إذا قَذَفَ الْمُكَلَّفُ مُحْصَنًا جُلِدَ ثمانينَ جَلدةً إن كان حُرًّا، وإن كانَ عبدًا أربعينَ،
الشيخ: هل يُحَدُّ حَدَّ الزنى؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأنه في ملك مختلَف فيه.
رجل عنده أمة، فجاء صديقه فباعها على رجل آخر، المشتري جامعها، وصاحب الأمة -المالك- لما أخبره صديقُه أنه باعها قال: جزاك الله خيرًا، أنا مُنْجِز البيع ولا عندي مانع، فهمت ولّا لا؟
المذهب عندنا -مذهب الحنابلة- المشهور عندهم أن البيع ..
طلبة: باطل.
الشيخ: غير صحيح؛ ليش؟ لأن البائع ليس مالكًا للأَمَة، ولا وكيلًا، ما له التصرف فيها.
والقول الثاني: أنه إذا أجازه؟
طلبة: صح البيع.
الشيخ: صح البيع، وبناءً على هذا يكون هذا الوطء في ملك مختلَف فيه، وهذا ما يسمى عند أهل العلم بتصرف الفُضُولِيّ، يعني معناه: أن التصرف الموقوف على الإجازة يكون تصرفًا فضوليًّا.
يقول المؤلف -﵀ -: (أو أُكْرِهَت المرأة على الزنى).
يعني: أنها لا تُحَدّ.
() حتى زنى بها -والعياذ بالله- هل عليها حد؟
طلبة: ما عليها حد.
[ ١ / ٧٥٠٩ ]
الشيخ: ما عليها حد، الذي أكرهها؟
طلبة: عليه ..
طالب آخر: ما عليه ..
الشيخ: ما عليه حد؟
طلبة: عليه الحد.
الشيخ: هو الذي أكرهها يا جماعة؟
طلبة: عليه الحد.
الشيخ: كيف يجب الحد على واحد، والثاني ما يجب عليه؟ ويش لون هذا؟
طلبة: ().
الشيخ: المهم، هو يُحَدّ، الْمُكْرِه يُحَدّ لا شك، لو قيل: بالحد والتعزير، لكان أولى، يُحَدّ للزنى، ويُعَزَّر للاعتداء.
المهم أن الْمُكْرِه يُحَدّ ولا إشكال فيه، ولا مانع من أن يكون أحد الزانِيَيْنِ يقام عليه الحد والثاني لا يقام، فيه مانع؟
طلبة: لا مانع.
الشيخ: لو زنى بامرأة دون البلوغ؟
طلبة: ما تُحَدّ.
الشيخ: هي لا تُحَدّ، وهو؟
طلبة: يُحَدّ.
الشيخ: يُحَدّ.
(أو أُكْرِهَت المرأة)، هذا منطوق العبارة؛ أن المرأة إذا أُكْرِهَت على الزنى فلا حد عليها.
وإذا أُكْرِهَ الرجل على الزنى؟ يعني واحد أَكْرَهَ إنسانًا على أن يزني بهذه الأمة، يعني: إنسان عنده أمة، ورأى هذا الرجل اللبيب الشاب الجميل، وقال: أبغيه يزني () -أعوذ بالله- وجاء لَمُّه، وقال: لازم إنك تزني بها، تجامعها، قال: يا ابن الحلال هذا حرام، قال: ما فيه، إما هذا وإلَّا السيف، شوف السيف معي.
طالب: المذهب يُحَدّ.
الشيخ: يُحَدّ ولّا لا؟
الطالب: المذهب يُحَدّ.
الشيخ: المذهب يُحَدّ.
شوف كلام المؤلف، ما قال: أو أُكْرِهَ الإنسان على الزنى، المؤلف يقول: (أو أُكْرِهَت المرأة على الزنى)، وعُلِمَ من كلامه أنه لو أُكْرِهَ الرجل أُقِيمَ عليه الحد.
طالب: والحديث: «وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»؟ (١)
الشيخ: إي نعم، لماذا؟ قالوا: لأن الإكراه في حق الرجل لا يتَصَوَّر، ليش لا يتَصَوّر؟ قالوا: لا جماع إلا بانتشار، صح ولّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ولا انتشار إلا بإرادة، الانتشار: قيام الذَّكَر يعني، إي نعم.
[ ١ / ٧٥١٠ ]
يقولون: ما يمكن يُكْرَه الرجل على الزنى؛ لأنه ما يمكن يجامع إلا بانتشار، ولا انتشار إلا بإرادة، والإرادة رضا ولّا إكراه؟
طلبة: رضا.
الشيخ: رضا، فلذلك لما لم يُتَصَوَّر الإكراه في حقه صار الحد واجبًا عليه، ولا يعارض هذا الحديث: «وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (١) لأننا نقول: هذا الرجل ما استُكْرِه، أخيرًا رضي.
ولكن القول الراجح -بلا شك- أنه لا حد عليه، وأن الإكراه موجود.
الرجل يقال: افعل بهذه المرأة وإلّا قتلناك، وتأتي أمامه بثياب جميلة، وهي شابة وجميلة، ويمكن ()، نقول: ما يكره؟ ما ()، هذا من أبلغ ما يكون من الإكراه.
ومهما كان، الإنسان بشر، والصواب بلا شك أنه لا حد عليه، وإذا لم تكن مثل هذه الصورة من الشبهة فأين الشبهة؟ هذه الشبهة الحقيقية.
رجل معروف بأنه إنسان تقي، وبعيد من الشر، وعفيف، ولا أحد يمكن أن يجرحه بشيء، ويجيء واحد من عباد الله من شياطين الإنس يُكْرِهه على أن يزني بامرأة ويهدده بالقتل، وهو يمكن أن يقتله، ثم يزني بدافع الإكراه، لا لرغبة في الزنى، ونقول: والله هذا يجب أن يقام عليه الحد؟
له زوجة وسبعة أولاد وثلاث بنات وبيت، وبعدين نرجمه ()؛ لأنه لا يُعْذَر بهذا الإكراه، وقد زنى في هذه الحال!
والصواب -بلا شك- أن الإكراه في حق الرجل ممكن، وأن الإنسان بشر، فإذا أُكْرِهَ على الزنى فإنه لا حد عليه.
ولكن الْمُكْرِه يُحَدَّ حد الزنى؟
طلبة: يُعَزَّر.
الشيخ: يُعَزَّر، إي نعم، ولا يُحَدّ حد الزنى؛ لأنه ما زنى.
فإن قلت: مَرَّ علينا في القصاص أنه إذا أَكْرَه إنسانٌ رجلًا آخر على قتل إنسان فالضمان عليهما جميعًا؛ على المكرِه والمكرَه؟
طلبة: ().
الشيخ: إي، نقول: هذا قصاص، ولهذا لو تمالأ جماعة على قتل إنسان قُتِلُوا جميعًا، لكن لو تمالأ رجال على أن يزنوا بامرأة، فزنى واحد فقط؟
طالب: أقيم الحد ..
الشيخ: أقيم الحد على الزاني فقط، ففرق بين هذا وهذا.
[ ١ / ٧٥١١ ]
الطالب: ردها ()، وذهب ().
الشيخ: زين.
طالب: ذكرنا أن الخلاف هو سبب عدم الحد.
الشيخ: إن الخلاف شبهة.
الطالب: إي نعم، والقاعدة تقول: إن الخلاف تعليل.
الشيخ: لا يا أخي، التعليل بالخلاف في ثبوت الأحكام، لا في رفع العقوبات.
الطالب: المالكية قالوا ().
الشيخ: لا، يعني مثلًا أحيانًا نقول: يُكْرَه هذا، خروجًا من الخلاف.
الطالب: () القاعدة هذه ..
الشيخ: لا؛ لأن هذه تطبيق عقوبة، وما دام العلماء مختلفين في هذا الأمر فهم يرون أنه شبهة، واحنا ما عَلَّلْنَا الآن بوجوب شيء، أو أثبتنا حكمًا، بل أسقطنا عقوبة؛ لأننا لم نتحقق أنها ثبتت أو ثبت موجِبها.
طالب: يا شيخ، هذا رجل أُكْرِهَ على الزنى فأبى، ولم يَرْضَ، فقُتِلَ، هل ()؛ لأنه أَوْدَى بحياته.
الشيخ: ويش تقولون؟
طالب: ().
الشيخ: يقول: رجل أُكْرِه على الزنى فأبى فقُتِل، هل يكون آثمًا؟
طالب: لا يكون آثمًا.
الشيخ: أيهما أعظم؛ قتل النفس ولّا الزنى؟
طلبة: قتل النفس.
الشيخ: قتل النفس أعظم.
طالب: إذا كان المكرَه مُحْصَنًا.
الشيخ: هو قتلها، محصن ولّا شاب، قال: ازنِ بهذه المرأة وإلّا قتلتك، قال: ما أزني.
يعني كأن الأخ له مَلْحَظ جيد، يقول: إذا كان مُحْصَنًا فهو بيُقْتَل على كل حال، فيجب أن يمتنع؛ لأنه ما يستفيد من هذا، يعني: ما يستفيد من الزنى.
طالب: إذا كان على المذهب.
الشيخ: بناء على المذهب إنه يُحَدّ المكرَه.
شوف، ما فيه والله عاد هذه رمية من غير رامي، ولّا ..
طلبة: لا، من رامي.
الشيخ: من رامي؟
ملاحظة جيدة، يقول: إذا كان المكرَه مُحْصَنًا فإنه يمتنع؛ لأنه سيقول على المذهب بناءً على وجوب الحد على الْمُكْرَه، سيقول: إن زنيت، أو بالأصح: إن زنى رُجِمَ، وإن امتنع قُتِلَ وهو سالم من الإثم.
طالب: () يتحمل.
الشيخ: أما إذا كان غير مُحْصَن فيزني؟
طلبة: ().
[ ١ / ٧٥١٢ ]
الشيخ: والله، على كل حال تحتاج إلى تأمل، إنما لو قُتِلَ لهذا السبب فهو شهيد إن شاء الله تعالى.
طالب: إذا خافت على عرضها فلتلقي نفسها في النهر، فتموت أولى من هتك عرضها، إذا تحققت يعني.
الشيخ: لا، أما فعلها بنفسها ما يجوز.
