[ ١ / ٥٣١٣ ]
إذا تَلِفَتْ من بينِ مالِه ولم يَتَعَدَّ ولم يُفَرِّطْ لم يَضْمَنْ، ويَلْزَمُه حِفْظُها في حِرْزِ مِثْلِها، فإن عَيَّنَه صاحبُها فأَحْرَزَها بدونِه ضَمِنَ وبِمِثْلِه أو أَحْرَزَ فلا، وإن قَطَعَ العَلَفَ عن الدابةِ بغيرِ قولِ صاحبِها ضَمِنَ، وإن عَيَّنَ جَيْبَه فتَرَكها في كُمِّه أو يَدِه ضَمِنَ وعكسُه بعكسِه، وإن دَفَعَها إلى مَن يَحْفَظُ مالَه أو مالَ ربِّها لم يَضْمَنْ، وعَكْسُه الأجنبيُّ والحاكمُ،
أو أرهنكم برهن () قلنا: لا يمكن، سلِّم الآن وإلا فلا شفعه لك؛ ولهذا قال: (فإن عجز عن بعضه سقطت شفعته) وظاهر قوله: (إن عجز عن بعضه سقطت شفعته) أنه لا فرق بين أن يأتي برهنٍ محرز، أو كفيل مليء، أو لا يأتي بأحد، ووجه ذلك أن المؤلف لم يستثن، ما قال: بطلت شفعته إلا أن يأتي بكفيل مليء أو رهنٍ محرز.
الخلاصة الآن: هذه المسألة نقول: إن الشفيع يأخذ الشقص بماذا؟ بالثمن كله، حاضرًا أو مؤجلًا؟ حاضرًا، فإن طلب التأجيل سقطت شفعته، وإن قال: أنا آتي لكم بكفيل مليء، أو برهنٍ محرز، إن شئتم رهنتكم نفس الشقص، فنقول: لا، من أين يؤخذ من كلام المؤلف؟
لقوله: (إن عجز عن بعضه سقطت شفعتُه) ولم يستثن شيئًا.
ثم قال ﵀: (والمؤجل يأخذه المليء به، وضده بكفيل مليء) المؤجَّل يعني: الثمن المؤجل يأخذه المليء به؛ أي بأجله، المليء من؟
الشفيع المليء، يأخذه بأجله، ومن هو المليء؟ المليء هو القادر على الوفاء؛ لقوله: (وماله وبدنه) هذا المليء؛ هو القادر على الوفاء بقوله وماله وبدنه، فإذا كان الثمن مؤجَّلًا على المشتري وكان الشفيع مليئًا؛ أخذه بأجله، يبتدئ الأجل من أَخْذِ الشفيع ولَّا من عقد البيع؟
[ ١ / ٥٣١٤ ]
إذا قدَّرْنا أن الثمن مؤجل إلى سنة، وأخذ بالشفعة بعد مضي ستة أشهر، معناه: يؤجل سنة ثانية؟ على كلامكم يؤجل، أنتم تقولون: يأخذه بأجل من الأخذ بالشفعة، أو من عقد البيع؟ ولهذا قال: يأخذه المليء به؛ أي: بأجله، فإن كان لم يبق منه إلا البعض أخذه.
إذن إذا كان الثمن مؤجلًا، نحن ذكرنا قبل قليل أنه إذا عجز عن بعضه تسقط شفعته، لكن إذا كان مؤجلًا يقول المؤلف: يأخذه المليء بأجله. والمليء هو القادر على الوفاء بقوله وبدنه وماله، فيأخذه مؤجَّلًا عليه، وضده -ضد المليء- يأخذه بكفيل مليء؛ يعني: أننا نطالبه بأن يحضِر كفيلًا مليئًا؛ والمراد بالكفيل هنا الضامن، الضامن الذي يمكِن أن يوفي إذا حَلَّ الأجل.
المليء هو القادر بماله وقوله وبدنه، ما معني ذلك؟ بماله: أن يكون عنده مال، وقوله: ألا يكون مماطلًا، وبدنه: أن يمكن إحضاره إلى مجلس الحكم؛ يعني أن يمكن إحضاره للمحاكمة، إذا دعت الحاجة إلى المحاكمة، الفقير مليء ولَّا غير مليء؟
الطلبة: ().
الشيخ: لأنه غير قادر بماله. المماطل غير مليء؛ لأنه غير قادر بقوله، يأتيه الطالب اليوم يقول: بكرة إن شاء الله، يأتيه بكرة يقول: والله كان عندنا الأول عندي نصف الطلب، والآن راح أحط نصفه، إذن تأتيني بعد بكرة، إذا جاء بعد بكرة قال: والله المسألة () شوي، ائتنا بعد أسبوع، وهكذا، هذا مماطل، ليس بمليء.
[ ١ / ٥٣١٥ ]
ببدنه أيش؟ يمكن إحضاره لمجلس الحكم؛ يعني: أنه تجوز محاكمته، ويمكن إحضاره، فإن كان لا يمكن إحضاره، مثل أن يكون أباه، فهذا ليس بمليء، السبب: لا يمكن إحضاره، فإذا كان زيد وعمرو شريكين في أرض، وباع عمرو على بكر، وكان بكر ابنًا لزيد، باع عليه بثمن مؤجَّل، فهنا لا يأخذه بأجله، لماذا؟ لأنه لا يمكنه مطالبة أبيه؛ يعني أن بكرًا مشتر لا يمكن أن يطالب أباه بالثمن الذي هو زيد، فيكون في ذلك ضرر عليه، يقول: أنت الآن إذا أخذت بالشفعة صار في هذا ضرر. لكن يمكن لزيد أن يتملكه بطريق آخر؛ إذا كان أبًا للمشتري يمكن أن يتملكه عن طريق تملك الأب لمال ابنه.
إذا كان الشفيع مماطِلًا، فهل يأخذ في الشفعة؟ لا؛ لأن المشتري سيقول: إذا حَلَّ الأجل وجئت أطلب من هذا الرجل الثمن سيماطل بي.
إذا كان وزيرًا أو أميرًا لا يمكن إحضاره لمجلس الحكم.
إذا كان ظالمًا غشومًا معروفًا بالعدوان فكذلك لا يجب؛ لأنه لا يمكن إحضاره لمجلس الحكم، أما غير المليء فيقول المؤلف: (وضده بكفيل مليء).
(ضده بكفيل مليء)، قلت لكم: المراد بالكفيل هنا الضامن، لماذا قلت: إن المراد به الضامن؛ لأن الكفيل هو الذي يلتزم بإحضار بدن المكفول، والضامن هو الذي يلتزم بإحضار الطلب؛ الدين، وأيهما أنفع؟
الطلبة: الضامن.
الشيخ: الضامن أنفع؛ لأن الضامن يلتزم بإحضار الدين، والكفيل يلتزم بإحضار البدن، فالكفيل إذا أحضر البدن وكان المكفول مماطلًا أو فقيرًا، هل ينتفع المكفول له؟ لا ينتفع، لكن إذا كان ضامنًا فإنه ينتفع؛ لأنه سوف يأخذ مباشرة من الضامن.
قوله: (ضده بكفيل مليء) إذا كان الكفيل غيرَ مليء قال: أنا () أنا صحيح أنا ما عندي فلوس، لكن أقدر أجيب () من هو؟ قال: أجيب لك وزير العدل، وزير العدل اللي هو رئيس القضاة، يلزمه القبول ولَّا لا؟
أخشى أن يقول: لا قبول، يسجنه.
[ ١ / ٥٣١٦ ]
كيف ما تقبل وزير العدل يضمن حقي؟ قال: نعم، أنا لا أضمن، لا أقبله، ما هو بأنه ليس عدلًا عندي، رجل عدل لكن لو () الأمور، ما أمكنني إحضاره لمجلس الحكم، في هذا حرج، إذن له ذلك الظاهر، له ذلك، فإذا أتى بكفيل ليس بمليء، فإنه لا يلزم الشريك قبوله؛ لأنه لا يمكن إحضاره.
***
والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
في باب الشفعة، هل يأخذ الشفيع الشقص بالقيمة أو ().
بالأمس؟
قال: (ويُقْبَل في الخُلف مع عدم البينة قول المشتري)؛ (الخلف) يعني: الاختلاف، و(عدم البينة) (البينة) الشروط، (قول المشتري): يعني يقبل قول المشتري إذا اختلف الشفيع والمشتري في الثمن؛ في مقداره، فمن الذي يُقْبَل؟ يقول المؤلف: يقبل قول المشتري في قدر الثمن، فإذا قال الشفيع: أنا مُشفِّع، قال المشتري: هذا حقك، إذن أرفع يدي، لكن أعطني الثمن الذي دفعت. قال: الثمن الذي دفعته عشرة آلاف ريال، قال: لا، بل هو خمسة عشر ألف ريال، فمن القول قوله؟ القول قول المشتري، إلا أن يكون هناك بينة.
وعلى هذا فنقول للشفيع: هات بينة أنه اشتراه بعشرة آلاف ريال، فإن لم يأت ببينة فالقول قول المشتري، لماذا؟ لأنه غارم، هو يقول: دفعت خمسة عشر ألف ريال، فأعطنيها، فلو قلنا: إن القول قول الشفيع لكنا قد فوَّتنا على المشتري ما زاد، ما ادعاه، فهو غارم.
ثانيًا: هو في الواقع مأخوذٌ منه ملكه بالقوة، جبرًا أو قهرًا، أليس كذلك؟ وإذا كان مأخوذًا منه قهرًا، فإن المرجع في تقدير ثمنه إليه؛ ولهذا يجوز له أن يمنع الأخذ بالشفعة إلا إذا سلَّم الشريك الثمن، لو قال للشريك: خذه بالشفعة، لكن أعطني الثمن، قال: انتظر إن شاء الله أجيبه بعد يومين ثلاثة يكون () أحبسه على ثمنه، له الحق في ذلك؛ لأن الملك الآن مأخوذ منه قهرًا.
إذن فالقول قول المشتري لأنه غارم، ولأن أخْذه منه على طريق التملك القهري.
[ ١ / ٥٣١٧ ]
فإذا قال قائل: إذا ادَّعى ما لا يمكن؟ أو ما يكون بعيدًا؛ مثل أن يقول: قيمته مئة ألف وهو عند الناس لا يساوي عشرة آلاف، فحينئذ لا نأخذ قوله؛ لأنه ادعى خلاف الظاهر، كيف يشتريه بمئة ألف ريال وهو لا يساوي إلا عشرة، هذا شيء بعيد، فلا يُقبل، لكن إذا كانت دعواه مقاربة، فالقول قوله.
وإذا قلنا: القول قوله فهل يحتاج إلى يمين؟ الجواب: نعم؛ لقول النبي ﷺ: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (١). فهنا الشفيع يقول: إنه عشرة آلاف ريال القيمة، وهو يقول: خمسة عشر، فقد أنكر العشرة، وادعى الخمسة عشر، فنقول أيش؟ احلف أنك اشتريته بخمسة عشر، ونسلمها لك، فإن أبى الشفيع أن يسلمها بطلت شفعته. ولهذا قال المؤلف: (ويُقْبَل في الْخُلْفِ مع عدم البينة قولُ المشتري).
قال: (فإن قال: اشتريته بألف أخذ الشفيع به، ولو أثبت البائع بأكثر)، أنا عندي (بأكثر)، () ممكن تكون من الشرح.
إذا قال المشتري: اشتريته بألف، أخذ الشفيع به؛ يعني: أخذ الشفيع الشقص به؛ أي بالأجر، ولو أثبت البائع بأكثر؛ يعني لو أثبت البائع أنه باعه بأكثر من ألف، فإنه لا يؤخذ إلا بقول المشتري.
مثال ذلك: زيدٌ وعمرو شريكان في أرض، فباع عمرو نصيبه على بكر بعشرة آلاف ريال، فطلب زيدٌ الشفعة، ممن؟ من بكر، فأعطاه إياه، قال: كم الثمن؟ يقول لبكر، قال: الثمن ثمانية آلاف ريال () هذه ثمانية آلاف ريال، ثم بعد ذلك قال بكر لزيد: إن الثمن عشرة آلاف ريال، فيقول له زيد: أنت الذي أقررت بأنه كم؟ ثمانية آلاف، وأنا لا آخذه إلا بما أقررت، أنت الذي أقررت على نفسك. فقال المشتري الذي هو بكر: أنا عندي شهود، هذا البائع يشفع وعندنا بينة أنني اشتريته بكم؟ بعشرة آلاف ريال. فأثبت المشتري بينة عن طريق البائع بأنه اشتراه بعشرة آلاف ريال، فهل نأخذ بالبينة؟
[ ١ / ٥٣١٨ ]
يقول المؤلف: لا، نأخذ بإقراره؛ لأن الرجل هو نفسه أقر بأنه ثمانية آلاف ريال، وفيه احتمال أن يكون العقد بعشرة لكن استقر على ثمانية، فيه احتمال، فما دام الاحتمال قائمًا، فإننا نأخذ بما قال من؟ المشتري، ولا نقبل البينة.
فإذا قال المشتري: أنا نسيت، أنا قلت لك: بثمانية نسيت أو غلطت، فإنه لا يُقبل قوله؛ لأن دعواه النسيان أو الغلط تستلزم تغريم غيره، فلا يقبل، إلا إذا صدقه الشفيع وقال: والله هذا رجل لا يمكن يكذب، فقوله: إني نسيت أو غلطت صحيح، فإذا قال: أنا أقول: إنك نسيت أو غلطت فحينئذ يجب عليه أن يأخذ بماذا؟ بالعشرة، أن يأخذ بالعشرة؛ لأن الغلط والنسيان أمر وارد، لا سيما إن كان هذا المشتري قد اشترى شيئًا آخر، شقصًا آخر من مكان ثان بثمانية آلاف ريال، فإن الغلط هنا ممكن ولَّا لا؟ دائمًا يغلط الإنسان، ينسى، يشتري مثلًا سيارتين؛ واحدة من زيد بعشرة، والثانية من زيد بثمانية ثم ينسى ويظن أن التي اشتراها بعشرة هي التي اشتراها بثمانية، ويقول: اشتريت بثمانية.
على كل حال، إذا اختلفوا في قدر الثمن، فالمرجع إلى قول المشتري، وإذا ادَّعى المشتري غلطًا فإنه لا يُقبل على المشهور من المذهب، ويُرجع إلى إقراره ولو ثبت بالبينة أن البيع صار بأكثر مما أقر به.
والقول الثاني: أنه إذا ثبت بالبينة أنه بأكثر وجب الأخذ به، فإذا كان الصك الذي فيه البيع بين أيدينا ومكتوب فيه عشرة، وهو قد أقر بأنه بثمانية، فإن المرجع على هذا القول الثاني، المرجع إلى أيش؟ إلى البينة، إلى الصك، وهذا هو القول الذي تطمئن إليه النفس؛ لأن النسيان والغلط واردان.
فإن ادعى نسيانًا أو غلطًا ولم يكن بينة تدل على أن أنه ناسٍ أو غالط، فهل يقبل قوله؟
فيه أيضًا خلاف، أما المذهب: فلا يقبل، كما عرفتم.
[ ١ / ٥٣١٩ ]
والقول الثاني: أنه إذا كان معروفًا بالصدق، وكان ما ادعاه أقرب إلى موافقة القيمة مما أقرَّ به، فإن القول قوله بشرطين؛ نحن الآن ذكرنا عشان نوضِّح المسألة إذا ادعى غلطًا فالمذهب لا يُقبل مطلقًا ولو أقام بينة بذلك، القول الثاني: إذا ادعى غلطًا أو نسيانًا وأقام بينة أُخذ بما قامت به البينة، هذه واحدة، إذا ادعى غلطًا أو نسيانًا وهو معروفٌ بالصدق، وكان ما ادعاه أقرب إلى القيمة مما أقر به، فالقول أيضًا الصحيح أنه يُقبل قوله، ولكن إذا قلنا بقبول قوله فلا بد من يمين.
إذا ادعى غلطًا أو نسيانًا وهو غير معروف بالصدق، أو ادعى غلطًا أو نسيانًا لكن ادعى قدرًا بعيدًا عن القيمة، فإنه لا يقبل قوله، فصار القول الصحيح على النحو التالي؛ إذا قامت بينةٌ بغلطه أخذنا بما قامت به البينة، إذا كان معروفًا بالصدق وكان ما ادعاه مقاربا للقيمة أُخذ بقوله، إذا كان غير معروف بالصدق أو كان ما ادعاه بعيدًا عن القيمة فإنه لا يؤخذ بقوله.
بقي علينا إذا صدقه الشفيع، أيش تقولون؟ إذا صدقه الشفيع قال: نعم، أنت قلت لي قبل يومين أو ثلاثة: ثمانية آلاف، والآن تقول لي: إنك نسيت وإنها عشرة، وأنت عندي صادق، يؤخذ بقوله ولَّا لا؟ تتوقفون بهذا ولَّا تلتزمون؟ تلتزمون بأيش؟ بأنه يُؤْخَذ بقوله؛ لأن الخصم هو الشفيع، وقد أقر بما يدعيه هذا الرجل فلا إشكال في ذلك. ().
