وهو الذي يَكْفُرُ بعدَ إسلامِه،
والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ما تقول في رجل () ..
السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالًا من الله، والله غفور رحيم.
طالب: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨].
[ ١ / ٧٦٧٧ ]
الشيخ: والله غفور رحيم، القارئ يقرأ: والله غفور رحيم، فقال الأعرابي: ما هكذا الآية، اقرأ زين، قال: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالًا من الله، والله غفور رحيم. قال: ما يمكن، يقول الأعرابي، هو ما قرأ، ما يعرف القرآن، قال له: اقرأ، فقرأ الثالثة فقال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨]، قال له: الآن؛ لأنه عزَّ وحكم فقطع، ولو غفر ورحم ما قطع، شوف سبحان الله!
هذه ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤] يقول: لما غفر ورحم عفا، وسقط عنهم الحد؛ تاب قبل أن يُقْدَر عليه فسقط عنه ما كان لله، وما كان للآدمي؟
طالب: لا يسقط.
الشيخ: لا يسقط، لماذا؟
الطالب: لأن الآدمي يطالب بحقه، والله ﷾ يستغني عن حقه وغفر للإنسان، لكن حق الآدمي فليس ..
الشيخ: حق الآدمي، يقال: حق الآدمي له، أما الله فقد عفا عن حقه، وحق الآدمي له؛ إن عفا عنه سقط، وإلا أُخِذَ. ما هو الذي لله ().
تعرضنا له تعرضًا يسيرًا، خلونا نشوف. هل يلزمه () عن ماله أو لا؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: صح.
***
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (ومن صال على نفسه أو حرمته أو ماله آدمي أو بهيمة فله الدفع).
وذكر أنه إذا قَتَلَ الصائلَ على وجه لا يندفع إلا بالقتل فلا ضمان فيه، وإذا كانت بهيمة تُضْمَن؟
طالب: لا، من باب أولى.
الشيخ: صال عليه بهيمة؛ بعير صال على هذا الإنسان يريد أن يقتله، أو صال عليه ذئب يريد أن يأكل غنمه، ولم يندفع الجمل ولم يندفع الذئب إلا بالقتل، هل يضمن الجمل لصاحبه؟ وهل يضمن الذئب لأمه؟ !
طلبة: لا.
[ ١ / ٧٦٧٨ ]
الشيخ: يضمن الجمل لصاحبه؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا يضمن، كذا ولَّا لا؟ لأن الصائل لا حرمة له؛ لأنه مؤذٍ، والمؤذي إن كان طبيعته الأذى قُتِلَ وإن لم يَصُل؛ كالفأرة والحية والعقرب، وما أشبهها، وإن لم يكن طبيعته الأذى فإنه يُقْتَل حال أذيته مثل هذا الصائل.
قلنا: لا يضمنه، لكن لو ادعى صاحب الجمل أن الجمل لم يَصُل، وقال: اضمن جملي، من قال: إنه صال عليك؟ فما هو الحكم؟
طلبة: يُنْظَر القرائن.
الشيخ: أما المذهب فيلزمه الضمان؛ لأن الأصل حرمة مال المسلم، الأصل أن هذا الجمل محترم، إلا إذا قامت البينة على أنه صال عليك ولم يندفع إلا بالقتل.
والصحيح ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يرجع في ذلك إلى القرائن؛ فإذا عُلِمَ أن هذا القاتل الذي ادعى أنه صال عليه أنه رجل صالح لا يمكن أن يعتدي على حق غيره إلا بموجب شرعي فإن القول قوله، ولكن بيمينه، لا بد أن يحلف؛ لأن اليمين تكون في أقوى جانبي المدعيين. وأما إذا كان غير معروف بالصلاح فإن الأصل ضمان مال الغير واحترامه.
قال المؤلف: (ويلزمه الدفع عن نفسه) يعني: يلزم من صال عليه آدمي أو بهيمة أن يدافع عن نفسه وجوبًا.
الدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، ومن استسلم للصائل الذي يريد قتله فقد ألقى بنفسه إلى التهلكة ووقع فيما نهى الله عنه.
ولأن نفسه محترمة وأمانة عنده ومسؤول عنها أمام الله، فوجب عليه أن يدافع عنها. هذان اثنان.
ولأنها نفس محترمة، ونفس الصائل نفس معتدية ليس لها حرمة، ومعلوم أنه يجب فداء النفس المحترمة بالنفس المعتدية، وأن تُتْلَف النفس المعتدية؛ لإبقاء النفس المحترمة. هذه ثلاثة أشياء تدل على وجوب المدافعة عن النفس.
وكذلك ما أشار إليه الأخ من قوله ﵊: أرأيت إن قاتلني؟ قال: «قَاتِلْهُ» (١).
[ ١ / ٧٦٧٩ ]
ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]، فأمر بقتلهم حتى عند المسجد الحرام مع حرمته وتعظيمه.
فالحاصل أنه يجب الدفع عن نفسه، لكن هل يُسْتَثْنَى من هذا شيء؟
اختلف العلماء في ذلك؛ فقال بعضهم: يُسْتَثْنى من ذلك حال الفتنة -نعوذ بالله من الفتن- إذا اضطرب الناس وافتتنوا وصار بعضهم يقتل بعضًا، لا يدري القاتل فيما قَتل، ولا المقتول فيما قُتِل؛ فتنة مائجة، فإنه في هذه الحال لا يلزمه الدفع.
واستدلوا بقول النبي ﵊: «إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتَنٌ، الْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَاعِدِ، وَالْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي»، فقيل: يا رسول الله، أرأيت إن دخل بيتي؟ -يعني: هل أقتله أم لا؟ - قال: «لَا تَقْتُلْهُ» (٢).
وقال ﵊: «فَإِنْ بَهَرَكَ السَّيْفُ أَوْ شُعَاعُ السَّيْفُ فَأَلْقِ رِدَاءَكَ عَلَى وَجْهِكَ» (٣)؛ يعني: واستسلم.
واستدلوا أيضًا بفعل عثمان بن عفان ﵁؛ فإن الصحابة طلبوا منه أن يدافعوا عنه الذين خرجوا عليه، ولكنه ﵁ أبى، وقال: لا تقاتلوا (٤)، فإذا كان فتنة فلا تُقَاتِل.
والصواب أن الفتنة إذا كان يترتب على المدافعة -يترتب عليها- شرٌّ أكبر، أو كانت المدافعة لا تُجْدِي؛ لكثرة الغوغاء، ففي هذه الحال لا يجب الدفع، وإلا وجب الدفع؛ لما ذكرنا فيما سبق.
وتحمل النصوص الواردة على ذلك على هذه الحال، وكذلك ما ورد عن عثمان ﵁؛ لأن عثمان رأى أن أهل المدينة لو دافعوا لالتهمهم هؤلاء الخارجون؛ لأنهم عدد كبير لا طاقة لأهل المدينة بمدافعتهم.
ويرى بعض العلماء أنه يلزم الدفع مطلقًا، وأن الأحاديث الواردة في ذلك فيما إذا كان الإنسان لا يستطيع المدافعة فإن مدافعته إذا كان لا يستطيع لا فائدة منها.
[ ١ / ٧٦٨٠ ]
قال: (دون ماله) يعني: يلزمه الدفع عن نفسه وعن حرمته، ما حرمته؟ يعني: أهله؛ كزوجته وابنته وأمه وأخته، وما أشبه ذلك، فيلزمه الدفع عنهم؛ لأن حماية النفوس -كما قلنا فيما سبق- واجبة، فيلزمه الدفاع عنهم.
أما ماله فيقول المؤلف: (دون ماله) فلا يلزمه الدفاع عنه؛ لأن حرمة المال دون حرمة النفس، ولكن هل يجوز؟
طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز الدفاع عن ماله وإن قلَّ، حتى لو كان جرَّة حبر أو ريشة قلم فإنه يجوز.
وقال بعض العلماء: إنه إذا كان المال يسيرًا فإنه لا يجوز أن يدافع عنه مدافعة تصل إلى القتل؛ لأن حرمة النفس أعظم من حرمة المال، ولكن هذا القول ضعيف؛ لأن الأحاديث عامة «دُونَ مَالِهِ»، حديث: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» (٥)، وهو عام، وقال: إن طلب مني مالي؟ قال: «لَا تُعْطِهِ» (١)، وهو عام أيضًا، فالصواب العموم.
وليست المسألة من باب المقابلة والمكافأة؛ لأنه لو كانت من باب المقابلة والمكافأة لقلنا: إنه لا يجوز المدافعة، إلا إذا كان المال الذي صِيل عليه بقدر الدية، وهذا لم يقل به أحد، بل المقاتلة من أجل انتهاك الحرمة حرمة المال.
فيه مسألة: لو أن أحدًا نظر إلى بيتك من خصاص الباب فهل هو كالصائل؟
طالب: نعم.
الشيخ: لا، ليس كالصائل.
الطالب: بس متعدٍّ.
الشيخ: بل هذا تُفْقَأ عينه بدون مدافعة؛ يعني: واحد يُوِز عليك من على الباب، تشوف هذا حاط عينه وأنت مطرف الباب ما حاجة تدافعه، تقول: يا فلان خف الله، لا تنظر لعورات المسلمين، إذا قلت: هذا بيروح ينصرف، لكن تَخفَّ له وخذ معك حربة وافقأ بها عينه، صح؟
طلبة: صح.
الشيخ: إي نعم، هكذا جاء الحديث عن النبي ﷺ (٦)، وهذا يقول شيخ الإسلام ﵀: ليس من باب دفع الصائل، لكنه من باب عقوبة المعتدي.
أما لو كان الباب مفتوحًا؛ واحد فاتح بابه، وجاء الرجل ووقف عند هذا الباب المفتوح وجعل يتفرج على البيت، فهل له أن يفقأه؟
طلبة: لا.
[ ١ / ٧٦٨١ ]
الشيخ: لا؛ لأن الذي أضاع حرمة بيته صاحب البيت، أما إذا كان الباب موصدًا فإن هذا الرجل قد احتفظ لحرمة نفسه.
مثال آخر: رجل وجد على امرأته رجلًا -والعياذ بالله- يزني بها، فهل هو من باب دفع الصائل عقوبته؟
طلبة: لا.
الشيخ: الصحيح لا؛ يعني: ليس من باب دفع الصائل، وأنه إذا وجده يقول: يا فلان اتق الله، لا تنتهك حرمة الناس، هذاك يمكن يقول: جزاك الله خيرًا ويقوم يروح! لكنه من باب عقوبة المعتدي، إذا وجده على أهله فله أن يذهب إلى السيف، ثم يقده نصفين؛ يقد الرجل نصفين، من عند محل فعل الفاحشة، يتحرى مكان فعل الفاحشة، ثم يضربه بالسيف حتى ينقسم، يبقى صدره فوق وأسفله تحت. بدون إنذار؟
طلبة: بدون إنذار.
الشيخ: بدون إنذار؛ لأن هذا -كما قال شيخ الإسلام- أيضًا من باب عقوبة المعتدي.
وقد وقعت هذه القضية في عهد عمر ﵁، فجاء رجل دخل على أهله فوجد عليهم رجلًا، فأخذ بالسيف فقدَّه نصفين، فطالب أولياء المقتول بدمه، ثم ارتفعوا إلى عمر بن الخطاب ﵁، فقال الرجل: واللهِ يا أمير المؤمنين، إن كان أحد بين فخذي أهلي فأنا قد قتلته، ما ذهبت إلى السوق أو إلى بيوت الناس أقتل الناس، فقال: ما تقولون؟ قالوا: نعم، فأخذ السيف عمر وهزه، وقال له: إن عادوا فعد (٧)؛ يعني: هذا من باب عقوبة المعتدي.
فانتبهوا لهاتين المسألتين: النظر من باب موصد، والثاني: إذا وجد رجلًا على أهله في الفاحشة، وهذا ليس من باب دفع الصائل، ولكنه من باب عقوبة المعتدي؛ بمعنى أننا نعاقب هذا الفاعل بدون إنذار.
قال المؤلف: (ومن دخل منزل رجل متلصصًا فحكمه كذلك) أيش معنى متلصصًا؟ أي: لصٌّ وإن كان ليس من اللصوص؛ يعني: ما اعتاد اللصوصية، لكنه دخل متلصصًا يريد أن يأخذ من هذا البيت.
[ ١ / ٧٦٨٢ ]
(فحكمه كذلك) أي: كالصائل على المال؛ فيدافع بالأسهل فالأسهل، فإن لم يندفع إلا بالقتل فإنه يُقْتَل، وإن قال الرجل: أنا دخلت أطلب كتابًا أريد أن أراجع، ما أريد أن أسرق، أو دخلت أريد مصحفًا أبغي أقرأ، أو دخلت أبغي أشرب ماء مثلًا، وأيش نقول؟
نقول: طيب، أولًا: لا يجوز أن تدخل إلا باستئذان، هذه واحدة، فأنت أخطأت من هذه الناحية.
والثاني: إذا كنت تريد ماء نجيب لك كاسَ ماءٍ واشرب وامش، ولَّا لا؟ ولَّا هذا ذل؟ وأيش تقولون؟ هل نسقيه لاحتمال أنه صادق ونخليه يطلع، أو ندور مصحف ونعطيه إياه، يمكن صادق يبغي مصحفًا؟
طلبة: يُنْظَر في القرائن.
طالب: لا نعطيه شيئًا؛ لأن الله نهى أن يدخل الإنسان بيوت الناس بغير إذن أهلها؛ لأنه كاذب على كل حال.
الشيخ: هو على كل حال ما هو كاذب على كل حال، لكنه مخطئ على كل حال، نقول: أنت الآن مستحق للأدب؛ لأنك دخلت البيت بدون استئذان، وكونك تطلب مصحفًا أو كتابًا أو ما أشبه ذلك هذا بعيد؛ لأن الذي يطلب هذا ما يأتي للبيوت يأتي للمكاتب، صح ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: كونه يطلب ماء، ممكن ولَّا غير ممكن؟
طالب: غير ممكن.
طالب آخر: ممكن يكون عابر سبيل أو مسافرًا، يمكن.
الشيخ: يمكن، هذا ممكن.
الطالب: أما لو كان مقيمًا في البلد ما يمكن.
الشيخ: ممكن إذا لم يكن هناك برادات في السوق بعد، ولا كان يقول: روح للبرادات، كما أنه يوجد أيضًا في بعض الأحيان ..، في بعض البلدان تجد الباب مفتوحًا حتى في الليل الأبواب مفتوحة، فإذا جاء غريب ما يدري؛ دخل هذا المكان يظنه -مثلًا- سبيلًا أو وقفًا للناس يدخلوه.
على كل حال، متى وُجِدَت قرائن تدل على صدقه فإنه يُسْمَح له ويُعْفَى عنه، وإلا فإنه يؤاخذ بجريمته.
***
[باب قتال أهل البغي]
ثم قال المؤلف ﵀: (باب قتال أهل البغي) أهل البغي؛ البغي مصدر: بَغَى يَبْغِي بَغْيًا، والمراد بهم: الخوارج الذين يخرجون على أئمة المسلمين.
[ ١ / ٧٦٨٣ ]
يقول المؤلف في تعريفهم: (إذا خرج قوم لهم شوكة ومنعة على الإمام بتأويل سائغ فهم بغاة) (إذا خرج قوم) القوم هم الرجال، والنساء الإناث، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات: ١١]، وهذا إذا قُرِنَ القوم مع النساء، وأما عند الإطلاق فيشمل الرجال والنساء؛ كقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] وما أشبهها، وقال الشاعر:
وَمَا أَدْرِي وَلَسْتُ إِخَالُ أَدْرِي
أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ
(إذا خرج قوم) يعني: جماعة من الرجال؛ لأنهم هم ذوو الشوكة والمنعة.
(لهم شوكة ومنعة) شوكة؛ يعني: قوة، وسميت القوة شوكة؛ لنفوذها، كما تنفذ الشوكة في الجسم.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ ما هما الطائفتان؟ عِير أبي سفيان أو المقاتلون؛ قريش، ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧] فالشوكة هي القوة.
(ومنعة) أي: امتناع؛ أي: أنهم قوم كثيرون يمتنعون أن ينالهم الإنسان بسهولة، فهم قوم جيش.
(على الإمام) من هو الإمام؟ هو الذي نصبه المسلمون إمامًا لهم، هذا الإمام؛ يعني: الخليفة أو أمير المؤمنين، هذا الإمام.
وهنا تكلم الفقهاء ﵏ على شروط الإمامة. وبماذا تحصل الإمامة؟
تحصل الإمامة بالنص عليه؛ أي: بأن ينص عليه الإمام الذي قبله، وهذا هو العهد؛ يعني: أن الإمام الذي قبله ينص على أنه الخليفة بعده، وهذا كما حصل من أبي بكر ﵁ لعمر (٨).
والثاني: اجتماع أهل الحل والعقد عليه، أهل الحل والعقد؛ يعني: وجهاء البلاد وشرفاء البلاد وأعيان البلاد، يجتمعون على هذا الرجل المعين ينصبونه إمامًا.
[ ١ / ٧٦٨٤ ]
ومن ذلك الصورة المصغرة التي اختارها عمر بن الخطاب ﵁؛ فإن عمر لم يعهد إلى شخص معين، ولم يجعل الأمر عائمًا بين المسلمين، ولكنه جعل الأمر بين أشخاص ستة تخيرهم ﵁، وعلل تخيره إياهم بأنهم توفي الرسول ﵊ وهو عنهم راض (٩)، فجعل الأمر بينهم -بين هؤلاء الستة- وهذا نوع من اختيار أهل الحل والعقد، ونوع من العهد بالخلافة إلى معين؛ لأن الخلفية الآن لا يخرج عن هذه الدائرة الضيقة، وهم ستة فقط؛ يعني: لو أن هؤلاء الستة اختاروا رجلًا غير عثمان -مثلًا- فإنه لا يصح اختيارهم؛ لأنه خلاف ما عهد به الخليفة السابق.
وتحصل الإمامة أيضًا بالقهر؛ بأن يخرج إمام على شخص فيقهر؛ يغلب ويقهر الناس، ويستولي ويأخذ السلطة، فهذا تحصل به أيضًا الإمامة؛ يعني بمعنى أنه يكون إمامًا للناس ومرجعًا يرجعون إليه.
أما شروط الإمام فقد ذكرها أهل الفقه في كتب الفقهاء، واختلفوا أيضًا فيها، لم يتفقوا على جميعها، بل اختلفوا فيها.
لكن إذا كان الإمام منتصبًا بأحد العوامل الثلاثة السابقة؛ النص والإجماع والقهر، فخرج عليه قوم لهم شوكة ومنعة، الشرط الرابع (بتأويل سائغ) يعني: خرجوا على الإمام بتأويل، ما خرجوا هكذا بس، قالوا: ما نبغي حكمك، وأخِّر عن الحكم، قالوا: خرجنا عليك؛ لأنك فعلت كذا، وفعلت كذا، ونرى أن هذا يسوغ لنا الخروج عليك، فخرجوا على الإمام.
يقول المؤلف -جواب الشرط-: (فهم بغاة) أي: جائرون ظلمة، وهؤلاء هم اللي معروفون بالخوارج الذين يخرجون على الإمام بتأويل سائغ.
كم الشروط؟ إذا خرج قوم لهم شوكة ومنعة، ثالثًا: على الإمام، والرابع: بتأويل سائغ.
فإن خرج رجل واحد؛ خرج رجل واحد حمل سيفه وراح يركض لمكان الإمام، وقال: يلَّا تنازل عن الخلافة، وإلا قتلتك، وأيش يصير؛ باغٍ ولَّا لا؟
طلبة: لا.
[ ١ / ٧٦٨٥ ]
الشيخ: إذا اختل شرطٌ واحدٌ، قال العلماء: فهم قطاع طريق، إذا اختل شرط واحد من هذه الشروط فهم قطاع طريق، إذن هذا الرجل نعتبره أيش؟ قاطع طريق، ونعامله معاملة قاطع الطريق.
خرج قوم ليس لهم شوكة ولا منعة؛ خرج قوم على الإمام ومعهم عصا من جريد قديم يريدون أن يزيلوا الإمام عن إمامته، جينالهم وين يا جماعة؟ جماعة كثيرة؛ ألفين، ثلاثة آلاف، عشرة آلاف، كلهم ما معهم إلا جريد قديم، لو يمسكه الواحد بيده انكسر، وين رايحين؟ قالوا: خارجين على الإمام، نريد أن نزيل هذا الإمام، وأيش يكونوا؟
طالب: قطاع طريق.
الشيخ: ليش؟
الطالب: ليس لهم شوكة ولا منعة.
الشيخ: لأنه ليس لهم شوكة ولا منعة، وهل الشوكة والمنعة نسبة إضافية؛ بمعنى أن هذه الشوكة والمنعة قد تكون شوكة ومنعة في زمان ولا تكون شوكة ومنعة في زمان آخر؟ فالسيوف والخناجر والرماح في زمان من الأزمان تعتبر شوكة ولَّا لا؟ لكن في زماننا هذا لا تعتبر شوكة فيما يظهر، اللهم إلا في بعض الحالات، أما في الأعمِّ الأغلب فليست بشوكة، كل هؤلاء لا يبلغون عشرين ألفًا أو أكثر تكفيهم طائرة واحدة تبيدهم عن آخرهم، فهنا يمكن أن نقول: إن الشوكة والمنعة تختلف باختلاف الأزمان والأحوال.
(على الإمام) لو خرجوا على أمير في قرية، ما هو على الإمام، قالوا: الإمام، ونِعمَ وهو إمامنا، وفي أعناقنا بيعة له، لكن هذا الأمير ما نبغيه، وخرجوا على الأمير؛ أمير قرية مثلًا، هل هم بغاة ولَّا لا؟
طالب: ليسوا بغاة.
الشيخ: هؤلاء ليسوا بغاة؛ لأنهم ما نزعوا يدًا عن طاعة، لكنهم لا يريدون هذا الرجل المعين، والمؤلف يقول: (على الإمام).
(بتأويل سائغ) إذا خرجوا بغير تأويل أو بتأويل غير سائغ، بغير تأويل قلنا: ليش تخرجون؟ قالوا: أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه؟ ! وأيش اللي يخليه ملكًا علينا وهو خضيري وإحنا قابليه؟ ! ما يمكن، هذا تأويل ولَّا لا؟
طلبة: تأويل غير سائغ.
[ ١ / ٧٦٨٦ ]
الشيخ: هذا تأويل غير سائغ؛ لأن هذا لا يمنع أن يكون إمامًا.
أو خرجوا بغير تأويل؛ قالوا: بس ما نبغيه، والله نفوسنا ما تقبل هذا الإمام أبدًا، وأيش علتكم؟ قالوا: بس هذا أمر ما نقدر نقول: تعبدي، لكن ما نبغيه، وأيش نقول؟
طلبة: قطاع طريق.
الشيخ: قطاع طريق.
فإذن الشروط صارت خمسة ولَّا أربعة؟ لأن كلمة (بتأويل) هذا واحد، (وسائغ) اثنين، تكون خمسة؛ (قوم لهم شوكة ومنعة على الإمام بتأويل سائغ)، خمسة شروط.
قال الفقهاء ﵏: فإن اختل واحد من الشروط فهم قطاع طريق وليسوا بغاة، وتختلف معاملتنا للبغاة عن معاملتنا لقطاع الطريق؛ يعني: قطاع الطريق نأخذهم ونجري عليهم الحد السابق، والبغاة لا، يجب على الإمام أن يراسلهم؛ ولهذا قال المؤلف ﵀: (وعليه أن يراسلهم) ما يقاتلهم ().
قتل؛ أريقت دماء كثيرة، لو قاتلوا الناس لأريقت دماء كثيرة، وحينئذٍ يسألهم يراسلهم؛ يرسل لهم إنسانًا يكون موثوقًا ويكون مرضيًّا بين الجميع أيضًا، ما يرسلهم إنسان يبغضونه، لو أرسل لهم رسولًا يبغضونه قتلوه ولا رجع إليه، لكن يرسل لهم إنسانًا مقبولًا لدى الجميع، فيتفاهم معهم؛ ماذا تنقمون؟ إن ذكروا مظلمة وجب عليه إزالتها، إذا قالوا: نحن ننقم من هذا الإمام كذا وكذا من المظالم فإنه يجب عليه أن يزيل المظلمة ويرد المظالم إلى أهلها، ويمنع الظلم المستقبل، وهذا وإن كان واجبًا عليه من الأصل؛ لأن الظلم محرم، لكن إذا كان بعد طلب هؤلاء ازداد وجوبًا؛ لحقن دماء المسلمين؛ لأنه لو أصرَّ على أن يبقى على مظلمته لحاربه هؤلاء وحصل الشر، فيقال: إنه يجب عليك إزالة المظلمة.
ما ذكروا مظلمة لكن ذكروا مشكلة، إذا ذكروا أيضًا مشكلة أو شبهة وجب عليه أن يبيِّنها لهم، قالوا: واللهِ أنت فعلت كذا وكذا، وهذا أمر مشتبه علينا.
[ ١ / ٧٦٨٧ ]
مثل: لو عاهد المشركين معاهدة سلمية، وقالوا: إحنا ما نقبل هذا، الجهاد قائم إلى يوم القيامة، هذه شبهة يجب عليه أن يبيِّنها ويكشفها، ويقول لهم: أنا -مثلًا- عاهدت هذه المعاهدة للضرورة؛ لأني رأيت أنه لا قِبَل لي بمقاتلة هذا العدو، ولا أتمكن، فرأيت المعاهدة خيرًا من عدمها، وأنا في وقت الاستعداد؛ أنا أستعد للقتال، أنا لن أدع قتال العدو، ولن أبطل الجهاد بهذه المعاهدة، لكني رأيت أن المعاهدة حينئذٍ فيها مصلحة ودفع مفسدة، وأنا أضمن لكم أن أقيم الجهاد، وأرفع علمه متى حانت الفرصة، حينئذٍ يكون كشف لهم الشبهة وبيَّنها.
