وهم الذين يَعْرِضون للناسِ بالسلاحِ في الصَّحْراءِ أو البُنيانِ، فيَغْصِبونَهم المالَ مُجاهَرَةً لا سَرِقَةً،
كل مسلم يستحق من ذلك، فأنت الآن خنته، لكن سرقة أو خيانة رجل معين بإمكانك أن تتحلل منه في يوم من الأيام وتسلم.
مفهوم قول المؤلف: (مسلم حر من بيت المال) أنه لو سرق الكافر من بيت المال يُقطع ولّا لا؟
طلبة: يُقطع.
[ ١ / ٧٦٣٢ ]
الشيخ: نعم؛ لأنه لا حق له في بيت مال المسلمين.
سرق مسلم عبد من بيت المال ظاهر كلام المؤلف أنه؟
طلبة: لا يُقطع.
الشيخ: أنه يُقطع؛ لأنه قال: مسلم حر أنه يقطع، هذا عبد مسلم سرق من بيت المال، فظاهر كلام المؤلف أنه يُقطع، ولكن سيأتينا في آخر العبارة أن مقتضانا في آخر العبارة أنه لا يُقطع؛ لأن العبد الآن سرق من مال لا يُقطع منه سيده، فإذا كان العبد المسلم لمسلم وسرق من بيت المال فإنه لا يُقطع؛ لأنه سرق من مال لو سرق منه سيده لم يُقطع.
طالب: () كان يمكن أن يتوقع منه الشبهة لكن علمنا يقينا أن () شبهة؛ لأن الرجل () أغدق على زوجته وأعطاها من المال ما يكفيها ().
الشيخ: إي نعم، كلام الفقهاء عام، ولكن في الحقيقة يجب أن نلاحظ مسألة أخرى، فرق بين أن يكون مال الزوج في نفس البيت وبين أن يكون في الخارج فى الدكان وشبهه؛ لأن كونه في البيت فيه نوع من الائتمان لهذه الزوجة، لكن إذا كان في الخارج في الدكان مثلًا فهى وغيرها سواء، فإذا كان مال الزوج في الخارج فلا يظهر لي أن في ذلك شبهة إذا كان قد قام بما يلزم، بأن سألناها هل قَصَّر عليك في النفقة؟ قالت: لا، كل شيء تام.
طالب: () أنها تكون سواء علمنا ().
الشيخ: إي نعم؛ يعني: سواء علمنا ما دام أن هذا السبب يعتبر شبهة فسواء تحققت أو لا؛ لأنهم يرون أن العلة لا يلزم وجود الحكمة منها، أوجب الله علينا الصيام لأجل نتقي الله، فهل نحن نتقي الله؟ قد لا نتقي الله، فنقول إذا لم تتقِ الله لا تصم؛ لأن الصيام شُرِع للتقوى، وإذا لم يكن منك تقوى فلا تصم أو لا؟ نقول: صم ولّا لا تصم؟ صم، اتقيت الله أو لم تتقِ.
طالب: بالنسبة للغني إذا سرق من بيت مال المسلمين القول الراجح فيه ().
[ ١ / ٧٦٣٣ ]
الشيخ: إي نعم، والله من أخذ بعموم الآيات -والحقيقة عندنا عموم النصوص الواردة في السرقة- لو أن أحدًا تمسك بها، وقال: أنا لا يمكن أن أحيد عن ظاهر العموم إلا بوجود نص واضح في التخصيص، كما ذهب إلى هذا ابن المنذر ﵀، ابن المنذر يقول: ما نعتبر الشبهة، الأصل بقاء الآيات والأحاديث على ما هى عليه حتى يقوم دليل واضح يخول لهذا السارق أن يسرق هذا المال، وحينئذ لا يكون سارقًا.
طالب: يطلع كتب () اللي في الكتب.
الشيخ: ().
طالب: المكتبات يستخدمون هذه () للكتب.
الشيخ: () على كل حال ما يظهر الحقيقة.
طالب: الآية.
الشيخ: لكن كونه بالمسجد، وهو شيء مُحرم.
طالب: ما معنى قولنا: أب له حق التملك.
الشيخ: الأب له أن يتملك من مال ولده ما شاء.
الطالب: لو قلنا: () إذا كان له حق التملك.
الشيخ: لأن له حق التملك.
الطالب: () قيدناها () حق التملك ().
الشيخ: لأن له حق التملك، إي نعم؛ لأنه قال: الأب وإن علا. فقلنا: الأب الذي له حق التملك؛ لأن الجد ما يملك التملك.
الطالب: () حق التملك.
الشيخ: الجد؛ ولأنه قال: الأب وإن علا. فقلت: الأب الذي له حق التملك وهو الأب الأدنى.
طالب: المكاتب إذا سرق من سيده هل يُقطع؟
الشيخ: إي، يُقطع، ظاهر كلام المؤلف أنه يُقطع المكاتب إذا سرق من سيده؛ لأنه ما له شبهة الآن.
طالب: إذا سرق الأب من مال ابنه هل يُشترط أن يكون المال للابن؟ لو كان عنده عارية لشخص، المال ليس ملكًا للابن، لكن له التصرف فيه.
الشيخ: إي نعم، الظاهر أنه لا يُقطع في هذه الحال؛ يعني لو كان المال لغير الولد لكنه في حوزته، فالظاهر أنه لا يُقطع؛ لأنه -أي: الأب- غالبًا لا يكون مال ابنه محرزًا عنه، أما لو كان محرزًا فهو يُقطع؛ لأن المال لا للولد.
طالب: لو علم الأب أن المال ليس لابنه، ولكنه عنده؟
الشيخ: كل واحد ما دام سرق هذا الأب مال غير ابنه من عند ابنه وهو محرز فإنه يُقطع.
[ ١ / ٧٦٣٤ ]
الطالب: لكنه ما علم، يصير فيه شبهة.
الشيخ: نعم؟
الطالب: ما علم أنه لغير ابنه.
الشيخ: كان عليه أن يتوقف ويسأل.
طالب: إذا سرق العبد من مال أهل سيده هل يُقطع ولّا لا؟
الشيخ: إي نعم، يُقطع.
طالب: كيف قلت: إذا سرق العبد من ()؛ لأن سيده ().
الشيخ: إي؛ لأن أصل هذا السيد يتملك، له الحق في هذا المال بعينه.
طالب: بعين المال.
الشيخ: إي نعم، أما الجد فليس له حق إلا التملك وليس شريكًا، الجد في مال ابنه ما هو بشريك، لكن له حق أن يتملك فقط. ()
طالب: على الصحيح أنه لا يُقطع إن كان غنيًّا، هذا القول صحيح؟
الشيخ: لا، هو الظاهر أصبح الصحيح مثل قول ابن جني، إذا فكر الإنسان بشيء ورأى أنه مناسب قال: هذا هو الصحيح، مثل بعض الطلبة كل ما شاف قولًا زينًا قال: هذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. ويمكن شيخ الإسلام يرى خلاف هذا الشيء.
طالب: قلنا: إنه كيف يسرق من بيت مال المسلمين؟
الشيخ: لا، إحنا ذكرنا -فيما أرى- أنه ما له حق في بيت مال المسلمين، اللهم إلا حق بعيد جدًّا.
الطالب: بس القطع هنا رجحناه.
الشيخ: ما أدري هو نحن رجحناه ولّا لا.
طلبة: رجحناه.
الشيخ: ما أدري.
طالب: مكتوب.
الشيخ: مكتوب؟
طالب: مكتوب نحن ذكرنا أنه إذا كان غنيًّا ولم يقم بمصلحة للمسلمين كإقامة الصلاة يُقطع.
الشيخ: نعم، صح، ذكرت الآن، إي نعم، ذكرنا إذا كان غنيًّا وليس يقوم بمصلحة، وإن كان يقوم بمصلحة فله شبهة، ونحن ذكرنا فيما سبق قاعدة مهمة أن الأصل وجوب القطع في كل سارق إلا أن يقوم دليل على الاستثناء، وإلا فالأصل الوجوب.
طالب: إحنا قلنا: ما يُقطع، إن كان غنيًّا ما يُقطع.
الشيخ: إن كان غنيًّا فإنه يقطع.
الطالب: هذا قلنا به.
الشيخ: لا، كيف؟
طالب: ذكرنا في الدرس الماضي من كان غنيًّا فلا يُقطع؛ لأنه قد يفتقر وقد يعمل.
الشيخ: لا ما أظن، لا بالعكس.
طالب: ().
[ ١ / ٧٦٣٥ ]
الشيخ: إحنا ذكرنا أنه إذا كان غنيًّا ولم يقم بشيء من مصالح المسلمين فلا شبهة له في بيت المال، لكن على المذهب يقول: ولو كان غنيًّا؛ لأنه قد يفتقر فيستحق، إي نعم.
المهم، الخلاصة الآن في مسألة السرقة من بيت المال الأصل فيها أيش؟
طلبة: القطع.
الشيخ: القطع، حتى توجد شبهة بينة، والشبهة البينة إما فقره، أو قيامه بمصلحة من مصالح المسلمين، كالتدريس، والأذان، والإمامة، وما أشبهها.
***
(أَوْ مِنْ غَنِيمَةٍ لَمْ تُخَمَّسْ) إذا سرق من غنيمة لم تخمس فإنه لا يُقطع، ليش؟ لأن له حقًّا في خُمس خمسها كم خُمس الخمس؟ واحد من خمسة وعشرين فله حق في هذا الواحد من خمسة وعشرين؛ لأن الغنيمة وهي المال المأخوذ من الكفار بقتال وما ألحق به، هذه الغنيمة المال المأخوذ من الكفار بقتال وما ألحق به هذه الغنيمة تقسم خمسة أسهم، أربعة منها للغانمين، وواحد منها يقسم إلى خمسة أسهم أيضًا؛ خمس لبيت المال، وخمس لذوي القربى، وخمس لليتامى، وخمس للمساكين، وخمس لابن السبيل: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١].
فإذا سرق من غنيمة لم تُخمس فإنه لا يُقطع؛ لماذا؟ علِّلْ؟
طلبة: لأن له شبهة.
الشيخ: لأن له شبهة استحقاق، فإنه يستحق من خمس الخمس الذي يُصرف في الفيء، وهو ما كان لله ورسوله، فإن خمست الغنيمة، فإن سرق من أربعة الأخماس التي للغانمين، وليس منهم فإنه يُقطع؛ لأنه لا حق له فيها، ولا استحقاق ولا شبهة، وإن سرق من الخمس الذي يُصرف للأصناف الخمسة فإنه أيش؟
طلبة: لا يُقطع.
الشيخ: لا يُقطع، وإن وُزِّع الخمس إلى أصحابه الخمسة وسرق من سهم لا حق له فيه قُطِع، مفهوم ولّا غير مفهوم؟
طلبة: مفهوم.
الشيخ: إذا سرق من أربعة الأخماس بعد تخميسها، سرق من الأخماس الأربعة التي للمقاتلين هل يُقطع أو لا؟
[ ١ / ٧٦٣٦ ]
طلبة: يُقطع.
الشيخ: إن كان منهم.
طلبة: لم يُقطع.
الشيخ: لم يُقطع ليش؟
طلبة: لأن له حق في الأربعة.
الشيخ: لأن له حق في الأربعة، وإن لم يكن منهم.
طلبة: قُطِع.
الشيخ: قُطِع، انتهينا من هذا، إن سرق من الخمس الموزع على خمسة نظرنا إن سرق مما لا حق له فيه -يعني كما لو خمسنا الخمس الآن وسرق مما لا حق له فيه- قُطع، مثل أن نخمس الخمس ونأخذ ما لله ورسوله؛ الفيء، واليتامى نجعله وحده، وذوي القربى وحده، وابن السبيل وحده، والرابع؟
طالب: المساكين.
الشيخ: المساكين سرق هو من حق اليتامى، وهو بالغ عاقل يُقطع ولّا لا؟
طلبة: يُقطع.
الشيخ: ليش؟ ليس له فيه شبهة، سرق من الفيء الذي لله ورسوله يقطع ولّا لا؟
طلبة: لا يُقطع.
الشيخ: لا يُقطع؛ لأن له فيه حقًّا؛ لأنه يُصرف لبيت المال.
سرق من سهم ذوي القربى، وهو ليس من ذوي القربى؟
طلبة: يُقطع.
الشيخ: يُقطع، فهمنا الآن تمامًا من سرق من الغنيمة.
سؤال من سرق منها قبل أن تُخمس؟
طلبة: لا يُقطع.
الشيخ: لا يُقطع.
من سرق منها بعد التخميس من نصيب المقاتلين؟
طلبة: يُنظر.
الشيخ: فيه تفصيل؛ إن كان منهم لم يُقطع، وإن لم يكن منهم قُطع.
إذا سرق من الخمس الذي سيوزع خمسة أسهم؛ فإن كان قد خُمِّس وسرق مما لا حق له فيه قُطع، وإن لم يُخمَّس أو سرق مما له فيه حق لم يُقطع، إذن قول المؤلف: لم تُخمَّس في مفهومه تفاصيل.
***
يقول المؤلف: (أَوْ فَقِيرٌ مِنْ غَلَّةِ وَقْفٍ عَلَى الْفُقَرَاء) فإنه لا يُقطع، مثاله: عندنا نخل موقوف على الفقراء، جذذنا النخل، ووضعنا الجذاذ -يعني: المجذوذ- في حرزه، فجاء رجل من الفقراء فسرق منه، يُقطع ولّا لا؟
طلبة: لا يُقطع.
الشيخ: ليش؟
طلبة: لأن له شبهة استحقاق.
الشيخ: لأن له شبهة استحقاق؛ فهو من جملة المستحقين فلا يُقطع.
