[ ١ / ٧٥٤٠ ]
كلُّ شرابٍ أَسْكَرَ كثيرُه فقليلُه حرامٌ، وهو خَمْرٌ من أيِّ شيءٍ كان، ولا يُباحُ شُربُه لِلَذَّةٍ ولا يباح لتَدَاوٍ ولا لعَطَشٍ ولا لغيرِه، إلا لدَفْعِ لُقْمَةٍ غَصَّ بها ولم يَحْضُرْه غيرُه، وإذا شَرِبَه المسلِمُ مختارًا عالِمًا أنَّ كثيرَه يُسْكِرُ فعليه الْحَدُّ
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، وهذا الحد؛ أعني حد القذف فيتنصف كما يتنصف حد الزنا.
انتبه إذن كون العبد أربعين من باب القياس، وقال بعض العلماء: إنه إذا كان حُرًّا أو عبدًا فإنه يُجلد ثمانين جلدة؛ لأن الآية عامة، والحق لمن؟ للمقذوف، والمقذوف بالزنا سيتدنس عِرضه سواء كان القاذف حُرًّا أو عبدًا، فالأمر فيه ظاهر؛ لأن الحد هناك لمن؟ الحد لله وبشاعة الزنا وشناعته بالنسبة للحُرِّ والعبد تختلف، فاختلف جزاؤه، أما هنا فالمضرة على من؟
طلبة: المقذوف.
الشيخ: المقذوف، والمقذوف يقول: إن عرضي تدنَّس سواء كان القاذف حُرًّا أو عبدًا؛ فالصحيح عندي القول الثاني، أنه يُجلد ثمانين جلدة، سواء كان حُرًّا أو عبدًا، والدليل عندنا فيه عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]؛ ولأنه لا معنى لتنصيف العقوبة على العبد، والحكم يتعلق بمن؟ بغيره بخلاف الزنا؛ فالقياس إذن لا يصح.
ثم قال: (والْمُعْتَق بعضه بحسابه)، فيه تنبيهات؛ أولًا: قال المؤلف: (إذا قذف الْمُكلَّف محصنًا) إحنا ذكرنا كلمة محصن ويش قلنا؟ إنها عامة تشمل الذكر والأنثى، ولَّا لا؟ طيب، وظاهِره أن ذلك شامل لقذف الولد والده فيُجلد ثمانين جلدة، الولد قَذَفَ والده، قال: يا زاني، والعياذ بالله؛ يُجلد حد القذف ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
[ ١ / ٧٥٤١ ]
الشيخ: نعم، يُجلد، هذا أشنع؛ يعني قذف الولد والده شنيع جدًّا، ويشمل كلام المؤلف قذف الوالد ولده، الوالد إذا قذف ولده، وقال لولده: أنت لوطي، أنت زانٍ، أنت فاعل؛ يعني من هذه الخبائث، يُجلَد الوالِد ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: كلام المؤلف.
طلبة: ().
الشيخ: يُجلد؛ لأنه أطلق، قال: (محصنًا)، وهذا خلاف المذهب، المذهب أن الوالد إذا قذف ولده فإنه لا يُجلد به كما أنه لو قتله لا يُقتص به أو لا يُقاد به، وقد سبق لنا أن هذه المسألة مسألة أنه يُقتل بولده فيها خلاف.
والصواب أن قذف الوالد لولده يجب فيه الحد سواء قلنا: إنه حق لله أو للآدمي؛ لأننا إذا قلنا: إنه حق لله فالأمر فيه ظاهر أنه لا سلطة للوالد على ولده فيه، وإذا قلنا: حق للآدمي فإننا نقول: إن الولد إذا لم يرضَ بإسقاط حقه فإن له الْمطالبة به، كما أن له أن يُطالِب والده بالنفقة بالإنفاق عليه له أن يُطالبه فيه، فهذا مثله لما أهدر كرامة ولده وأهانه أمام الناس فليُقَم عليه الحد، والآية عامة، ويدخل فيه من قذف نبيًّا ولَّا لا؟
طالب: ().
الشيخ: كلامه يشمل هذا، وقد قيل به؛ أن من قذف نبيًّا فليس عليه إلا الحد، ولكن هذا القول ضعيف، والصحيح أن من قذف نبيًّا فإنه يكفُر ويُقتل كُفرًا، فإن تاب فإنه يُقتل حدًّا، ولا يقتل كفرًا؛ والفرق بين القتلتين أنه إذا قتلناه كُفرًا لا نُغسِّله، ولا نُكفِّنه، ولا نُصلِّي عليه، ولا ندفنه مع المسلمين، وإذا قتلناه حدًّا صار الأمر بالعكس.
طيب وظاهره أيضًا، ولو قذف أم نبي -نسأل الله العافية- مثل أن يقول: إن مريم -والعياذ بالله- إنها بغي؛ يُقتل ولَّا لا؟
طلبة: يُقتل.
[ ١ / ٧٥٤٢ ]
الشيخ: يُقتل، هذا لا بد أن يقتل؛ لأنه حتى لو فرضنا أنه ما هو من باب القذف فهو من باب تكذيب القرآن؛ لأن الله قال في مريم: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ [الأنبياء: ٩١]، لكن الكلام في أم نبي غير مريم؛ والصحيح أنه يُقتل كُفرًا من قذف أم نبي؛ لما في ذلك من الشناعة العظيمة حيث يُوهم أن الأنبياء -وحاشاهم من ذلك- أولاد بغايا.
وظاهر كلامه أيضًا حتى لو قذف زوجة نبي فإنه يُحدُّ ثمانين؛ لأنه داخل في عموم (محصنًا)، شوف العمومات، ولكن هذا أيضًا فيه خلاف إلا في عائشة، فإن من رماها بما برأها الله منه فهو كافر؛ لأنه مُكذِّب للقرآن، لكن لو رماها بغيره أو رمى إحدى زوجات النبي ﷺ، أو أي نبي كان؛ فالصحيح أنه يكفر أيضًا ويُقتل.
قال شيخ الإسلام: لأن في هذا من الغضاضة وإذلال النبي شيء لا يُتهاون به، وهو أعظم من تحريم نكاح زوجاته بعده، إذا كان الله نهانا أن نتزوج زوجات الرسول بعده إكرامًا له وحماية لفراشه، فكيف -والعياذ بالله- يُدنَّس بهذا؟ وهل قذف زوجات الأنبياء إلا استهزاء بالأنبياء وسخرية بهم؟ ولهذا فالصحيح أنه لا يدخل في كلام المؤلف.
طالب: هل نُلزم المؤلف بهذه المفاهيم ونجعله ()؟
الشيخ: بهذه العمومات يعني.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: المهم الظاهر أنها غير مرادة للمؤلف.
طالب: ()، التساوي بين الرجال والنساء في القذف.
الشيخ: إي؛ لأن ابن حزم ﵀ يقول: المحصنات أي: الفروج؛ فتخلص من هذا.
طالب: كيف يا شيخ، المحصنات تشمل الرجال والنساء؟
الشيخ: إي.
طالب: كيف؟
الشيخ: يقولون: معناها الفروج المحصنات، والرجل له فرْج مُحصَن.
طالب: على القول الثاني أن المحصنات تشمل الرجال والنساء؛ لأن ما بينهم فرج.
الشيخ: لا يقول: هي للنساء، لكن لا فرق بينهما قياسًا.
طالب: () أربعة شهود.
الشيخ: في الزنا.
طالب: إي نعم.
الشيخ: نعم.
[ ١ / ٧٥٤٣ ]
طالب: ما الذي يجب عليه إن رأى ()؟
الشيخ: يقول مثلًا: رأيت أمرًا منكرًا.
طالب: لا في الجريمة نفسها.
الشيخ: كيف الجريمة؟
طالب: يعني يترُك الجريمة تقام ..
الشيخ: كيف؟ يعني واحد شاهد إنسانًا يزني.
طالب: نعم.
الشيخ: كذا؟
طالب: نعم.
الشيخ: يُنظر إذا كان هذا الرجل معروفًا بالفساد فهو يجب أن يُبلِّغ الجهات المسؤولة، ولكن ما يقول: رأيته يزني، يقول: رأيت عنده امرأة، ورأيته يفعل معها فعلًا منكرًا بس، ولا يصرح.
(المعتَق بعضه بحسابه) ما معنى قوله: (المعتق بعضه بحسابه)؟ يعني معناه () يعني إذا وُجِد إنسان بعضه حر، وبعضه رقيق؛ فإنه بحسابه، بحسابه منين؟ من الأربعين، يُجلد بحسابه من الأربعين، فإذا كان نصفه حُرًّا جُلِد.
طلبة: عشرين.
الشيخ: لا، على رأي المؤلف.
الطالب: جُلِد عشرين.
الشيخ: جُلد عشرين على رأي المؤلف.
طلبة: أربعين، والأصل ().
الشيخ: آه نعم، صح نعم، جُلد بحسابه أربعين على أنه رقيق، وعشرين على أنه؟
طلبة: بعضه رقيق.
الشيخ: بعضه رقيق؛ يعني ستين، صح.
(المعتق بعضه بحسابه) لكن كيف يتصور أن يكون الإنسان نصفه حر ونصفه رقيق؟
طلبة: مكاتب عنده مال.