كذلك -مثلًا- لو جعل ضريبة على أموال من أموال الناس، وقالوا: ليش تجعل الضريبة هذه؟ إحنا ما نقبل، هذا ظلم ومكس، وقال: أنا جعلت ضريبة من أجل أن أخفف من استيراد هذا الأمر الذي فيه ضرر على الناس، وهذه الضريبة التي أجعلها سأصرفها في مصالح المسلمين، فأنا أدفع بهذه الضريبة الضرر المتوقع من كثرة هذا الشيء بين أيدي الناس، وأصرف ما أحصِّل منها إلى مصالح أخرى من مصالح المسلمين. المهم أنهم إذا ذكروا شبهة وجب عليه أن يكشفها.
لو قال مثلًا: ارجعوا وراءكم، أنا الإمام ولا لأحد عليَّ اعتراض، لا أسأل عما أفعل وأنتم تسألون، أيش نقول؟
طالب: يُقَاتَل.
الشيخ: نقول: هذا لا يجوز، حرام عليه أن يقول هذا القول.
***
() رحمه الله تعالى: (وعليه أن يراسلهم فيسألهم: ما ينقمون منه؟) (ما) هنا استفهامية معلقة لـ (يسألون) عن العمل، فالجملة في محل نصب مفعول ثانٍ لـ (يسألهم).
(يسألهم: ماذا ينقمون؟) (ينقمون) بمعنى: ينكرون، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [البروج: ٨] أي: ما أنكروا منهم إلا ذلك، فمعنى (ينقمون): ما الذي ينكرون عليه؟
[ ١ / ٧٦٨٨ ]
(فإن ذكروا مظلمة أزالها) لأن خروجهم من أجل إزالة المظالم خروج بتأويل سائغ، صحيح أن الإنسان لا يجوز له أن يظلم الناس، وإن كان له السلطة العليا عليهم فلا يحل له أن يظلمهم.
وظاهر كلام المؤلف إن ذكروا مظلمة أنه لا فرق بين أن تكون المظلمة عامة أو خاصة.
مثال العامة: أن يضع ضرائب على الناس في تجارتهم، أو أن يلزمهم بهدم بيوتهم وبنائها على الشكل الذي يريد، أو يلزمهم بإخراج شيء من بيوتهم إلى الشوارع بغير عوض، وما أشبه ذلك من المظالم التي تكون عامة، نظامًا عامًّا لجميع الرعية. أو مظلمة خاصة؛ بأن يظلم شخصًا معينًا في ماله أو في نفسه.
فإذا ذكروا مظلمة أزالها وجوبًا ولَّا لا؟ أزالها وجوبًا. لماذا؟ لأن إزالة الظلم واجب، سواء طولب به من جهة الشعب، أم لم يطالب به، فإن الله ﷿ يقول: «يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا» (١٠)، هكذا جاء الحديث القدسي الذي رواه النبي ﷺ عن ربه.
(وإن ادعوا شبهة كشفها) شبهة؛ يعني: في حكم أو في حال؛ في حكم بأن قالوا: إنك منعت من كذا وقلت: إنه حرام، ونحن لم يتبين لنا تحريمه، أو قالوا: إنك قلت: هذا واجب وألزمت الناس به، ونحن لم يتبين لنا وجه إيجابه، فعليه أن يزيل هذه الشبهة ويبين لهم، أو أمرت بقتال هذه الفئة، ونحن لم يتبين لنا جواز قتالها، فعليه أن يبين لهم هذه الشبهة.
فإن قال قائل: كيف يلزمه أن يبين الشبهة وهو ولي الأمر وليس لأحد أن يحاسبه؟
فالجواب: أنه يلزمه أن يبيِّن ذلك درءًا للمفسدة، وليكون له عذر إذا قاتلهم، حتى لا يقول قائل: إنه قاتلهم قتالًا أعمى؛ لأنه إذا بيَّن الحق وأزال الشبهة ثم أصروا على القتال فله العذر في مقاتلتهم.
إذا أزال المظلمة وكشف الشبهة واستقام على ما ينبغي أن يكون عليه ولكنهم أصروا إلا أن يقاتلوا؟
[ ١ / ٧٦٨٩ ]
قال المؤلف: (فإن فاؤوا، وإلا قاتلهم) وجوبًا، ما هو استحبابًا ولا إباحةً، إذا فاؤوا ورجعوا وأغمدوا سيوفهم وذهبوا إلى بيوتهم فذلك هو المطلوب، وهو الذي به الأمن والاستقرار، وإن أبوا قاتلهم وجوبًا ولَّا جوازًا؟
الطلبة: وجوبًا.
الشيخ: قاتلهم وجوبًا؛ لدفع شرهم؛ ولهذا قال المؤلف: (قاتلهم).
نقول: قَاتَلَهم ولَّا نقول: قَتَلَهُم؟
طلبة: قاتلهم.
الشيخ: ما الفرق؟
طالب: قاتلهم يعني ().
الشيخ: الفرق أن القتال إذا كفَّ المقاتل وجب الكف عنه، ولا يجوز اتباعه ولا الإثخان على جريحه، ولا سبي ماله؛ لأنه يجوز قتاله فقط، ولا يجوز قتله، فإذا أدبروا وانهزموا فإننا لا نتبعهم، ولا نجهز على جريحهم، ولا نسبيهم، بل نكف عنهم، فهناك فرق بين القتال والقتل، فليس كل من جاز قتاله جاز قتله؛ ولهذا يُقَاتل الناس إذا تركوا الأذان مثلًا، ولكن هل يجوز قتلهم؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، يعني لو أن ناسًا تركوا الأذان؛ قرية فيها مئة وخمسون نفرًا تركوا الأذان، والإمام باستطاعته أن يبيدهم في ربع ساعة جميعًا، فإنه لا يجوز أن يقتلهم، لكن يقاتلهم بمعنى: يلزمهم وإن أدَّى إلى المقاتلة بالأذان.
[ ١ / ٧٦٩٠ ]
ومن هنا يظهر السر في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]، ما قال: فقاتلوهم قال: ﴿إِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ وهذا يحتمل معنيين: أحدهما: إن قاتلوكم فسيجعل الله لكم التمكين حتى تقتلوهم، فهو كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣]، فإن هذا فيه إشارة إلى أن من قتل مظلومًا فسوف يظهر الله قاتله ويقتل؛ ولهذا قال: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾، يكون المعنى: إن قاتلوكم فستكون الدولة لكم عليهم فاقتلوهم، أو أن المعنى -احتمال الآخر-: إن قاتلوكم فاقتلوهم وإن وضعوا السلاح؛ لأنهم بانتهاكهم حرمة المسجد الحرام كانوا مستحقين للقتل.
فالمهم أن هناك فرقًا بين القتال وبين القتل، فهؤلاء البغاة إذا لم يرجعوا فإن الإمام يجب عليه أن يقاتلهم.
وهل يجب على رعيته أن يعينوه على قتالهم؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، يجب عليهم.
فإن قالت الرعية: نحن لا نقاتل قومًا مسلمين، كيف نقاتلهم؟ كيف نحمل السلاح عليهم؟ قلنا: لأنهم بغاة، فقتالهم من باب الإصلاح، وإذا لم يمكن الإصلاح إلا بقتالهم وجب، فيجب على الرعية طاعة الإمام إذا أمر بالخروج معه لقتال هؤلاء.
بقي أن يقال هنا حال ثالثة؛ لأن المؤلف ذكر حالين؛ حال يكف هؤلاء عن القتال إذا بُيِّن لهم الأمر، وفي هذه الحال ماذا نصنع؟
طالب: نكف عنهم.
الشيخ: نكف عنهم، ما داموا قد كفوا فنكف عنهم.
الحال الثانية: ألَّا يرجعوا، بل يستمروا في الخروج، فحينئذٍ يجب على الإمام أن يقاتلهم، ويجب على الرعية أن يساعدوا الإمام.
[ ١ / ٧٦٩١ ]
الحال الثالثة: إذا لم يكشف الشبهة ولم يزل المظلمة، قالوا: نريد أن تزيل المظلمة الفلانية، قال: لا، لا أزيلها، أو نريد أن تكشف لنا وجه ما فعلت، ووجه حكمه من الكتاب والسنة، قال: لا، في هذه الحال؛ إن فاؤوا فالأمر واضح وانتهى الإشكال، لكن إن أبوا، قالوا: ما دمت لم تُزل المظلمة ولم تكشف الشبهة لنا فإننا سنقاتلك، فالإمام يجب عليه قتالهم ولَّا ما يجب؟
طلبة: ما يجب.
الشيخ: ما يجب؟
طلبة: ما يصح.
طلبة آخرون: يحرم عليه.
الشيخ: وإذا قاتلهم هل يجب على الرعية أن يعينوه؟
طلبة: ما يجب.
الشيخ: نشوف، نقول: هؤلاء إذا أصرَّ الإمام على ظلمه وعلى تعمية الأمر ولم يبين لهم الوجه، فهل لهم قتاله أم لا؟ لا، لا ليس لهم قتاله، لا تكونوا الخوارج، ليس لهم قتاله؛ لأن النبي ﷺ يقول في الأمير: «اسْمَعْ وَأَطِعْ وَإِنْ ضَرَبَ ظَهْرَكَ وَأَخَذَ مَالَكَ» (١١)، ونهى أن ينزع الإنسان يدًا من طاعة، إلا أن يرى كفرًا بواحًا عنده فيه من الله برهان (١٢).
فلهذا نقول: إن هؤلاء إذا خرجوا وطلبوا من الإمام إزالة المظالم أو كشف الشبهات، ولكنه أصرَّ، فنقول: لا شك أنه آثم بذلك؛ أما في الأول -وهو عدم رفع المظلمة- فهذا ظاهر. وأما في الثاني فلأنه يجب عليه أن يبين الأمر درءًا للمفسدة، فإن لم يفعل فهو آثم بلا شك، لكن هؤلاء لا يجوز لهم الخروج عليه؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك.
ومن أجل أنه لا يجوز الخروج لهم عليه، فهل نقول: إنه يجوز -الآن أنا بأعيد عليكم السؤال- هل يجوز أن نقول: إنه يجوز له قتالهم درءًا للمفسدة ولَّا لا؟ لأن السبب الذي قاموا من أجله لا يحل لهم القتال من أجله، إذن فهم معتدون، ودفع اعتداء المعتدي واجب، فأنا أتوقف في هذا؛ هل يجب عليه أن يقاتلهم ويجب على رعيته أن يعينوه أم لا؟ فتحتاج المسألة إلى مراجعة. أما كلام المؤلف فظاهر أنه إنما يقاتلهم إذا بيَّن لهم الشبهة وأزال المظلمة.
[ ١ / ٧٦٩٢ ]
هؤلاء الذين قُوتِلُوا إذا انهزموا يجوز لنا أن نتبعهم؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، إذا وُجِدَ منهم جريح يجوز أن نجهز عليه ونقتله؟ لا.
إذا وُجِدَ لهم مال أو ذرية فإنه لا يجوز أن نغنم أموالهم، ولا أن نسبي ذراريهم.
في باب التوارث؛ هل يقع التوارث بين هؤلاء وأقاربهم الذين مع الإمام؟
طلبة: ().
الشيخ: كلهم مسلمون، القاتل لا يرث إذا قتل قريبه، ما هو من موانع الإرث القتل؟
طالب: ليس لهذا الغرض، ليس للإرث.
الشيخ: يقول العلماء: إن القتال الواقع بين هؤلاء غير مقصود في الحقيقة؛ ولذلك لا يمنع التوارث، وقد مر علينا في كتاب الفرائض أنه إذا قتل العادلُ الباغي أو الباغي العادلَ فإنهم يتوارثون.
وذهب بعض العلماء إلى أنه إن كان القاتلُ العادلَ ورث من الباغي، وإن كان القاتلُ الباغيَّ لم يرث من العادلِ؛ لأن قتال العادل بحق وقتال الباغي بغير حق.
وسبق لنا أن هذا قول قوي جدًّا، وأما المذهب فكل منهما يرث الآخر؛ لأن هذا قتال بتأويل.
***
ثم قال المؤلف: (وإن اقتتلت طائفتان لعصبية أو رئاسة فهما ظالمتان) (اقتتلت طائفتان) منين؟ من المؤمنين.
(إن اقتتلت طائفتان من المؤمنين لعصبية أو رئاسة) الفرق بينهما؛ العصبية يكون سببها التفاخر، لا يريد أحدٌ أن يعلو على أحدٍ، لكن تشاجروا فيما بينهم، فقالت كل طائفة للأخرى: أنت القبيلة الفلانية فيك كذا وكذا، وفيك كذا وكذا، فحمي الأمر بين الطائفتين فاقتتلتا، هذا لماذا؟ لعصبية، يكون بين القبائل شتائم، سبٌّ، كما في الجاهلية وفيما بعدها أيضًا، عند السب والشتم وكل واحدٍ يقدح في الآخر يحمي الأمر بينهم ثم يتقاتلون، نقول: هذا قتال لأي شيء؟
طالب: لعصبية.
الشيخ: لعصبية.
(أو رئاسة) كل طائفة تريد أن تكون لها الرئاسة على الأخرى؛ يعني: يريدون أن يكتسحوهم ويضموهم إليهم، هذا نقول: لرئاسة.
(فهما ظالمتان) كل واحدة منهما ظالمة، ولكن هل تكفران؟
طلبة: لا.
[ ١ / ٧٦٩٣ ]
الشيخ: لا؛ لأن قتال المؤمن ليس كفرًا مخرجًا عن الملة، وقتله أيضًا ليس كفرًا مخرجًا عن الملة، فماذا نعمل؟ يقول الله ﷿: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ٩، ١٠].
(فهما ظالمتان) يعني: كل واحدة ليست من ذوي العدل، بل كل واحدة ظالمة.
(وتضمن كل واحدة ما أتلفت على الأخرى) بخلاف ما سبق؛ قتال بين البغاة والإمام ما فيه ضمان، لكن هذا فيه ضمان، تضمن كل واحدة ما أتلفتها للأخرى، فإن تساوت المتلفات تساقطوا، وإن زاد أحدهما فإنه يضمن له ما زاد.
مثال ذلك: اقتتلت طائفتان لعصبية، هذه تلفت عليها سيارات ومواشٍ وبيوت خيام، والأخرى كذلك، لما انتهى القتال وقوَّمنا ما تلف وجدنا أن هذه أتلفت على الأخرى ما قيمته مئة ألف، والثانية أتلفت على الأخرى ما قيمته مئة ألف، ماذا نصنع؟
طلبة: يتساقطان.
الشيخ: يتساقطان، إذن كل واحدة ليس لها شيء على الأخرى، وجدنا أن إحدى الطائفتين أتلفت على الأخرى ما قيمته مئة ألف، والثانية أتلفت على الأخرى ما قيمته خمس مئة ألف؟
طلبة: ().
الشيخ: كيف؟
طلبة: ().
الشيخ: خمس مئة ألف، وذيك مئة ألف، تضمن أربع مئة ألف، أيهم تضمن؟
الطلبة: الظالمة.
الشيخ: الناقصة تضمن؛ يعني: التي أتلفت مئة ألف تضمن أربع مئة ألف للتي تلف عليها خمس مئة ألف، واضح.
[ ١ / ٧٦٩٤ ]
هنا إشكال: معلوم أن هذه الطائفة لم يتلف كل واحد منها هذا الشيء المعين؛ يعني: يكون هذا قد يتلف هذا الرجل عشرين سيارة وهو رجل واحد، ولَّا لا؟ وقد يكون بعضهم ما أتلف شيئًا أبدًا، وقد يكون بعضهم أتلف دون ذلك، فكيف يكون الضمان على الجميع؟
نقول: لأن من لم يُتلِف فهو مُعِينٌ وموافقٌ لمن أتلف، فأوجب العلماء الضمان هنا على مجموع الطائفتين وإن لم يُعْلَم عَيْنُ المتلف؛ لأن بعضهم أولياء بعض، وأنتم ترون خطاب الله ﷿ يخاطب الله بني إسرائيل في عهد الرسول ﵊ فيما فعلت بنو إسرائيل في عهد من؟ في عهد موسى؛ لأن القبيلة أو الطائفة من الناس إذا فعل أحدٌ منهم فعلًا ووافقه الآخرون على ذلك ولم ينكروه صح أن يُنْسَب إلى الجميع، ففي هذه الحال يكون الضمان على كل الطائفة، وإن كان بعض أفرادها قد يكون أتلف شيئًا كثيرًا وبعض الأفراد لم يتلف شيئًا.
وكيف تُوَزَّع هذه القيمة؟ تُوَزَّع بعدد الأفراد، فمثلًا إذا قدَّرنا أن الخُسران مئة ألف، وأن عدد القبيلة ألف، كم على كل واحد؟
طالب: عشرة.
الشيخ: عشرة ريالات.
الطالب: مئة ريال.
الشيخ: قدَّرنا أن الخسائر مئة ألف وأن القبيلة ألف، على كل واحد مئة ريال بالسوية، فإذا جاء واحد قال: أن -واللهِ- ما قتلت ولا أتلفت شيئًا، قلنا: لكنك شريك ومُعِينٌ لمن أتلف، وكل واحد منكم يُقَوِّي الآخر ويسنده؛ فلهذا وجب الضمان على الجميع.
طالب: طيب، الشيخ والمرأة والصغير؟
الشيخ: كل من ساعد من أهل القتال، أما من ليس من أهل القتال فلا.
***
[باب حكم المرتد]
ثم قال المؤلف: (باب حكم المرتد) المرتد عن الشيء معناه الراجع، هذا في اللغة العربية.
[ ١ / ٧٦٩٥ ]
وفي الاصطلاح قال المؤلف فيه: (وهو الذي يكفر بعد إسلامه) هذا المرتد؛ كل من كفر بعد إسلامه فإنه مرتد، لكن اعلم أن الكفر الوراد في الكتاب والسنة ينقسم إلى قسمين: كفر مخرج عن الملة؛ وهو الكفر الأكبر، وكفر لا يخرج عن الملة؛ وهو الكفر الأصغر، الذي سماه ابن عباس ﵄ كفرًا دون كفر (١٣)؛ يعني: ليس هو الكفر الأكبر، والمراد هنا في هذا الباب الكفر الأكبر، لا الكفر الأصغر.
فهنا قول الرسول ﵊: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» (١٤) من أي القسمين؟
طالب: الأصغر.
الشيخ: الأصغر؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠] مع أنهما طائفتان مقتتلتان، وفي قوله ﷺ: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» (١٥) المراد الكفر الأكبر، كما تدل عليه نصوص أُخر، فكل من كفر بعد إسلامه فإنه مرتد.
لو أسلم من أجل الراتب، ولما نقص الراتب كفر، مرتد ولَّا غير مرتد؟
طلبة: مرتد.
الشيخ: فيه ناس يقولون لي من الأجانب: إنهم يسلمون من أجل أن يبقوا في البلاد، فإذا رجعوا إلى أهليهم ارتدوا، نقول: يعتبر ارتدادهم ردة عن الإسلام؛ لأننا نؤاخذهم بماذا؟ بظاهر حالهم، والسرائر لا يعلمها إلا الله ﷿، ليس لنا فيها دخل، ما دام هذا الرجل أسلم وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فإنه يكون مسلمًا، وإذا عاد إلى ملته الأولى اعتبرناه مرتدًا.
طالب: ()؟
الشيخ: واللهِ بعض العلماء كفَّرهم وقال: إنهم كفار؛ لأن الرسول ﵊ قال فيهم: «إِنَّ إِيمَانَهُمْ لَا يَتَجَاوَزُ حَنَاجِرَهُمْ، وَإِنَّهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ» (١٦).
[ ١ / ٧٦٩٦ ]
وبعضهم قال: لا يكفرون؛ لأنهم متأولون، وقد سُئِلَ عنهم علي بن أبي طالب فقال: من الكفر فروا (١٧)، وأنا إلى الآن ما تحررت عندي المسألة، وكان من نيتي أن أراجعها بعد العصر اليوم لكن شغلت عنها.
طالب: هل كل باغٍ خارجي؟
الشيخ: إي نعم؛ ولهذا أهل البغي يسميهم العلماءُ الخوارجَ.
الطالب: حتى لو ()؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: ما الدليل على الطائفتان ()؟
الشيخ: إي نعم، قوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ [الحجرات: ٩]، فإن قوله: ﴿بِالْعَدْلِ﴾ معناه أنه يجب علينا أن ننظر ما يقتضيه الحكم الشرعي في هذا؛ ولهذا كُرِّرَت: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ [الحجرات: ٩].
طالب: ().
فمَن أَشْرَكَ باللهِ، أو جَحَدَ رُبوبيَّتَه، أو وحدانيَّتَه أو سبَّ اللهَ أو رسولَه فقد كَفَرَ، ومَن جَحَدَ تحريمَ الزِّنَا أو شيئًا من الْمُحرَّماتِ الظاهرةِ
ذكر المؤلف ﵀ ما تحصل به الردة؛ أولًا: قال: (فمن أشرك بالله)، وليُعلم أن الرِّدَّة تكون بالاعتقاد وبالقول، وبالفعل وبالترْك؛ هذه أربعة أنواع للردة؛ بالاعتقاد كأن يعتقد ما يقتضي الكفر وظاهره الإسلام، مثل حال المنافقين، وتكون بالقول: كالاستهزاء بالله ﷿، والقدح فيه، أو في دينه، أو ما أشبه ذلك، وتكون بالفعل كالسجود للصنم، وتكون بالترك كترك الصلاة مثلًا، وكترك الحكم بغير ما أنزل الله رغبة عنه.
كراهة ما أنزل الله من أي الأنواع؟
طالب: قيل: بأنها كُفْر أكبر.
الشيخ: إي، كُفْر أكبر، لكن من أي الأنواع الأربعة؟
طلبة: الاعتقاد.
الشيخ: هي داخلة في عمل القلب؛ لأن الكراهة عمل القلب؛ فهي عمل.
طالب: والشك يا شيخ ما يدخل؟
الشيخ: هذا اعتقاد؛ لأن الشك هذا ينافي الواجب من اعتقاد اليقين.
[ ١ / ٧٦٩٧ ]
قال المؤلف ﵀: (فمن أشرك بالله) من أشرك بالله؟ الجواب: كفر، (من) هذه اسم شرط جازم، وفعل الشرط: (أشرك) وما عُطف عليه، والجواب كفر.
قوله: (من أشرك بالله) ظاهره الإطلاق، وأن كل شرك فهو كفر، ولكنه ليس على إطلاقه؛ لأن من الشرك ما هو أصغر، ومن الشرك ما هو أكبر، وهذا الباب إنما يكون في الشرك الأكبر؛ لأنه في باب الردة.
فالشرك الأصغر كالحلف بغير الله مُعتقدًا أن تعظيم هذا المحلوف به دون تعظيم الله، لكنه حلف به تعظيمًا له، ويسير الرياء وما أشبه ذلك مما هو معروف، هذا لا يدخل في الكفر، إلا أن يقال: إنه كُفر دون كفر، لكن على كل حال فإنه لا يدخل في كلام المؤلف هنا؛ لأن كلام المؤلف هنا يُراد به أيش؟
طلبة: الشرك الأكبر.
الشيخ: الشرك الذي يكون ردة، وهذا لا يكون إلا بالأكبر، أشرك بالله سواء كان باعتقاد، أو قول، أو فعل.
باعتقاد؛ بأن يعتقد بأن لله تعالى شريكًا في الخلق، أو في التدبير، أو في الملك، أو في العبادة، أو ما أشبه ذلك، هذا إذا اعتقد هذا، وإن لم يفعل فهو كافر كفرًا مخرجًا عن الملة.
بالفعل، مثل أن يسجد للصنم، ما تكلم بشيء، لكن يسجد للأصنام أقول: هذا شرك بماذا؟ بالفعل.
بالقول مثل أن يدعو غير الله نتكلم في الشرك الآن؛ أن يدعو غير الله، أو يستغيث به، أو يقول: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك، وما أشبه ذلك، هذا المشرك بالقول.
[ ١ / ٧٦٩٨ ]
فالإشراك سواء كان بالقلب أو بالقول أو بالفعل يعتبر رِدَّة عن الإسلام، ومن الإشراك بالله أن يُشرك مع الله غيره في الحكم بأن يعتقد أن لغير الله أن يُشرِّع للناس قوانين يُحِلِّونها محل شريعة الله؛ فهذا أيضًا مشرِك بالله لقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [التوبة: ٣١]، وكانوا يحلون ما حرم الله فيحلونه، ويحرمون ما أحل الله فيحرمونه، هذا المشرك بالله، أما من سنَّ هذه القوانين فقد جعل نفسه في مقام الألوهية، أو في مقام الربوبية، يعني جعل نفسه ربًّا مُشرِّعًا، ومن أطاعه في ذلك ووافقه عليه فهو مشرك؛ لأنه جعله بمنزلة الرب في التشريع والتقرير هذا الأول.
(أو جحد رُبوبيته) الْجَحْد غير الشِّرْك؛ لأن الشِّرْك فيه إثبات لشيئين، لكن هذا جَحْد، قال: إن الله تعالى ليس برب، وليس للناس رب، نسأل الله العافية، هذا جحْد، مثل مَنْ؟
طالب: الشيوعيين.
الشيخ: كالشيوعيين، والدهريين، وطائفة من العلمانيين، ومن أشبههم، فهؤلاء يجحدون الرب، ويقولون كما قال سلفهم: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] نسأل الله العافية، قد سلخ الله قلوبهم عن اليقين وعن مشاهدة الآيات: ﴿وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]، ﴿وَكَأَيِّن مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥]، وإلا كيف يمكن لعاقل أن يجحد ربوبية الله ﷿؟ !