الطالب: ما يجوز؟
الشيخ: أبدًا، أما فعلها بنفسها ما يجوز.
الطالب: إن خافت أن يُهْتَك عرضها.
الشيخ: ()، إذا هُتِكَ مغصوبة؛ لكن تروح تقتل نفسها هي بنفسها هذا ما يجوز أبدًا، حتى لو قال الإنسان لشخص: اقتل نفسك وإلا قتلتك، ما يجوز يقتل نفسه.
طالب: شيخ، رجل معروف بالعفة والنزاهة وبُعده عن الزنى وما شاء الله ()، أكره، بعدها هل نطالب منه بإثبات وشهود أنه أُكْرِهَ على هذا، أو () قرينة ().
الشيخ: إذا ادعى الإكراه يُرْفَع عنه الحد.
الطالب: لكن بدون شهود هكذا؟
الشيخ: إي، ولو بدون شهود.
طالب: إذا كان ().
الشيخ: لا، هذا شيء ثانٍ، ومع ذلك ما نقيم عليه الحد، يمكن نُعَزِّرُه أو ما أشبه ذلك، الحد لا بد أن يكون اختيارًا.
الطالب: لا بد بينة؟
الشيخ: لا ما هو شرط، لأن هذا مُحْتَمِل، الإكراه محتمل.
طالب: بالنسبة للخلاف الذي ذُكِرَ، ما هو نوع هذا الاختلاف؟ هل إذا خالف عالم من العلماء هل يُعْتَدّ بالخلاف بغض النظر عن قوة الدليل الذي مع المخالف؟
الشيخ: لا، هو على كل حال تراعَى قوة الدليل، ويراعى أيضًا اشتهار الخلاف بين الناس، فقد يكون الخلاف ما هو معروف في هذه البلاد، ولكن كلام الفقهاء مهما كان، ما دام الخلاف مُعْتَبَرًا، يعني ما هو مثلًا قول واحد شاذّ وما أشبه ذلك، هو خلاف.
طالب: إذا أُكْرِه رجل من قِبَل امرأة، مثلًا رجل عُرِفَ بالتقوى والخير، ثم نُقِلَ إلى بيت من غير قصد، فجاءت المرأة وقالت له: تفعل، وإلا فضحتك بالسوء، وفعلت كذا وكذا، هل يكون إكراه من قِبَل المرأة للرجل؟
طلبة آخرون: ().
[ ١ / ٧٥١٣ ]
الشيخ: إي، هذه تكون إكراهًا كيف؟ هذه امرأة دخلت إلى بيت إنسان، وقالت له: إما أن يفعل بها، وإما أن تصرخ للناس، وتقول: هذا الرجل أكرهني، كذا؟
طالب: نعم.
الشيخ: هذه وقعت لكن بغير هذه الصورة، امرأة وقفت لإنسان، وقالت له: أَرْكِبْنِي بالسيارة، أهلي قريبين، وبعدين رَكَّبَها؛ آوى لها؛ لأنه كان يقول: الوقت حار، والقيلولة، وشمس، يقول: رَكَّبْتُها.
كل: وصلنا؟ قالت له: امش، امش، امش، امش، حتى طلَّعَته عن البلد، ودعته إلى نفسها، وقال لها: اتقي الله.
المهم، قالت: إما أن تفعل، وإلا ترى بصرّخ وأقول: أنت اللي مركبني بالسيارة وغصبًا، نفس الشيء، فما تقولون في هذا؟ هل هو إكراه؟
طلبة: نعم.
طالب آخر: يتحمل.
طالب آخر: يصبر لتأتيه خدعة.
الشيخ: إي نعم، صاحب السيارة هذا خدعها، قال: طيب، انتظري بس، بنروح الآن نصل البيت، بيتنا، وأزين نفسي، أنا الحين على غير هيئة طيبة، وكذا، وكذا، وما يخالف، وخدعها، وبعدين قال: يلّا، إما انزلي ولّا بها السكين ()، ونزلت، مشت.
لكن مثل هذه هل نقول: إكراه، ولّا نقول: يصبر ويخادعها مثلما قال الأخ، يخادعها حتى تنتهي.
طالب: إذا أَبَت يا شيخ.
الشيخ: لا، ما تأبى إن شاء الله، يسهل الله أمره، من اتقى الله جعل له فرجًا.
طالب: أخذنا في الدرس الماضي يا شيخ إنه إذا فعل الفاحشة بامرأة ميتة، فعلى المذهب لا يقام عليه الحد؛ لأنه ما تحقق الزنى من الجانبين.
الشيخ: لكن يُعَزَّر.
طالب: لكن يعزر، نُلْزِمهم بهذا القول أيضًا، بمن أُكْرِه، يعني بما كيف تحقق الإكراه هنا رغم إنه ما حصل الزنى من الجانبين، إنما من جانب واحد، فعلى قولهم أيضًا نُلْزِمهم بأن لا يقام عليه ..
الشيخ: لا، هم يُفَرِّقون بينها، بأن مسألة المرأة سقط الحد لوجود مانع، وهو الإكراه، ولّا المرأة أهل لكل شيء الحية، أما () ما هي بأهل، مثل ما لو جامع خشبة أو عمودًا أو ما أشبه ذلك.
[ ١ / ٧٥١٤ ]
فيقول المؤلف -﵀-: (الثالثة: ثبوت الزنى، ولا يثبت إلا بأحد أمرين).
وثلاثة طرق على القول الراجح.
أما المذهب فالطريق الأول: الإقرار، والطريق الثاني: البيِّنة؛ شهود.
والقول الراجح أن لثبوت الزنى ثلاثة طرق؛ هذان الطريقان، والطريق الثالث: الحمل، وسيأتي -إن شاء الله- البحث فيه.
أما الإقرار فيقول المؤلف -﵀-: (الثالثة: ثبوت الزنى، ولا يثبت إلا بأحد أمرين)، (بأحد أمرين)، وإن اجتمعا؟ من باب أولى، لكن واحد من أمرين يثبت به.
الأول: الإقرار؛ ودليل ذلك قوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥]، والشهادة على النفس هي الإقرار، فأمر الله ﷿ الإنسان أن يُقِرّ بما عليه ولو كان على نفسه.
ودليل من السنة: أن النبي ﷺ رجم بالإقرار، وجلد بالإقرار. (٢)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ولم يثبت الزنى بطريق الشهادة. من فجر الإسلام إلى وقت شيخ الإسلام ابن تيمية ما ثبت بطريق الشهادة، وإنما ثبت بطريق الإقرار؛ لأن الشهادة صعبة كما سيتبين -إن شاء الله-.
وأما المعنى: فلأن الإنسان لا يمكن أن يُقِرّ على نفسه بما يُدَنِّس عرضه ويوجِب عقوبتَه إلا والأمر كذلك.
فعندنا الآن ثبوت الزنى بالإقرار له أدلة ثلاثة: الكتاب، والسنة، والنظر الصحيح.
وقد عرفتموها؛ الكتاب قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥].
وأما السنة فلأن الرسول ﵊ رجم بالإقرار، وجلد بالإقرار. (٢)
وأما النظر الصحيح فلأن الإنسان لا يمكن أن يُقِرّ بشيء يُدَنِّس به عرضه ويوجب على نفسه العقوبة إلا وهو ثابت.
[ ١ / ٧٥١٥ ]
فالإقرار لكن له شروط، قال المؤلف: (أن يُقِرّ به أربع مرات)، لا بد أن يُقِرّ أربع مرات، فيقول: إنه زنى، ثم يقول: إنه زنى، ثم يقول: إنه زنى، ثم يقول: إنه زنى.
وما الدليل على ذلك؟
الدليل على هذا النص والقياس؛ أما النص فلأن النبي ﷺ لم يُقِم الحد على ماعز بن مالك حتى أَقَرّ أربع مرات، كان يأتي ويُقِرّ فيُعْرِض عنه الرسول ﵊، حتى أَقَرّ أربع مرات، فلما أقر أربع مرات قال: «ارْجُمُوهُ». (٣)
وأما القياس: فلأن الزنى لا يثبت إلا بشهادة أربعة رجال، كما قال الله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣]، فإذا لم يثبت إلا بأربعة شهداء فإنه يقاس عليه الإقرار، فلا يثبت إلا بإقرار أربع مرات.
وأما النظر: فلأن الزنى فاحشة وأمر عظيم، ولا ينبغي أن يُوصَف به الإنسان إلا بزيادةِ تَثَبُّت، وذلك بأن يُكَرِّر أربع مرات.
فهذا وجه كونه يُشْتَرَط أن يكون الإقرار أربع مرات، هذا وجه اشتراطه.
فصار عندنا دليل من السنة، والثاني من القياس على الشهادة، والثالث الاحتياط؛
لأن الزنى أمره عظيم، وهو فاحشة مُدَنِّسَة للعِرْض، ثم إنه يُخْشَى إذا حصلت أن تهون في نفوس المجتمع فيؤدي ذلك إلى فساده، ولهذا تجدون المنكَرات إذا قَلّ وقوعها في الناس ثم فُعِلَت تجد الناس يستنكرونها وينفرون من فاعلها، فإذا فعلها آخر وثالث ورابع وخامس هانت عند الناس.
ولهذا من الأمثال المضروبة يقولون: مع كثرة الإمساس يقل الإحساس.
وهذا أمر مشاهَد؛ كنا قبل زمان نستنكر غاية الاستنكار أن نسمع العود والربابة والأشياء هذه، آلات اللهو، نستنكرها، ولا يفعلها أحد إلا مُخْتَفٍ وفي حجرة بعيدة، ولَّا في فلاة بعيدة من البَرّ، وأصبحت الآن أمرًا مألوفًا؛ لأنها كثُرت.
[ ١ / ٧٥١٦ ]
شرب الخمر: مَن يقول: فلان شرب خمرًا؟ إذا قيل: فلان شرب الخمر، انتشر خبره في جميع آفاق البلد، المملكة كلها، ورأوا ذلك أمرًا عظيمًا، والآن كما تشاهدون؛ يُذْكَر لنا أنه يوجد عند بعض الناس في الثلاجات كما توجد المشروبات المباحة -والعياذ بالله-.