الشيخ: لا، يتصور فيما إذا كان عبدٌ بين شركاء فأعتق أحدهم نصيبه، وكان الشركاء الآخرون فقراء، وكذلك المعتِق فقيرًا، ففي هذه الحال يعتق من ما عتق.
أعيدها مرة ثانية: هذا عبد له أربعة أسياد، كلهم يملكونه، لكل واحد ربع، فقام أحدهم فأعتق نصيبه منه، كم أعتق منه؟
طلبة: الربع.
[ ١ / ٧٥٤٤ ]
الشيخ: الربع، هذا المعتِق إن كان غنيًّا فإن العتق يسري إلى بقية العبد، ويغرم القيمة لشركائه، وإن كان المعتق فقيرًا فإنه لا يُلزَم؛ لأنه ليس عنده مال، فيبقى بقية العبد رقيقًا، هذا هو المشهور من المذهب، وقال بعض أهل العلم: إنه في هذه الحال يعتق العبد، ولكنه يُقوَّم لبقية الشركاء ويُستسعى، يستسعى معناه يقال له: اسعَ أنت الآن لإعتاق نفسك، ويكون حينئذٍ بقيته كالمكاتب، نفس العبد هو اللي يذهب، ويطلب يتكسَّب حتى يؤدي، فإن لم يكن له كسب فإنه يبقى ثلاثة أرباعه رقيقًا، واضحة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: زين.
طالب: () أربعين ..
الشيخ: طيب، مثال ذلك نعيد المثال على وجه يتضح به: عبد بين أسياد أربعة أعتق أحد الأربعة نصيبه فعتق، هل يسري العتق إلى الباقي؟ فيه التفصيل؛ إن كان المعتق غنيًّا صار العتق إلى باقيه، وأُلزم المعتق بدفع قيمة حصص الشركاء، ولنفرض أن قيمة هذا العبد ثمان مئة، كم يدفع لشركائه؟
طلبة: ست مئة.
الشيخ: ست مئة، ويعتق العبد كله، ويكون الولاء للمعتق، فإن كان المعتق فقيرًا فإن بقيته لا يعتِق، لكن فيه خلاف بين أهل العلم، هل يُستسعى العبد بمعنى أنه يُقوَّم بقيته، إحنا قلنا: قيمته ثمان مئة، فيقال للعبد: اكتسب الآن، وأعطِ أسيادك الثلاثة قيمة حصصهم ست مئة، أو يقال: لا يُستسعى، وإنما يبقى ثلاثة أرباعه رقيقًا؟ عرفتم؟ فإن كان العبد عاجزًا لا يستطيع فإن ثلاثة أرباعه يبقى رقيقًا على كلا القولين؛ لأنه لا يمكن أن يعتقه فنضر أسياده الثلاثة. طيب إذا كان معتقًا بعضه فإنه بحسابه، فإذا كان في المثال اللي ذكرنا أُعتق ربعه، كم يجلد؟
طلبة: ().
الشيخ: طيب ما هو أربعين بيجلد على كل حال، يجلد أربعين على كل حال، يُضاف إليه مما فوق الأربعين بقدر ما عتق منه، فإذا عتق رُبعه أضفنا.
طلبة: عشرة.
الشيخ: عشرة، الربع ربع الأربعين عشرة فيُجلد في هذا المثال.
طلبة: خمسين.
[ ١ / ٧٥٤٥ ]
الشيخ: خمسين جلدة إي نعم، هذا معنى قوله: (والمعتق بعضه بحسابه). قال المؤلف: (وقذف غير المحصن يُوجِب التعزير) هذا هو القسم الثالث من عقوبة القاذف، إذا قذف غير محصَن فإنه يعزر، والتعزير بمعنى التأديب، وليس له قدر معين، وسيأتي إن شاء الله تعالى الخلاف، هل يُزاد على عشر جلدات أو لا يزاد، وبيان الصحيح من ذلك.
قال المؤلف: (وهو حق للمقذوف) (وهو) أي حد القذْف (حق للمقذوف)، وليس حقًّا لله؛ وبناءً على ذلك يسقط بعفوه، لو عفا بعد أن قذفه بالزنا، قال: أنا مسامحك، الله يسامحك؛ فإنه يسقط؛ لأنه حق له كما لو كان له عليه دراهم فعفا عنها؛ فإنها تسقط عنه، ولا يُستوفى بدون طلبه؛ يعني ما دام المقذوف ساكتًا ما نقول للقاذف شيئًا حتى لو بلغت الإمام فإنه لا يُقام عليه الحد، لماذا؟
لأنه حق للمقذوف، وإذا كان حقًّا للمقذوف فإننا لا نتعرض له حتى يأتي صاحب الحق فيُطالِب واضح؟ طيب أيضًا يترتب على ذلك أنه إذا كان المقذوف والدًا للقاذف فإنه لا يُحدُّ بناءً على أن الولد لا يثبت له حق على أبيه إلا ما أوجبه الله تعالى له من النفقة ..
طالب: ().
الشيخ: الولد قذف والده فلا يُقام عليه الحد.
طالب: العكس.
طالب آخر: الوالد.
الشيخ: بالعكس.
طلبة: نعم.
الشيخ: الوالد قذف ولده نعم صح، الوالد قذف ولده فإنه لا يُقام عليه الحد، لماذا؟ لأنه حق للولد، والولد لا يثبت له حق على والده. طيب وهل يترتب على هذا الخلاف أنه يتنصف أو يبقى كاملًا؟ بعضهم بناه على هذا، وقال: وينبني على هذا الخلاف أنه إذا كان حقًّا للمقذوف فإن العبد يُحد حدًّا كاملًا، وإن كان حقًّا لله فإن العبد يُحدُّ على النصف كالزنا.
إذن الذي يترتب على هذا كم؟ أربعة أمور:
أولًا: أنه يسقط بعفوه.
والثاني: لا يُقام حتى يُطالَب به.
والثالث: أنه لا يُقام للولد على والده.
[ ١ / ٧٥٤٦ ]
والرابع: أنه يُحدُّ كاملًا؛ لأنه حق لمن؟ للمقذوف، والمقذوف يقول: من قذفني فأنا أطالب بحقي ثمانين جلدة، هذه أربعة أمور تتفرع على هذا، فإن قلنا: إنه حق لله انعكست الأحكام، تنعكس الأحكام، فيُقام عليه الحد بدون طلب، ولا يسقط بالعفو إذا بلغ الإمام كحد السرقة، ويجب للولد على والده؛ لأنه حق لله، والرابع يتنصف كالزنا؛ لأنه حق لله، لكن الغريب أن هذا الفرع الرابع ثابت حتى على القول بأنه حق للمقذوف كما هو المذهب الآن، المذهب أنه حق للمقذوف ومع ذلك يتنصف، وعلى هذا فيكون فيه شيء من التناقض؛ لأنك إذا جعلته حقًّا للمقذوف فإنه لا فرق بين أن يكون القاذف له حُرًّا أو عبدًا، وما يُدرِي الناس، فصار على هذا العلماء اختلفوا في هذه المسألة على قولين؛ فأبو حنيفة ومن تبعه يقول: إنه حق لله ﷿، وجماعة آخرون يقولون: إنه حق للمقذوف، ويترتب عليه هذا إلا أن التنصف حتى عند القائلين بأنه حق للمقذوف يرون أنه يتنصف.
ثم قال: (والمحصن هنا).
طالب: الراجح يا شيخ؟
الشيخ: الراجح أنه حق للمقذوف، اللي يظهر لي أنه حق للمقذوف، إي نعم، لكن مسألة التنصف هي المشكلة، وإن كان عليها جمهور أهل العلم، لكن ظاهر الآية العموم.
قال: (والمحصن هنا) هنا؛ أي في باب القذف، وقيده بقوله: (هنا) احترازًا من المحصَن في باب الزنا، انتبهوا له؛ لأن عندنا محصنين؛ المحصن الأول في باب الزنا وسبق، من هو المحصن هناك هو الذي؟
طلبة: وطئ امرأته ..
الشيخ: وطئ امرأته في نكاح صحيح، وهما بالغان، عاقلان، حُرَّان، إذن هو البالغ العاقل الحر الذي وطئ امرأته في نكاح صحيح، شوف الآن هنا قال: الحر هنا الحر (المحصن هنا: الحر) موافق لهناك؟
طلبة: نعم، موافق.
الشيخ: موافق بارك الله فيكم؛ لأنه يقول: هما بالغانِ، عاقلانِ، حُرَّان، الحرية شرط هنا وهناك طيب (المسلم).
طلبة: هنا شرط.
[ ١ / ٧٥٤٧ ]
الشيخ: نعم، هنا شرط، وهناك ليس بشرط، ولهذا رجم النبي ﷺ اليهوديين (١). طيب إذن اختلفا في هذا (العاقل).
طلبة: شرط.
الشيخ: شرط هنا وهناك، (العفيف).
طالب: هنا لا هناك.
الشيخ: هنا شرط، وهناك ليس بشرط أو لا؟ هناك لو كان من أفجر الناس، بل هو في الواقع ما هو بعفيف؛ لأنه زنا ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: فإنه يكون محصنًا، طيب هذان اثنان المسلم، والثاني؟
طلبة: العفيف.
الشيخ: العفيف، واتفقا في الحرية والعقل، طيب (الملتزِم).
طلبة: هنا وهناك.