[ ١ / ٧٦٩٩ ]
الجاحد لله جاحد لنفسه قبل أن يجحد الله، ليش؟ لأنا نقول له: من خلقك؟ خلقك أبوك؟ هل أبوك هو الذي خلق هذا الماء الدافق الذي يتكون منه الجنين؟ هل أمك خلقت هذه البويضات التي تحل فيها هذه الحيوانات فتكون بشرًا؟ إما أن يقول: لا، وإما أن يقول: نعم، إن قال: نعم، فنقول: في أي معمل صنعها أبوك أو أمك، بَيِّن لنا؟ فسينقطع، إذا قال: لم يخلقها أبي ولا أمي، ومن خلقها؟ خلقها رئيسك؟ نعم، قطعًا سيقول: لا، مَنْ خلقها؟ النتيجة: سيقول: الله غصبًا عليه، إلا أن يكابر، فإذا كابر فالمكابر ما فيه فائدة في الكلام معه، هذا فرعون يعلم أن الذي أنزل التوراة على موسى هو الله، ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: ويخاطبه موسى بهذا الخطاب: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢]، ولم يقل: ما علمت، بل سكت، لكن مع ذلك يقول لقومه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلأَُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]، يقول ذلك أيش؟ عن يقين واعتقاد ولَّا عن مكابرة؟
الطلبة: عن مُكابرة.
الشيخ: عن مكابرة، فالمكابر ما فيه فائدة، وإلا فكيف يمكن لأي عاقل يتدبر أدنى تدبر ينكر ربوبية الله ﷿؟ !
هذا الكون العظيم بسمائه وأرضه ونجومه، وشمسه وقمره، وبحاره وأنهاره، وأشجاره وجباله، ووهاده أحد لا يخلقه؟ ! لو اجتمع الخلق كلهم على أن يخلقوا مثل أصغر نجمة وكوكب في السماء ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، لو جاءت جميع معدات الخلق لتبعث هذا الريح؛ الهواء الذي يعم المنطقة، ويأتي بهذه الريح العاصفة التي تقلع الأشجار، وتهدم الخيام، يستطيعون ولَّا لا؟
طلبة: ما يستطيعون.
[ ١ / ٧٧٠٠ ]
الشيخ: ما يستطيعون، مَنْ اللي جاء بها إلا الله ﷾؟ ! ولكني أقول لكم: المكابر المعاند لا فائدة من مجادلته؛ لأنه سيقول: لا أُسَلِّم وبينصرف ما فيه فائدة، فالذي يجحد ربوبية الله لا شك أنه كافر، وهو أعظم من الذي يُشرك مع الله؛ لأن المشرِك أثبت بعض الحق، ولكن هذا أنكر كل الحق، فمن جحد ربوبية الله فلا شك في كفره.
وكذلك من جَحَدَ وحدانيته، ولعل المؤلف يريد بالواحدنية هنا وحدانية الألوهية؛ لأنه لو أراد بالوحدانية الشرك؛ يعني لو أراد بجحد الواحدنية الشرك لكان تكرارًا مع قوله: (فمن أشرك بالله)، لكن لما ذكر الربوبية، ثم الوحدانية، ثم الصفات، فالظاهر أنه يريد بالوحدانية هنا وحدانية الألوهية، يعني من أنكر أن الإله هو الله وحده فقد كفر، مثل أن يعتقد، أو يقول، أو يفعل ما يدل على أنه يرى أن هناك معبودًا سوى الله معبودًا يستحق أن يُعبد سوى الله ﷿، مثل مَنْ؟ مثل الذين يعبدون اللات والعزى ومناة، يعبدونها، يتقربون إليها بالذبح والركوع والسجود، أما الدعاء فالدعاء من العبادة، وله تعلُّق بالربوبية.
إذا قال: إن هناك شيئًا من المخلوقات يستحق أن يُتأله له ويُعبد فهو كافر ومرتد.
(أو جحد صفة من صفاته) إذا جحد صفة من صفاته فظاهر كلام المؤلف -﵀- أنه يكفر مطلقًا؛ لأنه أطلق صفة من صفاته، لكن تمثيله بالشرْح يدل على أن المراد بالصفات الذاتية التي لا ينفك عنها كالعلم والقُدرة، ومع ذلك ففيه نظر، الجاحد للصفات ويش معناه؟ المنكر لها، والمنكر للصفات يجب أن نقول: إنه ينقسم إلى قسمين: الأول: أن يجحدها تكذيبًا، والثاني: أن يجحدها تأويلًا؛ إذا جحدها تكذيبًا فهو كافر بكل حال؛ لأنه مُكذِّب لما ثبت لله ﷿، مُكذِّب، والمكذِّب لشيء من كتاب الله أو سُنَّة رسوله الثابتة عنه هذا كافر، مثال ذلك: أن يقول: ليس لله سمْع، ليس لله وجه، ليس لله يد، لم يستوِ الله على العرش، وما أشبه ذلك، نقول: هذا؟
[ ١ / ٧٧٠١ ]
طلبة: كافر.
الشيخ: كافر لماذا؟ لأنه مكذب، وتكذيب خبر الله ورسوله كفر، هذا القسم الأول، القسم الأول أن يكون جحده تكذيبًا، فهذا كافر على كل حال، لماذا؟
طلبة: لأنه مكذِّب لله.
الشيخ: لأنه مكذب لله ورسوله، وتكذيب الله ورسوله كفر، وسواء كانت الصفة ذاتية أم فعلية لا فرْق، حتى لو كذَّب أن الله ينزل إلى السماء الدنيا قلنا: إنه كافر، إذا قال: إن الله لا ينزل إلى السماء الدنيا قلنا: إنه كافر؛ لأن الرسول يقول: «يَنْزِلُ» (١). وهذا يقول: لا، ما ينزل، معناه كأنه يقول: يا محمد، كذبت.
أما القسم الثاني من الجحد فهو جحد التأويل: أن يجحد صفة من صفاته على سبيل التأويل، ما هو على سبيل التكذيب، يقول: نعم، إن الله استوى على العرش، لكن معنى استوى استولى، إن لله يَدَيْن، لكن المراد بها النعمة، وما أشبه ذلك، فهذا على قسمين: إن كان هذا التأويل له وجه في اللغة العربية فإنه لا يكفر؛ لأن هذا هو الذي أداه إليه اجتهاده فلا نكفِّره، وإن لم يكن له مساغ في اللغة العربية فهو كافر؛ لأن التأويل على هذا الوجه معناه؟
طلبة: ().
الشيخ: لا ما هو ()، معناه التكذيب، نعم، مثال ذلك: لو قلت: أنا مثلًا اشتريت شرح ابن عقيل، فجاء واحد وقال: إن محمدًا اشترى الروض المربع، وقال: أردت بالروض المربع شرح ابن عقيل.
طلبة: كاذب!
الشيخ: معناه كذبني، والسبب؟
طالب: أوَّل.
الشيخ: هل يحتمل التأويل هذا؟
طلبة: ما يحتمل.
[ ١ / ٧٧٠٢ ]
الشيخ: ما يحتمل التأويل؛ لأنه لا يمكن أن يحول معنى شرح ابن عقيل إلى معنى الروض المربع، فإذا كان لا وجه للتأويل فإنه كافر؛ لأن معنى هذا التأويل الإنكار والتكذيب؛ إذ إنه لا مسوغ له في اللغة العربية، فلا يكون بذلك مُقِرًّا، فصار كلام المؤلف هنا ليس على إطلاقه، نعم، لو أنه أصر بعد أن تبين له أن الحق في خلاف تأويله، ولو كان له مساغ، ولكنه أصر، فهذا قد يُحكم بكُفْره ورِدَّته؛ لأنه أنكر الحقيقة الكلام مع العلم بأن تأويله ليس بصواب، وهذا ربما يُحكم بكفره.
قال: (أو اتخذ لله صاحبة) الصاحبة الزوجة؛ يعني قال: إن الله تعالى له زوجة، والعياذ بالله، فهذا يكفر.
فيه دقيقة قبل أن نخرج عن موضوع جحد صفة من صفات الله، قلت: إذا كان لها مسار في اللغة العربية فإنه لا يكفر إلا إذا تضمَّن هذا التأويل نقصًا في الله ﷿، إن تضمن نقصًا فإنه يكفر؛ لأن إثباته ما يستلزم النقص، هو سَبٌّ لله ﷿ وعيب له.
طالب: إذا علم يا شيخ.
الشيخ: وسبُّ الله تعالى وعيبه كُفْر، مسألة العلم ستأتينا في كلام المؤلف.
(أو اتخذ لله صاحبة) يعني أيش؟
طلبة: زوجة.
الشيخ: زوجة.
(اتخذ) سواء قالها بلسانه، أو اعتقدها بقلبه فإنه يكون كافرًا؛ الصاحبة ما يحتاج لها إلا من لا يتخذها، إلا من كان محتاجًا إليها لتكمل حياته أو تُبقي نسله، ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
[ ١ / ٧٧٠٣ ]
الشيخ: والله ﷿ مُنَزَّه عن ذلك، فهو غني عن العالمين، وهو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، فليس بحاجة إلى أن يبقى له نسل مثلًا، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ١ - ٣] ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، شوف الآية: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ بقي قسم ثالث أن يكون هناك تولُّد؛ لأن بعض الأشياء تتولَّد ولا تتوالد، تتولد بالعفونات ولا تتوالد، فنفى ذلك، بل ما هو أعم منه بقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.
الحاصل أن الذي يتخذ لله صاحبة يكون كافرًا، لماذا؟
أولًا: لتكذيبه القرآن، وثانيًا: لتضمُّن إثباته الصاحبة لله تنقص الله ﷿؛ لأن هذا يتضمن نقصًا بلا شك، فهذا يكون كافرًا نسأل الله العافية، قال الله ﵎: ﴿سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧١]، ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١].
طالب: خلطت بين آيتين يا شيخ.
الشيخ: لا، ﴿سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧١]، ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] هذه في سورة الأنعام.
الطالب: () النجم.
الشيخ: هذه في سورة الأنعام: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٠٠، ١٠١].
الطالب: ﴿أَنَّى يَكُونُ﴾.
الشيخ: نعم ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١].
قال: (أو اتخذ لله صاحبة أو ولدًا) (ولدًا) ذكرًا ولا أنثى؟
طلبة: أيهما.
[ ١ / ٧٧٠٤ ]
الشيخ: ذكر وأنثى؛ لأن كلمة ولد في اللغة العربية تشمل الذكر والأنثى، قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]. وقال ﷾: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦] يعني لا ذكر ولا أنثى.
قال: (أو اتخذ لله ولدًا) فزعموا أن لله ابنًا، أو أن لله بنتًا فهو كافر، ونقول في العلة: لأنه مُكذِّب لله ﷿، ولأنه واصف الله بما يقتضي النقص.
هل تكذيب الله ﷿ في قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون: ٩١]؟ وهذا يقول: إن لله ولدًا، هل أحد من الناس قال: إن لله ولدًا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، ﴿قَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، وقال المشركون: الملائكة بنات الله ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨]، ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات: ١٥٣]، فاليهود قالوا: إن عزيرًا ابن الله، وعزير رجل صالح، قالوا: إنه ابن الله، والنصارى قالوا: إن المسيح ابن الله، فصار اليهود والنصارى على حدٍّ سواء في اعتقادهم في ربهم، والمشركون قالوا: الملائكة بنات الله، ولهذا يجب علينا أن نبغض النصارى كما نبغض اليهود؛ لأن الكل أعداء لله ﷿، الكل قال الله تعالى فيهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١].
ومن قال: إن النصراني أو اليهودي أخ لي فهو مثلهم يكون مرتدًّا عن الإسلام؛ لأن هؤلاء ليسوا إخوة لنا، الأُخوَّة بين من؟
الطلبة: المسلمين.
[ ١ / ٧٧٠٥ ]
الشيخ: بين المؤمنين بعضهم لبعض ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، أما هؤلاء فليسوا إخوة لنا.
فإذا قال قائل: إنهم إخوة لنا في الإنسانية؟
قلنا: لكن هؤلاء كفروا بالإنسانية، ولو كان عندهم إنسانية لكان أول من يُعظِّمون خالقهم ﷿، وربهم الذي بعث إليهم الرسل، وأنزل إليهم الكتب، وحتى رسلهم بشرت بمن؟
طلبة: بالنبي ﷺ.
الشيخ: بمحمد ﵊، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
وقد كتب الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ في سورة الأعراف على هذا الموضع نصوصًا كثيرة تدل على أن محمدًا ﵊ مكتوب في التوراة والإنجيل، وهي نصوص نافعة مُلزِمة لهؤلاء النصارى واليهود الذين أنكروا نبوة محمد ﵊ إلى عموم الناس، وقالوا: إن محمدًا مرسل إلى العرب فقط، وهم كاذبون فيما قالوا، بل هو مرسل إلى جميع الرسل، ونقول لهم: إذا أقررتم أنه رسول فقد قامت عليكم الحُجَّة.
طالب: () جميع الرسل؟
الشيخ: إلى جميع الخلق، إذا أقررتم أنه رسول، فقد أقررتم بعموم رسالته، أنتم إذا قلتم: إنه رسول إلى العرب فإنكم قد أقررتم بعموم رسالته إلى الخلق، كيف ذلك؟ نقول: لأنكم إذا قلتم إنه رسول لزم من ذلك أن يكون صادقًا وإلا.
طالب: كيف يكون رسول؟ !
الشيخ: وإلا لم يكن رسولًا، فإذا كان صادقًا فقد قال هو: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] هكذا قال الله له، أمره أن يقول: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾، وقال النبي ﵊: «وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً» (٢).
[ ١ / ٧٧٠٦ ]
الحاصل أن هؤلاء النصارى اتخذوا لله ولدًا، وقالوا: المسيح ابن الله، واليهود قالت: عزير ابن الله، والمشركون قالوا: الملائكة بنات الله، فمن قال: إن لله ولدًا فهو كافر مرتد عن الإسلام.
(أو جحد بعض كتبه) (بعض كتبه) سواء كان ذلك بعضًا من كتاب، أو بعضًا من كتب، فاهمين الفرق؟
الطلبة: إي نعم.
الشيخ: سواء كان بعضًا من كتاب أو بعضًا من كتب فإنه يكفر، مثلًا لو أنكر التوراة، وجحد أن الله أنزل التوراة على موسى كان كافرًا؛ لأنه مُكذِّب لله ورسوله، أنكر أن الله أنزل الإنجيل على عيسى، نقول: هو كافر أيضًا، أنكر أن الله أنزل القرآن على محمد، نقول: هو كافر، أنكر أن شيئًا من القرآن نزل على محمد فهو كافر أيضًا، لو أنه أنكر شيئًا من الكتب السابقة بناءً على أنه محرف، مثل: وجد في الكتب التي بأيديهم الآن أن محمدًا رسول إلى العرب فقط، وقال: هذا أبدًا ليس في التوراة ولا في الإنجيل؛ أن محمدًا رسول إلى العرب فقط، يكفر ولَّا لا؟
طلبة: لا يكفر.
الشيخ: هذا لا يكفر؛ لأن هذا كذبٌ قطعًا؛ فإنه ليس في التوراة ولا في الإنجيل أن رسالة محمد ﷺ خاصة بالعرب، بل كلها تدل على أنها عامة، فإذن نقول: (بعض كتبه) التي ثبت أنها من كتب الله ﷿، فإذا أنكر بعضها فهو كافر.
إذا قال قائل: لماذا لا نقول: إن هذا يتبعض، فإذا أنكر بعض الكتاب وآمن بالبعض قلنا: هو مؤمن بما آمن به وكافر بما كفر به كما تقولون فيما إذا عمل معصية لا تصل إلى الكفر كان مؤمنًا بإيمانه فاسقًا بكبيرته؟
طالب: كيف يا شيخ؟
طلبة: ().
طالب: هذا كافر.
طالب آخر: ().
[ ١ / ٧٧٠٧ ]
الشيخ: نعم، نقول: عندنا أدلة على كفره، وهذا إيمان ما هو عمل، هذا إيمان وضده الجحد، وليس بعمل، فالعمل نعم يمكن أن يتبعض، لكن الإيمان لا يتبعض؛ بمعنى أن من أنكر شيئًا من الكتب فهو كإنكار الجميع، قال الله ﵎ منكرًا على بني إسرائيل: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٥٠، ١٥١]، فهؤلاء كفارٌ حقًّا، شوف أكَّد ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ ﴿حَقًّا﴾ مصدر مُؤكِّد لمضمون الجملة كما تعرفون، وعامله محذوف وجوبًا؛ لأن الجملة هذه هي معنى ﴿حَقًّا﴾، ولا يمكن أن يُجمع بين العوض والمعوَّض عنه كما قال ابن مالك:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. كـ (ابْنِي أَنْتَ حَقًّا صِرْفًا)
(أو جحد بعض كتبه) من الذي نعرف من الكتب؟
طلبة: الزبور، والتوراة، والإنجيل، وصحف إبراهيم وموسى.
الشيخ: خمس: التوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم وموسى.
طالب: والقرآن.
الشيخ: والقرآن، خمسة.
طالب: ستة.
الشيخ: تخلون صحف إبراهيم وموسى اثنين؟
طلبة: إي نعم.
[ ١ / ٧٧٠٨ ]
الشيخ: طيب ستة، هذه نعرفها بأعيانها، ولكن مع ذلك نؤمن بأن كل رسولٍ معه كتاب كما قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]، لكن منها ما لا نعلمه، وإن كنا نعلم الرسل، لكن لا نعلم الكتب التي أُرسلت معهم، المهم أن من أنكر شيئًا من الكتب، أو أنكر بعضها فهو كافر، ().
مرتدًّا عن ()؛ لأن الواجب علينا أن () لجميع الرسل عليهم الصلاة والسلام () ما علمنا منهم () ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨]، ومن لم يقصص علينا فإننا () ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] من حيث الإيمان، فنؤمن بهم ()، أولهم نوح، وآخرهم محمد صلى الله عليهم وسلم، أولهم نوح؛ لقوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [النساء: ١٦٣] النبيون رسل؛ لقوله في آخر الآيات: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].
() أنت أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، ودليل () ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣].
[ ١ / ٧٧٠٩ ]
المهم أن الأدلة على أن أول رسول أُرسِل إلى أهل الأرض هو نوح متعددة في القرآن وفي السنة، صلى الله () آخر الرسل والأنبياء أيضًا ﴿لَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وتأمل لِمَ عدل عن أن يقول: ولكن رسول الله وخاتم الرسل مع أن الحديث الآن في الرسل، بل قال: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ليتبين أنه لن يأتي بعده لا نبي ولا رسول، فمن ادعى النبوة بعد الرسول ﵊ فإنه كافر؛ لأنه مُكذِّب للقرآن، ويدل على هذا أيضًا آيات أخرى كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وقوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وما أشبه ذلك من الآيات الدالة على أنه رسول إلى يوم القيامة، وهذا يدل أن الناس لا يحتاجون بعده إلى نبي ولا رسول؛ لأن شريعته ستبقى، ومن ثَمَّ قال الله ﷿: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
هؤلاء الرسل يجب علينا أن نؤمن بأعيانهم، مَنْ علمنا منهم، ومَنْ لم نعلم فإننا نؤمن بهم على سبيل الإجمال والعموم، ثم إن الإيمان بالكتب والإيمان بالرسل ينقسم إلى قسمين:
[ ١ / ٧٧١٠ ]
أولًا: الأمور الخبرية، فيجب الإيمان بها وتصديقها بدون تفصيل، كل ما جاء، أو كل ما صح من الكتب السابقة، أو عن الرسل السابقين من خبر فإنه يجب علينا أن نصدق به جملةً وتفصيلًا، لماذا؟ لأن الخبر لا يمكن أن يُنسخ، فما أخبرت به الرسل من قبل أو الكتب لا يمكن أن يُنسخ بالقرآن؛ لأنه خبر عن الله ﷿، وخبر الله ﷾ لا يمكن أن يُنسخ، لماذا؟ لو جاز نسْخ الخبر لكان أحد الخبرين كذبًا، والكذب محال، اللهم إلا أن يأتي طلب بلفظ الخبر فقد يُنسخ؛ لأنه حينئذٍ يكون طلبًا، وأنتم تعلمون أنه في بعض الأحيان تأتي الصيغة الخبرية مرادًا بها الطلب، هذا ما سبق من الكتب السابقة والرسل.
وأما القسم الثاني: وهو الأحكام التي في الكتب السابقة، وعند الرسل السابقين، فإن هذا ينقسم إلى قسمين، بل إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما جاءت شريعتنا بتقريره، فهذا يجب الإيمان به، لماذا؟ لأن شريعتنا قررته، وحكمت به، فنؤمن به؛ لأنه توجه الطلب به من جهتين: من جهة الشريعة الإسلامية، ومن جهة الشريعة السابقة.
القسم الثاني: ما جاءت شريعتنا بخلافه ونَسَخته، فلا يجوز العمل به؛ لأنه منسوخ، وما نسخه الله ﷿ فإنه قد انتهى حُكمه، حتى المنسوخ في شريعتنا لا يجوز العمل به؛ لأن الله تعالى أنهاه، فلا يجوز أن نتعبَّد لله تعالى بما لم يرتضِ الله ﷾ أن يبقى لنا شرعًا، فالله ﷿ لا يرتضي لنا الحكم المنسوخ؛ لأنه نسخه؛ فلا يجوز لنا أن نتعبد له به.
القسم الثالث: ما لم يرد شرعنا بخلافه ولا وفاقه، وهذا محل خلاف بين العلماء، هل هو شرع لنا أم لا؟ فمنهم من قال: إنه ليس بشرع؛ لأن الأصل أن شريعتنا نسخت ما سبقها، فلا يبقى ما سبقها شرعًا إلا ما أيدته وقررته.
[ ١ / ٧٧١١ ]
ومنهم من قال: إنه شرع لنا، وهذا القول هو الراجح بل المتعين؛ لأن الله ﷿ يقول لما ذكر الرسل قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] وهذا عام، وقال ﷿: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُِوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ [يوسف: ١١١]، ولكن هل هو شرع بالتشريع السابق، أو بالتشريع اللاحق؟ الجواب: أنه شرع بالتشريع اللاحق؛ لأننا نحن الآن استدللنا على أنه مُقرَّر بأدلة من كتاب الله، وسُنَّة رسوله ﷺ، وحينئذٍ فيكون الفرق بينه وبين القسم الأول؛ أن الأول نصت الشريعة عليه بعينه، وهذا ذكرته على سبيل الإجمال.
إذن يجب علينا أن نعرف جحد بعض الكتب والرسل، فقلنا: الآن إن كان من باب الخبر فما الواجب؟
طلبة: ().
الشيخ: والواجب الإيمان به وتصديقه؛ لأن الكل من عند الله، ونسخ الأخبار مستحيل، لماذا؟
لأن نسخ أحد الخبرين بالآخر يستلزم تكذيب أحد الخبرين؛ أن أحدهما كاذب، وهذا شيء مستحيل.
أما الأحكام فذكرنا أنها على ثلاثة أقسام: ما ورد شرعنا بتقريره وإثباته، وما ورد بخلافه ونسخه، وما لم يرد فيه إثبات ولا نسخ، وهذا محل خلاف بين العلماء.
[ ١ / ٧٧١٢ ]
قال المؤلف: (أو سب الله أو رسوله) أعوذ بالله (سب الله) أي وصفه بالعيب، وأعظم السب أن يلعن الله والعياذ بالله، أو يعترض على أحكامه الكونية أو الشرعية بالعيب، ولو على سبيل اللمز والتعريض، حتى لو كان تعريضًا فإنه يكفر؛ لأن هذا امتهان لمقام الربوبية، وهو أمر عظيم، فمن سب الله سواء كان سبه بالقول أو سبه بالإشارة، وسواء كان جادًّا أو هازلًا، بل سَبُّ الله هازلًا أعظم وأقبح، فإنه يكون كافرًا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦]، ولأن سب الله ﷿ تنقُّص له؛ فيكون كُفرًا، كل من تنقَّص الله بقوله أو فعله أو بقلبه فهو كافر؛ لأن الإيمان إيمان بمن؟ بالله ﷿، وبما له من الصفات الكاملة والربوبية التامة، فإذا سب الله فإنه يكون كافرًا، حتى وإن قال: إنما قلت ذلك هازلًا لا جادًّا، نقول: هذا أقبح؛ أن تجعل الله تعالى محل الهزء والهزل والسخرية. كذلك من سب الرسول ﵊، إذا سب النبي ﷺ فإنه كافر.
[ ١ / ٧٧١٣ ]
وقول المؤلف: (أو رسوله) ينبغي أن نجعلها من باب المفرد المضاف؛ حتى يشمل جميع الرسل، فمن سب أي رسول من الرسل فإنه كافر؛ لأن هذا ليس تنقُّصًا للرسول بشخصه، بل هو تنقُّص لرسالته وهي الوحي، ويتضمن تنقصًا للذي أرسله؛ لأنه لا شك أنه من النقص أن يُرسَل بشر إلى الخلق يستبيح دماءهم وأموالهم وذراريهم، وهو محل النقص، يعتبر هذا سفهًا ولَّا لا؟ يُعتبر سفهًا؛ فسب الرسول سب لمن أرسله، ولهذا قال الله ﷿: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] فهو ﷾ ما جعل الرسالة إلا فيمن هو أهل لها وجدير بها لما علم ﷾ في سابق علمه أنه أهل لتحمل ما كُلِّف به، وليس كل أحد يكون أهلًا للرسالة، ولهذا قال السفَّاريني ﵀، أقوله مستشهدًا لا مستدلًّا قال:
وَلَا تُنَالُ رُتْبَةُ النُّبُوَّهْ
بِالْكَسْبِ وَالتَّهْذِيبِ وَالْفُتُوَّهْ
لَكِنَّهَا فَضْلٌ مِنَ الْمَوْلَى الْأَجَلْ
لِمَنْ يَشَا مِنْ خَلْقِهِ إِلَى الْأَجَلْ
الحاصل أن سب الرسول ﵊ سبٌّ لمن؟ لمن أرسله، ومُنافٍ لحقه الذي هو أوجب الحقوق البشرية، وحقه التعظيم والإجلال والتوقير، حتى إن الله ﷿ جعل من أسباب الرسالة، ومن حكمة الرسالة أن نؤمن بالله ورسوله، ونُعزِّر رسول الله ﷺ ونُوقِّره: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٨، ٩]، هذا ركن وأساس وحكمة من حِكم إرسال الرسول ﵊.