***
نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، ما معنى قول المؤلف: (ويُقْبَل في الْخُلْفِ مع عدم البينة قول المشتري).
طالب: ().
الشيخ: خطأ، إذا اختلف الشفيع واختلف المشتري، التعبير هذا خطأ، نعم؟
طالب: ().
الشيخ: صح يا جماعة؟ ليش ما تصح العبارة الأولى؟ لأن الاختلاف يقتضي؟
طالب: ().
الشيخ: لا، الاختلاف يقتضي أنه وقع بين شخصين، فإذا قلنا: إذا اختلف الشفيع مع من؟
طالب: ().
[ ١ / ٥٣٢٠ ]
الشيخ: بس هو يقول: واختلف المشتري معايا، إذن ما مع الشفيع، ندور من اختلف معه، والمشترى ندور من اختلف معه، مفهوم؟ مثل ما لو قلت: إذا تقاتل زيد وتقاتل عمرو، مع من تقاتلوا؟ المهم أن الفعل المشترك لا يجوز أن يكرر مرة ثانية، اللي غير مشترك ما يخالف، تقول: قام زيدٌ وقام عمرو، لكن الفعل المشترك بين اثنين لا يمكن أن يعاد مرة ثانية؛ لأنه يختلف المعنى. إذن الصواب؟
طالب: ().
الشيخ: والمشتري؟ نعم.
طالب: ().
الشيخ: اختلفوا فيه إيه؟
طالب: ().
الشيخ: بأن قال؟ ().
***
(البائع بالبيع وأنكر المشتري وجبت) (وجبت) أيش؟ الشفعة، وجبت الشفعة، مثال ذلك: زيدٌ وعمرو شريكان في أرض فباع عمرو نصيبه من الأرض على بكر، ثم طالب زيدٌ الذي هو الشريك، طالب من؟ بكرًا بالشقص، يعني: طالب المشتري، فقال المشتري: أنا ما اشتريت شيئًا، كيف ما اشتريت؟ شريكي عمرو يقول: إني بعت عليك، قال: أبدًا، ما اشتريت. هل يُلزَم المشتري بالشراء ولا لا؟ لا يُلزَم، لماذا؟ لأن البائع الذي هو عمرو يدعي عليه أنه باع عليه، و() يقول: ما بعت عليه. فكيف نلزمه بشيء لم يأخذه.
إذن إذا أنكر المشتري لم يكن لنا أن نطالبه بشيء.
لكن يبقى، لو قال زيدٌ: إذن أنا أريد الشفعة، فهل تجب؟ يقول المؤلف: إنها تجب، فيقول لعمرو: خلاص، الآن اخرج ما لك شركة، أنا آخذها بالشفعة، عمرو اللي هو شريك، فقال عمرو: كيف تأخذها بالشفعة والبيع لم يثبت؟ لأن المشتري أنكر، فيقول له شريكه: ثَبَت البيع بإقرارك؛ فنعاملك بإقرارك، أنت الآن مقر بأنك بعتها على بكر، ولازم هذا الإقرار أن يكون لي الشفعة، فأنا الآن مُشَفِّع.
إذن يؤخذ الشريك بالبيع بماذا؟ بإقراره، يؤخذ بإقراره، أما المشتري فلا يؤخذ بشيء؛ لأنه منكر، ولم يثبت البيع ببينة.
[ ١ / ٥٣٢١ ]
مرة ثانية أعيد المثال: زيدٌ وعمرو شريكان في أرض، فباع عمرو نصيبه من هذه الأرض على بكر، فقال زيد -الذي هو الشريك-: أنا آخذٌ بالشفعة، فذهب إلى المشتري ليأخذ الشِّقْصَ منه، فقال المشتري: أنا لم أشترِ. ولم يكن عند البائع -الذي هو عمرو- لم يكن عنده بينة بالبيع، فهل يُلزم المشتري بأنه مشتر؟ لا، إذا أنكر ولم يثبت ذلك ببينة، فلا وجه للشريك على بكر، لا وجه له عليه، ولكن الآن يتجه إلى من؟ يتجه إلى شريكه البائع، فيقول: أنت الآن أقررتَ بالبيع، ومِن لازِم إقرارك بالبيع إقرارك بالشفعة لي؛ لأن ثبوت الشفعة فرعٌ عن ثبوت البيع، وقد أقررتَ به، إذن أنا آخذ نصيبك بالشفعة. فقال عمرو لزيد: كيف تأخذه بالشفعة ولم يثبت البيع؟ فما جواب زيد له: ثَبَت بإقرارك، والإنسان مؤاخَذ بإقراره بالحقوق، حينئذ يكون الملك كله لمن؟ لزيد، ويعطي البائع القيمة التي أقرَّ بها.
ثم قال المؤلف: (وعُهْدة الشفيع على المشتري، وعهدة المشتري على البائع). ويش معنى العهدة؟ أصل العهدة ما يتعهد به الإنسان لغيره، والمراد بها ما يترتب على العقد؛ وذلك لأن المتعاقدين كل منهما قد عهد للآخر بما يقتضيه ذلك العقد، فعهدة الشفيع على المشتري؛ لأنه تلقى الملك منه، وعهدة المشتري على البائع؛ لأنه تلقى الملك منه.
مثال ذلك: زيدٌ وعمرو شريكان في أرض فباع عمرو نصيبه على بكر، فأخذ زيدٌ النصيب من بكر بالشفعة، وجه زيد على من؟ على بكر؛ يعني لو خرج في المبيع عيب، فجاء زيدٌ إلى بكر وقال: والله، المبيع فيه عيب، قال: طيب، أنا ما لي عليه، أنا شاري من شريكي، وجهك على شريكي، راح له، ماذا يقول زيد؟
يقول: أنا اشتريته منك، وما لي ولشريكك، فأنا أطالبك أنت. الحق مع مَنْ؟
[ ١ / ٥٣٢٢ ]
مع زيد؛ يعني: زيد لا يطالب إلا المشتري؛ لأنه تلقى الملك منه. المشتري الذي هو بكر يرجع على مَنْ؟ يرجع على عمرو؛ الذي باع عليه؛ ولذلك زيد لو ظهر أن المبيع مستحق؛ يعني لو ظهر أن الأرض مغصوبة، فجاء زيد إلى بكر وقال له: والله الأرض مغصوبة، أعطني الدراهم اللي أعطيتك؛ لأن الأرض المغصوبة لا يصح بيعها، قال: أعطني الدراهم، يقول: والله، ما عندي شيء، وجهك على شريكي، فيقول له: أنا اشتريت منك ولم أشتر من شريكك. فيكون القول قوله، وبكر يرجع على الشريك الذي هو عمرو.
هل يشمل هذا -أي قولنا: إن عهدة الشفيع على المشتري وعهدة المشتري على البائع- يشمل جميع الصور؟ الجواب: لا، لا يشمل؛ لأن المسألة الأخيرة: لا عهدة على المشتري، المسألة الأخيرة التي أقر البائع فيها بالبيع وأنكر المشتري، في هذه الحال، أو في هذه الصورة: تكون عهدة الشفيع على مَنْ؟ على البائع، على الشريك اللي هو البائع، ولا تكون على المشتري؛ لأن المشتري منكِر، ولم يثبت عليه ببينة أنه اشترى؛ إذن عُهدة الشفيع على المشتري وعهدة المشتري على البائع، إلا فيما إذا أقر البائع بالبيع وأنكر المشتري، فإن العهدة تكون على البائع.
[ ١ / ٥٣٢٣ ]
هذه المسألة واضحة، لكننا ننتقل منها إلى مسألة يستعملها الناس الآن وهي غلط وخطأ؛ وهي في بيع السيارات؛ تُباع السيارات عدة بيعات، ثم ينقلها المعرِض باسم آخِر واحد، من المعرض إلى آخِر واحد، وهذا حرام ما يجوز، لماذا؟ لأن المعرض سيقول: باع المعرض الفلاني على فلان السيارة بكذا وكذا، وهل هذا صحيح؟ غير صحيح؛ عشرة، يعني المعرض باع على رقم واحد، وواحد باع على رقم اثنين، واثنين باع على رقم ثلاثة، وثلاثة باع على رقم أربعة، وأربعة باع على رقم خمسة، وخمسة باع على رقم ستة، وستة باع على رقم سبعة، وسبعة باع على رقم ثمانية، وثمانية باع على رقم تسعة، وتسعة باع على رقم عشرة؛ عشرة عقود، () من أيش؟ من الصفر إلى عشرة كل هؤلاء نتخطاهم، هذا لا شك أنه كذب، ثم المسألة يترتب عليها عُهَد؛ الآن لو ظهر في السيارة عيب، فعلى مقتضى الوثيقة يرجع العاشر على الصفر اللي باع على رقم واحد ولَّا لا؟ لأن هذا مقتضى الوثيقة، والحقيقة أن العاشر يرجع التاسع، والتاسع على الثامن، والثامن على السابع، وهلمَّ عكسًا. فهذه مع الكذب فيها اختلاف أحكام العقود؛ حيث يكون حكم العقد العاشر وعهدة المبيع تتعلق بمن؟ بالتاسع، والآن نبغي نجعلها تتعلق بالصفر اللي باع على الواحد، وهذا خطأ، هم يفرون من أي شيء؟ يفرون من الدراهم التي تُجعل على انتقال الملك، وهذا خطأ، إذا كانوا يفرون من الدراهم فبدل من أن يجعلوها بعشرين يجعلوها بتسعة عشر، أن تكون الدراهم على البائع، إن كان البائع هو الرغبان في البيع، وإن كان المشتري هو الرغبان تضاف الدراهم على المشتري، كأجرة الدلال سواء.
[ ١ / ٥٣٢٤ ]
فالمهم أنه يجب على المسلمين أن يُحَرِّرُوا العقود التي بينهم، وأن تكون العقود مُحرَّرة، ومنطبقًا عليها الصدق، وقد قال النبي ﵊: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ؛ فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» (٢).
[باب الوديعة]
ثم قال المؤلف ﵀: (باب الوديعة). الوديعة مأخوذة من: ودع الشيء إذا تركه، ومنه قوله ﷺ: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ» (٣)، (عن ودعهم): يعني تركهم الجمعات، إذن (وديعة) فعيلة بمعنى مفعولة؛ أي متروكة، فما هي الوديعة إذن؟ هل هي كل متروك يسمى وديعة؟
لا، ليس كل متروك يسمى وديعة، وإلَّا لجعلنا من رمى بالمتاع الذي لا يريده لسمينا هذا المتاع وديعة.
لكن الوديعة اصطلاحًا هي التوكيل في الحفظ؛ يعني أن يوكل الإنسان شخصًا في حفظ شيء، فيكون هذا الموكَّل في حفظه يكون مُودَعًا؛ أي متروكًا عند مَنْ؟ عند الذي يحفظه، وتُسَمَّى عند الناس -في عرف الناس عندنا- تُسَمَّى أمانة؛ يعني أن تقول لشخص: أنا سوف أسافر فهذه مئة ألف ريال اجعلها عندك وديعة، فيأخذها المودَع ويحفظها، أو تقول لشخص: أنا بيتي ليس محكم القُفل، والباب ما ينغلق والجدار قصير، والشنطة ما لها قفل، ولو وضعت الدراهم فيها لكان عليها خطر فخذ هذه الدراهم عندك وديعة، يأخذها وديعة، وهل يتصرف فيها أو لا؟ أبدًا لا يتصرف فيها، حتى إن العلماء يقولون ﵏: لو فك الحزام؛ الحبل الذي هي () فيه؛ لَعُدَّ خائنًا وإن لم يأخذ منها شيئًا، لو يفك الحبل المربوطة فيه لعد خائنًا، وإن لم يأخذ منها شيئًا.
إذن ليس له الحق أن يتصرف فيها.
أودعته إناءً يحفظه، فجعل يطبخ فيه، نعم، ويستعمله، يجوز هذا ولَّا لا؟ لا يجوز، بل الواجب عليه أن يحفظ الإناء ولا يستعمله؛ لأنه وديعة.
[ ١ / ٥٣٢٥ ]
فإن أَذِنْت له في التصرف فيها فهي عاريَّة بالنسبة للأواني وشبهها، وقرض بالنسبة للنقود، وبناءً على ذلك يكون وضع الدراهم في البنوك من باب الوديعة ولَّا من باب القرض؟ من باب القرض. والقول بأنها وديعة هذا خطأ، يعني: هذا من الخطأ السائد بين الناس الآن، كثيرٌ من الناس يقولون في المال الموضوع عند البنوك يقول: هو وديعة، إيداع في البنك، نعم، وهذا خطأ، بل هو إقراضٌ للبنك؛ لأن المودِع قد أذِن له بالتصرُّفِ فيها عرفًا، أليس كذلك؟
ولهذا يعمد البنك على طول ويضعها في صندوقه، يتصرف فيها، فهو قرض وليس وديعة.
[ ١ / ٥٣٢٦ ]
فيه بنوك يقولون: إنها قد وضعت صناديق للإيداع؛ بمعنى أنك تعطيهم الدراهم بربطتها، ويضعونها في هذا الصندوق ولا يأخذون منها ولا قرشًا، هذا الصحيح، هذا وديعة، أما المعتاد عندنا في بلدنا فإنه يعتبر قرضًا، ولهذا نقول: لو كانت هذه البنوك لا تتعامل إلا بالربا مئة بالمئة، لكان وضع الدراهم فيها حرامًا؛ لأنه إعانة لهم على الربا، لكن يقولون: إن البنوك هذه تتعامل بالربا وبأكثر معاملاتها، وتتعامل أيضًا بغيره؛ في منشآت تنشئها، تستغلها، في أخذ مقاولات، في متاجرات؛ فلهذا يكون مالها مخلوطًا بين الحرام وبين الحلال، وهذا هو الذي يخفف من الإفتاء بجواز وضع الدراهم فيها، وإلا لقلنا: لا يجوز أن تضع الدراهم فيها ولو أن تحرقها، ما يجوز تضع فيها؛ لأن الربا أمره عظيم، الربا محاربة لله ورسوله، كما قال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩]، ولا أعظم من الإيذان بحرب من الله ورسوله -نسأل الله العافية- أنت لو أخذت عَلَمًا لتحارب قبيلة هم أعلى منك، لعُد ذلك أيش؟ سفهًا، فكيف وأنت تحارب رب العالمين ﷿ وتحارب رسوله، بل وتحارب المؤمنين جميعًا؛ لأننا نرى أن من كان حربًا لله ورسوله فهو حربٌ لنا، ولا نرضى أن يحارِب الله ورسوله دون أن نكون تحت راية الله ورسوله، أبدًا.
فالحاصل أني أقول: إن الإيداع هو التوكيل في حفظ المال، لا إعطاء المال لمن يستعمله، فإن إعطاء المال لمن يستعمله قرضٌ إن كان نقودًا، وعارية إن كان غير منقود.
[ ١ / ٥٣٢٧ ]
حكم الوديعة: حكم الوديعة بالنسبة للمودِع جائزة، وقد فعلها النبي ﷺ حين هاجر من مكة إلى المدينة، وحكمها بالنسبة للمودَع سُنَّة إن قدر على حفظها؛ لأنها من الإحسان، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، أما من لا يقدر على حفظها، فإنه لا يجوز له أخذها، سواءٌ كان لا يقدر على حفظها لعدم وجود مكان يحفظها فيه، أو لأنه لا يأمن نفسه عليها؛ لأن بعض الناس قد لا يأمن نفسه عليها، بحيث إنه إذا كانت الدراهم عنده ربما يتصرف فيها.
***
() وعلى نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
يقول المؤلف ﵀ في باب الشفعة: (إن عهدة الشفيع على المشتري)، () بالنسبة للمودَع بالفتح مستحبَّة، إذا أمِن نفسه على ذلك وقوي على حفظها، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، فهي من الإحسان؛ لأن الرجل إذا أعطاك شيئًا تحفظه له فلولا أنه محتاجٌ إلى ذلك ما أعطاك، وإذا كان محتاجًا إلى ذلك وقضيت حاجته؛ كان ذلك من الإحسان المأمور به المحبوب إلى الله.
وقد ثبت في الحديث الصحيح أن الله في حاجة العبد ما كان العبد في حاجة أخيه؛ وعلى هذا فيُستَحب للإنسان إذا وُدِع وديعة وأمِن نفسه عليها وقَوِيَ على حفظها أن أيش؟ أن يتقبل ذلك، وأن يحفظها لصاحبها.
ولكن ما هو الوصف الذي يكون عليه الوديع؟ الوديع: المودَع يعني، الوصف أنه أمين؛ أي مؤتمن؛ لأنه قَبَض المال بإذن مالكه، وكل مَنْ قَبَضَ المال بإذن مالكه أو بإذن من الشارع، فإنه أمين، فالوكيل مثلًا أمين ولَّا لا؟
الطلبة: ().