كل هذا مع كثرة الوقوع، فإذا إنسان أَقَرّ بالزنى ورجمناه مثلًا أو أقمنا عليه الجلد، فهذا ربما يسري في الناس ويتساهلون به، فلهذا احتطنا في الإقرار، فقلنا: لا بد أن يكون أيش؟
طلبة: أربعًا.
الشيخ: أربعًا، حتى إذا جاء ظانًّا أنه زنى قلنا: ما زنيت أبدًا.
لأن الرسول ﵊ قال لماعز: «لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أَوْ غَمَزْتَ، أَوْ نَظَرْتَ»، ولكنه يقول: لا، إنه زنى. (٤) هذا هو دليل هذه المسألة، أنه لا بد من تكرار الإقرار أربعًا.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يُشْتَرَط الإقرار أربعًا، وأن الإقرار بالزنى كغيره، إذا أَقَرّ به مرة واحدة وتمت شروط الإقرار بأن كان بالغًا عاقلًا ليس فيه بأس فإنه يثبت الزنى.
واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥]، وهذا شاهد.
واستدلوا من السنة بقول النبي ﷺ لأُنَيْس -رجل من الأنصار-: «اغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا». (٢)
واستدلوا بالنظر؛ بأنه إذا أقر على نفسه فإنه بالمرة الواحدة يثبت؛ لأنه لا يمكن للإنسان أن يُقِرّ على نفسه بأمر يُدَنِّس عِرْضه ويوجب عقوبته إلا وهو صادق فيه، فإذا صدق بإقراره مَرَّةً صح، انطبق عليه وصف الزنى، وإذا انطبق عليه وصف الزنى فقد قال الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢].
وأما مسألة الإشاعة فالإشاعة لا تزول بتكراره أربعًا؛ لأن الرجل إذا أَقَرَّ أربعًا وصمَّم عليه بَانَ الأمر واتضح.
[ ١ / ٧٥١٧ ]
بقي علينا أن نجيب عن أدلة القائلين بالتكرار، وأقوى حديث لهم هو حديث ماعز.
حديث ماعز -﵁- يظهر من سؤال النبي ﷺ له أن النبي ﷺ أراد أن يستثبت الخبر؛ لأنه سأله: «هَلْ بِكَ جُنُونٌ؟»، قال: لا، فأرسل إلى قومه وقال لهم: «هَلْ مَاعِزٌ بِهِ جُنُونٌ؟»، قالوا: لا، إنه من صالح رجالنا في العقل، ثم قال: «هَلْ شَرِبْتَ الْخَمْرَ؟»، فقال: لا، حتى إنه أمر رجلًا أن يَسْتَنْكِهَهُ (٥) -يَشَمّ رائحته-.
وهذا يدل على أن الرسول ﷺ كان عنده بعض الشك في إقرار هذا الرجل وأراد أن يستثبت.
ودليل هذا أن قصة العَسِيف ما فيها إلا أنه قال: «إِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا». (٢) والفعل مُطْلَق يَصْدُق بالواحد.
وكذلك قصة الرجلين اليهوديين الزانيين، فإن الرسول ﷺ أمر برجمهما (٦) ولم يُذْكَْر أنهما كَرَّرَا الإقرار.
وكذلك الغامدية أمر النبي ﵊ برجمها، ولم يُذْكَر أنها كَرَّرَت الإقرار، حتى إنها قالت: يا رسول الله، تريد أن تُرَدِّدَنِي كما رَدَّدْتَ ماعزًا؟ (٥)
وهذا القول أرجح أنه ليس بشرط، لا سيما إذا كان الأمر قد اشتهر، كما في قصة العَسِيف، فإن هذه القصة اشتهرت؛ لأن أباه -أي أَبَا العَسِيف- ذهب يسأل الناس، ويش اللي عليه؟ وقيل له: إن على ابنك مئة شاة وليدة، فافتداه بذلك، حتى حصلت المخاصمة إلى الرسول ﵊، وقضى بينهما بكتاب الله. (٢)
فالآن عندنا قولان في المسألة؛ القول الأول: أنه لا يُشْتَرَط تكرار الإقرار.
والقول الثاني: أنه شرط.
ولكن القولين يتفقان في أنه إذا قام عند الحاكم شبهة فإن الواجب التأكد والاستثبات، هذا مُتَّفَق عليه.
ولو قال قائل بقول وسط؛ بأنه إذا اشتهر الأمر واتضح بين الناس فإنه يُكْتَفَى فيه بإقرار مرة، بخلاف ما إذا لم يشتهر فإنه لا بد فيه من تكرار الإقرار أربعًا.
[ ١ / ٧٥١٨ ]
وعلى هذا يكون هذا القول آخِذًا بالقولين؛ فيشترط التكرار في حال، ولا يشترطه في حال أخرى.
() الشرط الثاني له قال: (أربع مرات في مجلس أو مجالس).
أشار المؤلف إلى مجلس أو مجالس؛ لأن بعض أهل العلم يقول: لا بد أن يكون ذلك في مجلس واحد، وأما إذا كان في مجالس فلا يصح، كما يأتي في الشهادة.
قال: (ويصرح بذكر حقيقة الوطء)، يصرح مَن؟
طالب: الْمُقِرّ.
الشيخ: الْمُقِرّ.
(بذكر حقيقة الوطء) لا كناية الوطء، (حقيقة الوطء) يعني: النَّيْك.
فيقول: إنه نَاكَهَا، بهذا اللفظ، ولا يكفي أن يقول: أتيتها، أو جامعتها، أو زنيت بها، ليش؟ لأن أتيتها يمكن أتاها زائرًا، فيه احتمال ولّا لا؟
جامعتها يعني: اجتمعت معها، ولهذا يقال: التنوين لا يجامِعُ الإضافة، المعنى؟
طالب: لا يصاحبها.
الشيخ: إي، لا يصاحبها ولا يجتمع معها، ربما إنه يقول: جامعها، يعني: اجتمع معها في مكان.
زنى بها ما يكفي أيضًا، ربما يظن أن ما ليس بزنًى زنى، مثل أن يظن التقبيل زنى، النظر زنى، الاستمتاع بما دون الفرج زنى، وما أشبه ذلك، فلهذا لا بد أن يُصَرِّح.
لما قال الرسول ﵊ لماعز: «لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أو نَظَرْتَ، أو غَمَزْتَ؟»، قال: لا، فقال له النبي ﵊: «أَنِكْتَهَا؟» بهذا اللفظ، لا يَكني (٤)، الرسول ما كَنَّى، مع إنه ما عُهِدَ عنه أنه تكلم ﷺ بصريح الجماع إلا في هذه المسألة، يعني ما في أي حديث أن الرسول ﷺ تكلم بصريح الوطء إلا في هذه المسألة، قال: «أَنِكْتَهَا؟»، لا يكني. قال: «تَدْرِي مَا الزِّنَى؟»، قال: نعم، أتيت منها حرامًا ما يأتي الرجل من امرأته حلالًا. وفي رواية لأبي داود: «هَلْ غَيَّبْتَ فِيهَا كَمَا يَغِيبُ الرِّشَا فِي الْبِئْرِ، وَالْمِرْوَدُ فِي الْمُكْحُلَةِ؟» (٧)، يعني: واضح صريح باللفظ وضرب المثل.
[ ١ / ٧٥١٩ ]
كل هذا يدل على أن الرسول ﷺ أراد أن يستثبت من هذا الرجل ويتأكد منه، وهل هو يَعْرِف الزنى أو لا يعرفه، فلا بد من أن يُصَرِّح بذكر حقيقة الوطء.
والدليل هو ما سمعتم؛ أن الرسول صَرَّح لماعز بذلك.
وأما التعليل فظاهر؛ لأنه ربما يظن ما ليس زنًى زنًى موجبًا للحِد، فاشتُرِطَ فيه التصريح.
الشرط الثالث للإقرار: (ألَّا ينزع عن إقراره حتى يتم عليه الحد).
(لا ينزع)، يعني: لا يرجع عن إقراره حتى يتم عليه الحد.
فإن رجع عن إقراره حَرُم إقامة الحد عليه، حتى ولو كان في أثناء الحد، قال إنه ما زنى، ما زنى، يجب أن يُرْفَع عنه الحد، حتى لو كتب الإقرار بيده أربع مرات ورجع فإنه يُقْبَل رجوعه، ولا يجوز أن يُقَام عليه الحد، وحينئذ نحتاج إلى الدليل لهذه المسألة.
الدليل هو أن ماعز بن مالك -﵁- لما بدؤوا يرجمونه وأَذْلَقَتْهُ الحجارة، وذاق مَسَّهَا هرب، حتى أدركوه فأَتَمُّوا رجمه، فقال النبي ﷺ لما علم بهذا: «هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ يَتُوبُ فَيَتُوبَ اللهُ عَلَيْهِ؟». (٨)
قال أهل العلم: وهذا دليل على جواز رجوع الْمُقِرّ، وأنه إذا رجع عن إقراره حَرُم إقامة الحد عليه، حتى ولو كان قد شُرِعَ في ذلك، وحتى لو أنه لُقِّن أن يرجع ورجع فإنه يُتْرَك ولا يقام عليه الحد، هذا دليل.
الدليل الثاني؛ قالوا: إن هذا هو ما قضى به الخلفاء الراشدون -﵃- ومعلوم أن للخلفاء الراشدين سُنَّة مُتَّبَعة؛ لقول النبي ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي» (٩)، فإذا قضوا بأن رجوع الْمُقِرّ عن الإقرار مُوجِب لرفع الحد عنه وجب علينا ألّا نقيم عليه الحد، وحرُم علينا إقامة الحد.
ثالثًا: قالوا: إن المعنى يقتضي رفع الحد عنه؛ لأنه إذا رجع وقال: إنه لم يَزْنِ، فكيف نقيم الحد على رجل يقول ويصرخ بأعلى صوته: إنه لم يَزْنِ؟
[ ١ / ٧٥٢٠ ]
فنحن الآن نقيم عليه الحد لأمر هو ينكره!
الآن يقول: نعم، أنا كتبت إقراري وأَثْبَتُّه في المحكمة، لكن الآن هَوَّنْتُ، راجع عن إقراري.
نقول: ما يمكن نقيم عليه الحد، كيف نقيم الحد عليه وهو الآن يقول: ما زَنَى؟ والأمر جاء من قِبَل مَن؟ من قِبَلِه هو، ما دام جاء من قِبَله ما يمكن نحده وهو ينكر الآن.