[ ١ / ٧٧١٤ ]
ولا شك أن سبَّ النبي ﵊ مع كونه تنقصًا له ولمن أرسله هو أيضًا تنقصٌ لشريعته؛ ولهذا إذا سب أحد من الناس رجلًا فإن سبه ينعكس على منهاجه الذي انتهجه، ويكون نفس المنهاج الذي انتهجه عند الناس منقوصًا؛ لأنه سب من قام بهذا المنهج، فسب الرسول ﵊ إذن تضمن ثلاثة أمور؛ كل واحد منها كفر؛ تضمن: سب الله، وسب الرسول، وسب شريعته؛ لأنه بلا شك أنه إذا سُب الرسول ﵊ فإن هذا يستلزم تنقص ما جاء به؛ لأن الناقص ليس أهلًا لأن يُقتدى به بأقواله أو أفعاله.
(أو سب رسوله كفر) الجملة هذه جواب أيش؟
طلبة: جواب الشرط.
الشيخ: أين الشرط؟
طلبة: (من).
الشيخ: أين (من)؟
طلبة: (فمن أشرك بالله).
الشيخ: (فمن أشرك بالله) نعم. وقوله: (كَفَر) أي كفرًا مخرجًا عن الملة، ولا نقول: إنه كفر كفرًا دون كفر؛ لأن الباب هذا باب حُكم المرتد؛ يعني الكافر كفرًا مطلقًا.
ثم انتقل المؤلف لنوع آخر من أسباب الردة؛ وهو الجحد، ويدخل في أي الأمور الأربعة السابقة؟
طالب: الاعتقاد.
الشيخ: في الاعتقاد؛ لأن الجحد سواء إن كان بالقلب؛ فهو في الاعتقاد، باللسان؛ فهو من القول.
يقول: (من جحد تحريم الزنا) بأن قال: الزنا حلال والعياذ بالله، إذا جحد فيُنظر إن كان جاهلًا لم يكفر، وإن كان عالمًا كفر، لكن أي ميزان ندرك به أنه عالم أو غير عالم؟ إذا كان ناشئًا بين المسلمين فإن هذا يقتضي أن يكون عالمًا، ولو ادعى الجهل لم يكفر، وإن كان حديث عهد بإسلام، أو ناشئًا ببادية بعيدة؛ لأن البادية والأعراب بعيدون عن معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله، فإن هذا لا يكفر إذا ادعى أنه جاهل، يقول، والله ما علمت من يوم إحنا صغار، والواحد يسرح بالغنم مع بنت عمه، ويتمتع بها، وأنا حسب هذا ما فيه شيء، ونرى أنه حلال، يمكن هذا ولَّا ما يمكن؟
طلبة: يمكن.
[ ١ / ٧٧١٥ ]
الشيخ: في البادية يمكن، البادية البعيدة يمكن، فهذا إذا أنكر تحريمه، وقال: إنه جاهل؛ لا يكفر، لكن إذا عُلِّم فأصر وقال: والله ما إحنا بتاركين عادتنا، لو قلتم: إنه من الحرام، أنتم الحرام ما تعرفونه، إحنا أفقه منكم، وهذا في مذهبنا حلال، أما مذهب الحُرَّام فلا نقر به، فهذا يكون.
طلبة: كافر.
الشيخ: يكفر، ليش؟
الطالب: لأنه أصر.
الشيخ: لأنه أصر بعد أن عُرِّف.
إذا أنكر تحريم شيء من المحرمات الظاهرة المجمع عليها مثل: تحريم الربا، قال: الربا حلال، يعني ما جحد تحريم نوع معين منه مما يجري فيه الخلاف بين العلماء، مثلًا تفاحة بتفاحتين؛ ربا عند الشافعي وليست ربًا عند الإمام أحمد، فلو قال أصحاب الإمام أحمد: إن تفاحة بتفاحتين حلال، يكفرون؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، لكن مراد المؤلف إذا أنكر تحريم الربا جملة، قال: إن الربا حلال، فهذا كافر بلا شك، ليش؟ لأن تحريم الربا نص في القرآن: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، فيكون جحْد تحريمه تكذيبًا لله ﷿، فيكون كافرًا، وتحريم الربا من حيث الجملة فيه خلاف ولَّا مُجمع عليه؟
طلبة: مجمع عليه.
الشيخ: مجمع عليه، من حيث الجملة مجمع عليه إجماعًا قطعيًّا، كل المسلمين مجمعون على أن الربا محرم، الخمر؟ الخمر مجمعٌ عليه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، الخمر مُجمع عليه إجماعًا قطعيًّا بين المسلمين.
فإذا قال قائل: إن الخمر ليس بحرام؛ فهو كافر، ولكن بشرط أن يكون ناشئًا بين المسلمين، وعارفًا أحكام الإسلام، أما لو فُرِض أنه أسلم حديثًا ولا يعلم، هو في حال كفره يشرب الخمر، فوجدناه يشرب الخمر بعد إسلامه، كيف تشرب الخمر؟ ! قال: الخمر حلال ما هو حرام، فإن هذا لا يكفر، ليش؟ لأنه جاهل، وجاحد التحريم إذا كان جاهلًا به فإنه لا يكفر، ولهذا المؤلف قيده.
[ ١ / ٧٧١٦ ]
وقال المؤلف: (المحرمات الظاهرة) احترازًا من المحرمات الخفية التي لا يطَّلع على تحريمها إلا العلماء، فإن هذه لا يكفر منكر تحريمها؛ لأن الناس عامتهم يجهلونها.
قال العلماء أيضًا: أو أنكر تحليل المحلَّلات الظاهرة المجمع عليها؛ فإنه يكون كافرًا، مثل.
طالب: الخبز.
الشيخ: البيض؟
طالب: الخبز والدواجن.
الشيخ: إي نعم، لو أنكر حِل البيض بيض الدجاج أيضًا، قال: بيض الدجاج حرام، لماذا؟ لأنه غير مستطيل، والبيض الحلال بيض الدجاجة الأول اللي يكون مستطيلًا، أما هذا مستدير فهذا حرام، نقول له: هذا بتأويل ولَّا بغير تأويل؟
طلبة: بتأويل.
الشيخ: هو بتأويل، لكنه ما () سائغ ولَّا غير سائغ نشوف .. ()
أنكر تحليل شيء من المحللات الظاهرة المجمع عليها قال العلماء: فإنه يكفر؛ لأنه أنكر حكمًا من أحكام الإسلام بما لا يسوغ فيه التأويل، وذكرتم المثال على ذلك مثل لو أنكر تحريم البيض، لو أنكر تحريم البيض من الدواجن بحجة أنه مستدير، وأن البيض السابق كان مستطيلًا.
طالب: تحليل ولَّا تحريم يا شيخ!
الشيخ: تحليل، قصدي لو أنكر تحليله، نقول: هذا لا يسوغه هذا التأويل، لكن ربما لو كان عاميًّا محضًا قد يكون هذا شبهة لديه، فنعلمه بأن هذا التعليل تعليل لا أثر له، وأن البيض سواء كان مستطيلًا أو مستديرًا فهو حلال بكل حال.
***
طالب: ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب حكم المرتد: وهو ..
الشيخ: (وهو)، قال المؤلف صاحب الإقناع عشان نعرف مين هو.
[ ١ / ٧٧١٧ ]
الطالب: قال المؤلف صاحب الإقناع: باب حكم المرتد: وهو الذي يكفر بعد إسلامه ولو مميزًا طوعًا ولو هازلًا، فمن أشرك بالله أو جحد ربوبيته أو وحدانيته.
الشيخ: طيب تحبون نُعلِّق على هذا، ولا نخليه يمشي؟
الطلبة: علِّق.
الشيخ: قوله: (طوعًا) احترازًا مما إذا أُكرِه، فإذا أكره على الكفر فكَفَر، فإن فعله لداعي الإكراه؛ أي دفعًا للإكراه فإنه لا يكفر؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦].
وأما إذا فعله لا لداعي الإكراه، لكنه لما أكره كفر، وليس في قلبه تلك الساعة؛ أنه يريد بذلك مدافعة الإكراه، فقد اختلف العلماء هل يكفر أو لا؟ والصحيح أنه لا يكفر؛ وذلك لأنه غير مريد لذلك، ولا مختار له، وعموم الآية: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ يشمل هذا.
أما إذا فعله مطمئنًا بذلك، وقال في نفسه: لما أُكرهتُ على الكفر فإنه سيكفر، فلا شك في أنه يكفر؛ لأن قلبه حينئذٍ غير مطمئن بالإيمان، فصار المكره له ثلاث حالات:
إما أن يفعل ذلك لدفع الإكراه؛ فهذا لا يكفر قولًا واحدًا، أو يفعل ذلك مطمئنًا بما أُكره عليه؛ فهذا يكفر قولًا واحدًا، أو يفعله غير مطمئن، لكن لأنه مكره وهو لا يريد ذلك، فهذا فيه خلاف، والصحيح أنه لا يكفر.
وكذلك نقول في مسألة الإكراه على الطلاق وشبهه، وجامع ذلك أنه لا اختيار له ولا إرادة له، وهو يحب أن تنطبق عليه السماء، ولا يُكره على الكفر.
***
الطالب: قال: أو صفة من صفاته أو اتخذ له.
[ ١ / ٧٧١٨ ]
الشيخ: وقوله: (ولو هازلًا) يعني لو يمزح، بل قلنا فيما شرحنا: قد يكون الهازل أعظم من الجاد؛ لأنه جمع بين الكفر والهزء بالله ﷿، فمن سخر بالدين، وقال: أنا ما قصدت إلا المزح والضحك، قلنا: إنك كفرت، وإذا كنت صادقًا فتُبْ إلى الله ﷿، واغتسل وعُد إلى الإسلام، والتوبة تَجُبُّ ما قبلها.
***
الطالب: قال: فمن أشرك بالله أو جحد ربوبيته أو وحدانيته، أو صفة من صفاته، أو اتخذ له صاحبة أو ولدًا، أو ادعى النبوة، أو صدَّق من ادعاها، أو جحد نبيًّا أو كتابًا من كتب الله أو شيئًا منه، أو جحد الملائكة أو البعث، أو سب الله.
الشيخ: كل هذا أيضًا أكثره مر علينا بالمتن.
طالب: إي نعم.
الشيخ: الملائكة ما ذكرها، لكن لو جحد الملائكة فهو كافر، أو جحد الجن فهو أيضًا كافرٌ؛ لأنه مُكذِّب للقرآن، فأما من جحد دخول الجن في الإنس فهو ضال، وليس بكافر، ضال؛ لأنه قال قولًا ينكره الواقع، وينكره الثابت بالأخبار عن النبي ﵊ وعن غيره، وقصة الصبي الذي جاءت به أمه إلى النبي ﵊، وهو يُصرَع، فقال له الرسول ﵊ للجن اللي فيه: «اخْرُجْ عَدُوَّ اللَّهِ، فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ» (٣). فخرج الجني من هذا الصبي، والحديث صحيح، فلما رجع النبي ﵊ من غزوته، وكان قد قال لأمه: أخبريني عن شأنه، لما رجع وجد أمه قد أعدت للنبي ﵊ شاة وسمنًا وأقِطًا، وأخبرته أن ولدها شُفِي ولم يعد إليه ذلك الجني.
[ ١ / ٧٧١٩ ]
والأخبار الكثيرة عن أئمة المسلمين وعلماء المسلمين في ذلك لا تُنكر، وكان شيخ الإسلام ﵀ يُؤتى إليه بالمصروع فيضربه ويُخاطب الجني ويعاهده، فيخرج ولا يعود، وجيء إليه برجل مصروع حكاه عنه تلميذه ابن القيم جيء إليه برجل مصروع فأُلقي بين يديه، فكلم الجنية التي صرعته، وقال لها: اخرجي، قالت: إني أحبه، قال: هو لا يحبك، يعني ولا مات عليها ولا على حبها، وبعدين قالت: إني أريد أن أحج به، شوف كيف؟ ! بعدما قالت: أحج معه، تبغي تحج وتشيله إلى مكة. قال: هو لا يحب أن يحج معكِ، ثم جعل يَعِظها، وأبت أن تخرُج، فجعل يضرب الرجل على رقبته حتى إن يده كلَّت يد شيخ الإسلام ابن تيمية، فخرجت، لكنها قالت: أخرُج كرامة للشيخ. قال: لا، اخرجي طاعة لله ورسوله.
شوف الله أكبر! إنكار الذات كما يقول الناس، اخرجي طاعة لله ورسوله، وإلا لو أمثالنا كان يقول: وين جنية تخرج كرامة لي! يفرح بهذا، يقول: بس أنتِ اطلعي كرامة لي ومشي، لكن هو قال: لا، اخرجي طاعة لله ورسوله، فخرجت، فلما أفاق الرجل قال: ما الذي جاء بي إلى حضرة الشيخ؟ ! تعجب! ويش اللي جابه لمكان شيخ مجلس شيخ الإسلام ابن تيمية، فقيل له: كيف ما أحسست بهذا الضرب الذي كان يضربك ما أحسست به؟ قال: لا، والله ما أحسست به، شوف كيف هذا، يقع الضرب على الصارع، ولا يحس المصروع.
والمسألة هذه ما ينكرها أحد أبدًا؛ لأن الشيء المعلوم بالحس إنكاره يكون مكابرة وضلالًا، وقد أنكر بعض الناس هذا الشيء وأظن ممن أنكره الشيخ محمد رشيد رضا ﵀، وهذه من هفواته، أظن ما أجزم، لكن قد مر بي بعيدًا، وأنكره أيضًا بعض المعاصرين، لكن قيل لي: إن الشيخ عبد العزيز جزاه الله خيرًا ..
أو سبَّ اللهَ أو رسولَه فقد كَفَرَ، ومَن جَحَدَ تحريمَ الزِّنَا أو شيئًا من الْمُحرَّماتِ الظاهرةِ الْمُجْمَعِ عليها بجَهْلٍ عُرِّفَ ذلك، وإن كان مِثلُه لا يَجهلُه كَفَرَ.
(فصلٌ)
[ ١ / ٧٧٢٠ ]
ومن ارْتَدَّ عن الإسلامِ وهو مُكَلَّفٌ مُختارٌ، رجلٌ أو امرأةٌ، دُعِيَ إليه ثلاثةَ أيَّامٍ وضُيِّقَ عليه
مجلة المجتمع في العدد الرابع والعشرين في اليوم الرابع والعشرين من ذي الحجة، إي نعم.
طالب: ().
الشيخ: فيه أدلة كمثل: ﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥].
***
الطالب: أو سبَّ الله أو رسولَه أو استهزأ بالله أو كتبه أو رسله، قال الشيخ: أو كان مُبغِضًا لرسوله أو لما جاء به اتفاقًا.
الشيخ: (الشيخ) مَن؟
طلبة: الموفَّق.
الشيخ: لا، صاحب الإقناع إذا قال: (الشيخ) فهو شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأنه ذكره في أول كتابه، لكن إذا سمعت (الشيخ) في الإنصاف، أو (الشيخ) في الفروع، أو (الشيخ) في التنقيح فالمراد به الموفَّق، لكن صاحب الإقناع إذا قال: (الشيخ) فالمراد به شيخ الإسلام ابن تيمية.
طالب: () الفروع ما هو ..
الشيخ: إي، يقول: قال شيخنا صاحب الفروع: إذا نقل عن (الشيخ) يقول: قال شيخنا.
طالب: التنقيح لمن؟
الشيخ: التنقيح لصاحب الإنصاف للمرداوي.
***
الطالب: قال: أو كان مبغضًا لرسوله أو لما جاء به اتفاقًا، وقال: أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم إجماعًا. انتهى، أو سجد لصنمٍ، أو شمسٍ، أو قمر.
الشيخ: شوف سبحان الله العظيم بإجماع المسلمين اللي يجعل وسائط يتوكل عليهم من دون الله، أو مع الله، أو يدعوهم، أو يستغيث بهم، فهذا كافر بإجماع المسلمين، وسبحان الله أن يكون هذا بإجماع المسلمين ويوجد في الأمة الإسلامية الآن عامة كثيرة يدعون القبور، ومن يزعمونهم أولياء، ويستغيثون بهم، ويتوكلون عليهم أيضًا، وهذا شيخ الإسلام يقول إنه بالإجماع.
***
الطالب: أو سجد لصنمٍ، أو شمسٍ، أو قمر، أو أتى بقولٍ أو فعل صريحٍ في الاستهزاء بالدين، أو وُجِدَ منه امتهان القرآن.
[ ١ / ٧٧٢١ ]
الشيخ: (بقول أو فعل صريح) فإن أتى بقول أو فعل غير صريح فإننا لا نُكَفِّره، لماذا؟ لأن الأصل بقاء الإسلام، ولا نخرجه من الإسلام إلا بدليلٍ بيِّن، فالذي يحتمل التأويل ما نكفره به، لكن إذا كان صريحًا في الاستهزاء، سواء بالفعل بأن كان يحكي الصلاة ركوعها وسجودها وقيامها وقعودها متهكمًا؛ فهذا يكفر.
طالب: قال: أو وُجِدَ منه امتهانُ القرآن، أو طلب تناقضه، أو دعوى أنه مختلف أو مُختلَق، أو مقدور على مثله، أو إسقاط لحرمته.
الشيخ: اللي يُعلَم منه امتهان القرآن، كيف نعلم هذا؟ مثلًا لو ألقاه في الزبالة، أو في الكنيف، أو وطئ عليه -نسأل الله العافية- هذا ويش الغرض منه؟ الامتهان بلا شك هذا كفر، أو طلب تناقضه، أو ادعى أن فيه تناقضًا، أو اختلافَه، أو اختلاقَه أنه كذب فكل هذا كفر؛ لأن القرآن كلام مَن؟ كلام الله رب العالمين، فأي عيب تسلطه على هذا الكلام العظيم فإنك مسلطه على من تكلم به، فيكون أي عيب، أو امتهان، أو طلب تناقض، أو فساد، أو ما أشبه ذلك مما يكون قدحٌ في القرآن فإنه قدحٌ في الله ﷾، وبهذا نعرف عظمة هذا القرآن العظيم الذي لو أُنْزِل على جبلٍ لرأيته خاشعًا متصدعًا من خشية الله، والله لولا كثرة نسخه عندنا لكان الإنسان يطلبه بآلاف الدنانير، كما يوجد الآن في بعض المسلمين في بعض البلاد الإسلامية يعني يقولون: بعض الناس يتقاتلون على نسخة من المصحف مقاتلة، وبعضهم يأخذ المصحف وينسخه بيده، نعم وحُقَّ أن يُفعل به ذلك، فإن هذا القرآن ما يحتاج، هو كلام الله رب العالمين، فلا كلام أعظم منه، ولا كلام أشد منه حرمة، ووجوب بالعمل به والتصديق بأخباره.
***
الطالب: قال: أو إسقاط لحرمته أي: وُجِد منه إسقاطٌ لحرمته أو أنكر الإسلام أو الشهادتين أو أحدهما كفر، لا من حكى كفرًا سمعه ولا يعتقده.
[ ١ / ٧٧٢٢ ]
الشيخ: صح، لو قال: قال فلان كذا وكذا هذا معلوم؛ لأنه إذا كان لا يعتقده، فإن حكاه يعتقده، لكن حكاه تَستُّرًا مثلما قيل: إن عبد الله بن أُبيٍّ كان يحكي الإفك لا ينسبه إلى نفسه لكنه يعتقده، يعني: يحب أنه صدر منه، لكن لنفاقه كان لا يعتقده، فلو أن أحدًا جاء بكلمة كفرية، وليكن أمام شباب يشككهم في الدين الإسلامي، وقال: قال فلان ابن فلان، نسبه إلى غيره لكن هو يعتقده، فهذا كافر، ما فيه شك كافر باطنًا، أما ظاهرًا ما نكفره؛ لأنه نسبه إلى غيره، لكن هو في الباطن كافر، وهذا يوجد والعياذ بالله من بعض الزنادقة الذين يتسمَّوْن بالإسلام، يأتون بأشياء تشكك، لكن ما يقولون: نقول، يقول: لو قيل، أو قال فلان، أو أشكل عليَّ كذا مثلًا، إي نعم.
***
الطالب: قال: لا من حكى كفرًا سمعه ولا يعتقده، أو نطق بكلمة الكفر ولم يعلم معناها، ولا من جرى على لسانه سبقًا من غير قصدٍ لشدَّة فرحٍ أو دهشٍ أو غير ذلك.
الشيخ: صحيح، دليل ذلك الرجل الذي قال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، هذه كلمة كفر، نعم متى قال: أنت عبدي وأنا ربك؟ من شدة الفرح؛ لأنها ضاعت ناقته ودوّرها وعجز أن يلقاها، ويش صنع؟ نام تحت شجرة، ميت، فلما استيقظ إذا بخطام ناقته متعلقًا بالشجرة، ويش فرح هذا؟ اعتقد أننا لا نتصور هذا الفرح إلا إن وقعنا في مثله، ولا مهما تصورت من الفرح فهذا الفرح أعظم منه، أمسك بخطام الناقة، ويش الخطام؟
طلبة: الحبل.
طلبة آخرون: الزمام.
الشيخ: الزمام، وكأن بعض الناس يقول: ما الزمام؟
طلبة: الرَّسَن.
[ ١ / ٧٧٢٣ ]
الشيخ: الرَّسَن، وكأن آخر يقول: ما هو الرَّسَن؟ الحبل الذي تُقاد به، إي نعم، أمسك بها وقال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك -سبحان الله- لو قال هذا عن شعور لكان بلا شك كافرًا، فإذن نقول هذا كما قال شيخ الإسلام: من قال كلمة الكفر لا يعتقد معناها، ولكن قالها لشدة فرح، أو ذهول، أو ما أشبه ذلك، أو سبقة لسان كما يقع بعض الأحيان، فإن هذا لا يضر والحمد لله.
***
الطالب: قال: كقول مَنْ أراد أن يقول: اللَّهُمَّ أنت ربي وأنا عبدك فقال: أنت عبدي وأنا ربك، ومن أطلق الشارع كفره فهو كفر لا يخرج به عن إسلامه؛ كدعواه لغير أبيه، وكمن أتى عرَّافًا فصدقه بما يقول؛ فهو تشديد وكفر لا يخرج به عن الإسلام.
الشيخ: نعم، هذا صحيح، لكن ما هو على إطلاقه، فيه تفصيل؛ لأن هذا لا شك أنه عمل كفر، لكن ليس بكفر، اللهم إلا أن يقترن به ما يقتضي الكفر؛ كتصديق الكاهن بعلم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، وما أشبه ذلك، فهذا يكون كفرًا لا من هذه الناحية لكن من ناحية أخرى.
***
الطالب: وإن أتى بقولٍ يخرجه عن الإسلام؛ مثل أن يقول: هو يهوديٌّ أو نصرانيٌّ أو مجوسيٌّ، أو بريءٌ من الإسلام أو القرآن أو النبي ﵊، أو يعبد الصليب، ونحو ذلك على ما ذكروه في الإيمان.
الشيخ: (في الأيمان).
الطالب: في الأيمان.
الشيخ: في الأيمان، ما هو من كتاب الإيمان.
الطالب: في الأيمان، أو قذف النبي ﷺ.
الشيخ: لأنهم قالوا: هو يهودي إن فعل كذا يكون حكمه حكم اليمين.
الطالب: في الأيمان، أو قذف النبي ﷺ.
الشيخ: الآن إذا قال الرجل: هو يهودي أو نصراني أو بريءٌ من الإسلام أو من القرآن أو من ملة محمد أو ما أشبه ذلك فهو كافرٌ مرتد، كافرٌ مرتد نأخذه بقوله هذا، فإن قال: ما أردت، فإن وُجِدَت قرينة تدل على صدقه تركناه، وإن لم يوجد فإننا نقتله إلا أن يتوب.
[ ١ / ٧٧٢٤ ]
الطالب: أو قذف النبي ﷺ أو أمَّه أو اعتقد قِدَمَ العالَمِ أو حدوث الصانع أو سخر بوعد.
الشيخ: إذا قذف النبي ﵊ يكفر؟
طلبة: نعم.
الشيخ: أمَّه؟
طلبة: يكفر.
الشيخ: وكذلك زوجاته على القول الراجح.
إذا اعتقد حدوث الصانع أو قِدَم العالم، الصانع يريد بذلك الله ﷿، إذا قال: إن الله حادث بعد أن لم يكن -تعالى الله– فإنه يكفر؛ لأن الله يقول: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ [الحديد: ٣] و﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الحديد: ٤] فهو خالق، وما سواه مخلوق.