الشيخ: إي، هذه في الحقيقة لا داعي لها، يظهر لي -والله أعلم- أنها سهو من المؤلف؛ لأن قيد الإسلام يُغني عن قيد الالتزام؛ لأن الملتزم أعم من المسلم، الملتزم يدخل فيه المسلم والذمي ولَّا لا؟ كما سبق، وهنا خرج الذمي بقوله المسلِم، والظاهر أن هذا من المؤلف وهم؛ ولهذا ما ذكره في الإقناع، ولا في المنتهى، ولا في المقنع اللي هو أصل الكتاب.
طالب: ().
الشيخ: () نعم. طيب يقول: (الذي يُجامِع مثلُه) يختلف عن ذاك ولَّا لا؟
طلبة: ().
الشيخ: لا يختلف؛ لأن هناك (وهما بالغان) فيُشترط هناك البلوغ، وهنا لا يشترط البلوغ، ولهذا قال المؤلف: (ولا يُشترط بلوغه) نشوف الآن هناك يُشترط أن يكون قد جامع زوجته في نكاح صحيح وهنا لا يشترط. إذن هناك شروط تعتبر، لا تعتبر هنا، وهنا شروط تُعتبر لا تعتبر هناك، ولننظر الآن الذي يتفقان فيه؛ الحرية.
طلبة: والعقل.
الشيخ: يتفقان، العقل يتفقان، طيب بس اثنين فقط؟ طيب ينفرد المحصَن هنا في باب القذف باشتراط الإسلام.
طلبة: والعفة.
الشيخ: والعفة نعم.
طلبة: والمجامعة.
الشيخ: لا، هاذاك من باب أولى؛ لأن ذاك يشترط أن يكون بالغًا من باب أولى، طيب لكن وهناك نشوف يتميز هناك بأنه لا بد أن يكون بالغًا، وأن يكون قد جامع في نكاح صحيح، وحر، ومسلم.
طلبة: لا، الإسلام ليس بشرط.
[ ١ / ٧٥٤٨ ]
الشيخ: إذن لا يُشترط الإسلام، وهنا يشترط، صار يمتاز ذاك باثنين، وهذا يمتاز باثنين.
قال المؤلف: (الذي يُجامَع مثلُه) وهو ابن عشر سنين، وبنت تسع سنين، فلو قذف صغيرًا لم يبلُغ عشرًا فإنه لا يُحد، ولو قذف صغيرة لم تبلغ تسعًا لم يتم لها تسع فلا حد؛ لأنه لا يُجامِع مثله، فلا يلحقه العار بذلك، قال المؤلف: (وقذْف غير المحصَن).
طالب: ().
الشيخ: نعم.
طالب: موافق عليه.
الشيخ: متفق عليه نعم.
(وقذف غير المحصن يوجب التعزير) نشوف الآن، لو قذف عبدًا كان القاذف حُرًّا والمقذوف عبدًا.
طالب: يُعزَّر.
الشيخ: يعزر، كذا؟ قذف كافرًا ولو ذميًّا.
طالب: يُعزَّر.
الشيخ: يُعزَّر، قذف شخصًا متهمًا بالزنا.
طلبة: يُعزر.
طلبة آخرون: لا يعزر.
الشيخ: يعزر، لا يقام عليه الحد؛ لأنه ليس بعفيف، قذف صغيرًا لا يُجامِع مثله.
طلبة: يُعزَّر.
الشيخ: يعزر؛ لأنه لم يبلغ الشرط.
طالب: دليل اشتراط الحرية.
الشيخ: طيب دليل اشتراط الحرية، إذا قال قائل: الآية عامة: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾؟
قلنا: لكن الحر لا يسمى محصنًا في عُرف الشرع.
طالب: ().
الشيخ: قصدي العبد؛ يعني العبد لا يُسمَّى مُحصنًا في عرف الشرع، وعلى هذا فيكون خارجًا من القيد، ليس داخلًا فلا يحتاج إلى دليل على إخراجه. طيب المسلم ويش الدليل على اشتراط أن يكون مسلمًا؟
طلبة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النور: ٢٣] ..
الشيخ: لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤] لا ما هذه هي الآية.
طلبة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النور: ٢٣].
[ ١ / ٧٥٤٩ ]
الشيخ: ﴿الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. ومِنْ لعنهم في الدنيا إقامة الحد؛ ولأن النبي ﷺ يقول: «قَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ» (٢).
طيب اشتراط أن يجامِع مِثلُه ويش دليله؟ يقول: لأن مَن لا يُجامِع مثلُه لا يلحقه العار أبدًا، ولا يتصور الناس منه غالبًا الزنا؛ ولأن من كان بهذه السن قليلًا فإنه لا يُدنسه حتى لو ثبت أنه زنا فإنه لا يدنسه.
قال: (وصريح القذف)، القذْف له صريح وكناية، والطلاق له صريح وكناية، والوقف له صريح وكناية، فما هو الصريح من كل لفظ؟ يقولون: إن الصريح من كل لفظ ما لا يحتمل غير معناه الذي وُضِع له، هذا الصريح، هو الذي لا يحتمل غير معناه الذي وُضِع له، الطلاق؟
طلبة: صريح.
الشيخ: صريح، وقَّفْت البيت؛ صريح، فكل لفظ لا يحتمل غير معناه الذي وُضِع له، أو يحتمله مع تبادل غيره فهو صريح، فأما إذا كان يحتمل المعنى هذا وهذا فإنه كناية.
طالب: ().
الشيخ: إذا تبادر غيره فهو صريح؛ لأن فيه مثلًا وقَّفْتُ بيتي، أو وقَّفْت فرسي؛ فيه احتمال أن يكون معنى وقفت؛ أي جعلته واقفًا، ومع ذلك يسمونه صريحًا.
صريحه: (يا زانٍ، يا لوطي) يناديه بهذا الوصف، أو يقول: أنت زانٍ، أنت لوطي، هذا أيضًا صريح، طيب أليست كلمة لوطي يحتمل أن المعنى أنك من قوم لوط؟
طلبة: لا، بعيد.
الشيخ: يحتمل، لكن بعيد.
طالب: لا، ما يحتمل.
الشيخ: ليش؟
طالب: لأن قوم لوط مضوا ..
الشيخ: أهلكهم الله. طيب وقوله: (ونحوه) مثل: يا من جامعتَ جماعًا محرمًا، يا من تطأ النساء بدون عقد، وما أشبه ذلك مما يدل على الزنا صريحًا، أما كنايته فيقول: يا قحبة، إذا قال: يا قحبة، هذه ..
طالب: ().
[ ١ / ٧٥٥٠ ]
الشيخ: لا، هو عندهم كناية، ليش؟ يقول: لأن القحبة تُطلق على المرأة العجوز، وتطلق على الكحَّة السُّعال، يقال: فيك قحبة؛ يعني كحة، ومنه سُمِّيت الزانية قحبة، ليش؟ قالوا: لأن الزانية تكحكح؛ تشير إلى نفسها والعياذ بالله، فهذا سبب تسميتها قحبة، نعم، فإذن قحبة صريح ولَّا كناية؟
طلبة: كناية.
الشيخ: شوف الآن هي عند الفقهاء كناية، لكن عندنا الآن بعرفنا.
طلبة: صريحة ..
الشيخ: صريحة جدًّا.
طلبة: من أصرح ما يكون.
الشيخ: من أصرح ما يكون. طيب يقول: يا قحبة، يا فاجرة، أو يقول للرجل: يا فاجر، أو أنت فاجر، أو ما أشبه ذلك، ما تقولون؟
طلبة: كناية.
الشيخ: كناية، السبب؟
طالب: غير ظاهر.
الشيخ: لأن الفُجر والفُجور أصله الانبعاث، ومنه الفجر، ومنه تفجَّر الماء انبعث؛ فالفجور يُطلق حتى على الكفر ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧]، ويقال: فُجَّار وأبرار، يا خبيثة.
طلبة: كناية.
الشيخ: كناية أيضًا؛ لأن الخبث قد يُراد به الردي أو خبيث الأفعال، فضحتِ زوجكِ؟ هذا كناية؟
طالب: نعم.
طالب آخر: كناية ().
الشيخ: إي نعم، كناية؛ لأن كيف فضحت زوجك؟ أليس يُقال: إن المتبادر من فضحتِ زوجكِ، يعني أبديتِ أسراره عند الناس، ولَّا لا؟
طالب: بلى.
الشيخ: أنا عندي أن هذا هو المتبادر عند الناس، إلا إذا أراد فضحتيه يعني معناها كنتِ بغيًّا، ودنَّستِ عِرضه.
يقول: (فضحتِ زوجك أو نكستِ رأسه) كيف نكست رأسه؟ نعم؛ لأن الزوج -والعياذ بالله- إذا زنت امرأته يخجل، ويبدأ يخزي عن الناس، ولا يحب الناس يشوفونه وينظرون إليه، يقول: خليته ينكس رأسه، ويش الاحتمال لغير الزنا؟ شالته وحطت رأسه جنب الأرض، نكست رأسه.
طيب (جعلتِ له قرونًا) هذه أيضًا كناية، يقول: جعلتِ لزوجكِ قرونًا، إذا نظرنا إلى (جعلتِ له قرونًا) يعني يحتمل المعنى.
طالب: ().