الأمر الرابع: القياس على رجوع البينة؛ لأنه لو شهد عليه أربعة رجال بالزنى، وحكم الحاكم بإقامة الحد بمقتضى هذه الشهادة، ثم رجعوا، قالوا: والله إحنا شهدنا، ولكن نستغفر الله ونتوب إليه، رجعنا عن شهادتنا، فإنه لا يجوز إقامة الحد عليه؛ لأن رجوع هؤلاء الشهود قَدْح فيهم؛ لأنهم كاذِبون في إحدى الشهادتين أو لا؟
إن كان بالأول فهم كاذِبون فلا تُقْبَل، وإن كان بالثاني فهم كاذِبون فلا تُقْبَل شهادتهم.
فقالوا: إن هذا يقاس عليه، أي أن رجوع الْمُقِرّ عن إقراره يرفع عنه الحد كرجوع الشهود عن شهادتهم.
فالأدلة كم صارت الآن؟
طلبة: أربعة.
الشيخ: أربعة: من السنة، من أقوال الخلفاء الراشدين، والثالث: القياس، والرابع: المعنى.
كيف نقيم الحد على إنسان ينكر ذلك؟
وهذا هو مذهب الإمام أحمد وأبي حنيفة والشافعي، ومالك في بعض الأحوال، وقالت الظاهرية: لا يُقْبَل رجوعه عن الإقرار، ويجب عليه إقامة الحد، وبيننا وبينكم كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، تَقْبَلُون التحاكم إليهما؟
نقبل ولا بد.
قالوا: إن الله ﷿ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥]، فإذا شهد على نفسه بالزنى فقد قام بالقسط وشهد على نفسه، وصَدَقَ عليه وصف الزاني، وقد قال الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، فكيف نرفع هذا الحكم الذي أمر الله به مُعَلَّقًا على وصفٍ ثبت بإقرار مَن اتصف به؟
[ ١ / ٧٥٢١ ]
هذا لا يمكن؛ لأن هذا حكم مُعَلَّق على وصف، ثبت ولَّا ما ثبت؟ ثبت، فبمجرد ما ثبت الإقرار ثبت الحد، فما الذي يرفعه؟
قالوا: وأما () استدلوا بالسنة، قالوا: لأن الرسول ﷺ قال لأُنَيْس: «اغْدُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» (٢)، إن اعترفت فارجمها، ولم يقل: ما لم ترجع. وإذا كان لم يقله مع أن الحاجة تدعو إليه عُلِمَ أنه ليس بشرط ألَّا يرجع عن إقراره حتى يتم عليه الحد؛ لأن الشرط لا بد أن يتم، وإلا لا يمكن أن يطبَّق الحكم بغير تمام الشرط.
قالوا: وأما قولكم: إن ماعزًا -﵁- رجع عن إقراره، فهذا قول بلا علم، وماعز -﵁- ما رجع عن إقراره أبدًا، وهَرَبُه لا يدل على رجوعه عن إقراره إطلاقًا، ومن ادعى أن ذلك رجوعًا عن إقراره فقد قال قولًا بلا علم، وقد حرَّم الله علينا أن نقول بلا علم في قوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦].
نعم، ماعز هَرَبُهُ قد يكون رجوعًا عن طلب إقامة الحد عليه، فهو بالأول يريد أن يقام عليه الحد، وبالثاني أراد ألَّا يقام عليه الحد، وتكون التوبة بينه وبين الله، ولهذا قال الرسول: «هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ يَتُوبُ فَيَتُوبَ اللهُ عَلَيْهِ؟ !» (٨)، فدل هذا على أن حكم الإقرار باقٍ ولّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لأنه لا توبة إلا من زنى، فحكم الإقرار باقٍ، ما قال الرسول: هَلَّا تركتموه؛ لأنه ارتفع اقراره، قال: «هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ يَتُوبُ فَيَتُوبَ اللهُ عَلَيْهِ؟ !».
ونحن نقول: إن قصة ماعز ما فيها دليل إطلاقًا على رجوعه عن الإقرار، لكن فيها دليل على أنه رجع عن طلب إقامة الحد عليه، وأراد أن يكون ذلك بينه وبين ربه، وهذا هو معنى قوله ﵊: «هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ يَتُوبُ فَيَتُوبَ اللهُ عَلَيْهِ؟ !»، وحينئذ لا يكون في الحديث دليل على ما زعمتم، بل إن لم يكن دليلًا عليكم لم يكن دليلًا لكم.
[ ١ / ٧٥٢٢ ]
وكونه دليلًا عليهم أقرب من كونه دليلًا لهم؛ لأن إقرار الرسول أنه يتوب دليل على ثبوت الذنب في حقه، ولو كان ذلك يرفع مقتضى إقراره لارتفع عنه حكم الذنب.
ولهذا لو جاءنا رجل يُقِرّ بأنه زنى ويطلب إقامة الحد، ولَمَّا هيَّأنا الآلة لنقيم عليه الحد، وأتينا بالقلاب مملوءًا حصى لأجل أن نرجمه، ونظر إلى الحصى، قال: يا جماعة، دعوني أتوب إلى الله، ويش نقول له؟
يجب أن ندعه يتوب إلى الله؛ لأن الرسول قال: «هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ يَتُوبُ فَيَتُوبَ اللهُ عَلَيْهِ؟ !». (٨) حينئذ نقول: ندعه يتوب فيتوب الله عليه.
أما لو قال: والله ما زنى، فرق بين المعنين؛ لأن هذا الرجل يريد أن يرفع عن نفسه وصفًا ثبت عليه بإقراره.
ولو أننا قلنا بقبول رجوع الجاني عن إقراره كان ما يقام حد في الدنيا؛ لأن كل مَن عرف إنه سيُحَدّ ربما يرجع، إلا أن يشاء الله، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام -﵀- في الفتاوى: إنه لو قلنا: إن الإنسان يُقْبَل رجوعه في إقراره، كل إنسان يخشى من العقوبة، كان بالأول عنده عزم على أن يُطَهِّر نفسه بالعقوبة، ولكن تأخَّر يقول: ما حصل منه هذا الشيء.
فهناك فرق بين الرجوع في الإقرار وبين الرجوع عن طلب إقامة الحد، وهو ظاهر جدًّا.
وأما قولكم: إنه يقاس على الشهادة، فهذا قياس في غاية الضعف؛ لأن الشهود خطؤهم أو عدوانهم ممكن ولّا لا؟
خطؤهم بحيث يظنون أن هذا الرجل هو الذي زنى، وهو غيره، لكنه شبيه به، فيعتقدون اعتقادًا جازمًا أن هذا هو الرجل، فيشهدون على ما اعتقدوه، والواقع أنه غيره، ممكن هذا ولّا لا؟
لكن هل يمكن للإنسان أن يخطئ في نفسه، يقول: إنه زنى، وهو ما زنى؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما يمكن هذا.
أيضًا قد يكون الشهود ما عندهم خطأ، لكن عندهم عدوان، أرادوا أن يُوَرِّطُوا هذا المشهود عليه، فشهدوا عليه بالزنى وهو ما زنى أصلًا، ممكن هذا ولّا لا؟
يمكن العدوان، لكن عدوان الإنسان على نفسه بعيد.
[ ١ / ٧٥٢٣ ]
عدوان الإنسان على نفسه إنه يروح يشهد ويلطخ نفسه بالزنى، ويرضى بالعقوبة وهو كاذب! هذا من أبعد ما يكون.
لكن كذب الشهود ممكن، ولّا غير ممكن؟
طلبة: ممكن.
الشيخ: ممكن، يكونون يكذبون ويشهدون، ثم بعد ذلك يندمون، ويقولون: كيف نشهد؟ نلطِّخ عرضه، ونُعَرِّضه للعقوبة ربما تكون رجمًا، فيرجعون.
فقياس هذا على هذا من أبعد ما يكون.
وأما قولهم: إن المعنى يقتضيه، فكيف نقيم الحد على رجل يصرخ بأعلى صوته إنه ما فعل؟
فنقول: والله ما جنينا عليه، نحن أقمنا عليه الحد بماذا؟ باعترافه، ما جنينا عليه، وكونه يكذب في الرجوع أقرب من كونه يكذب في الإقرار، ولّا لا؟ كذبه في الرجوع أقرب من كذبه في الإقرار؛ لأنه بعيد إن الإنسان يُقِرّ على نفسه بأنه زنى وهو ما زنى، لكن قريب أن يرجع عن إقراره إذا رأى أنه سيقام عليه الحد وهو قد اعترف.
فالقول الراجح عندي في هذه المسألة قول الظاهرية، وأنه لا يُقْبَل رجوعه عن الإقرار.
وأما قضاء الخلفاء الراشدين فأنا ما اطلعت على نصوصه، فربما يكون هناك أشياء تشبه ما وقع لماعز فحكموا بها، فظنها أهل العلم الذين قالوا بهذا القول أنها من باب الرجوع عن الإقرار، وليست رجوعًا عن الإقرار كما عرفتم.
يحتاج أن نقف على النصوص الواردة عن الخلفاء الراشدين؛ لأن مخالفة الخلفاء الراشدين ما هي بالأمر بالهين، ونحن نتهم رأينا في مقابل قولهم.
إنما من حيث النظر في الأدلة فلا شك أن القول الراجح هو قول الظاهرية، ولا سيما إذا وُجِد قرائن تدل على ذلك، مثل لو أن هذا الرجل سارق، ومسكناه، وجاء وأَقَرّ، إحنا ما شهدناه وهو يسرق، سُرِقَ المتاع لكن ما شهدناه، ومسكناه، وقال: نعم، إنه سرق.
قالوا: كيف سرقت؟
[ ١ / ٧٥٢٤ ]
قال: تعالى أوريك؛ جئت للدكان وفتحته مع هذا، ولَّا كسرت القفل، ودخلت وأخذت الصندوق الفلاني، وأخذت الجهاز الفلاني، وأخذت الساعات الفلانية وهي عندي مش أوريكم إياها، ثم أخذناها، وبعدين قال: ما سرقت، يقام عليه الحد ولّا لا؟
طلبة: يقام.
الشيخ: لا، المذهب ما يقام عليه الحد.