فيه طعام مُعد للفقراء –صدقات- مُعد للفقراء، فجاء فقير فسرق منه.
طلبة: لا يُقطع.
الشيخ: ليش؟
طلبة: لأن له فيه شبهة استحقاق.
[ ١ / ٧٦٣٧ ]
الشيخ: لأن له فيه شبهة استحقاق.
يقول المؤلف ﵀: (أو شخص) يعني: أو سرق شخص (من مال فيه شركة له) لم يُقطع؛ لأن هذا الذي سرقه له فيه نصيب.
مثاله: شخص له مال بينه وبين آخر، مثلًا مئة درهم، فسرق من هذا المال المشترك خمسين درهمًا، يُقطع؟
طلبة: لا يُقطع.
الشيخ: ليش؟
طلبة: لأن له نصفها.
الشيخ: لأن له من الخمسين؟
طلبة: نصفها.
الشيخ: نصفها، خمس وعشرون.
رجل له شركة في مال قدرها واحد من مليون، فسرق تسع مئة ألف من هذا المال.
طلبة: يُقطع.
طلبة آخرون: لا يُقطع.
الشيخ: تختارون، ترى ماله من المليون إلا واحد فقط فسرق تسع مئة فقط.
طلبة: لا يُقطع.
الشيخ: لا يُقطع، ليش؟ لأن نصيبه مشاع، كل درهم اقسمه على مليون، وله منه واحد، كذا ولّا لا؟ فلما كان نصيبه مشاعًا صار مهما سرق من المال المشترك فإنه لا يُقطع؛ لأن له في كل جزء منه -وإن قلَّ- نصيبًا.
***
يقول: (أو لأحد ممن لا يُقطع بالسرقة منه) إذا سرق شخص من شيء فيه شركة لأحد ممن لا يُقطع بالسرقة منه فإنه لا يُقطع، لو سرقت من مال أبيك تُقطع؟
طلبة: ما تُقطع.
الشيخ: ما تُقطع، أبوك له مال مشترك بينه وبين عمك، فسرقت من المال المشترك.
طلبة: لا يُقطع.
الشيخ: ما تُقطع؟
طلبة: لا يُقطع.
الشيخ: هناك مال لعمك منفرد عن الشركة فسرقت منه؟
طلبة: يُقطع.
الشيخ: تُقطع، لماذا لم تُقطع في الأولى؟ لأن لأبيك شركة في هذا المال، وإذا سرقت من مال فيه شركة لمن لا تُقطع بالسرقة منه فإنك لا تُقطع.
الشبهة ما هي؟ المشاركة، فما دام هذا المال فيه سهم -ولو واحدًا من مليون- لشخص لو سرقت من ماله لم أُقطع، فإنني لا أُقطع بالسرقة من هذا المال المشترك، كما قال المؤلف.
طالب: ().
الشيخ: لا، له منه شيء.
طالب: يعني في حياة أبيه.
الشيخ: في حياة أبيه، نعم، إن كان بعد ممات أبيه صار له شركة، أبوه أيضًا هو نفسه له شركة، لكن في حياة أبيه لو سرق من مال أبيه يُقطع؟
طلبة: لا يُقطع.
[ ١ / ٧٦٣٨ ]
الشيخ: سرق من مال مشترك بين أبيه وبين رجل آخر؟
طلبة: لا يُقطع.
الشيخ: لا، ما هو مشكل، لا يُقطع، لماذا؟ لأن هذا المال الذي سرقته فيه جزء لا تقطع بالسرقة به، وهو ما يملكه أبوك، وإذا كان فيه جزء لا يمكن أن تقطع به فإن القطع لا يتجزأ، لو كان مشتركًا لأبيك خمساه، ولعمك ثلاثة أخماسه، تُقطع ولّا لا؟
طلبة: لا يُقطع.
الشيخ: لا، نقطع ثلاثة أصابع، ما يمكن؟
طلبة: ما يمكن.
الشيخ: ما يمكن نجزئه.
يقول: لم يُقطع، ثم قال: (ولا يُقطع إلا بشهادة عدلين) هذا الشرط الخامس، الشرط الخامس للسرقة ثبوت السرقة، أن تثبت السرقة ولثبوتها طريقان: شهادة، وإقرار، وهناك طريق ثالث مختلف فيه.
الشهادة يقول المؤلف: (بشاهدين عدلين)، شاهدين؛ أي: رجلين عدلين، والعدل سبق لنا تعريفه أنه من استقام دينه، واستقامت مروءته؛ يعني أنه ذو دين، وذو مروءة لم يفعل ما يُخِل بالدين، ولم يفعل ما يُخِل بالشرف والمروءة، مستقيم في دينه وأخلاقه، هذا العدل، فلا بد في الشهادة من أن يكون الشاهدان اثنين عدلين.
النساء تقبل شهادتهن في السرقة؟ لا؛ لأن الحدود لا يقبل في الشهادة فيها إلا الرجال، كل الحدود؛ سرقة، زنا، خمر، غيرها، جميع الحدود لا يُقبل فيها إلا الرجال، شهد رجل وامرأتان؟
طلبة: ما تُقطع.
الشيخ: لا تُقطع اليد، أربعون امرأة لا تُقطع اليد، رجل واحد لا تُقطع اليد، رجل فاسق ورجل عدل.
طلبة: لا تُقطع.
الشيخ: لا تُقطع، رجلان فاسقان؟
طلبة: لا تُقطع.
الشيخ: لا تُقطع؛ لأنه لا بد من رجلين عدلين.
(أو إقرار مرتين) هذا الطريق الثاني لثبوت السرقة؛ الإقرار، ويُشترط فيه شرطان: التكرار، والاستمرار.
التكرار يقول المؤلف: (مرتين) فلو أقر مرة واحدة، قال: إني سرقت. لم يثبت القطع؛ فلا قطع؛ لأن السرقة لم تثبت شرعًا.
فلا بد من التكرار مرتين، إذا أقر ثلاثًا؟
طلبة: ().
[ ١ / ٧٦٣٩ ]
الشيخ: المؤلف يقول: (أو إقرار مرتين)، مراده: بيان الأقل؛ أي: إقرار لا ينقص عن مرتين، فإن زاد كان أقوى.
الشرط الثاني للإقرار: الاستمرار، وإليه أشار بقوله: (ولا ينزع)، حَرِّك العين.
طالب: ينزعُ، بضم العين.
طالب آخر: ولا ينزعَ.
الشيخ: تضم ولّا تفتح؟
طلبة: ().
الشيخ: تغمض؛ يعني: تضمها، ضم العين، أو تفتح، ولا ينزع.
طالب: ولا ينزعْ، بالسكون.
الشيخ: أنت إن غمضت ما شفت أحدًا، وإن فتحت تشوف ولّا لا؟
طلبة: تشوف.
الشيخ: أيهما أحسن أن تفتح أو أن تغمض؟
طلبة: أن تفتح.
الشيخ: أن تفتح، إذن ما دام أحسن تفتح افتح.
(ولا ينزعَ عن إقراره) بالنصب، كيف ننصبها، ما وجه النصب؟
طلبة: لأنها عطف.
الشيخ: لأنها عطف على اسم خالص، قال ابن مالك:
وَإِنْ عَلَى اسْمٍ خَالِصٍ فِعْلٌ عُطِفْ
تَنْصِبُهُ إِنْ ثَابِتًا أَوْ مُنْحَذِفْ
وشاهده قول الشاعر:
وَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْنِي
أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ
وين الاسم الصريح؟
طلبة: إقرار.
الشيخ: قال: (إقرار)، (أو إقرار مرتين ولا ينزع) يعني: وعدم نزعه، ويجوز الرفع على أنها استئنافية.
وقوله: (لا ينزع) يعني: لا يرجع عن إقراره حتى يتم عليه الحد، فإن رجع بعد تمام الحد قُبِل رجوعه ولّا لا؟
طلبة: لا يُقبل.
الشيخ: طيب يا جماعة، قالوا: إن الآن يمكن يسوون عملية يردون اليد، فرجع عن إقراره بعد أن قُطع، هل نقول لما رجع عن إقراره بعد أن قُطع: نرد يده إليه؟
طلبة: لا.
الشيخ: ولو أمكن؟
طلبة: ولو أمكن.
الشيخ: فإن بقى على إقراره حتى أقمنا عليه الحد وقطعنا يده فهل يجوز ردها؟
طلبة: لا.
[ ١ / ٧٦٤٠ ]
الشيخ: لا؛ لأن هذا خلاف مقصود الشارع، ليس مقصود الشارع الإيلام فقط حتى نقول: إنه حصل بقطعها، مقصود الشارع أن يبقى وليس له يد، إذن ما أثير منذ شهور حول إعادة يد المقطوع بالسرقة نقول: هذا ليس بصحيح، والواجب أن تبقى بائنة ولا تُرد، ولا ينزع عن إقراره حتى يتم عليه الحد.
ما هو الدليل على أنه لا بد من التكرار، الدليل على ذلك يقولون: لأنه جيء بسارق إلى الرسول ﵊، فأقر بأنه سرق، فقال: «مَا إِخَالُكَ سَرَقْتَ»، قال: بَلَى يا رسول الله، فأمر بقطعه (١).
والقياس قالوا: لأن هذا حد يتضمن إتلافًا، فكان أحق بالتكرار من الزنا الذي لا يتضمن الإتلاف إلا في المحصن.
ولكن كما ترون هذا ليس بصحيح؛ لأن قول الرسول ﵊ له: «مَا إِخَالُكَ سَرَقْتَ»، أراد بذلك الاستثبات، والقول يثبت على الإنسان بشهادته على نفسه، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥]، وقد سبق لنا بيان أن تكرار الإقرار ليس بشرط في أي مكان؟
طلبة: في باب الزنا.
الشيخ: في باب حد الزنا، فهذا مثله أولى؛ ولذلك كان اشتراط تكرار الإقرار هنا من مفردات مذهب الإمام أحمد، كما ذكره صاحب الإنصاف؛ يعني مخالف لقول الأئمة الثلاثة، أيضًا اشتراط أن لا ينزع عن إقراره حتى يتم عليه الحد، قاسوه على الزنا، وقد سبق أن القول الراجح أنه لا يُشترط، وأن الإنسان إذا أقر على نفسه ثبت عليه الحكم بمقتضى إقراره، ولا يُقبل رجوعه، وأن الاستدلال بقصة ماعز حيث قال الرسول ﷺ: «هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ يَتُوبُ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ؟» (٢) استدلال ضعيف؛ لأن ماعزًا لم يرجع عن إقراره بالزنا، ولكنه رجع عن طلب إقامة الحد، فبينهما فرق.
[ ١ / ٧٦٤١ ]
وعلى هذا فنقول: الصحيح أنه لا يشترط لثبوت السرقة تكرار الإقرار ولا الاستمرار في الإقرار، وأنه إذا أقر أقيم عليه الحد ولو مرة واحدة إذا تمت شروط الإقرار؛ بأن يكون بالغًا عاقلًا مختارًا.
هل هناك طريق ثالث تثبت به السرقة؟
طالب: البيِّنَة.
الشيخ: البينة هي شاهدان عدلان.
طالب: القرينة.
الشيخ: القرينة مُشْكِل، القرينة فيها صعوبة أن نتلف الأبدان -والأصل فيها الحرمة- بمجرد القرائن، المذهب أنه ليس هناك طريق لثبوت السرقة سوى هذين الطريقين، وزاد بعض أهل العلم طريقًا ثالثًا، وهي أن يوجد المسروق عند السارق، إذا وُجِد المسروق عند السارق فإنه يُقام عليه الحد ما لم يدع شبهة تمنع الحد.
مثال ذلك: ادعى شخص على آخر بأنه سرق ماله، قلنا له: طيب، ويش مالك؟ قال: مالي هذا الشيء المعين وعينه، وصفته كذا وكذا، ورقمه كذا وكذا، ولونه كذا وكذا، وفسره تفسيرًا بيِّنًا واضحًا، فقلنا للمدعى عليه: تعال، هذا يقول: إنك سرقت. فقال: أبدًا ما سرقت، وليس له عندي شيء أبدًا. ثم وجدنا هذا المسروق حسب وصف المدعي موجودًا عنده، هذه قرينة تدل على أنه سارق ولّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، والرجل نفى السرقة، ولم يدعِ سواها، فيُقام عليه الحد وتُقْطع يده، وهذا اختيار جماعة من أهل العلم كثيرة، قالوا: إن هذا من جنس ما إذا تقيأ الرجل الخمر فإنه يُحدُّ لها، كما مضى.
فإن ادعى السارق أنه أخذ هذا المال عارية، أو أنه أخذه بيعًا، قال: نعم، أنا أخذته منه عارية، أو أخذته بيعًا أو أخذته هبة، فهذه شبهة تمنع إقامة الحد، كما ذكرنا فيمن حملت وليس لها زوج ولا سيد، ثم ادعت أن غيرها أكرهها فإنها لا تُحَدُّ.
[ ١ / ٧٦٤٢ ]
ما رأيكم في رجل أقر بأنه سرق، وقال: إني سرقت من الدكان الفلاني، سرقت الحاجة الفلانية، التي وَصْفُها كذا، ووصفها كذا، ونمرتها كذا، وموديلها كذا، وذكرها تمامًا، ووصف كيف سرق، قال: جئت من هنا، وفتحت هذا الباب، وتسورت الجدار. وكل شيء وصفه، ثم وجدنا المسروق عنده كما وصف تمامًا، ثم بعد ذلك قال: رجعت عن إقراري.
طالب: على المذهب لا يُقطع.