الشيخ: والمستأجِر؛ مستأجِر الدابة والسيارة والبيت، أمين ولَّا لا؟
الطلبة: ().
الشيخ: ولي اليتيم في مال اليتيم؟ أمين؛ لأنه قبضه بإذن الشارع.
[ ١ / ٥٣٢٨ ]
المهم أن كل من قبض مال غيره بإذن منه أو من الشارع فإنه أمين، يده يد أمانة، والقاعدة في الأمين أنه لا يضمن ما تلف تحت يده إلا بتعدٍّ أو تفريط. هذه القاعدة، القاعدة أنه لا يضمن ما تلف بيده إلا بتعدٍّ أو تفريط.
نرجع إلى الوديع؛ المودَع: هل يده يد أمانة؟ وهل هو أمين؟ الجواب: نعم؛ لأن المال حصل عنده بماذا؟ بإذْن من مالكه؛ إذَن فهو أمين، ولهذا يسميه العامة الآن، يسمي الوديعة () أن الأمين إذا تلف المال تحت يده بلا تعدٍّ ولا تفريط فلا ضمان عليه.
كلام المؤلف طبِّقْه على القاعدة: (إذا تلفت من بين ماله)، قوله: من بين ماله؛ يعني: لا مع ماله؛ لأنها إذا تلفت مع ماله فإنه لا يضمن قولًا واحدًا؛ لأن تَلَفَها مع ماله يدل على أنه لم يفرِّطْ؛ إذ إن الإنسان يحفظ ماله بما يحفظه، أو بما يكون فيه حفظ له، فإذا تلفت مع ماله فلا ضمان عليه قطعًا وقولًا واحدًا.
مثال ذلك: إنسان أَوْدَعَني إناءً، ثم إني وضعت هذا الإناء مع الأواني التي عندي، وليكن إبريقًا مثلًا، وضعته مع الأباريق التي عندي، فسُرِقَ هذا الإبريق، سُرِقَ، فجاءني صاحبه يطلبه، فقلت: إنه قد سرق، فهل عليَّ ضمان، وأنا قد أحرزته، وضعته في حرز؟ ليس عليَّ ضمان، لكن إذا قال صاحبه: كيف يُسْرَق من بين الأباريق التي عندك؟ ما يمكن هذا، أنت كذاب، لماذا لا يختار السارق إلا إبريقي؟ يقول المودَع: والله ما أعرف هذا اللي حصل، إبريقك تلف.
وقال بعض العلماء: إذا تلفت من بين ماله فعليه الضمان؛ لأن تلفها من بين ماله دليل على تفريطه وإهماله فيها، ولكن الصواب ما قاله المؤلف.
إذن (من بين ماله) معناها من دون ماله؛ لأنها إذا تلفت مع ماله فالأمر واضح.
وقوله: (ولم يتعدَّ ولم يفرط)؛ أي لم يتعد فيها ولم يفرِّط في حفظها، فما الفرق بين التعدي والتفريط؟
التعدي فعل ما لا يجوز، والتفريط ترك ما يجب، انتبه، التعدي فعل ما لا يجوز، والتفريط ترك ما يجب.
[ ١ / ٥٣٢٩ ]
مثال ذلك؛ في مسألة الإبريق التي مثَّلْنا فيها؛ أودعت عند شخص إبريقًا، وكان عنده أباريق، فقال: الحمد لله، جاء الله إليَّ بإبريق، وصار يستعمل إبريقي الذي أودعته عنده ويدع أباريقه، هذا أيش؟ متعدٍّ، ليش؟ فعل ما لا يجوز فيكون متعديًّا، في هذه الحال لو سُرِقَ الإبريق، ولو مُحْرَزًا فعليه الضمان؛ لأنه متعدٍّ، وبمجرد تعديه تكون يده كيدِ الغاصب، انتبه لهذا، بمجرد تعديه تكون يده كيد الغاصب ضامنة بكل حال.
التفريط قلت: ترك ما يجب؛ هذا الرجل إذا جاء الليل دخَّل أباريقه في الحجرة وسك عليها الباب، أما الإبريق الوديعة فيجعله خارج البيت، هذا ماذا نقول فيه؟ نقول: هذا مفرط؛ لأنه ترك ما يجب، فتكون يده حينئذ يد ضمان، يد ضمان فيضمن.
ولهذا قال المؤلف: (ولم يتعدَّ ولم يفرِّط لم يضمن)، إذا قال قائل: ما هو الدليل على أنه لا يضمن، مع أن المال تلف تحت يديه؟
قلنا: الدليل قوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١]، وهذا الذي أخذ الوديعة عنده -يا أخي- محسنٌ إليك بلا شك، فإذا تلفت فلا نُضَمِّنه؛ لأننا لو ضمناه لجعلنا عليه سبيلًا، والله ﷾ يقول: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾.
قال: (ويلزمه)؛ يعني: شرع المؤلف ﵀ في بيان ما يلزم الوديع، قال: (يلزمه)؛ الهاء تعود على من؟ المودَع.
(يلزمه حفظها في حِرز مثلها)؛ يلزمه أن يحفظها وأن يكون الحفظ أيضًا في الحرز، فلا بد من شيئين: من حفظها، وفي حرز، فمثلًا إذا كان كتابًا حفظه في المكتبة، لكن المكتبة في أرضها أرضة، فوضعه على الأرض، وتعرفون أن الأرض أن فيها أرضة، إذا وضعت فيها الكتاب أكلته، لم يجعله في الرفوف المنفصلة عن الأرض، نقول: هذا الرجل وضعها في حرز مثلها، ولكن حفظها ولَّا لا؟ لم يحفظها، بل فرَّط فيها، والواجب أن يضع الكتاب في موضع لا تناله الأرضة.
[ ١ / ٥٣٣٠ ]
(يلزمه حفظها في حرز مثلِها) والحرز يختلف، بماذا؟ بعدة اعتبارات؛ يختلف باختلاف الأموال، وباختلاف البلدان، وباختلاف السلطان قوةً وضعفًا وعدلًا وجورًا.
اختلاف الأموال كيف؟ ليس حرز الذهب والفضة كحرز الأواني، صح؟ الأواني تودع في ظاهر البيت؛ في الحجر، في الغرف، بدون أغلاقٍ وثيقة، والذهب والفضة في الصناديق في أغلاق وثيقة، كذا ولَّا لا؟
المواشي؛ الإبل حرزها أن تكون في حوش محصن قوي، والضأن في حوش دون ذلك، حسب الحال.
كذلك تختلف باختلاف البلدان، البلد الذي يعتبر مدينة، فيه جنود الأمن منتشرة ليس كالبلد الذي يعتبر قرية مفتوحة الأبواب ليس فيها أحدٌ من قوى الأمن، أيهما أولى بالتحرز؟
الثاني؛ القرية، كذلك في السلطان؛ قوة وضعفًا وعدلًا وجورًا، معلومٌ أن السلطان إذا كان قويًّا هان الاحتراس، وإذا كان ضعيفًا يجب أن يشتد الاحتراس، أليس كذلك؟ إذا كان قويًّا ربما نقول: لو تضع الذهب والفضة على عتبة الدكاكين صار ذلك حرزًا، وإذا كان ضعيفًا فاجعل مع القُفْل قفلين؛ لأن السلطان ضعيف، لو أُمسك السارق ورفع إليه، قاله: () اللي سرقت ()، هذا يعتبر ضعيفًا ولَّا قويًّا؟ يعتبر ضعيفًا.
في العدل والجور، أيهما أولى أن يكون جائرًا أو عدلًا؟
الطلبة: عدلًا.
الشيخ: يتراءى لبعض الناس أن السلطان الجائر الصارم الذي يبطش بحق وبغير حق، يتراءى للناس أن هذا أشد في حفظ الأمن من السلطان العدل، وليس هذا بصحيح؛ لأن الذي يكون جائرًا إنما يخشاه الناس ظاهرًا، أو لا؟ لكن إذا حصلت لهم فرصة في أمر غير ظاهر نعم، فلا تسأل عن حالهم، وأما السلطان العدل الذي يريد أن يقيم شرع الله في أرضه فهذا يسخر الله له القلوب، ويضع الورع في قلوب الرعية حتى يحصل الأمن والاستتباب بسبب عدله.
فلهذا نقول: مَنْ ظن أن قوة الأمن تزداد بجور السلطان وبطشه فهو كاذب الظن، بل لا تزيد إلا بعدل السلطان.
[ ١ / ٥٣٣١ ]
إذن قول المؤلف: (في حرز مثلها) إذا قال: ما معنى (حرز مثلها)؟ نقول: هو المكان الذي تحفظ فيه عادة، أيش؟ ويختلف باختلاف الأموال والبلدان والسلطان؛ قوة وضعفًا وجورًا وعدلًا.
(ويلزمه حفظها في حرز مثلها، فإن عَيَّنًه صاحبها فأحرزها بدونه ضمن، وبمثله أو أحرز فلا)؛ إذا عينه صاحبها فأحرزها بدونه فإنه يضمن؛ مثال ذلك: رجل أعطاني حليًّا من الذهب وديعة، وقال: ضعه في الصندوق التجوري، فأخذت الذهب ووضعته في شنطة عادية، فما الحكم؟
يضمنه؟ حتى لو كان حرز مثله؟ نعم حتى لو كان حرز مثله؛ لأنه إذا عَيَّن صاحبها الحرز فأحرزتها بدونه ضمنت، ولو كان الذي دونه حرزًا مثله.
أعطاني ذهبًا وقال: ضعه في الصندوق التجوري الكبير، فوضعته في الصندوق التجوري الصغير، ماذا تقول؟
طالب: ().
الشيخ: أيش تقولون؟ صحيح؟ إي نعم، إذا قال: احفظه في الصندوق التجوري الكبير، فحفظه في صندوق تجوري لكن دون ذلك، فإنه يضمن؛ لأن الكبير أحفظ من الصغير.
حتى لو كان التجوري الصغير حرزَ المثل فإنه يضمن؛ لأن صاحبها عَيَّن الحرز، فإذا قال المودَع: كيف تضمنوني وأنا وضعتها في صندوق تجوري هو حرز مثلها؟ قلنا: لكن صاحبها عَيَّن حفظها بما هو أحرز، ولماذا لم تقل له لما قال لك: ضعه في الكبير لم تقل له: لا، سأضعها في حرز مثلها فقط.
إذا أحرزها بمثله أو أحرز فتلفت فهل عليه ضمان؟ لا، ليس عليه ضمان.
نشوفه الآن، هذا رجل عنده مخزن، وعنده أربعة صناديق تجوري، اثنين عند الباب، الباب بينهما، واثنين في أقصى الغرفة، فقال صاحبها -صاحب الوديعة-: ضعها في الصندوق اللي في أقصى الغرفة، فوضعها في الصندوق الذي يلي الباب.
الطلبة: يضمن.
الشيخ: يضمن ليش؟ الصندوق واحد، قطعه واحد، ما فيه كبير ولا صغير.
الطلبة: ().
[ ١ / ٥٣٣٢ ]
الشيخ: المكان. لو قال قائل: إن السارق قد يختار البعيد؛ لأنه يقول: القريب ما حطوا به إلا الأشياء الزهيدة، الأشياء الغالية في الغالب تُجعل في الأماكن البعيدة من السراق.
طالب: ().
الشيخ: نعم فيه احتمال؛ يعني: قد يقول قائل: إن الذي عند الباب مثل الأقصى، وقد يقول: إنه دونه، وقد يقول: إنه أحرز منه؛ لأن المسألة في الحقيقة اعتباريَّة، لكن ما رأيكم لو أن المودَع استنتج في ذهنه قال: الأحسن أخلي الباب مفتوحًا؛ لأن السارق إذا جاء ورأى الباب مفتوحًا ورأى الصندوق مفتوحًا قال: هذا ما فيه شيء، لو فيه شيء ما خلوا كل شيء مفتوحًا، ويش تقولون في هذا؟
الطلبة: يضمن.
الشيخ: يضمن؟ يضمن على كل حال؛ يعني هذا الاستنتاج استنتاج ما هو صحيح، لو كان الأمر كذلك لكان كل الناس يبقون أبوابهم مفتوحة وصناديقهم مفتوحة ويقولون: هذا إذا رآه السرَّاق قالوا: لو فيها شيء ما خلوها مفتوحة.
على كل حال، المؤلف يقول: إذا أحرزها بمثله فلا ضمان، وقال بعض العلماء: إذا أحرزها بمثله فعليه الضمان؛ لأن تعيين صاحبها للحرز يدل على أنه مراد عنده، لو أعطاك إياها صحيح، إذا أعطاك إياها ولم يعين ضعها فيما تشاء، لكن إذا عيَّن لا تخالف، إلا إذا وضعتها بما هو أحرز فلا شك أنه لا ضمان عليك. والله أعلم.
***
() نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، بماذا تصف يد المودع؟
() قال: (وإن قطع العلف عن الدابة بغير قول صاحبِها ضمن)، إن قطع من؟ الضمير يعود على المودَع، (العلف عن الدابة) المودَعة (بغير إذن صاحبها ضمن)؛ لأن قطع العلف عنها يؤدي إلى هلاكها ولا شك، وكذلك لو قطع عنها الماء فهلكت فإنه يضمن؛ لأنها لا تحيا إلا به، وهذا النوع من باب التعدي أو من باب التفريط؟ من باب التفريط؛ لأنه ترك ما يجب؛ وهو الإعلاف، وعلى هذا فيضمن.
[ ١ / ٥٣٣٣ ]
وعُلم من قول المؤلف: (بغير إذن صاحبها) أنه لو قال له صاحبها: لا تعلفها، فتَرَك إعلافَها حتى ماتت فإنه لا يضمن، بناءً على أن ضمان البهيمة إذا تلفت جوعًا أو عطشًا من باب ضمان الأموال الصامتة التي لا رُوح فيها، والأموال الصامتة التي لا روح فيها إذا أتلفها الإنسان بإذن صاحبها فإنه لا يضمن.
لو أعطاني شخص ساعة وقال: خذ هذه الساعة كسِّرْها، وكسَّرْتها، أضمن ولا لا؟ لا أضمن؛ لأنني أتلفتها بقول صاحبها، فكذلك البهيمة، إذا حبستُ الطعام أو الشراب عنها وماتت بقول صاحبها: لا تطعمها، فإنني لا أضمن؛ لأن ضمانها ضمان مال.
وقال بعض أهل العلم: بل يضمن؛ لأن هذه نفس محترمة، ليست كالمال، المال لا يتألم، لو كسَّرته ما يتألم، لكن هذه تتألم، ونحن منهيُّون عن إيذائها، وعن الإشقاق عليها، ومعلومٌ أن حبس الطعام والشراب عنها إيذاءٌ لها وإشقاق عليها، فلهذا يجب عليه الضمان؛ لأن امتثال قول صاحبها في هذه الحال معصية لله، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فيجب عليه الضمان.
ولكن هذا القول له وجه كما علمتم؛ لأنه لو أمرني ألا أعطي هذه البهيمة ماءً عند العطش ولا طعامًا عند الجوع، فهذا أمر بمعصية، لكن ينبغي أن يقال: إن على المودَع الضمان، ولكنه يُجعل في بيت المال، ما يُعطى صاحب البهيمة؛ لأن صاحب البهيمة قد رضي بتلفها عليه، فكيف يرضى بتلفها عليه ونعطيه القيمة؟ ! فتجعل قيمتها في بيت المال.
فإذا قال المودَع: أنا لم أفعل إلا ما أمرتُ به، قلنا: نعم، أنت أمرت بهذا، لكن هل هذا سائغٌ لك عند الله؟ لا، غير سائغ، «فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ حَرَّى أَجْرٌ» (٤)، فلا يسوغ لك أن تدع الإنفاق عليها وأنت قادرٌ عليه لمجرد قول صاحبها.
[ ١ / ٥٣٣٤ ]
ولهذا لو أنك أطعمتها العلف وسقيتَها الماء، ثم جاء صاحبها وقال: أين البهيمة؟ فأعطيتها إياه، هل يمكن أن يقول صاحبها لك: اضمنها؛ لأنك خالفت أمري؟ أبدًا، لو قال: اضمنها لأنك خالفت أمري؛ أعطه، هذه هي، أنا ما بدي إياها، هذه هي.
المهم أن القول بأن المودع يضمن قولٌ قويٌّ لكن ينبغي أن يقال على هذا القول: إن قيمتها لا تدفع لمن؟ لصاحبها؛ لأنه قد رضي بهلاكها عليه. نعم، لو قال صاحبها: لا تطعمها أو لا تسقها والمدة قصيرة، وكان صاحب البهيمة أراد من ذلك الحِمْية؛ حميتها عن الأكل والشرب؛ لأن ذلك يضر بها؛ فحينئذ نقول للمودع أيش؟ يجب عليك ألا تعلفها ولا تسقيها؛ لأن هذا من مصلحتها وليس فيه مضرة؛ إذ إن المدة قصيرة أعطاك إياها بالصباح وقال: سيأتي بعد الظهر، ولكن لا () فنقول في هذه الحال: لو أسقاها أو أعلفها وتضررت بذلك فعليه الضمان.
