الشيخ: هذه إذا جعلنا (آلته) معطوفة على مسجد واضحة، كذلك إذا جعلنا (آلته) مبتدأ، وما فضل عن حاجته فإنه يجوز أن يُصرف إلى مسجد آخر وأن يُتصدق به.
مثال ما فضل عن حاجته، هذا المسجد له مغل كبير، اشترينا له فرشًا وزادت عن الحاجة، ماذا نصنع فيها؟ نصرفها إلى مسجد آخر، كذلك أيضًا لو كان فيه مصاحف كثيرة أكثر من حاجته فإنه يجوز أن نأخذ منها ونصرفها في مسجد آخر.
لكن سبق لنا مَنِ الناظر على الأوقاف الذي يتولى مثل هذه الأمور؟
طالب: ().
الشيخ: إن جُعل له ناظر خاص فهو الناظر، السلطان، أو من ولَّاه السلطان. وقول المؤلف: (جاز صرفه إلى مسجد آخر والصدقة به على فقراء المسلمين).
[ ١ / ٥٦٠٢ ]
أما الأول فظاهر؛ يعني ما فضل عن حاجة المسجد مما جُعل للمسجد فإنه يُصرف إلى مسجد آخر، هذا ظاهر؛ لأن الوقف صرف في جنس ما وقف فيه لكن قوله والصدقة به على فقراء المسلمين فيه نظر.
ولهذا نقول: يُصرف إلى مسجد آخر ما لم يتعذر بأن لم نجد مسجدًا آخر يحتاج إلى ذلك، أو ما لم يكن الناس في مجاعة، فإن كان الناس في مجاعة فالصدقة به على فقراء المسلمين أولى، وعلى هذا فإطلاق المؤلف ﵀ فيه نظر، والصواب في ذلك أن يقال: أيش؟
طالب: إلا أن يتعذر.
الشيخ: إنه لا يتصدق به إلا إذا تعذر أن يكون مسجد آخر يحتاج إليه، كذلك أيضًا نقول: إذا كان في المسلمين مجاعة فإنه يجوز أن يتصدق به ويقدمه على مصالح المسجد الآخر؛ وذلك لأن حرمة الآدمي أشد من حرمة المسجد، أشد بلا شك.
[باب الهبة والعطية]
ثم قال المؤلف ﵀: (باب الهِبة والعطية) الهِبة: مصدر (وَهَبَ، يَهَبُ، هِبَةً)، وأصل هِبَة: وِهْبَة، مثل (وَعَد، يَعِد، عِدَة)، وأصلها (وِعْدَة)، والله أعلم.
طالب: هل للوقف زكاة؟
الشيخ: ما فيه زكاة إلا إذا كان موقوفًا على معين ففيه مغلة للزكاة.
طالب: يعني ما فيه زكاة؟
الشيخ: ما فيه زكاة.
طالب: يا شيخ، إذا كان الكفار يا شيخ في مجاعة.
الشيخ: نعم، لا الكفار في مجاعة، لا يُقدمون على المساجد.
طالب: ().
الشيخ: كيف تعطلت منافعها؟ لأيش؟
الطالب: مثل هاجر الناس إلى بلد أخرى.
الشيخ: إي، هذه أيضًا تُباع، المجهول فيها يسور عليه، والباقي يُباع، ويُجعل في مقبرة أخرى.
طالب: إذا كان معروفًا عند الناس في الأقارب أنه يعني يشمل كل قريب للإنسان هل يعمل بهذا العرف؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: يُعمل؟
الشيخ: نعم، يُعمل، الصحيح أن جميع العقود يقدم فيها العرف ولكن بشرط أن يكون العرف مطردًا، بحيث لا يتبادر إلى ذهن الناطق إلا هذا المعنى.
الطالب: ().
الشيخ: لا، ما يتعارض.
الطالب: أليس ()؟
الشيخ: لا، هذا ما هو عرف شرعي، هذا عرف لغوي.
[ ١ / ٥٦٠٣ ]
الطالب: ().
الشيخ: إي نعم.
***
الطالب: () وعلى آله وأصحابه أجمعين. قال المصنف رحمه الله تعالى: باب الهبة والعطية، وهي التبرع بتمليك ماله المعلوم الموجود في حياته غيره، وإن شرط فيها عوضًا معلوما فبيع، ولا يصح مجهولًا إلا ما تعذر علمه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب الهبة والعطية).
الهبة والعطية من عقود التبرعات، وسيذكر لنا المؤلف تعريفها، لكن الفرق بينهما أن العطية في مرض الموت المخوف، والهِبة في حال الصحة، أو في مرض غير مخوف، أو في مخوف لم يمت به، هذه الهبة. فالعطية تكون في.
طالب: في حال الصحة.
الشيخ: العطية في مرض الموت المخوف، والهبة فيما عدا ذلك، فتكون في الصحة، وفي مرض غير مخوف، وفي مرض مخوف لم يمت به.
ثم هناك تبرع آخر وهو الصدقة والهدية، فهذه ثلاثة أنواع من التبرعات، بل أربعة أنواع من التبرعات: هبة، وهدية، ووصية، وعطية.
الصدقة ما قُصد به ثواب الآخرة، والهدية ما قُصد به التودد والتحبب للشخص والإكرام، والهبة ما لم يقصد به هذا ولا هذا، وإنما قُصد به نفع الموهوب له فقط.
فإذا رأيت فقيرًا، وأعطيته دراهم تريد بذلك التقرب إلى الله فهي صدقة، وإذا رأيت ذا جاه وسلطان فأعطيته شيئًا فهذه هدية يُقصد بها التودد والإكرام، وإذا أعطيت شخصًا عاديًا من الناس شيئًا ينتفع به فهذه هبة، وإن وقع ذلك منك في مرض الموت المخوف فهذه عطية. ومع هذا فإن الهبة والهدية قد يُثاب عليها الإنسان إذا قصد بذلك وجه الله؛ لقول النبي ﵊ لسعد بن أبي وقاص ﵁: «وَاعْلَمْ أَنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُهُ فِي فِي امْرَأَتِكَ» (٧).
[ ١ / ٥٦٠٤ ]
الهبة، والصدقة، والهدية، والعطية، كلها من أنواع التبرعات؛ والتبرع تطوع؛ ولهذا لا تجوز من شخص عليه دَيْن ينقص الدين هذا التبرع؛ يعني إنسان عليه عشرة ريالات وليس عنده إلا عشرة ريالات، نقول له: لا يجوز لك أن تتبرع بشيء من هذه الدراهم لا بصدقة ولا بغيرها، لماذا؟
لأن الدَّيْن واجب القضاء، وهذه التبرعات ليست بواجبة، والواجب مُقدَّم على غير الواجب؛ لأن النبي ﵊ يقول: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» (٨). وأنت إذا تبرعت من هذه الدراهم التي هي بمقدار دينك فإن هذا سيؤدي حتمًا إلى المماطلة، والمماطلة ظلم ومحرم، وهي أيضًا -أعني هذه العقود الأربعة- أوسع من عقود المعاوضات من وجه، وأضيق من وجه.
فعقود المعاوضات كالبيع والإجارة تجوز حتى ممن عليه دَيْن، وأما هذه فلا تجوز ممن عليه دين، وهذه تجوز في الأشياء المجهولة، وعقود المعاوضات لا تجوز في الأشياء المجهولة، فبينهما عموم وخصوص من جهة أيهما أضيق نقول: هذه أضيق من وجه، وتلك أضيق من وجه.
الهبة يقول: (هي التبرع بتمليك ماله المعلوم الموجود في حياته غيره). قوله: (التبرع بتمليك) (بتمليك) متعلق بـ (التبرع). وقوله: (غيرَه) مفعول لـ (تمليك). وقوله: (بتمليك ماله) مفعول لكنه أُضيف إليه المصدر فصار مجرورًا.
و(المعلوم) صفة لـ (مال)، و(الموجود) صفة لـ (لمال). و(في حياته) جار ومجرور متعلق بـ (التبرع).
إذن التبرع ما شاء الله مثل عذق النخلة فيه شماريخ كثيرة (بتمليك) متعلق بأيش؟
طالب: بالتبرع.
الشيخ: بـ (التبرع) (في حياته) متعلق بالتبرع. (غيره) مفعول (التبرع) يعني أن يتبرع الإنسان بتمليك ماله لغيره، ومعنى التبرع هو بذل المال بِلا عوض، بذل المال بلا عوض يسمى تبرعًا.
مثاله: وجدت شخصًا محتاجًا لكتاب، وعندك الكتاب زائد عن حاجتك فأعطيته هذا الكتاب مجانًا، ماذا نسمي هذا؟
طالب: نسميه تبرعًا.
الشيخ: نسميه تبرعًا؛ لأنه بذل للمال بلا عوض.
[ ١ / ٥٦٠٥ ]
وقول المؤلف: (بتمليك ماله) أي مال الإنسان الْمُمَلِّك، فيؤخذ منه أنه يُشترط في الموْهُوب أن يكون مملوكًا للواهب، فلو وهبت شيئًا لشخص وهو لغيرك، ثم ذهبت فاشتريته من مالكه فإن الهبة الأولى لا تصح، لماذا؟ لأنك حين وهبته لم تكن مالكًا له، مثال ذلك: شخص وهب آخر ساعة وهو لا يملكها، ثم اشتراها من مالكها بعد أن وهبها فإن هذه الهبة لا تصح؛ لأنها وقعت من غير مالكها.
وقوله: (بتمليك ماله) (تمليك) يؤخذ منه شرط آخر وهو أن يكون الموهوب له ممن يصح تملكه؛ لأنه قوله: (بتمليك ماله) إذا لم يصح تملكه فإنه لا يصح أن يهب له.
مثال ذلك: لو قال: هذا البيت هبة لجبريل الملك، يصح ولَّا لا؟
طالب: ما يصح.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لا يصح تملكه.
الشيخ: لأنه لا يصح تملكه، فلا بد من وقوع التمليك من الْمُمَلِّك لشخص يصح تملكه.
إذن أخذنا من هذا شرطين:
الأول: أن يكون الموهوب ملكًا للواهب وأخذناه من قوله: (ماله).
الثاني: صحة تملك الموهوب له وأخذناه من قوله: (تمليك)
الثالث: قال: (المعلوم)، هذا شرط ثالث أن يكون الموهوب معلومًا، فإن كان غير معلوم فإن الهبة لا تصح، لماذا؟ لأنه غرض، قد يهبني شيئًا وهو غير معلوم فنقع في الجهالة، ولكن هذا الشرط غير صحيح، والصحيح صحة هبة المجهول؛ لأنه لا يترتب عليه شيء؛ فإن الموهوب له إن وجد الموهوب كثيرًا فهو غانم، وإن وجده قليلًا فلا ضرر عليه، هو غانم أيضًا؛ فلذلك القول الصحيح أنه لا يُشترط علم الموهوب، لو وهبت لشخص حملًا في بطن؛ فإنه لا يصح على كلام المؤلف، ويصح على القول الثاني الذي اخترناه، ونقول: متى ولدت هذه البهيمة فولدها لمن؟ للموهوب له.
فإن قال قائل: قد يندم الواهب إذا رأى أن الحمل متعدد، أو رأى أن الحمل على صفة مرغوب فيها عنده؟
فنقول: ولو ندم فهو الذي أوقع نفسه في الندم، لماذا يتسرع فيهب الحمل قبل أن يوضع؟
أيضًا (الموجود في حياته) (في حياته) متعلق بأيش؟
[ ١ / ٥٦٠٦ ]
طالب: بـ (التبرع).
الشيخ: بـ (التبرع) يعني أن يهب ذلك في حياته، فإن تبرع بعد موته فهي وصية، لو قال مثلًا: إذا متُّ فهذه السيارة لفلان، فهذا تبرع لكنه بعد الموت فلا يُسمَّى هبة، وإنما يسمى وصية.