الشيخ: هل نقول: إن عموم كلامهم حيث قالوا: ولا ينزع عن إقراره حتى يتم عليه الحد، يقتضي أن هذا الذي رجع عن إقراره ووجد المال عنده، ووصف هو نفسه السرقة، لم يقل: "سرقت" فقط، ذهب بنا إلى المحل، وأرانا كيف صنع، هل نقول: إن عموم كلام الأصحاب –يعني: الفقهاء- هؤلاء يقتضي أن يُرفع عنه الحد؛ لأنه رجع؟ أو نقول: إن كلامهم هذا فيما إذا كان ثبوت السرقة مجرد إقرار؟ أما مع وجود هذه القرائن التي ذكرها، ووصف لنا السرقة ووجد المال عنده -لأن كلام المؤلف إذا كانت المسألة مجرد إقرار- أما مع وجود القرائن ووجود المال عنده، وعلى حسب ما وصف تمامًا هل تصدقون؟
الآن دعونا من كلام الفقهاء، هل تصدقون أن رجلًا يأتي ويقول: سرقت هذا الدكان على هذه الكيفية. ويرينا كيف سرق، ونجد الأمكنة -كما قال- مضروبة بالفأس والصندوق مكسورًا، ونجد المال المسروق الذي وصف لنا عنده، هل تصدقون أنه إذا قال: لم أسرق. يكون غير سارق؟
طلبة: أبدًا.
الشيخ: أبدًا، هذا لا يصدق به أحد؛ لأنه من المستحيل أن رجلًا يدعي على نفسه هذه الدعوى، ثم يقول: ما فعلت. يعني فيه احتمال أنه لم يسرق، وأن السارق صديقه، وأن صديقه وصف له السرقة، ووضع المال عنده أمانة، فيه احتمال هذا ولّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: احتمال عقلي وارد، لكن العادة تمنع هذا منعًا باتًّا.
[ ١ / ٧٦٤٣ ]
تمنع أن يأتي رجل ويقول: أنا سرقت، وفعلت كذا، وفعلت وكذا، وفعلت كذا، والمال عندي، ثم يقول بعد ذلك: رجعت عن إقراري، عرفتم؟ فالصواب إذن أن الرجوع عن الإقرار غير مقبول مطلقًا، فكيف إذا احتفت به قرائن تدل على كذب الرجوع، وعلى أن السرقة واقعة تمامًا؟ !
طالب: إذا ادعى الإكراه يا شيخ؟
الشيخ: إذا ادعى الإكراه نقول: من أكرهك؟
الطالب: قال: أكرهني جماعة من ().
الشيخ: إذا ادعى الإكراه، وكان يمكن أن يكره؛ رفعنا عنه الحد.
الشرط السادس: (وأن يطالب المسروق منه بماله) أيش ماله؟
طلبة: الذي سُرق.
الشيخ: الذي سُرق، فإن لم يطالب فإنه لا يُقطع، ولو ثبتت السرقة، ما دام صاحبه لم يطالب فإننا لا نقطعه، ما الدليل؟
الدليل حديث صفوان بن أمية، حيث كان نائمًا على ردائه في مسجد النبي ﷺ، فجاء رجل فسرقه، فرفع صفوان الأمر إلى رسول الله ﷺ، فأمر النبي ﷺ بقطعه، فقال صفوان: يا رسول الله، أتقطعه في رداء لا يساوي ثلاثين درهمًا؟ إني قد وهبته له، فقال النبي ﷺ: «هَلَّا كَانَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ؟» (٣).
فإنه يدل على أنه لو وهبه له قبل أن يرفعه للحاكم سقط القطع، فتدبروا هذا الدليل هل يصح الاستدلال به على هذه المسألة أو لا يصح؟
طلبة: نعم.
طلبة آخرون: لا يصح.
الشيخ: من قال: "نعم" عندنا علماء فطاحل استدلوا بهذا الحديث على هذه المسألة، لا تقولوا: "لا" على طول بس.
طالب: نعم يا شيخ.
الشيخ: فيه دليل؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: كيف ذلك؟
الطالب: لأنه إذا وهبه له ملك، وإذا ملك كيف يطالبه بالتقرير.
[ ١ / ٧٦٤٤ ]
الشيخ: لا هو إذا ملك ما هو مطالب، لكن إذا قدرنا أن هذا السارق سرق، وثبت عند الحاكم أنه سرق، لكن لم يجئ أحد يقول له: إنه سرق مني، هل يُقطع أو لا يُقطع؟ المذهب لا يُقطع؛ لأنه ما جاء أحد يطالب إلى الآن، يعني هذا رجل سرق، وقُبِض سارقًا، ثم رُفع إلى الحاكم، وثبتت السرقة بإقرار وشهادة، لكن ما جاء أحد يطالب.
طالب: ما يُقطع.
الشيخ: المذهب ما يُقطع، لكن سؤالي: هل في حديث صفوان دليل لهذا أم لا؟
الطالب: نعم، هو يقول: يشترط المطالبة؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: يشترط المطالبة بالمال.
الشيخ: أن يطالب بماله.
الطالب: وظاهر حديث صفوان أنه اشتكى فقط، ما أراد المطالبة.
الشيخ: نعم.
الطالب: صفوان لو لم يطالب لما قال: وهبته إياه. بَيَّن النبي ﵊ أنه لو وهبه قبل أن يأتيه –بمعنى: لم يطالبه- لما قطعه.
الشيخ: إي نعم، لكن السؤال هو إذا لم يصلا للحاكم وتصالحا فيما بينهما انتهى الموضوع، لكن لو وصلت القضية إلى الحاكم قبل أن يطالب فهل يقطعه أم لا؟ المذهب لا يقطعه لعدم المطالبة، لكن هل نقول: إن هذه الصورة تنطبق على قصة صفوان؟
طالب: نعم.
الشيخ: لأن صفوان هو الذي رفع الأمر، ولهذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أنه لا تُشترط المطالبة، وأنه إذا ثبتت السرقة قُطع؛ لأن القطع لحفظ الأموال، ما هو حق خاص لهذا الرجل، حتى نقول: إنه إذا طالب قطع وإلا فلا، بخلاف القصاص، القصاص نعم إذا لم يطالب ما يُقطع.
طالب: قد يكون () شبهة مثلًا.
الشيخ: من؟
طالب: نفس السارق.
الشيخ: لا، هو تمت الشروط، من جملة الشروط التى تمت الشبهة، ما فيه شبهة؛ يعني: الشروط لا بد أن نلاحظ الشروط السابقة أيضًا.
طالب: هذه الأيام وجود البصمات هل تعتبر طريقًا رابعًا لمعرفة المجرم؟
الشيخ: ويش تقولون؟
طلبة: ().
الشيخ: يقول: موجود بصمات يُستدل بها على عين الفاعل، فهل يُعْتبر هذا طريقًا رابعًا؟
طالب: لا يُشترط.
[ ١ / ٧٦٤٥ ]
الشيخ: عندنا طبيب، نشوف، تكلم.
طالب: لا، ليس لأنه ممكن يكون فيه خطأ في البصمات، ولكن ممكن يكون مسك المكان في موضع آخر أو في مكان آخر غير وقت السرقة.
الشيخ: كيف؟
الطالب: يعني ممكن يكون البصمات وُضعت في وقت غير وقت السرقة، يعني هو سرق، وجاء هنا من خمسة أيام أو أسبوع، البصمات موجودة، ممكن تكون قرينة بس ليس دليلًا.
الشيخ: قرينة، لكن ما هي بينة قطعية؛ لأنه قد يكون هذا الذي لمس الباب الذي سرق لمسه قبل السرقة أو بعد السرقة أيضًا ولّا ما يمكن؟ ولكن إذا قلنا: إنه ليس فيه بصمة سوى هذه، وإذا كان فيه أثر بصمة أخرى يمكن نقول: حتى وإن لم يوجد إلا هذه البصمة فإن فيه احتمالًا أن تكون قبل السرقة أو بعدها، وأن يكون السارق تحاشى أن يمس هذا الباب، بل مسه بحديدة أو ما أشبه ذلك.
طالب: لو مسك متلبسًا بالسرقة؟
الشيخ: إي نعم، هذه فيها بينة، إذا رأوه دخل الباب وكسر الباب وسرق، هذا واضح، بَيِّنة، هذه الشهادة، أما مسكوه مجرد أنهم رأوا رجلًا هاربًا وأمسكوه ومعه المال، فهذا ما يدل على السرقة.
طالب: الفيء الذي لله وللرسول كيف يُصرف؟
الشيخ: يُصرف لمصالح المسلمين وفقراء المسلمين.
طالب: للمساجد؟
الشيخ: للمساجد، والمدارس، وطبع الكتب، والفقراء من المسلمين، كل من احتاج إليه.
طالب: () الشاهد ()؟
الشيخ: إحنا سبق لنا أن ذكرنا أن الشهادة إذا رضي الناس الشاهد قُبِلَ، حتى وإن كان عنده بعض المعاصي؛ لأن اشتراط أن لا يفعل كبيرة ولا يصر على صغيرة هذا معناه أن لا نجد أحدًا يصلح أن يشهد ().
***
[ ١ / ٧٦٤٦ ]
(إذا وجب) أي: ثبت، ويحتمل أن المعنى إذا وجب شرعًا؛ لأن قطع يد السارق واجب؛ لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وهكذا جميع الحدود، يجب إقامتها على كل أحد، على الشريف، والوضيع، والغني، والفقير، فكلمة (وجب) يحتمل أن يراد بها الوجوب الشرعي، أو الوجوب اللغوي، الوجوب اللغوي معناه: ثبت، والشرعي بمعنى: لزم.
يقول: ووجب القطع، وذلك بعد تمام الشروط، وكم الشروط السابقة؟ ستة شروط، بالإضافة إلى الشروط العامة في إقامة الحدود.
(قطعت يده اليمنى) لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، وقد فسر هذا الإجمال القراءة الثانية: ﴿فاقطعوا أيمانهما﴾، وكذلك السنة فسرت ذلك، فتقطع اليد اليمنى، قال: (من مفصل الكوع)، كذا عندكم؟
طلبة: (الكف).
الشيخ: أنا عندي الكوع، والظاهر أن الصواب الكف، (من مفصل الكف) يعني: دون الذراع، وإنما وجب قطعها من هنا لا إلى المرفق؛ لأن الله ﷾ أطلق ولم يقيد، واليد عند الإطلاق تحمل على الكف، بدليل قوله تعالى في آية التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، وقد ثبت عن النبي ﷺ أن التيمم خاص بالكف (٤)، وعلى هذا فيكون المراد بالأيدي في الآية المراد بها إلى الكف فقط.
قال: (من مفصل الكف)، وكيفية ذلك أن يؤتى برجل قوي فيربط يده بحبل، ويمسُّها بقوة حتى يتبين المفصل؛ لأن المفصل متداخل بعضه ببعض، فلا بد من أن تفصل الكف عن الذراع، حتى يقصها من المفصل؛ لأنه لو قصها بالعدال هكذا تداخل بعضها ببعض، فيجب أن تمس مسًّا شديدًا حتى يتبين المفصل.
[ ١ / ٧٦٤٧ ]
قال: (وحسمت) الحسم في اللغة: القطع، والمراد حسم الدم؛ أي: قطعه، وذلك بأن يغلى زيت، أو دهن، أو نحوهما، ثم تغمس فيه وهو يغلي، فإذا غمست فيه وهو يغلي تسددت أفواه العروق، وإنما وجب حسمها؛ لأنها لو تركت لنزف الدم ومات، والحد لا يُراد به موته وإتلافه، إنما يراد به تأديبه.
دليل وجوب القطع قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، ودليل أنه خاص باليمين قراءة ابن مسعود: ﴿فاقطعوا أيمانهما﴾، ودليل أنه من مفصل الكف أن الله أطلق فقال: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ولم يقيدها بالمرافق واليد عند الإطلاق يراد بها الكف، بدليل آية التيمم، ووجب حسمها للوقاية من التلف؛ لأن الوقاية من التلف أمر واجب، إذ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والحكمة من قطعها دون سائر الأعضاء هو أنه لما كانت اليد هي آلة الأخذ في الغالب صار القطع خاصًا بها؛ ولهذا اختص باليمين دون اليسار؛ لأنها هي التي يؤخذ بها غالبًا، فإن كان الرجل أعسر تقطع اليمنى ولّا اليسرى؟
طلبة: اليمنى.
الشيخ: تقطع اليمنى بكل حال، حتى لو فرض أنه أعسر لا يعمل إلا باليد اليسرى ويسمى؟ ويش يسمى هذا الذي أنا قلت؟
طالب: الأعسر.
الشيخ: ويش يُسمى عند العامة؟
طلبة: أشده.
الشيخ: الأشده، الأشوف؟
طلبة: الأشول.
الشيخ: إي، بالدال.
طلبة: بالواو، أشول.
الشيخ: أشول، لا، هذه لغة شاذة، على كل حال الذي يختص به القطع هو اليد اليمنى فقط، والحكمة هو هذه، وقد اعترض بعض الزنادقة على الشرع، قال: كيف تقطع اليد اليمنى بربع دينار وإذا قطعها الجاني فإن ديتها خمس مئة دينار؟
بينهما فرق، كيف تكون قيمتها خمس مئة دينار وتُقطع في ربع دينار؟ وأجابه بعض العلماء بأنها قُطعت في ربع الدينار حماية للأموال، وكانت ديتها خمس مئة دينار حماية للنفوس والدماء.
يقول الشاعر المعترض:
يَدٌ بِخَمْسِ مِئِينٍ عَسْجَدٍ وُدِيَتْ
[ ١ / ٧٦٤٨ ]
مَا بَالُهَا قُطِعَتْ فِي رُبْعِ دِينَارِ
تَنَاقَضٌ مَا لَنَا إِلَّا السُّكُوتُ لَهُ
وَنَسْتَجِيرُ بِمَوْلَانَا مِنَ النَّارِ
طالب: الرد يا شيخ.