(أو اعتقد قِدَم العالم) وهذه المسألة فيها نزاع طويل، وهو تسلسل الحوادث، وهل العالَم قديم بالذات، أو قديم بالنوع، أو قديم بالجنس؟ فيه خلاف، أحسن ما نقول في هذا الخلاف: إنه لغو من القول، وأن الذي أدخله على الأمة الإسلامية هم الفلاسفة، ومن ضاهاهم من المتفلسفة من علماء المسلمين، وإلا فالرسول -﵊- وأصحابه ما بحثوا في هذا ولا تكلموا، ونحن في غِنًى عن ذلك، هذا لا يزيد الإنسان إلا خوضًا بالباطل، وربما يصل به إلى الشكِّ والحيرة، كما وجد ذلك في كثير من العلماء الذين دخلوا في الفلسفة، وتورَّطوا، ونشبوا فيها؛ فصاروا كالواقع في جُبٍّ من حب ()، إن تحرك نزل، وإن سكن نزل، ما يقدر.
طالب: ().
الشيخ: حبوب ملسة صغيرة، هذه لو نضعها في جُبٍّ، تعرف الجُبَّ ولَّا لا؟ ﴿أَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ﴾ [يوسف: ١٠].
طلبة: البئر يعني.
الشيخ: هي البئر، لو تحطها فيها وتخلي تنزل واحد على سطح هذه المُلَيسة، ووصل للقاع ما يقدر يتحرك.
الطالب: أو اعتقد قدم العالم أو حدوث الصانع، أو سَخِر بوعد الله أو بوعيده أو لم يُكَفِّر من دان بغير الإسلام كالنصارى، أو شكَّ في كفرهم، أو صحح مذهبهم).
[ ١ / ٧٧٢٥ ]
الشيخ: الله أكبر، هذه مسألة خطيرة إذا لم يكفِّر من دان بغير الإسلام فهو كافر، إذا لم يكفِّر من دان بغير الإسلام فهو كافر، فيه الآن ناس جُهَّال سفهاء يقولون: إنه لا يجوز أن نكفِّر اليهود والنصارى، ما يجوز، كيف ما تكفرهم وهم الذين يصفون ربك بكل عيب؟ ! كيف لا تكفر من يقول: إن ربك ثالث ثلاثة؟ ! لماذا لا تكفر من يقول: إن ربك له أبناء؟ ! لماذا لا تكفر من يقول: إن يدي ربك مغلولة؟ ! لماذا لا تكفر من يقول: إن الله فقير؟ ! أعوذ بالله.
إذا قالوا هذا قلنا: أنتم كفار، بل لا شك في كفر مَنْ شك في كفركم، ولا أحد يشك أن اليهود والنصارى والمجوس والوثنيين كلهم كفار، ولو قالوا: آمنا بالله، نقول: كذبتم، أنتم كافرون بالله العظيم وبرسله، عرفتم؟
طالب: نعم.
الشيخ: والواجب علينا أن نصيح بهم صيحة تملأ آذانهم بأنهم كفار، وأن نتبرأ منهم براءة الذئب من دم يوسف، نعم هكذا يجب علينا، أما أن نداهنهم ونصانعهم ونقول: لهم أنتم إخوتنا في الدين، أنتم على دين سماوي، ونحن على دين سماوي، وما الخلاف بيننا وبينكم إلا كالخلاف بين الإمام أحمد والشافعي -نسأل الله العافية- فهذا هو عين الكفر، وقد حُدِّثتُ أن بعض القائمين على اتحادات هناك في بلاد الغرب يقولون مثل هذا القول، وأنا أشهدكم أننا منهم بريئون ما داموا يقولون بهذا القول، بل إن دين الإسلام منهم بريء، وأنه يجب عليهم أن يتوبوا إلى الله -﷿- ويرجعوا إلى دينهم، ويقولوا قولًا يفخرون به؛ بأننا نكفِّر كل من كفره الله، والأمر ليس إلينا ولا إليهم، الأمر إلى الله، فمن كفَّره الله فهو كافر، ومن لم يكفره الله فليس بكافر.
[ ١ / ٧٧٢٦ ]
هذا شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إن الذي لا يكفِّر من دان بغير الإسلام فهو كافر، وصدق ﵀؛ لأنه إذا لم يكفره فإن قوله يستلزم أن يقبل الله دينه، وهذا يستلزم تكذيب قول الله ﷿ ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ﴾ [آل عمران: ١٩] فقط لا غير.
الطالب: أو قال قولًا يتوصل به إلى تضليل الأمة، أو تكفير الصحابة فهو كافر، وقال الشيخ: مَنِ اعتقد أن الكنائس بيوت الله، وأن الله يُعبد فيها، وأن ما يفعل اليهود والنصارى عبادة لله، وطاعة له ولرسوله، أو أنه يحب ذلك أو يرضاه، أو أعانهم على فتحها وإقامة دينهم، وأن ذلك قربة أو طاعة فهو كافر، وقال في موضعٍ ..
الشيخ: والله إن كثيرًا من الناس مبتلى بهذا اليوم، يعتقدون أن الكنائس بيوت الله، وأنها محل عبادته وطاعته، وأن هؤلاء الذين يزعمون أنهم يتقربون إلى الله بها هم متقربون إليه، وهذا كما ترون كفر؛ فالمسألة خطيرة؛ لأن دين الإسلام واحد، الدين الذي ارتضاه لعباده هو هذا الدين الذي جاء به محمد -﵊- فما عدا ذلك فليس بدين، وإن اتخذه أصحابه دينًا فليس بدين أبدًا، لكنه دين يعبد به الشيطان، صحيح أنهم يدينون بذلك للشيطان، أما للرحمن فكلا والله.
***
الطالب: وقال في موضع آخر: من اعتقد أن زيارة أهل الذمة كنائسَهم قربة إلى الله فهو مرتد، وإن جهل أن ذلك محرمًا عُرِّف ذلك، فإن أصر صار مرتدًا.
[ ١ / ٧٧٢٧ ]
وقال قول القائل: ما ثَمَّ إلا الله. إن أراد ما يقوله أهل الاتحاد؛ من أن ما ثَمَّ موجود إلا الله، ويقولون: إن وجود الخالق هو وجود المخلوق، والخالق هو المخلوق، والمخلوق هو الخالق، والعبد هو الرب، والرب هو العبد ونحو ذلك من المعاني، وكذلك الذين يقولون: إن الله تعالى بذاته في كل مكان، ويجعلونه مختلطًا بالمخلوقات؛ يستتاب، فإن تاب وإلا قُتل.
وقال: مَنِ اعتقد أن لأحدٍ طريقًا إلى الله من غير متابعة محمد -ﷺ- أو لا يجب عليه اتباعه، وأن له أو لغيره خروجًا عن اتباعه، وأَخْذِ ما بُعث به، أو قال: أنا محتاج إلى محمد في علم الظاهر دون علم الباطن، أو في علم الشريعة دون علم الحقيقة، أو قال: إن من الأولياء من يسعه الخروج من شريعته، كما وسع الخَضِرَ الخروجُ عن شريعة موسى، أو إن هدي غير النبي ﷺ أكمل من هديه فهو كافر.
وقال: من ظن أن قوله تعالى ..
الشيخ: ترى كل هذا الذي قال، الشيخ ترى قيل به، يعني: هو ما نفى شيئًا إلا وقد قيل به، كل هذا قد قيل به، والشيخ -كما ترون- يرى أنه كافر، فمن زعم أنه يسعه الخروج عن هدي النبي ﵊، أو أن هناك طريقًا إلى الله أفضل من طريقه أو أن هديًا أكمل من هديه فإنه كافر مرتد، بل من زعم أن هناك هديًا مساويًا لهدي النبي ﷺ فهو كافر؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ﴾ () [المائدة: ٥٠].
طالب: يحضرون معهم في العبادة ويجلسون ويستمعون فاللي غالبًا يعني ..
الشيخ: لكن لا يحل لهم أن يوافقوا أبدًا، يجب عليهم أن يرفضوا رفضًا تامًا حضور الكنائس.
الطالب: خليه يفعلها حياءً () أو لحب اطِّلاع.
الشيخ: لا، أما لحب الاطلاع لا بأس، ما فيه مانع.
الطالب: ولو فعلوا ()؟
الشيخ: أبدًا، حرام هذا.
الطالب: يعني: هذا لا يفعلونه؟
[ ١ / ٧٧٢٨ ]
الشيخ: لا، حرام هذا، لا يجوز أبدًا، ولا أحد يرضى به من المسلمين، أما إذا ذهب إليه لحب الاطلاع فهذا لا بأس به، ما فيها مانع إن الإنسان يدخل ويشوف، ربما يعتبر في هؤلاء، وأما أن يوافقهم ظاهرًا، أعوذ بالله.
الطالب: من رضي بعمل من أعمالهم في الدنيا؟
الشيخ: لا يجوز، يرضى بالكفر ولَّا بغير الكفر؟
الطالب: بعمل من أعمالهم في الدنيا؟
الشيخ: فلا بأس، يعني: لو رضي مثلًا بأنهم يصعدون إلى الجو ويخرقون طبقات الجو وما أشبه ذلك، ما فيه شيء.
***
الطالب: مَن ظنَّ أن قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] بمعنى قَدَّر، فإن الله ما قدَّر شيئًا إلا وقع، وجعل عُبَّادَ الأصنام ما عبدوا إلا الله، فإن هذا من أعظم الناس كفرًا بالكتب كلها.
الشيخ: الله أكبر، شوف كيف الضلال والعياذ بالله؟ ! قال: قضى ربك قضاءً كونيًا ألا نعبد إلا الله، لازم ذلك أن كل شيء نعبده فهو الله؛ لأن الله قضى قضاءً كونيًّا والقضاء الكوني ما يتخلف ألا نعبد إلا الله، فمعنى ذلك أن كل ما عبدناه فهو مقضي، ونحن لا نعبد إلا الله، هذا قال به مَن قال، يقول شيخ الإسلام: إن هذا أكفر ما يكون من الكفر، وهذا صحيح، ونحن نقول: إن ﴿قَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ أي قضى قضاءً شرعيًّا ألا نعبد إلا الله، ولكن القضاء الشرعي قد يتخلف.
***
الطالب: وقال: مَنِ استحلَّ الحشيشة كفر بلا نزاع.
الشيخ: إي نعم، الحشيشة معروفة أظن.
طلبة: نعم معروفة.
الشيخ: شيء يُؤكل ويُسكِر، نعم اللي يقول: إنها حلال فهو يكفر، يقول: بلا نزاع، صحيح مثل من استحلَّ الخمر.
***
الطالب: وقال: لا يجوز لأحدٍ أن يلعن التوراة، ومن أطلق لعنها يستتاب فإن تاب وإلا قتل.
الشيخ: صح، صحيح هذا؟
طلبة: إي نعم.
[ ١ / ٧٧٢٩ ]
الشيخ: لأن التوراة كتاب منزل من عند الله يجب علينا أن نؤمن به، لكن لا يجب علينا أن نقول: أو أن نؤمن بأن ما في أيدي اليهود الآن هو التوراة التي أنزلت على موسى؛ لأن الله تعالى قال: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا﴾ [الأنعام: ٩١]، وأخبر الله تعالى عن أهل الكتاب أنهم ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ١٣].
فلا نثق بما في أيديهم من الكتب، ويدل لذلك أيضًا دلالة حسية أن هذه الكتب متناقضة، فالأناجيل والتلاميد التي بيد اليهود كلها متناقضة، ولو كان من عند الله هل يتناقض؟ أبدًا، ما يتناقض، فكونها تتناقض تناقضًا جوهريًّا يدل على أنها محرفة مبدلة، لكننا نؤمن بأن الله أنزل على عيسى ﵊ كتابًا هو الإنجيل، وعلى موسى كتابًا هو التوراة، يجب علينا أن نؤمن بها، وأن نقول: كل ما كان فيها من أخبار فهو صدق، وكل ما كان فيها من أحكام فهو عدل وحق، لكن طرأ عليها التحريف والتغيير، فنحن لا نثق بما في أيدي اليهود والنصارى منها اليوم.
الطالب: وإن كان ممن يعرف أنها منزَّلة من عند الله وأنه يجب الإيمان بها فهذا يقتل بشتمه لها ولا تقبل توبته في أظهر قولي العلماء، وأما مَنْ لعن دين اليهود الذي هم عليه في هذا الزمان فلا بأس عليه في ذلك، وكذلك إن سبَّ التوراة التي عندهم بما يبين أن قصده ذِكرُ تحريفها، مثل أن يقال: نُسَخُ هذه التوراة مبدلة لا يجوز العمل بما فيها، ومن عمل اليوم بشرائعها المبدلة والمنسوخة فهو كافر، فهذا الكلام ونحوه حق لا شيء على قائله.
الشيخ: يعني: لو لعن دين اليهود اللي هم عليه اليوم يحق هذا ولَّا لا؟
طلبة: نعم، يحق.
[ ١ / ٧٧٣٠ ]
الشيخ: يحق له ذلك، أو دين النصارى اللي هم عليه اليوم يحق له ذلك، أو قال: نُسَخ التوراة أو الإنجيل اللي في أيديهم اليوم محرف مبدل لا يجب علينا أن نؤمن به على تحريفه وتبديله فهو حق وله ذلك.
***
طالب:
فصل
وقال: ومَنْ سبَّ الصحابة أو أحدًا منهم، واقترن بسبِّه دعوى أن عليًّا إله أو نبي، وأن جبريل غلط فلا شك في كفر هذا، بل لا شك في كفر من توقف في تكفيره، وكذلك ..
الشيخ: هذا موجود؟
طلبة: موجود، نعم.
الشيخ: هذا موجود، فيقول: هذا لا شك في كفره، بل لا شك في كفر مَن توقَّف في تكفيره، لو تصل تقول: هذا واحد يسب الصحابة، ويقترن بسبِّه أن عليًّا إله أو نبي، أو أن جبريل غلط وكان قد أُرسل إلى عليٍّ فغلط وذهب إلى محمد، ويبقى ثلاثًا وعشرين سنة ينزل ليله ونهاره وهو غلطان ولا يُنَبه على غلطه! ويش تقولون في هذا: هو كافر ولَّا لا؟
طلبة: كافر.
الشيخ: لا، هو قال: والله خلى بشوف، براجع وبحقق في المسألة إلى متى؟ قال: إلى باكر، جينا يوم باكر ويش قلت يا فلان يا عالم، يا طيب؟ قال: والله حتى الآن ما تقرر عندي شيء، جئنا بعد بكرة. قال: والله إلى الآن متردد، إلى متى؟ قال: إلى أجل غير مسمى، نقول: إلى أجل الموت الذي يأتيك وأنت كافر.
***
الطالب: قال: وكذلك من زعم أن القرآن يُنقص منه شيءٌ وكُتم.
الشيخ: قبل منها أو من إحداث شيء جديد، نعم.
طالب: يسب الصحابة ().
الشيخ: فالذي أرى أنه إذا سبَّهم -على سبيل العموم- يكفر أيضًا؛ لأن سب الصحابة قدحٌ في الشريعة الإسلامية؛ إذ إن الشريعة الإسلامية ما جاءت إلا من طريقهم، وسب الصحابة أيضًا سب للرسول ﵊؛ لأن رجلًا يكون أصحابه محل التنقص والعيب والسب لا خير فيه؛ فإن الإنسان على دين خليله، وكيف يمكن لرجل مؤمن أن يقول: إن محمدًا ﵊ صحابته من أخسِّ عباد الله، وأظلم عباد الله، وأنهم طواغيت وجبوت، وما أشبه ذلك؟ !
[ ١ / ٧٧٣١ ]
وسب الصحابة يتضمن بالإضافة إلى ذلك سب الله ﷿ حيث اختار لنبيه ﵊ وهو أفضل الخلق عنده مثل هؤلاء الرجال، ولذلك سب الصحابة يتضمن أربعة محاذير: سبهم، وسب النبي ﵊، وسب الشريعة الإسلامية، وسب الله ﷿؛ نعم سب الله؛ لأنه اختار لنبيه هؤلاء الصحابة، وسب الله؛ لأنه أثنى عليهم فقال: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠] إي نعم.
طالب: () على الصحابة.
الشيخ: لا، هذا قد لا يكفر، اللهم إلا من أجمعت الأمة على الثناء عليه فقد يقال: وهو محل نظر، مثل لو سبَّ أبا بكر وعمر ﵄ بخصوصهما فقد يقال بكفره؛ لأن هذا مما أجمعت الأمة على الثناء عليهم، بل إن الله تعالى أثنى على أبي بكر في القرآن العظيم ووصفه بأنه صاحب الرسول ﵊، والنبي ﵊ أعلن على المنبر في آخر حياته، قال: «إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ» (١)؛ إعلان على المنبر أمن الناس في ماله وصحبته أبو بكر، أمن حتى من علي بن أبي طالب؟ حتى من علي، حتى من العباس، حتى من حمزة بن عبد المطلب، أمن الناس على الرسول في ماله وصحبته أبو بكر ﵁، وقال: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ»، فمن يجرؤ وعنده في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان، من يجرؤ على أن يقول: إن هذا الرجل كان ظالمًا مرتدًا منافقًا في الدرك الأسفل من النار؟ !
() أعوذ بالله، ما أظن أحدًا يا أخي، الله أكبر، أنا أحرمكم الإجابة على هذا السؤال حتى يأتي الثلاثاء إن شاء الله، إذا كنا نبحث لا تمدوا أيدكم خلوا الإنسان يستمر في بحثه، أنتم الآن أشغلتم أنفسكم ().
[ ١ / ٧٧٣٢ ]
الذي يبغضه لا أشك في كفرهم اللي يبغض أبا بكر وعمر ويسبهما، ويش؟ ماذا فعل في الإسلام؟ ما فعل إلا كل خير، فعمر ﵁ يُضرب به المثل في عدله، وأبو بكر أيضًا يُضرب به المثل في قوته في دين الله ﷿ لكنه قوة بحكمة وتأنٍّ، ولكن ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١]، يقولون: إن المراد بالجبت أبو بكر، وبالطاغوت عمر، نسأل الله العفو والعافية.
طالب: إذا كان يا شيخ () الله ورسوله غير عمر وأبو بكر؟
الشيخ: والله يا أخي، هذه محل توقف؛ لأن حتى بعض الصحابة ﵃ قد يعيب بعض الناس، ما هو في دينه، في بعض الأشياء التي كانت وقعت منه، لكنه كما قال شيخ الإسلام في العقيدة الواسطية: لهم من السوابق والفضائل ودعاء المؤمنين ما يوجب مغفرة ما صدر منهم.
***
الطالب: () وعليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين وسلم تسليمًا، أما بعد قال صاحب الإقناع في باب حكم المرتد تكملة الدرس السابق:
فصل
وقال: ومن سب الصحابة أو أحدًا منهم، واقترن بسبه دعوى أن عليًّا إله أو نبي، وأن جبريل غلط، فلا شك في كفر هذا، بل لا شك في كفر من توقف في تكفيره، وكذلك من زعم أن القرآن يُنقص منه شيءٌ وكُتم، أو أن له تأويلات باطنة تسقط الأعمال المشروعة ونحو ذلك، وهذا قول القرامطة والباطنية ومنهم الناسخية، ولا خلاف في كفر هؤلاء كلهم، ومن قذف عائشة ﵂ بما برَّأها الله منه كفر بلا خلاف، ومن سبَّ غيرها من أزواجه ﷺ ففيه قولان: أحدهما أنه كَسَبِّ واحدٍ من الصحابة، والثاني -وهو الصحيح- أنه كقذف عائشة ﵂، وأما من سبَّهم سبًّا لا يقدح في عدالتهم ولا ..
[ ١ / ٧٧٣٣ ]
الشيخ: وعلى هذا على هذا يكون كافرًا، الذي يسبُّ أحدًا من أمهات المؤمنين فإنه يكفر؛ لأن سبها قدحٌ في النبي ﷺ، ولا سيما فيما يعود على دنس الفراش وفساد الأخلاق، فإن هذا من أكبر الجرائم على رسول الله ﷺ، وعلى هذا فنقول: من سبَّ عائشة ﵂ أو غيرها من زوجات النبي ﷺ فإنه يكفر على القول الراجح، وقيل: إنه كسب واحد من الصحابة.
وأما سبُّ الصحابة جميعًا فظاهر كلام الشيخ أنه لا يكفر إلا إذا اقترن به دعوى أن عليًّا إله أو نبي، أو أن جبريل غلط، ولكن هذا فيما يظهر غير مراد؛ لأن دعوى أن عليًّا إله، أو نبي، أو أن جبريل غلط فأوصل الرسالة إلى محمد ﵊ بدلًا عن علي، هذا بمجرده يكون كافرًا، سواء سبَّ الصحابة أو ما سبَّهم؛ فالراجح أن من سبَّ الصحابة فهو كافر؛ لأنه كما مر علينا في الدرس الماضي سبهم يقتضي سب الشريعة وسب النبي ﷺ وسب الله ﷿، فيكون كافرًا، إي نعم.
***
الطالب: قال: وأما من سبَّهم سبًّا لا يقدح في عدالتهم ولا دينهم، مثل مَنْ وصف بعضهم ببخلٍ أو جبنٍ أو قلة علمٍ أو عدم زهدٍ ونحوه، فهذا يستحق التأديب والتعزير ولا يكفرُ، وأما من لعن وقبَّح مطلقًا فهذا محل الخلاف، أعني: هل يكفر أو يفسق؟ توقف أحمد في كفره وقتله، وقال: يعاقب ويجلد ويحبس حتى يموت أو يرجع عن ذلك، وهذا المشهور من مذهب مالك، وقيل: يكفر إن استحله، والمذهب يعزر كما تقدم أول باب التعزير، وفي الفتاوى المصرية يستحق العقوبة البالغة.
الشيخ: قوله: (إن استحل ذلك) المعروف أن الذين يسبون الصحابة يستحلون ذلك؛ يستحلون سبهم، بل يرون أن سبهم دين، وأنه يجب أن يسبهم إلا نفرًا قليلًا، وعلى هذا فيكون هؤلاء كفارًا؛ لأنهم يستحلون سب أصحاب الرسول ﵊، بل يرونه دينًا وعبادة يتقربون به إلى الله، نسأل الله العافية، إي نعم.
[ ١ / ٧٧٣٤ ]
الطالب: وفي الفتاوى المصرية يستحق العقوبة البليغة باتفاق المسلمين، وتنازعوا؛ هل يعاقبه بالقتل أو ما دون القتل؟ وقال: أما من جاوز ذلك كمن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله ﷺ إلا نفرًا قليلًا لا يبلغون بضعة عشر وأنهم فسقوا، فلا ريب أيضًا في كفر قائل ذلك، بل من شك في كفره فهو كافر.
الشيخ: الله أكبر.
الطالب: انتهى ملخصًا من الصارم المسلول.
ومن أنكر أن يكون أبو بكر صَاحِبَ رسول الله ﷺ فقد كفر؛ لقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ [التوبة: ٤٠].
وإن جحد وجوب العبادات الخمس أو شيئًا منها، ومنها الطهارة، أو حِلَّ الخبز واللَّحم والماء، أو حل الزنا ونحوه، أو ترك الصلاة، أو شيئًا من المحرمات الظاهرة المجمع على تحريمها كلحم خنزير والخمر وأشباه ذلك أو شك فيه ومثله لا يجهله كَفَر.
وإن استحل قتل المعصومين، وأخذ أموالهم بغير شبهة ولا تأويل كَفَر، وإن كان بتأويل كالخوارج لم يحكم بكفرهم مع استحلالهم دماء المسلمين وأموالهم متقربين بذلك إلى الله تعالى، وتقدم في المحاربين، والإسلام شهادة أن لا إله إلا الله ().
ومن ترك شيئًا من العبادات الخمس تهاونًا، فإن عزم على ألا يفعله أبدًا استتيب عارفٌ وجوبًا كالمرتد، وإن كان جاهلًا عُرِّفَ، فإن أصرَّ قُتل حدًّا، ولم يَكْفُر إلا بالصلاة إذا دعي إليها وامتنع، أو شرط، أو ركن مجمع عليه فيقتل كفرًا، وتقدم في كتاب الصلاة، ومن شُفع عنده في رجل ..
[ ١ / ٧٧٣٥ ]
الشيخ: هذه الأركان الخمسة في الإسلام منها ما تركُه كفر بالإجماع؛ مثل شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، هذه إذا لم يشهد فإنه كافر ولا شك به بإجماع المسلمين، وأما بقية الأركان ففيها خلاف، فعن أحمد رواية أنه يكفر بترك ركن منها سواء كان الصلاة أو الزكاة أو الصوم أو الحج تهاونًا؛ قال: لأنها كلها أركان والشيء لا يتم بدون أركانه، ولكن الصحيح أنه لا يكفر إلا بترك الصلاة فقط إذا ترك الصلاة كفر ولو تهاونًا وكسلًا.
واشتراط المؤلف أن يدعوه الإمام أو أن يدعى إليها هذا هو ما جرى عليه الفقهاء المتأخرون ﵏، ولكن ليس في الكتاب والسنة ما يدل على ذلك، بل هو كغيره يستتاب، فإن تاب وإلا قتل كافرًا، ولا يشترط أن يدعوه إمام، فإن فرض أنه مات قبل الاستتابة، فإنه فيما بينه وبين الله كافر مخلد في النار، أمَّا نحن فإننا لا نحكم بكفره حتى يستتاب ويصر على تركه للصلاة.
طالب: ().
الشيخ: هذا يقول المؤلف: إن مَنِ استحلَّ دماء المسلمين وأموالهم بغير تأويل فقد كفر؛ لأنه استحل أمرًا محرمًا بالإجماع، والإجماع على هذا إجماعٌ ظاهر معلوم بالضرورة من الدين، أما إذا كان بتأويل كما صنع الخوارج فإن في كفره قولين لأهل العلم؛ منهم من قال: إنهم يكفرون، ومنهم من قال: إنهم لا يكفرون، وسبق الكلام على هذا في قتال أهل البغي، وذكرنا أن ظاهر السنة يدل على أنهم كفار؛ لأنه يقول: «يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهُمْ مِنَ الرَّمِيَّةِ» (٢)، وهذا يدل على أنهم ليسوا بمسلمين، وأنهم مارقون من الإسلام.