[ ١ / ٧٥٥١ ]
الشيخ: إي، دفرت رأسه أو لا؟ ما هي القرون هي الجدايل؛ يعني جدلتِ رأسه وجعلتِ له قرونًا، لكنهم لا يريدون ذلك، القرون يقولون: إنه مأخوذة من القِرْن؛ يعني الأقران، القِرْن المشارك للإنسان يُسمى قِرْنًا، أو قرونًا أي شُعبًا كأن -والعياذ بالله- اشترك فيها غير الزوج.
طيب قال المؤلف: (ونحوه) ..
طالب: قلنا () المقذوف ()، هل عدم قبول الشهادة ()؟
الشيخ: () الفسق وعدم قبول الشهادة ما يسقط إلا بتوبة.
طالب: شيخ، ربما نقول: شيخ () أربعين، ونزيد عشرة أخرى، لماذا لا نقول: ثلاثة أرباع الأربعين ثلاثين، ورُبع الثمانين عشرون ثلاثون زائد ..
الشيخ: أربعة وأربعون.
الطالب: ربع الثمانين ().
الشيخ: زين، كله واحد، لكن هذه أقرب، نقول: تزيد ما بين الحدين بنسبة حريته.
طالب: إذا كان في بلاد يا شيخ لا تؤيد أن تُقام فيها حدود، كيف يكون ()؟
الشيخ: إذا كان في بلاد لا، إن تمكن من إقامة الحد بنفسه فعل، وإذا كان يترتب عليه مضرة فليترك.
طالب: قذْف الكافر يُوجب التعزير قولًا واحدًا ولَّا فيه خلاف؟
الشيخ: والله ما أدري ما راجعت، هل فيه الخلاف ولَّا لا، لكن قد يقال: إن الذمي يحتفظ بحقه، أما غير الذمي واضح أنه ما له حق، لكن ظاهر أن غير الكافر ما يُسوَّى بالكافر.
طالب: إحنا قلنا: إن حد القذف شرع من أجل صيانة أعراض المسلمين، فإذا ما أقمنا الحد على من قام ()، ثم إن فيه ضررًا على سيده، سيده إذا أراد أن يبيعه بعد قذفه هنا ينقص ثمنه.
الشيخ: صحيح، سينقص الثمن.
طالب: فما رأيكم ()؟
الشيخ: بس ما رأينا إن قال به أحد يحتاج إلى النظر في هذا.
طالب: فيه إجماع يعني.
الشيخ: والله ما رأيت فيه خلافًا.
طالب: لكن إن قلنا: حق لله لا يجوز إسقاطه الحد، وإن كان عبدًا؟
الشيخ: إي، لكن بس إذا كان عبدًا يقولون: إن هذا ليس بمحصن فيُعزَّر، هم يرونه خارجًا عن الإحصان أصلًا.
[ ١ / ٧٥٥٢ ]
طالب: إذا قلنا: إنه حق في الآية () طيب لو سقط الحد ما الحكم في قبول الشهادة والفسق؟
الشيخ: إي هذا الذي سأل عنه غانم.
الطالب: ما الراجح؟
الشيخ: قلنا: إن هذا أنه لا بد من توبة، وإلا ما تُقبل شهادته، ولا يزول عنه وصف الفسق.
طالب: إذا تاب تُقبل يا شيخ.
الشيخ: إذا تاب تُقبل توبته، وتُقبل شهادته، ويزول عنه وصف الفسْق.
الطالب: القذْف بالتعريض؟
الشيخ: القذْف بالتعريض فيه خلاف؛ والصحيح أن فيه الحد؛ لأن القذف بالتعريض أشد، مثل يقول: أنا الحمد لله ما أنا بأتبع النساء، يعني ما زنيت، وأنا ما تلوطت والعياذ بالله، وما أشبه ذلك.
طالب: أو ينظر للقرينة يا شيخ.
الشيخ: نعم.
طالب: أو تكون قرينة.
الشيخ: هو الغالب أنه ما يأتي التعريض إلا بالقرينة ومسابة ومشاتمة، أما يجينا بس يجي على طول يقول: أنا ما زنيت، ما يكون هذا.
طالب: ().
الشيخ: لا، قلنا: إن هذا وهم؛ لأن اشتراط الإسلام يُغني عن الالتزام.
طالب: ().
الشيخ: أنت إذا قلت: أنا ملتزم ويش يدخل به؟
طالب: ().
الشيخ: يخرج بقوله: (المسلم).
طالب: نعم، () تناقض هذا.
الشيخ: () تناقض، ولهذا قلنا: إن عبارة المؤلف سهو منه، ما يستقيم الكلام.
طالب: ()؟
الشيخ: نعم، يقول: لأن هو الذي يتأثر بذلك، والله ﷾ أوجبه علينا حمايةً لعِرض هذا الرجل، فإذا أسقطه فهو حقه.
طالب: ممكن يكون حق لله ()، السبب في ذلك؟
الشيخ: لا، ولهذا في باب اللعان يمكن أن يسقط الرجل حد القذف عليه بالملاعنة.
طالب: هذا فيه ().
الشيخ: هذا مما يدل على ذلك؛ مما يدل على أنه حق للمقذوف.
طالب: () أنت زانٍ، أو يعني يا زاني، لو واحد () وقال: هو زانٍ أو هو فاجر ..
الشيخ: أو فلان مثلًا.
الطالب: أو فلان.
الشيخ: نفس الشيء.
طالب: نفس الشيء.
الشيخ: إي نعم.
طالب: شيخ ().
[ ١ / ٧٥٥٣ ]
الشيخ: لا، لا صريح ولا كناية، هذا ما هو برمي بالزنا، هذا رمي بأنه يجر والعياذ بالله إلى الزناة؛ يعني يجيب النساء للرجال يزنون بهن.
طالب: ().
الشيخ: الجواب على ذلك أنه يقولون: عندنا نص، وهؤلاء ليس فعلهم إجماعًا، فقد عارضهم غيرهم، فقد روي عن ابن مسعود رضي وعمر بن عبد العزيز، وأبي بكر محمد بن عمرو بن حزم.
طالب: هل لهم سُنَّة متبعة في هذا ()؟
الشيخ: لهم سُنَّة ما لم يخالفوا نصًّا؛ لأن المسألة هذه اجتهادية، ما دام فيه نص الآن واختلفوا فيه، ولا شك أن قولهم أرجح من غيرهم، لكن المشكلة العموم.
طالب: ().
الشيخ: العفة؛ لأن غير العفيف ليس بمحصن.
طالب: ().
الشيخ: ما يُحد إلا إذا علمنا أنه تاب فهو يُحدُّ.
طالب: ().
الشيخ: ما لم يقذفه بالزنا السابق، إن قذفه بالزنا السابق فإنه يُعزَّر ().
المحصن غير العفيف ما يُسمَّى محصنًا أصلًا، هذا هو الإحصان؛ ولهذا قال الله: الغافلات ﴿الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ﴾ اللي هن بريئات مما رمين به، وبعيدات عن هذا الشيء، وأما العقل فظاهر أنه شرط؛ لأن المجنون قد يقع منه هذا الشيء، ولا يرى الناس ذلك عيبًا؛ لأنه مجنون.
طالب: () في الحرمة.
الشيخ: لا شك أن عرضه حرام، لكن الإحصان الذي اشترطه الله ﷾ للحد به لا ينطبق على العبد، إنما يكون على الحر فقط، وقد ورد حديث، لكن الله أعلم بصحته، والظاهر أنه ضعيف أن الإنسانَ إذا قذَفَ عبدَهُ فإنه يُقام عليه الحدُّ يوم القيامة (٣). ما أعرف عن صحته.
طلبة: ().
الشيخ: إي، إذن انتهى الموضوع؛ يعني معناه أنه لا يُحدُّ في الدنيا.
طالب: هذا، بس في المملوك.
الشيخ: لا فرق، ما دُمنا قلنا في العِرْض فإنه لا فرْق.
طالب: قلنا يا شيخ: يعني إن كان حُرًّا أو عبدًا يُجلد ثمانين جلدة بعموم الآية.
[ ١ / ٧٥٥٤ ]
الشيخ: قلت لك: إنه لا يكون محصنًا حتى يكون حُرًّا، فما دام الإحصان في الشرع يُشترط فيه قيد الحرية فلا بد أن نقول: ينتفي الحد عنه إذا كان رقيقًا، لا تُبلبلوا أفكاركم ما دام هذا الشيء معروفًا في اللغة العربية؛ أن المحصن إنما يُطلق على الأحرار فقط، فقد انتهى الموضوع، انتهى الإشكال، والله ﷾ إنما أوجب الحد على من قذف المحصن: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤] بخلاف الأرقة، والإنسان الذي يأخذ بالعموم، ولا يرجع إلى مدلول اللفظ في اللغة العربية خطأ، صحيح أن المحصنات عامة في معناها، وإذا كان معناها لا يُطلق إلا على الأحرار من لم يدخل الأرقة أصلًا فيها حتى نقول: إنهم خرجوا، ومن أخرجهم فعليه الدليل، أصلًا لم يدخل الرقيق في معنى المحصن.
انتبهوا لهذه القاعدة؛ إذا كان هذا الشيء لا يدخل في اللفظ أصلًا فإنه لا يطالِب من أخرجه بدليل، فما دام في اللغة العربية أن المحصن هو الحر فإنه أيش؟
طلبة: ().