الشيخ: الرد قال:
حِمَايَةُ النَّفْسِ أَغْلَاهَا وَأَرْخَصَهَا
حِمَايَةُ الْمَالِ فَافْهَمْ حِكْمَةَ الْبَارِي
وقال بعضهم، وهو تعبير أدبي: لما خانت هانت، ولما كانت أمينة كانت ثمينة.
فإن عاد فسرق، فقال بعض العلماء: لا يُقطع منه شيء، وإنما يُحبس ويُؤدَّب، وقال بعضهم: تُقطع رجله اليسرى من مفصل العقب، فإن عاد فسرق تُقطع يده اليسرى، فإن عاد فسرق قُطِعت رجله اليمنى، فإن عاد فسرق قال بعضهم بالقتل، لكن سمع بعض العوام هذا القول، وقال: إذا قُطعت أربعته فبماذا يَسرق؟ يدبر نفسه، يمكن يسرق.
طلبة: ().
الشيخ: التفكير ما ينفع، وإرسال الغير ما ينفع أيضًا، لا بد أن يسرق هو، لكن يمكن أن يسرق بفمه، يحمل الكيس اللي فيه الذهب، يعض عليه بأسنانه ويمشي، يمكن هذا، أو يمكن أنه يدفه، يدف الشيء بقدمه، على كل حال إذا سرق بعد الرابعة فإن بعض العلماء يقول: إنه يقتل.
ثم قال: (ومن سرق شيئًا من غير حِرْزٍ) وتقدم معنى الحرز، وهو أنه ما يحفظ به المال عادة، فإذا سرق شخص مالًا من غير حرز (ثمرًا كانَ أو كَثَرًا أو غيرَهما أُضْعِفَتْ عليه القيمةُ ولا قَطْعَ) أضعفت بمعنى: زيدت بمثلها، (ولا قَطْعَ) أما كونه لا قطع فظاهر؛ لأنه يشترط للقطع أن تكون السرقة من حرز.
[ ١ / ٧٦٤٩ ]
مثال ذلك: رجل سرق دراهم، أو دنانير من دكان مفتوح، فهنا سرق من غير حرز ليس عليه قطع؛ لأن من شروط القطع أن تكون السرقة من الحرز، ولكن يقول المؤلف: إن القيمة تُضَاعف عليه، فإذا كان هذا المسروق يساوي مئة جعلناه بمئتين، فحينئذ نحتاج إلى دليل على المسألتين كلتيهما؛ على انتفاء القطع وعلى ثبوت التضعيف، فانتفاء القطع؛ لأن من شروط القطع أن يكون من حرز، وثبوت التضعيف؛ لأنه ثبت عن النبي ﵊ في أن من سرق ثمرًا من غير حرز فإنه يضاعف عليه الغرم وعليه القيمة مرتين (٥).
والمؤلف -﵀- يقول: إنه لا فرق بين أن يكون المسروق ثمرًا أو كَثَرًا أو غيرهما، فالثمر كالتمر، والكَثَر قيل: إنه الجمار جمار النخل، وقيل: إنه طلع النخل، يعني مثلًا ألف حال، يجئ إنسان مثلًا بالليل، ويرقى على فحول النخل فيسرقها، فهذا هو الذي جاءت به السنة؛ أي أن السنة جاءت بالثمر والكثر، وما عداهما فإنه لم تأت به السنة، فألحق بعض العلماء ما عداهما بهما، كما ذهب إليه المؤلف ﵀، والمذهب أن غيرهما لا يلحق بهما، فإذا سرق من غير حرز فإنه لا قطع، ولا يجب عليه إلا القيمة إن كان متقوَّمًا، أو المثل إن كان مثليًّا.
طالب: كَثَر وكُثَر.
الشيخ: لا، كَثَر، بالتحريك بالفتح.
طالب: لكن هنا بالضم.
الشيخ: الظاهر أن المؤلف وهم، الضم ما هو معروف، المعروف بالفتح.
عندنا الآن إذا سرق الإنسان شيئًا من غير حرز فهل يُقطع أو لا؟
طلبة: لا يُقطع.
الشيخ: لا يُقطع؛ لانتفاء الشرط، قولًا واحدًا، هل تضاعف عليه القيمة؟
طالب: نعم.
[ ١ / ٧٦٥٠ ]
الشيخ: إن كان كثرًا أو ثمرًا ضُوعفت عليه القيمة قولًا واحدًا، لما جاء في السنة، وإن كان غيرهما ففيه قولان؛ المذهب: لا تضعيف، والقول الثاني: التضعيف، أما الذين قالوا بالتضعيف فقالوا: إنه قد ثبت في السنة بتضعيف الغرم في الثمر والكثر، ولا نعلم لذلك أصلًا إلا لأنه سُرق من غير حرز. وعلى هذا فتكون العلة أنه سُرق من غير حرز، فتضاعف عليه القيمة، فكل ما سُرق من غير حرز ضوعفت عليه القيمة.
وأما الذين قالوا: بأنه لا تضاعف القيمة، قالوا: لأن الأصل في الضمان ضمان الشيء بمثله، هذا هو الأصل، فخرج الثمر والكثر إذا سرق، فبقي ما عداهما على الأصل، خرجا بالنص فبقي ما عداهما على الأصل، والمذهب هو هذا القول؛ أي أنه لا تضعيف.
مثال ذلك: رجل صعد إلى نخلة فجذَّ منها قِنْوًا أو قِنوين وذهب به، ماذا يجب عليه؟ يجب عليه أن يضمنه بمثله مرتين، وأما القطع فلا قطع.
ومثال آخر: رجل سرق -من غير حرز- دراهم ألف ريال، من غير حرز، وذهب بها، فلا قطع عليه؛ لأنه من غير حرز، ولكن يجب أن يضمنه -على كلام المؤلف- بمثله مرتين، فيضمن المئة بمئتين، والمذهب لا يضمنه إلا بمثله، فلا يضمن إلا المئة فقط.
يقول المؤلف: (ضُوعفت عليه القيمة ولا قطع)، وهذا أقرب كلام المؤلف ﵀: أقرب أنها تضاعف عليه القيمة؛ لما في ذلك من الردع والزجر؛ ولأنه سقطت عنه العقوبة مراعاة لحاله ولمصلحته فتضاعف عليه.
[باب حد قطاع الطريق]
ثم قال: (باب حد قُطَّاع الطريق) أفادنا المؤلف بأن عقوبة قطاع الطريق من باب الحد، وأنها واجبة وهو كذلك؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ إلى آخره [المائدة: ٣٣].
[ ١ / ٧٦٥١ ]
فعقوبة قُطَّاع الطريق من باب الحد الواجب إقامته، وقُطاع: جمع قاطع، والطريق ما يطرقه الناس بأقدامهم ويسلكونه، مثل السكك، سكة السيارات، وجواد الإبل والحمير، ونحو ذلك، وقطاع الطريق الذين يقطعونه؛ بمعنى: يمنعون الناس من السير فيه، وذلك لعدوانهم على من مر بهم، ولهذا سميناهم قطاع طريق.
تعريفهم: هم الذين يعرضون للناس بالسلاح فيغصبونهم المال مجاهرة لا سرقة، هؤلا هم قطاع الطريق، يقفون في الطرقات، ومعهم السلاح، وسواء كان السلاح فتاكًا أم لا، حتى لو كان عصًا تقتل فإنه سلاح.
يقفون في الطريق (في الصحراء أو البنيان)، وأكثر ما يكونون في الصحراء؛ لأن البنيان فيها من يحمي الناس، وفيها أناس كثيرون يمنعون فساد هؤلاء، فأكثر ما يكونون في الصحراء، وأكثر ما يكونون أيضًا في الصحراء غير المسلوكة.
يقول: (في الصحراء أو البنيان فيغصبونهم المال مجاهرة لا سرقة) يعرض للمسافر ويقول: يلّا نزل المتاع الذي معك. يا ابن الحلال هذا متاعي وإذا أنزلته هلكت. قال: ما نعرف، نزل المتاع غصبًا. إذا نزل المتاع قال: نزِّل الثياب. إي نعم، فيغصبه حتى ينزل الثوب، وهذه وقعت، يحدثنا الناس أنهم كانوا يغصبون الإنسان حتى يخلع ثيابه، ويبقى -والعياذ بالله- يأتي إلى البلد عاريًا.
[ ١ / ٧٦٥٢ ]
فيَغْصِبونَهم المالَ مُجاهَرَةً لا سَرِقَةً، فمَن منهم قَتَل مُكافيًا أو غيرَه كالولَدِ والعبدِ والذِّمِّيِّ، وأخَذَ المالَ قُتِلَ ثم صُلِبَ حتى يَشْتَهِرَ، وإن قَتَلَ ولم يَأخُذ المالَ قُتِلَ حَتْمًا ولم يُصْلَبْ، وإن جَنَوْا بما يُوجِبُ قَوَدًا في الطرْفِ تَحَتَّمَ استيفاؤُه، وإن أَخَذَ كلُّ واحدٍ مِن المالِ قَدْرَ ما يُقْطَعُ بأخْذِه السارِقُ ولم يَقْتُلُوا قُطِعَ من كلِّ واحدٍ يَدُه اليُمْنَى ورِجْلُه اليُسْرَى في مَقامٍ واحدٍ، وحُسِمَتَا ثم خُلِّيَ، فإن لم يُصيبُوا نَفْسًا ولا مالًا يَبْلُغُ نِصابَ السَّرِقَةِ نُفُوا بأن يُشَرَّدُوا فلا يُتركون يَأْوُونَ إلى البلدِ، ومَن تابَ منهم قَبْلَ أن يُقْدَرَ عليه سَقَطَ عنه ما كان للهِ من نَفْيٍ وقطْعٍ وصَلْبٍ وتَحَتُّمِ قَتْلٍ، وأُخِذَ بما للآدَمِيِّينَ من نفسٍ وطَرْفٍ ومالٍ إلا أن يُعْفَى له عنها، ومَن صِيلَ على نفسِه أو حُرمتِه أو مالٍ له آدَمِيٌّ أو بَهيمةٌ فله الدفْعُ عن ذلك بأَسْهَلِ ما يَغْلِبُ على ظَنِّه دَفْعُه به، فإن لم يَندفِعْ إلا بالقتْلِ فله ذلك ولا ضَمانَ عليه، فإن قُتِلَ فهو شهيدٌ،
وجاءهم هؤلاء القطاع وسلبوهم ثيابهم، وجاؤوا إلى البلد ليس معهم شيء، فجلسوا في مكان قريب من البلد مختفين عن الناس حتى جاء الليل، ولما جاء الليل دخلوا إلى البلد؛ لأنه لا يمكن أن يدخلوا إلى البلد وهم على هذه الحال؛ لأن أقول: حال مزعجة، هذا الأمر لا شك أنه فساد في الأرض؛ لأنه يمنع الناس من سلوك الطرقات التي هي محل أمنهم، ولأنه إيذاء وإخافة وترويع فهو من أكبر الفساد.
ويقول المؤلف ﵀: (يغصبونهم المال مجاهرة) يقول: أعطنا المال؛ غصبًا لا سرقة؛ لأن السرقة يأخذ المال على سبيل الخفية.
[ ١ / ٧٦٥٣ ]
ثم بيَّن المؤلف عقوبة هؤلاء قال: (فمن قَتَل منهم وأخذ المال قُتِلَ ثم صُلِبَ، وإن قَتَل ولم يأخذ المال قُتِلَ ولم يُصْلَب، وإن أخذ المال ولم يَقْتُل قُطِعَت يده اليمنى ورجله اليسرى، وإن أخاف ولم يَقَتُل ولم يأخذ مالًا نُفِي من الأرض)، فالعقوبة إذن أربعة أنواع: قتل وصلب، وقتل فقط، وقطع، ونفي، أربعة أنواع.
هذه العقوبة تختلف بحسب الجريمة، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ [المائدة: ٣٣] هذه واحدة، ﴿أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ هذه اثتنان.
لكن بعض أهل العلم -وهو المذهب- يقولون: إنه لا يُصْلَب بدون قتلٍ، وعلى هذا فيكون المعنى أن يقتلوا ويصلبوا، أو يقتلوا فقط بدون صلب، فتكون الآية دالة على نوعين من العقوبة.
﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] و(أو) هنا -على ما مشى عليه المؤلف- للتنويع وليست للتخيير، ولكن بعض أهل العلم قال: إنها للتخيير، وسيأتي -إن شاء الله- بيان أيهما أصح.
يقول المؤلف: (فمن منهم قتل مكافيًا، أو غيره؛ كالولد، والعبد، والذمي، وأخذ المال، قُتِل، ثم صُلِب حتى يشتهر) إذا جمعوا بين الأمرين -بين القتل وأخذ المال- جُمِعَ لهم بين العقوبتين؛ وهما القتل والصلب.
ويقول المؤلف: (لا فرق بين أن يكون هذا القتل مما يجري فيه القصاص بين القاتل والمقتول أو مما لا يجري فيه القصاص) فمثلًا الولد يجري القصاص بينه وبين أبيه؟
طالب: لا.
الشيخ: إذا كان الأب هو القاتل فلا قصاص؛ ولهذا قال المؤلف: (مكافيًا أو غيره كالولد) الولد هذا مكافئ ولَّا لا؟
الطالب: غير مكافئ.
الشيخ: غير مكافئ؛ بمعنى أن الولد إذا قتله أبوه فإنه لا يُقْتَل، والحقيقة أن الولد مكافئ لكن وُجِد فيه مانع، وهو أيش؟
طلبة: الولادة.