يقول: (وإن عَيَّن جيبه فتركها في كمه أو يده ضمن)، (إن عيَّن جيبه): الضمير في (عيَّن) يعود على المودِع، والضمير في جيبه يعود على المودَع؛ يعني قال المودِع للمودَع: خذ هذه الدراهم اجعلها في جيبك، أيُّ جيب؟ الجيب هذا؛ هذه الفتحة التي يدخل معها رأسه عند لبس القميص، وفيه مخبأته جرت العادة في ذلك إن فيه مخبأته، فقال: خذ هذا في جيبك، يقول: فتركها في كُمِّه، كيف الكم هو محل حفظ؟ ! نعم، هذا الكم ما هو محل حفظ، لكن كان بالأول يلبس الناس قمصانًا فيها أكمام نازلة، طويلة إلى ذراع أو نصف ذراع، يجعلونها لهم بمنزلة المنديل، إذا غسل الإنسان يمحش يديه بها، نعم، أو بمنزلة الكيس إذا اشترى حاجة، رأيناهم بالأول، يشتري الحاجة يشتري السكر، شاهي، قهوة، غير، نعم، ويضعها في الكم هنا ويشدها بالحبل، تكون كالأكياس.
[ ١ / ٥٣٣٥ ]
هذا الرجل قال: اجعلها في جيبك، فجعلها في كمه، يقول المؤلف: إنه يضمن، لماذا؟ لأن الجيب أحرز، فإن الكم ربما يغتفله إنسان ويحلها ويمشي أو ينقطع الكم كله جميعه، أما في الجيب فبعيد أن يأتي إنسان يسرق من جيبك، بعيدٌ جدًّا. فالجيب إذن أحرز من الكم.
ومثل هذا القول: اجعلها في جيبك فجعلها في الكمر، الكمر البنيان المعلق، نقول: أيهما أحسن؟
طالب: الجيب.
الشيخ: الجيب؟ ليش؟
الطالب: المعلق ..
الشيخ: المعلق هذا يمكن يقطع، وكثيرًا ما يقع.
إذا جعلها في يده، قال: اجعلها في جيبك فجعلها في يده، امسكها في إيدك؟
الطلبة: لا يضمن.
الشيخ: يضمن؛ يقول المؤلف: إنه يضمن، فتركها في كمه أو يده ضمن، ليش؟
طالب: ().
الشيخ: ما هو على كل حال، لكن يقول المؤلف: إن الجيب أحرز؛ لأن الإنسان كثيرًا ما يكون الشيء في يده، ثم إذا أراد يتناول شيئًا نسي وحطه، وضعه ومشى، أليس كذلك؟ لأن اليد آلة العمل، فربما تضع الشيء في يدك ولكن () ويطرأ عليك عمل تنسى () ثم تضعه في أي مكان تشتغل بالعمل الجديد تنسى. فلهذا يقول المؤلف: إن الجيب أحرز من اليد.
[ ١ / ٥٣٣٦ ]
لو جعلها في يده مربوطة؛ جعلها في كيس ربطها في يده؟ مثل الكم، إي نعم، ربما يجيء إنسان ويأخذها منك، والسرَّاق لهم شطرة عظيمة جدًّا؛ يعني تكاد تقول: إن عملهم سحر، وذَكر لي شخص أثق به أن شخصين من السرَّاق كان يمشي أمامهما رجل من اليهود في بلد عربية قبل أن ينزح اليهود من الدول العربية، وكان اليهود معروفين بالثراء، فقال له صاحبه: اذهب قدامه وهذا البوك فيه عشرة دنانير، ارمه بالأرض وأنت تمشي قدام اليهودي، اليهودي معروف بالطمع أخذه؛ يعني: صاحبه فعل راح وتقدم اليهودي يمشي ورماه في الأرض فأخذه اليهودي، اليهودي لما أخذه انتبه ذاك وقال: هات البوك، فقال: خذ هذا البوك، قال: طيب؛ الله يعافيك، لكن بوكي فيه مئة دينار، والآن ما فيه إلا عشرة، قال: هذا بوكك ما غيرت شيئًا أبدًا، يقوله اليهودي، فلما تنازعوا قال: طيب عندك حد يشهد؟ قال: عندي، هذا الثاني يشهد، صاحبي، قال: ما تشهد أن هذا البوك فيه مئة دينار؟ قال: بلى، فيه مئة دينار، أشهد. فاليهودي جُنَّ جنونه قال: ما يصير، يقول: تحاكموا إلى قاض من القضاة، وكان القاضي ذكيًّا، لما تنازعوا ادعى المدعون أن البوك فيه مئة دينار، وهذا يقول: ما فيه إلا عشرة، وأقسم اليهودي بكل صيغة القسم المغلظة عند اليهود أن ما أخذت منه شيئا أبدًا، ولا فيه إلا اللي فيه، فالقاضي ذكيٌّ، عرف أن المسألة فيها حيلة، قال: أنتم تُقْسِمون أن البوك فيه مئة دينار؟ قالوا: الحين نقسم. أقسموا أن فيه مئة دينار، قال: إذن هات البوك، البوك هذا ما هو ببوكك، بوككما اللي فيه مئة دينار روح دور، أما هذا فلواحد ثان ما أدري عنه، فأخذ البوك وقال: روحوا ما لكم شيء، فضاعت عليهم عشرة دنانير، فرجعوا خائبين، إي نعم، لكن هذه من ذكاء القاضي، إنما في الأخير أظنهم توسطوا للقاضي، أو القاضي عرف حيلتهم ورد عليهم بوكهم.
[ ١ / ٥٣٣٧ ]
فالحاصل أن السرَّاق عندهم أشياء عظيمة، وفيه أيضًا قصة ثانية؛ كان مندوب من الإنجليز جاء في إحدى الدول العربية وكانت مستعمرة في ذلك الوقت من الإنجليز، وإذا معه ساعة يد، وكان ذاك الوقت ما فيه ساعة يد، وجازت لواحد من السراق، وصار هذا كلما وقف عند دكان وقف هذا السارق معه، أخيرًا سرق الساعة من يده، وذاك ما عرف، لما () الوقت، ما لقي الساعة، فتألم لهذا، كيف تُسرَق الساعة من يدي وأنا مندوب بريطاني، ويش بعد؟ أخرج في الصحف إعلان على أن الذي يأتي بالساعة له كذا وكذا من المال، وذكر مالًا عظيمًا، فطمع السارق، أخبر بأنه أخذها، فقال هذا الرجل البريطاني: أحب أن أقابل هذا، أقابل هذا أسأله كيف توصل إلى أخذها من يدي؟ فجيء بالرجل، فقال: أريد أن تخبرني كيف أخذتها مني؟ قال: طيب، أنا أخبرك، يعني: قام يتكلم مع الرجل، تكلم معه وطول الكلام، وأخذ القلم من مخبأته، في آخر الكلام قال له: اكتب الآن، أنا بأملي عليك كيف أخذتها، اكتب () القلم () قلم، قال: هكذا نفعل بالناس، نحن عندنا مهنة، ما هي تعلم، ما هي المسألة حرفة.
فالمؤلف -﵀- يقول: إذا تركها في كمه أو يده، فإنه يضمن، مع أن الكم قد يكون حرزًا، لكنه ليس أحرز من الجيب.
***
().
وعلى آله وأصحابه أجمعين، رجل أُودع وديعة، وقال له صاحبها: احفظها في الصندوق التجوري ().
(وإن دفعها إلى من يحفظ ماله)، وعكسه بعكسه، وقال: إذا قال ضعها في جيبك، ثم تركها (في كمه أو يده، فإنه يضمن، عكسه بعكسه)، إذا قال: خذ هذه الوديعة واجعلها في يدك، فجعلها في جيبه فلا ضمان، لماذا؟ لأن الجيب أحرز، فإذا قلت: ألستم تقولون: إنه إذا عيَّن صاحبها شيئًا تَعيَّن؟ فما الجواب؟
الجواب: بلى نقول هذا، لكن إذا حفظناها بما هو أحفظ، فقد زدناه خيرًا، بخلاف ما إذا عيَّنه وحفظناها بما هو دونه، فقد نقصنا مما عينه، وبين المسألتين فرق.
[ ١ / ٥٣٣٨ ]
إذا قال: اتركها في كمك، خذ هذه الدراهم وديعة، واربطها في كمك، فوضعها في جيبه؛ فلا ضمان، لماذا؟ لأن الجيب أحرز.
وخلاصة الأمر الآن أن المسألة لها ثلاث حالات: أن يعيِّن صاحبها حرزًا أحفظ، أن يعيِّن صاحبها حرزًا أقل، أن يسكت، ثلاث حالات.
إذا عَيَّن حرزًا أحفظ تَعيَّن، فإذا حفظها بدونه، ولو كان حرزَ مِثلها ضمن، إذا عين حرزًا أقلَّ حفظًا، وحفظها بما هو أحرز فإنه لا يضمن؛ لأنه زاد صاحبها خيرًا. إذا سكت فالواجب حفظها في حرز مثلها، ولا يتعين في شيء معين.
قال المؤلف: (وعكسه بعكسه، وإن دفعها إلى مَنْ يحفظ مالَه، أو مالَ ربِّها، لم يضمن)، إن دفعها: أي المودَع، إلى من يحفظ ماله في العادة، فلا ضمان عليه؛ لأنه لا يُعَدُّ متعدِّيًا ولا مفرطًا، مثال ذلك: رجل أُودع وديعة وكان له خادم يضع دراهمه عنده، والخادم أمين، فأعطى هذه الوديعة الخادم، قال: خذ هذه احفظها عندك في الصندوق. حرزت ثم تلفت؛ سُرِقَت من الصندوق، فهل على المودع أي ضمان؟ لا، ليس عليه ضمان، لماذا؟ لأنه لم يتعدَّ ولم يفرط، بل أعطاها من يحفظ ماله عادة، فلا يُعَدُّ مفرطًا ولا متعديًا.
أُودع إناء، أتعرف الإناء؟ الإناء هو الإناء؛ الماعون.
أُودع إناءً فأخذه الرجل وأعطاه امرأته، امرأته هي التي تحفظ عادةً أواني البيت، فوضعته المرأة مع أوانيهم في مكان حرزها، ثم تلف، سُرقت، فهل عليه ضمان؟ ليس عليه ضمان، فإذا قال رب الدراهم في المسألة الأولى ورب الإناء في المسألة الثانية: أنا إنما أودعتك أنت، ليش تعطيها غيرك؟ فماذا جوابه؟ يقول: نعم، أنا أعطيتها هذا؛ لأنه يحفظ مالي، فهو بمنزلتي، هو كالوكيل لي تمامًا، وهذا هو ما جرت به العادة، ويدفع حجةَ صاحبها بهذا.
[ ١ / ٥٣٣٩ ]
إذا دفعها إلى من يحفظ مال ربها، مثل ذلك لم يضمن؛ مثال ذلك: إنسان أودع شخصًا إناءً، ثم أراد المودَع أن يسافر، وكان الذي أودعه يعني ليس أمامه الآن، إما مسافر أو ليس أمامه، فذهب وأعطاها أهل البيت، فهل يضمن أو لا؟
يقول المؤلف: لا يضمن، بيت المودِع، نحن نتكلم الآن إلى من يحفظ مال ربها؛ لأن من يحفظ ماله انتهينا منه، ولَّا لا؟ وضربنا مثلين؛ مثل بالدراهم، ومثل بالإناء.
الآن دفعها إلى من يحفظ مال ربِّها، فذهب هذا المودَع إلى بيت المودِع، وأعطاهم الوديعة، يقول المؤلف: إنه لا يضمن؛ لأنه دفعها إلى من يحفظ مال ربِّها عادة، فبرئ منها.
وهذا الذي مشى عليه المؤلف هو المذهب، وقال بعض العلماء من أصحاب الإمام أحمد ﵏: إنه يضمن؛ لأن صاحب الوديعة قد لا يأتمن أهلها عليها، قد يكون صحيحًا أن أهله هم الذين يحفظون مثل هذه الأمور، لكن لا يأتمنهم عليها؛ لأن بعض الأهل لا يؤتمنون ولا على الفناجيل، لا لأنهم يسرقونها ويبيعونها، لكن لأنهم يُكسِّرونها، ما يهتم، يضع الفنجال في طرق البيت، يأتي واحد يضربه برجله يروح مكسره، وكذلك الكأس وغيره، يوجد من الناس من يفرط، أليس كذلك؟ فإذا دفعها إلى من يحفظ مال ربها في هذه الحال فقد يقال: إنه متعدٍّ؛ لأنه فعل ما لا يجوز له، حيث دفعها إلى أناس لم يؤذن له في دفعها، لكن ما الحيلة إذا كان الإنسان يخشى أن المودِع يسافر أو يذهب يمينًا وشمالًا، الحيلة أن يقول له: يا فلان أنا أخشى أني أسافر، فمن أعطيها إذا سافرت؟ فإذا قال: أعطها أهلي، خلاص انتهى الموضوع.
[ ١ / ٥٣٤٠ ]
كذلك أيضًا؛ قد تكون الوديعة دراهم، ما هي أوان، الأواني دفعُها إلى الأهل أمرها سهل، قد يكون أمرُها سهلًا، لكن إذا كانت الوديعة دراهم، وذهب المودَع إلى أهل المودِع وأعطاهم إياها، فهل يبرأ؟ كلام المؤلف؛ ظاهر كلامه أنه يبرأ، وقد يمنع مانع أن يكون هذا ظاهر كلام المؤلف؛ لأن المؤلف قال: إلى من يحفظ ماله عادة، فهل جرت العادة أن النساء في البيوت يحفظن الدراهم.
طلبة: ()؟
الشيخ: لا، الحقيقة أنه يختلف؛ من الناس من يأمن أهله حتى على الدراهم، يعرف أن امرأته أمينة، وأنه إذا جاءها دراهم تحفظها في المحل اللائق، ولا تأخذ منها ولا قرشًا، ومن الناس من قد تأخذ امرأته دراهمه من مخبأته، فهل تكون هذا الحال الدراهم من تعطى إياها؟ ما يكون.
إذن ربما نقول: إن كلام المؤلف إذا دفعها إلى من يحفظ مال ربها عادة، فما لم تجر العادة بحفظ الأهل له كالدراهم مثلًا، فإنه إذا دفعها إلى أهل البيت يكون ضامنًا لتعدِّيه، حيث فعل ما لا يجوز، وحينئذ نقول: في ذلك تفصيل؛ دفع مثل الآنية لا ليس فيها ضمان؛ لأنه مما جرت العادة به، ودفع الدراهم وشبهها مما يُخشى أن يكون المودِع لا يأمن أهله عليها يكون فيها ضامنًا، نعم.
قال المؤلف ﵀: (ولم يضمن، وعكسه الأجنبيُّ والحاكم)؛ عكسه الأجنبي والحاكم يعني: لو دفعها إلى أجنبي فتلفت، فعليه الضمان، ومن المراد بالأجنبي هنا؟ المراد بالأجنبي من لا يحفظ مال ربه عادة.
فإذا قال قائل: أين دليلك على هذا التفسير؛ أن المراد بالأجنبي من لم تجر العادة بحفظ مال ربها؟ قلنا: بضدها تتبين الأشياء، فلما حكم بانتفاء الضمان على من دفعها إلى من يحفظ مال ربها؛ علمنا أن الأجنبي من هو؟ من لم تجر العادة بحفظه مال ربها، واضح؟ وهذا من الأمور التي نبهنا عليها فيما سبق؛ أن الشيء قد يُعْلَم تفسيره بذكر مقابله، وذكرنا من ذلك آية من كتاب الله، ولعلكم تذكرونها؟
طالب: ().
[ ١ / ٥٣٤١ ]
الشيخ: إي نعم، قوله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: ٧١]؛ ثبات ويش معناها؟
طالب: فرادى.
الشيخ: فرادى، قد لا يفهم الإنسان هذا المعنى لو جاءت منفردة، لكن لما قال: ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ عُرف أن المراد بالثُبَات ما سوى الجميع.