وقوله: (غيره) بيان للواقع، وإلا فإنه لو تبرع بتمليك ماله نفسه فليس بهبة، ليش؟ لأنه تحصيل حاصل، لو قال: وهبت نفسي ثوبي، هذا ما فيه فائدة، هذا تحصيل حاصل.
إذن يشترط عدة شروط:
الشرط الأول: أن يكون الواهب ممن يصح تبرعه؛ لقوله: (التبرع).
الثاني: أن يكون الموهوب له ممن يصح تملكه؛ لقوله: (تمليك).
الثالث: أن يكون مملوكًا للواهب حين الهبة؛ لقوله: (ماله).
الرابع: أن يكون معلومًا، وفيه خلاف.
الخامس: أن يكون في الحياة.
لو تبرع بشيء لا يُتَموَّل لكونه حرامًا، مثل أن يتبرع بخمر أو بدخان، فهل يصح هذا أو لا؟
طالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح؛ لأن ملكه ليس بصحيح؛ ولأن في تنفيذ ذلك إعانة على المحرَّم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
قال المؤلف: (وإن شرط فيها عوضًا معلومًا فبَيْع) (إن شرط فيها) أي في الهبة، والفاعل يعود على الواهب؛ يعني إن شرط الواهب فيها -أي في الهبة- عوضًا معلومًا فبيع؛ لأنها صارت حق معاوضة مثل أن يقول: وهبتك هذه السيارة بشرط أن أسكن في بيتك لمدة عشر سنوات، ماذا تكون هذه الهبة؟
طالب: بيع.
الشيخ: بيع، هذه بيع، كذا؟ بيع بمنفعة ولَّا بمال بعين؟
طالب: بمنفعة.
[ ١ / ٥٦٠٧ ]
الشيخ: بمنفعة كأنه باع هذه السيارة بمنفعة البيت لمدة عشر سنوات، ولكن المؤلف يقول: (إن شرط فيها عِوضًا معلومًا) ففُهم منه أنه لو شرط فيها عِوضًا مجهولًا فإن ذلك لا يصح وهو في الحقيقة لو لم يأتِ بمعلوم، لو قال: إن شرط فيها عوضًا فبيع لعلمنا أنه لا بد أن يكون معلومًا؛ لأننا إذا حكمنا بأنها بيع صار لها جميع أحكام البيع فلا بد أن تُوجد جميع شروط البيع، وتنتفي جميع موانع البيع، ولهذا لو وهب شخصًا شيئًا بعد أذان الجمعة الثاني وهو ممن يلزمه حضور الجمعة، فهل تصح الهبة؟
طالب: لا.
الشيخ: نقول: إن شرط فيها عوضًا معلومًا فلا تصح؛ لأنها صارت بيعًا، وإن لم يشترط فيها عوضًا معلومًا فصحيح، لماذا؟ لأنها تبرع، والمحرَّم بعد نداء الجمعة الثانية هو البيع وأما التبرع كالصدقة والهبة والهدية فإن ذلك جائز؛ لأن الله إنما حرم البيع حيث قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩].
قال المؤلف: (ولا يصح مجهولًا إلا ما تعذر علمه) لا يصح أن يهب مجهولًا بناءً على اشتراط العلم في الموهوب كما هو صريح كلام المؤلف في قوله: (ماله المعلوم)، فإذا كان مجهولًا فإنه لا يصح، وله أمثلة لو وهب جمله الشارد، أو عبده الآبق فالهبة لا تصح مع أنه ليس بها ضرر، إذا وهب هذا الشخص جملًا له شاردًا قال: يا فلان. فقال: نعم. قال: لي جمل شارد منذ شهر، وأنا وهبتك إياه لك. على كلام المؤلف لا تصح الهبة، والصحيح أنها تصح؛ لأن هذا الموهوب له إن وجد الجمل فهو غانم، وإن لم يجده فهو سالم فليس هذه ميسرًا، الميسر هو الذي يدور فيه الفاعل بين غُنْم وغُرْم، أما بين غُنْم وسلامة فليس هذا من باب الميسر، نقول له: روح دور على الجمل. فقال الموهوب له: أنا أخشى أن أتعب ولا أجده ويش نقول له؟
طالب: لا تتعب.
[ ١ / ٥٦٠٨ ]
الشيخ: نقول: لا تتعب كما أنك لو خرجت لتحتش من البلد قد تجد وقد لا تجد كما أن الإنسان لو خرج يجني الكمأة تعرفون الكمأة؟
طالب: ().
الشيخ: الفقع لو خرج يجني الكمأة وبقي طول نهار ما وجد شيئًا، ماذا نقول له؟ نقول: أنت الذي أتعبت نفسك حتى البائع المشتري في دكانه هو على خطر، قد يربح وقد يخسر، لكن الفعل فعله.
على كل حال القول الراجح في هذه المسألة أنه تجوز هبة المجهول؛ لأن الموهوب له إما غانم وإما سالم.
قال المؤلف: (إلا ما تعذر علمه فإنه تصح هبته) مثل شخص عنده عارية لآخر ولكن هذه العارية اختلطت بماله ..
وهي التَّبَرُّعُ بتَمليكِ مالِه المعلومِ الموجودِ في حياتِه غيرَه فإن شَرَطَ فيها عِوَضًا مَعلومًا فبَيْعٌ، ولا يَصِحُّ مَجهولًا إلا ما تَعَذَّرَ عِلْمُه،
فإن شَرَطَ فيها عِوَضًا مَعلومًا فبَيْعٌ، ولا يَصِحُّ مَجهولًا إلا ما تَعَذَّرَ عِلْمُه، وتَنْعَقِدُ بالإيجابِ والقَبولِ والْمُعاطاةِ الدالَّةِ عليهما وتَلْزَمُ بالقَبضِ بإذنِ واهبٍ إلا ما كان في يدِ مُتَّهِبٍ، ووارثُ الواهبِ يَقومُ مَقامَه ومَن أَبْرَأَ غَريمَه من دَيْنِه بلَفْظِ الإحلالِ أو الصدَقَةِ أو الْهِبةِ أو نحوِها بَرِئَتْ ذِمَّتُه ولو لم يَقْبَلْ ويَجوزُ هِبةُ كلِّ عينٍ تُباعُ وكَلبٍ يُقْتَنَى.
(فصلٌ)
يَجِبُ التعديلُ في عَطِيَّةِ أولادِه بقَدْرِ إرْثِهم، فإن فَضَّلَ بعضَهم سَوَّى برجوعٍ أو زيادةٍ، فإن ماتَ قبلَه ثَبَتَتْ، ولا يَجوزُ لوَاهبٍ أن يَرْجِعَ في هِبَتِه اللازمةِ
تعالى، باب الهبة والعطية.
الهبة والعطية من عقود التبرعات، وسيذكر لنا المؤلف تعريفها، لكن الفرق بينهما أن العطية في مرض الموت الْمَخُوف، والهبة في حال الصحة، أو في مرض غير مَخُوف، أو في مَخُوف لم يَمُتْ به، هذه الهبة، فالعطية تكون في؟
طلبة: في حال الصحة.
الشيخ: العطية في مرض الموت الْمَخُوف، والهبة؟
طالب: في الصحة.
[ ١ / ٥٦٠٩ ]
الشيخ: فيما عدا ذلك، فتكون في الصحة، وفي مرض غير مَخُوف، وفي مرض مَخُوف لم يَمُت به.
ثم هناك تبرع آخر وهو الصدقة والهدية، فهذه ثلاثة أنواع من التبرعات، بل أربعة أنواع من التبرعات: هبة، وهدية، ووصية، وعطية.
الصدقة: ما قُصِدَ به ثواب الآخرة، والهدية: ما قُصِدَ به التودد والتحبب للشخص والإكرام، والهبة: ما لم يُقْصَد به هذا ولا هذا، وإنما قُصِدَ به نفع الموهوب له فقط.
فإذا رأيت فقيرًا وأعطيته دراهم تريد بذلك التقرب إلى الله فهي؟
طلبة: صدقة.
الشيخ: صدقة، وإذا رأيت ذا جاه وسلطان فأعطيته شيئًا.
طلبة: هدية.
الشيخ: فهذه هدية يُقْصَد بها التودد والإكرام، وإذا أعطيت شخصًا عاديًّا من الناس شيئًا ينتفع به فهذه؟
طلبة: هبة.
الشيخ: هذه هبة، وإن وقع ذلك منك في مرض الموت الْمَخُوف؟
طلبة: عطية.
الشيخ: فهذه عطية، ومع هذا فإن الهبة والهدية قد يُثَاب عليها الإنسان إذا قَصَدَ بذلك وجهَ الله؛ لقول النبي ﵊ لسعد بن أبي وقاص ﵁: «وَاعْلَمْ أَنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُهُ فِي فِي امْرَأَتِكَ» (١).
الهبة والصدقة والهدية والعطية كلها من أنواع التبرعات، والتبرع تطوُّع، ولهذا لا تجوز من شخص عليه دَيْن يَنْقُص الدَّيْنَ هذا التبرع، يعني إنسان عليه عشرة ريالات، وليس عنده إلا عشرة ريالات، نقول له: لا يجوز لك أن تتبرع بشيء من هذه الدراهم، لا بصدقة ولا بغيرها، لماذا؟
لأن الدَّيْن واجب القضاء، وهذه التبرعات ليست بواجب، والواجب مقدَّم على غير الواجب؛ لأن النبي ﵊ يقول: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» (٢)، وأنت إذا تبرَّعت من هذه الدراهم التي هي بمقدار دَيْنِك فإن هذا سيؤدي حتمًا إلى ..
طلبة: المماطلة.
[ ١ / ٥٦١٠ ]
الشيخ: إلى المماطلة، والمماطلة ظُلْم ومُحَرَّم، وهي أيضًا -أعني هذه العقود الأربعة- أوسع من عقود المعاوضات من وجه، وأضيق من وجه.
فعقود المعاوضات كالبيع والإجارة تجوز حتى ممن عليه دَيْن، وأما هذه فلا تجوز ممن عليه الدَّيْن، وهذه تجوز في الأشياء المجهولة، وعقود المعاوضات لا تجوز في الأشياء المجهولة، فبينهما عموم وخصوص من جهة أيهما أضيق، نقول: هذه أضيق من وجه، وتلك أضيق من وجه.
الهبة، يقول: (هي التبرع بتمليك ماله المعلوم الموجود في حياته غيرَه).
قوله: (التبرع بتمليك)، (بتمليك) متعلِّق بـ (التبرع)، وقوله: (غيره) مفعول لـ (تمليك)، وقوله: (ماله) مفعول، لكنه أُضِيفَ إليه المصدر فصار مجرورًا، و(المعلوم) صفة لـ (مال)، و(الموجود) صفة لـ (مال)، و(في حياته) جار ومجرور متعلّق بـ (التبرع).
إذن التبرع ما شاء الله مثل عذق النخلة فيه شماريخ كثيرة.
(بتمليك) متعلق بأيش؟
طلبة: بالتبرع.
الشيخ: بـ (التبرع)، (في حياته) متعلق؟
طلبة: بـ (التبرع).
الشيخ: بـ (التبرع)، (غيره) مفعول (التبرع)، يعني: أن يتبرع الإنسان بتمليك ماله لغيره، ومعنى التبرع هو بَذْل المال بلا عِوَض، بذل المال بلا عوض يسمى تبرعًا.
مثاله: وجدت شخصًا محتاجًا لكتاب، وعندك الكتاب زائد عن حاجتك فأعطيته هذا الكتاب مجانًا، ماذا نسمي هذا؟
طلبة: تبرعًا.
الشيخ: نسميه تبرعًا؛ لأنه بَذْل للمال بلا؟
طلبة: بلا عِوَض.