الشيخ: الولادة. العبد مكافئ ولَّا لا؟
[ ١ / ٧٦٥٤ ]
طلبة: لا.
الشيخ: غير مكافئ للحر، فإذا كان قاطع الطريق حرًّا والمقطوع عبدًا، فأخذ ماله وقتله، فإن هذا الحر يُقْتَل ويُصْلَب.
الذمي مكافئ للمسلم؟ لا، فلو أن مسلمًا قاطع طريق قتل ذميًّا وأخذ ماله وجب أن يُقْتَل ثم يُصْلَب؛ لأن هذا حدٌّ، وليس من باب القصاص حتى نقول: إنه يُشْتَرط فيه ما يُشْتَرط في ثبوت القصاص، هذا حدٌّ شرعي المقصود به ردع الناس عن هذا العمل الذي سماه الله تعالى محاربة.
قال المؤلف: (قُتِلَ ثم صُلِبَ) فيُصْلَب بعد القتل؛ بعد أن نقتله نصلبه؛ أي: نربطه على خشبة لها يدان معترضتان وعود قائم، نقيمه على هذا ونربطه؛ ونربط يديه على الخشبتين المعروضتين.
قال المؤلف إلى متى؟ (حتى يَشْتَهِر) ويتضح أمره، ومثل هذا يشتهر بسرعة؛ لأنه خلاف المعتاد، فتجد أول من يشوفه يذهب ويخبر، والثاني يخبر، وهكذا حتى يشتهر بسرعة.
طالب: ما يجوز كونها ()؟
الشيخ: لا، للغاية، لا بد أن يُصْلَب.
الطالب: يكون رسم الصليب له؟
الشيخ: إي نعم، يكون رسم الصليب؛ لأجل الحاجة في هذه الحال، ظاهر كلام المؤلف غير صريح أنه يُقْتَل قبل الصلب.
والقول الثاني: إنه يُصْلَب قبل القتل. وفائدة هذا القول الثاني أنه إذا صُلِبَ وهو حيٌّ كان ذلك أشد في حزنه؛ لأن الميت ما يشعر بما يناله من الخزي والعار -والعياذ بالله- بخلاف الحي، قال المتنبي:
مَنْ يَهُنْ يَسْهُلِ الْهَوَانُ عَلَيْهِ
مَا لِجُرْحٍ بِمَيِّتٍ إِيلَامُ
فهذا الميت إذا صُلِبَ ومرَّ ناس من عنده ما يهمه، لكن إذا صُلِبَ وهو حي وصار الناس يمرون عليه وينظرون إليه وهو ينظر إليهم كان ذلك أشد في عاره وخزيه، والعياذ بالله.
وينبغي أن يُنْظَر في هذا إلى المصلحة، فإذا رأى القاضي أن المصلحة أن يُصْلَب قبل أن يُقْتَل فَعَلَ.
[ ١ / ٧٦٥٥ ]
ولم يذكر المؤلف هنا أي آلة يُقْتَل بها، فيُقْتَل بما يكون أسهل؛ لقول النبي ﷺ: «إِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» (١)، وليس هذا كالزنى؛ يرجم الزاني إذا كان محصنًا، بل المقصود بهذا إتلافه. إذا دار الأمر بين أن نقتله بالسيف أو نقتله بالصعق بالكهرباء؟
طلبة: بالسيف.
الشيخ: بالسيف أولى، إي نعم، والقتل بالكهرباء أولى من جهة؛ لأنه أصفى؛ لأن الإنسان متى صُدِمَ بهذه الكهرباء القوية مات على طول، ما يحس بنفسه إلا وهو ميت، فيكون هنا أسهل من جهة، والسيف أسهل من جهة أنه لا يصيب الإنسان بهذه الصدمة القوية التي تقضي عليه، وهنا ينبغي أن نرجع أيضًا إلى الأطباء؛ فإذا قالوا: إن قتله بالصعق أسهل وأريح فعلنا، وهو أيضًا بالنسبة للصلب يكون أقل ترويعًا؛ لأن ذاك إذا ذُبِحَ بالسيف سيمتلئ دمًا ويتروع الناس حتى من رؤيته، بخلاف ما إذا قُتِلَ بالصعق فإنه يكون كالميت ميتة طبيعة.
وبعد ذلك -بعد أن نقتله ونصلبه حتى يشتهر- هل يُغَسَّل ويُكَفَّن ويُصَلَّى عليه وهو يدفن مع المسلمين، أو ماذا نصنع؟
طلبة: الأول.
الشيخ: الأول، نعم، بعد هذا نغسله ونكفنه ونصلي عليه وندفنه في مقابر المسلمين، إلا على رأي طائفتين مبتدعتين، وهما؟
طلبة: الخوارج.
الشيخ: الخوارج الذين يقولون: إن فعل الكبيرة يكفر ما لم يتب، والمعتزلة الذين يقولون: إنه مخلد في النار، فإن الصلاة عليه غير ممكنة؛ لأن المقصود بالصلاة عليه الدعاء له، وعندهم لا يجوز الدعاء على مثل هذا؛ لأنه لن يُرْحَم فهو في النار.
طالب: ذكر الله في الآية: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ [المائدة: ٣٣]، () ما يكون الصلب بدون ..
الشيخ: سيأتينا -إن شاء الله- الخلاف في هذه المسألة، هل هي للتنويع أو التخيير؟ وهل هذه أربعة كل واحد منفرد بجزء أو أن الصلب تابع للقتل؟
طالب: شيخ، قطع الكف اليسرى ()؟
[ ١ / ٧٦٥٦ ]
الشيخ: فيه دليل، اختلف العلماء فيه؛ فمنهم من حسَّنه وأخذ به، ومنهم من قال: إنه ضعيف لا يؤخذ به؛ لأنه لم يذكر إلا قطع اليد فقط.
الطالب: الراجح يا شيخ؟
الشيخ: واللهِ ما حررتها، ما حررت الراجح.
طالب: شيخ، يقول () بماله، فما الراجح في هذا؟ في آخر جلسة علقنا المسألة ما قلنا.
الشيخ: لا، الراجح هو حديث صفوان بن أمية يدل على أنه إذا لم يطالب به فلا قطع؛ لأن الرسول قال له: «هَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ» (٢).
طالب: اللي صار قاطع طريق هذا ما يصلي هل ..؟
الشيخ: كافر؟
الطالب: ما يصلي.
الشيخ: يكون كافرًا فلا يُغَسَّل ولا يُكَفَّن ولا يُصَلَّى عليه.
الطالب: وإذا كان ما يعرف يصلي أم لا؟
الشيخ: هو ما دام مع المسلمين ومسلم فله حكم المسلم.
طالب: () جزاك الله خيرًا، أقول: عند شيخ الإسلام أنه إذا سرق يُقْتَل بعد الخامسة ()، هل هو يطردها بهذه المسألة يعني عند شارب الخمر ..؟
الشيخ: فشارب الخمر ().
الطالب: ().
الشيخ: قلت: تحتاج إلى تحرير، وما حررتها مثلما قال الجماعة.
طالب: بالنسبة لتضعيف القيمة ()؟
الشيخ: لأن العلة أنه من غير حرص.
الطالب: لا، أقصد يعني أن الحديث ثابت أو ..
الشيخ: إي، هذا نعم أخذ به الإمام أحمد ﵀، هو ثابت.
الطالب: () في التعليل بناء على عقوبة ()؟
الشيخ: معروف أنه ثابت؛ لأنه إذا لم يثبت ما يصح القياس عليه؛ لأنه إذا لم يصح الأصل ما ثبت الفرع.
***
() والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ().
في السرقة إذا وجب () الرابع قال: (وإن لم يَقْتُلوا ولم يَأَخُذوا مالًا نُفُوا) هذا القسم الرابع؛ إذا لم يقتلوا ولم يأخذوا مالًا.
[ ١ / ٧٦٥٧ ]
إن قَتَلَ قاطعُ الطريق ولم يأخذ المال فإنه يُقْتَل ولا يُصْلَب، وقال المؤلف: (قُتِلَ حتمًا) يعني: أنه ليس فيه خيار لأولياء المقتول؛ لأن القتل هنا ليس قصاصًا ولكنه حدٌّ، فإذا لم يكن قصاصًا بل كان حدًّا فإنه يتحتم قتله؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ﴾ ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا﴾.
قال: (وإن جنوا بما يوجب قودًا في الطرف تحتم استيفاؤه) هذه المسألة تعتبر كجملة معترضة في المتن، (إن جنوا بما يوجب قودًا في الطرف تحتم استيفاؤه) هذه الجناية بما دون القتل؛ لأن الجناية على الأطراف إذا جنوا على الطرف؛ فإما أن تكون الجناية موجبة للقود، وسبق لنا ذلك شروط القصاص بما دون النفس نرجع إليها الآن.
فإذا كان يوجب القود يتحتم استيفاؤه؛ مثل أن يقطعوا من مفصل؛ قطع اليد من مفصل، إذا كان القطع من مفصل يجب القصاص ولَّا ما يجب؟ يجب القصاص؛ بمعنى يثبت، فهنا يتحتم استيفاؤه، فلو عفا المجني عليه لم يصح عفوه، الدليل؟
قالوا: قياسًا على القتل، فإن القتل يتحتم استيفاؤه، كذلك القصاص بما دون النفس يتحتم استيفاؤه، وهذا الذي مشى عليه المؤلف خلاف المذهب؛ المذهب أنهم إذا جنوا بما يوجب قودًا في الطرف لا يتحتم استيفاؤه، يكون الخيار لمن؟ للمجني عليه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥]، فجعل للإنسان أن يتصدق بهذه الجناية ولا يقتص منه، كلام مفهوم ولَّا غير مفهوم؟
نعيده مرة ثانية: إذا قتلوا ولم يأخذوا المال ما الحكم؟ يُقْتَلون حتمًا، ولا خيار لأولياء المقتول، لا خيار لهم، لماذا؟ لأن هذا القتل حدٌّ لا يمكن إسقاطه، إذا جنوا بما دون النفس بأن قطعوا طرفًا؛ فإن كان يوجب القصاص تحتم استيفاؤه، وإن كان لا يوجبه لم يستوف.
مثاله: إذا قطعوا الطريق وقطعوا يد إنسان من مفصل الكف، ما تقولون؟
طلبة: تقطع يده.
[ ١ / ٧٦٥٨ ]
الشيخ: يتحتم قطع يده؛ يتحتم قطع يد قاطع الطريق؛ لأن هذا القطع يوجب القصاص.
فإن قطعوه من موضع لا يمكن فيه القصاص؛ مثل أن يقطعه من نصف الكف فالقصاص هنا لا يمكن، هل يُسْتَوفى من هذا القاطع؟ لا؛ لأنه لا يوجب القصاص.
المذهب يقولون: إذا جنوا بما دون النفس -جناية دون النفس- فإن المجني عليه مخير بين القصاص والعفو، فيجعلون جناية قاطع الطريق كجناية غيره، هذا إذا كان دون النفس، ما وجه القول بأنه يتحتم الاستيفاء؟
قلت لكم: إن وجهه القياس على القتل، فكما أنهم إذا جنوا على النفس تعين القتل، فكذلك إذا جنوا على ما دون النفس جناية توجب القصاص يتعين الاستيفاء.
والذين قالوا: لا، قالوا: لأن القتل ورد به النص ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا﴾، وهنا القتل ممكن ولَّا متعذر؟
طالب: متعذر.
الشيخ: إذا كان القصاص بما دون النفس متعذر القتل، فيبقى على حكم الأصل، ويش حكم الأصل؟
طالب: ().
الشيخ: لا يا أخي، حكم الأصل التخيير؛ أن المجني عليه يخير بين القصاص وبين العفو مجانًا أو إلى الدية.
ثم قال: (وإن أخذ كل واحد من المال قدر ما يقطع بأخذه السارق ولم يقتلوا قُطِعَ من كل واحد يده اليمنى ورجله اليسرى في مقام واحد وحُسِمَتَا، ثم خُلِّيَ) إن أخذ كل واحد منهم من المال قدر ما يقطع به السارق، ما هذا القدر؟ ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، أو عرضٌ قيمتُه كأحدهما، هذا المذهب.
والقول الثاني: إن النصاب ربع دينار؛ لحديث عائشة: «لَا قَطْعَ إِلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» (٣)، وهو الصحيح كما مر.
المهم إذا أخذوا مالًا يبلغ النصاب -يبلغ نصاب قطع السرقة- فإنهم تقطع أيديهم لأخذ المال، وأرجلهم لقطع الطريق؛ لأنهم يأخذون باليد ويمشون بالرجل، فقطعت الرجل وقطعت اليد.
[ ١ / ٧٦٥٩ ]
واشترط المؤلف ﵀ في القطع أن يأخذوا من المال قدر ما يقطع به السارق، وظاهر كلامه أنهم لو أخذوا دون ذلك فلا قطع، وإنما يحكم لهم بحكم من لم يأخذ شيئًا، وهذا أحد القولين في المسألة.
والقول الثاني: إنهم إذا أخذوا المال ولو أقل مما يقطع به السارق فإنه يتحتم قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف. قالوا: لأن هذا ليس سرقة، هذا جناية أعظم، ولا يُقَاس الأعظم على الأدون. وأيضًا محل العقوبة في السرقة اليد، ومحل العقوبة هنا اليد والرجل، ولا يمكن أيضًا أن يقاس الأغلظ عقوبة على الأهون عقوبة. وهذا مذهب مالك، وهو الصحيح.
الصحيح أنهم إذا أخذوا مالًا ولو قليلًا فإنهم تُقْطَع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وعموم الأثر الوارد عن ابن عباس ﵄ يدل على ذلك (٤). وقياسه على السرقة صحيح ولَّا غير صحيح؟
طلبة: غير صحيح.