والتأويل هنا تأويلٌ لا يُعذر فيه؛ لأنه تأويلٌ في أمرٍ لا يخفى، فإن استحلال دماء المسلمين وأموالهم بمجرد فعل الكبيرة، كما هو شأن الخوارج الذين يكفرون بفعل الكبيرة، هذا أمرٌ ظاهر البطلان، ولا يخفى على أحد فلا وجه للتأويل فيه.
طالب: قول المؤلف هو قول المذهب.
الشيخ: المذهب مختلف فيها.
***
[ ١ / ٧٧٣٦ ]
طالب: قال: ومن شُفع عنده في رجل فقال: لو جاء النبي ﷺ يشفع فيه ما قبلت منه، إن تاب بعد القدرة عليه قُتل لا قبلها.
الشيخ: لأن قوله: لو أتى النبي ﵊ ما قبلت. صريح في أنه سيعصي النبي ﷺ، سيعصي الرسول ﵊، ولكن إذا علمنا أنه قال ذلك من باب المبالغة، يعني أن أغلى ما عندي وأوجب من يجب عليَّ قبول شفاعته من الناس هو الرسول - ﵊ - ومع ذلك لو جاء ما قبلت شفاعته، فإنه إذا قالها من باب المبالغة فإنه لا يحكم بأنه يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، فهناك فرق بين من يقصد معناها، ويقول: لو جاء الرسول ما قبلت، وبين من يريد المبالغة، وأنه يقول: لو جاء أعز الناس وأوجب الناس علي لقبول شفاعته ما قبلت، ولكن لو جاء الرسول فعلًا لكان يقبل، ولا يبالي بقبول شفاعته، فهذا لا يظهر أنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل؛ لأنه لم يُرِدْ رَدَّ قول النبي ﵊، بل أراد تعظيم الرسول ﵊.
طالب: هل تجب إجابة شفاعة الرسول في عهد الصحابة؟
الشيخ: لا تجب إجابة شفاعته أحيانًا، ولَّا ما تجب في كل حال.
الطالب: كيف يكفر؟
الشيخ: نعم، ما يكفر، يستتاب يقول ..
الطالب: أقول: كيف نحكم بكفره لو رفض وعلمنا أنه ..؟
الشيخ: لا ما يكفر، الشيخ ما يرى أنه كفر، يقول: يستتاب فإن تاب وإلا قُتِل يعني حدًّا؛ لأن ظاهر هذا أنه يستهين بالرسول ﵊ ويحتقره، ويقول: ما أقبل الشفاعة.
***
الطالب:
فصل
[ ١ / ٧٧٣٧ ]
ومن ارتد عن الإسلام من الرجال والنساء وهو بالغٌ عاقلٌ مختار دُعي إليه ثلاثة أيام وضيق عليه وحبس، فإن تاب وإلا قُتل بالسيف إلا رسول الكفار إذا كان مرتدًا بدليل رسولي مسيلمة، ولا يقتله إلا الإمام أو نائبه، حرًّا كان المرتد أو عبدًا، ولا يجوز أخذ فداء عنه، وإن قتله غيره بلا إذنه أساء وعُزِّر ولم يضمن، سواءٌ قتله قبل الاستتابة أو بعدها، إلا إن يلحق بدار حرب فلكُلٍّ قتلُهُ وأخذُ ما معه من مال، والطفل الذي لا يعقل.
الشيخ: إذن مسألة: المرتد مباح الدم؛ لقول النبي ﵊: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» (٣)، ولكن ليس كل أحد يتمكن من قتله، هو مباح الدم لكن قَتْلُهُ إلى الإمام، وبهذا نعرف أن الأمور الموكولة إلى ولاة الأمور لا يجوز التعدي فيها؛ لأنه يحصل بذلك فتنة وشر.
[ ١ / ٧٧٣٨ ]
مثل لو أن أحدًا رأى منكرًا في السوق، وأراد أن يغيِّره بيده، فنقول: لا شك أن الرسول ﵊ يقول: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ» (٤)، لكن إذا كان هذا مما يغيره ولاة الأمور فإنه لا يجوز أن نفتات على ولي الأمر، ونعتدي على حقه، فنفعل نحن بأنفسنا؛ لأن هذا يترتب عليه مفاسد كثيرة أكثر من مصلحة تغييره، ويمكن أن يغير من طريق آخر، وهذه المسائل دقيقة ومهمة، فإن بعض الإخوة الغيورين على دين الله ﷿ قد يتجرؤون في مثل هذه الأمور، فيحصل من المفاسد أكثر مما حصل من المصالح، فالأمور المنوطة بالمسؤولين ليس لنا أن نفتات عليهم، أما غير المنوطة بهم فنعم نغير بأيدينا وألسنتنا وقلوبنا، وهنا كما قال المؤلف: المرتد مباح الدم، ومع ذلك لو أن أحدًا من الناس قتله، يقول المؤلف: إنه يعزر، يُعزر هذا القاتل مع أنه قتل شخصًا حلال الدم، لكنه يُعزر لافتياته على الإمام، إلا إذا لحق المرتد بدار الحرب؛ يعني: لو لحق بدار الكفار الذين بيننا وبينهم حرب، فإنه حينئذٍ يجوز لكل واحد أن يقتله؛ لأنه صار في حكم هؤلاء المحاربين.
***
الطالب: قال: والطفل الذي لا يعقل، والمجنون، ومن زال عقله بنومٍ أو إغماءٍ أو شرب دواء مباح لا تصح ردته ولا إسلامه لأنه لا حكم لكلامه، فإن ارتد وهو مجنون فقَتَلَهُ قاتل فعليه القود. وإن ارتد في صحته ثم جُنَّ لم يقتل في حال جنونه، فإذا أفاق استتيب ثلاثا، فإن تاب وإلا قتل، وإن عقد الصبي الإسلام صح إسلامه وردته.
[ ١ / ٧٧٣٩ ]
الشيخ: أفادنا المؤلف بقوله: (زال عقله) بشيء مباح أنه لو زال عقله بشيء محرم، كما لو شرب مسكرًا متعمدًا فإنه يؤاخذ بأقواله، فحكمه حكم الذي معه عقله، إذا طلق وقع الطلاق، وإذا أقر بمال ثبت عليه ما أقر به، وإذا ارتد ثبت عليه حكم المرتد وقتل، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، والصحيح خلاف ذلك، وأن من شرب مسكرًا مع التحريم فإنه لا يعزَّر بأكثر مما جاءت به الشريعة، وهو أن يجلد أربعين جلدة، أو ثمانين جلدة، أو أكثر حسب ما يكون به ردع الناس عن هذا الشراب المحرم، وأما أن نؤاخذه بأقواله وأفعاله وهو لا يعقل فلا يمكن.
اختلف العلماء في فعله، هل يؤاخذ به؟ والصواب أن فعله كفعل المخطئ، لا كفعل المتعمد، فلو قتل إنسانًا لم يقتص منه؛ لأنه لا عقل له، ولكن تؤخذ منه الدية، إلا إذا علمنا أنه تناول المسكر لتنفيذ فعله فإنه يؤاخذ به، يعني لو فرضنا هذا الرجل يريد أن يقتل شخصًا، فقال: إن قتلته وأنا عاقل قتلوني به، ولكن أشرب مسكرًا وأقتله وأنا سكران لأجل لا يقتلونني، ففي هذه الحال نقول: إنه يقتل؛ لأنه سَكِرَ من أجل الوصول إلى العمل المحرم، والعبرة في الأمور بمقاصدها، لقول النبي ﵊: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (٥).
وخلاصة الأمر الآن أن أقوال السكران غير معتبرة مطلقًا سواءٌ فيما يتعلق بنفسه أو بغيره، أفعاله كفعل المخطئ، يعني يؤاخذ بالأفعال التي يؤاخذ بها المخطئ، ما لم نعلم أنه أراد الوصول إلى هذا الفعل المحرم بتناول المسكر، فإننا في هذه الحال نعتبر فعله كفعل الصاحي، ويؤاخذ به.
وترى السكران ما يعترف بالجنيه الأفرنجي.
طالب: ذمته بريئة.
الشيخ: الصحيح أنه لا شيء عليه، وعلى المذهب.
طلبة: عليه.
الشيخ: يلزم بدفعه إذا كان المقر له لا يخاف الله؛ قال: يلَّا، أعطني اللي أقر، كذا؟
طالب: إي نعم.
[ ١ / ٧٧٤٠ ]
الشيخ: أما إذا كان الذي شرب المسكر معذورًا بجهل أو نسيان أو إكراه فإن أقواله وأفعاله غير معتبرة، إلا أن الأفعال يؤاخذ بما يؤاخذ به المخطئ المعذور بجهله، يعني: ما دري أن هذا الشراب مسكرًا فشربه، هذا ما عليه شيء، نسي هو يعلم أن هذا الشراب مسكر، لكن جاء وشربه ناسيًا. مكرهًا على شربه، هذا معذور ولا يقع طلاقه، ولا ينفذ إقراره، ولا يؤاخذ بأفعاله إلا فيما يؤاخذ به المخطئ، إي نعم.
طالب: حتى على المذهب.
الشيخ: كيف؟
الطالب: حتى على المذهب.
الشيخ: حتى على المذهب، ().
أن الردة تكون بالاعتقاد والقول والفعل والترك، تكون بالاعتقاد والقول والفعل والترك، أليس كذلك؟ وبينَّا ذلك، وأن الاعتقاد إما أن يعتقد ما يكفره، أو يجحد ما يكفر بجحده؛ لأن الجحود نوعٌ من الاعتقاد، وأما القول فظاهر؛ إما أن يقول ما يكفر به إثباتًا، أو ينفي ما يكفر به نفيًا.
وكذلك نقول في الفعل؛ بأن يفعل ما يكون كفرًا، والترك بأن يترك ما يكون كفرًا أي: ما يكون تركه كفرًا.
وسبق لنا أن من أقسام الجحد أن يجحد تحريم شيءٍ مجمعٍ على تحريمه إجماعًا قطعيًّا ظاهرًا كتحريم الخمر، ولكن يشترط أن يكون عالمًا بذلك وغير متأول.
وبعد هذا قال المؤلف مبينًا كيف نعامل من ارتد عن الإسلام بأنواع الردة السابقة؛ قال: (فمن ارتد عن الإسلام وهو مكلف مختار رجلًا كان أو امرأة).
(من) شرطية، جوابها (دُعي إليه ثلاثة أيام)، (من ارتد عن الإسلام) في واحد من أسباب الردة السابقة، لكن يقول: (وهو مكلف) إلى آخره.
وقوله: (عن الإسلام) المراد بالإسلام هنا الإسلام بالمعنى الخاص، وهو الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ؛ لأن الإسلام له معنيان:
[ ١ / ٧٧٤١ ]
معنى عام يشمل كل مَنْ أسلم لله ﷾ من هذه الأمة ومن غيرها، فإن غير هذه الأمة فيهم مسلمون كثير؛ ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤]، وقال يعقوب لبنيه: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]، وقال عن إبراهيم: ﴿كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧]، وقال عن بَلقيس: ﴿إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤]، هذا الإسلام العام يشمل كل من أسلم لله ﷾ بأن استسلم له ظاهرًا وباطنًا في كل ملة.
أما بعد بعثة الرسول ﵊ فكان الإسلام لا يتناول إلا معنى خاصًا وهو الاستسلام لله بشريعة النبي ﷺ فقط.
فقول المؤلف: (مَنِ ارتد عن الإسلام) المراد به أي النوعين؟
الإسلام الخاص وهو الذي جاء به الرسول ﵊.
لكن اشترط المؤلف؛ قال: (وهو مكلف) أي: بالغ عاقل، فإن كان غير عاقل فلا حكم لقوله؛ لأنه مجنون؛ المجنون لو قال: إن الله ثالث ثلاثة، أو إن الله اثنان، أو إن الله ليس بموجود، أو ما أشبه ذلك مما يكفر به العاقل فإنه لا يكفر؛ لأنه مجنون.
وفرق بين أن يكون فَقَد عقله بالجنون -كما قلت- أو بغير ذلك، فلو فقد عقله بآفة غير الجنون كالبرسام مثلًا، أو فقد عقله بحادث وصار يهذي، أو فقد عقله بكِبَر وصار يهذرم، أو فقد عقله بشرب مسكر غير عالم به، أو فقد عقله بشرب مسكر معذورًا به كمن شربه.
طلبة: لعطش.
الشيخ: لا، الصحيح في حكم ردة الصغير المميز$ ولكن المذهب أن ردة الصغير المميز معتبرة، ولكنه لا يُدعَى إلى الإسلام إلا بعد بلوغه، فيدعى إليه ويستتاب فإن تاب وإلا قُتل.
وهناك قول ثالث في مسألة الصغير؛ أن ردته معتبرة، ويُدْعَى إلى الإسلام، فإن تاب وإلا قُتل، فالأقوال إذن ثلاثة:
[ ١ / ٧٧٤٢ ]
أحدها: أن ردته غير معتبرة؛ لأنه غير مكلف، وكما لا يكفر بترك الصلاة والصيام وما أشبهها؛ لأنها غير واجب عليه فكذلك الإسلام لا يكفر بتركه.
والقول الثاني وهو المذهب: أنها تصح ردته ويكفر، لكن لا يستتاب حتى يبلغ؛ لأنه قبل ذلك مرفوعًا عنه القلم، فإن تاب وإلا قُتل.
والثالث: أن ردته معتبرة ما هي مقبولة، ردته معتبرة؛ يعني: تصح ردته ويستتاب فإن تاب وإلا قُتل.
لكن القول الصحيح أن ردته غير معتبرة؛ لعموم الأدلة الدالة على رفع الجناح عن الصغير.
إذن يُشترط البلوغ، والثاني العقل.
قال المؤلف: (مختار) اشترط الاختيار، يعني أن تقع منه الردة مختارًا، ضد الاختيار الإكراه، فلو أكره على الردة لم يكفر، بشرط أن يكون قلبه مطمئنًا بالإيمان؛ يعني: بمعنى أنه لا يريد الكفر، وأنه يكرهه غاية الكراهة، لكن أُكْرِه عليه ففعل أو قال: فإنه لا يكفر؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦].
وهل يُشترط أن يفعله دفعًا للإكراه أو لا يشترط؟ سبق لنا أن قلنا: في هذا خلاف للعلماء، فمنهم من يقول: يشترط أن يفعل ذلك دفعًا للإكراه، فإن فعله لا دفعًا للإكراه بأن غاب عن ذهنه هذا الشيء فإنه يكفر، ولكن الصحيح أنه لا يكفر، ولو كان لم يطرأ على باله أنه يريد دفع الإكراه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾، ولأن العامة خصوصًا لا يشعرون بهذا المعنى؛ أي: لا يشعرون أنهم يريدون بذلك دفع الإكراه، لكن أُكْرِه على أن يكفر فكفر مع كراهته له، وهذا هو الواقع كثيرًا، بل ربما حتى غير العامي مع الذهول وشدة الموقف ربما يعزب عن باله أنه يريد دفع الإكراه، هذه ثلاثة شروط.
[ ١ / ٧٧٤٣ ]
الشرط الرابع: أن يكون مريدًا للكفر؛ يعني: هو تكلم باختيار، أو فعل باختيار لكنه لا بد أن يكون مريدًا للكفر، فلو جرى على لسانه بغير قصد فإنه لا يكفر؛ لأنه لم يرده، ويؤخذ من قوله تعالى ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾؛ لأن غير المريد لم يشرح بالكفر صدرًا، مثل أن ينطق بالكفر لشدة فرح أو غضب أو ما أشبه ذلك فهذا لا يكفر.
ودليله ما حدثتكم إياه فيما سبق عن رسول الله ﷺ في قصة الرجل الذي انفلتت دابته في فلاة من الأرض، عليها طعامه وشرابه، فطلبها فلم يجدها، فنام تحت شجرة ينتظر الموت، فبينما هو كذلك إذا بخطام ناقته متعلقًا بالشجرة، فأخذه وقال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح (٦)، فهل هذا كفر؟ الكلمة كلمة كفر، لكن هل أرادها؟ أبدًا، وعليه فنقول: لا بد أن يكون مريدًا لذلك أي: للكفر، فإن كان غير مريد فلا.
وبناء عليه نقول: لو أنه حكى كلمة الكفر ولم يقصد معناها؛ مثل أن يقول: ما تقول في رجل قال: كذا وكذا، ولكنه ما أراد المعنى، أو يحكي كفرًا سمعه فإنه لا يكفر؛ لأنه غير مريد، هذه أربعة شروط.
الشرط الخامس: أن يكون عالمًا بالحال والحكم، أما كونه عالمًا بالحال فأن يعلم أن هذا القول مُكفِّر أو هذا الفعل، فإن لم يعلم أنه مُكَفِّر فلا يكفر، مثل أن يتكلم بكلمة الكفر وهو لا يدري ما معناها، مثل أن يتكلم رجل عربي بكلمة الكفر في لسان العجم وهو لا يدري أن معناها كفر، فهذا يكفر؟
طلبة: لا يكفر.
الشيخ: ليش؟
طلبة: لأنه غير عالم.
الشيخ: لأنه لا يدري معناها، ما علم أن معناها الكفر، أو يتكلم عجميٌّ بكلمة الكفر في لسان العرب وهو لا يدري معناها فإنه لا يكفر، لأن لا بد أن يعلم أن هذا الشيء مكفر فإن لم يعلم فلا؛
لو سجد لصنم ما ظن أن ذلك كفر فإنه لا يكفر؛ لأنه لا يدري ما معناه، ولو علم أنه كفر لكان أشد الناس فرارًا منه.
[ ١ / ٧٧٤٤ ]
أن يكون عالمًا بالحكم الشرعي، وهذا أيضًا هذا محلٌ خطيرٌ جدًّا، يشترط للكفر أن يكون عالمًا بالحكم الشرعي أي: بأن هذا مكفر شرعًا.
فالأول اللي قلناه عالمٌ بالحال، هذا من باب تحقيق المناط، وهذا من باب العلم بالحكم الشرعي الذي هو معرفة الدليل؛ لأنه لا بد من معرفة الدليل، وأن هذا مما يدخل في الدليل؛ علمان: معرفة الدليل، ومعرفة أن هذا مما يدخل في الدليل، الثاني: إذا جهل نقول: هذا جهلٌ بالحال الذي كنت أتكلم عليه قبل قليل.
العلم بالدليل أيضًا لا بد أن يعلم بأن هذا القول أو هذا الفعل مكفر، فإن لم يعلم بأن لم يبلغه الشرع أن هذا مكفر فإنه لا يكفر؛ لأن الله ﷿ يقول في كتابه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، فانظر إلى قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ نعم فمن لم يتبين له الهدى إذا شاق الرسول لا يستحق هذا الجزاء، وإذا ارتفع هذا الجزاء ارتفع سببه وهو الكفر، وقال الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] فلا بد أن يبين الله ﷾ ما يُتقى حتى يتقيه العبد.
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، فإذا كان هذا في أصل الدين ما يعذب الإنسان عليه حتى يبعث الرسول فكذلك في الفروع، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩]، ولا ظلم لمن أتى شيئًا لا يعلم أنه معصية أو أنه كفر.
[ ١ / ٧٧٤٥ ]
وقال النبي ﵊: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (٧) والجهل بلا شك من الخطأ، فعلى هذا نقول: إذا فعل الإنسان ما يوجب الكفر من قول أو فعل جاهلًا بأنه كفر، يعني: جاهلًا بدليله الشرعي فإنه لا يكفر، ولكن يبقى النظر؛ هل كل إنسان يُعْذَر بالجهل؟ وهذا أمر مهم.
نحن الآن نتفق على أن الجهل مسقط للحكم، وموجب لانتفاء الردة، ولكن هل كل إنسان يعذر بالجهل؟
نقول: من أمكنه التعلم فلم يتعلم فقد يكون غير معذور بجهله، وحينئذٍ يخرج من القاعدة العامة التي قلنا قبل قليل، فيقال له: لماذا لم تتعلم؟ أنت الآن في بلد إسلامي، كمن قال: أنا لا أدري أن الصلاة واجبة، وهو عايش في بلاد إسلامية، وكيف ما تدري وأنت تشاهد الناس يؤذنون ويذهبون إلى المساجد ويصلون؟ ! أنت غير معذور، فهذه المسألة هي محلُّ التأمل، هل هذا الرجل الذي جهل الحكم هل هو معذور بترك التعلم أو لا؟
نقول: قد يكون معذورًا وقد يكون غير معذور، فإذا فرضنا أنه قد عاش في بيئة تفعل الكفر، وعلماؤها موجودون وهم يُقرُّون ذلك ولا ينكرونه، ولم يتكلم أحد من العلماء عنده بأن هذا كفر، ككثير من العامة في البلاد الإسلامية الذين يدعون القبور وأصحاب القبور وما أشبه ذلك، فقد يقال: إن هذا الرجل معذور؛ لأنه ما يدري، هو عاش في بلدٍ تعتبر بلاد يظهر فيها الشرك، وهو لا يدري ولا سمع بأن هذا شرك، فهذا قد يعذر؛ لأنه ليس لديه سبب يوجب الانتباه وطلب العلم، الناس قد مشوا على هذا الأمر وساروا عليه.
أما إذا كان في بلد يُبَيَّنُ فيها الحق، ويقال: إن هذا شرك، ولكنه يقول: لا، أنا سأتبع الشيخ كبير العمامة، واسع الهامة، طويل الأكمام، طويل المسواك، وأما غيره فلن أتبعه، فهذا معذور ولَّا غير معذور؟
طلبة: غير معذور.
[ ١ / ٧٧٤٦ ]
الشيخ: هذا غير معذور؛ لأنا نقول: مهما كان شيخك في إظهار التنسك، وأنه الشيخ الإمام العالم العلامة، فإن هذا ليس عذرًا لك؛ لأن عندك مَنْ يبين الحق ببراهينه، فأنت غير معذور، فهنا المسألة يحتاج إلى أن ينتبه الإنسان، ويتحقق حتى يتحقق المناط في هذا الرجل بعينه أنه كافر أو غير كافر.
وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ في عدة مواضع من كلامه أن هناك فرقًا بين القول والقائل، وبين الفعل والفاعل، وأن القول قد نطلق عليه أنه كفر مخرج عن الملة، لكن القائل لا نخرجه من الملة حتى تقوم عليه الحجة، وكذلك الفعل؛ نقول: هذا فعل مخرج عن الملة، لكن الفاعل ما نخرجه من الملة إلا إذا قامت عليه الحجة، ولهذا قال شيخ الإسلام ﵀: إن الأئمة ﵏ ومنهم الإمام أحمد وغيره لم يكفروا أهل البدع إلا الجهمية؛ فإنهم كفروهم مطلقًا؛ لأن بدعتهم ظاهر فيها الكفر، وأما الخوارج يقول: والقدرية ومن أشبههم فإن الإمام أحمد نصوصه صريحة في أنهم ليسوا بكفار، لكن يجب أن نعرف الفرق بين القول والقائل.
وقد أنكر ﵀ على من جعل الدين أصولًا وفروعًا، وأن الأصول يُكفَّر فيها والفروع لا يُكفَّر، وقال: إن هذا القول إنما جاء من أهل الكلام، فهو قولٌ مبتدَع، ولكن تبعهم على ذلك بعض الفقهاء، وقال لهم: فسروا لي الأصول ما هي؟ فأي تفسير يفسرونها فهو منقوض عليهم، فإذا فسروها بالأمور العلمية قلنا لهم: إن الأمور العلمية قد اختلف فيها الصحابة، كاختلافهم مثلًا هل رأى النبي ﷺ ربه أم لا؟ واختلافهم أيما أفضل عليّ أم عثمان؟ وهذه من مسائل العلم العقدية، ومع ذلك هل كفَّر بعضهم بعضًا بذلك؟ لا، هناك أمور عملية يكفر من خالف فيها: كوجوب الصلاة مثلًا، والزكاة، وما أشبه ذلك، وهي عندكم من الأمور الفرعية، ومع هذا فإن المخالف فيها يكفر، الشيخ ﵀ أنكر هذا القول إنكارًا عظيمًا؛ أن الدين ينقسم إلى أصول وفروع.
[ ١ / ٧٧٤٧ ]
على كل حال ما هو هذا موضع البحث، لكن موضع البحث.
المهم أنه يجب أن نعرف الفرق بين القول والقائل، والفعل والفاعل؛ لأن هناك أناسًا من أهل العلم الفضلاء قالوا أقوالًا مبتدعة لا شك أنها ضلال، ومع ذلك لا يمكن أن نصفهم بأنهم ضالون هم بأنفسهم، لماذا؟ لأننا نقول: هم مهتدون من وجه، ضالون من وجه آخر؛ مهتدون من حيث الاجتهاد وطلب الحق؛ لأنا نعرف قصدهم، نعرفهم أئمة في الدين، أناس يريدون الحق ويبحثون عنه، لكن لم يوفَّقوا له، فهم من هذه الناحية مأجورون مثابون عند الله ﷿، لكن من ناحية إصابة الحق هم مخطئون ضالون عن الحق، فلا يطلق عليهم الضلال، ولا تطلق عليهم الهداية، بل يقال: إنهم مهتدون من جهة الاجتهاد في طلب الحق، ولكنهم ضالون من جهة أيش؟ إصابته، ولا تستوحش من كلمة ضال فإنها تقال حتى في المسائل التي يسمونها فرعية، قال ابن مسعود ﵁ وقد سُئل عن مسألة أفتى فيها أبو موسى (٨)، وهي: بنت، وبنت ابن، وأخت، سئل عنها أبو موسى ﵁ فقال: للبنت النصف، وللأخت النصف، وبنت الابن تسقط، ويش تقولون في هذا؛ صح؟
طلبة: () خطأ.