طالب: الصحيح.
الشيخ: الصحيح نعم، القول الصحيح: يقام عليه الحد ولا بد، لكن هذا ما يقام عليه الحد.
() جاء هذا اللي أقر، جاء ووصف لنا السرقة تمامًا، قال: نعم، له أن يرجع عن إقراره، ما دام الحد ما أُقِيم له أن يرجع عن إقراره.
والأجهزة عنده والمال عنده؟ قالوا: يمكن إن السارق جاء وحطها في بيته؟ يمكن هذا ولّا لا؟
طالب: بعيد.
الشيخ: لا، هو بعيد، لكن يمكن، قال: يمكن اشتراهم.
المهم على كل حال: إن درء الحدود بمثل هذه الشبهات البعيدة بعيد من الصواب، والإنسان يجب أن يسوس الأمة بما يمنع الفساد.
() ولهذا كان القول الراجح -كما سيأتينا إن شاء الله تعالى-: أن شارب الخمر إذا جُلِدَ ثلاث مرات ولم يَنْتَهِ فإنه يُقْتَل، إما مطلقًا على رأي الظاهرية، وإما إذا لم يَنْتَه الناس بدون القتل على رأي شيخ الإسلام ابن تيمية.
طالب: ليس الخلاف يا شيخ هنا قريبًا يعني، () بعد، إذا كان () نحن نقول: إذا تاب تركناه ولم نقم عليه الحد، على القول، على المذهب يعني، إذا تاب بلفظ الحديث تركناه ولم نُقِم عليه الحد، وقد ثبت عليه الزنى، فكيف نتركه يتوب بينه وبين ربه؟
الشيخ: إي نعم، فرق بينهما، الفرق بينهما أن هذا الرجل الذي تاب ما أكذب نفسَه، فهو لا يزال في عدالته، وهو يقول: إنه زنى، لكنه يريد أن يتوب فيما بينه وبين الله.
طالب: إذا وصل إلى السلطان، هل يُتْرَك؟
الشيخ: يترك؛ ظاهر الحديث -حديث ماعز- أنه يُتْرَك، وأما قولهم فمعناه أنه متلاعب، كاذب، والكلام هذا للرجوع؟ يقول: إنه ما زنى إطلاقًا، ولا أعترف إني زنيت، وأنا ما أنا بتائب، ويش أتوب منين؟
[ ١ / ٧٥٢٥ ]
طالب: لكن يُعْمَل بظاهر الحديث، إذا قال: أنا والله ما أريد الحد.
الشيخ: نعم، إذا قال بعد أن قررنا أن نقيم عليه الحد: والله أنا الآن أريد أن أتوب إلى الله ﷿، فإننا نقبل منه ذلك، ولا نقيم عليه الحد.
طالب: وما الفرق بينه وبين الشهادة، له شهود عليه وقال: أتوب؟
الشيخ: نعم؛ الفرق بينهما أن الذي جاء وأقر يُشْكَر له هذا الفعل؛ لأنه جاء وأقر واعترف، بخلاف المشهود عليه، فالمشهود عليه لولا أنه ضُبِطَ ما فَكَّر أن يأتي وينزع عما كان عليه.
طالب: وهل هذا الحديث شيخ موافق للقياس، يعني ظاهر الحديث؟
الشيخ: أيهم؟
الطالب: «لَعَلَّهُ يَتُوبُ فَيَتُوبَ اللهُ عَلَيْهِ». (٨)
الشيخ: إي نعم.
الطالب: من حيث القياس ..
الشيخ: نعم؛ لأن الغالب أن رحمة الله سبقت غضبه، وأن العفو إلى الله أحب إليه من العقوبة.
طالب: أيهما أفضل الإقرار أم الاستتار؟
الشيخ: أما من حيث العموم فالاستتار أفضل، لكن قد يعرض للإنسان إذا استتر أن تُمَنِّيه نفسه، فإذا خاف من نفسه هذا ورأى أن الأفضل أن يطهر نفسه كان أفضل.
الطالب: كل الحدود؟
الشيخ: في كل الحدود. ()
طالب: بالنسبة لشخص () لو قال: دعوني أتوب، مع إنه ثبتت بالقرائن، هذا عفو؟
الشيخ: الصحيح أنه سيأتينا -إن شاء الله تعالى- أن شارب الخمر إذا وُجِدَت منه الرائحة، والمرأة إذا حملت، والسارق إذا وُجِدَ المتاع عنده، كلها تثبت في حقهم هذه الجرائم ومقتضياتها ما لم يَدَّعُوا شبهة.
وهذا الذي أَقَرّ وأراهم المسروق عنده على المذهب يُقْبَل رجوعه في الحد، لكن لا يُقْبَل رجوعه بالنسبة إلى حق الآدمي.
وهذا مما شنَّع به ابن حزم على أهل الفقه، قال: سبحان الله، إقرار واحد تقولون: يلزمك في هذا، ولا يلزمك في هذا! إما أَبْطِلُوه من هذا ومن هذا، وإلا أثبتوه في هذا وهذا.
لكن سيأتي -إن شاء الله- الرد عليه فيما بعد. ()
[ ١ / ٧٥٢٦ ]
ثالث: ألَّا ينزع عن إقراره حتى يتم عليه الحد، هذا الشرط على المذهب، فما هو دليله؟
الموضع من كلامه بأننا لو قلنا بقبول الرجوع في الإقرار ما أُقِيمَ حد، ولّا لا؟ كل واحد يقدر عقب ما يحاكم ويُقِرّ يرجع وما فعل الفاحشة.
طالب: لو كان بالعكس يا شيخ؟
الشيخ: كيف بالعكس؟
طالب: مثلًا في أول مرة يعني لم يعترف بشيء.
***
الشيخ: (الثَّانِي) يعني: الطريق الثاني مما يثبت به الزنى.
(أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ).
(الثَّانِي) مبتدأ، و(أَنْ يَشْهَدَ) خبر مؤول.
(أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ)، خذ هذا شرط، (بِزِنًى وَاحِدٍ) اثنين.
(يَصِفُونَهُ): ثلاثة، أربعة، خمسة.
(مِمَّنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ فِيهِ) كذا عندكم؟
(سَوَاءٌ أَتَوا الحَاكِمَ جُمْلَةً أَوْ مُتَفَرِّقِينَ)، الشروط كم؟
طالب: خمسة.
الشيخ: خمسة؛ أن يشهد عليه أربعة؟
طلبة: ().
الشيخ: في مجلس واحد، (أن يشهد عليه في مجلس واحد).
(أَرْبَعَةٌ) تأتي بعد.
فلا بد أن يأتي هؤلاء الشهود إلى الحاكم الذي يُثْبِت الزنى، يأتون إليه في مجلس واحد، سواء جاؤوا جميعًا أو جاؤوا متفرقين، لكن المجلس واحد.
فالقاضي مثلًا له جلسة من الساعة الثامنة صباحًا إلى الساعة الثانية عشرة، كم من ساعة؟ أربع ساعات.
جاء أحدهم في الساعة الأولى وشهد، وأثبت شهادته ومشى، وجاء الثاني في الساعة التاسعة فأثبت شهادته ومضى، وجاء الثالث في العاشرة فأثبت شهادته ومضى، وجاء الرابع في الحادية عشرة فأثبت شهادته ومضى، هل المجلس واحد ولّا لا؟
طلبة: واحد.
الشيخ: واحد، ولكنهم هم متفرقون.
أو جاؤوا مجتمعين، يعني جاؤوا جميعًا، كل واحد ممسك بيد الآخر، وشهدوا عند القاضي في نفس اللحظة، فإنه يكفي.
فإن جاؤوا في مجلسين، مثل أن جاء اثنان منهم في الصباح في جلسة الصباح، واثنان في جلسة المساء، فإنهم قَذَفَةٌ ولا تُقْبَل شهادتهم، ويُجْلَد كل واحد منهم ثمانين جلدة.
[ ١ / ٧٥٢٧ ]
قالوا: نحن نشهد على زنى واحد.
قلنا: لا، أنتم ما جئتم في مجلس واحد، هذا هو مذهب الإمام أحمد، وأبي حنيفة، ومالك.
أما الشافعي وجماعة من أهل الحديث فقالوا: لا يُشْتَرَط المجلس الواحد.
ما هو دليل الأول؟
يقول الأولون: لو قَبِلْنَا شهادتهم وهم يأتون في مجالس لكان في ذلك تهمة؛ ربما أن الشاهدين الأولين يذهبان إلى رجلين آخرين، ويُغْرُونَهُمَا بالمال أو بما أشبه ذلك، ويصفون لهم ما شاهدوا، ويقولون: اشهدوا على هذا النحو، ويأتون إلى القاضي في الجلسة الأخرى، صح ولّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ما يمكن هذا؟ هذا ممكن؛ لأنهم إذا أَغْرَوْا هؤلاء بالمال سَلِمُوا من أن يكونوا قَذَفَة فيُجْلَدُوا، وأيضًا حصل لهم ما يريدون من تدنيس عِرْض المشهود عليه.
هذا وجه قول مَن يقول: إنه لا بد أن يكون في مجلس واحد، أما الذين قالوا: لا يُشْتَرَط أن يكونوا في مجلس واحد فقالوا: إن الآية عامة ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ١٣]، وهؤلاء أربعة شهداء أتوا إلى القاضي وأثبتوا شهادتهم.
فأين في كتاب الله، أو في سنة رسول الله ﷺ اشتراط أن يكونوا في مجلس واحد؟
وقولكم: إنه يُخْشَى من التمالؤ، ينتقض عليكم بقولكم: إنهم يُقْبَلُون سواء أتوا الحاكم جملة أو متفرقين، أليس كذلك؟ يعني ربما يتمالأ هؤلاء الذين شهدوا في الساعة الأولى مع الذين شهدوا في الساعة الثالثة أو الرابعة مثلًا، ممكن.
ولو أنكم قلتم كما قال أبو حنيفة وجماعة من أهل العلم: إنه لا بد أن يأتوا الحاكم ويدلوا بشهادتهم في مجلس واحد، بمعنى: أنهم إذا جاؤوا متفرِّقين فإنهم قَذَفَة.