إذن فالمراد بالأجنبي في كلام المؤلف من هو؟ من لم تجر العادة بحفظ مال ربها عنده، فهنا يضمن المودَع، ضمان تعدٍّ ولا تفريط؟ ضمان تعدٍّ؛ لأنه فعل ما لا يجوز؛ مثال ذلك: رجل أُودِع وديعة، ولتكن مئة ألف ريال، فقال: أنا الآن بروح أصلي، خذ يا فلان حطها عندك حين أجي حتى أفرغ من الصلاة. فلما رجع من الصلاة قال المودَع: إنها سُرِقت، وهذا المودَع اسمه مودَع المودَع؟ أو لا؟ هل يضمن المودَع الأول؟ يضمن، أيش؟ ضمان تعدٍّ؛ لأنه فعل ما لا يجوز، ليش تعطيها غيرك، أنا لو أريد فلان أو فلان رحت أعطيهم إياها، أنا أعطيتك أنت؛ لأني واثقٌ بك، كيف تروح تذهب وتودعها غيرك؟ فعليه الضمان.
فإن قال المودَع لربها: أنا أخشى أني يكون لي شغل الآن، ما أروح البيت، ولا أروح للدكان أبغي أعطيها واحد، فقال: أعطها من تثق به حتى ينتهي شغلك. فأعطاها من يثق به، ثم تلفت عند الثاني، فليس عليه ضمان، لماذا؟ لأن صاحبها قد أذن له في ذلك، فلم يكن منه تعدٍّ.
في المسألة الأولى، في الحال التي نقول: إنه يضمن، هل قرار الضمان عليه أو على المودَع الثاني؟
الطلبة: ().
الشيخ: أنتم فاهمين ويش الكلام الآن؟ المودَع الأول ذهب وأعطاها آخر وديعة بدون إذن صاحبها، فتلفت عند الثاني، صاحبها سيرجع على مَنْ؟
الطلبة: الأول.
الشيخ: على الأول، ما يعرف إلا هو، قال: أعطني وديعتي، قال: والله أنا ودعتها فلان وتلفت، قال: اضمنه، له الحق في هذا ولَّا لا؟ له الحق في ذلك، وهذا واضح، لكن هل يكون قرار الضمان على الثاني ولَّا على المودع الأول؟
[ ١ / ٥٣٤٢ ]
وعَكْسُه الأجنبيُّ والحاكمُ، ولا يُطالَبانِ إن جَهِلَا، وإن حَدَثَ خَوفٌ أو سَفَرٌ رَدَّهَا على رَبِّها، فإن غابَ حَمَلَها معَه إن كان أَحْرَزَ وإلا أَوْدَعَها ثِقَةً، ومَن أُوْدِعَ دابَّةً فرَكِبَها لغيرِ نَفْعِها أو ثوبًا فلَبِسَه أو دَرَاهمَ فأَخْرَجَها من مَحْرِزٍ ثم رَدَّها، أو رَفَعَ الْخَتْمَ ونحوَه عنها أو خَلَطَها بغيرِ مُتَمَيِّزٍ فضاعَ الكلُّ ضَمِنَ.
(فصلٌ)
ويُقبلُ قولُ الْمُودَعِ في رَدِّها إلى ربِّها أو غيرِه بإذنِه وتَلَفِها وعدَمِ التفريطِ، فإن قالَ: لم تُودِعْنِي. ثم ثَبَتَتْ ببَيِّنَةٍ أو إقرارٍ، ثم ادَّعَى ردًّا أو تَلَفًا سابِقَيْن لِجُحودِه لم يُقْبَلَا ولو بِبَيِّنَةٍ، بل في قولِه: ما لك عندي شيءٌ. ونحوَه، أو بعدَه بها، وإن ادَّعَى وارِثُه الردَّ منه أو من مُوَرِّثِه لم يُقْبَلْ إلا بِبَيِّنَةٍ، وإن طَلَبَ أحدُ الْمُودِعِينَ نصيبَه من مَكيلٍ أو مَوزونٍ يَنقسِمُ أَخَذَه، وللمُستودِعِ والْمُضارِبِ والْمُرْتَهِنِ والمستأْجِرِ مُطالبةُ غاصبِ العينِ.
إن كان متعديًا أو مفرطًا فعليه الضمان، وإن كان غير متعدٍّ ولا مفرط فليس عليه ضمان.
ولهذا نقول -قاعدة مرت علينا في الغصب-: الضامن من الغاصب عليه القرار إن علم، وإلا نظرنا هل مقتضى القبض الضمان أو لا؟
طالب: ().
الشيخ: لا يرضى، فعليه ..، ما هو نهانا، إن نهانا واضح، لكن إذا علمنا أنه لا يرضى وإن لم يقل: لا تعطوهم فعليه الضمان، وإن كان الأمر بالعكس؛ بأن علمنا أن صاحبنا المودع رجل سهل ولا يهمه أن يدفع له أو لأهله فهنا لا ضمان عليه؛ أي: أنه يمكن أن ننزل اختلاف القولين على اختلاف حالين، وهذا كثيرًا ما يقع في الخلاف بين أهل العلم؛ تجد أن ظاهر الأمر أن القولين متناقضان، ولكن هما في الواقع ليسا بمتناقضين؛ لأنهما يجتمعان في حال؛ في حال يتفقان، وفي حال أخرى يختلف فيهما القولان.
[ ١ / ٥٣٤٣ ]
يقول المؤلف: (عكسه الأجنبي والحاكم) ما معنى هذه العبارة؟ () (الأجنبي والحاكم) يعني: عكس هذه المسألة إذا دفعها المودع إلى أجنبي فإنه يضمن.
مثال ذلك: رجل أودع زيدًا دراهم، ثم ذهب زيدٌ لحاجة؛ ليصلى في المسجد أو ما أشبه ذلك فقال: يا فلان، خذ هذه الوديعة عندك حتى أرجع من الصلاة -وهو أجنبي-، فتلفت عنده، فعليه أيش؟ عليه الضمان؛ لأنه لم يؤذن له لفظًا ولا عرفًا بأن يدفعها إلى هذا الرجل.
(الحاكم) يعني: القاضي، لو دفعها المودع إلى القاضي بدون سبب فعليه الضمان؛ لأن صاحبها لم يأذن له نطقًا ولا عرفًا بدفعها إلى الحاكم.
هل هذا الضمان من باب ضمان التعدي أو من باب ضمان التفريط؟
طلبة: من باب التعدي.
الشيخ: من باب ضمان التعدي؛ لأنه ليس من حقه أن يعطي الوديعة إلى غيره.
قال: (ولا يُطَالَبَان إن جهلا) (لا يُطَالَبَان) أي: الأجنبي والحاكم، (إن جهلا) أي: جهلا أن هذه وديعة، فإن علما فإنهما يُطَالَبَان.
من الذي يطالبهما إذا قلنا بأنهما يُطَالَبَان؟
الذي يطالبهما المودع، فإذا جاء صاحب الوديعة إلى المودع وقال له: إنني أودعتها فلانًا فضاعت، فهل يُطَالِبُ المودع الأول أو الثاني؟
يقول المؤلف: فيه تفصيل، نحن ذكرنا أمس أنه يطالب أيهما شاء، لكن المؤلف هنا ذكر أن في ذلك تفصيلًا؛ إن كان المودع الثاني قد جهل أنها وديعة عند الذي أودعه فإنه لا يُطَالَب، إلا أن يتعدى أو يفرط.
لماذا لا يُطَالَب؟ لأنه يقول: أنا ما علمت أن هذا الرجل مودع، أنا ظننت أن هذا المال ماله؛ لأن الأصل أن ما بيد الإنسان فهو ماله، فليس لك عليَّ وجه، وأنا تلفت عندي الوديعة بدون تعدٍّ ولا تفريط. هذا ما ذهب إليه المؤلف.
ووجه ما ذكرت أنه يقول: رجل بالغ عاقل متصرف أعطاني هذه الوديعة فأنا ظننت أنها له، وأنا معذور ومحسنٌ، وما على المحسنين من سبيل.
[ ١ / ٥٣٤٤ ]
أما المذهب فيقولون: إن له أن يطالب الأجنبي وإن كان جاهلًا، لماذا؟ قالوا: لأن ماله تلف تحت يده، ثم إذا طالبه صاحب الوديعة وضمَّنه يرجع هذا على الأول؛ على المودع الأول؛ يعني: يكون قرار الضمان على المودع الأول، فهمتم ولَّا لا؟ يحتاج إلى مثال ولَّا ما يحتاج؟
زيدٌ أودع عمرًا مئة ريال، ثم إن عمرًا أودع بكرًا هذه المئة، وبكرٌ لا يدري أنها لزيدٍ، ظن أنها لمن؟ لعمرٍو، فأخذها، ثم تلفت الوديعة بدون تعدٍّ ولا تفريط، عند من تلفت؟ عند بكرٍ، فجاء زيدٌ يطالب بكرًا، قال: إن الوديعة التي أعطاك عمرو هي لي، وأنا لم آذن له، أعطني إياها، فقال له بكر: أنا ما علمت أنها لك، أنا ظننت أنها له، فأخذتها من باب الإحسان إليه، وتلفت الوديعة عندي بدون تعدٍّ ولا تفريط، فليس لك عليَّ وجه، كما لا أضمن له فلا أضمن لك. عذره وجيه ولَّا غير وجيه؟ وجيه.
إذن ينصرف زيدٌ إلى من؟ إلى عمرٍو فيضمِّنه. وعمرو يرجع على بكر ولَّا ما يرجع؟
طالب: لا يرجع.
الشيخ: لا يرجع؛ لأنها تلفت من غير تعدٍّ ولا تفريط.
مثال آخر -نفس المثال اللي معنا- لكن بكرًا تعدى في الوديعة أو فرَّط، فجاءه زيد يطالبه، له حق ولَّا ما له حق؟
طلبة: له حق.
الشيخ: لماذا؟
طالب: لأنه متعدٍّ.
الشيخ: لأنه تعدى أو فرَّط، فهو ضامن.
فإذا قال بكر لزيد: أنا لا أعرفك، أنا أخذتها من عمرو بناءً على أنها ملكه، قال: لكن أنا أعرفك؛ لأن مالي تلف عندك بتعدٍّ أو تلف عندك بتفريط، فأنت ضامن، سواء ضمنت لعمرو وأعطاني أو ضمنت لي، له ذلك ولَّا ليس له ذلك؟
طالب: له ذلك.
الشيخ: له ذلك، طيب.
المذهب يقولون: إن له أن يطالب بكرًا وإن كان جاهلًا، ما حجتهم؟ يقولون: لأن ماله تلف تحت يده، فإذا طالبه على المذهب -طالب بكرًا وأخذ منه الوديعة- فهل يرجع بكرٌ على عمرٍو؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، يرجع بكرٌ على عمرٍو؛ لأن قرار الضمان على عمرو في هذه الصورة؛ حيث إن بكرًا لم يتعد ولم يفرط ولم يعلم.
[ ١ / ٥٣٤٥ ]
فيما إذا علم بكرٌ في هذه الأحوال فلزيدٍ أن يطالبه؛ لو علم بكر أن عمرًا كان مودعًا لزيدٍ فإن لزيدٍ أن يطالب بكرًا رأسًا، ليش؟ لأنه متعدٍّ؛ بكر متعدٍّ بأخذ الوديعة، كيف؟ لأنه ليس له الحق أن يأخذ مال زيدٍ من عمرٍو، بل الواجب عليه إذا عرض عليه عمرٌو هذه الوديعة أن يقول: يا أخي، ليس لك حق أن تودع، هل أذن لك؟
على كل حال صار إذا علم الثاني فللمودع الأول أن يطالبه، وإن لم يعلم ففيه خلاف؛ فالمذهب أن له أن يطالبه، وحجتهم: أن المال تلف تحت يده.
وعلى ما مشى عليه الماتن: ليس له أن يطالبه، وحجتهم: أنه جاهل ومحسن، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١].
الحاكم كالأجنبي؛ يعني: أنه إن كان عالمًا فلربِّ الوديعة أن يطالبه، وإن كان جاهلًا ولم يتعد ولم يفرط فليس لرب الوديعة أن يطالبه.
ولكن في الصورة التي يطالب فيها الحاكم إلى من؟ كيف نطالب ها القاضي؟
طالب: عند حاكم آخر.
الشيخ: إي نعم، عند حاكم آخر؛ قاضٍ آخر؛ يعني: يروح يشكي القاضي على الأمير، والأمير يحولهما إلى قاض آخر، هذا إن كان القاضي لم يقضِ على نفسه، فإن قضى على نفسه فلا إشكال، زال الإشكال، إذا قال: نعم، الرجل أعطاني الوديعة، وأنا عالم بأنها وديعة عنده وأخذتها من باب التسامح، فحينئذٍ يضمن ولا إشكال فيه، ولا حاجة إن لم يطالب.
قال: (ولا يطالبان إن جهلا، وإن حدث خوف أو سفر ردها على ربها فإن غاب حملها معه إن كان أحرز، وإلا أودعها ثقة).
[ ١ / ٥٣٤٦ ]
إن حدث خوف فإنه يودعها عند ثقة؛ يعني -مثلًا- صار الأمن مضطربًا، والمودع بيته ليس ذا حماية؛ الباب متكسر والجدار () والصندوق قفله ()، المهم أن داره ما هي بذات الحصن والأمن مضطرب، ويخشى أنه في يوم من الأيام أو ليلة من الليالي يُعْتَدى على البيت وتسرق، فذهب فأودعها ثقة، فهل هو معذور في ذلك؟ نعم، معذور، بل مشكور، كان بالأول الأمن -يعني مطرد- ولا فيه اضطراب، وبيته لو يضع الدراهم على الباب -على عتبة الباب- ما أتاه أحد، فلما اضطرب الأمن -والعياذ بالله- حصل الخوف قال: لا بد أن يودع هذه الوديعة عند ثقة.
ففي هذه الحال: لو تلفت الوديعة عند الثقة فلا ضمان؛ لا على الأول ولا على الثاني؛ لأن إيداعها عند الثاني مأذون فيه. هذه مسألة.
المسألة الثانية: قال: إذا حدث سفر؛ هذا المودع أراد أن يسافر، وقال: أنا مشكلة، في بيتي الآن مئة ألف ريال لفلان وأنا بسافر، ولست آمن عليها في بيتي إذا سافرت، أو لا؟ لأن البيت اللي ما فيه أحد عرضة لكل أحد، ولكن ماذا أعمل؟
يقول المؤلف: يردها إلى صاحبها، (فإن غاب حمله معه إن كان أحرز، فإن لم يكن أحرز أودعها ثقة)، ثلاث مراتب:
يقول: إذا طرأ عليك سفر وخفت عليه فالواجب أن تردها إلى صاحبها، هذا أول شيء، يقول: ردها على صاحبها وجوبًا، الآن بادر، وإلا أطلب منه أن يحولها إلى شخص آخر، المهم أن تبلغ صاحبها، فإن كان صاحبها غائبًا ..، ولاحظوا أن في عهد المؤلف ما فيه تليفون، أما الآن فهو وإن كان غائبًا يمكن الاتصال به بالتليفون إذا كان له تليفون في البلد الثاني. المهم غائب وتعذر الوصول إليه.
فالمرتبة الثانية: أن يسافر بها إن كان أحرز، ينقل مئة ألف ريال بالكيس () معه، لكن قال المؤلف: (إن كان أحرز) يعني: إن كان هذا أحفظ لها يسافر بها معه. فإن لم يكن أحفظ أودعها ثقة.
الغالب أن السفر بها أحرز ولَّا أضيع؟
طلبة: أضيع.
[ ١ / ٥٣٤٧ ]
الشيخ: الغالب أنه أضيع، وكم من إنسان سرقت الدراهم منه () ولا سيما عند قطع التذاكر، تجد إنسانًا معه دراهم يبغي تذكرة، ومع الزحام تُسَل الدراهم من جيبه، وإذا أراد يخرجها ليسلم ثمن التذكرة يقول: ما عندي شيء، هذا بيشيل مئة ألف ريال معه، ولا سيما إن كانت فضة يتعب وتؤخذ منه، نقول: أودعها ثقة، وجوبًا ولَّا جوازًا؟ وجوبًا؛ لأنه لا يجوز له أن يسافر بها في هذه الحال، إذا كان عدم السفر أحرز فالواجب قال: (وإلا أودعها ثقة).
إذا قال قائل: ما هو الدليل على هذا التفصيل؟
الدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، وهذا أمر في كل ما يلزم عليه الأداء، كل شيء يلزم للأداء فإنه داخل في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، فإن الأمر بالأداء أمر به وبما لا يتم إلا به.
ومعلوم أنه في مثل هذه الحال إذا كان السفر عرضة للضياع فإن بقاءها عند ثقة هو الذي فيه الأداء.
يقول المؤلف: (ومن أُودِعَ دابة فركبها لغير نفعها أو ثوبًا فلبسه) إلى آخره ().
الأول: أن يردها إلى صاحبها، فإن لم يمكن حملها معه إن كان أحفظ، فإن لم يمكن أودعها ثقة، فإن لم يجد ردها إلى الحاكم. هذه أربع حالات.
وإذا كانت كل واحدة ممكنة بدأ بالأول فالأول؛ إعطاء صاحبها، حملها معه، إيداعها ثقة، الحاكم.