الشيخ: إذا قلنا: إن من قذف رقيقًا فعليه التعزير لا نقول له: أعطنا الدليل، أخرِجْه من العموم؛ لأنه يقول: إنه لم يدخل في الأصل حتى نقول لمن أخرجه: عليك الدليل.
طالب: ما هو دليل الحر أنه المحصن؟
الشيخ: هذا معناه في اللغة العربية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، ما المراد بالمحصنات؟
طالب: الحرائر.
الشيخ: الحرائر، فإذن المحصَن عند الإطلاق هو الحر.
طالب: كيف ()؟
الشيخ: نقول: أصلًا ما دخل، أصلًا الرقيق ما دخل في الإحصان.
طالب: الحديث اللي في البخاري.
[ ١ / ٧٥٥٥ ]
الشيخ: ويكون هذا الحديث فردًا من أفراد الأرقَّاء الذين لا يُجلد الإنسان بهم، والرجل إذا قذف مملوكه يُقام عليه الحد يوم القيامة، وإذا قذف مملوك غيره فإنه يُعزَّر؛ لأنه يسقط بذلك قيمته ورغبته في أعين الناس فيُعزَّر لتفويت هذا المعنى على سيده.
إذن أيها الإخوة، انتهبوا على أن الإنسان إذا قذف غير الحر فلا حد عليه، وإنما عليه التعزير فقط، لماذا؟ لأنه ليس داخلًا في المحصن أصلًا، ولا نطالب بالدليل لعدم دخوله، وإنما يُطالَب بالدليل من أخرج شيئًا ثبت دخوله في العموم، وأما ما لم يثبت دخوله في العموم فإنه من الأصل لم يدخل، فلا يحتاج إلى دليل في إخراجه.
طالب: لكن لو كانا مستويين.
الشيخ: كيف مستويين؟
الطالب: يعني كأن عبدًا قذف عبدًا.
الشيخ: نعم، فليس عليه إلا التعزير فقط، الكلام إذا كان المقذوف عبدًا فإنه لا حدَّ في قذفه؛ لأنه ليس بِمُحصن، أما إذا كان القاذف عبدًا فقد سبق أن أهل العلم اختلفوا فيه، وأن جمهور أهل العلم على أنه لا يُحدُّ ثمانين، وإنما يُحد أربعين، وأن بعض أهل العلم قال: إنه يُحدُّ ثمانين؛ لعموم الآية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن فسَّره بغير القذْف قُبِل) (إن فسَّره) الضمير يعود على الكناية (بغير القذف قُبِل)، وظاهر كلام المؤلف أنه يُقبل بدون يمين؛ لأنه لو نكل لم يُقضَ عليه بالنكول، فإذا قال: أنا ما أردت الزنا، وإنما أردت بالقحبة العجوز أو كثيرة الكحة، أو قال: أردت بالخبيثة؛ أي: خبيثة العمل أو الرديئة، أو ما أشبه ذلك، أو أردت بفضحتِ زوجكِ؛ أي أبحتِ سِرَّه أو بُحتِ بِسرِّه، أو نكستِ رأسه؛ يعني نكسًا حسيًّا فجعلتيه إلى أسفل، أو جعلتِ له قرونًا؛ أي جعلتِ له قرونًا من الشعر أو نحو ذلك من الأقران؛ ففي هذه الحال يُقبل، وإذا قُبل فإنه لا يُقام عليه حد القذف، ولكن يعزر لإساءته إلى المخاطَب؛ فهذه إساءة -بلا شك- واعتداء، ولكنه ليس قذْفًا صريحًا ولا كناية منوية، فيعزَّر.
[ ١ / ٧٥٥٦ ]
ثم قال المؤلف: (وإن قذف أهل بلد، أو جماعة لا يتصور منهم الزنا عادة عزر) رجل وقف على باب القرية، وقال: كلكم يا أهل هذا البلد زناة، يحد؟ نشوف هل إن هذا عار عليه أو عار عليهم؟
طالب: عار عليه.
الشيخ: الغالب عار عليه هو؛ لأن الناس لا يتصور أن يتهموا أهل القرية بما رماهم به؛ فهو لم يدنس أعراضهم، ولا يهتمون بذلك، بل إنه لو فعل هذا لعدُّوه مجنونًا، وقالوا: أمسكوه إلى مرستان، وكذلك لو قذف جماعة لا يتصور الزنا منهم عادةً، وهنا قيدها المؤلف قال: (لا يتصور الزنا منهم عادة)، مثل لو قذف له مئة رجل، قال: أنتم أيها الجمع، كلكم زُناة هذا لا يلحقهم العار، فلا يُحدُّ للقذف، ولكن يُعزَّر، أما إذا كان يتصور منهم الزنا أو اللِّواط عادة فإنه يُحدُّ حد القذف؛ لأن الغضاضة تلحق بهم. طيب ما رأيكم لو كان أهل البلد قليلين، أهل البلد ثلاثة رجال وزوجاتهم فقط؛ لأنهم رحلوا عنها وقذفهم، يحد؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لماذا؟
طلبة: يتصور منهم.
الشيخ: إذن هذا يتصور، فمراد الفقهاء -﵏- بذلك مراد أهل البلد الذين هم كثرة، لا يلحقهم العار بقذفهم.
ثم يقول المؤلف ﵀: (ويسقط حد القذف بالعفو، ولا يستوفى بدون الطلب)، لماذا؟ لأنه حق للمقذوف، وإذا كان حقًّا للمقذوف فلم يُطالِب به؛ لم يُحدَّ القاذف، وهل يُعزَّر؟ ظاهر كلامهم: ولا يُعزَّر؛ لأنه حق للمقذوف، والمقذوف ما طالب، لكن إن رأى ولي الأمر باعتبار إصلاح المجتمع على سبيل العموم، وعدم إلقاء مثل هذه العبارات عندهم إن رأى أن يُعزِّره فعل.
[ ١ / ٧٥٥٧ ]
وقوله: يسقط بالعفو؛ ظاهر كلامه ولو كان بعد رفعه إلى الإمام أو الحاكم؛ لأنه حق للمقذوف؛ حق محض، يُقام بأمر الله لاستيفاء حق المقذوف؛ بخلاف السرقة، فإن الرجل لو سُرِق ماله فإن له ألا يطالِب السارق، والإمام لا يتعرض للسارق ما دام المسروق منه لم يطالبه، ولكن إذا رفع الأمر إلى ولي الأمر فإنه لا يملِك إسقاطه، والفرق بينهما ظاهر؛ لأن السرقة فيها شائبتان؛ فيها شائبة حق الآدمي، وهو ضمان المال، وشائبة قطْع اليد؛ وهو حق لله ﷿؛ فلهذا صار بين بين إن رُفع إلى القاضي لم يملك المسروق منه إسقاطه، وإن لم يُرفع فله ألا يطالب.
قال: (ولا يستوفى بدون الطلب).
[باب حد المسكر]
ثم قال المؤلف: (باب حد المسكر) (حد) هل المراد تعريف المسكر ولَّا عقوبة المسكر؟
طلبة: العقوبة.
الشيخ: العقوبة، وعُلِم من كلام المؤلف أن عقوبة السكران حد، لا يُتجاوز، ولا يُنقص؛ لأن جميع الحدود التي رتبها الشارع على الجرائم لا تُزاد ولا تُنقص، وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم؛ فمنهم من يرى أن عقوبة شارب المسكِر من باب التعزير الذي لا يُنقَص عن أربعين جلدة؛ لأن هذا أقل ما رُوِي فيه، ولكن للحاكم أن يزيد عليه إذا رأى المصلحة في ذلك، وهؤلاء استدلوا بأن الله ﷾ لم يذكر حدَّهُ في القرآن، والنبي ﷺ لم يذكر حدَّهُ في السنة، بل قال: «إِذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ» (٤) ولم يُبيِّن؛ ولأن هذان دليلان.
والثالث: أن الصحابة ﵃ كانوا إذا أُتي بالشارب قاموا إليه يضربونه بالجريد، والنعال، وطرف الرداء، والأيدي (٥)، وما أشبه ذلك، ولو كان هذا حدًّا لا يتجاوز لوجب ضبطه، وألا يكون كل من جاء ضرب.
[ ١ / ٧٥٥٨ ]
رابعًا: أن الصحابة ﵃ لما تشاوروا في عهد عمر حين كثر الناس، أو حين أكثر الناس من شربه قال عبد الرحمن بن عوف: أَخَفَّ الحدودِ ثمانين (٦). فوافق على ذلك الصحابة، ووجه الدلالة من هذا الحديث أنه قال: أَخَفَّ الحدود ثمانين. ونحن نعلم أن الرسول ﷺ ضُرب الشارب في عهده نحو أربعين، وفي عهد أبي بكر أربعين (٧)، ولو كان حدًّا لكان أخف الحدود أربعين.