الشيخ: بلا عِوَض، وقول المؤلف: (بتمليك ماله) أي: مال الإنسان الْمُمَلِّك، فيؤخَذ منه أنه يُشْتَرَط في الموهوب أن يكون مملوكًا للواهب، فلو وهبت شيئًا لشخص وهو لغيرك، ثم ذهبت فاشتريته من مالكه، فإن الهبة الأولى لا تصح، لماذا؟ لأنك حين وهبته لم تكن مالكًا له.
مثال ذلك: شخص وهب آخر ساعة وهو لا يملكها، ثم اشتراها من مالكها بعد أن وهبها، فإن هذه الهبة لا تصح؛ لأنها وقعت من غير مالك.
[ ١ / ٥٦١١ ]
وقوله: (بتمليك ماله)، (تمليك) يؤخَذ منه شرط آخر، وهو أن يكون الموهوب له ممن يصح تَمَلُّكُه؛ لأن قوله: (بتمليك ماله) إذا ما لم يصح تملكه فإنه لا يصح أن يهب له.
مثال ذلك: لو قال: هذا البيت هبة لجبريل الملَك، يصح ولَّا لا؟
طالب: ما يصح.
الشيخ: لماذا؟
طلبة: ما يصح تملكه.
الشيخ: لأنه لا يصح تملكه، فلا بد من وقوع التمليك من الْمُمَلِّك لشخص يصح تملُّكه.
إذن أخذنا من هذا شرطين؛ الأول: أن يكون الموهوب ملكًا للواهب، وأخذناه من قوله؟ قولوا يا جماعة.
طلبة: (ماله).
الشيخ: (ماله)، الثاني: صحة تَمَلُّك الموهوب له، وأخذناه من قوله؟
طلبة: (تمليك).
الشيخ: (تمليك)، الثالث، قال: (المعلوم) هذا شرط ثالث: أن يكون الموهوب معلومًا، فإن كان غير معلوم فإن الهبة لا تصح، لماذا؟ لأنه غرض، قد يهبني شيئًا وهو غير معلوم فنقع في الجهالة، ولكن هذا الشرط غير صحيح، والصحيح صحة هبة المجهول؛ لأنه لا يترتب عليه شيء، فإن الموهوب له إن وَجَدَ الموهوب كثيرًا فهو غانم، وإن وجده قليلًا.
طلبة: فليس عليه ضرر.
الشيخ: فلا ضرر عليه، هو غانم أيضًا، فلذلك القول الصحيح: إنه لا يُشْتَرَط عِلْمُ الموهوب، لو وهبتَ لشخص حملًا في بطن فإنه لا يصح على كلام المؤلف، ويصح على القول الثاني الذي اخترناه، ونقول: متى وَلَدَتْ هذه البهيمة فولدها لِمَن؟
طالب: للموهوب له.
الشيخ: للموهوب له.
فإن قال قائل: قد يندم الواهب إذا رأى أن الحمل متعدِّد، أو رأى أن الحمل على صفة مرغوب فيها عنده؟
فنقول: ولو ندم، فهو الذي أوقع نفسه في الندم، لماذا يتسرع فيهب الحمل قبل أن يوضَع؟
أيضًا (الموجود في حياته)، (في حياته) متعلق بأيش؟
طالب: بـ (التبرع).
الشيخ: بـ (التبرع)، يعني: أن يهب ذلك في حياته، فإن تبرَّع بعد موته فهي وصية، لو قال مثلًا: إذا مِتّ فهذه السيارة لفلان. فهذا تبرُّع، لكنه بعد الموت فلا يسمى هبة، وإنما يسمى؟
طالب: وصية.
[ ١ / ٥٦١٢ ]
الشيخ: وصية، وقوله: (غيره) بيان للواقع، وإلَّا فإنه لو تبرع بتمليك ماله نفسَه؟
طلبة: فليس هبة.
الشيخ: فليس بهبة، ليش؟
طلبة: لأنه تحصيل حاصل.
الشيخ: لأنه تحصيل حاصل، لو قال: وهبت نفسي ثوبي، هذا ما فيه فائدة، هذا تحصيل حاصل.
إذن يُشْتَرَط عدة شروط؛ الشرط الأول: أن يكون الواهب ممن يصح تبرعه؛ لقوله: (التبرع)، الثاني: أن يكون الموهوب له ممن يصح تملُّكه؛ لقوله: (تمليك)، الثالث: أن يكون مملوكًا للواهب حين الهبة؛ لقوله: (ماله)، الرابع: أن يكون معلومًا، وفيه خلاف، الخامس: أن يكون في الحياة.
لو تبرَّع بشيء لا يُتَمَوَّل؛ لكونه حرامًا، مثل أن يتبرع بخمر أو بدخان، فهل يصح هذا أو لا؟
طالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح؛ لأن ملكه ليس بصحيح، ولأن في تنفيذ ذلك إعانة على المحرَّم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
قال المؤلف: (وإن شَرَط فيها عِوَضًا معلومًا فبَيْع)، (إن شرط فيها)، أي: في الهبة، والفاعل يعود على الواهب، يعني: (إن شرط) الواهب (فيها)، أي: في الهبة، (عِوَضًا معلومًا فبَيْع)؛ لأنها صارت حق معاوضة، مثل أن يقول: وهبتك هذه السيارة بشرط أن أسكن في بيتك لمدة عشر سنوات، ماذا تكون هذه الهبة؟
طلبة: بيع.
الشيخ: هذه بيع، بيع بمنفعة ولَّا بعَيْن؟
طلبة: بمنفعة.
الشيخ: بمنفعة، كأنه باع هذه السيارة بمنفعة البيت لمدة عشر سنوات، ولكن المؤلف يقول: (إن شرط فيها عوضًا معلومًا) ففُهِمَ منه أنه لو شرط فيها عِوَضًا مجهولًا فإن ذلك لا يصح، وهو في الحقيقة لو لم يأتِ بمعلوم، لو قال: إن شرط فيها عوضًا فبيع، لعلمنا أنه لا بد أن يكون معلومًا؛ لأننا إذا حكمنا بأنها بيع صار لها جميع أحكام البيع، فلا بد أن توجد جميع شروط البيع، وتنتفي جميع موانع البيع.
ولهذا لو وهب شخصًا شيئًا بعد أذان الجمعة الثاني، وهو ممن يلزمه حضور الجمعة، فهل تصح الهبة؟
طالب: لا.
[ ١ / ٥٦١٣ ]
الشيخ: نقول: إن شَرَط فيها عوضًا معلومًا ..
طلبة: فلا تصح.
الشيخ: فلا تصح؛ لأنها صارت بيعًا، وإن لم يشترط فيها عِوَضًا معلومًا ..
طالب: صحت.
الشيخ: فصحيح، لماذا؟ لأنها تبرع، والْمُحَرَّم بعد نداء الجمعة الثاني هو البيع، وأما التبرع كالصدقة والهبة والهدية؟
طالب: جائز.
الشيخ: فإن ذلك جائز؛ لأن الله إنما حرَّم البيع حيث قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩].
قال المؤلف: (ولا يصح مجهولًا إلا ما تعذَّر علمه)، نعم، لا يصح أن يهب مجهولًا بناء على اشتراط العلم في الموهوب، كما هو صريح كلام المؤلف في قوله: (ماله المعلوم)، فإذا كان مجهولًا فإنه لا يصح، وله أمثلة: لو وهب جَمَلَه الشارد أو عبده الآبق فالهبة؟
طالب: لا تصح.
الشيخ: لا تصح، مع أنه ليس بها ضرر، إذا وهب هذا الشخص جملًا له شاردًا، قال: يا فلان، فقال: نعم، قال: لي جمل شارد منذ شهر، وأنا وهبتك إياه لك، على كلام المؤلف؟
طلبة: لا تصح.
الشيخ: لا تصح الهبة، والصحيح أنها تصح؛ لأن هذا الموهوب له إن وَجَدَ الجمل فهو غانم، وإن لم يجده فهو سالم، فليس هذه مَيْسِرًا، الْمَيْسِر هو الذي يدور فيه الفاعل بَيْنَ؟
طالب: غُنْم وغُرْم.
الشيخ: بين غُنْم وغُرْم، أما بين غُنْم وسلامة فليس هذا من باب الْمَيْسِر، نقول له: روح دوّر على الجمل، فقال الموهوب له: أنا أخشى أن أتعب ولا أجده، ويش نقول له؟ نقول: لا تتعب، كما أنك لو خرجت لتحتشّ من البلد قد تجد وقد لا تجد، كما أن الإنسان لو خرج يجني الكمأة، تعرفون الكمأة؟
طلبة: الفَقْع.
الشيخ: الفَقْع، لو خرج يجني الكمأة وبقي طول نهاره ما وجد شيئًا، ماذا يكون؟
نقول: أنت الذي أتعبت نفسك، حتى البائع المشتري في دُكّانه هو على خطر، قد يربح وقد يخسر، لكن الفعل فعله.
[ ١ / ٥٦١٤ ]
على كل حال القول الراجح في هذه المسألة أنه تجوز هبة المجهول؛ لأن الموهوب له إما غانم؟
طلبة: وإما سالم.
الشيخ: وإما سالم.
قال المؤلف: (إلا ما تعذَّر علمه) فإنه تصح هبته، مثل: شخص عنده عاريَّة لآخر، ولكن هذه العاريَّة اختلطت بماله، ولا يدري أيّ شيء من ماله، ما يدري هل هي قِدْر، هل هي كأس، هل هي إناء، لا يعلم، فقال له صاحبها -صاحب العاريَّة، الْمُعِير-: قد وهبتها لك، تجوز الهبة هنا ولَّا لا؟
طلبة: تجوز.
الشيخ: ليش؟
الطلبة: لتعذر العلم.
الشيخ: لتعذر العلم، ما يمكن نعلمها، ما ندري ما هي، فهنا نقول: إنه تجوز هبتها؛ لأن العلم بها متعذِّر، ولو أَلْزَمْنَا المستعير بأن يخرجها لنا لكان في ذلك؟
طالب: مشقة.
الشيخ: مشقة عظيمة.
إذا قال قائل: هنا لا يتعذَّر العلم، يمكن أن يتَّفِق الْمُعِير والمستعير على واحد من هذه الأواني؟
نقول: هذا ممكن، لكن هل إذا اتفقَا على واحد من هذه الأواني هل هو عين الْمُعَار ولَّا لا؟ قد يكون وقد لا يكون، إذن فعِلْمُها متعذِّر.
ولهذا نقول في هذه الحال: لو وَهَبَهُ إياها لكان ذلك صحيحًا، ولو تصالحَا على شيء معيَّن من هذه الأواني؟
طالب: يصح.
الشيخ: يصح، والله أعلم.
طالب: يا شيخ، هل يُشْتَرَط في الموهوب أن تكون عينًا، يعني لو وهبها منفعة تسمى هبة ولا عاريَّة؟
الشيخ: لا، تسمى هبة على كلام المؤلف، لازم من تمليك العين.
طالب: قلنا فيما قبل: إن الضمير يعود على أقرب مذكور، قلنا: لا يصح كما قلنا في الهبة، وذكر قبلها البيع، قلنا: إنه لا يصح إلا معلومًا وذكر المعلوم هنا في التعريف هنا.
الشيخ: أيش؟
الطالب: المؤلف قال: (ولا يصح ..).
الشيخ: (لا يصح معلومًا إلا ما تعذر علمه).
الطالب: مجهولًا.
الشيخ: (مجهولًا إلا ما تعذَّر علمه).
الطالب: الضمير يعود على الهبة، ولكن الذي يظهر لي أنه على البيع.
الشيخ: إي، لكن إذا ظهر لك ففهمك قاصر.
الطالب: لأنه يا شيخ ذكر المعلوم في التعريف.