الشيخ: غير صحيح؛ لأنه مخالف في الجناية ومخالف في العقوبة، وإذا كان مخالفًا في العقوبة والجناية ما يمكن أن يُقَاس على الأغلظ، يقاس على الأهون.
وعلى هذا فنقول: القول الثاني في المسألة أنهم إذا أخذوا من المال ولو شيئًا قليلًا فإنه تُقَطَّع أيديهم وأرجلهم من خلاف، من أين تقطع اليد؟
طالب: المفصل.
الشيخ: من مفصل الكف، والرِّجْل من مفصل العَقِب، ويبقى العَقِب ما يُقْطَع؛ لأننا لو قطعنا العَقِب لأجحفنا به؛ إذ إننا لو قطعنا العَقِب لقصرت الرجل وتعثر المشي، فيُتْرَك العَقِب له ويُقْطَع من مفصل العَقِب.
الطالب: () يا شيخ ما نعرفه.
الشيخ: يحتاج أننا نمد رجلي فوق! العقب معروف لكم جميعًا، هو هذا العرقوب، ما هو معروف العرقوب؟
الطالب: ().
[ ١ / ٧٦٦٠ ]
الشيخ: كل واحد منكم يمس مؤخر قدمه ويعرف العرقوب، هذا العرقوب، فيها الآن مفصل ما تحت الكعب، يمشي من تحت الكعب إلى أن يصل إلى العقب في مفصل، الآن تحس به؟ الآن ألمسه لكم يمكن اللي عنده شحم كثير ما يلمسه، نعم هذا المفصل هو اللي محل القطع؛ يُقْطَع يُؤْتَى بالسكين من تحت الكعب ويمشى فيها، ثم يلف ينزل إلى تحت ليبقى العقب، يمشي عليه، واضح؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: تقطع اليد اليمنى؛ لأنها أصل؛ إذ إن الأصل في الأخذ والإعطاء هو اليمين، لماذا لا نقطع الرجل اليمنى؟ لأن الرجل اليمنى أقوى من اليسرى، قالوا: لئلا يجتمع عليه عقوبتان في جهة واحدة، هذه الحكمة؛ تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف تكون الحكمة يكون القطع من جانب اليد، ومن جانب آخر في الرجل، فتقطع، يا أخ ويش اللي يُقْطَع؟
طالب: الرجل اليسرى.
الشيخ: يقول المؤلف: (والرجل اليسرى في مقام واحد) يجب أن يكون في مقام واحد؛ لأن الله قال: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ﴾، والواو للجمع والاشتراك، فلا بد أن يكون في مقام واحد؛ بمعنى أننا لا نقطع هذه اليد اليوم ونقطع الرجل غدًا؛ لأن هذا يشق عليه، فإن إجراء الحد عليه مرة واحدة أسلم، ولا نقول أيضًا: نقطع اليمنى، فإذا برئت قطعنا الرجل اليسرى؛ لأن هذا أيضًا خلاف ظاهر النص، فتقطعان في مقام واحد.
قال (وحُسِمَتا) معنى (حُسِمَتا) أي: غُمِسَتا في الزيت المغلي حتى تنسد أفواه العروق ولا ينزف الدم، (ثم خُلِّيَ) ترك.
الرابع: (فإن لم يصيبوا نفسًا ولا مالًا يبلغ نصاب السرقة نُفُوا) (إن) هذه شرطية، وجواب الشرط (نُفُوا)، وأتى المؤلف بكلمة (نفوا) اتباعًا للنص؛ ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]، ولم يذكر النافي، ومعلوم أن النافي هو ولي الأمر الذي له السلطة، فيكون النفي من ولي الأمر، فإن لم يفعل نفاه المسلمون، وهذا هو السر في بنائه للمفعول (نُفُوا).
[ ١ / ٧٦٦١ ]
كيف ننفيهم؟ قال: (بأن يُشَرَّدُوا فلا يُتْرَكُون يأوون إلى بلد) يُشَرَّدُوا في البراري، ولا يمكن يرجعون إلى البلاد؛ لا بلادهم ولا بلاد غيرهم؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾، لا تقل: الآية تقول: ﴿يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ فيجب أن ننزلهم في السماء، هذا لا يمكن، لكن ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ التي يقطعون بها الطريق، والمعنى أننا ننفيهم عن البلدان وعن الأماكن التي يطرقها الناس؛ لأن المقصود من النفي هو إزالة شرهم وإخافتهم الناس، هذا معنى قوله تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾.
وقال بعض العلماء: إن النفي هو الحبس، ﴿يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ يعني: يحبسوا؛ لأن الحبس يقولون: سجن الدنيا، وهو كذلك، والذي في الحبس لا هو في الدنيا ولا هو في الآخرة؛ لا هو في الدنيا مع الناس، ولا في الآخرة مع الأموات، فهو منفي من الأرض، ولأن حبسهم أقرب إلى السلامة من شرهم؛ لأننا لو نفيناهم عن البلدان وعن الطرقات ربما يُغِيرُون في يوم من الأيام في غرة الناس ويقطعون الطريق، لكن إذا حبسوا أمن شرهم نهائيًّا. وهذا مذهب أبي حنيفة.
وكما نعلم جميعًا أن مذهب أبي حنيفة دائمًا مبني على المعقول، ولكن لا يسعفه ظاهر الآية ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾، وإلا لقال الله: أو يحبسوا، فلما قال: ﴿يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ فإننا نقول: ينفوا من الأرض.
ولو قال قائل بأنه إذا لم يمكن اتقاء شرهم إلا بحبسهم حبسوا، وإن أمكن اتقاء شرهم بتشريدهم شردوا، لو قال قائل بهذا لكان له وجه، وكان بعض قول من يقول: يحبسون مطلقًا، ومن يقول: يشردون مطلقًا؛ يعني: نجعل المسألة على التفصيل اختلاف حالين، ننزل هذين القولين على اختلاف حالين، ونقول: إذا أمكن اتقاء شرهم بتشريدهم فعلنا؛ اتباعًا لظاهر النص، وإذا لم يمكن فإننا نحبسهم؛ يعني: هذا أقرب إلى دفع شرهم.
الآن فهمنا من كلام المؤلف وتقريره ﵀ أن عقوبة قطاع الطريق كم وجهًا؟
[ ١ / ٧٦٦٢ ]
طلبة: أربعة.
الشيخ: أربعة أنواع، ولكل نوع جريمة؛ قتل وصلب، قتل بلا صلب، قطع يد ورجل من خلاف، تشريد في الأرض، فإذا قَتَلُوا وأَخَذُوا المال قُتِلُوا وصُلِبُوا، وسبق كيفية الصلب، ومتى يكون.
وإذا قَتَلُوا ولم يأخذوا المال؟
طالب: قُتِلُوا بلا صلبٍ.
الشيخ: قُتِلُوا بلا صلبٍ. وإذا أخذوا المال بلا قتل قُطِعَت أيديهم وأرجلهم من خلاف. وإذا لم يأخذوا المال ولم يَقْتُلُوا شُرِّدُوا.
فعندنا: اجتماع الأمرين، وانفراد أحدهما، وانتفاؤهما، ولكل درجات مما عملوا.
من أين أخذ هذا التقسيم مع أن ظاهر الآية الكريمة: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ [المائدة: ٣٣] ظاهر الآية الكريمة الخيار؛ لأن (أو) إذا جاءت في القرآن فهي للتخيير، وعلى هذا فمن أين جاء هذا الشيء؟
قالوا: جاء هذا من أثر ابن عباس؛ فإنه ﵁ قال هذا القول تمامًا، هذا هو النص العام قال: إذا قَتَلُوا وأَخَذُوا المال قُتِلُوا وصُلِبُوا. وإذا قَتَلُوا ولم يأخذوا المال قُتِلُوا ولم يُصْلَبوا. وإذا أخذوا المال ولم يَقْتُلُوا قُطِعَت أيديهم وأرجلهم من خلاف. وإذا أخافوا الطريق نُفُوا (٥)، هكذا جاء عنه.
وقالوا: إن ابن عباس ﵄ ترجمان القرآن؛ قال النبي ﷺ فيه: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ» (٦).
وقالوا أيضًا: إن المعتاد في القرآن أن الشيء إذا كان على سبيل التخيير بدأ بالأخف، وإذا كان على سبيل الترتيب بدأ بالأغلظ، تأمل.
مراتب كفارة الظهار ترتيب ولَّا تخيير؟
طلبة: ترتيب.
الشيخ: مراتب كفارة الظهار؟
طلبة: ترتيب.
الشيخ: ولَّا تخيير؟
طلبة: ترتيب.
الشيخ: ترتيب. بدأ بالأغلظ ولَّا بالأخف؟
طلبة: بالأغلظ.
[ ١ / ٧٦٦٣ ]
الشيخ: بالأغلظ؛ عتق رقبة، صيام شهرين متتابعين، إطعام ستين مسكينًا.
كذلك في كفارة القتل ترتيب ولَّا تخيير؟
طلبة: تخيير.
طلبة آخرون: ترتيب.
الشيخ: الترتيب .. التخيير، لا الترتيب ولا التخيير، ما يصلح هذا، اجزم.
طالب: ترتيب.
الشيخ: ترتيب، وانظر إلى كفارة اليمين، كفارة اليمين تخيير ولَّا ترتيب؟
طلبة: تخيير وترتيب.
الشيخ: فيها التخيير؛ ثلاثة خصال التي بالتخيير بدأ بالأخف.
طالب: إطعام عشرة مساكين.
الشيخ: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهما، أو تحرير رقبة.
وانظر إلى فدية الأذى؛ إذا كان الإنسان محرمًا واحتاج إلى حلق رأسه حلقه ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، أيهما أشد؟ النسك، ثم أيش؟
طلبة: الصدقة.
الشيخ: الصدقة، ثم الصيام، وهذا في عهد الصحابة ﵃ ومن كان مثل حالهم، إذن يقول هؤلاء الذين قالوا: إن الآية ليست للتخيير ولكنها للتنويع: إن (أو) فيها للتنويع وإنها على حسب الجريمة، قالوا: إن عهدنا بالقرآن أن الشيء إذا كان على الترتيب بدأ بالأغلظ، وإذا كان على التخيير بدأ بالأخف، فصار الدليل عندهم أثر ونظر.
وذهب الإمام مالك ﵀ إلى أن (أو) في الآية للتخيير، وأن الإمام مخير؛ إن شاء قتل وصلب، وإن شاء قتل ولم يصلب، وإن شاء قطع، وإن شاء نفى، هو مخير، لكن على مذهب مالك يجب على الإمام أن ينظر ما هو الأصلح، فإذا كان الأصلح القتل والصلب قَتَلَ وصَلَبَ، وإذا كانت في القتل فقط قَتَلَ فقط، وإذا كان بالقطع قَطَعَ، فمثلًَا إذا انتهك الناس حرمة الحقوق وصاروا لا يبالون بقطع الطريق فما هي المصلحة؟
طلبة: القتل والصلب.
الشيخ: القتل والصلب، وإذا كان صلب هذا الرجل يؤدي إلى فتنة؛ بأن كان سيد قومه وخفنا إذا صلبناه أن تثور هذه القبيلة وأن يحصل دماء ومفاسد، فما هو الأصلح؟
طالب: القتل فقط.
[ ١ / ٧٦٦٤ ]
الشيخ: القتل فقط () أن (أو) للتخيير وليست للتنويع، ما هو مخير، وإذا كان مخيرًا فإنه يجب عليه أن يتبع الأصلح.
ولكن القول الثاني -اللي هو الأول في تقريرنا- أصح، وأنه لا خيار، ولا سيما في وقتنا هذا؛ لأننا لو فتحنا للحكام باب الخيار لتلاعبوا، وصار هذا يقتل ويصلب في نظرهم، والآخر يُنْفَى من الأرض ومشى، فالصواب في هذه المسألة القول الأول، وأن تكون هذه الحدود مُعَيَّنة ليس للإمام فيها خيار، ونجعل (أو) لأيش؟
طالب: للتنويع.
الشيخ: للتنويع لا للتخيير.
طالب: ذكرنا ما دون النفس ()؟
الشيخ: يعني الذي يظهر لي أن الإمام ينظر للمصلحة؛ لأنه يأخذ بالقولين معًا على اختلاف الحالين.
الطالب: وإذا خشينا () كيف يشردوا في الأرض ()؟
الشيخ: ما نخشى عليهم الهلاك نوفر لهم الطعام والشراب، ولكن ما نخليهم يجوا للأماكن المأهولة والمطلوبة.
الطالب: () توفير الطعام؟
الشيخ: معلوم؛ لأنه ما هو المقصود إهلاكهم، المقصود اتقاء شرهم.
طالب: () كقول () المستشفى أسرق يقطع ()؟
الشيخ: هذا سؤال يقول: رجل في يده اليمنى آفة، وقال: بدل من أن أذهب إلى الطبيب وأخسر خمس مئة ريال في قطعها ودوائها أسرق خمس مئة ريال، ويجينا خمس مئة ريال، وتقطع إيدي ببلاش مجانًا، ويش تقولون في هذا؟
طالب: نعامله بما فيه القطع.
الشيخ: ماذا نعمل؟
الطالب: نقطع يده.
طالب آخر: نقطع اليمنى.
الشيخ: الظاهر أن نقطع اليمنى ()، لكن في هذه الحال إذا علمنا أنه فعل هذا لأجل أن تقطع قد نقول: إن الإمام يعذره على هذه النية الفاسدة.
طالب: شيخ، ()؟
الشيخ: ما ذكروا لهذه الآية اختلاف العلماء في هذه الآية فقط.