أيضًا قالوا: أخف الحدود ثمانون أو ثمانين، وهذا يدل على أنه يجوز أن نتجاوز ما كان الشارب يُجلد إياه في عهد النبي ﷺ، ولو كان حدًّا ما جازت مجاوزته، ولا استشار عمر الصحابة في الزيادة مع أنه كان ﵁ معروفًا بالوقوف عند حدود الله ﷾، واستدلوا أيضًا بدليل خامس؛ وهو ما صح الحديث به عن عبد الله بن عمرو بن العاص: «إِذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ»، وذكر ذلك ثلاثًا، ثم قال: «فَإِنْ شَرِبَ الرَّابِعَةَ فَاقْتُلُوهُ» (٨). وهذا دليل على أنه عقوبة تتدرج حتى تصل إلى القتل، ولو كان حدًّا محدودًا لكان الحد فيه لا يتغير، وهذا هو الراجح عندي، وهو أنه تعزير، لكن لا يُنقص عن أقل تقدير وردت به السنة، وأما الزيادة فلا حرج في الزيادة إذا رأى الحاكم المصلحة في ذلك.
[ ١ / ٧٥٥٩ ]
وقول المؤلف: (الْمُسكر) اسم فاعل من أَسْكَر، وما معنى أسكر؟ قال أهل العلم: أي غطَّى العقل على سبيل اللذة والطرب، وتغطية العقل لها وجوه متعددة، فإذا كان على وجه اللذة والطرب والنشوة والارتقاء والتعالي؛ فذلك هو السَّكَر؛ فالْمُسكر هو الذي إذا تناوله الإنسان غطَّى عقله على سبيل اللذة والطرب؛ وهو حرام، المسكر حرام كما قال المؤلف ﵀: (كل شراب أسكر كثيره فقليله حرام) هذه قاعدة مأخوذة من الحديث، قال النبي ﵊: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» (٩). وقال: «مَا أَسْكَرَ مِنْهُ الْفَرَقُ، فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ» (١٠).
الفَرَق: إناء يسع ستة عشر رطلًا، فملء الكف منه حرام؛ وعلى هذا فكلام المؤلف هنا قاعدة مأخوذة من الحديث (كل شراب أسكر)، هذه مبتدأ خبره الجملة المقرونة بالفاء (فقليله حرام)، وقُرِن الخبر بالفاء؛ لأن المبتدأ يُشبه الشرط في العموم، وجه العموم الذي فيه (كل شراب).
وقول المؤلف: (كل شراب) هذا على سبيل الأغلبية أن يكون الخمر مشروبًا، وإلا فقد يكون مأكولًا يُعجن ويُؤكل، وقد يكون معجونًا من جهة أخرى؛ بحيث يُبَلُّ به العجين، ويُؤكل؛ يعني يُعجن العجين بماء من الخمر، فيأخذه الإنسان لُقيمات فيحصل السَّكَر؛ ولهذا الأحسن أن نقول: كل ما أسكر كثيره، كما جاء في الحديث ما أسكر سواء كان شرابًا أم معجونًا أو مطحونًا، فكل ما أسكر فإنه حرام، طيب وإذا أسكر كثيره وقليله لا يُسكر؟
طلبة: كذلك حرام.
الشيخ: حرام، الكثير ظاهر أنه حرام؛ لأنه مسكر، والقليل؟ حرام للحديث؛ ولأنه وسيلة إلى شرب الكثير المسكر، ذريعة ما وسيلة ذريعة إلى شُرب الحرام، أو شرب الكثير المسكر؛ فلهذا منع الشرع منه، قال: وهو حرام، وهو الضمير يعود على المسكر، حرام كيف؟
طالب: ().
[ ١ / ٧٥٦٠ ]
الشيخ: إي نعم، صح، (وهو خمر من أي شيء كان) (وهو) أي المسكر خمر؛ لقول النبي ﷺ: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» (١١). فهو خمر من أي شيء كان، وما وجه تسميته خمرًا؟ بَيَّن وجه التسمية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ فقال: «الْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ» (١٢) أي غطَّاه، ومنه سُمِّي خِمار المرأة؛ لأنه يُغطي رأسها، وعلى هذا فنقول: كل ما غطى العقل على سبيل اللذة والطرب فهو خمر من أي نوع كان، وإنما قال: (من أي نوع كان) ردًّا على من قال: إن الخمر لا يكون إلا من العنب، فإن هذا القول ضعيف جدًّا، ومردود على قائله؛ لأن أفصح من نطق بالضاد محمدًا ﷺ قال: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» (١١). ولا قال: من العنب.
فكل مُسكِر من العنب، أو الرطب، أو الشعير، أو الذرة، أو البر، أو أي شيء كان فإنه خمر، وداخل في التحريم، وهو مُحرَّم بالكتاب والسنة، وإجماع المسلمين، ما دليله بالكتاب؟ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] واضح؟ ما وجه الدلالة من الآية؟
قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾، والأصل في الأمر الوجوب؛ ولأنه أضافه إلى الشيطان، فقال: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ وما كان من عمل الشيطان فإنه حرام؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور: ٢١]؛ ولأن فيه إثمًا زائدًا على منفعته، والإثم مُحرَّم؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٣٣]، فصارت الأدلة على تحريمها من القرآن ثلاثة، اللي ذكرناها الآن ثلاثة، كلها تدل على تحريمه.
[ ١ / ٧٥٦١ ]
وأما من السنة فالسنة فيه صريحة بأنه حرام في عدة أحاديث عن النبي ﷺ، وأن بيعه حرام أيضًا كما في حديث جابر أن النبي ﷺ خطب في مكة عام الفتح وقال: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ» (١٣). وقال لصاحب الراوية: «إِنَّ اللَّهَ إِذَا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَهُ» (١٤). فما هي الحكمة من تحريمه؟ الحكمة من تحريمه كثيرة:
منها: قوله تعالى: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾، وكل ذي فطرة سليمة فإنه لا يقبل الرجس من عمل الشيطان، ومنها أنه يوقع العداوة والبغضاء بين الناس؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [المائدة: ٩١].
ومنها: أنه يصد عن ذكر الله وعن الصلاة؛ لأن السكران -والعياذ بالله- إذا سكر غفل، وبقي مدة لا يذكر الله، ولا يصلي إذا جاء وقت الصلاة؛ لأنه منهي عنها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣].
ومنها: أنه جماع الإثم؛ أي جامع للإثم كله ومفتاح كل شر، وهذا أيضًا ظاهر؛ لأن الإنسان إذا سكر -والعياذ بالله- فَقَدَ وَعْيه؛ فقد يقتل نفسه، وقد يقتل ابنه، وقد يقتل أُمَّه، وقد يزني ببنته، والعياذ بالله، وكم من قضايا نسمع عنها أن الرجل إذا سكر قرع بابه، وطلب من زوجته أن تُمكِّنه من ابنته، وهذا شيء واقع، يدخل -والعياذ بالله- سكران، ويقول: أين البنت؟ ويش تبغي بها؟ قال: أبغي أفعل بها والعياذ بالله حتى تفر بها، وتغلق عليها الحجرة لئلا يدخل عليها.
[ ١ / ٧٥٦٢ ]
وقد نُشر في إحدى الصحف في البلاد التي ظهر فيها أخيرًا غضب الله ونقمته أن شابًّا دخل على أمه في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، وقال لها: إنه يريد أن يفعل بها، فنهته ووبخته فذهب وأتى بالسكين، وقال: إن لم تمكنيني فأنا أقتل نفسي فأدركها حنان الأم ورحمتها، فمكَّنته من نفسها والعياذ بالله، فزنا بأمه، فلما كان في الصباح كأنه أحس بأنه فعل هذه الجريمة العظيمة، فدخل الحمام ومعه صفيحة من الجاز أو البنزين فصبها على نفسه، ثم أحرق بنفسه والعياذ بالله، ونشرت الصحيفة صورة هذا الرجل وصورة أمه، ماذا فعل هذا الرجل؟ زنا بأمه والعياذ بالله، وقتل نفسَه.
ومن تأمَّل ما حصل من الشرور والمفاسد في شُرْب الخمر عرف بذلك حكمة الله ﷿ ورحمته بعباده؛ حيث حرم ذلك عليهم، إذن الحكمة تقتضي تحريمه ولَّا لا؟ تقتضي تحريمه، والإنسان العاقل يبعد عنه بعقله دون أن يعرف شرع الله فيه.
يقول: (ولا يُباح شربه للذة) معلوم، لو قال الإنسان اللي بيشرب الخمر لأجل يتلذذ به، يقول عن نفسه: أنا تعبان، أنا أرهقتني الهموم والغموم، يبغي يشرب هذا الكأس من الخمر حتى يرتاح ويتلذذ، ويرى نفسه أنه ليس أمامه هم، ولا غم، ولا دُنيا، ولا أهل، ولا ولد، وإنما هو ملك من ملوك الدنيا، يتصور هذا، هل يجوز أن يشربه لهذا الغرض؟
طالب: لا.
الشيخ: كيف لا؟ يقول: ارحموني يا جماعة، أنا تعبان، أنا مال من حياتي، ولا يطيب لي الزمان حتى أشرب كأسًا من معي.
طالب: ().
الشيخ: نعم، نقول: لا، نرحمك بمنعك؛ لأنك إذا فعلت هذا فإنه يحصل لك النشوة والطرب والذهول والنسيان في لحظات، ولكن يعقبها هم وغم أكثر من الأول مثل المسكن للوجع، إذا تناولته سكن الوجع، لكن إذا ذهب مفعوله عاد أكثر.
[ ١ / ٧٥٦٣ ]
طيب (ولا يُباح لتداوٍ) معلوم لا يباح للتداوي؛ لأننا نعلم علم اليقين أنه لا دواء فيه، وإنما هو كما قال النبي ﵊: «إِنَّهَا دَاءٌ وَلَيْسَتْ بِدَوَاءٍ» (١٥). ولو كانت دواء ما حرمها الله على عباده؛ فإن الله لا يحرم على عباده ما كان نافعًا لهم بغذاء ولا دواء؛ إذن فلا يُباح شربه للتداوي.