يعني عندنا الآن ثلاثة أقوال؛ قول باشتراط المجلس وحضورهم جميعًا، وقول بعدم اشتراط المجلس والحضور، والقول الثالث باشتراط المجلس دون الحضور، وهذا هو المذهب عندنا.
ولكن القولين الآخرين أقرب للقاعدة؛ إما أن نشترط أن يأتوا جميعًا ويشهدوا، وإما ألَّا نشترط ذلك.
[ ١ / ٧٥٢٨ ]
والأقرب إلى النصوص أنه لا يُشْتَرَط؛ لأنها عامة، وعلى هذا فيكون قوله: (في مجلس واحد) على القول الراجح ليس بشرط.
(بزنًى واحد) يعني: لا بد أن يشهدوا أنه على زنًى واحد.
فلو شهد رجلان على أنه زنى في الصباح، ورجلان على أنه زنى في المساء، فهذان فِعْلَان، فلا تُقْبَل الشهادة، ويُجْلَد للقذف كل من الشهود، لماذا؟
لأن الزنى متعدد، ولو شهد اثنان أنه زنى في رُبْعَة -في زاوية- واثنان أنه زنى في زاوية أخرى، فهل هو زنًى واحد، أو لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: فيه تفصيل؛ إن كانت الحجرة صغيرة كُمِّلَت الشهادة، وإن كانت كبيرة لم تُكَمَّل، السبب؟
طالب: قد يتحرك.
الشيخ: إي نعم، نقول: يمكن تدحرج ويَّاه إذا كانت صغيرة من زاوية إلى أخرى -نسأل الله العافية-.
أما إذا كانت كبيرة فهذا ممتنع في العادة، فيعتبر الزنى فعلين، إذا كانت كبيرة.
أما إذا كانت صغيرة فإنه يمكن أن تُكَمَّل الشهادة، وهل يشترط ذِكْر الْمَزْنِيّ بها؟ لا، ما هو شرط؛ لأن الْمَزْنِيّ بها قد تكون غير معلومة للشهود، ولّا لا؟ ولهذا لم يذكر المؤلف هذا الشرط، وهو كذلك، فذِكْر الْمَزْنِيّ بها ليس بشرط.
يقول: (زنًى واحد يصفونه)، (يصفونه): يعني يصفون الزنى بلفظ صريح بأن يقولوا: رأينا ذَكَرَه في فرجها، لا بد من هذا، فلو قالوا: رأيناه عليها مُتَجَرِّدَيْن، فإن ذلك لا يُقْبَل.
حتى لو قالوا: نشهد بأنه قد كان منها كما يكون الرجل من امرأته، فإنها لا تكفي الشهادة، لا بد أن يقولوا: نشهد أن ذَكَرَه في فرجها، وهذا صعب ولّا لا؟
طالب: صعب.
الشيخ: صعب جدًّا.
مثل ما قال الرجل الذي شُهِدَ عليه في عهد عمر: لو كنت بين أفخاذي لم تشهد هذه الشهادة.
وأظنها ما يمكن، ما أدري عاد بالوسائل الحديثة هل يمكن الآن ولّا لا؟ تصوير يمكن؟
الظاهر ما يمكن أيضًا؛ لأن الذي تدركه الصورة تدركه العين، فإذا لم تدركه العين لم تدركه الصورة.
[ ١ / ٧٥٢٩ ]
ولهذا يقول شيخ الإسلام في عهده: إنه لم يثبت الزنى عن طريق الشهادة من عهد النبي ﷺ إلى عهد شيخ الإسلام ابن تيمية.
وإذا لم يثبت من ذاك الوقت إلى ذاك الوقت فكذلك لا نعلم أنه ثبت بطريق الشهادة إلى يومنا هذا؛ لأنه صعب جدًّا.
فلو شهد الأربعة بأنهم رأواه على هذه المرأة كما يكون الرجل على امرأته، فإنه لا يُحَدّ للزنى؟ هل يحدون للقذف؟
طالب: لا.
الشيخ: لا يحدون للقذف؛ لأنهم ما قَذَفُوا، ما قالوا: زنى، بل قالوا: رأيناه على هذه المرأة كما يكون الرجل على امرأته فقط، فهم لا يُحَدُّون للقذف، لكن هو هل يُعَزَّر؟
طلبة: يعزر.
الشيخ: هو على الحد لا يُحَدّ، ما فيه إشكال.
لكن هل نقول: إن هذه تهمة قوية بشهادة هؤلاء الشهود العدول فيُعَزَّر؟
طلبة: نعم.
الشيخ: الظاهر نعم، أنه إذا لم يثبت الزنى الذي يثبت به الحد الشرعي فإنه يُعَزَّر لأجل التهمة؛ لأن احنا بين أمرين: إما أن نُعَزِّرَه وإما أن نُعَزِّر الشهود.
أحدهم لا شك أنه مخطئ، وهنا يقرب بل يثبت أن الشهود ثبت بشهادتهم التهمة بلا شك، لازم أيضًا ..
طالب: يُعَزَّر أيضًا؛ لأنه فعل ما لا يحل له حتى لو ..
الشيخ: إي نعم، هو على كل حال يُعَزَّر.
طالب: لا شك.
الشيخ: (بزنًى واحد يصفونه أربعة).
(أربعة) هذه فاعل (يشهد)، وهي متأخرة عن عاملها لكن لأجل ذِكْر الشروط متوالية.
كلمة (أربعة) عدد يكون للمُذَكَّر، وعلى هذا فلا بد أن يكونوا رجالًا؛ فإن (أربعة) بمعنى أربعة رجال؛ لقوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ١٣]، فلا بد من أربعة رجال، لو شهد ثماني نسوة على الزنى؟
طلبة: لا تُقْبَل.
الشيخ: ما يُقْبَل، لا بد من شهود رجال أربعة، طيب ثلاثة وامرأتان؟
طالب: ما يُقْبَل.
الشيخ: ما يُقْبَل؟ نعم، ما يُقْبَل.
[ ١ / ٧٥٣٠ ]
لا بد كما قال الله ﷿: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ١٣]، وعليه فلا بد أن يكونوا رجالًا.
طالب: ().
الشيخ: ﴿شُهَدَاءَ﴾، ﴿بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ الأربعة هذه عدد يكون للمذكر، و﴿شهداء﴾ أيضًا للمذكر، جمع شاهد أو شهيد.
(ممن تُقْبَل شهادتهم فيه)، أي: في الزنى.
لا بد أن يكون هؤلاء ممن تُقْبَل شهادتهم في نفس الزنى.
في ناس يُقْبَلُون في الزنى ولا يقبلون في غيره، أو يقبلون في غيره ولا يقبلون في الزنى؟ نعم.
طالب: الأعمى.
الشيخ: مثل لو كان أعمى.
الأعمى إذا شهد بما يُسْمَع قُبِلَت شهادته، لكن بما يُرَى ما تُقْبَل.
فلو جاؤوا ثلاثة يشهدون بالزنى، وجاؤوا بالرابع وهو أعمى، يُقْبَل ولّا لا؟ ما يُقْبَل.
قال: أنا أشهد إنه زنى، ويش نقول؟ نقول: أنت كاذب.
قال: أنا أشهد بشهادة هؤلاء الثلاثة عدول، هؤلاء عدول عندي، والرسول ﵊ يقول: «إِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا» (١٠)، أنا هذا ثلاثة، ها دُولَا أشهد على شهادتهم، وآكل على شهادتهم الميتة، ويش نقول له؟
طلبة: ().
الشيخ: نقول: نعم، لا بد من وصف الزنى، صِفْهُ لنا.
يقول: ما خابر أصفه () ما قاله الثلاثة.
نقول: هل رأيته؟
طالب: ما رأى.
الشيخ: ما رأى.
وهذا فعل، والفعل مما يُشْهَد عليه بالبصر، ولهذا لا تُقْبَل شهادة العميان في باب الزنى، ولا في كل فعل.
ولا بد أن يكونوا من غير أعداء المشهود عليه، فإن كانوا من أعدائه فإنها لا تُقْبَل شهادتهم؛ لأن العدو يفرح أن يُصَاب عدوه بهذه الفاحشة، وعدو الإنسان مَن هو؟ الكافر؟ يقولون: مَن سَرَّه مساءة شخص، وغَمَّه فرحُه فهو عدوه.
هذا ضابط العداوة عندهم -عند أهل الفقه-، كل مَنْ سَرَّه مساءة شخص، وغَمَّه فَرَحُه.
قيل له: إن فلانًا ناجح، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ويش يكون هذا؟ عدو ولا غير عدو؟ هذا عدو، صح ولّا لا؟
[ ١ / ٧٥٣١ ]
قيل: فلان أُصِيبَ بحادث تكسَّرت سيارته، فقال: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، يكون هذا أيش؟ عدو أيضًا؛ لأنه في الأول ساءه مسرة الشخص، وفي الثاني فرح بما يَغُمُّه، سَرَّه ما يغم هذا الشخص.
هذا هو العدو عند الفقهاء -﵏- ويأتي إن شاء الله تعالى البحث فيه.
يقول المؤلف: (سواء أتوا الحاكم جملةً أو متفرقين).
وسبق الكلام على هذا، وأن بعض أهل العلم يقول: لا بد أن يأتوا الحاكم جملة في مجلس واحد جملة، لا يأتونه متفرقين.
ولكن الصواب أنه لا يُشْتَرَط لا هذا ولا هذا، حتى المجلس الواحد، الصواب أنه لا يُشْتَرَط المجلس الواحد.
طالب: لو أننا ثلاثة رأينا رجلًا مسلمًا بالغًا عاقلًا يزني.
الشيخ: يزني.
الطالب: وما ().
الشيخ: إي، ما يُحَدُّون للقذف، ولكن يقال لهم: لا تفعلوا هذا، هذا ما ينفع، إلا إذا قُصِدَ بهذا أنهم يريدون من ولاة الأمر أن ينتبهوا لهذا المكان بعينه، فلا بأس، وأما أن يأتوا يقولون: شهدنا رجلًا يزني، ما ينفع هذا.
طالب: شيخ، المجلس الواحد ما يكون باعتبار نفس الشهود أن يأتوا في وقت واحد؟
الشيخ: ما هو شرط، على المذهب ما هو بشرط.
فيه رأي إنه شرط لا بد يأتون جميعًا جملة.