طالب: في حال إذا ما سرقوا فقط؛ أخذوا المال فقط ولم يقتلوا؟
الشيخ: تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف.
الطالب: تقطع اليد والرجل من خلاف، وإذا جنوا دون القتل قطعوا اليد اليمنى، مثلًا قطعوا اليد اليمنى فكيف تكون الجناية واحدة، الجناية مختلفة؟
[ ١ / ٧٦٦٥ ]
الشيخ: هم أخذوا المال ولَّا ما أخذوا المال؟
الطالب: أخذوا المال.
الشيخ: أخذ المال مع قطع اليد، نعم نقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، نقطع اليد اليمنى.
الطالب: هي مقطوعة بسرقة المال فقط.
الشيخ: لا، هي ما قطعت إلى الآن، ماسكينه الحين.
الطالب: لا، أنا لو قلت: يعني هو لو سرق بدون جناية تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، إن سرق وقطع اليد اليمنى المجني عليها.
الشيخ: نقطع اليد اليمنى، وتكون قُطِعَت لسببين ..
الطالب: إي، بس العقوبة واحدة، والجناية أقوى في ..
الشيخ: إي؛ لأنا المحل واحد الآن، مثل أن يجب عليه القصاص ورُجِمَ -مثلًا- طبعًا إذا القصاص لما كان حقًّا لآدمي إذا قال: أنا أريد أن أقتص، قلنا: يقتص ويسقط الرجم.
طالب: شيخ () يعوض في العلاج؟
الشيخ: إي نعم، يجوز، وهذه مسألة تفتح لنا باب سؤال آخر بعد؛ هل يجوز أن نبنج السارق وقاطع الطريق عند قطع أعضائه ولَّا ما يجوز؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: يجوز -بارك الله فيكم- يجوز أن نبنج قاطع الطريق والسارق بقطعه؛ لأن المقصود إتلاف العضو ما هو الألم، بخلاف من وجب عليه القصاص فإنه لا يجوز أن نبنجه؛ لأن القصاص لا يجب أن ينال من الألم مثلما نال المجني عليه. ()
***
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن أخذ كل واحد قدر ما يقطع بأخذ السارق ولم يقتلوا قُطِعَ من كل واحدٍ يدُه اليمنى ورجلُه اليسرى في مقام واحدٍ وحُسِمَتَا، ثم خُلِّيَ) شرحنا هذا.
(فإن لم يصيبوا نفسًا ولا مالًا يبلغ نصاب السرقة نُفُوا؛ بأن يُشَرَّدُوا فلا يُتْرَكُون يأوون إلى بلد) ثم قال ..
طالب: شيخ، بالنسبة لـ (يُصَلَّبوا) قلنا: فيه الترتيب من الأغلظ إلى الأخف؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: قتل، ثم قتل وصلب، والقتل والصلب أعظم؟
الشيخ: أعظم منه؛ يعني في الآية قصدك؟
الطالب: إي نعم، في الآية.
[ ١ / ٧٦٦٦ ]
الشيخ: لا، في الآية لا، فيه جمع بين هذا وهذا.
الطالب: يا شيخ، من قال: فيصلبوا ..
الشيخ: قال المؤلف: (ومن تاب منهم قبل أن يُقْدَر عليه سقط منه ما كان لله من حق من نفي وقطع وصلب وتحتم قتل).
(ومن تاب منهم) التوبة في اللغة: الرجوع، وفي الشرع: الرجوع من معصية الله إلى طاعته، فإن كانت بترك واجب؛ فبالقيام به إن أمكن استدراكه، أو بالقيام ببدله إن لم يمكن استدراكه وكان له بدل، فإن لم يكن له بدل فإنه يكفي مجرد الندم على ما فوت، فمثلًا إذا قلنا بوجوب صلاة الخسوف ولم يصل الإنسان، فالتوبة منها أيش؟
طالب: بالندم.
الشيخ: بالندم؛ لأنه ليس لها بدل، ولا يمكن استدراكها؛ لفوات سببها.
وإذا تاب من ترك واجبًا في الحج فله له بدل ولَّا لا؟ () بنفسه، كما لو أفسد صلاته حتى خرج وقتها أو لم يخرج، فتمام التوبة بأن يصلي الصلاة.
أما إذا كانت التوبة من فعل محرم فتكون بالإقلاع عنه والنزع عنه فورًا، فإن لم ينزع عنه فإن توبته مع إصراره على فعله استهزاء بالله ﷿، فأنت لو قلت: اللهم إني أستغفرك من الربا وأنت تمارس أكل الربا، فما هذا إلا نوع استهزاء بالله ﷾.
لو أنك تقابل ملكًا من ملوك الدنيا نهى عن شيء ثم تقول: يا أيها الملك إني تبت إليك وأنت بيدك ما نهى عنه يراها، ماذا يقول الملك؟ يقول: أنت تستهزئ بي، هذا استهزاء ويعذبك أكثر.
ولهذا نقول: إن شروط التوبة خمسة؛ الإخلاص لله ﷿، والندم على ما فعل، والإقلاع عنه، والعزم على ألَّا يعود، وأن يكون في الزمن الذي تُقْبَل فيه التوبة، خمسة شروط للتوبة.
أما الإخلاص فظاهر؛ بألَّا يتوب الإنسان خوفًا من مخلوق أو تزلفًا إليه، وإنما يتوب خوفًا من رب العالمين وتقربًا إليه ﵎.
وأما الندم فأن يشعر بقلبه أنه فعل أمرًا يأسف له، ليس أمرًا يمر مر الكرام.
وأما الإقلاع عنه فأن يبادر بتركه، وإذا كان لآدمي فأن يبادر باستحلاله وإيصاله الحق.
[ ١ / ٧٦٦٧ ]
وأما العزم على ألَّا يعود فهو بالقلب؛ يعزم على ألَّا يعود لهذا الذنب، وليس الشرط ألَّا يعود، بل أن يعزم ألَّا يعود؛ ولهذا لو عزم ألَّا يعود ثم عاد فإن التوبة الأولى لا تنتقض؛ لأنها تمت شروطها.
وأما أن تكون في زمن تقبل فيه التوبة كأن تكون قبل حضور الأجل وقبل طلوع الشمس من مغربها؛ لأن التوبة بعد حضور الأجل ومعاينة العذاب غير مقبولة، كما قال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: ١٨]، وقال ﷿: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٥) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٤، ٨٥]، والتوبة واجبة على الفور، ويش معنى الفور؟ يعني بدون تأخير؛ لأن الإصرار على الذنب ذنب، ولأن الإنسان لا يدري متى يفجؤه الأجل فيُحْرَم من التوبة.
ثم إذا تاب هؤلاء قطاع الطريق؛ فإن كانت بعد القدرة عليهم فلا تُقْبَل توبتهم وليس لها أثر، وإن كان قبل قُبِلَت.
ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤]، وجه الدلالة من الآية أنه قال: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وختمها باسمين كريمين يدلان على أيش؟
طلبة: المغفرة.
الشيخ: العفو والمغفرة، وفُهِمَ من الآية الكريمة: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ أنهم لو تابوا بعد القدرة فإنه لا تسقط عنهم العقوبة، والحكمة من ذلك أنهم إذا تابوا قبل أن يُقْدَر عليهم فإنه دليل على أن توبتهم صادقة، فيتوب الله عليهم، أما إذا تابوا بعد أن يُقْدَرَ عليهم فإن القرينة تدل على أن توبتهم أيش؟
طلبة: خوفًا من ().
[ ١ / ٧٦٦٨ ]
الشيخ: خوفًا من النكال والعقوبة؛ فلذلك لا تُقْبَل، وهذا في قطاع الطريق.
أما الكافر فتُقْبَل توبته ولو بعد القدرة عليه، فإذا كان كافرًا حربيًّا يُظْهِر العداوة للمسلمين، فقدرنا عليه، فتاب بعد أن قدرنا عليه فإنا نرفع عنه القتل؛ لقول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، وهذا عام، ولحديث أسامة ﵁ في قصة المشرك الذي لحقه أسامة حتى أدركه، فلما علاه بالسيف قال: لا إله إلا الله، فقتله أسامة، فأُخْبِرَ النبي ﷺ بذلك فقال: «قتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟» قال: نعم، يا رسول الله، إنما قالها تعوذًا، قال: «قتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟» قال: نعم، فما زال يرددها عليه حتى قال أسامة: تمنيت أني لم أكن أسلمت بعد (٧)، مع أن الرجل واضح -يعني حسب ما يظهر، والعلم عند الله- أنه قالها تعوذًا، لكن فيه احتمال أنه قالها عن صدق، وأنه لما رأى الموت قالها.
وهذا ليس كالذي حضره الأجل؛ لأنه من الممكن أن يمتنع القادر عن قتله؛ يعني: لا يُقَال: إن هذا ينافي الآية ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: ١٨]؛ لأن هنا جائز أن هذا الذي شهر عليه السلاح أن أيش؟
طالب: يرحمه.
الشيخ: يرحمه ويكف عنه، لكن إذا حضر الأجل وحضر الملك لقبض الروح ما عاد فيه مشى الإنسان، فالحاصل أن نقول: هؤلاء المحاربون إذا تابوا قبل القدرة عليهم ارتفع عنهم الحد.
وهل مثل ذلك جميع الحدود؟
الجواب: نعم، كل الحدود إذا تاب الإنسان منها قبل القدرة عليه سقطت عنه، فإن طالب بإقامتها عليه فإن للإمام أن يقيمها عليه، فإن رجع عن طلب الإقامة بالقول أو بالفعل ارتفعت العقوبة عنه، وهذا بخلاف ما إذا ثبتت ببينة فإنها تقام.
[ ١ / ٧٦٦٩ ]
على كل حال، الحدود من أين نعلم توبتهم؟ نعلم بذلك بأن يُلْقُوا السلاح ويجيؤوا تائبين؛ إما جمعًا، وإما بإرسال رسول منهم إلى الإمام ويقول: إن الجماعة كتبوا هذا العهد، وتعهدوا ألَّا يعودوا لما هم عليه، وحينئذٍ نعرف أنهم تابوا، وفي قوله ﷿: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ إشارة إلى أن مقتضى رحمته ومغفرته جل وعلا أن يُغْفَر لهؤلاء ويُرْحَمُوا.
يقول: (سقط عنهم ما كان لله من نفي) وهذا متى يكون نفي؟ إذا لم يَقْتُلوا ولم يأخذوا مالًا، الآن ليس عليهم حق لآدمي، ويش هو النفي؟ متى يكون نفي؟
طالب: إذا كان ليس له حق عند آدمي.
الشيخ: لا.
طالب: إذا أخافوا ولم يَقْتُلوا ولم يأخذوا مالًا.
الشيخ: صح؛ لأنهم ما أخذوا من أحد شيئًا، فيسقط عنهم النفي.
(من نفي وقطع) قطع أيش؟ اليد والرجل من خلاف، (وصلب) واضح الصلب من حقوق الله، (وتحتم قتل) وحينئذٍ ما قال المؤلف: وقَتْلٍ؛ لأنهم إذا قتلوا مكافئًا وطالب أولياء المقتول بالقتل قُتِلَوا، لكن إذا لم يتوبوا كان قتلهم أيش؟
طالب: حتمًا.
الشيخ: حتمًا، سواء قتلوا مكافئًا أم غير مكافئ كما سبق، فالذي يسقط عنه الآن ما كان لله تعالى، وهي أربعة أشياء: النفي، والقطع، والصلب، وتحتم القتل، ولم يقل المؤلف: وقَتْلٍ، لماذا؟
الطالب: لأن ().
الشيخ: لأنهم قد يقتلون مكافئًا وتتم الشروط -شروط القصاص- وحينئذٍ يُقْتَلون.
أرأيت لو أنهم قتلوا رجلًا من المسلمين وطالب أولياؤه بالقصاص، هل يُقْتَص منهم؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، يقتص منهم؛ ولهذا قال المؤلف: (وأخذ بما للآدميين من نفس وطرف ومال) كان على المؤلف ﵀ أن يقول: وتحتم قتل وقطع؛ لأن المؤلف يرى أنهم إذا قطعوه قطعًا يوجب القصاص؟
طالب: فلا بد من إقامة ..
[ ١ / ٧٦٧٠ ]
الشيخ: تحتم استيفاؤه، خلافًا للمذهب، وكان عليه أن يقول: وتحتم قتل وقطع، ولكن المذهب أنهم إذا قطعوا طرفًا فإنه لا يتحتم استيفاؤه، فلصاحبه الحق في القصاص أو الدية.
(وأخذ بما للآدميين من نفس) متى يكون النفس؟ إذا قتلوا مكافئًا، (وطرف) إذا قطعوا عضوًا، (ومال) إذا أخذوا مالًا.
مثال ذلك: هؤلاء قوم من قطاع الطريق قتلوا شخصًا، وبعد أن قتلوه وأخذوا ماله جاؤوا تائبين إلى الله ﷿، فهنا يسقط عنهم الصلب أولًا، ويسقط عنهم تحتم القتل، فإن طالب أولياء المقتول بالقتل وتمت شروط القصاص قُتِلُوا قصاصًا لا حدًّا، والمال اللي هم أخذوه يسقط عنهم القطع بالنسبة لأخذ المال، وهل يُطَالَبُون به؟ نعم؛ لأنه حق آدمي، فطُولِبُوا به.
قال المؤلف: (إلا أن يُعْفَى له عنها) فإن عُفِيَ له عنها سقطت؛ لأنها حق آدمي، وحق الآدمي يُرْجَع إليه، ولكن هنا سؤال: هل الأفضل أن يُعْفَى لهم أو أن يطالبوا بالضمان؟
طالب: المصلحة.