طيب (ولا لعطش) ما يباح شربه للعطش؛ رجل هالك من العطش إلى آخر رمق، وعنده كأس من الخمر، فقال: إنه يريد أن يشربها من العطش، يجوز؟
طلبة: لا، يزيد العطش.
الشيخ: إي نعم، ما يجوز؛ لأنهم يقولون: إنه يزيد العطش؛ فلا يروي غليلًا، ولا يشفي عليلًا، بل يزيد؛ إذن لا يباح للعطش.
(ولا لغيره) لغير ذلك كالمفاخرة والاختبار، وما أشبه ذلك إلا في حالة واحدة قد تكون نادرة، لكن قد تقع (إلا لدفع لقمة غَصَّ بها ولم يحضره غيره) مسألة غريبة يعني شوف العلماء ﵏ كيف يعني تذهب أفكارهم إلى هذا الأمر البعيد؟ نعم، مثلما يذهب بعض الشعراء إلى أمر بعيد وخيال بعيد كقول الشاعر:
بَلِيتُ بِلَى الْأَطْلَالِ إِنْ لَمْ أَقِفْ بِهَا
وُقُوفَ شَحِيحٍ ضَاعَ فِي التُّرْبِ خَاتَمُهُ
ويش تقولون في ها التمثيل هذا؟ طيب يقول الرجل:
(بَلِيتُ بِلَى الأطْلال)؛ أطلال مُحبِّه، هو يحب امرأة، وأطلالها ما تخلف من بيوتها ودارها.
(إِنْ لَمْ أَقِفْ بِهَا)؛ أي بهذه الأطلال. (وُقُوفَ شَحِيحٍ) الشحيح البخيل بالمال، الممسك له، الحريص عليه. ضَاعَ في التراب خاتمه؛ خاتم الشحيح غالٍ عليه ولَّا لا؟
طلبة: غالٍ.
الشيخ: غالٍ جدًّا، وضاع بالتراب بيكاد يبحث في هذا التراب أبد الآبدين.
طلبة: ينخله.
الشيخ: كيف؟
طلبة: يعني ينخل التراب.
الشيخ: ينخله وينخله مرة ثانية وثالثة، يقول: لعل نجده، فنقول: هذه المسألة أو الصورة التي ذكرها الفقهاء ﵏ مما يدل على أنهم يتعمقون في تصوير المسائل حتى النادرة.
[ ١ / ٧٥٦٤ ]
في بلاد الإسلام من يتصور أن رجلًا يأكل ويكبر اللقمة، ثم بعد ذلك يغص، ثم بعد ذلك ما يُوجد عنده إلا كأس خمر في بلاد الإسلام، هذا شيء بعيد، لكن قد يكون في هذه الحال إذا غص وعجز لا تطلع اللقمة ولا تنزل، وعنده كأس خمر يشربه ولَّا لا؟ لكن يشرب ما تندفع به اللقمة فقط بقدر الضرورة، فإذا اندفعت أمسك، لماذا جازت هذه الصورة مع أن الخمر حرام؟ لأن اندفاع الضرورة بالمحرم هنا حاصل، الضرورة هنا تندفع بما إذا شرب الخمر هنا لدفع اللقمة قطعًا تندفع، لكن الضرورة في العطش تندفع بشرب الخمر؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، في التداوي؟ لا، طيب ما رأيكم في بعض الأدوية والعقاقير الآن يُوجد فيها نسبة من الكحول تُعطى المرضى في بعض الأحيان عند الضرورة، ما رأيكم في هذا؟
نقول: رأينا في هذا أن هذه لا تُسكر، ولكنها يحصل فيها شيء من التخدير، وتخفيف الآلام على المريض، أما أن يسكر سكر شارب الخمر فلا، فهي تشبه البنج الذي يحصل بيه تعطيل الإحساس بدون أن يشعر المريض باللذة والطرب، ومعلوم أن الحكم المعلَّق بعلة إذا تخلفت العلة تخلف الحكم، فما دام الحكم معلقًا بالإسكار، وهنا لا إسكار؛ فلا تحريم، والله أعلم.
طالب: يا شيخ، طيب قول الرسول ﷺ: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» (٩). هذا يسكر كثيره لو ما أسكر قليله يعني هذا الدواء ().
[ ١ / ٧٥٦٥ ]
الشيخ: لا، يجب أن نعرف الفرق بين أن نقول: ما أسكر كثيره فقليله حرام، وبين أن نقول: ما كان مسكرًا وخُلِط بغيره فهو حرام؛ لأن ما أسكر كثيره معناه أن هذا الشراب بعينه إن أكثرت منه سكرت، وإن أقللت لم تسكر، فيكون القليل حرامًا؛ لأنه ذريعة، وأما خلط الخمر بغيره على وجه لا يظهر فيه أثره فإن هذا لا يؤثر؛ فهو كما لو وقعت نجاسة بماء فلم تُغيِّره، ففي هذه الحال لا يكون الماء نجسًا. قلنا: إذا عجن عجينًا بخمر فإنه يكون حرامًا، وهذا بشرط أن يُسكر، ومعلوم أنك إذا عجنت العجين بخمر؛ فإنه سوف يُؤثِّر عليه بلا شك.
طالب: إذا ما أثر؟
الشيخ: أما إذا لم يؤثر، مثلًا فيه خلط يسير جدًّا يتضاءل ويذهب أثره فلا عبرة به.
طالب: شيخ، ذكرنا أن حد القذف بأنه حق للمقذوف، ذكرنا ما يتفرع عليه يعني من خلاف، لكن ما ذكرنا وجه الترجيح يعني من النص.
الشيخ: والله اللي يظهر لي أنه جامع بين الحقين؛ فهو حق لله من جهة تنفيذه، وحق للآدمي من جهة المطالبة به، فإذا لم يطالِب به ما نقول: تعالَ طالِب حتى نقيم عليك الحد؛ حتى إن شيخ الإسلام ﵀ ذكر إجماع العلماء على أنه لا يستوفى بدون الطلب، لكنه ذكر ذلك وغيره قال: إن الطلب وعدم الطلب مبني على أنه هل هو حق للآدمي، أو حق لله؟ فإن قلنا: لله فإنه يُستوفى بدون الطلب.
طالب: الذين استدلوا بحق الآدمي، كيف هو وجه استدلالهم، ما هو وجه استدلالهم من النص؟
الشيخ: يقول: لأن هذا اعتداء عليه، فكما أنك لو ضربت هذا الرجل، ولم يطالِب بحقه، أو أخذت ماله ولم يطالب بحقه، فكذلك إذا أهنت عرضه ولم يطالِب بحقه؛ فهو له.
طالب: شيخ، طيب ما حكم الحشيش، نوع ما ..؟
الشيخ: الحشيش يقول شيخ الإسلام: إنها أخبث من الخمر، وهو كذلك؛ فإن الحشيشة تُسكر، وهي شر منه؛ لأنها تؤثر على المخ أكثر مما يؤثر الخمر، فمثل ذلك أيضًا فيما يظهر في حبوب أظن مخدرة أو ..
طالب: إي نعم.
[ ١ / ٧٥٦٦ ]
الشيخ: هذه بعد مضرتها عظيمة؛ وهي أشد من مضرة الخمر.
طالب: الذي يغص في الأكل، ولم يجد إلا خمرًا، هل يجب أم يجوز الشرب؟
الشيخ: ما تقولون؟
طلبة: يجب.
الشيخ: يجب.
طالب: يعني لو تركه يأثم؟
الشيخ: إي نعم، لو تركه فمات لكان آثمًا، وهكذا أكل الميتة للمضطر من الجوع يجب عليه أن يأكل؛ لأن الله أباح، وإذا كان الآن مباحًا فإن دفاعك عن نفسك واجب.
طالب: شيخ، المروجين لها يعني خاصة المخدرات، حدهم أيش؟
الشيخ: التعزير، والذي أرى أنه إذا ثبت أن هذا مُروِّج ولم يندفع الناس عن هذا الأمر، ويكفوا إلا بالقتل؛ فليُقْتل.
طالب: أقول: لماذا يفرقون بين المجلس والمجالس في () الزنا فيما سبق ()، يعني يقولون: إنه لا فرق بإقراره؛ المقر بالزنا، ليكن في مجلس أو مجالس () لا بد أن يكونوا في مجلس واحد.
الشيخ: نعم، ذكرنا وجه التفريق.
طالب: ما ذكرناه.
الشيخ: كيف؟
طالب: ذكرناه.
الشيخ: ذكرناه.
طالب: ().
الشيخ: قلنا: إن الشهداء إذا جاؤوا متفرقين فإنه يمكن التواطؤ بينهم، وأن كل إنسان يُدلي بشهادته يذهب إلى الآخرين ويقول: ترى شهادتي كذا وكذا وكذا، وأما الرجل فغير متهم في نفسه؛ المقِر يعني.
طالب: نحن ذكرنا يعني في أول الدرس ..
الشيخ: تناولت منه كثيرًا حصل السكر، وإن تناولت قليلًا لم يحصل؛ فهو حرام، خمر.