قال المؤلف: (ومن أودع دابة فركبها لغير نفعها) فإنه يضمن ضمان تعدٍّ أو تفريط؟ ضمان تعدٍّ؛ لأنه فعل ما لا يجوز.
كذلك لو أُودِعَ سيارة فركبها لغير نفعها فإنه يضمن ضمان تعدٍّ لا تفريط.
وهنا هل نقول: إنه يضمن في هذه الحال -أي في حال المخالفة- أو يضمن فيما بعد أيضًا؟
الجواب: الثاني؛ وذلك لأنه بتعديه زال عنه وصف الأمانة، وصارت يده يد متعدٍّ كالغاصب.
[ ١ / ٥٣٤٨ ]
فإذا ركب الدابة لمصلحةٍ له ثم ردها إلى حرزه فأخذت من الحرز فهو ضامن، وإذا تلفت في حال ركوبها فهو ضامن.
أما تلفها حال ركوبها فالأمر واضح أنه يضمن؛ لأنها تلفت في حال التعدي.
وأما تلفها في حرزها بعد ذلك فلأنه بركوبه لغير مصلحتها صار متعديًا، وصارت يده يد متعدٍّ.
مثلها أيضًا السيارة؛ أودع سيارة، فذهب يتمشى عليها لغير نفعها، فأصيبت بحادث أو احترقت بعد رجوعه، فعليه الضمان.
وعُلِمَ من قول المؤلف: (لغير نفعها) أنه لو ركبها لنفعها فإن ذلك لا بأس به، ولا تُعَدُّ يده خائنة، ولا يضمن في هذه الحال.
ويش مثال النفع؟ إنسان ركب البعير ليذهب به إلى حوض الماء ليشرب، هذا لنفع البعير، فلا ضمان عليه.
فإن قال قائل: بإمكانه أن يسوق البعير أو يقودها بدون ركوب، فما الجواب؟
طالب: ().
الشيخ: نعم، الجواب أن الركوب أبلغ في السيطرة عليها من القيادة أو السياقة، فيكون ركوبه هنا أحسن وأنفع.
السيارة أيضًا إذا ركبها لنفعها، وكيف يكون نفعها؟
طالب: ().
الشيخ: لا، البنزين ما يحتاج، لأجل ألَّا تُكَرْبِن؛ لأنها مع طول المدة ربما يحصل عليها شيء، تُكَرْبِن وبعدين تخرب عليه.
ولكن قد يقول قائل: يمكن إزالة هذا الشيء بتشغيلها وهي واقفة؟
طالب: ما يكفي.
الشيخ: ما يكفي؟ طيب، إذن لا بد من المشي؛ لأن الكَرْبَنَة تكون في جميع الآلات علشان يتحرك كل شيء منها، وحينئذٍ نقول: إذا ركبها لهذا السبب فلا بأس.
كذلك في الفرس لو ركبها من أجل أن يمشيها حتى لا يضعف عدوها فإن ذلك لمصلحتها فلا بأس.
بل قد نقول: أنه لو ترك العمل هذا في حال تحتاج إليه الوديعة فعليه الضمان.
(أو ثوبًا فلبسه) أودعته ثوبًا جميلًا طيبًا، فصار هذا الرجل كل يوم جمعة يلبسه ويصلي به الجمعة، ويستدل بأنه يشرع في صلاة الجمعة لباس الثياب الحسنة، ما تقولون؟
نقول: لا يجوز، لو تلف الثوب أو نقص فعليه ضمانه، بل نقول له: إن بعض العلماء يرى أن جمعتك باطلة غير صحيحة.
[ ١ / ٥٣٤٩ ]
لو قال: أنا ألبسه لأزيل عنه الحرى؛ لأن فيه ثياب في أيام الحر يصيبها الحرى؛ دودة تكون فيها وتأكلها، فقال: أنا البسه لهذا الغرض، فما الجواب؟
طالب: ().
الشيخ: نعم، نقول: يمكن أن تنشره في مكان بارد ويزول عنها هذه الدودة بدون لبس، مع أن المؤلف ﵀الشارح- يقول: فلبسه لغير خوف من عث أو نحوه، ولكن في هذا نظر؛ لأن العث ونحوه يمكن التخلص منه بنشر الثوب؛ بدل ما كان مطويًا ينشره، ويزول عنه العث، على أنه في الأزمان الأخيرة -والحمد لله- وجد أشياء تقاوم هذا العث، وهو الفنيك؛ يُجْعَل في طي الثياب ولا يضر.
(أو دراهم فأخرجها من محرز ثم ردها) أُودِع دراهم، والدراهم عادة تحفظ في الصناديق، فأخرجها يومًا من الأيام من الصندوق، ثم بعد ذلك ردها، فعليه الضمان. عليه الضمان حتى لو سرقت من هذا الصندوق؟ إي نعم؛ لأنه بإخراجها من الحرز صارت يده يد تعدٍّ، فعليه الضمان.
ولكن ما تقولون فيما لو أخرجها لينظم ما في الصندوق؟ فتح الصندوق فأخرجها وما فيه لأجل أن ينظمه ثم ردها فإن هذا لا يضمن؛ لأن ذلك مما جرت به العادة.
وكذلك لو أخرجها ليفتش عن شيء ضائع في الصندوق ثم بعد ذلك ردها وهو في مكانه فليس عليه ضمان.
فإن قيل: إذا ردها في مكانه في هاتين الحالتين فلا إشكال في عدم الضمان، لكن ما تقولون فيما لو نسي وبقيت خارج الصندوق، ثم سرقت، فعليه الضمان أو لا؟ تأملوا -يا إخوان- لا تتسرعوا في الإجابة، أنتم افرضوا أنفسكم هنا كأنكم في مكان تُسْتَفتون فيه وإن كان الواقع مختلف هذا عن مكان الفتوى؛ لأن هذا إذا أخطأت قُوِّم خطأك.
أقول: لو أنه أخرج الدراهم من المحرَز لهذين السببين: إما لتنظيم الصندوق أو للتفتيش عن شيء ضائع، ثم نسي فسُرِقَت، هل يضمن؟
طلبة: لا يضمن.
الشيخ: قد تقول: إنه يضمن؛ لأن حق الآدمي يستوي فيه الخطأ والنسيان والعمد والذِّكْر. وقد تقول: لا يضمن؛ لأن هذا في عرف الناس لا يُعَد مفرطًا.
[ ١ / ٥٣٥٠ ]
وإذا تعارض الضمان وعدم الضمان -واليد هنا يد أمانة- فالأصل عدم الضمان.
فالظاهر أنه لا يضمن في هذه الحال؛ لأن الناس لا يعدونه مفرطًا، رجل أخرج الدراهم من محرز لسبب شرعي، ليس عابثًا ولا لاعبًا، ثم نسي، فكل الناس يرون أنه ليس بمعتدٍّ، ويرون أن تضمينه في هذه الحال ليس بحسن، وما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن.
يقول: (من محرز ثم ردها، أو رفع الختم) الختم أيش هو؟ كان من عادتهم أن الدراهم تحفظ في الأكياس، ثم تُشَد عليها الحبال، ثم يُخْتَم عليها، فإذا رفع الختم وأزاله فإنه يضمن، وإن كان الشد باقيًا لأن الختم أحرز؛ حيث إن الختم إذا بقي عُلِمَ أنه لم يتصرف فيها أحد، ولَّا لا؟ لكن الشد ربما يتصرف فيها إنسان ويعيدها على شكلها الأصلي، أما الختم فلا.
وتعرفون الختم ما هو؟ الختم: شمع أو رصاص، إذا شددت الحبل على الكيس فإنك تصب الرصاص أو الشمع ثم تأتي بالختم -والختم معروف- يعني: اسم الإنسان المختوم في خاتمه، ثم تضربه على الرصاص وهو مائع أو على الشمع ثم ينطبع، فإذا يبس صار اسم صاحبها عليها، فإذا رفع الختم فإن في ذلك إزالة لكمال الحفظ، ولَّا لا؟
وجه ذلك: أن ما لا ختم فيه يمكن لأي إنسان أن يحل رباطه ويأخذ ما شاء ثم يعيد الشد على ما كان عليه، لكن في الختم لا يمكن؛ لأنه إذا أزال الختم فلا يمكن أن يصور عليه ختمًا آخر؛ لأن اسم صاحبه مكتوب عليه.
على كل حال، الضابط: إذا أزال المودع ما فيه كمال الحفظ أو أصل الحفظ فعليه الضمان، ما فيه أصل الحفظ؛ كما لو أخرجها من المحرز، ما فيه كمال الحفظ؛ كما لو رفع الختم فإن عليه الضمان.
يقول المؤلف ﵀: (أو خلطها بغير متميز فضاع الكل ضمن) (خلطها بغير متميز) مثل أن يخلط دهنًا بدهن فضاع؛ سُرِقَ الكل، أو () فعليه الضمان.
مثال ذلك: رجل أودعني قارورة فيها عسل فخلطها مع عسل لي، ثم سُرِقَ الكل، فعليَّ الضمان؛ لأني خلطها بغير متميز.
[ ١ / ٥٣٥١ ]
وظاهر كلامه أن لو خلاطها بمتميز فلا ضمان؛ لإمكان التخليص؛ مثل أن يودع شخصٌ رجلًا كيس رزٍّ فيخلطه ببر، ثم يُسْرَق الكل، فظاهر كلام المؤلف أنه لا ضمان عليه، لماذا؟ لأنه متميز، فيمكن تخليصه أو تخليص بعضه من بعض.
نعيد المثال مرة ثانية: زيدٌ أودع عمرًا كيسًا من البر، فقام عمرٌو فخلطه بكيس من الرز، الخلط متميز ولَّا غير متميز؟ متميز، ثم سُرِقَ الجميع، فليس عليه ضمان على كلام المؤلف، لماذا؟ لأنه متميز؛ يمكن أن يخلص بعضه من بعض.
متى تلقط الرز من البر؟ افرض أن المودِع جاء إليك وقال: أعطني وديعتي، تقول: اصبر اللقط لك البر من الرز؟ ! () من يومك، كثير، اللهم إلا أن ييسر الله لك منخلًا ينخل الحب الصغار وتبقى الحب الكبار ممكن تكون سهلة.
ولكن الصحيح أنه يضمن في هذه الحال؛ لأن كل إنسان يعلم أن هذا عدوان، كيف تخلط هذا المال الذي يصعب تخليصه منه؟ !
لكن لو خلطها بمتميز تميزًا واضحًا؛ مثل أن يودع زيدٌ عمرًا عشر بيضات فيخلطها بعشر من التفاح، يضمن ولَّا لا؟ هذا متميز، ولا يصعب تمييزه؛ لأنه أعطانيها عشر بيضات وعندي عشر تفاحات في الثلاجة، فوضعتها في الطبق اللي فيه التفاح، فهنا لا ضمان عليه، واضح، لماذا؟ لأن هذا متميز تميزًا يسهل تخليصه مما خلط معه، بخلاف البر مع الرز.
وعلى هذا فيقال: إذا خلط المودع الوديعة فلا يخلو من ثلاث حالات:
أن يخلطها بغير متميز، فعليه الضمان.
أن يخلطها بمتميز يصعب فيه التمييز، فعليه الضمان، والمذهب -في ظاهر كلام المؤلف- لا ضمان عليه.
الثالث: أن يخلطها بمتميز يسهل فيه التمييز، فهذا ليس عليه ضمان، والأمثلة عرفتموها.
***
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (فصل: ويُقْبَل قول المودع في ردها إلى ربها أو غيره بإذنه وفي تلفها وعدم التفريط) هذا الفصل عقده المؤلف لبيان من يُقْبَل قوله من المودِع أو المودَع.
[ ١ / ٥٣٥٢ ]
واعلم أن لدينا قاعدة الدعاوي بيَّنها رسول الله ﷺ في قوله: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى رِجَالٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنِ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (١)، هذا في الواقع قاعدة أساسية في باب الدعاوي، وصدق النبي ﵊؛ لو يعطى الناس بدعواهم لقال رجل: هذا قتل ابني، ورجل قال: هذا أخذ مالي، ورجل آخر قال: هذا انتهك عرضي، وما أشبه ذلك، «وَلَكِنِ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ».
وهنا قاعدة أخرى أيضًا يجب أن تُضَمَّ إلى هذا؛ وهي قول الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١].
وللنظر الآن في هذا الفصل.
قال: (ويقبل قول المودع في ردها إلى ربها) أودع زيدٌ عمرًا وديعة، وجاء زيد إلى عمرو وقال: أعطني وديعتي، فقال عمرو: قد رددتها عليك، فقال زيدٌ: لم تردها عليَّ، فمن القول قوله؟
على كلام المؤلف: القول قول عمرو، مع أننا لو طبقنا هذه المسألة على الحديث لكان القول قول زيد؛ لأن الاثنين اتفقا على أصول الوديعة، أليس كذلك؟ وادَّعى أحدهما أمرًا زائدًا على أصول الوديعة؛ وهو رد الوديعة، فمن المدعي الآن؟ المدعي عمرٌو المودع، فهو الذي ادعى الرد.
وعلى هذا فنقول مقتضى الحديث أن يكون القول قول المودِع لكن بيمينه، والمودِع في هذا المثال هو زيد، لماذا؟ لأن عمرًا مدعٍ وزيدٌ منكرٌ، والبينة على المدعي، واليمين على من أنكر.
فنحن جميعًا اتفقنا على أصل الوديعة وأن الشيء عند عمرو، ثم ادَّعى عمرٌو بعد ذلك أنه رده وأنكر زيد، فنقول لعمرو: هات بينة، وإلا فالقول قول زيدٍ.
لكن احتج الأصحاب ﵏ بعموم قول الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾، وقالوا: إن عمرًا محسن، فلا يكون عليه سبيل، ولو قلنا: إن القول قول زيدٍ لجعلنا عليه سبيلًا.
[ ١ / ٥٣٥٣ ]
والمسألة فيها قولان لأهل العلم بناءً على تعارض الأدلة فيها، والأقرب: أن القول قول زيدٍ ما لم يوجد قرينة ظاهرة تدل على صدق عمرٍو، وإلا فإن الأصل عدم الرد.
وكثيرًا ما يقول الإنسان: إني رددتها عليك وهو ناسٍ، ثم بعد ذلك يجدها عنده، أقول: كثيرًا هذا ما يقع؛ يأتي المودع ويقول: أعطني الوديعة، فيقول: رددتها عليك، ثم بعد البحث والتفتيش أو تأتي صدفة هكذا يجدها عنده ويكون ناسيًا.
على كل حال الأقرب أن القول قول المودع؛ لأن الأصل معه، وعموم الحديث يشهد له، ونحن لم نجعل سبيلًا على هذا المحسن، وإنما أتينا بطريق شرعي يقتضي أن القول قول المنكر.
لكن إن عُرِفَ المودَع بالصدق وصار المودِع أقل منه ثقة عند الناس فالقول قول المودَع.
***
() وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ما تقول في رجل أُودِع ثوبًا جديد ولما جاء ()؟
(يُقْبَل قول المودع في ردها إلى ربه أو غيره بإذنه تلفها وعدم التفريط).
قوله: (يُقْبَل قول المودَع) بيَّنا فيما سبق ما لم تكن يده يد خيانة؛ يعني: فإذا تعدى أو فرط صارت يده يد ضمان على كل حال، فلا يُقْبَل قوله بالرد.
قوله: (أو غيره بإذنه) أظن ما شرحناها، يعني: ويُقْبَل قوله -أي: قول المودع- في ردها إلى غير ربها بإذن ربها، بأن يقول له لما قال: أعطني وديعتي، قال: أعطيتها فلانًا، قال: لماذا تعطيها فلانًا؟ قال: لأنك أمرتني بإعطائه، فيُقْبَل قوله في الرد.
فهنا مسألتان: المسألة الأولى: في ردها إلى ربها، والمسألة الثانية: في ردها إلى غير ربها بإذنه.
والمسألة الثالثة ما ذكرها هنا لكن ذكرها فيما سبق فيما إذا ردها إلى من يحفظ مال ربها، وقد سبق الخلاف في هذا؛ هل هذا جائز أو غير جائز؟
فإذن تكون الصور ثلاثة:
أولًا: ادعى أنه ردها إلى ربها. الصورة الأولى.
الصورة الثانية: ادعى أنه ردها إلى من يحفظ مال ربها.
الثالثة: ادعى أنه ردها إلى غيره بإذن ربها. هذه ثلاث صور.
[ ١ / ٥٣٥٤ ]
أما الصورة الأولى فقد ذكرنا في الدرس السابق أن المذهب قبول قوله. وعللوا ذلك بأنه محسن، ولو لم نقبل قوله لضمنه، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾.