[ ١ / ٥٦١٥ ]
الشيخ: هل يُعْقَل أنه إذا كان مجهولًا يتعذر علمه يصح أن يُباع، وإذا كان مجهولًا لا يتعذَّر علمه لا يصح؟
الطالب: ما فهمت الإشكال.
الشيخ: الآن كلام المؤلف يقول: (لا يصح مجهولًا إلا ما تعذر علمه)، لو قلنا: لا يصح أن يبيع مجهولًا إلا ما تعذَّر علمه يستقيم الكلام.
الطالب: لا يستقيم.
الشيخ: على كلامك يستقيم، لو قلنا: لا يصح مجهولًا، أي: لا يصح أن يبيع مجهولًا إلا ما تعذَّر علمه، يستقيم ولَّا ما يستقيم؟
الطالب: ما يستقيم.
الشيخ: ما يستقيم؛ لأنه لو كان كذلك لكان معناه: المجهول إن تعذَّر علمه صح بيعه، وإن لم يتعذر علمه لم يصح، وهذا ما يستقيم، المجهول لا يصح بيعه، سواء تعذَّر علمه أو لم يتعذر.
طالب: شيخ، فيه إنسان يبغي يتصدق، أو فيه إنسان () بيعطيه هبة، وإذا كان الإنسان اللي بيعطيهم هبة هذه صاحب طاعة، ويرجو الدعاء لصالحه، والمسكين اللي بيتصدق عليه أفضل أن يأخذ.
الشيخ: لا، الثاني أفضل.
الطالب: يعني المسكين.
الشيخ: إي، الثاني أفضل؛ لأن المسكين ده في حاجة، حاجة مسلم، وذاك في الحقيقة إنما وهبته لمصلحتك من أجل أن يدعو لك.
الطالب: هو ().
الشيخ: نعم نعم، لا، هذاك أفضل، نعم لو فُرِضَ أن الفقير لو تصدقت عليه لذهب ينفقه في شيء لا ينفع، وهذا الرجل المستقيم إذا وهبته انتفع به، فهو من هذه الناحية تكون الهبة أفضل.
طالب: شيخ، قلنا: بالنسبة للمرأة يا شيخ هل تهب من مالها؟
الشيخ: هل أيش؟
الطالب: المرأة هل تهب من مالها بغير إذن زوجها؟
الشيخ: نعم، الصحيح أنها تهب.
طالب: (غير) يصدق على الحيوان ()، (في حياته غيره)، والغير يصدق على الحيوان وعلى الإبل وعلى الكائن، فإن هذا كذلك ().
الشيخ: إي نعم، هذا الحيوان يملك؟
الطالب: بهذا خرجوا ولا ..
[ ١ / ٥٦١٦ ]
الشيخ: نعم، تمام، الكافر نعم تصح الهبة له، لكن إذا كان الكافر من قوم يقاتلوننا، يعني يقاتلون المسلمين، فهذا لا يجوز أن نَبَرَّه بشيء؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ [الممتحنة: ٩].
() (تنعقد) الضمير يعود على الهبة، (بالإيجاب) وهو اللفظ الصادر من الواهب، (والقبول) وهو اللفظ الصادر من الموهوب له.
مثال ذلك: وهبتك هذا الكتاب، ماذا نسمي هذا؟
طلبة: إيجابًا.
الشيخ: إيجابًا، فقال الثاني: قبلت، نسمي هذا؟
طلبة: قبولًا.
الشيخ: قبولًا، فلا بد من هذا، لا بد من صيغة تنعقد بها الهبة، وهي الإيجاب والقبول، الإيجاب: الفظ الصادر من الواهب، والقبول: اللفظ الصادر من الموهوب له.
فلو قال: وهبتك هذا الشيء، وسكت، وتفرَّقَا، فها تصح الهبة؟
طلبة: لا تصح.
الشيخ: لماذا؟ لأنه لم يحصل إيجاب.
طالب: لم يحصل قبول.
الشيخ: نعم، لم يحصل قبول من الموهوب له.
قال: (وتنعقد بالمعاطاة الدالة عليها)، (المعاطاة) معناه: أنه يعطيه فقط، بدون أن يتلفَّظ، لكن بشرط أن تكون هذه المعاطاة دالَّةً على الهبة، ومن ذلك ما يفعله بعض الناس إذا كان عند شخص مناسبة زواج صاروا يُرْسِلُون إليه الغنم، أو أكياس الطعام، فتُدْخَل البيت أو تُدْخَل حوش الغنم، بدون أن يكون هناك لفظ، لا من الواهب، ولا من الموهوب له، بل ربما لا يدري مَن الذي جاء بها، نقول: هذه هبة صحيحة ولَّا غير صحيحة؟
طلبة: صحيحة.
الشيخ: بأي شيء؟
الطلبة: بالمعاطاة.
الشيخ: المعاطاة الدالة عليها، ومن ذلك ما يحصل من الهدايا للمولود حين يولَد، فإن بعض الناس يرسل الهدية بدون أن يقول: هذه هبة، وبدون أن يقول الآخر: قبلت، هذا أيضًا من المعاطاة الدالة عليها.
[ ١ / ٥٦١٧ ]
ويصح أن يكون الإيجاب باللفظ، والقبول بالمعاطاة، فيقول: وهبتك هذا الكتاب، فيأخذه الموهوب له، ولا يقول: قبلت؛ لأن القبول هنا حصل بماذا؟
طالب: بالمعاطاة.
الشيخ: بالمعاطاة، أي أنه أخذه، وهذا دليل على قبوله، إلا إذا قال: قبلتُه عاريًّة، فيكون عاريًّة.
قال: (وتلزم بالقبض بإذن الواهب)، (تلزم بالقبض) يعني أن الهبة تكون عقدًا جائزًا ولو حصل الإيجاب والقبول، ولا تلزم إلا بالقبض، أي: قبض الموهوب له من الواهب، أو مَن يقوم مقامه.
فلو قال: وهبتك هذا الكتاب، ولكنه لم يسلمه له، فللواهب أن يرجع، وللموهوب له أن يرد ولو بعد القبول، يعني قال –مثلًا-: وهبتك هذا الكتاب، فقال: قبلت، وبقي الكتاب في يد الواهب، فللواهب أن يرجع، وللموهوب له أن يرجع أيضًا، لماذا؟ لأنها لا تلزم إلا بالقبض، فهي قبل القبض كالبيع الذي فيه الخيار، فكما أن البيع إذا كان فيه خيار لا يلزم إلا بزوال الخيار، فكذلك الهبة لا تلزم إلا بالقبض.
وعلى هذا فلو وجدنا ورقة مكتوبة من شخص ميت يقول: إني وهبت فلانًا سيارتي –مثلًا- أو بيتي، فقط ما فيه إلا هذا، فهل تكون هذه الهبة لازمة أو لا؟
لا، ما هي لازمة؛ لأنه ليس فيها أن فلانًا قَبِلَ، ولا أن فلان قبض، ولا بد من قبولٍ للصحة، وقبضٍ للزوم، فلا تلزم إلا بالقبض.
أيضًا لا بد أن يكون القبض بإذن الواهب، فإن قال: وهبتك هذا الشيء، وأبقاه معه، ثم جاء الموهوب له بعد يوم أو يومين وأخذه من دولابه مثلًا، فإن الهدية لا تلزم، لماذا؟ لأن القبض ليس بإذن الواهب، لا بد أن يكون القبض بإذن الواهب، واضح يا جماعة؟
لو قال: يا فلان هذا كتاب هدية لك، قال: بارك الله فيك جزاك الله خيرًا قبلت، ثم إن الْمُهْدِي أخذ الكتاب ووضعه في دولابه -دولاب الْمُهْدِي- ثم جاء الْمُهْدَى له وأخذ الكتاب بدون إذن الْمُهْدِي.
طالب: تصح.
طالب آخر: لا تلزم
الشيخ: لا تلزم، ليش؟
طالب: ليست بإذن الواهب.
[ ١ / ٥٦١٨ ]
الشيخ: لأنه ليست بإذن الواهب، أي: الْمُهْدِي.
قال المؤلف: (إلا ما كان في يد مُتَّهِب) فلا حاجة للإذن، مثل أن يكون شخص استعار من شخص كتابًا، فقال الْمُعِير: قد وهبتك الكتاب، قال: قبلت، فهنا لا يحتاج أن يقول: وهل تأذن لي أن أقبضه؟ لماذا لا يحتاج ذلك؟
طلبة: لأنه في يده.
الشيخ: لأنه في يد الموهوب له، ولهذا قال المؤلف: (إلا ما كان في يد مُتَّهِب)، فما كان في يد مُتَّهِب فهذا قبض، ولا يحتاج إلى استئذان جديد.
فَهِمْنَا الآن أن الهبة تنعقد بالإيجاب والقبول، وهذه الصيغة القولية، وتنعقد بالمعاطاة الدالة عليها، وهذه الصيغة الفعلية، وفهمنا أيضًا أنها لا تلزم إلا بالقبض، وأنها قبل القبض عقد جائز مِن؟
طلبة: من الطرفين.
الشيخ: من الطرفين، فللواهب أن يرجع، وللموهوب له أن يرجع، ويقول: أنا هَوَّنْت عن القبول لا أريدها، رجعت في قبولي لا أريدها، فإذا قبضها صارت لازمة، فلو أراد أن يرجع الموهوب له في قبوله وقال: أنا فَكَّرْت ورأيت أني لو أبقيتها لصار هذا الرجل كل يوم يَمُنّ عَلَيّ، خذ هبتك لا أريدها، فإنه لا يملك ذلك، لماذا؟
طلبة: قبضها.
الشيخ: لأنها صارت لازمة بقبضه، وحينئذ إن أراد أن يردها إلى الواهب صارت هبة جديدة؛ إن شاء الواهب قَبِلَ، وإن شاء لم يَقْبَل، واضح يا جماعة الآن؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يُسْتَثْنَى من ذلك –من استئذان الواهب- ما إذا كانت الهبة في يد الْمُتَّهِب، فلا حاجة للاستئذان؛ لأنها في يده، كيف يقول له: أتأذن لي أن أقبض، وهي في يده.
قال المؤلف: (ووارث الواهب يقوم مقامه)، يعني: في الإقباض وعدمه، فلو أن الميت مات بعد الإيجاب والقبول لكن لم يُقَبِّض قام وارثه مقامه؛ إن شاء قَبَّض فلزمت الهبة، وإن شاء منع فبطلت الهبة، وارث الواهب يقوم مقامه، أما الْمُتَّهِب فإنها تبطل الهبة بموته إذا لم يقبضها، فصار هناك فرق بين موت الواهب والْمُتَّهِب؛ الواهب إذا مات قام وارثه مقامه، والْمُتَّهِب؟
[ ١ / ٥٦١٩ ]
طالب: تبطل هبته.
الشيخ: تبطل هبته إذا لم يقبل قبل أن يموت.
ثم قال المؤلف: (ومَن أَبْرَأَ غريمه من دَيْنِه بلفظ الإحلال أو الصدقة أو الهبة ونحوها برئت ذمته ولو لم يقبل).
طالب: شيخ، () قال الواهب للموهوب له: هذا وهبته لك، وهو أخذ هذا الشيء الموهوب وحطه في دولابه.
الشيخ: لا، ما أخذ الموهوب.
الطالب: ما أخذه الموهوب له.
الشيخ: لا، ما أخذه، أنت قلت مثلًا للأخ: هذا الكتاب هبة لك، فقال: قَبِلْت.
الطالب: وأخذه.
الشيخ: لا، ما أخذه، قال: قَبِلْت، والكتاب معك، فوضعته في دولابك أنت، فجاء فأخذه من دولابك.
الطالب: إي، هذا لا يجوز، أنا قلت: مثلًا أخذه وحطه في دولابه.
الشيخ: لا لا.