الشيخ: هذا غير صحيح، أبو موسى الأشعري صاحب رسول الله ﷺ الذي قال فيه الرسول ﵊: «لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ» (٩) يخطئ في مسألة من الفرائض؟ !
طالب: () السنة.
الشيخ: إي نعم كلٌّ يخطئ، لكنه من توفيق الله أنه قال للسائل: ائت ابن مسعود فسيوافقني على ذلك، فذهب الرجل لابن مسعود فسأله وأخبره بفتيا أبي موسى، فقال: قد ضللت إذن وما أنا من المهتدين –يعني: إن وافقته- لأقضين فيها بقضاء رسول الله ﷺ؛ للبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت.
[ ١ / ٧٧٤٨ ]
خلاصة البحث اللي بحثناه الآن وهو مهم جدًّا، وهذا إن شاء الله سيكون من مواضع البحث التي سنطلبها إن شاء الله، أن شروط الردة خمسة: البلوغ، والعقل، والاختيار، والإرادة، والعلم بالحال، والعلم بالشرع، وإن شئت فقل: العلم بالحال والشرع واجعله واحدًا، خمسة، فإذا انتفى واحد منها فإن الردة لا تثبت.
ولكن ما هو الأصل في الإنسان، أهو الكفر أو الإسلام؟
طلبة: الإسلام.
طلبة: يختلف.
الشيخ: إي، يختلف؛ إذا كان أبواه مسلمين أو أحدهما فهو مسلم، فإن اختار غير الإسلام فهو مرتد، إذا كان أبواه أو أحدهما مسلمًا فهو مسلم، فولد اليهودية من المسلم مسلم، وولد المسلمة من اليهودي؟
طلبة: مسلم.
الشيخ: ما يصح هذا يا جماعة، أخطأتما جميعًا، اللي قال: إنه مسلم أخطأ، واللي قال: إنه يهودي أخطأ، ليش؟
طلبة: ()
الشيخ: انتبهوا لهذه، أنا قلت: ولد المسلمة من اليهودي.
طلبة: ما يمكن.
الشيخ: ما يمكن؛ لأن المسلمة ما تحل لكافر، ولد الكافر من الكافرة؟
طلبة: كافر.
الشيخ: كافرٌ حكمًا، هذا الطفل إذا شبَّ على الكفر نحكم بأنه مرتد؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما نحكم بأنه مرتد، وإلا لقتلنا أولاد الكفار، وقلنا: أنتم مرتدون، لكن إذا كان أبواه مسلمين أو أحدهما فإنه إن اختار الكفر فهو مرتد، هذا هو التفصيل في هذه المسألة.
[ ١ / ٧٧٤٩ ]
قال: (فمن ارتد عن الإسلام وهو مكلف مختار رجلًا أو امرأة) أشار المؤلف إلى التفصيل هنا (رجلًا أو امرأة) مع أن العموم في (من) مغنٍ عنه؛ لأن (مَنْ) شرطية تكون للعاقل من ذكر وأنثى، لكنه نصَّ على المرأة؛ لأن بعض أهل العلم يقول: إن المرأة لا تُقْتَل؛ المرتدة؛ لأن النبي ﷺ نهى عن قتل النساء، فالمرأة المرتدة ما تقتل، تُدْعَى إلى الإسلام ويضيق عليها حتى تُسلم، وإلا حُبست، ولا تُقتل لعموم نهي النبي ﷺ عن قتل النساء، والصحيح أنها تقتل لعموم قوله ﵊: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (١٠)، وإنما نهى عن قتل النساء في باب الجهاد؛ لأن النساء إذا غُلِبَ الكفار صِرْنَ سبْيًا للمسلمين، والسَّبي لا يجوز أن يقتل لإتلافه، إذن رجلًا كان أو امرأة؛ قال: (دُعي إليه ثلاثة أيام) مَنِ الداعي؟
طالب: الإمام.
الشيخ: الداعي الإمام أو نائبه، فإن لم يكن إمام ولا نائبه فأمير القوم، أو رئيسهم وكبيرهم، كما لو كانوا مثلًا في بلد غير إسلامي ما فيه لا إمام ولا نائب إمام، فإنه إذا كان على هؤلاء الطائفة من المسلمين أمير أمَّروه أو رئيس أو ما أشبه ذلك صار الحكم متعلقًا به.
(دُعِي إليه ثلاثة أيام) بلياليها، فيقال له: أسلِم. وينظر؛ أسلم، وينظر إلى أن يتم له ثلاثة أيام، فإن لم يسلم، بل انتظر.
قال: (وَضُيِّقَ عَلَيْهِ) أيضًا، يدعى إليه ثلاثة أيام ويُضيَّق عليه بماذا؟ يعني: يضغط عليه تابوت؟ لا، يُضيَّق عليه يحبس ولا يُطعَم ولا يُشرب إلا عند الضرورة، إذا أعطيناه في الصباح خبزة، متى نعطيه خبزة أخرى؟
بعد يومين أو ثلاثة؛ لأن يمكن تكفيه يومين، إذا أسقيناه في الصباح في أيام الصيف، متى نسقيه؟ الظهر مثلًا.
طالب: ().
[ ١ / ٧٧٥٠ ]
الشيخ: إي نعم، إذا عطش مرة أعطيناه، إذا ضيقنا عليه ثلاثة أيام إن لم يسلم قُتل، إن لم يسلم قُتل، ولكن هاتان المسألتان فيهما روايتان عن أحمد؛ رواية: أنه يُقتل بلا دعوى ولا تأجيل، يُقتل بلا تأجيل ولا استتابة، إذا كفر على طول قتلناه ما لم يسلم.
والقول الثاني: أنه يدعى إلى الإسلام، ولكن بدون تأجيل، الرواية الثانية عن أحمد.
فعن أحمد في هذه المسألة ثلاث روايات؛ الرواية الأولى: أنه يُقتل بمجرد الردة، والثانية: أنه يُقْتَل بعد أن يستتاب بدون تأجيل، والثالثة: يستتاب مع التأجيل، وهذا هو المشهور من المذهب، ولكنه يضيق عليه.
والنصوص تدل على أنه يقتل؛ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (١١)، ولأنه كفر وارتد، لكن إن رأى الإمام المصلحة في تأجيله واستتابته فعل ذلك؛ لأنه قد يرى المصلحة في هذا، كيف رؤية المصلحة؟ قد يكون هذا الرجل سيدًا في قومه، وقتلُهُ يثير فتنة عظيمة مثلًا، وقد يكون هذا الرجل نحتاج إليه؛ يحتاج إليه المسلمون لكونه ماهرًا في صناعة شيء ما مما يحتاجه المسلمون، أو قائدًا محنكًا في الطائرات الحربية، أو ما أشبه ذلك، فيرى الإمام أن يستتاب.
فالصحيح من هذه الروايات الثلاث أنه يقتل فورًا، إلا إذا رأى الإمام المصلحة في ذلك في تأجيله ثلاثة أيام فإنه يستتاب.
طالب: () ولكن أكثرهم لا يعلمون، ولكن أكثرهم يجهلون، ولكن أكثرهم لا يظنون.
الشيخ: إي نعم، هذا نفعه، مع علم انتفاء فائدته؛ لأن هم يعلمون ما في شك، دعاهم الرسول ﵊.
الطالب: بخلاف من قال هذا يلزم من الدين بالضرورة ()؟
الشيخ: أبدًا، ما هو معلوم بالضرورة من الدين؛ لأن الإنسان عارف، الآن كثير من هؤلاء المساكين اللي يعبدون القبور ويدعونها ما يدرون؛ لأن علماءهم ما ينكرون هذا، بل ربما إنهم يؤيدونهم على هذا الفعل.
طالب: ومن رأى أن عالمه مثلًا أنه أهل العلم، وأن غيره لا يأتيك بشيء، ثم تابعه رغم أن كان ().
[ ١ / ٧٧٥١ ]
الشيخ: والله ما أظنه يُعذر بهذا.
الطالب: ما يُعذر؟ !
الشيخ: لأنه على الأقل يجب عليه التوقف والبحث، ولا حتى الذين وجدوا أباءهم على أُمَّه قد يكون بعضهم يرى أنهم هم اللي على الصواب ما هم مجرد التعصب.
طالب: ().
الشيخ: نعم.
الطالب: ظاهر الآية () لقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦]، الظاهر أنهم ()؟
الشيخ: قيل: إن هؤلاء المستهزئون يقولون: نخوض ونلعب؛ يعني: ما قصدنا هذا الشيء، هذا يدل على أنهم عالمون، وعالمون بأن هذا كفر لكن ما قصدوه؛ يعني: يقول: إحنا نلعب؛ يعني: نتحدث حديث الرَّكْب كما في الروايات (١٢).
طالب: ().
الشيخ: كون الإنسان لا يُعذر بكونه لا يدري ما النتيجة حتى في الإسلام، لو فعل الإنسان معصية وهو ما يدري ويش نتيجتها؛ مثل لو زنى محصن وقال: والله أنا ما علمت إن الزنا حده الرجم، أنا عارف أنه حرام، لكن ما أعرف أن هذا الحد؛ نقول: هذا ليس بعذر؛ ولهذا لم يعذر النبي ﵊ الرجل الذي جامع زوجته في نهار رمضان وهو لا يدري ما عليه من الكفارة، يمكن كثير من الناس إذا دري إن الكفارة صيام شهرين متتابعين ما يجامع في رمضان، إي نعم.
طالب: يعني: يمكن () ما يعلم أنه حرام.
الشيخ: إذا علم أنه حرام، إي نعم كفر، كذب.
طالب: مَن قالوا بأنه ما يستتاب بما ثبت عن عمر أنه قال: هلَّا حاججتموه.
الشيخ: هذا يرونه من اجتهاداته، فهذا هنا استثنينا إذا رأى المصلحة في ذلك.
طالب: () الأصل فيه الإسلام، ومع ذلك ().
الشيخ: كيف؟
الطالب: ما الدليل على هذه المسألة؟
الشيخ: على أيش؟
الطالب: الإنسان إذا كان أبواه مسلمين ()؟
[ ١ / ٧٧٥٢ ]
الشيخ: قول الرسول: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» (١٣).
الطالب: الظاهر () أبواه مسلمين ..
الشيخ: أبواه، شوف أبواه، معناه أحدهما لا يهوده ولا ينصره، إي شوف قال: «فَأَبَوَاهُ» الاثنين. هم الذين ينقلانه عن الفطرة، إذن الواحد منهما لا ينقله.
الطالب: ()؟
الشيخ: إي؛ لأن أبواه الاثنين يجعلانه يهوديًّا أو نصرانيًّا.
الطالب: حتى أبناء الكفار؟
الشيخ: أبناء الكافرين كافر ما هو مرتد.
الطالب: ().
الشيخ: إي، كفر أبواه استثنى «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَواهُ»، أنا أرجو منكم أن أحدًا لا يعترض حتى يتأمل قبل لئلا يضيع علينا الوقت.
«كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» هذه عامة، ثم قال: «فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» أي: يخرجانه عن الفطرة، فإذا كان أبواه يهوديين أو نصرانيين خرج عن هذه الفطرة وصار كافرًا، واضح؟
طالب: ()؟
الشيخ: إي نعم، نفس الشيء ما يعارض هذا الحديث.
() لقراءة هشام بن حكيم، أنكرها، معلوم أن الذي ينكر شيئًا من القرآن يكفر، لكن عمر ﵁ ما علم أن هذه قراءة صحيحة عن رسول الله، هذا جاء به هشام إلى رسول الله ﷺ لما قرأ في سورة الفرقان آية ما كان النبي ﵊ يُقرِئها عمر على هذا الوضع (١٤).
وكذلك حديث أبي بن كعب ﵁ حتى أنه صار في قلبه بعض الشيء، لما صار في قراءتهم حتى ضرب النبي ﵊ على صدره فأيقن ﵁ (١٥).
وكذلك قالت عائشة: مهما يا رسول الله، مهما يكتم الناس يعلمه الله: قال «نعم» (١٦)، هي سألت عن شيء لا يمكن إنكاره؛ وهو علم الله بما يكتم الناس بالغيب، لكنها ﵂ أشكل عليها فسألت، فدل هذا على أن الإنسان إذا تكلم وهو غير مريد فإنه لا يكفر.
[ ١ / ٧٧٥٣ ]
قال العلماء: ولا يكفر من حكى كفرًا سمعه؛ لأنه لم يرد، المهم أن إرادة الكفر هذه لا بد منها أن يكون جاهلًا بالحكم الشرعي، ذكرنا الأدلة فلو أن أحدًا فعل شيئًا مكفِّرًا وهو لا يدري أنه كفر في الشرع فإنه لا يكفر، لكن يشكل علينا أن نقول: إن هذا يستلزم أن يقال بأن جميع عباد القبور الآن من المسلمين –يعني: ممن ينتسبون إلى الإسلام– يكونون غير مشركين.
فالجواب أن نقول: إن كان هؤلاء قد بلغهم الحق ولكن أصروا على ما كانوا عليه وقلدوهم فهم أيش؟
طلبة: كفار.
الشيخ: فهم كفار مشركون؛ لأن فعلهم هذا نظير قول الذين قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢]، وفي الآية الثانية ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣].
أما إذا كان لم يبلغهم الحق ولا علموا به وكان مستورًا عنهم بعلماء السوء فإن هؤلاء ..
دُعِيَ إليه ثلاثةَ أيَّامٍ، وضُيِّقَ عليه، فإن لم يُسْلِمْ قُتِلَ بالسيفِ، ولا تُقْبَلُ توبةُ مَن سَبَّ اللهَ أو رسولَه، ولا مَن تَكَرَّرَتْ رِدَّتُه، بل يُقْتَلُ بكلِّ حالٍ، وتوبةُ الْمُرْتَدِّ وكلِّ كافرٍ إسلامُه؛ بأن يَشهدَ أن لا إلهَ إلا اللهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رسولُ اللهِ، ومَن كانَ كَفَرَ بجَحْدِ فَرْضٍ ونحوِه فتَوْبَتُه معَ الشهادتينِ إقرارُه بالمجحودِ به، أو قولُه: أنا بريءٌ من كلِّ دِينٍ يُخالِفُ الإسلامَ.
أما إذا كان لم يبلغهم الحق، ولا علموا به، وكان مستورًا عنهم بعلماء السوء فإن هؤلاء معذورون أمام الله ﷿، وهم بالنسبة إلينا مسلمون ولَّا كافرون؟ مسلمون، يعني نأخذ بعُذرهم، بخلاف الإنسان الذي تديَّن بدِين الكفر، هؤلاء يقولون: نحن مسلمون، ولا ظنوا أن هذا كُفر، فيعامَل هؤلاء معاملة المسلمين.
[ ١ / ٧٧٥٤ ]
أما مَن كان يدِين بدين الكفر، وليس مُسلمًا ولا ينتسب للإسلام فهذا كافر، يعني يُحكم له في الدنيا بظاهر حاله؛ وهو الكفر، حتى وإن كان معذورًا عند الله فإنه بالنسبة إلينا نحكم له بظاهر حاله وهو الكفر، مثل من؟ كاليهود والنصارى وأشباههم الذين عُمِّي عليهم الحق ولم يُبين لهم، فهؤلاء بالنسبة لنا كفار، فيجب أن نعرف الفرق.
أما حكمهم عند الله يوم القيامة: فالصحيح أن من لم تبلغه الدعوى فإنه يُمتحن يوم القيامة عند الله ﷾، والله تعالى أعلم بما كانوا يعملون.
طالب: () ينقلون دقائق في السير عن أئمة في العقيدة () على قلوبهم في العقيدة، وأصروا على أفعالهم بلغتهم الحجة، وهم أئمة.
الشيخ: إي، لكن ما هو قلنا: إذا كان التأويل سائغًا في اللغة العربية فهم يعذرون بتأويلهم.
الطالب: بس رد عليهم إبطال التأويل هذا ().
الشيخ: إي نعم، لكن قد يقال بفسقهم، لكن ما سمعت أحدًا قال بتفسيق هؤلاء؛ لأنه قد لا يتبين له وجه الخطأ.
طالب: طالب علم () يعني ضعيف () بالبراهين.
الشيخ: هو طالب العلم الضعيف تجده ساذجًا، يعني ما عنده هذه التأويلات اللي مكثت في قلبه حتى صعب عليه استخراجها.
طيب المهم: الشروط كم صارت؟
طلبة: خمسة.
الشيخ: خمسة.
قال المؤلف: (دُعي إليه ثلاثة أيام) والداعي مَنْ؟ الإمام أو نائبه.
(وضُيِّق عليه) بماذا ضُيِّق عليه؟ بكل الحالات، يعني لا يُحبس حبسًا، لكن يُضيَّق عليه بكل شيء؛ بالأكل والشرب والكلام والبيع والشراء، حتى يُصبح يقول للناس: لا مِساس، فإن تاب فذلك المطلوب.
وإن لم يتُب قال المؤلف: (فإن لم يُسلم قُتل بالسيف)، ولكني أظن أن أحدًا لا يمكن أن يدع الإسلام مع هذه الحال، يُدعى إليه ويُضيَّق عليه، ويقال: إن لم تُسلم قتلناك، ثم لا يُسلِم هذا بعيد، فإنه قد يُسلم ولو كان إسلامه ظاهرًا فقط.
والقول الثاني في المسألة: أنه يُستتاب، فإن تاب وإلا قُتل بدون تأجيل.
[ ١ / ٧٧٥٥ ]
والقول الثالث: أنه يُقتل بدون استتابة؛ لعموم قوله ﷺ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثَةٍ: الثَّيِّبِ الزَّانِي، وَالنَّفْسِ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكِ لِدِينِهِ الْمُفَارِقِ لِلْجَمَاعَةِ» (١). وقوله: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (٢). ولم يذكر استتابة.
وتحمل الآثار الواردة عن عمر بن الخطاب وغيره في الاستتابة على أنهم رأوا أن ذلك مصلحة، وحينئذٍ نقول: فالأصل أن من ارتد يُقتل بدون استتابة، إلا إذا رأى الحاكم المصلحة، وقد سبق أن بينا كيف تكون المصلحة، أتذكرون ذلك؟
ثم قال: (فإن لم يُسلم قُتِلَ بالسيف)، (إن لم يُسلم) جملة الشرطية، فعل الشرط (إن لم يُسلم)، وجوابه: (قُتِلَ)، ومن الذي يقتله؟ قال العلماء: لا يقتله إلا الإمام أو نائبه، ونائب الإمام في هذا هو؟
طالب: القاضي.
الشيخ: الأمير، لا، نائب الإمام هنا الأمير لا القاضي؛ لأن الأمير منفذ، وهذا تنفيذ حكم، فالذي يقتله هو الإمام أو نائبه، ولا يحل لأحدٍ قتله مع أنه مباح الدم؛ لأن في قتله افتياتًا على ولي الأمر، ولأن في قتله سببًا للفوضى بين الناس، فإن هذا وإن قتله بحق يعني لأنه مُهدر الدم قد يسبب ذلك فتنة بين هذا القاتل، وبين أولياء المقتول المرتد، فيحاولون أن يأخذوا بماذا؟ بالثأر من هذا الذي قتل المرتد وإن كان مباح الدم، ولهذا لا يتولى قتله إلا الإمام أو نائبه، فإن قتله غيرُه فهل يضمنه؟
طلبة: لا يضمنه.
الشيخ: إي نعم، لا يضمنه؛ لأنه غير معصوم، لا يضمنه لا بقصاص ولا بدية، ولكن يُؤدَّب هذا القاتل، ويُعزَّر بما يراه الإمام.
قال العلماء: إلا إذا لحق بدار الحرب؛ يعني هذا المرتد -والعياذ بالله- لما ارتد خاف من السيف فذهب إلى بلاد الكفار، قالوا: فلكل واحد من () يقتله، لماذا؟ لأن بلاد الكفار ليس فيها حاكم إسلامي، وإنما تُحكم بماذا؟ بأحكام الكُفر، ولا ولاية للكافر فيها على المسلمين.
[ ١ / ٧٧٥٦ ]
قال المؤلف: (قُتل بالسيف) أدوات القتل متعددة: منها؟
طالب: السيف.
الشيخ: وغير؟
الطالب: الشنق.
الشيخ: شنق؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: وغير؟
الطالب: ().
الشيخ: كما ذكر الأخ، ومنها غيرها أيضًا، يمكن من أسهل ما يكون وأسرع ما يكون الصعق بالكهرباء، ومع ذلك لا يجوز على المذهب أن يُصعق بالكهرباء، وإنما يُقتل بالسيف.
لو قال قائل: لماذا لا نصعقه بالكهرباء؛ لقول النبي ﵊: «إِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ» (٣)؟
فالجواب أن يُقال: إحسان القِتلة والذِّبْحة أن تكون على وفق الشرع، ولهذا نحن نرجم الزاني المحصن بأيش؟
طلبة: بالحجارة.
الشيخ: بالحجارة حتى يموت، وفي هذا تعذيب له، لكن هذا هو القتل الحسن الذي أُمرنا به.
القتل بالسيف هو المعهود في عهد الرسول ﵊، فكان أوْلى من غيره، القتل بالسيف أنكى؛ لأنه إذا رؤي الرجل هذا مُضرج بدمائه صار أهيب للناس، وأشد وقعًا في نفوسهم، مما لو سلَّطنا عليه سلكًا كهربائيًّا ووقف على طول في الحال، فإن الأول أنكى وأبلغ في التهييب والتحذير؛ لهذا يُقتل بالسيف.
ثم قال المؤلف بعد أن ذكر أنه يُستتاب، استثنى المؤلف أنواعًا من الردة، لا تُمكن فيها الاستتابة، بل يُقتل المرتد فيها بدون استتابة لعدم قبول توبته، وهي:
أولًا: قال: (ولا تُقبل توبة من سب الله) الذي يسب الله لا تُقبل توبته. كيف يسُب الله؟ يطعن في حكمته، يطعن في شرعه، يطعن في صفة من صفاته، يطعن في فعل من أفعاله، يطعن في ذاته ﷿، يقول: إنه مفتقر للولد، مفتقر للزوجة، وما أشبه ذلك من النقائص التي يُنزَّه الله عنها، فكل من وصف الله تعالى بنقيصة فهو ساب له؛ يعني هذا هو حقيقة السب؛ أن تصف غيرك بما هو نقص في حقه.
[ ١ / ٧٧٥٧ ]
فإذا سب الله ﷿ سبًّا يكفر به -وكل سب لله فهو كُفْر- فإنه يُقتل كفرًا حتى لو تاب وأعلن على الملأ أنه تائب ووصف الله ﷾ بصفات الكمال، وقال: سبحانه لا أحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، فإنه لا يُقبل منه، حتى ولو حسنت حاله، وظهرت عبادته، واستنار وجهُه فإننا لا نقبل توبته، بل نقتله، وليت أننا نُعدمه فقط، نقتله، ولا نُغسله، ولا نكفنه، ولا نُصلِّي عليه، ولا يُدفن مع المسلمين؛ لأن توبته غير مقبولة، لماذا؟
قالوا: لعِظم رِدَّته؛ لأن هذه أعظم ما يكون من الردة، أن يسُب الخالق ﷿، وهو الْمُنزَّه عن كل عيب ونقص؛ فلهذا نقول: إنه لا تُقبل توبته، طبعًا هذا فيما بيننا وبينه، فنُجري عليه في الدنيا أحكام الكفر، أما فيما بينه وبين الله ﷿ فإنه على نيته، إذا كان صادقًا في توبته فالله ﷿ يجزيه بما يستحق.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرْق بين أن يكون الكافر أصليًّا أو مرتدًّا؛ أي أن من سَبَّ الله ولو كان كفره أصليًّا فإنها لا تُقبل توبته.
ولكن الظاهر هذا غير مراد، لماذا؟ لأن كثيرًا من الكفار الذين أسلموا كانوا يسبون الله، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨].
ويدل لذلك أيضًا أنه غير مُراد أن المؤلف ذكر هذا في باب أحكام أيش؟
طلبة: المرتد.
الشيخ: المرتد، فالظاهر أنه أراد الذي ارتد بسب الله، بخلاف الكافر الأصلي فإننا نقبل توبته، ولو كان قد سب الله ﷿، هذا ما ذهب إليه المؤلف.
[ ١ / ٧٧٥٨ ]
والصحيح: أن من سَبَّ الله ﷿ إذا علمنا صِدْق توبته فإنه تُقبل توبته، ويُحكم بإسلامه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]، إلى آخر الآيات، هذه الآية أجمع العلماء على أنها في التائبين، وكلمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ لو سألتكم هل سب الله ذنب؟
طلبة: أكبر الذنوب.
الشيخ: والآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ فإذا علمنا صِدْق توبته فإننا نقبل توبته، ونقول: بارك الله فيك، وأهلًا بك وسهلًا، ونُشجِّعه على إسلامه، وعلى وصفه ربه ﷿ بما هو أهله من صفات الكمال، ويكون ذلك السب والعيب قد زال.
ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ يعني مع الآيات السابقة: ﴿لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦]، ولا عفو عن مِثل هؤلاء إلا بالتوبة، وهذا يدل على أنهم إذا تابوا عفا الله عنهم، والاستهزاء من أعظم السب.
ثانيًا: قال: (أو رسوله) يعني: من سب رسوله محمدًا ﵊ فإنها لا تُقبل توبته، بأن وصفه بما هو نقْص في حقه، نقص يعود على الرسالة، وقد يُقال: وعلى شخصه، لو وصفه بأنه كاذب، أو ساحر، أو يلعب على الناس على عقولهم، أو ما أشبه ذلك؛ فهو أيش؟ مرتد، ولا تقبل توبته؛ لأن ذنبه عظيم، لا تُقبل التوبة منه، فلعِظم ردته لا نقبل توبته.