طالب: شيخ، عند أبي حنيفة حتى احتمال التواطؤ موجود، قد يتواطؤون ويأتون جميعًا.
الشيخ: صحيح
هذا ممكن، والتواطؤ هذا في كل شاهِد، حتى لو شهدوا جميعًا، ولهذا القول الراجح اللي ما في اختلاف أنه ليس بشرط.
طالب: لو رجل صَوَّر رجلًا يعني على امرأة، في الحالة التي ذكرها واضحة في الصورة تمام، فهل يكفي منظر واحد، أو لازم بعد أربع صور؟
الشيخ: أربع مُصَوِّرِين يعني.
الطالب: أربع مصورين.
الشيخ: أيش تقولون؟
طلبة: الظاهر ().
طالب آخر: يراها أزيد من أربعة، الصورة.
الشيخ: هو، هل يمكن التدليس في هذا ولّا لا؟
طلبة: يمكن.
الشيخ: يمكن؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إذا كان يمكن ما يُقْبَل.
[ ١ / ٧٥٣٢ ]
ولّا صحيح يعني في بادئ الأمر نقول: هذه صورة، كأن الحاكم القاضي يشاهدهم، لكن يقال: إنه يمكن إنها تدلَّس، هل يمكن تدلس؟ وما دام هذا الاحتمال واردًا فإنها لا تعتبر شهادة.
طالب: وإذا كان لا يمكن التدليس، إذا كان لا يمكن مثلًا؟
الشيخ: إي، ما يمكن إذا كان لا يمكن، ما دام يمكن ويش لون نفرض شيئًا ما هو ممكن؟
طالب: () يحتمل.
الشيخ: لا ما يحتمل، اللي يعرفون الأمور هذه يقولون: يمكن.
طالب: ما في واحد يعرفها حتى ..
الشيخ: لا.
طالب: ممكن.
الشيخ: يمكن، أنا كان بالأول الحقيقة إن أنا يكون في ذهني إن هذا يُقْبَل، إذا جاؤوا بالصورة، لكن قالوا لي الناس: إنه ما يصير هذا، لا بد يُجَمِّعُون أشياء ويصورونها.
طالب: هل نكلِّف الذين يريدون أن يقيموا الشهادة أن يقلدوا الزانيين حتى تقام الشهادة؟
الشيخ: هذا إذا ارتاب الحاكم من الشهود فلا بأس إنه يفرِّقهم ويسألهم واحدًا واحدًا، أما مع عدم الريبة ما حاجة.
طلبة: يطلب منهم يقلدوهم.
طالب آخر: () حتى نرى أن ذَكَرَه في فرجها ولّا ..
الشيخ: هذه المسائل ما هي! هذه بعيدة.
شوف الآن إن هذا ما هو بكائن إلا في بلاد غير مسلمة، ما هو مقام فيها الحد أبدًا.
ولّا نحن نسمع إنه في البلاد الأخرى -والعياذ بالله- مثل الغنم، يأتي الرجل يمسك المرأة في الحديقة أمام الناس -والعياذ بالله- ويفعل بها ولا يبالي.
طالب: بالكشف الطبي على المرأة؟
الشيخ: ما يثبت.
طالب: ما يُقْبَل الكشف الطبي عليها؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: حد الحجرة الصغيرة ..
الشيخ: الحجرة الصغيرة والكبيرة، ويش الضابط فيها؟ الضابط ما أمكن أن يكون زنًى واحدًا في هذه الحجرة فهو صغيرة.
الطالب: أو على حسب العرف.
الشيخ: إي، حسب العرف، وما لا يمكن فهو كبير.
طالب: لا تُقْبَل شهادة الزوج على زوجته؟
الشيخ: لا، الزوج مع زوجته له طريق آخر.
الطالب: مع ثلاثة شهود إلى جانبه؟
الشيخ: لا ما يحتاج ثلاثة شهود، الزوج.
[ ١ / ٧٥٣٣ ]
الزوج لما قال سعد بن عبادة ﵁: يا رسول -لما نزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]- قال: يا رسول الله، كيف؟ أجد لكع بن لكع على زوجتي وأروح أدوّر على أربعة شهود؟ والله لأضربنه بالسيف غير مُصَفَّح؟
فقال النبي ﵊: «أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ، وَاللهِ إِنِّي لَأَغْيَرُ مِنْ سَعْدٍ، وَاللهُ أَغْيَرُ مِنِّي» (١١)، ثم أنزل الله الآية في مسألة الزوج، الزوج له حل آخر، هو نفسه يرميها بالزنى، ثم يتلاعن ويَّاها.
() أربعة، سواء أتوا الحاكم في مجلس واحد أو في مجالس، وهذا مذهب الشافعي وجماعة من أهل العلم، وحجتهم؟ عموم الآية، وهذا أصح لا شك؛ لأن معهم دليلًا واضحًا.
والطرف الثاني يقول: لا بد أن يكونوا في مجلس واحد، وألَّا يكونوا متفرقين، فإن تفرقوا فهم قَذَفَة؛ يعني لو جاء واحد الساعة الأولى، وواحد الثانية، وواحد الثالثة، وواحد الرابعة، ولو كان الحاكم في مجلس واحد فهم قَذَفَة، والصواب خلاف ذلك.
ثم قال المؤلف: (وإن حَمَلَت امرأة)، (امرأة) نكرة في سياق الشرط فتَعُمّ.
امرأة سواء كانت حرة أم أمة، كذا؟ صغيرة أو كبيرة.
طالب: الصغيرة ().
الشيخ: الصغيرة ما تحمل؟
طالب: ().
الشيخ: كيف؟ () امرأة لا زوج لها ولا سيد، والتي ليس لها زوج ولا سيد لا تحمل إلا من وطءٍ محرَّم؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥، ٦]، ﴿أزواجهم﴾: هذه ذات الزوج، ﴿أو ما ملكت أيمانهم﴾: ذات السيد.
[ ١ / ٧٥٣٤ ]
فإذا حملت امرأة ليس لها زوج وليس لها سيد فإننا لا نتعرض لها، ولا نقول: من أين جاءك الحمل، ولا نسألها، لماذا؟ لأن في سؤالها إشاعة للفاحشة، وقد قال الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: ١٩].
فإذا كان هذا الوعيد فيمن يحب أن تشيع الفاحشة، فكيف بمن تسبب لشيوع الفاحشة؟
وعلى هذا فلا تُسْأَل ولا تُحَدّ، حتى لو كانت تحمل كل سنة تأتي بولد، وصار لها عشرة أولاد بدون زوج ولا سيد، فإننا لا نتعرض لها.
العلة: قلت: لأن النبي ﷺ يقول: «ادْرَؤُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» (١٢)، وهذا الحديث كما سبق حديث ضعيف، لكن يقولون: الأصل البراءة والسلامة.
ولا تُسْأَل؛ لأن سؤالها سبب لماذا؟ لشيوع الفاحشة، وقد توعَّد الله -﷿- من يحبون أن تشيع الفاحشة، وعلى هذا فتُتْرَك، عرفتم؟
هذا الذي ذكر المؤلف هو المذهب، وهو أحد أقوال ثلاثة، سبحان الله العظيم! ما تكاد تجد مسألة إلا فيها خلاف!
القول الثاني: أنه يجب عليها الحد ما لم تَدَّعِ شبهة.
والقول الثالث: يجب عليها الحد وإن ادَّعَت شبهة.
انتبه! القول الأول الذي يقول: لا يجب عليها الحد ولا تُسْأَل، عرفتم دليله.
القول الثاني الذي يقول: إنها تُحَدّ، إلا إذا ادَّعَت شبهة، الشبهة مثل أن تَدَّعِي أنها اغتُصِبَت، أو ما أشبه ذلك من الأمور التي تُعْذَر فيها، أو تدعي أنها وجدت شيئًا فأدخلته في فرجها فكان مَنِيّ رجل فحملت به، أو ما أشبه ذلك، المهم إذا ادعت شبهة ممكنة ما تُحَدّ.
حجة هذا القول، يقولون: لأن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -﵁- خطب الناس على منبر النبي ﷺ، وقال فيما قال: إن الرجم حق ثابت على مَن زنى إذا أحصن إذا قامت البينة أو كان الْحَبَل أو اعتراف. (١٣)
كم ذَكَرَ لثبوته؟
طلبة: ثلاثة.
[ ١ / ٧٥٣٥ ]
الشيخ: ثلاثة؛ إما أن تقوم بينة؛ أربعة رجال بالشروط المعروفة، أو يكون الْحَبَل، أو الاعتراف.
وهذا قاله أمير المؤمنين عمر، قاله على منبر النبي ﷺ، وقاله بمحضر من الصحابة، ولم يُذْكَر أن أحدًا نازَعَه في ذلك أو خالفه.
ومثل هذا يكون من أقوى الأدلة إن لم يُدَّعَ فيه الإجماع فهو كالإجماع، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- وهو الحق بلا ريب.
من أين يُخْلَق الولد في الأصل؟ من الجماع، هذا هو الأصل، كون المرأة ربما وجدت قطنة فيها ماء رجل فأدخلتها في فرجها، ثم دَبَّت هذه النطفة إلى رَحِمِها وحملت، هذا شيء بعيد.
ولو أننا قلنا بعدم الْحَدّ لانتشر الشر والفساد، لكان كل امرأة بغي تلد كل سنة، ويقال: لا تسألوها ودعوها حتى تأتي هي وتُقِرّ بالزنى، وحينئذ أقيموا عليها الحد.
فالصواب المقطوع به بلا شك هو ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية الذي دليله من أقوى الأدلة، وهي خطبة أمير المؤمنين عمر على منبر النبي ﷺ ولم ينكره أحد.
ففيه إذن دليل، وفيه تعليل.
وأما قول الفقهاء -﵏-: إن هذا من باب الشبهات، والحدود تُدْرَأ بالشبهات، فنقول:
أولًا: لمنع المقدمة الأولى، وهي أنها من الشبهات، أين الشبهة في امرأة حملت؟
الأصل أنها ما حملت إلا من جماع، والجماع إذا لم تكن ذات زوج ولا سيد فليس عندنا إلا المحرَّم، إلا إذا ادَّعت الشبهة.