طالب: شيخ، لو وهب الوالد ابنَه هِبَةً، سواء سيارة أو غيرها، ثم أراد أن يرجع هل له أن يرجع في هذا؟
الشيخ: عندك بالفصل اللي بعد هذا، موجود بالفصل.
طالب: أحسن الله إليك، إذا ضاع مني شيء، وقلت: مَن وجده فهو هبته، ووجده، فلي أن أرجع فيه؛ لأن الثاني ما علم أن هذه هبة؟
الشيخ: لا، ما دام ما عَلِمَ فهو لك، إذا قلت: مَن وجد هذا فهو له، وجاء واحد ووجده وما علم بكلامك فهو لك أنت.
طالب: مسألة الوقف.
طالب آخر: فيه كتاب الوقف.
الشيخ: لا انتهينا منه، الوقف انتهى.
طالب: شيخ، إنسان ما ()؟
الشيخ: إي نعم، ما دام ما استلم الهبة هم بالخيار، وأيضًا القبول لا بد أن يكون مباشرة ما يتأخر عن الإيجاب.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم ().
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ما تقول في رجل وَهَبَ شخصًا هبة، ثم قَبْلَ أن يُقْبِضَها إياه رجع فيها؟
طالب: ما تلزم.
الشيخ: أقول: هل يصح الرجوع أو لا يصح؟
الطالب: لا، يصح.
الشيخ: لا يصح.
الطالب: بل يصح.
الشيخ: يصح الرجوع، لماذا؟
الطالب: لأنه لم يُقْبِضها إياه.
الشيخ: لم يُقْبِضها إياه.
[ ١ / ٥٦٢٠ ]
لو أنه –أي: الموهوب له- ذهب وأخذ الهبة من بيت الواهب بدون إذنه؟
طالب: لا يصح؛ لأنه لا بد من إذن الواهب.
الشيخ: يعني لا يحل له ذلك؛ لأنه لا بد من إذن الواهب في القبض، لو وَهَبَهُ شيئًا في يده فهل يحتاج إلى قبض؟
الطالب: ما يحتاج.
الشيخ: يعني: شخص أعار شخصًا كتابًا، ثم قال الْمُعِير للمستعير: قد وهبتك الكتاب، هل تلزم الهبة أو لا؟
الطالب: تلزم الهبة.
الشيخ: ما قَبَّضَه إياه.
الطالب: ما يحتاج إلى تقبيض.
الشيخ: ما يحتاج إلى تقبيض، ليش؟
الطالب: لأنه بيده.
الشيخ: لأنه بيده، أحسنت.
قال المؤلف: (ومَن أَبْرَأَ غريمه من دَيْنِه بلفظ الإحلال أو الصدقة أو الهبة ونحوها بَرِئَت ذمته)، (مَن أبرأ) (مَن) هذه شرطية فتعم كل مُبْرِئ، لكن لا بد من أن يكون هذا الْمُبْرِئ ممن يجوز تبرعه؛ لأن الإبراء تبرُّع، فلا بد أن يكون الفاعل ممن يصح تبرُّعه، فلو أبرأ غريمه من دَيْنِه وهو لا يصح تبرُّعه، كالسفيه مثلًا، فإن الغريم أيش؟
طالب: لا يبرأ.
الشيخ: لا يبرأ؛ لأن الْمُبْرِئ لا يصح تبرعه، وكذلك على القول الراجح، مَن عليه دَيْن مُسْتَغْرِق لماله فإنه لا يصح إبراؤه؛ لأن الدين واجب القضاء، والإبراء سُنَّة وليس بواجب.
المهم أننا نقول: (مَن أبرأ) هذا عامٌّ أُرِيدَ به الخاص، مَن الذي أريد به؟
طالب: مَن يصح تبرعه.
الشيخ: مَن يصح تبرعه.
وقوله: (غريمَه) أي: الذي يطلبه، يعني: مطلوبه، بخلاف غريم غيره، وعلى هذا فالوكيل لا يملك أن يُبْرِئ غريمَ الموكِّل، لماذا؟ لأن غريم الموكِّل ليس غريمًا له.
مثال ذلك: رجل وُكِّلَ في بيع سيارة على شخص، فباع السيارة على شخص بثمن مؤجَّل، ثم قال الوكيل في بيع السيارة للمشتري: قد أبرأتك من ثمنها، هل يصح هذا الإبراء؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لماذا؟
طلبة: ليس غريمه.
الشيخ: لأن هذا الغريم غريم للمُوَكِّل لا للوكيل.
[ ١ / ٥٦٢١ ]
رجل وَلِيّ على يتيم، وباع شيء من ماله بثمن مؤجَّل، فأبرأ هذا الوليُّ الغريمَ من هذا الثمن أو من بعضه.
طالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح؛ لأن الولي ليس له الدَّيْن، أو لأن الدَّيْن ليس للولي، بل هو للمُوَلَّى عليه، فلا يملك أن يُبْرِئ الغريم.
يقول: (بلفظ الإحلال)، أبرأه بلفظ، لا بد أن يكون هناك لفظ، واللفظ كل ما دَلَّ على الإبراء، فيقول -مثلًا-: أحللتك من دينك، أو أنت في حِلّ منه، أو سامحتك، أو تصدقت به عليك، أو وهبته لك، أو أنت منه في حِلّ، أو لا أطالبك به أبدًا، أو ما أشبه ذلك، المهم كل لفظ دَلَّ على الإبراء فإنه يحصل به الإبراء.
فمثال ذلك: رجل له على شخص مئة درهم، فقال الذي له المئة: إني قد أبرأتك منها، يبرأ منه؟
طلبة: يبرأ.
الشيخ: يبرأ، قال: قد أحللتك من دَيْنِك.
طلبة: يبرأ.
الشيخ: يبرأ، قد سامحتك منه.
طلبة: يبرأ.
الشيخ: يبرأ، قد وهبته لك؟ يبرأ، كل ما دَلَّ على الإسقاط فإنه يبرأ به، قد أسقطه عنك؟
طلبة: يبرأ.
الشيخ: يبرأ.
قال: (برئت ذمته) أي: ذمة الغريم، وبقي طلقًا حرًّا ليس عليه دَيْن، (ولو لم يقبل)، يعني: لو كان الغريم: أنا والله ما أقبل () فيك، قال: أبدًا، أبرأتك، سامحتك، أسقطت عنك الدَّيْن، قال: لا، لا قبول، يقول المؤلف: (يسقط الدَّيْن وإن لم يقبل).
لو قال شخص لآخر: خُذْ هذه الدراهم مئة درهم وهبتها لك، قال: لا أقبل، يلزمه ولا لا يلزمه؟
طلبة: لا يلزمه.
الشيخ: لا يلزمه، فما الفرق بين هبة الدَّيْن وهبة العين؟
قالوا: لأن الدَّيْن وصفٌ في الذمة، فإبراؤه منه إزالة لهذا الوصف، وأما هبة العين فهي عين قائمة لم تدخل في ملكه، فالْمُبْرَأ من الدَّيْن هل الدَّيْن في ملكه ولَّا لا؟ في ملكه، داخل في ملكه، وأنا الآن أبرأته منه فأَزَلْت عنه وصف الغُرْم، لكن الهبة عين مستقلة في ملك مَن؟
طالب: صاحب الدَّيْن.
الشيخ: في ملك الواهب، فلا تدخل في ملك الموهوب له إلا بقبوله.
[ ١ / ٥٦٢٢ ]
وهذه هي قاعدة المذهب؛ أن الأوصاف لا يُشْتَرَط فيها القبول، ولهذا لو كان في ذمة زيد لعمرو مئة صاع بُرٍّ من الوسط، فأعطاه زيد مئة صاعًا من البُرّ الجيِّد، فقال صاحب الدَّيْن: أنا لا أقبل الجيد، لا أقبل إلا الوسط كما هو الاتفاق بيننا، قال: لا، أنا بأعطيك الجيد، هل يُشْتَرَط قبول الغريم؟ أعني صاحب الدَّيْن هل يُشْتَرَط أو لا؟
طلبة: ما يشترط.
الشيخ: ليش؟
طلبة: وصف.
الشيخ: نعم؛ لأن هذا وصف، أنا لم أُعْطِكَ أكثر من مئة، ولكنني زدتك خيرًا في الوصف، لكن لو أراد أن يعطيه مئة صاع وصاعًا، فالزائد عن المئة التي هي الدَّيْن لا يصح إيتاؤها إلا بقبول ممن له الدَّيْن.
وقال بعض أهل العلم: إنها لا تبرأ ذمته إلا بالقبول، وذلك لأن الْمُبْرَأ ربما يلاحظ شيئًا بعيدًا وهو الْمِنَّة، ربما يكون هذا الذي أبرأه في يوم من الأيام يقول: كيف تنسى أني أبرأتك، وحينئذ يَمُنّ عليه، وهو يقول: أنا لا أريد أن أحدًا يَمُنّ علَيَّ، واضحة الْمِنَّة؟
طالب: نعم.
الشيخ: واضحة.
مثال ذلك: رجل في ذمته عشرة آلاف ريال لزيد، فقال له زيد: قد أبرأتك منها، قال: لا أقبل، على المذهب أيش؟ يبرأ ولو قال: لا أقبل. القول الثاني يقول: لا، لا يبرأ إذا لم يقبل؛ لأنه ربما يكون عدم قبوله خوفًا من ..
طالب: من المنة.
الشيخ: من المنة في المستقبل، ربما يقول له الْمُبْرِئ في يوم من الأيام: كيف نسيت أني أبرأتك، هذا جزائي! هذا جزاء المعروف! فيكون في ذلك منة عليه، وهذا القول هو الأصح؛ لأن الإنسان حُرّ في أن يقبل مِنَّة الغير أو لا يقبلها، ولا شك أن الإبراء من الدَّيْن مِنَّة ممن؟
طالب: مِن الْمُبْرِئ.
الشيخ: من الْمُبْرِئ، فلا يلزم أحدًا أن يقبل منة أحد.
[ ١ / ٥٦٢٣ ]
وعُلِمَ من قول المؤلف: (بلفظ الإحلال) أنه لو نوى بقلبه أنه أبرأه ولكن ما تلفَّظ به فله أن يرجع، وهذه تقع كثيرًا، ويُسْأَل عنها كثيرًا، يكون واحد –مثلًا- له دَيْن على شخص فافتقر الشخص، فينوي بقلبه أنه أبرأه، وأنه لن يطالبه في المستقبل، فنقول: لا يبرأ بذلك، لا يبرأ بمجرد النية، بل لا بد من أيش؟
طلبة: القول.
الشيخ: لا بد من القول، وهل يُشْتَرَط أن يعلم بذلك الْمُبْرَأ أو لا؟
طالب: لا يُشْتَرَط.
الشيخ: لا يشترط؛ لأن مَن لا يُشْتَرَط قبوله ورضاه لا يُشْتَرَط علمه، كل مَن لا يُشْتَرَط رضاه فإنه لا يُشْتَرَط علمه، ولهذا يجوز أن يطلِّق الرجل زوجته وإن لم تسمع، فلو قال لها: إني طلقتك قبل شهر، قالت: ما سمعت، ماذا يقول لها؟
طالب: لا يُشْتَرَط السماع.
الشيخ: نقول: لا يُشْتَرَط سماعك؛ لأنه لا يُشْتَرَط رضاكِ حتى نقول: لا بد من سماعك.
كذلك هذا الذي لا يُشْتَرَط قبوله ولا رضاه إذا أبرأه من الدَّيْن وإن لم يسمع بَرِئَ منه، فلو قُدِّر أن الرجل كتب وثيقة بقلمه: الدَّيْن الذي على فلان قد أبرأته منه، برئت ذمته، ولو سأله سائل فقال: يا فلان، سمعت أنك تطلب فلانًا ألفَ ريال، قال: نعم، لكني أُشْهِدُك أني أبرأته، يبرأ أو لا؟
طلبة: يبرأ.