وذكرنا القول الثاني في المسألة: أنه لا يُقْبَل قوله في الرد إلى ربها؛ لأن الأصل وجودها عنده، ودعوى الرد خارجة عن الأصل، وبيَّنا أن هذا القول يؤيده قوله تعالى في أموال اليتامى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦]، ومعلوم أن ولي اليتيم محسن، فإذا كان محسنًا فكيف يأمره الله بالأشهاد؟
وذكرنا أنه يمكن الرد على هذا الاستدلال بأن الله أمر بالأشهاد حماية للمدعي عن إلزامه باليمين؛ لأن ولي اليتيم وكذلك المودَع وإن قبلنا قوله في الرد فلا بد من اليمين.
حتى لو قلنا: يقبل قول المودَع فلا بد من اليمين، ولو أشهد على الرد لاكتفى بالبينة يمينًا، ولا يحتاج إلى يمين.
على كل حال هذه المسألة ذكرنا أنه لو قيل بالتفصيل؛ بحيث يقال: إذا كان المودَع معروفًا بالأمانة والصدق فالقول قوله، وإن كان الأمر بالعكس فالقول قول المودِع -بالكسر-؛ لأن الأصل عدم الرد، وبقاء ما كان على ما كان.
الصورة الثانية: إذا ردها إلى ما يحفظ مال ربها فهذه أبعد في قبول قوله مما إذا ادعاه إلى ربها؛ لأنه قد سبق لنا الخلاف هل يجوز أن يردها إلى من يحفظ مال ربها أو لا؟ فيضعف بذلك جانب جواز دفعها إلى من يحفظ مال ربها.
وإذا لم يقبل قول المودَع فيما إذا ردها إلى ربها، فعدم قبول قوله فيما إذا ردها إلى من يحفظ ماله من باب أولى.
الصورة الثالثة: إذا ادعى ردها إلى غيره بإذنه، فأنكر المودِع الإذن وقال: ما أذنت لك، فالقول قول -على كلام المؤلف- قول المودَع، فيحلف بأنك أذنت لي ورددتها إليه، يقول: واللهِ لقد أذنت لي أن أدفع الوديعة إلى فلان، ورددتها إليه.
[ ١ / ٥٣٥٥ ]
إذا كان فلان مقرًّا فالأمر في هذا ظاهر، ما فيه مشكلة، إذا كان الذي ادعى ردها إليه مقرًّا وقال: نعم وحلف، فأظن أن الأمر سهل؛ لأن صاحب الوديعة يقال له: ارجع إلى ذاك.
لكن إذا أنكر وقال: ما أعطاني شيئًا فالمذهب: يُقْبَل قول المودَع.
والصحيح أنه لا يقبل قول المودَع في دفعها إلى غير ربها بإذنه؛ لأن الرد هنا مستفاد ممَن؟ من المالك، والمالك ينكر أن يكون أذن، والأصل عدم الإذن، فالصحيح أنه لا يُقْبل قول المودَع ().
إذن هذه المسألة فيها مرتبتان:
المرتبة الأولى: ثبوت أنه أذن في ردها إلى غير ربها.
والثاني: ثبوت الرد. لكن ثبوت الرد هذا كالصورة الأولى؛ لأنه إذا أذن ربها في دفعها إلى شخص فقد أقام هذا الشخص الذي أمرك بدفعها إليه مقام نفسه، فتكون دعوى الرد إليه كدعوى الرد إلى المالك وهو المودِع، ما أدري -واللهِ- المسألة مفهومة ولَّا لا؟
زيدٌ أودع عمرًا وديعة، ثم جاء يومًا من الدهر يطلبها وقال: أعطني الوديعة، فقال: رددتها ..، يقول زيدٌ لعمرٍو: أعطني وديعتي، فقال عمرٌو: أعطيتها بكرًا بإذنك، أنت قلت لي: أعطها بكرًا.
المذهب يُقْبَل قول المودَع -وهو عمرو- بأن زيدًا أذن له في دفعها إلى بكرٍ وفي ردها إلى بكرٍ.
أقول: القول الثاني الذي نرى أنه هو الصواب أنه لا يقبل؛ لأن دعواه هذه تضمنت أمرين:
الأمر الأول: دعوى إذن ربها -الذي هو زيد- بدفعها إلى بكرٍ.
والأمر الثاني: أنه ردها إلى بكرٍ.
فنحن نقول: أثبت الأمر الأول، ما هو الأمر الأول؟ أنه أذن لك في دفعها إلى بكرٍ، فإذا أثبته فحينئذٍ يكون الحكم كالحكم فيما إذا ادعى دفعها إلى ربها.
نقول: إذا ثبت أنه أذن، ثم ادعى أنه دفعها إلى المأذون بدفعها إليه، نقول: إن قلنا بقبول دفعها إلى ربها قبلنا قولك، وإن قلنا بعدم القبول لم نقبل قولك.
[ ١ / ٥٣٥٦ ]
قبول قول المودع في الصورة الثالثة أضعف من قبول قوله في الصورة الثانية، وقبول قوله في الصورة الثانية أضعف من قبول قوله في الصورة الأولى، صح ولَّا لا؟ لأن الصور ثلاثة: دعوى أنه دفعها إلى ربها، ودعوى أنه دفعها إلى من يحفظ مال ربها، ودعوى دفعها إلى من أمره ربها بدفعها إليه، كل واحدة أضعف من الثانية؛ الثالثة أضعف من الثانية، والثانية أضعف من الأولى.
ثم قال المؤلف: ويقبل قوله أيضًا (في تلفها) هذا صحيح؛ يعني: يُقْبَل قول المودَع بأن الوديعة تلفت، فإذا جاء صاحبها يطلبها قال: واللهِ يا أخي تلفت، سُرِقَت، ضاعت، وما أشبه ذلك، فإن قوله مقبول، لماذا؟ لأنه محسن، وما على المحسنين من سبيل، وليس كل إنسان يتلف منه شيء يذهب ويشهد الناس عليه، وقد يتعذر الإشهاد؛ كما لو سُرِقَت ليلًا.
ولو أننا قلنا بعدم قبول قوله لكان في ذلك سد لباب الإحسان أو لا؟ لأن كل إنسان لا يضمن أن تبقى الوديعة في حرزها، كل إنسان يخشى أن تتلف الوديعة.
فإذا قلنا: لا يُقْبل قوله في التلف إلا ببينة، إذن يقول: لا أقبل الوديعة، وما لي ولوديعة إذا تلفت ضُمِّنْتُها ولو كان بغير تكليف. إذن فالقول قول من؟ قول المودَع في أنها تلفت.
ولكن سبق لنا أن الفقهاء ﵏ يقولون: إذا ادَّعى تلفها بأمر ظاهر -كحريق وغرق- فلا بد من البينة على وجود هذا الأمر الذي حصل به التلف، ثم بعد ذلك يُقْبَل قوله في أنها تلفت به.
فمثلًا: إذا قال: واللهِ بيتي احترق، واحترقت وديعتك من ضمن ما احترق، فقال: لم تتلف، ماذا نقول للمودَع؟ أقم بينة على أن البيت احترق، فإن لم يقم بينة فإننا لا نقبل قوله، فإذا أقام بينة بأن البيت احترق، حينئذٍ نقبل قوله بأن الوديعة قد تلفت بهذا الاحتراق.
[ ١ / ٥٣٥٧ ]
كذلك لو ادعى أنه اجترفها السيل؛ إنسان بدوي أعطاه بدوي آخر شاة وقال: خذ هذه وديعة عندك، ثم جاءه يطلبها بعد سنة، واللهِ يا أخي جاء () سال الوادي فاجترفها وذهبت، ماذا نقول له؟ نقول: أقم بينة بأن الوادي سال واجترفها، سال بس يكفي، فإذا أقام بينة بأن الودي سال قُبِلَ قوله في أنه اجترفها.
وإن ادعى أن الوداي سال وليس حوله أودية، بل كل الذي حوله رمال؛
لا يمكن أن ينقع فيها السيل فضلًا على أن يجرف، يُقْبَل قوله ولَّا لا؟ لا يقبل قوله.
المهم على كل حال إذا ادعاه بأمر ظاهر فلا بد من أيش؟ من البينة على وجود هذا الأمر الظاهر، ثم يُقْبَل قوله في التلف.
وكذلك لو ادعى أن السفينة غرقت؛ قال: واللهِ أنا ركبت السفينة والوديعة معي وغرقت، ماذا نقول؟ أقم بينة أولًا بأن السفينة غرقت، ثم نقبل قولك بأنها تلفت.
كذلك يُقْبَل قوله في عدم التفريط، أيش معنى؟ من اللي يقول بعدم التفريط؟ المودَع، يقول: أنا لم أفرط، فقال صاحبها: فرطت، فقال: لم أفرط، فقال: فرطت، لماذا يقول: فرطت؟ من أجل أن يضمنه، ولماذا يقول: لم أفرط؟ من أجل ألَّا يضمن.
فالقول بعدم التفريط قول المودَع؛ لأنه مؤتمن، وإذا كان مؤتمنًا فإن القول قوله؛ ما على المحسنين من سبيل، وأنت قد أمنته، فإذا ادعيت أنه مفرط فأقم بينة.
طيب والتعدي؟ لو قال صاحب الوديعة: أنت تعديت في وديعتي، فقال: لم أتعد، فالقول قول المودَع؛ لأن الأصل عدم التعدي، وهذا الرجل مؤتمن.
فنقول إذن لصاحب الوديعة: هات بينة على أن الرجل قد فرَّط أو تعدى وحينئذٍ نُضَمِّنه.
[ ١ / ٥٣٥٨ ]
فإن وصف المودَع ما فعل بالوديعة واختلفا هل هو تفريط أو غير تفريط، فما العمل؟ يُرْجَع إلى العرف، إي نعم، يعني قال المودَع: أنا ما فرطت، فقال صاحبها: بل فرط؛ لأنك فعلت كذا وكذا، قال: هذا ليس بتفريط، فقال صاحب الوديعة: بل هذا تفريط، ثم تنازعا، فإننا نرجع في ذلك إلى العرف والعادة، فإذا قالوا: هذا تفريط فعلى المودع الضمان، وإذا قالوا: ليس بتفريط فليس عليه ضمان.
لو قال قائل: لماذا لا ترجعون في هذه المسألة إلى اجتهاد المودع؛ فإن المودع فعل ذلك على أنه ليس بتعدٍّ ولا تفريط؟
فنقول في الجواب على ذلك: المرجع في هذا إلى العرف؛ لأن الواجب على المودع ألَّا يفعل شيئًا حتى يعلم أنه ليس بتفريط.
وليس هذا يتعلق بأمر بينه وبين الله حتى نقول: إذا اجتهد فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر، هذا يتعلق بأمر بين آدمي وآخر، والأمور التي بين الآدميين مبناها على الاحتياط وعلى الضمان.
***
() والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق أن المودع إذا ادَّعى الرد إلى من أودعه ففيه خلاف ().
قال بعدم القبول، وسبق توجيه كل من القولين، وبيان الراجح منهما.
وسبق أيضًا فيما إذا ادعى المودَع أنه ردها إلى من يحفظ مال صاحبها، وذكرنا أن هذا أضعف من الأول.
وسبق أيضًا فيما إذا ادعى المودَع أنه ردها إلى غير صاحبها وإلى غير من يحفظ ماله لكن بإذن ربها، وبيَّنا أن هذا الأخير أضعف من السابقَيْن، وأن في ذلك كله خلافًا؛ فمنهم من قال: إن القول قول المودَع، ومنهم من قال: إن القول قول صاحب الوديعة، وذكرنا توجيه كل قول.
وسبق أيضًا أنه يُقْبَل قوله في التلف، إلا أن يدعي التلف بسبب ظاهر فلا بد من إقامة البينة على هذا السبب، ثم يُقْبَل قوله في تلفها به.
[ ١ / ٥٣٥٩ ]
وسبق أيضًا أن القول قوله في عدم التفريط، وكذلك في عدم التعدي؛ إذا ادعى المودِع أن المودَع قد تعدى فإنه يقبل في نفيه قول المودع، ويقال للمودع: ائتِ ببينة، وإلا فالأصل عدم التعدي.
فالحاصل أن لدينا قاعدة؛ وهي أن من ادعى خلاف الأصل فعليه البينة، ومن ادعى الأصل فالقول قوله مع اليمين.
ثم قال المؤلف ﵀: (فإن قال: لم تودعني ثم ثبتت ببينة أو إقرار ثم ادعى ردًّا أو تلفًا سابقين لجحوده لم يقبلا ولو ببينة).
هنا نفى المودَع أن يكون المودِع قد أودعه، فقال: لم تودعني؛ يعني: جاء زيد إلى عمرو ..؛ يعني مثال، نضرب الآن مثلًا: جاء زيد إلى عمرو فقال: إني أودعتك مئة ريال، فقال: أبدًا، لم تودعني، من القول قوله؟ المودَع؛ يعني: المدعى عليه، القول قول المدعى عليه؛ لأن هذا مدعٍ، والآخر مدعًى عليه، وقد قال النبي ﵊: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى رِجَالٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنِ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (٢).
فيقال لهذا المودع الذي ادعى أنه أعطى عمرًا وديعة نقول: أثبتْ ذلك ببينة؛ لأن الرجل أنكر، فإذا لم يثبت بينة حلف المدعى عليه وبرئ.
ولكن إذا ثبت ببينة أو إقرار؛ يعني: ثبت أنه مودعه ببينة، فقال زيد لعمرو -الذي ادعي عليه-: عندي بينة، وأتى بالبينة تشهد بأن زيدًا أودع عمرًا مئة ريال، ثبت بالبينة الآن، أو إقرار؛ يعني: أتى زيد ببينة على إقرار عمرو بأنه أودعه مئة ريال.
والفرق بين البينتين أن البينة الأولى شهدت بالفعل، والثانية شهدت بالإقرار؛ فالأولى قالت: نعم، نحن نشهد أن زيدًا أعطى عمرًا مئة ريال وديعةً، والبينة الثانية قالت: نعم، نحن نشهد بأن عمرًا أقرَّ بأن زيدًا أعطاه مئة ريال وديعةً. الآن ثبتت الوديعة ولَّا لا؟
طالب: نعم.
[ ١ / ٥٣٦٠ ]
الشيخ: ثبتت الوديعة، لكن المودَع ادعى ردًّا أو تلفًا، وقد سبق أن قوله في الرد مقبول ولَّا غير مقبول؟ مقبول، وأن قوله في التلف أيضًا مقبول.
فهل يُقْبَل إذا قال هذا المودع: ما دام الآن ثبتت الوديعة عليَّ ببينة أو بإقرار سابق، فأنا الآن أقول: إنني رددتها، فإنا ننظر: إذا كان ادعى ردًّا سابقًا لجحوده أو تلفًا سابقًا لجحوده فإنه لا تُقْبَل منه دعوى الرد، ولو ببينة، لماذا؟ لأنه يكذِّب البينة؛ هو يقول: لم تودعني، ثم يجيب بينة بأنه رد، لأن من لازم الرد ثبوت الوديعة، وأنت الآن تدعي أنه لم يودعك، وهذا تناقض؛ قولك يناقض البينة.
أما لو ادعى ردًّا أو إتلافًا لم يسبق الجحود فإنه يُقْبَل بالبينة؛ لعدم التنازع.
زيد ادعى على عمرو أنه أودعه مئة ريال، فأنكر عمرو قال: ما أودعتني، فأقام زيد بينة بأنه أودع عمرًا مئة ريال، ما تقولون في الوديعة: ثبتت ولَّا لا؟
الطلبة: ثبتت.
الشيخ: ثبتت، ادعى ردًّا سابقًا لجحوده، هو الآن جحد في يوم الثلاثاء، وادعى أنه ردها في يوم الاثنين، الآن الرد سابق للجحود ولَّا لا؟ سابق للجحود، أقام بينة أنه ردها، نقول: لا تُقْبَل البينة، ليش ما تقبل؟ لأنك جحدت يوم الثلاثاء أنه أودعك، فإذن ليس هناك وديعة حتى ترد، والبينة شهدت بماذا؟ شهدت بأنه رد الوديعة، وأنت الآن تكذِّب هذه البينة، كيف تكذِّب هذه البينة؟ لأنك في يوم الثلاثاء تقول: ما أودعك، فكيف يوم الاثنين يكون قد رددت وديعته؟ ! واضح التناقض الآن؟
إذن نقول لهذا الرجل الذي ادعى أنه ردها يوم الاثنين وهو جاحد يوم الثلاثاء وجاء ببينة، قال: نشهد أن عمرًا ردَّ على زيدٍ مئة ريال الوديعة التي عنده، جاءت بينة تشهد بذلك، ماذا نقول للمودَع؟
نقول: كلامك الآن يناقض بينتك؛ أنت بنفسك تشهد بأن البينة كاذبة صح؟
طالب: نعم.
[ ١ / ٥٣٦١ ]
الشيخ: نعم، ليش؟ لأنك تقول: إنه يوم الثلاثاء ما أودعك، ثم تجيب بينة تشهد أنك يوم الاثنين رددت الوديعة، وهذا يقتضي أنه أودعك، فكلامك الآن يناقض بينتك فلا يُقْبَل.