وثانيًا: الحديث ضعيف الذي استدلوا به، ولو أننا أخذنا بكل شبهة ولو كانت شبهة ضئيلة كالشررة في وسط الرماد، لكنا وافقنا قول مَن يقول: إن الرجل إذا استأجر امرأة ليزني بها فزنى بها فلا حد عليه.
في قول للعلماء يقول: استأجر امراة للزنى فزنى بها فلا حد عليه! غريب، ليش؟
قال: لأن الاستئجار شبهة، شبهة لأيش؟ لإباحة جماعها في مقابل الأجرة.
والله ما إنسان يريد الزنى إلا توصَّل إلى الزنى بمثل هذه الطريقة بكل سهولة، ولّا لا؟
طلبة: نعم.
[ ١ / ٧٥٣٦ ]
الشيخ: شيء عجيب، القصد أن مُجَرَّد الشبهة ولو كشرارة في وسط الرماد ما هو صحيح هذا، ولا يمكن أن ترتفع به الأحكام، وإلا فسدت أحوال الناس.
وأما القول الثالث الذي يقول: إنها تُحَدّ ولو ادَّعَت الشبهة، فيقولون: إنها بحملها ثبت زناها بمقتضى حديث مَن؟
طلبة: حديث عمر.
الشيخ: حديث عمر -﵁-.
والأصل عدم الإكراه، فلتأتِ ببينة على ما ادعته من الشُّبهة وإلا وجب الأخذ بظاهر الحال.
وهذا تعليله أقوى من تعليل القول الأول الذي يقول: لا تُحَدّ.
ومع ذلك فهو تعليل عليل لا تقوم به الحجة، ولا يمكن أن نُتْلِف به الأنفس، ولا سيما لأنها إذا كانت ثَيِّبًا وجب أن تُرْجَم بمجرد ذلك.
بقي أن يقال: إن تعليل الفقهاء قولهم: إن سؤالها من باب إشاعة الفاحشة، ماذا نجيب عنه؟
نقول: إننا لن نسألها، بل سنقيم عليها الحد بدون سؤال، حتى تدعي ما يرتفع به الحد.
إذن فكانت طرق ثبوت الزنى بهذا التقرير أربعة: الشهادة، والإقرار، وحَمْل مَن لا زوج لها ولا سيد.
طالب: واللعان.
الشيخ: وفي اللعان؛ إذا كان لاعَنَ الزوج ولم تدافعه.
[باب حد القذف]
ثم قال المؤلف -﵀-: (باب حد القذف).
(حد): تقدم لنا معنى الحدود شرعًا؛ أنها عقوبات مُقَدَّرَة شرعًا بفعل معصية لتردع عن مثلها وتُكَفِّرَ عن صاحبها.
وأما (القذف) فهو مضاف إليه، والإضافة هنا من باب إضافة الشيء إلى سببه، يعني: باب الحد الذي سببه القذف.
والقذف في الأصل هو الرمي، والمراد به هنا: الرمي بالزنى أو اللواط، أن يرمي شخصًا بالزنى أو باللواط، فيقول: يا زانٍ، يا لوطي، أو أنت زانٍ، أو أنت لوطي، أو ما أشبه ذلك، هذا هو القذف.
وحكم القذف: محرَّم، بل مِن كبائر الذنوب إذا كان المقذوف مُحْصَنًا.
والحكمة من تحريمه صيانةُ أعراض الناس عن الانتهاك، وحماية سمعتهم عن التدنيس.
[ ١ / ٧٥٣٧ ]
وهذا من أحكم الحكم؛ لأن الناس لو سُلِّطَ بعضهم على بعض في التدنيس والسب والشتم حصلت عداوات وبغضاء، وربما حروب طواحن من أجل هذه الأمور.
لكن حِفْظًا لأعراض الناس، وحماية لها ولسمعة المسلمين، جاء الشرع محرِّمًا للقذف وموجِبًا للعقوبة الدنيوية فيه.
يقول الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣]، ترتب على ذلك أمران عظيمان؛ اللعنة في الدنيا والآخرة -والعياذ بالله-، والثاني: العذاب العظيم.
ثم قال: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ [النور: ٢٤، ٢٥]
وثبت عن النبي ﷺ أن مِن الكبائر الموبِقة «قَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ».
إذن فهو من كبائر الذنوب بدلالة الكتاب والسنة، والحكمة فيه ما أشرنا إليها من قبل.
(القذف) تختلف عقوبته باختلاف القاذف وباختلاف المقذوف، ويُعْلَم ذلك من الشروط.
قال المؤلِّف: (إذا قذف المكلَّف مُحْصَنًا جُلِد ثمانين جلدة إن كان حرًّا، وإن كان عبدًا أربعين).
(إذا قذف المكلَّف)، مَن المكلَّف؟
البالغ العاقل، سواء كان هذا البالغ العاقل ذكرًا أو أنثى، حتى المرأة لو أنها قذفت رجلًا يُقَام عليها حد القذف.
وكلمة (المكلَّف): جاء بها -﵀- من باب التبيين، وإلا فقد سبق لنا في الشروط العامة في الحدود أنه يُشْتَرَط أن يكون المحدود بالغًا عاقلًا.
(إذا قذف مُحْصَنًا).
و(الْمُحْصَن) هنا غير المحصن في باب الزنى، المحصن هنا سيذكره المؤلف يقول: الحر، المسلم، العاقل، العفيف، الملتزم، الذي يجامِع مثلُه، بخلافه في باب الزنى.
[ ١ / ٧٥٣٨ ]
وقول المؤلف: (محصنًا) هي نكرة في سياق الشرط، فتَعُمّ ما إذا كان المحصَن امرأة أو رجلًا.
تكون كلمة (محصن) أي شخصًا مُحْصَنًا، وقدَّرْنَا ذلك من أجل أيش؟ من أجل الشمول والعموم.
(جُلِدَ ثمانين جلدة إن كان حرًّا).
(جُلِد) فعل ماضٍ مبني للمجهول، فمَن الجالد؟
سبق لنا أنه لا يقيم الحدود إلا الإمام أو نائبه، وهذا هو المشهور من المذهب، وهو الحق.
وقال بعض أهل العلم: إن حَدَّ القذف يقيمه المقذوف على القاذف إذا جعلناه حقًّا للمقذوف، فإن جعلناه حقًّا لله فالذي يقيمه الإمام، وسيأتي الخلاف فيه.
وقوله: (جُلِدَ ثمانين جلدة إن كان حرًّا).
(إن كان) مَن؟
طلبة: القاذف.
الشيخ: القاذف، إن كان القاذف حرًّا فإنه يُجْلَد ثمانين.
والدليل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٤، ٥].
فالآية الكريمة قال: ﴿يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾، وهي جمع مؤنث سالم، فهل هذه خاصة بالنساء أو عامة؟ وهل العموم باللفظ أو بالمعنى؟
ظاهر الآية الكريمة أنها خاصة بالنساء.
ولكن بعض أهل العلم يقول: إن ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾ صفة لموصوف محذوف، واختلفوا في تقديره؛ فقال بعضهم: التقدير الأنفس المحصنات، وقال آخرون: الفروج الْمُحْصَنات، فيكون هنا عامًّا يشمل الرجال والنساء.
واستدل من قال: المراد به الفروج، بقوله تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [الأنبياء: ٩١]، فالفرج إذن مُحْصَن، لكن لا شك أن هذا تأويل مخالف لظاهر الآية، وأن الظاهر أن المراد بها النساء.
ولكن الرجال مثل النساء في هذا بالإجماع، فيكون عمومها عمومًا معنويًّا، وذلك لعدم الفارق بين الرجال والنساء في هذا.
رتب الله على القذف ثلاثة أمور: الْجَلْد، ويش بعد؟
طالب: اللعن.
[ ١ / ٧٥٣٩ ]
الشيخ: لا، في الآية.
طلبة: عدم قبول الشهادة.
الشيخ: عدم قبول الشهادة، والثالث: الفسق، ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٥].
فهل هذا الاستثناء يرفع الأحكام الثلاثة؟ أو يرفع الحكم الأخير؟ أو يرفع الحكم الأخير والذي قبله؟
طلبة: الأخير.
الشيخ: الأخير بلا شك.
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾، يعني: فإذا تابوا من القذف زال عنهم وصف الفسق إلى العدالة، وهذا لا شك فيه؛ لأن الاستثناء من أقرب مذكور، وقد حصل.
وقال بعض العلماء: إنه عائد على الأخير وما قبله، وأنه إذا تاب ورجع قُبِلَت شهادته.
أما الحكم الأول فإنه لا يعود إليه بالاتفاق.
إلا أن بعضهم قال: إذا جعلناه حقًّا لله وتاب قبل القدرة عليه فإنه يسقط، فجعله عائدًا للثلاثة.
نعود الآن إلى كلام المؤلف.
يقول: (جُلِدَ ثمانين جلدة إن كان حرًّا، وإن كان عبدًا أربعين)، يعني: وإن كان عبدًا جُلِدَ أربعين.
الدليل، قالوا: لأن العبد يتَنَصَّف الحدُّ عليه.
وقد سبق دليل ذلك، وهو في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ [النساء: ٢٥] ..
وإن كانَ عبدًا أربعينَ، والْمُعْتَقُ بعضُه بحِسابِهِ، وقَذْفُ غيرِ الْمُحْصَنِ يُوجِبُ التعزيرَ، وهو حقٌّ للمقذوفِ.
و(الْمُحْصَنُ) هنا: الْحُرُّ المسلمُ العاقلُ العفيفُ الملتزِمُ الذي يُجامِعُ مِثْلُه، ولا يُشْتَرَطُ بلوغُه.
و(صَريحُ القذْفِ) يا زان يا لُوطِيُّ ونحوُه.
أما (كِنايتُه) فيقول يا قَحْبَةُ، يا فاجرةُ، فَضَحْتِ زَوْجَكِ، أو نَكَّسْتِ رأسَه، جَعَلْتِ له قُرونًا ونحوَه، وإن فَسَّرَه بغيرِ القَذْفِ قُبِلَ، وإن قَذَفَ أهلَ بلدٍ أو جماعةً لا يُتَصَوَّرُ منهم الزنا عادةً عُزِّرَ، ويَسْقُطُ حدُّ القذْفِ بالعَفْوِ، ولا يُسْتَوْفَى بدُونِ الطَّلَبِ.