الشيخ: الصواب أن فيه تفصيلًا، وأنه إن كانت المصلحة تقتضي أن يُعْفَى عنهم عُفِيَ عنهم، وإن كانت المصلحة تقتضي أن يُؤْخَذُوا به أُخِذُوا به؛ لأن الله ﷾ قال: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]، فاشترط في ثبوت الأجر على الله أن يكون مع العفو إصلاح، وهذا صحيح. أما إذا كان في العفو إفساد فإنه لا يجوز العفو حينئذٍ. وإن كان العفو مترددًا بين الإصلاح والإفساد فيجب أن يُغَلِّب الإنسان جانب العفو.
معنى (يجب) ليس معناه: يجب القول بتغليب جانب العفو لا الأخذ بذلك؛ لأن للإنسان الحق أن يعفو مطلقًا.
يقول: (إلا أن يعفى له عنها)، ثم قال: (ومن صال على نفسه)، أما نسخة: (ومن صيل) فهي خطأ بلا شك؛ لأن الفاعل موجود.
طالب: إذا قال ()؟
الشيخ: يصلح، (إلا أن يُعْفَى له عنه).
الطالب: إلا ما يُعْفَى عنه.
الشيخ: ما يخالف، عندكم (ومن صيل) هذه لازم تصحح.
طلبة: (ومن صال).
[ ١ / ٧٦٧١ ]
الشيخ: فيه يا ناس (من صيل)، أنا أعرف نسخ فيها (ومن صيل)، اللي نسخته (من صيل) يجب أن يصححها؛ لأنه لا يستقيم أن يكون (صيل)، وهو فعل مبني للمجهول؛ لوجود أيش؟
طالب: فاعل.
الشيخ: لوجود الفاعل؛ وهو قوله: (آدمي).
(ومن صال على نفسه آدمي أو صال على حرمته) أي: حريمه (أو صال على ماله آدمي) إلى آخره، وسواء كان الصائل يريد القتل أو يريد الفاحشة وانتهاك العرض -والعياذ بالله- أو يريد الأذية التي دون القتل ودون انتهاك العرض. وكذلك نقول في المال، وكذلك نقول في الحرمة والأهل.
يقول المؤلف: (آدمي) فاعل (صال)، والصول معروف؛ وهو الاقتحام والتعدي، (آدمي) يعني إنسانًا، (أو بهيمة) يعني حيوانًا، وسمي الحيوان بهيمة لانبهام أمره؛ حيث إنه لا ينطق ولا يفصح عما في نفسه، هل سمعتم أن بعيرًا جاع فقال لصاحبه وقد مر: يا صاحبي أعطني علفًا؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، ويش يقول؟
طالب: ().
الشيخ: يرغي ولَّا لا؟ الرغى ما ندري هل هذا لطلب الأكل أو لشيء فيه أيضًا، ما ندري، لكن ذكروا في آيات الرسول ﷺ أن جملًا جاء إليه أي إلى النبي ﷺ يشكو صاحبه بأنه يجيعه فسأل النبي ﷺ صاحبه فأخبره فأمره أن يحسن إليه (٨)، وهذا إنما يكون على سبيل؟
طالب: الآيات.
الشيخ: الآيات، والآيات خوارق للعادة.
[ ١ / ٧٦٧٢ ]
(آدمي أو بهيمة فله الدفع عن ذلك بأسهل ما يغلب على ظنه دفعه به) (فله الدفع عن ذلك) وسيأتي () اللام هنا للإباحة؛ يعني: لا يجب عليه أن يستسلم بل يدافع، له أن يدافع، ولكن يدافع بأسهل ما يغلب على الظن دفعه به؛ إن كان يندفع بالتهديد فلا يضربه، إن كان يندفع بالضرب باليد فلا يضربه بالعصا، إن كان يندفع بربط إحدى يديه فلا يربط الثنتين، إن كان يندفع بربط اليدين دون الرجلين فلا يربط الرجلين؛ يعني: إلى أن تصل إلى القتل، فإن لم يندفع إلا بالقتل فله قتله؛ ولهذا قال المؤلف: (فإن لم يندفع إلا بالقتل فله ذلك ولا ضمان عليه).
إذا لم يندفع إلا بالقتل فله أن يقتله وليس عليه ضمان، لماذا؟ لأن النبي ﷺ سُئِلَ عن الرجل يأتي إلى الرجل ليأخذ ماله قال: «لَا تُعْطِهِ»، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: «قَاتِلْهُ»، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: «فَأَنْتَ شَهِيدٌ»، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: «هُوَ فِي النَّارِ» (٩)، فالرسول ﵊ قال: «لَا تُعْطِهِ»، فأنا لي أن أدافعه، فإن لم يندفع إلا بالقتل فلي قتله وليس علي ضمان، وعلي كفارة؟ لا، فهذا الدليل.
أما بناء على القواعد فلأن ما ترتب على المأذون ليس بمضمون، وأنا مأذون لي بأن أدافع عن نفسي، فما ترتب على هذا المأذون فإنه ليس بمضمون.
[ ١ / ٧٦٧٣ ]
ولكن هنا مسألة: لو أنني قتلته دفاعًا عن نفسي وأهلي ومالي، ثم طالبني أولياؤه وطلبوا القصاص، وقالوا: أنت قتلته واعترفت بأنك قتلته، فنحن نطلب أن تقتل فقال: إني مدافع عن نفسي، قالوا: هات الشهود، قال: لو كان هناك شهود ما هاجمني، هو لم يهاجمني إلا إذا كان مكانه خاليًا، فقالوا: إذا كان ما عندك شهود ما عندك إلا دعوى، قال: هو في بيتي يا جماعة، انظروا إليه، قالوا: نعم، دعوته إلى بيتك لتقتله في بيتك، ممكن هذا ولَّا ما هو ممكن؟ ممكن؛ يعني: لا يحيله العقل، فإذن نطالب بأن تقتل، فماذا يصنع؟ القضاء يحكم بقتله؛ لأن النبي ﷺ يقول: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى رِجَالٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ» (١٠).
ولو أننا قبلنا مثل هذه الدعوى لكان كل إنسان يمتلئ قلبه حقدًا على شخص يدعوه إلى بيته، وتفضل، أنت عزيز وغالٍ علينا، ونحبك، وقد أعددنا لك طعامًا طيبًا؛ فاكهة ولحمًا وخبزًا وما أشبه ذلك، تفضل، هذا يحضره الطمع حب الأكل ويجيب، فإذا دخل قتله وادعى أنه هو الذي دخل عليه البيت ليعتدي عليه وعلى حرمته، ممكن هذا ولَّا لا؟ ممكن، فلما كان هذا الأمر ممكنًا غير ممتنع صار من ادعى خلافه فعليه البينة، وإلا فيُقْتَل، ويوم القيامة سوف يحكم بينهم الحكم العدل ﷿، أما نحن في الدنيا فإنه ليس لنا إلا الظاهر فقط، وهذا لا شك أنه جارٍ على قواعد الشرع في ظاهر الأمر.
ولكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنه يجب أن يُنْظَر في القرائن؛ لأن وجود البينة في مثل هذه الحال متعسر أو متعذر، ولأن هذا يقع كثيرًا ما يصول الإنسان على أحد، ثم يدافع المصول عليه عن نفسه حتى يصل إلى درجة قتله.
[ ١ / ٧٦٧٤ ]
قال ﵀: ينبغي أن يُنْظَر في هذا إلى القرائن؛ فإذا كان المقتول معروفًا بالشر والفساد والقاتل معروفًا بالخير والصلاح فالقول قول القاتل، وحينئذٍ لا ضمان عليه؛ لأن قول الرسول ﵊: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» (١١)، بالاتفاق أنها لا تختص بالشهود، فإن البينة: كل ما أبان الحق وأظهره، وإذا قامت القرينة القوية الظاهرة على صدق الدعوى فإنه يجب العمل بمقتضاها، كما قلنا في دعوى الرجل لباسًا بيد غيره وهو متخلٍّ عنه فإن القول قول المدعي.
كما لو رأينا شخصًا أصلع ما معه غطرة، وآخر معه غطرة لابسها وغطرة بيده وهو هارب، والأصلع يركض وراءه يقول: أعطني غطرتي، فوقف ذاك ويش غطرتك؟ ! مسكين أنت ما عندك واحدة، تقول: هذه غطرتي، ممكن يكون هذا ولَّا لا؟ ممكن، يمكن هذا الأصلع ما عنده غطرة حقيقةً، وجد هذا معه غطرتين فبيدعي أن هذه لي، لكن نقول: هنا الظاهر عندنا، ولَّا صحيح ما بيد الإنسان فهو له بلا شك، لكن هذه قرينة ظاهرة تؤيد دعوى المدعي فيعمل بها.
وعندكم أيضًا في مسألة القسامة، ويش فيها القسامة؟ فيها قتل ولَّا لا؟ مبنية على أيش؟ على القرينة، فجعلت الأيمان في جانب المدعي.
فقول شيخ الإسلام ﵀ هو الحق في هذه المسألة، ولا يمكن إصلاح الخلق إلا به؛ لأنه ما أكثر الذين يعثرون على الناس الآمنين الوادعين في بيوتهم المعروفين بالصلاح وبعدم العدوان، فيصول عليهم هذا المجرم الخبيث، فإذا دافع المسكين عن نفسه وقتله؛ لأنه لم يندفع إلا بالقتل نقول: نضمنك، مشكلة!
إذا كان يمكن دفعه بدون القتل فقتله، يضمن ولَّا لا؟
طالب: يضمن.
الشيخ: يضمن؛ لأن هذه دفع صيالة، فيجب أن يكون بالأسهل فالأسهل.
إذا خاف أن يبدره بالقتل، هو إلى الآن ما بعد اشتبكوا، لكن خاف أنه يبدره بالقتل لأنه معه السلاح، فهل له أن يبادر بالقتل؟
طلبة: نعم.
[ ١ / ٧٦٧٥ ]
الشيخ: نعم، له أن يبادر؛ يعني: لو كان هذا المجرم معه سلاح وأشهره على المصول عليه قال: يلَّا، مكني من نفسك أو من أهلك وإلا قتلتك بهذا المسدس، وخاف إن امتنع أن يقتله فله أن يبادر بالقتل؛ لأن هذا غاية قدرته، لا يمكن أن يستسلم لهذا يقتله، فإن قلت: ألا يمكن أن يهدد فلا يفعل؟
طلبة: يمكن.
الشيخ: فالجواب: بلى، يمكن أن يهدد ولا يفعل، لكن ويش الأصل وهو مجرم الآن؟ أنه يقتل، لا حظوا أن المجرم ويش بيقول بنفسه؟ يقول: أنا مقتول مقتول، هذا بيقول: أنا مقتول مقتول؛ إما من هذا الرجل، ولَّا من السلطات، أنا بقتل ()، أليس كذلك؟ ممكن.
إذا قال قائل: ألا يمكن أن يكون المسدس -مثلًا- اللي في يديه لعبة صبيان؟
أقول: لا أعرف، هذا ممكن، لكن أنا الآن في حالة لا أتمكن من الاطلاع ولا من التثبت، وأنا خائف لو أتأخر لحظة قُضِيَ عليَّ، فالمسألة ما هي مسألة عقلية مسألة تصرفية؛ كيف أتصرف في هذا الحال؟ هذا أدنى ما أقدر على التصرف فيه؛ ولهذا قال العلماء: إن خاف أن يبدره بالقتل فله أن يبادر بالقتل، بخلاف ما إذا لم تخف فلابد أن تدفع بالأسهل فالأسهل.
() أن يقتله ولو أنه حُكِمَ عليه بالظاهر بالقتل، أو الأولى أن يستسلم فيقتله المجرم؟
طلبة: الأول هو الأولى.
الشيخ: الأول هو الأولى بلا شك.
طالب: في الحالين ().
الشيخ: إي، الأول نعم، لكن الأول يجب أن يدافع؛ أولًا: لأجل قطع دابر هؤلاء القوم، والشيء الثاني: أنه في احتمال أن يرفع عنك القتل حتى عند القاضي فيه احتمال ().
طالب: لو صار الحكم على ذلك عادة؟
الشيخ: لا، ولو كان كل شيء يمكن، ما دام ما وقع كل شيء يمكن.
طالب: () في الدروس السابقة إقامة الحدود ()؟
الشيخ: إي نعم، ويش فيها؟
طالب: تقام؟
[ ١ / ٧٦٧٦ ]
الشيخ: لا، الصحيح أنها لا تقام، وقد يُفَرَّق بين من كان فيه غناء للمسلمين فيرفع عنه الحد، ومن لم يكن كذلك فيقام عليه الحد، كما في قصة أبي محجن الثقفي (١٢)، وقد يقال: إنه يرجع في هذا إلى رأي الإمام، وهذا طيب.
طالب: ظاهر الحديث: قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: «قَاتِلْهُ» (٩) يجوز تقدير () للإباحة؟
الشيخ: بيجينا، الإباحة هذا في مقابلة المنع؛ لأن العلماء -هذه قاعدة ينبغي أن نعرفها- قد يعبرون باللام في مقابلة المنع.
مثال ذلك في الحج يمكن مر عليكم قال: (وللقارن والمفرد إذا لم يسوقا الهدي أن يجعلاها عمرة ليحجا في هذا العام)، فقولهم: (وللقارن) في مقابلة قول من يقول: إنه ليس له ذلك، هم عاد يأتي الحكم، هنا قال فيما بعد: (ويلزمه الدفع عن نفسه وحرمته).
ويَلزمُه الدفْعُ عن نفسِه وحُرْمَتِه دونَ مالِه، ومَن دَخَلَ منزلَ رجُلٍ مُتَلَصِّصًا فحُكْمُه كذلك.