الشيخ: يبرأ، وإن لم يسمع الْمَدِين؟
طالب: وإن لم يسمع.
الشيخ: وإن لم يسمع.
ثم قال المؤلف: (وتجوز هبة كل عين تباع)، (تباع) يعني: يصح بيعها، كل عين يصح بيعها فإن هبتها تصح.
الدراهم تصح هِبَتُها؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ليش؟
الطالب: يجوز بيعها.
الشيخ: يجوز بيعها، الكتب تصح هبتها؟
الطالب: نعم.
الشيخ: المرهون؟
طالب: لا، ما يصح.
الشيخ: لا، ليش؟
الطالب: ما يصح بيعه.
الشيخ: لأنه لا يصح بيعه، الموقوف؟
طالب: لا يصح بيعه.
الشيخ: لا يصح بيعه؟
الطالب: لا يصح.
الشيخ: هبته؟ قال للموقوف عليه: هو لك مني هبة، يعني: شخص وقَّفَ هذا الكتاب على زيد، ثم بعدئذ قال له: قد وهبتك الكتاب هبة؟
[ ١ / ٥٦٢٤ ]
طالب: ما يصح.
الشيخ: لا يصح، لماذا؟
طلبة: لأنه لا يباع.
الشيخ: لأنه لا يباع، وهب ابنَه؟
طالب: ما يصح.
الشيخ: ما يصح.
الطالب: لا يجوز بيعه.
الشيخ: لأنه لا يجوز بيعه، وهب بعيره؟
طلبة: يصح.
الشيخ: يصح؛ لأنه يجوز بيعها.
إذن إذا قال لك قائل: ما هو الضابط فيما تصح هبته؟
نقول: كل ما جاز بيعه جازت هبته، وما لا يجوز بيعه لا تجوز هبته، إلا ما استثناه المؤلف في قوله: (وكلب يُقْتَنَى)، والكلب الذي يُقْتَنَى هو الذي يُتَّخَذ للزرع والحرث والماشية.
طالب: الكلب للصيد.
الشيخ: ليش وافقتم؟ بس أنتم مشيتم معي.
للزرع والصيد والماشية، هذا الذي يُقْتَنَى هو الذي يُتَّخَذ لواحد من هذه الأمور الثلاثة، فتجوز هبته ولا يجوز بيعه، وذلك لأن المُحَرَّم هو أَخْذ العِوَض عليه، وإذا كان الْمُحَرَّم هو أخذ العِوَض فإنه إذا وَهَبَهُ بلا عِوَض فلا بأس به.
وحقيقة هذه الهبة أنها تَنَزُّل عن اختصاصه به؛ لأنه ما هو تمليك؛ لأن الكلب لا يُمْلَك، لكن حقيقته أنه أيش؟ تنازل أو تَنَزُّل عن اختصاصه بهذا الكلب، ومن ذلك لو تَحَجَّر الإنسان أرضًا مَوَاتًا، تحجَّرها جعل عليها حجرة، يعني لا جدار بل كومة من التراب أو مراسيم، فهل يجوز بيعها؟
طالب: لا.
الشيخ: المذهب لا يجوز؛ لأنها لم تُمْلَك، لكن لو وهبها؟
طالب: يجوز.
الشيخ: جاز، وحقيقة هذه الهبة أنها تنازُل عن استحقاقه لهذه الأرض التي حَوَّطَها، وليست هبة حقيقية؛ لأن ما فيها تمليك.
ثم قال المؤلف: (فصل .. يجب التعديل في عطية أولاده بقدر إرثهم)، يعني هذا الفصل اللي عقده المؤلف فيه مسائل، منها:
عطية الأولاد، والمراد بالعطية هنا الهبة، يعني فهي أعم من العطية في مرض الموت.
[ ١ / ٥٦٢٥ ]
أولاده الذكور والإناث بقدر إرثهم، فيكون للذكر مثل حظ الأنثيين، وهذا في العطية المحضة دون العطية للحاجة، فالعطية للحاجة تتقدَّر بقدر الحاجة، والعطية المحضة التي هي تبرُّع محض تتقيد بمقدار الإرث، يعني للذكر مثل حظ الأنثيين.
فهذا رجل عنده ولد وبنت، أعطى الولد ولم يُعْطِ البنت، هذا حرام لا يجوز، أعطى البنت ولم يُعْطِ الولد يعني لم يُعْطِ الذكر.
طالب: حرام.
الشيخ: هذا أيضًا حرام، أعطى البنت بمقدار الابن، هذا أيضًا حرام لا يجوز؛ لأن الواجب أن يعطي الولد الذكر مِثْلَيِ الأنثى.
أعطى الابن ثلاثين، وأعطى البنت عشرة.
طلبة: أيضًا لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، أعطى الابن خمسة وعشرين، وأعطى البنت عشرة.
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، أعطى الابن عشرين، وأعطى البنت عشرة.
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز؛ لأن هذا هو قدر الإرث، بقدر إرثهم.
وعُلِمَ من كلام المؤلف ﵀ أن التسوية بالقدر لا تجوز، يعني لو أعطى الذَّكَر مئة وأعطى الأنثى مئة فهذا حرام لا يجوز، ودليل ذلك قول النبي ﷺ: «اتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» (٣).
لما جاء بشير بن سعد إلى النبي ﷺ ليُشْهِدَه على عطيته لابنه النعمان قال له: «أَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ» (٤).
إذن لو قال قائل: هذا الحديث يدل على أنه تجب التسوية بين الولد الذكر والولد الأنثى، فما الجواب؟
الجواب: لا، ليس يدل على التسوية؛ لأن الرسول ﷺ قال: «وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ»، ولا نرى أحدًا أعدل من الله ﷿، وقد قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، ولا نجد قسمة أعدل من قسمة الله تعالى، وعلى هذا فيكون التعديل أن يُجْعَل للذكر مثل حظ الأنثيين، وليس التعديل أن يُسَوَّى بينهم، واضح يا جماعة؟
[ ١ / ٥٦٢٦ ]
وهذا هو القول الراجح؛ أن التعديل بين الأولاد إنما يكون بتفضيل الذكر على الأنثى، بحيث يُجْعَل للذكر مثل حظ الأنثيين، وليس التعديل بمعنى التسوية.
وقول المؤلف: (في عطية أولاده) احترازًا من النفقة، فالنفقة لا يُعَدَّل فيها بقدر الإرث، إنما يُعَدَّل فيها بأيش؟ بقدر الحاجة، فلو فُرِضَ أن البنت تحتاج إلى حُلِيّ يُجْعَل على الرأس بعشرة آلاف ريال، والابن يحتاج إلى طاقية يجعلها على رأسه بخمسة ريالات، فما التعديل؟
طالب: ().
الشيخ: أن يشتري للبنت الحلي بعشرة آلاف ريال، وللابن طاقية بخمسة ريالات، هذا التعديل.
عنده أولاد ذكور أحدهم كالجمل جسمًا، والثاني صغير الجسم، ثوب الأول بمئة ريال، وثوب الثاني بعشرة ريالات، فاشترى لكل واحد منهما ثوبًا، فقال الصغير: أعطني تسعين ريالًا؛ لأنك اشتريت لأخي بمئة واشتريت لي بعشرة، فالفرق؟
طلبة: تسعون.
الشيخ: تسعون ريالًا، أعطني تسعين ريالًا وإلا فإنك جائر، ماذا نقول؟
طالب: ().
الشيخ: بل الجور منك أيها الصغير، لو أعطاك تسعين ريالًا لكان قد فَضَّلَك على أخيك؛ إذ إن الذي أعطى أخاك هو ثوب، وأنت أعطاك ثوبًا، لكن لو قال: اشترِ لي مثل ثوب أخي، قلنا: ما يخالف، لكن سيكون ثوب أخيك عليك مثل الخيمة، هل ترضى أن يكون عليك خيمة تمشي بين الناس؟ ما يرضى، ولو فعل ذلك لكان هذا جنونًا.
له ابنان ذَكَرَان، أحدهما يدرس في الجامعة يحتاج إلى كتب، يشتري له الكتب بمقدار مئتي ريال –مثلًا- والثاني يدرس في الابتدائي يحتاج إلى كتب بعشرين ريالًا، فاشترى للأول بمئتين، واشترى للثاني بعشرين، هل هذا عدل؟
طلبة: نعم.
الشيخ: عدل؛ لأن هذا هو الحاجة، له ابنان أحدهما بلغ عشرين سنة، واحتاج إلى الزواج فزوَّجه بأربعين ألفًا، والثاني له عشر سنوات لا يحتاج إلى الزواج، هل يطالب الثاني أباه بأن يعطيه أربعين ألفًا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأن هذه من أجل الحاجة ودفع الحاجة.
[ ١ / ٥٦٢٧ ]
وهل يُفَضِّل بينهم باعتبار البِرّ؟ يعني: إذا كان أحدهما أَبَرّ من الآخر، الآخر عنده عقوق، والثاني بارّ، فقال: سأُعْطِي البارّ أكثر مما أعطي العاقّ تشجيعًا للبارّ وحثًّا للعاقّ أن يَبَرّ، ما تقولون؟
طالب: ما يجوز.
الشيخ: نقول: لا يجوز؛ لأن البِرّ ثوابه أعظم من دراهم تعطيها إياه، البِرّ ثوابه عند الله ﷿، ولا تدري فلعل البارَّ اليوم يكون عاقًّا بالغد، والعاقّ اليوم يكون بارًّا بالغد، فلا يجوز أن تفضله من أجل بِرِّه.
إذا كان أحد الأبناء يعمل معه في مزرعته أو في متجره، وأعطاه زيادة على الآخر الذي لم ينتفع منه بشيء؟
طالب: يجوز له.
الشيخ: فيها تفصيل؛ إن كان هذا الذي يُعِينُ أباه في متجره أو مزرعته يريد بذلك وجه الله فإنه لا يعطيه شيئًا؛ لأن هذا يدخل في أيش؟
طالب: في البِرّ.
الشيخ: في البِرّ، وإن كان يريد عِوَضًا على ذلك، أو أن أباه قد فرض له العِوَض قبل أن يعمل فلا بأس، ولكن يُعْطَى مثل أُجْرَتِه لو كان أجنبيًّا، فمثلًا إذا قُدِّر لو كان خادمًا لكان له راتب ست مئة ريال في الشهر، فهل يعطيه الأب سبع مئة في الشهر؟
طلبة: لا.
الشيخ: يعطيه ست مئة، ولا يعطيه أكثر مما يستحق لو كان أجنبيًّا.
لو فُرِضَ أن أحد الابنين أُصِيبَ بشلل، فصار ينفق عليه أكثر من أخيه الذي لم يُصَب بالشلل، فما تقولون؟
طلبة: لا بأس للحاجة.
الشيخ: لا بأس؛ لأن هذا دَفْعٌ للحاجة، كما لو احتاج أحد الابنين إلى دواء أو علاج، وأنفق عليه شيئًا كثيرًا لأجل ذلك فإنه لا يلزمه أن يعطي الآخرين.
طالب: لو الأب أعطى أحد أولاده مالًا زائدًا عن إخوته، والولد يعلم أن هذا حرام، فهل إذا أكل هذا الولد هل المال يكون حرامًا؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: أحسن الله إليك، () وقالوا: هذا أخونا فإننا نرى أنه بحاجة.
الشيخ: هذه اصبر عليها؛ لأن المؤلف بيذكرها.
طالب: شيخ، أحد الأبناء لا يصلي ()؟
[ ١ / ٥٦٢٨ ]
الشيخ: هذه فيها خلاف، يعني إذا كان أحد الابنين كافرًا بِرِدَّة أو من الأصل لم يدخل في الإسلام، فهذا بعض العلماء يقول: لا يجب التعديل؛ لأن الله قال: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥]، وبعضهم قال: لا، بل يجب التعديل؛ لأن هذا حق سببه الولادة، وهي ثابتة في الكافر كما هي ثابتة في المسلم.