الطالب: كذلك () بعض الناس يسكر إذا شرب من الخميرة.
الشيخ: ما يخالف، إذا ثبت ذلك فهي حرام، لكن في جزء يسير ما يؤثر.
الطالب: كيف يفرق الإنسان المسلم بين الجزء ()؟
الشيخ: هذا يُعرف بكثرة النسبة وقوة المنسوب؛ لأن الخمر -أو بعبارة أصح- الكحول تختلف في قوتها، وهذا معروف عندهم الماثيلي والعثيلي، وما أشبه ذلك، ما أعرف أنا بالضبط، لكن معروفة عند أهل الخبرة بذلك.
[ ١ / ٧٥٦٧ ]
طالب: () الأدوية يعني مثلًا في أدوية يا شيخ تخدر كالمخدرات مثلًا، أدوية يصفونها المستشفيات، فهل نقول مثلًا إذا استخدمها بقصد الدواء حسب تعليمات الطبيب، نقول له: جائز وحلال، وإذا استخدمها بس للذة ..
الشيخ: والله هو ما يستخدمها للذة، هي ما فيها لذة، يستخدمونها للراحة ونسيان الهموم، المسكِر يجد الإنسان نشوة وطربًا وخفة، لكن هذه بالعكس، هذه يستخدمونها -والعياذ بالله- لأنها تؤثر على المخ استرخاءً فينسى الإنسان ما حصل، ويسرع أيضًا -والعياذ بالله- إليه الجنون، يسرع إليه الجنون بسرعة، وبعضهم ما يتحمل يعني ما يأخذ شهرًا أو أقل له صار في عداد المجانين.
طالب: شيخ، حكم بيعها ()؟
الشيخ: أيهم؟
طالب: الخمر.
الشيخ: ما يحل، حرام.
طالب: حتى لو كان المسلمون مضطرين لهذا المصدر ()؟
الشيخ: أبدًا، ما هو، الله أكبر، يخلو لهم العصير المباح، ويرزقهم الله.
طالب: ()؟
الشيخ: لا، ما يجب أبدًا.
طالب: شيخ، أنت ذكرت أنه () المروج يُقتل، () هل المروج ولَّا الشارب ..؟
الشيخ: إذا لم يندفع إلا بالقتل، إذا كان الناس ما هم منتهين إلا بالقتل؛ يعني مثلًا ضربنا عليهم حبْسًا لمدة طويلة، ولكن ما نفع، ضربنا عليهم غرامة مالية ما نفع، والقتل لو قُتل رجل واحد لكان أردع للناس مما لو حُبس عشرة لمدة عشرين سنة.
طالب: قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، ما هي المنافع يعني في الخمر؟
الشيخ: المنافع للناس، ذكر أهل العلم أن فيها منافع للبدن مثل إذهاب الهموم بعض الشيء، وكذلك المنافع المالية بالاتجار بها، والمنافع العملية بتسويقها وتحسينها وما إلى ذلك، يعني المنافع مادية.
طالب: شيخ، في نسبة من الكحول () نجس ().
الشيخ: لا، الخمر ما هو بنجس، حتى الكحول ما هي بنجسة، وقد مر علينا هذا من قبل، نعم ().
[ ١ / ٧٥٦٨ ]
(وإذا شربه المسلم مختارًا عالِمًا أن كثيره يسكر فعليه الحد) (إذا شربه مسلم) خرج به من ليس بمسلم حتى وإن كان ملتزمًا كالذمي فإنه لا يُحدُّ، إنما إذا شربه المسلم؛ لأن المسلم هو الذي يعتقد تحريمه، أما غير المسلم فإنهم لا يعتقدون تحريمه؛ ولهذا لا يُقام عليهم الحد إذا شربوا الخمر، لكنهم يُمنعون من إظهاره في بلاد المسلمين.
الشرط الثاني: (مختارًا)، فإن كان مكرهًا فإنه لا حد عليه؛ لقوله تعالى في الكفر وهو أعظم الذنوب: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦]، ولكن المكره على فِعْل المعصية تارة يفعلها لدفع الإكراه، وتارة يفعلها لذاتها، فهل الآية عامة، والأحكام عامة أو خاصة بمن فعله لدفع الإكراه؟
اختلف في هذا أهل العلم؛ فمنهم من قال: إنه إذا وُجِد الإكراه فإن الإنسان، وإن اختار الفعل لا يُعاقَب عليه، ومنهم من قال: يُشترط لعدم العقوبة أن ينوي دفع الإكراه لا ذات الفعل، فلو أن رجلًا أُكره على شُرب الخمر، قيل له: إما أن تشرب هذه الكأس، وإما أن نقتلك. قال: ما دمتم أكرهتموني هات، فشربها اختيارًا لا لدفع الإكراه، فهل يُحدُّ؟ ينبني على القولين؛ إن قلنا بأنه لا يحد؛ لأن الإنسان قد لا يكون في نفسه تلك اللحظة، قد لا يكون في نفسه إرادة دفع الإكراه، وإنما يقول: أكرهت على هذا الفعل فسأفعله، وهذا هو الأقرب؛ بدليل أنه لولا أنه أكره ما شرب، وأما القول بأنه لا بد أن ينوي دفع الإكراه فإنه يُحد، إذا قال: أنا شربته تشهيًّا لا دفْعًا للإكراه فإنه يُحد، والصحيح أنه لا يُحد.
[ ١ / ٧٥٦٩ ]
الشرط الثالث: (عالِمًا أن كثيره يُسكر) فهمنا من هذا أنه يُشترط أن يعلم أنه خمر، وأن يعلم أن كثيره يُسكر، فإن لم يعلم أنه خمر؛ يعني ظن أنه شراب من سائر المشروبات، ثم لما شربه سكر فليس عليه حد، لماذا؟ لأنه جاهل، جاهل بالحكم ولَّا بالحال؟
طلبة: بالحال.
الشيخ: بالحال، ما علم أن هذا مسكر، كذلك لو علم أنه مسكر؛ يعني معناه أنه عصير مثلًا، لكن لم يظن أن كثيرَهُ يُسكر، ما ظن أن كثيره يسكر فإنه لا يُحدُّ؛ لأنه يُشترط أن يعلم أن كثيره يسكر. طيب فإن علم أن قليله يسكر؟ يُحدُّ من باب أوْلى، طيب ويُشترط أن يكون عالِمًا بالتحريم؟
طلبة: لا يشترط.
الشيخ: نسيتم الشروط العامة، يُشترط أن يكون عالِمًا بالتحريم، يُشترط أن يكون بالغًا، وعاقلًا.
وظاهر قول المؤلف: (فعليه الحد) أنه سواء سكر منه أم لم يسكر، إذا علم أن كثيره يسكر فشرب، وإن لم يسكر فعليه الحد؛ لأنه مُحرَّم والنصوص عامة في التحريم، وعامة في وجوب عقوبته: «إِذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ» (١٦). وليس فيها اشتراط أن يسكر، فإذا شربه وكثيره يسكر، وإن لم يسكر هو من القليل فعليه الحد.
وعُلم من قول المؤلف: (فعليه الحد) أن عقوبة شارب المسكر حد، والحد سبق لنا تعريفه أنه عقوبة مقدرة شرعًا في معصية، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀، بل المشهور من المذاهب الأربعة؛ أن عقوبة شارب الخمر حد، ولكن اختلفوا في مقداره، وسيأتي، وقيل: إن عقوبة شارب الخمر ليست بحد، وإنما هي تعزير، لكن لا يقل عن أربعين، فما هو الدليل على أنها حد، أو على أنها ليس بحد؟
[ ١ / ٧٥٧٠ ]
دليل من قال: إنها حد؛ أن عمر بن الخطاب ﵁ قدَّرها بثمانين، وأن أبا بكر ضرب في عهده أربعين (٧). وأبو بكر وعمر لهما سُنَّة متبعة؛ لقول النبي ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي» (١٧).
وأبو بكر وعمر في قمة الخلفاء الراشدين المهديين من بعد الرسول ﷺ، وعلى هذا فيكون لهما سُنَّة متبعة واجبة الاتباع بنص الحديث عن الرسول ﵊، ولكن هل هي أربعون أو ثمانون أو أربعون وجوبًا، وما بين الأربعين إلى الثمانين راجع إلى نظر الإمام إن أكثر الناس منها بلغ الثمانين، وإن أقلوا لم يتجاوز أربعين؟
في هذا أيضًا خلاف، ولكن الصحيح أنها ليست بحد، وأنها عقوبة تعزير، لكنها واجبة ولا تنقص عن أربعين، وهذا هو ظاهِر كلام ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين؛ أنها ليست بحد، وهو ظاهر، ووجهه أن النبي ﷺ قد وقعت هذه المسألة في عهده ولم يحد فيها حدًّا، ومعلوم أن سنة الخلفاء الراشدين تابعة لسنة الرسول ﵊ لا مستقلة، فإذا ورد في السنة ما ظاهره خلافها فإنه يُؤخذ بماذا؟ بما جاءت به السُّنَّة، والنبي ﵊ لم يحده كما ثبت ذلك في صحيح البخاري (١٨) من حديث علي بن أبي طالب ﵁، وكما أجمع الصحابة عليه ..
ثَمانونَ جَلْدَةً معَ الْحُرِّيَّةِ، وأربعون مع الرِّقِّ.