إذا ادَّعى ردًّا غير سابق لجحوده؛ هو بالأول أنكر، ثم ثبتت بالبينة، ثم ادعى ردًّا بعد جحوده، فهذا لا يُقْبَل إلا ببينة، كيف لا يُقْبَل إلا ببينة وهو مودع؟
يقول: نعم؛ لأن جحده إياها أخرجه من الأمانة إلى الخيانة، فلما أخرجه إلى الخيانة قلنا: لا نقبل قولك في الرد؛ لأن يدك أصبحت ليست يد أمانة، فعليك أن تقيم بينة، ونحن إذا أقمت البينة نقبل البينة.
لماذا نقبل البينة وقد جحد؟ لأنه لم يحصل تناقض بين قوله؛ يعني: بين جحوده وبينته في الرد. واضح ولَّا غير واضح؟
الطلبة: واضح.
الشيخ: طيب، المثال: ادعى زيدٌ على عمرٍو أنه أودعه وديعة، فأنكر عمرٌو قال: ما أودعتني، فأقام زيدٌ على عمرٍو بينة تشهد بأنه أودعه، ما تقولون الآن؟ ثبتت الوديعة.
ادَّعى عمرو -لما رأى أن الوديعة ثبتت عليه- ادعى عمرو أنه ردها، وكان جحوده في يوم الثلاثاء، وادعى أنه ردها يوم الأربعاء، فالرد كان بعد الجحود ولَّا قبل؟
الطلبة: بعد.
الشيخ: بعد الجحود، نقول: الآن: ما نقبل قولك في الرد، حتى وإن كان الرد بعد الجحود، لماذا لا نقبل؟ لأنك لما أنكرت الوديعة صرت غير أمين، وغير الأمين لا يُقْبَل قوله في الرد إلا ببينة، قال: طيب، تبغون بينة؟ أنا أجيب لكم بينة، فأتى ببينة تشهد أنه ردها يوم الأربعاء، تُقْبل ولَّا ما تُقْبل؟
طلبة: تُقْبل.
الشيخ: تُقْبل، ليش؟
طالب: ما تناقض كلامه.
[ ١ / ٥٣٦٢ ]
الشيخ: ما تناقض كلامه، هو جحد يوم الثلاثاء، وادعى الرد يوم الأربعاء، وشهدت البينة بأنه ردها يوم الأربعاء، هذا ممكن؛ بأن يكون أودع متى؟ بعد يوم الثلاثاء، ما هو من الممكن هذا؟ من الممكن أن زيدًا أودع عمرًا في ليلة الأربعاء، شهدت البينة بأنه ردها متى؟ يوم الأربعاء، فلا تناقض بين جحوده وبين البينة التي شهدت بالرد بعد الجحود.
طالب: الدعوى من قبل.
الشيخ: لا، الدعوى يوم الخميس، ما هي من قبل، كيف من قبل؟ يدعي عليه قبل يجيء وقت الرد! ادعى عليه يوم الخميس، وقال: أعطني الوديعة، قال: ما عندي لك وديعة، فأقام زيدٌ بينة بأنه أودعه إياها، فقال: قد ردتها عليك، متى؟ قال: رددتها عليك يوم الأربعاء.
الآن الجحود كان يوم الثلاثاء قبل، وادعى الرد بعد الجحود، نقول: الآن دعواك الرد بعد الجحود لا تقبل؛ لأنك بجحدك خرجت عن الأمانة إلى الخيانة، فإذا أقام بينة قبلت البينة؛ لأنها لا تناقِضُ كلامَه. بخلاف ما إذا أقام البينة بأنه ردها قبل جحوده فهنا لا تُقْبَل، لماذا؟ للتناقض.
استمع إلى كلام المؤلف لتطبق، قال: (فإن قال: لم تودعني ثم ثبتت ببينة أو إقرار) هاتان الصورتان أو لا؟ (ببينة) تشهد بأنه أودعه، (إقرار) تشهد البينة بأنه أقر، هي ما شهدت لما أودعه، ما رأته لما أودعه لكن أقر بأنه أودعه.
(ثم ادعى ردًّا أو تلفًا سابقين لجحوده لم يُقْبَلا ولو ببينة) ليش؟ لأن هذا تناقض، فإن قوله يكذِّب البينة.
يقول: (بل في قوله: ما لك عندي شيء ونحوه) نعم إذا قال: ما لك عندي شيء فإنه إذا أقام بينة قبلت؛ لأن قوله: ما لك عندي شيء لا ينافي دعوى الرد أو دعوى التلف، لماذا لا ينافي دعوى التلف؟ لأنه إذا ردَّ لم يبق عنده شيء، وإذا تلفت بلا تفريط لم يبق عنده شيء.
بخلاف قوله: لم تودعني، فإن قوله: لم تودعني نفي لأصل الوديعة، وأما قوله: ما لك عندي شيء فهو نفي لضمان الوديعة. فبينهما فرق.
[ ١ / ٥٣٦٣ ]
(أو بعده بها) ويش معنى (بعده)؟ أي: يُقْبَل قوله بعد الجحود إذا ادعى التلف أو الرد بعد الجحود ببينة؛ لاحتمال أن تكون الوديعة طرأت بعد الجحود وقبل دعوى التلف أو الرد، فلما كان هذا الاحتمال قائمًا لم يحصل تناقض. وسيأتي -إن شاء الله تعالى- مناقشة هذا في الدرس القادم والذي لم يفهمها يتأملها.
***
() والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أن المودَع لو نفى الوديعة، ثم ثبتت ببينة أو إقرار، فما الحكم؟ ().
ثم قال: (وإن ادعى وارثه الرد منه أو من مورثه لم يُقْبَل إلا ببينة) (إن ادَّعى وارثه) وارث من؟ وارث المودَع، (الرد منه) أي: من المودِع، و(من) هنا بمعنى (على).
(أو من مورثه) أي: من مورث المودع فإنه لا يُقْبَل، إن ادعى وارثه الرد منه؛ أي: من الوارث؛ أي: وارث المودع، والآن نحلها حلًّا آخر.
فـ (من) هنا: للابتداء وليست بمعنى (على) كما قلت آنفًا.
ادعى وارث المودع الرد منه؛ أي: ردًّا منه؛ أي: من الوارث أو من مورثه -وهو المودَع- لم يُقْبَل.
مثال ذلك: أودع زيدٌ عمرًا وديعةً، ثم مات عمرٌو، فجاء زيدٌ إلى ورثة عمرو وادَّعى الورثة أن عمرًا ردها على زيد فإن ذلك لا يُقْبَل إلا ببينة، أو ادعى ورثة عمرٍو أنهم ردوها على زيدٍ بعد موت عمرِو فإنه لا يُقْبَل إلا ببينة.
(إذا ادعى وارثه) الضمير يعود على المودع، (الرد منه) من الوارث، (أو من مورِّثه) وهو المودع؛ يعني: أن وارث المودَع قال للمودِع: قد رددت عليك الوديعة، هذا يعود على قوله: (منه)، أو قد رد عليك مورِّثي الوديعة، هذا على قوله: (أو من مورِّثه)، ومعنى العبارة: أنه إذا ادعى وارث المودَع أنه رد الوديعة أو أن مورثه -وهو المودع- رد الوديعة فإنه لا يُقْبَل.
هل يُقْبَل ببينة ولَّا لا؟ يعني: لو أقام بينة على أن المورث -وهو المودع- ردها أو أنه هو -أي: الوارث- بعد موت المورث ردها فإنه يُقْبَل بالبينة لا بالدعوى؟
[ ١ / ٥٣٦٤ ]
إذا قال قائل: ألستم تقولون: إن المودَع لو ادعى رد الوديعة لقُبِلَ؟
نقول: بلى، لكن هناك فرقًا بين دعوى الوارث وبين دعوى المورِّث؛ المودع ائتمنه صاحب الوديعة شخصيًا، والوارث لم يأتمنه، وكان على الوارث أن يخبر المودِع من حين موت المودَع بأنه قد مات؛ حتى ينظر هل يقول المودِع: أبقها عندك أو يسحبها، أليس كذلك؟
خلاصة الحكم الآن: مات المودَع فجاء المودِع يطلب الوديعة، فقال وارث المودَع: قد ردها عليك، يُقْبَل ولَّا لا؟ لا يُقْبَل، إلا ببينة؛ لأنهم أضافوا الفعل إلى غيرهم، فلا يُقْبَل إلا ببينة.
أو قال وارث المودَع: رددناها عليك بعد موته، فقال المودِع: لا، فهل تُقْبَل دعوى الورثة أنهم ردوها؟ لا، إلا ببينة؛ وذلك لأن صاحب الوديعة لم يأتمنهم، وإنما ائتمن الميت، والميت قد مات.
(وإن طلب أحد المودِعَيْن نصيبه من مكيل أو موزون ينقسم أَخَذَه).
مثال ذلك: زيدٌ وعمرٌو أتيا إلى بكرٍ ومعهما كيس قمحٍ وقالا لبكر: خذ هذا وديعة، وهو بيننا نصفين، ثم ذهبا، ثم جاء بعد ذلك عمرٌو وقال لبكرٍ: أعطني نصيبي من القمح، فهل لبكرٍ أن يمتنع ويقول: أنتما أودعتماني جميعًا فلا أعطيكما إلا جميعًا؟ يقول المؤلف: لا. لماذا؟ لأنهما قد أعلماه بأن القمح بينهما نصفين، وهذا جاء يأخذ نصيبه.
هل نحبسه حتى يأتي شريكه؟ قد لا يأتي شريكه إلا بعد مدة طويلة وقد لا يأتي أبدًا.
فالمهم أننا نقول لهذا المودع أو نقول لأحد المودِعَيْن: لك أن تأخذ نصيبك، وليس للمودَع حق في أن يمنعك منه.
فإذا كان هذا المودع لا يعلم مقدار نصيب الشريك وجاء إليه الشريك وقال: أعطني نصيبي من القمح الذي أودعناك أنا وزيد إياه، فهل يلزمه أن يعطيه؟
طالب: لا.
[ ١ / ٥٣٦٥ ]
الشيخ: ليش؟ لأنه لا يعلم، قد يقول: أنا لي نصف القمح، وليس له إلا الربع، وقد يقول: لي ثلاثة أرباع، وليس له إلا الربع، نعم لو أنه أقام بينة بأن له نصف القمح فحينئذٍ يلزم المودَع أن يسلمه نصيبه؛ لأنه في هذه الحال ليس على المودع ضرر بثبوت البينة؛ لأن هذا الشريك له النصف.
وقول المؤلف: (الموزون) ويش مثال الموزون؟ الموزون كاللحم أو السكر.
جاءني رجلان بسكَّرٍ وأودعاني إياه وقالا: إنه بيننا نصفين، ثم بعد مدة جاء أحدهما وطلب نصيبه فله أن يأخذه.
وقول المؤلف: (ينقسم) يعني: يمكن قسمته بلا ضرر، فإن كان لا تمكن قسمته؛ مثل أن يأتياني بلحم، اللحم قد لا تمكن قسمته بالتعديل، مثلًا أتاني رجلان برجل خروف وقالا: هذا بيننا نصفين، اجعله وديعة عندك إلى آخر النهار، فجاء أحدهما في آخر النهار ولم يأت الآخر وقال: أعطني نصيبي، فهل يلزمني أن أعطيه؟ لا، لماذا؟ لأنه قسمته غير ممكنة إلا بالتعديل بالقيمة، فرق بين أعلى الرجل وآخرها، ولو شرطناها بالطول أيضًا قد لا نضبط القدر على ما ينبغي.
فإن قال: أنا لي النصف وله النصف أعطني الثلث، اجعل النقص عليَّ، أعطني الثلث، أنا عندي ضيوف أبغي أعطيهم وبمشي؟
الظاهر أنه يلزمه هنا؛ لأنه إذا قال: أعطني أقل من حقي ما فيه ضرر على الثاني، لكن إذا قال المودَع: أنا أخشى أن الثاني لا يقبل الزيادة التي حصلت له، نقول: إذا لم يقبلها خذها أنت، ما فيه ضرر.
يقول: (وللمستودَع والمضارب والمرتهن والمستأجر مطالبة غاصب العين).
أولًا: لا بد أن نعرف هذه الأسماء: (للمستودَع) من المستودع؟
طالب: ().
الشيخ: هو الذي عنده الوديعة.
الثاني قال: (والمضارَب) من المضارب؟
طالب: ().
الشيخ: الشريك في المضاربة ما يكفي هذا، (المضارَب)؟
طالب: ().
الشيخ: فيه بجزء من ربحه، هذا المضارَب.
الثالث يقول: (المرتهِن) من هو؟
طالب: الذي لديه الرهن.
الشيخ: الذي لديه الرهن، زين.
والرابع (المستأجر)؟
طالب: ().
[ ١ / ٥٣٦٦ ]
الشيخ: الذي بيده العين على سبيل الإجارة.
يقول: هؤلاء الأربعة لهم مطالبة صاحب العين؛ يعني: لو غُصِبَت العين فلهم أن يطالبوا الغاصب.
مثال ذلك: المستودَع جاء رجل وأخذ المال منه غصبًا التي هي الوديعة، فهل له أن يطالبه؟ يقول المؤلف: له أن يطالبه.
إذا نظرنا إلى ظاهر اللفظ قلنا: اللام هنا للإباحة، والمباح يجوز للمكلَّف فعله وتركه، فهل هذا مراد؟
الجواب: لا، ليس بمراد، وإنما المراد بالإباحة دفع ما يُتَوَّهم من المنع؛ أي: أنه لا يمتنع على هؤلاء أن يطالبوا الغاصب، ونفي الامتناع لا ينفي الوجوب، وحينئذٍ نقول: للمستودع، ولكن يجب عليه أن يطالب الغاصب؛ يجب وجوبًا أن يطالب الغاصب؛ لأن المستودع يلزمه أيش؟ حفظ الوديعة، ومن لازم حفظها أن يطالب من؟ أن يطالب الغاصب.
إذن فما المراد باللام الدالة على الإباحة؟ المراد نفي توهم الامتناع.
كيف يتوهم الامتناع؟ يتوهم ذلك بأن يقال: أنت لست المالك، وإذا لم تكن المالك فليس لك حق في المطالبة؛ لأنه من الجائز أن يرضى المالك بهذا الغصب، أليس كذلك؟
فإذا كان من الجائز أن يرضى المالك بهذا الغصب فليس لك حق بأن تطالب، اصبر، راجع المالك قبل، هذا هو التوهم الذي قد يتوهمه الإنسان، فبين المؤلف ﵀ أن للمستودع أن يطالب غاصب العين.
طالب: ().
الشيخ: فلهذا لو قال الغاصب للمستودع الذي طالبه: أنت لست المالك ولا أوافق على أن تطالب، فما الجواب؟
يقول: نعم، أني لست المالك لكنني مؤتمن عليها، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، وهذا من حفظها.
الثاني أيضًا (المضارَب) المضارب قلنا: الذي أخذ المال يتجر فيه بجزء من ربحه، هذا إنسان مضارب قد أعطيته -مثلًا- خمسين ألفًا يتاجر بها، فاشترى بها سيارة ليبيعها بأكثر مما اشتراها به، فجاء شخص فغصب السيارة، فهل للمضارَب أن يطالب الغاصِب؟
الطلبة: نعم.
[ ١ / ٥٣٦٧ ]
الشيخ: وجوبًا ولَّا جوازًا؟ وجوبًا؛ لأنه مؤتمن على المال، وقد الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾.
ومثل ذلك المرتهن؛ لأن المرتهن -كما مر علينا- يكون الرهن بيده، فإذا جاء غاصب وغصبه فله أن يطالب الغاصب، ولا يقول الغاصب: أنت لست مالكًا، المالك هو الراهن، يقول: نعم، أنا لست بمالك ولكني مؤتمن، بل نقول: إن المرتهن له حق في الرهن؛ لأنه قد وثق به دينه.
كذلك المستأجر له أن يطالبه، لو جاء شخص لإنسان قد استأجر دكانًا، فغصب الدكان منه وأخرجه قال: يلَّا، فله أن يطالب الغاصب، لا يقول للغاصب: أنت لست مالكًا، يقول: نعم، أنا لست بمالك، لكني أولًا: مالك للمنفعة، وأريد منفعتي، وثانيًا: أنني مؤتمن على العين، فوجب علي أداء الأمانة، ومن أداء الأمانة أن أطالبك.
يستثنى من قولنا: إنه يستلزم المطالبة إذا كان صاحب العين حاضرًا وعالمًا بالغصب فإنه لا يلزم هؤلاء المطالبة، وبناءً على ذلك نقول: يلزمهم أحد أمرين: إما المطالبة، وإما إخبار صاحبها؛ لأنا نقول: إذا كان صاحبها حاضرًا ويعلم بالغصب فهو المسؤول عنها.
***