وينبغي أن يقال في هذا: يُنْظَر للمصلحة، إذا كان إعطاؤه المسلم يقتضي أن يقرُب الكافر من الإسلام فيدخل في الإسلام فهذا يُعْطِي المسلم ولا يبالي، وأما إذا لم يكن فيه مصلحة فلا يجوز، يجب التعديل.
طالب: هل على الإخوة، هل إن أخذ نصيب أخيهم الذي كان أعطاه والداه لعمه؟
الشيخ: أيش لون؟
الطالب: فيه إخوة لهم أخوهم كان والدهم كان أعطاه لعمه، يعني العم ما ينجب أولادًا.
الشيخ: يعني وَهَبَه له.
الطالب: إي، وَهَبَه له.
الشيخ: ما شاء الله.
الطالب: فالآن الولد هو رافض يرجع إلى ..
الشيخ: يعني: لا يرجع لأبيه، أَبَى أن يرجع لأبيه.
الطالب: ().
الشيخ: معلوم؛ لأنه لا يجوز الرجوع في الهبة، هذه هبة مقبوضة لازمة.
الطالب: ().
الشيخ: هبة الأولاد قلنا: لا تصح، ما هو مر علينا تَوًّا؟
طالب: نعم.
الشيخ: قريبًا مَرَّ علينا، يعني لو أن هذا الأخ وهب لأخيه هذا الابن؛ لأنه لا ينجب فإن الهبة لا تصح، ولا يكون ولدًا له، حتى لو تَبَنَّاه؛ لأن الله أبطل التبني أبدًا.
طالب: أمر عاجل.
الشيخ: أيش؟
الطالب: نذر أنه ما يبيع.
الشيخ: نذر ألَّا يبيع.
الطالب: من دون ما يحوز ().
الشيخ: ما فهمت.
الطالب: قلنا: كل عين تباع فهي توهَب.
الشيخ: زين، صح.
الطالب: هذا ما يجوز أن يبيعه، ونذر ألَّا يبيعه.
الشيخ: لا، أصل العين هذا يباح بيعها، لكن لَمَّا نذر ألَّا يبيعها فهذا حكمه حكم اليمين، كمن حَلَفَ فيُكَفِّر عن النذر ويبيع.
طالب: ().
الشيخ: أن يُعَزِّر.
الطالب: أحد أبنائه لعمل ما ().
الشيخ: ويش تقولون في هذا؟
[ ١ / ٥٦٢٩ ]
طالب: ما ينبغي ().
الشيخ: لا، هو يقول –مثلًا-: أولاده منهم المطيع ومنهم العاصي، الصغار خاصة، ولا الكبار، فالذي يطيع يعطيه مثلًا ريالًا ريالين تشجيعًا له، يعني –مثلًا- قال لأولاده: استقبلوا الضيوف، أنا عندي شغل بتأخر، أحد الأبناء خرج يلعب بالسوق ولم يبالِ، والثاني بقي للضيوف، فهل يعطيه أو لا؟
طالب: يحبسها عنه.
الشيخ: عمن؟
الطالب: يحبسها عن الولد هذا، عن الذي خرج للسوق، يحبسها حبسًا فترة معينة ثم يردها إليه؛ لأن هذا أيضًا لو كان () كبيرًا لقلنا: هذا من جهة البِرّ أيضًا إن بقي هذا، نقول: هذا بِرّ وعقوق.
الشيخ: والله ما أدري هل يتفق أنه من باب التأديب أنه لا بأس؛ لأنه لمصلحته، وهي أيضًا المسألة بسيطة يعني: الريال أو الريالان في الوقت الحاضر ما هو شيء.
طالب: مَن كان له دَيْن على الآخر هل يجوز أن يقول له: وقفت دَيْنِي عليك؟
الشيخ: لا، ما يصح؛ لأن الوقف لا بد أن يكون عينًا.
الطالب: إي، وهذا كذلك عين من بيت؛ يعني شاري عليه البيت، يقول له: أنا شريت عليك بيتًا بخمسين ألفًا ().
الشيخ: يعني: بعتها له.
الطالب: الحين له بيت وقفته.
الشيخ: لما قال: اشتريت عليك هذا البيت بخمسين ألفًا، ملكه المشتري.
الطالب: باعه رجل على الآخر بخمسين ألفًا، وباعه هذا له، والخمسون ألفًا الحين وقفتها عليك.
الشيخ: ما يصح.
الطالب: والبيت وقفته عليك.
الشيخ: البيت ما هو ملكه، ليس ملك البائع الآن، البيت الآن صار ملك المشتري، لما تم البيع صار ملك المشتري، واضح؟
الطالب: واضح.
الشيخ: إي نعم.
طالب: من كان في بيته ابنان أحدهما في البيت يأكل ويشرب، والآخر مسافر إما لطلب علم أو شيء يحتاج إلى أجرة سفر، ويحتاج إلى مصروفات خاصته، ويحتاج نعطيه –مثلًا- في الشهر ألف ريال، والآخر لا يحتاج شيئًا، يعطيه؟
الشيخ: إي، إذا كان سببه النفقة لا بأس، فإذا كان هذا الرجل محتاجًا إلى السفر لطلب العلم فهذه من النفقة.
[ ١ / ٥٦٣٠ ]
الطالب: إذا كان أحدهما سفيهًا قد ينفق الفلوس ()؟
الشيخ: يحفظها له.
الطالب: يحفظها له ولا يعطيها لأحد منهم.
الشيخ: إي نعم.
طالب: بعض الناس يرى أن () تكون في وقت المناسبات، يعني: واحد أتى له مولود يعطونه مبلغًا، ويتشوف هذا الذي أعطى أن يُعْطَى له، هل يكون هذا دَيْنًا؟
الشيخ: لا، هذا ليس بدَيْن.
الطالب: إذا ما أعطاه؟
الشيخ: إذا ما أعطاه ما هو بشيء، لو قال: كيف أنا أعطيتك لمولودك ولا أعطيت لمولودي، قال: والله أنت الآن كريم وأنا بخيل، ما يلزم.
طالب: هل تسمى هبة الثواب؟
الشيخ: لا، اللي هي ثواب اللي يكون لها معاوضة في الوقت الحاضر.
الطالب: كيف يعني؟
الشيخ: يعني أعطيتك اللي بتعطيه.
الطالب: في نفس الوقت.
الشيخ: لا، هذا قد يولَد له وقد لا يولَد.
الطالب: يعني يعطيه في نفس الوقت.
الشيخ: أقول: قد يولد وقد لا يولد، وهبة الثواب بمعنى البيع.
الطالب: وصورتها؟
الشيخ: صورتها: أنا رأيتك تطلب كتابًا، تبحث عن كتاب، فقلت: عندي لك كتاب، اتفضل هذا الكتاب، ولا ذكرنا عقد بيع ولا شيء، يكون هذا هبة يراد بها الثواب.
طالب: هل هناك مِنَّة بين الوالد وولده؟
الشيخ: ويش تقولون في هذا؟ يقول: هل هناك مِنَّة بين الوالد وولده؟
طالب: ما فيه منة.
الشيخ: لا، فيه منة، ما فيه شك فيه منة.
طالب: على ولده.
الشيخ: أقول: ما فيه شك، الآن والد على ولده، لكن بس هذه المنة قد تكون غير مؤثرة بالنسبة لأوساط الناس، ولهذا يقول مثلًا إذا أعطاه أبوه قال: هذا ما به منة، أو بالعكس يقول: هذا ما فيه منة، فلا تخدش الإنسان، يعني منة الأب على ابنه أو بالعكس هذه لا تخدش الإنسان، ولَّا لا شك أنها منة.
طالب: شيخ، بالنسبة لسؤال الأخ يقول: هذه حدثت الآن في إخوة هذا الولد الذي لا يأتي، هذا الذي لا يرجع إليهم يريدون أن ..
الشيخ: أنت لا تعبر عنه، وسؤاله فهمه أفهمنا إياه وأعطيناه الجواب.
[ ١ / ٥٦٣١ ]
طالب: يا شيخ () في الجواب يعني هذا البيت وُجِدَ عنده بعينه فهو أحق.
الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله، أدخَلْتَنَا مسألة جديدة يا شيخ.
الطالب: اللي فهمته وهبت هذا الدَّيْن عليك، يعني: هذا البيت عليك.
الشيخ: الآن إذا بعتني بيتك بخمسين ألفًا، صار في ذمتي لك؟
طالب: خمسون.
الشيخ: والبيت لمن؟
الطالب: البيت ملكك.
الشيخ: لي، كيف تُوقِف مالي عَلَيَّ.
الطالب: يعني أنني ما وجدت شيئًا، ولهذا قلت ..
الشيخ: إذا كنت لم تجد عندي شيئًا وأنا أفلست –مثلًا- خذ البيت، أنت خذه أولًا.
الطالب: بعد أن ..
الشيخ: بعد أن تأخذه لك أن توقفه عَلَيَّ.
طالب: إنسان عنده أولاد يقول: اللي حفظ منكم () واحد حفظ وواحد ما حفظ؟
الشيخ: إي، ما فيه بأس هذا، هو إذا كان على عمل ما فيه بأس، حتى لو كان ينتظر ضيوفًا وقال لهم: اللي يجلس يستقبل الضيوف أن أعطيه عشرة ريالات، هذا لا بأس، إذا جلس واحد يعطيه عشرة ولا حرج.
عندنا تسميع الآن؟ ()
***
طالب: فله أن يأخذ ويتملك من مال ولده ما لا يضره ولا يحتاجه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أنه يجب التعديل في عطية الأولاد؛ لقول النبي ﷺ: «اتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» (٣)، وسبق أن التعديل يكون بقدر الإرث على القول الراجح، وليس بقدر الرؤوس، بل بقدر الإرث، فإذا أعطى الذكر مئتين أعطى الأنثى مئة، ولا يعطيها مئتين، وذلك لأنه لا قسمة أعدل من قسمة الله، وقد قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، وهذه أعدل قسمة.
[ ١ / ٥٦٣٢ ]
ولكننا لم نُورِد حديث بشير بن سعد بن النعمان حيث قال له الرسول ﵊: «أَكُلَّ وَلَدِكَ أَعْطَيْتَهُمْ مِثْلَ هَذَا؟» قال: لا، قال: «اتَّقُوا اللهَ، وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ»، هذا لم نُورِدْه، وسنورده في الدرس إن شاء الله تعالى.
وسبق لنا أن التعديل الواجب إنما هو في عطية التبرع، أما ما كان لدفع الحاجة فإنه يتقدَّر بقدرها، ولا يجوز أن يُعْطَى مَن لا يحتاج مثلما أعطي المحتاج، أعرفتم؟
وضربنا لذلك مثلًا برجل عنده ابنان أحدهما في سِنّ الزواج فزوَّجه بأربعين ألفًا، والثاني صغير، فهل يلزمه أن يعطي الصغير أربعين ألفًا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، هل يلزمه أن يدخره له؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، هل يلزمه أن يوصي به بعد موته؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، كل هذا لا يجوز؛ لأن ما كان لدفع الحاجة فهو متقدّر بقدر الحاجة.
سبق لنا أيضًا أنه لا فرق بين الصغير والكبير، ولا بين البارّ ..
طلبة: والعاقّ.
الشيخ: والعاقّ؛ لأن هذا عطية، وقد يكون العاقّ هذا العام بارًّا في المستقبل، والبارّ في هذا العام عاقًّا في المستقبل.
وسبق لنا أنه لا يجوز أن يزيد أحدَهم لكونه ذا خلق طيب، أو طالب علم، أو عابدًا، أو ما أشبه ذلك، لكن له أن يقول: مَن طلب العلم فله كلَّ يوم كذا، مَن حفظ شيئًا من القرآن فله كذا وكذا، هذا لا بأس به، حتى لو انفرد أحدهم بذلك وأعطاه فهو في حِلّ، وذلك لأنه فتح الباب للجميع؛ فمنهم مَن وَلَجَ، ومنهم مَن لم يَلِج، وليس هذا تبرعًا محضًا.
يقول المؤلف: (يجب التعديل في عطية أولاده بقدر إرثهم).
[ ١ / ٥٦٣٣ ]
ذكرنا الآن أن حديث بشير بن سعد الأنصاري الذي وهب ابنه النعمان نحلة؛ إما بستان أو غلام، أو غلام وبستان، المهم أنه أعطاه من بين سائر إخوانه، قال له النبي ﷺ: «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَ هَذَا؟» قال: لا، قال النبي ﷺ: «اتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ»، فإن ظاهر الحديث أنه يُسَوَّى بين الذكر والأنثى؛ لقوله: «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَ هَذَا»، ولكن نجيب عن ذلك بأن في بعض ألفاظ الحديث في صحيح مسلم: «أَلَكَ بَنُونَ؟»، قال: نعم، قال: «أَفَعَلْتَ بِهِمْ مِثْلَ مَا فَعَلْتَ بِهَذَا؟»، قال: لا، فقال: «اتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» (٣)، وبه تَبَيَّن أن الذي عند بشير كانوا ذكورًا، وإذا كانوا ذكورًا لزموا أن يكونوا؟
طالب: سواء.
الشيخ: بالسوية، فزال الإشكال، وقول المؤلف: (يجب التعديل في عطية أولاده) -نبدأ الدرس الآن- يُسْتَفَاد منه أنه لا يجب التعديل في عطية إخوانه، فلو كان له أخوان شقيقان، فأعطى أحدهما ولم يُعْطِ الآخر فلا شيء عليه، ولا فرق بين أن يكون هؤلاء وَارِثِينَ كما لو لم يكن له وارث سواهما أم غير وارثين.
وهذا القول هو الصحيح؛ أن التعديل بين الأقارب في العطية ليس بواجب؛ لقول النبي ﷺ: «اتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ» مَن؟
طلبة: «بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ».
الشيخ: «بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ»، وأما إخواننا، وأعمامنا، وأخوالنا، وبنو عمنا، وبنو أخوالنا فلا يجب علينا أن نعدِّل بينهم في العطية.
فإذا قال قائل: أفلا يُخْشَى إذا أعطيتَ واحدًا دون الآخر أن يحمل ذلك على القطيعة، فالجواب؟
طالب: نعم.
طالب آخر: يحتمل.
الشيخ: نعم ولَّا بلى.
طالب: بلى.
[ ١ / ٥٦٣٤ ]
الشيخ: بلى، لا شك أنه يُخْشَى أن يحمل على القطيعة، ولكن إذا كان يُخْشَى هذا وجب أن يُعْطِيَه على وجهٍ يزول به هذا المحذور، مثل أن يعطيه إياه سِرًّا بينه وبينه، فإذا أعطاه سرًّا بينه وبينه، فإن هذا تُدْرَأُ به هذه المفسدة، على أن هذه المفسدة لا تندرئ مرة واحدة؛ لأنه ربما يجيء الأخ الْمُعْطَى يتبجَّح عند الأخ الثاني، يقول: أخوي جزاه الله خيرًا أعطاني أمس عشرة آلاف، وفعلت فيها كذا وكذا، سيأتي الثاني الذي أُخْبِر فيزعل يقول: ليش أعطيت هذا ولا أعطيتني؟
على كل حال لا بد أن يُتَوَقَّى المحذور، فإن خِيفَ المحذور فالخوف على درجات؛ خوف محقَّق، وخوف بعيد، وخوف موهوم، فكل حال حسب الحال.
المهم إذا كان يُخْشَى من مفسدة فيجب تلافي هذه المفسدة.
قال: (فإن فضَّل بعضَهم)، فضَّل بعضهم يعني أو خَصَّهُ، يعني إن شئنا قلنا: فإن فضَّل أو خَصّ، ويجوز أن نجعل فضَّل بتخصيص أو زيادة، يعني يجوز أن نحمل فضَّل على مطلق التفضيل، فيشمل التخصيص والزيادة، ويجوز أن نجعل فضَّل أي: زاد، ونقول: فإن فضل أو خَصَّص.
مثال الأول؛ التفضيل: أن يعطي أحدَهم مئة، والآخرين على خمسين، هذا فضَّل بأيش؟
طلبة: بالزيادة.
الشيخ: أعطى واحدًا مئة، والآخرين على خمسين.
طلبة: بالزيادة.
الشيخ: فضَّل بالزيادة؟ أعطى أحدَهم مئة ولم يعطِ الآخرين شيئًا.
طلبة: تخصيص.
الشيخ: هذا تخصيص، إذن هل مراد المؤلف: فإن فَضَّل بعضهم، سواء برجوع أو زيادة، أو أراد: فضَّل، يعني: أعطى أكثر، يعني: هل يشمل فضَّل بتخصيص أو زيادة، أو فضَّل يعني زاد؟
يحتمل المعنيين، لكن على كل حال إذا قلنا: إن فضَّل يعني زاد، فإنه إذا مُنِعَت الزيادة فالتخصيص من باب أولى لا شك.
(سَوَّى)، يعني: سَوَّى بينهم، (برجوع) على المفضَّل، (أو زيادة) للمفضَّل عليه، ولهذا حذف المؤلف متعلِّق (برجوع) ليشمل الرجوع على المفضَّل بأيش؟
طالب: بالزيادة.
[ ١ / ٥٦٣٥ ]
الشيخ: بأخذ الزيادة منه، أو زيادة على مَن؟ الزيادة لمن؟
طلبة: للمفضَّل عليه.
الشيخ: للمفضَّل عليه، يعني إذن برجوع على المفضَّل فيأخذ الزيادة، أو زيادة للمفضَّل عليه ليساوي المفضَّل.
مثاله: رجل له ابنان أعطى أحدهما مئة، والثاني خمسين، كيف التعديل؟
التعديل يكون على ثلاثة أوجه؛ الوجه الأول: أن يأخذ من الذي أعطاه مئة خمسين لتكون عطيتهما؟
طلبة: متساوية.
الشيخ: متساوية على خمسين، الوجه الثاني: أن يعطي الذي أعطاه الخمسين خمسين أخرى، فيكون أعطى كل واحد؟
طلبة: مئة.
الشيخ: مئة، الوجه الثالث: أن يأخذ من الأول المفضَّل خمسًا وعشرين يضيفها على الناقص، فيكون لهذا؟
طلبة: خمسة وسبعون.
الشيخ: خمسة وسبعون، وللثاني خمسة وسبعون، واضح؟
يجب هذا أو لا يجب؟
طلبة: يجب.
الشيخ: يجب؛ لأن العدل بين الأولاد واجب؛ لقول الرسول ﷺ: «اتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» (٣).
يقول: (سوَّى برجوع أو زيادة، فإن مات قبله ثبت)، (إن مات قبله) أي: قبل التسوية برجوع أو زيادة ثبت، ويش اللي يثبت؟ عندكم ثبت ولا ثبتت؟
طلبة: ثبتت.
الشيخ: (ثبتت) أحسن، (ثبتت) يعني الزيادة، (إن مات) الضمير يعود على الوالد، (قبله) أي: قبل التسوية، (ثبتت) الزيادة للمزيد، ولا يلزمه أن يرد الزائد في التركة.
مثاله: وهب ابنَه مئة ريال، ولم يهب الابن الثاني أيَّ شيء، ماذا نقول له؟
يجب عليك الآن أن تسحب المئة من الذي وهبتها له، أو أن تقسمها بينهما نصفين، أو أن تعطي الثاني؟
طالب: مئة.
الشيخ: مئة، هذه الأوجه الثلاثة، لكن الرجل مات قبل أن يفعل، فإنها تثبت لمن؟
طلبة: للمُعْطَى.
الشيخ: تثبت للمُعْطَى، التركة التي بقيت بعد موته مئة ريال، وعليه فنقسم المئة بين الابنين أنصافًا؛ لكل واحد خمسون، يكون الابن الذي أُعْطِي أولًا له كم؟
طلبة: مئة وخمسون.
الشيخ: مئة وخمسون، والثاني؟
طلبة: خمسون.
[ ١ / ٥٦٣٦ ]
الشيخ: ليس له إلا خمسون؛ لأن المؤلف يقول: (إن مات قبله ثبتت)، فوجه ثبوتها أن المطالَب بالرجوع هو الأب، وقد مات، فسقط عنه التكليف بموته، فإن الإنسان إذا مات انقطع عمله.
وهذا القول ضعيف، والصواب أنه إذا مات وجب على المفضَّل أن يَرُدّ ما فُضِّلَ به في التركة، فإن لم يفعل خُصِمَ من نصيبه إن كان له نصيب.
هذا القول هو الصحيح؛ لأنه لما وجب على الأب الذي مات أن يُسَوِّي فمات قبل أن يفعل صار كالْمَدِين، صار كالذي عليه دَيْن لولده المفضَّل عليه، والدَّيْن يجب أن يُؤَدَّى.
وعلى هذا فنقول للابن المفضَّل: إن كنت تريد بِرّ والدك فرُدّ ما أعطاك في التركة، إذا قال: آثَم إذا لم أفعل؟ قلنا: نعم تأثم، ويأثم أبوك أيضًا إن كان قد أهمل وفرَّط حتى مات، أما إذا كان لم يفرط، يعني أُخْبِر بأن هذا حرام، ولكن عاجله الموت قبل أن يتمكن من التصرف فهو لا إثم عليه، لكن الإثم عليك أنت.
إذن الصحيح أنه إذا مات قبل التسوية فإن التفضيل لا يثبت، ويجب على المفضَّل أن؟
طالب: يرده.
الشيخ: يرد ما فُضِّلَ به في التركة، أو يُنَزَّل من نصيبه إن كان هناك تركة توزَّع.
قال: (ولا يجوز لواهب أن يرجع في هبته اللازمة)، انتبه، (لا يجوز) يعني: يَحْرُم؛ لأن نفي الشيء إثبات لضده، فإذا نفينا الجواز ثبت التحريم، (أن يرجع في هبته) أي: فيما وَهَبَهُ لغيره إلا الأب، كما ستُذْكَر.
وذلك لأن الإنسان إذا وهب وأَقْبَضَ الهبة، ولهذا قال المؤلف: (اللازمة)، صارت الهبة ملكًا للموهوب له، فإذا رجع فيها فقد أخذ ملك غيره بغير حق، فصار هذا حرامًا، هذا تعليل المسألة من حيث النظر، أما دليلها من حيث الأثر فقد قال النبي ﷺ: «لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ، الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» (٥).
[ ١ / ٥٦٣٧ ]
إلا الأبَ، وله أن يَأْخُذَ ويَتَمَلَّكَ مِن مَالِ وَلَدِه مَا لَا يَضُرُّه وَلَا يَحتاجُه، فإن تَصَرَّفَ في مالِه ولو فيما وَهَبَه له ببيعٍ أو عِتقٍ أو إبراءٍ أو أَرادَ أَخْذَه قَبلَ رُجوعِه، أو تَمَلَّكَه بقولٍ أو نِيَّةٍ وقَبْضٍ مُعْتَبَرٍ لم يَصِحَّ بل بَعْدَه، وليس للولَدِ مُطالَبَةُ أبيه بدَيْنٍ ونحوِه إلا بنَفَقَتِه الواجبةِ عليه فإنَّ له مُطالَبَتَه بها وحَبْسَه عليها.