[ ١ / ٧٧٥٩ ]
ونقول: كما قلنا في سَبِّ الله ﷿: إن القول الراجح في هذه المسألة: أننا إذا علمنا صِدْق توبته، وأن توبته حقيقة، ورأيناه يُعظِّم النبي ﷺ بعد ذلك، ويُدافع عن شرْعه، فإننا نقبل توبته؛ لأن الله يقول: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].
ولكن إذا قبلنا توبته، فهل يسقط عنه القتل أو لا يسقط؟
هذا محل الخلاف بين العلماء؛ يعني خلاف في داخل خلاف.
أولًا: هل تُقبل توبته أو لا؟ عرفنا أن المذهب: لا تقبل توبته، فنقتله ونعامله معاملة الكفار، وفي الآخرة حكمه إلى الله.
القول الثاني: إنها تقبل توبته، ولكن إذا قبلنا توبته هل نقتله أو لا نقتله؟ في هذا أيضًا خلاف؛ فمن العلماء من يقول: إذا قبلنا توبته رفعنا القتل عنه؛ لأنه إنما حَلَّ قتلُه بماذا؟
طالب: بارتداده.
الشيخ: بارتداده، فإذا تاب من الرِّدَّة ارتفع حُكم الكفر؛ وهو القتل؛ فلا يُقتل، ولأننا حكمنا بكُفره بسب النبي ﷺ لا لشخص الرسول ﵊، ولكن لأنه رسول الله، فإذا تاب رفعنا عنه القتل.
والقول الثاني في المسألة أنه إذا تاب قبِلنا توبته، ولكن يجب علينا أن نقتله، أي أن توبته لا ترفع القتل عنه، كيف؟ يقول: لأن قتله حق للرسول ﵊، والرسول ﵊ لا نعلم هل عفا عن حَقِّه أو لم يعفُ؟ بخلاف من سَبَّ الله، فإن قتله حق لله، والله تعالى قد أعلمنا بأنه يغفر الذنوب جميعًا لمن تاب، فيسقط عنه -أي عن من سَبَّ الله- القتل، أما من سب الرسول ﵊ فإننا نقبل توبته، ونقول: هو الآن مُسلم يُغسَّل، ويُكفن، ويصلى عليه، ويدفن مع المسلمين، ويرث من مات من أقاربه، ويورث، لكن القتل واجب، لماذا؟
طلبة: ().
[ ١ / ٧٧٦٠ ]
الشيخ: نعم، أخذًا بحق الرسول ﵊؛ لأن هذا من حق الرسول.
وفي هذا ألَّف شيخ الإسلام ﵀ كتابًا مُجلدًا سمَّاه: الصارم المسلول في تحتُّم قتل ساب الرسول، وأن من سبَّه ﵊ فإنه يُقتل بكل حال.
المسألة الثالثة: قال: (ولا من تكررت رِدَّتُه) من تكررت ردته فإنه يُقتل، مثل: كفر، ثم تاب، ثم كفر، تكررت ولَّا لا؟ تكررت، لا نقبل توبته، المرة الثانية ما نقبل توبته، لماذا؟ قال: لأنه لما كذب في التوبة الأولى فيُمكن أنه كذب.
طالب: في الثانية.
الشيخ: في التوبة الثانية، فلا نقبل، قد يكون هذا الرجل متلاعبًا يكفر اليوم ويتوب غدًا ما نقبل. والتكرار يحصل باثنتين، وقيل: لا بد أن يكون ثلاثًا وهو رواية عن أحمد، لكن المذهب يحصل باثنتين.
العلة لماذا؟ قلت: لأنه قد يكون كاذبًا في الثانية كما كذب في الأولى، هذا التعليل.
الدليل: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٣٧]، وانتفاء المغفرة عنهم لعدم قَبُول توبتهم، ولو قبل الله توبتهم لغفر لهم، هذا دليل، والأول تعليل.
وقال بعض العلماء: إذا علمنا صِدْق توبته قبلناها ولو تكررت، وقد أخبر النبي ﵊ عن الرجل الذي أذنب ذنبًا فتاب منه، ثم أذنب فتاب، ثم أذنب فتاب، فقال الله ﷿: «قَدْ عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي فَلْيَعْمَل مَا شَاءَ» (٤)، وهذا رجل تكرر منه الذنب، وقبِل الله توبته، فإذا علمنا أنه صادق في التوبة، فما المانع من القبول؟
استدل هؤلاء بما أشرت إليه من الحديث، وبالتعليل الثاني: أنا إذا علمنا صدق توبته، فما المانع من قبولها؟
[ ١ / ٧٧٦١ ]
وأجابوا عن دليل الأولين، فقالوا: إن الآية الكريمة ليس آخرها أن الرجل تاب، ويش آخرها؟
طلبة: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾.
الشيخ: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾، فهؤلاء الذين ازدادوا كفرًا ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ يعني ما يوفقهم الله للتوبة، ليس المعنى أنهم لو تابوا لم يتُب الله عليهم، لكن لا يُوفَّقون، ما داموا -والعياذ بالله- صاروا هكذا غير مستقرين على أمر، والنهاية أنهم أيش؟
طالب: ازدادوا.
الشيخ: ازدادوا كفرًا، فهؤلاء يبعد كل البعد أن يُوفَّقوا للتوبة.
وأما التعليل: وقولهم إنه قد يكون كاذبًا في التوبة، فنقول: هذا غير مُسَلَّم، فإن الإنسان قد يتوب من الذنب توبة حقيقية، ولكن تُسوِّل له نفسه فيعود إليه، وهذا أمر مُجرَّب، الإنسان المسلم يتوب من المعاصي توبة حقيقية صادقة، ولكن تأتي أسباب تكون مُغرية له فيعود إلى الذنب، وهذا أمر مشاهَد.
إذن الصواب في هذه المسألة أيضًا أن من تكررت رِدَّتُه فإن توبته تُقبل كغيره. فهذه ثلاث مسائل، ذكر الفقهاء ﵏ أنها لا تقبل.
فيه مسألة رابعة: وهي المنافق، المنافق لا تُقبل توبته، مَنِ المنافق؟ هو الزنديق، وكأن ياسرًا يقول: ومن هو الزنديق؟
طالب: معروف.
الشيخ: معروف؟
الطالب: نعم.
الشيخ: من هو؟
الطالب: الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر.
الشيخ: أحسنت، هو الذي يُظهر الإسلام، ويُبطن الكفر، هذا المنافق، وهو الزنديق عند الفقهاء، الذي يُظهر أنه مسلم وهو كافر بالله العظيم، يقول الفقهاء ﵏: إنها لا تقبل توبته.
قال السفاريني في عقيدته:
لِأَنَّهُ لَمْ يَبْدُ مِنْ إِيمَانِهْ
إِلَّا الَّذِي أَذَاعَ مِنْ لِسَانِهْ
[ ١ / ٧٧٦٢ ]
هو من الأصل يقول: إنه مسلم ولَّا لا؟ ما زال يقول: إنه مسلم، فلم يبدُ من إيمانه إلا الذي أذاع من لسانه، وحينئذٍ لا نعلم أنه صادق في قوله أنه تاب، قد يكون هذا نفاقًا كما كان أولًا نفاقًا، ولكن الصحيح أيضًا أننا إذا علمنا صدق توبة المنافق فإننا نقبل توبته.
والقرآن يدل على ذلك، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٥، ١٤٦] ماذا تقول؟ ().
﴿وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ولهذا يجب علينا في توبة المنافق أن ننتبه ونتحرى بدقة، وننظر العمل الحقيقي الذي يدل على أنه تاب.
فهذه أربع حالات لا تُقبل فيها توبة المرتد، والصواب: أنه ما من ذنبٍ مهما عظم إذا تاب الإنسان منه توبة حقيقية إلا ويغفره الله ﷿.
طالب: ما القول في المذهب لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٠]؟
الشيخ: نعم، ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ هؤلاء الآن هم ازدادوا كفرًا، والغالب أنهم ما يتوبون مثل الآية الثانية تقيدها الآية الثانية.
طالب: () توبتهم.
الشيخ: إي، لكن هذه التوبة في الغالب ما تكون حقيقة؛ لأن قوله: ﴿ولَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ يدل على أنهم ما هم مُوفَّقين عن توبتهم الحقيقية.
طالب: الذي يسب الله ﷾ ().
الشيخ: كيف؟
الطالب: الذي يسب الله ﷾، هل يشترط له أن () على الله ﷾ بلفظ ()؟
[ ١ / ٧٧٦٣ ]
الشيخ: هو لا بد أن يرجع، الذي يسب الله إذا تاب لا بد أن يرجع عن سَبِّه.
طالب: هل يلزمه () الله ﷾؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: () على الناس.
الشيخ: إي، كيف؟
الطالب: يُعلن توبته.
الشيخ: نعم، يلزم، يعني ما يكفي أن يقول: أنا لا أقول ما ذكرته أولًا حتى يُثني على الله ﷿ بما هو أهله.
طالب: الذي سبَّ الرسول ﷺ، ثم تاب من هذا () تقبل توبته، ولكن يقال: إنه يقتل؛ لأنهم يقولون: إن ذلك حق الرسول ﷺ، ما هو دليلهم على أن حق الرسول هو قتل هذا الرجل؟
الشيخ: إي نعم، الدليل على هذا هو أن الرسول ﵊ له من الحق العظيم ما ليس لغيره من الناس، وسَبُّ الرسول ﵊ ليس كَسَبِّ فلان أو فلان؛ لأنه سبٌّ للشرع، فكان مستحقًّا للقتل بهذا السب، لما تاب فيما بينه وبين الله؛ لأن سبَّه للرسول في الواقع انتهاك لحرمة الله وحرمة رسوله، لما تاب من السب فيما بينه وبين الله قلنا: نرفع عنك حُكم الكفر، لكن الرسول ﵊ لا بد أن يأخذ بحقه، ومن أراد أن يتبين له هذا الشيء فليرجع إلى الكتاب الذي أشرت إليه، كتاب شيخ الإسلام الصارم المسلول في تحتم قتل ساب الرسول.
طالب: ().
الشيخ: إي نعم، هو مستلزم سب الرسول، مستلزم لسب الله.
الطالب: لماذا ()؟
الشيخ: لأنه حقه، وسامح عنه، الرسول له حق إن شاء عفا عنه، وإن شاء لم يعفُ، لكن بعد موته لا ليس بيده عفو ولا انتقام.
طالب: () البرسام.
الشيخ: إي، البرسام يقولون: إنها علة في الدماغ، يُصاب بها الإنسان، نسأل الله العافية، يبدأ يخطرف فيها يهذي، ما يدري ويش يقول، تسمى عند العامة أظن، شو اسمها عند العامة؟
كيف؟ سميناها لكم لما كنا نتكلم على تصرفات المريض، يسمونها أبا دمغة؛ الأنثى تدعو على أولادها في بعض الأحيان، تقول: أعطاك أبو دمغة إي، أبو دمغة هي هذه.
طالب: ().
[ ١ / ٧٧٦٤ ]
الشيخ: نعم، فيه خلاف بين العلماء، والصحيح أنه لا يُقتل.
وفيه قول ثاني: إن الداعي للبدعة يُقتل بكل حال ولو تاب، وإذا تاب نُصلي عليه؛ يعني نعامله معاملة المسلمين.
طالب: ().
الشيخ: نعم، أيش؟
الطالب: الحديث () بأن «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (٢) «وَلَا تُعَذِّبُوهُ بِعَذَابِ اللَّهِ» () النار عليه ().
الشيخ: هذا يُقال: إنه اجتهد ﵁، اجتهد، ولكن ما علم بالحديث، ولهذا لما قال ابن عباس ﵁ يعني لو كنت في مقام علي بن أبي طالب لقتلتهم؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (٢). وما أحرقتهم بالنار؛ لقوله: «وَلَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ»، فلما بلغ عليًّا ذلك قال: ما أسقط ابن أم الفضل على الهنات؛ يعني على العيب، فكأنه ﵁ رجع.
طالب: ().
الشيخ: مثلما قلنا: إن هذا يقول: لعله لمصلحة؛ لأن هذه قضية عين، والحديث: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» عام، لفظٌ عام، فربما أن الرسول ﵊ خاف أن هذه المرأة مغرر بها، أو أنها مخدوعة، أو ما أشبه ذلك، المهم: هذه قضايا عيان ما تهمنا في العموم.
طالب: لكن يا شيخ ما يُقال: هذا العموم يخصص، ثم إن قضية العيب الأفضل أنها عامة.
الشيخ: لا، إذا كان عندنا لفظ عام وقضية عين محتملة؛ يعني يبقى الآن الدليل غير وارد؛ لأنه محتمل، يمكن لها عذر استتابها الرسول من أجله.
طالب: ().
الشيخ: كيف؟
الطالب: الإصلاح مُقدَّم على السلاح.
الشيخ: وعلى كل حال يُنظر في موضوعه ما دام قلنا: إنه الأصل أن يُقتل إلا إذا رأى الإمام مصلحة لبقائه؛ فهذا يُنظر فيه.
طالب: ما الدليل على أن المرأة تقتل بالسيف فقط؟
الشيخ: لأن هذا هو المعروف في عهد الرسول ﵊، ولأن هذا أنكى وأبلغ في التحذير، سبحانه ().
ذكرها الأخ وأجبنا عنها، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
[ ١ / ٧٧٦٥ ]
طالب: ﴿بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾.
الشيخ: ﴿بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾.
طلبة: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾.
الشيخ: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٠]، ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾، لكن قال: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾، إن هؤلاء لن يوفقوا للتوبة النصوحة حتى يتوب الله عليهم، هذا وجه.
والوجه الثاني أيضًا ذكره المفسرون: أن هذا فيمن تاب عند المعاينة، فلن تُقبل توبتهم؛ لأن هذه الآيات ذكر الله تعالى فيها حال الذين ارتدوا، ثم آمنوا فإنه يقبل توبتهم، ثم ذكر الذين ارتدوا وآمنوا عند الموت لن تُقبل توبتهم.
ثم ذكر القسم الثالث: الذين كفروا وماتوا على الكفر، فإذا قرأنا الآية: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ [آل عمران: ٨٤]، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ﴾ [آل عمران: ٨٥].
طالب: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٨٦].
الشيخ: نعم، ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ [آل عمران: ٨٦ - ٨٩] هؤلاء تابوا قبل المعاينة.
أما ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران: ٩٠] فهؤلاء الذين تابوا عند المعاينة.
[ ١ / ٧٧٦٦ ]
ثم قال القسم الثالث: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٩١].
فتكون هذه الآيات الثلاث كالآيات الثلاث في سورة النساء: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: ١٧، ١٨] ويش بعد؟
طلبة: ﴿وَلَا الَّذِينَ﴾.
الشيخ: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء: ١٨]، فهؤلاء ثلاثة أقسام، فالتي في آل عمران توافق التي في سورة النساء؛ وبهذا يزول الإشكال.
وعلى كل حال فالقول الراجح: أن كل من تاب من ذنب، وعلِمنا صدْق توبته فإننا نقبل توبته، ونلحقه بالمسلمين مهما عظُم ذنبه، لكننا قلنا في مسألة مَنْ سَبَّ الرسول ﷺ فإن العلماء اختلفوا: هل نرفع عنه القتل مع قبول توبته، أو لا نرفع؟ قل.
طالب: فيها قولان: الأول: أن نقبل توبته ().
الشيخ: نعم، يعني نقبل توبته ونقتله.
الطالب: الثاني: نقبل توبته مع عدم القتل.
الوجه الأول: مع قتله أن الرسول لا نعلم هل هو عفا عن حقه أم لم يعفُ.
الشيخ: لأن هذا حق يتعلق بآدمي، ولم نعلم أن الرسول عفا عن قتله، عن حقه فنأخذ له بالثأر، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وألَّف في ذلك كتابًا سماه: الصارم المسلول في تحتُّم قتل سابِّ الرسول.
[ ١ / ٧٧٦٧ ]
والقول الثاني: يقولون: ما دمنا قبلنا توبته، وأنه مسلم آمن حقيقة؛ فإننا لا نقتله؛ لأن الذي أباح قتله هو سب الرسول ﵊، وما حكمنا بكفره؛ لأنه سب رجلًا يسمى محمد بن عبد الله، ولكن لأنه رسول الله، فإذا تاب إلى الله ﷿ رفعنا عنه القتل.
ولو قال قائل: إن هذا حُكم يرجع إلى رأي الإمام، فإن رأى من المصلحة أن يقتل قتله حتى لا يجترئ الناس على جناب الرسول ﵊، وإن رأى من المصلحة ألا يقتله وأن يؤلفه على الإسلام ويؤلف أمثاله أيضًا فهذا لا يقتله. لو قيل بهذا الرأي لكان رأيًا جيدًا، ويكون هذا الرأي وسطًا بين الرأيين.
ولكن لو قال قائل: أليس هذا خارجًا عن القولين فيكون مخالفًا للإجماع؟
فالجواب: لا؛ لأنه يوافق أحد القولين من وجه ويفارقه من وجهٍ آخر؛ يعني يوافق قولًا من وجه، ويوافق قولًا آخر من وجه، فنحن إذا قتلناه للمصلحة أخذنا ببعض قول من يقول: يتحتم القتل، وإذا لم نقتله للمصلحة أخذنا ببعض قول من يقول: لا يُقتل إذا تاب.
ولهذا شيخ الإسلام -﵀- أحيانًا يذكر مثل هذا التفصيل، يعني يذكر اختلاف العلماء على القولين، ثم يذكر تفصيلًا ويقول: وهذا بعض قول من يقول بكذا وكذا، مثل: قوله في الوِتر، الوتر اختلف العلماء فيه، هل هو واجب أو ليس بواجب؟
وقال شيخ الإسلام: إنه يجب على من له وردٌ من الليل، وإذا قلنا: إنه يجب على من له ورد وافقنا أو أخذنا ببعض قول من يقول بالوجوب مطلقًا.
***
بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف ﵀: (وتوبة المرتد) يعني توبة الراجع عن الإسلام.
(وكل كافر) يعني الكافر الأصلي؛ لأن الكفار عندنا قسمان: مرتد، وأصلي.
فالأصلي: هو الذي لم يزل على كفره، والمرتد: هو الذي كان مؤمنًا، ثم خرج عن الإيمان للكفر والعياذ بالله.
الثاني أشد من الأول وأعظم، نسأل الله العافية؛ ولهذا يقتل بكل حال.
[ ١ / ٧٧٦٨ ]
كلمة (توبة) معناها الرجوع في اللغة، أما في الشرع: فهي الرجوع من معصية الله إلى طاعته، بترك المحظور وفِعْل المأمور، ولها شروط خمسة ذكرناها سابقًا، وهي بالإجمال: الإخلاص لله ﷿، والندم على ما فات، والإقلاع عن الذنب في الحال، والعزم على ألا يعود، وأن تكون التوبة في وقت القبول، هذه خمسة شروط إذا اختل منها شرط واحد لم تصح التوبة.
توبة المرتد، وكل كافر ويش عندكم؟
طالب: إسلامه.
الشيخ: عندي أنا بأن يشهد، لكن الظاهر إسلامه هو الصحيح.
(إسلامُه) يعني أن يُسلم.
والإسلام معناه الاستسلام لله، فإن كان ظاهرًا لا باطنًا فهو نفاق، وإن كان ظاهرًا وباطنًا فهو حقيقة، فالمنافقون مسلمون ظاهرًا، لكن باطنًا كُفار، والمؤمنون مُسلمون ظاهرًا وباطنًا، والذي عليه مدار الثناء هو الإسلام ظاهرًا وباطنًا، توبته إسلامه بماذا؟
قال: (بأن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله) يشهد نُطقًا باللسان، واعترافًا بالْجَنان، فلا يكفي النطق.
والنطق، وإن كفى بالنسبة لنا في أمر الدنيا فإنه لا يكفي بالنسبة لله ﷿، ولهذا كان المنافقون يذكرون الله، ولا يذكرون الله إلا قليلًا، كان المنافقون يشهدون أن محمدًا رسول الله، والله يقول: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١].
فالشهادة ظاهرًا لا تنفع أمام الله ﷿، لكن أمامنا تنفع، تعصم ماله ودمه.
قال: (يشهد أن لا إله إلَّا الله) هذه الكلمة العظيمة هي مفتاح الإسلام، يدخل بها الإسلام من يقولها، ويخرج من الإسلام من ينكرها، فما معنى لا إله إلا الله؟
الإله، معناه المعبود، الإله هو المعبود بحق أو بغير حق. لكن إن كان معبودًا بحق فألوهيته حق، وإن كان معبودًا بغير حق فألوهيته باطلة: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: ٦٢].
[ ١ / ٧٧٦٩ ]
إذن (لا إله)؛ أي لا معبود، ويجب أن نُقدِّر الخبر، تقديره: لا معبود موجودٌ.
طلبة: خطأ.
الشيخ: خطأ؟
طلبة: إي نعم، خطأ.
الشيخ: خطأ، نقول: لا إله حقٌّ؛ يعني لا إله حق في ألوهيته، وأنه أهل لها إلا الله ﷿، وعلى هذا فيكون الخبر محذوفًا، ويكون لفظ الجلالة بدلًا من ذلك الخبر المحذوف، والبدل هو المقصود في الحكم، كما قال ابن مالك ﵀:
التَّابِعُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا
وَاسِطَةٍ هُوَ الْمُسَمَّى بَدَلَا
هو المقصود بالحكم.
إذن فالإله الحق هو الله ﷿، فأنت عندما تقول: لا إله إلا الله، معناه أعتقد اعتقادًا جازمًا لا شك فيه بأن جميع المعبودات التي تُعبد من دون الله فألوهيتها باطلة، وأن الإله الحق هو الله ﷿ رب العالمين.
ثانيًا: يقول: (وأن محمدًا رسول الله) لا بد من انضمامها إلى الجملة الأولى، يشهد بالشهادتين؛ لقول النبي ﷺ: «الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ» (٥) إلى آخره، ولقوله ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» (٦).
[ ١ / ٧٧٧٠ ]
فهذه الأدلة وأشباهها تدل على أنه لا يتم الإسلام إلا بالشهادتين، ولكن هناك نصوص أخرى تدل على أن الإنسان يدخل في الإسلام بالشهادة الأولى؛ وهي لا إله إلا الله، ومن ذلك حديث أسامة ﵁ في قصة المشرك الذي أرهقه أسامة، فلما أرهقه قال: لا إله إلا الله، فقتله، فأخبر النبي ﷺ بذلك، فقال: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟». قال: نعم يا رسول الله، إنما قالها تعوُّذًا، يعني ليعوذ بها من القتل ما قالها عن قلب، فقال: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟». (٧)، وما زال يُكرِّرها عليه، قال أسامة: حتى تمنيت () أسلمت بعد؛ يعني تمنى أنه ما بعد أسلم؛ علشان إذا أسلم فإن الإسلام يهدم ما قبله، وهذا يدل على أنه بقوله: لا إله إلا الله دخل في الإسلام وَعَصَم دمه، هذا دليل.
دليلٌ آخر: أن النبي ﷺ حضر وفاة عمه أبي طالب، وكان يقول له: «يَا عَمِّ، قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ» (٨)، لم يذكر الشهادة الثانية؛ وهي شهادة أن محمدًا رسول الله، ومن ثَمَّ اختلف العلماء، هل توبة المرتد والكافر بقول: لا إله إلا الله فقط، ثم يُطالب بشهادة أن محمدًا رسول الله، فإن شهد وإلا قتل، أو لا يدخل في الإسلام حتى يشهد الشهادتين؟
وينبني على ذلك أننا إذا قلنا بالأول، ثم قال: لا إله إلا الله، ثم قال: لا إله إلا الله فقد دخل في الإسلام، فإذا لم يقل: محمد رسول الله قتلناه؛ لأنه مرتد.
[ ١ / ٧٧٧١ ]
وأما على الثاني: الذي يقول إن الكافر -والمراد بالكافر الأصلي هنا في المثال اللي نذكره الآن- الذي يقول: لا يدخل في الإسلام إلا بالشهادتين، فإنه إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم أبى أن يقول: أشهد أن محمدًا رسول الله، فإننا لا نقتله؛ لأنه لم يكن مرتدًّا الآن، حيث إنه لا يدخل في الإسلام إلا إذا شهد الشهادتين، وإذا لم يُوجد الشرط؛ وهو شهادة الشهادتين، فإنه لا يُوجد المشروط وهو الإسلام، وحينئذٍ فيبقى على كفره الأصلي، ثم يُعامَل بما يقتضيه ذلك الكفر، أعرفتم؟
وقال بعض العلماء: إذا كان هذا الإنسان يقر بأن محمدًا رسول الله، ولكنه مشرك، فإنه يكفي في توبته أن يشهد أن لا إله إلا الله، لماذا؟ لأنه يشهد أن محمدًا رسول الله، وبنوا على ذلك قصة أبي طالب، فقالوا: إن أبا طالب يشهد أن محمدًا رسول الله ويقول:
لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ
لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَوْلِ الْأَبَاطِلِ
فيشهد بأنه رسول، لكنه مشرك؛ فلذلك يُكتفى منه بشهادة أن لا إله إلا الله، وهذا يوجد كثيرًا فيمن ينتسب للإسلام وهو مُشرك، يدعو الأموات، ويستغيث بهم، وما أشبه ذلك، فهذا يقول أشهد أن محمدًا رسول الله ما عنده إشكال في هذا، لكنه مشركٌ بالله، فنقول: في مثل هذا يُكتفى بتوبته أن يقول أيش؟
الطلبة: لا إله إلا الله.
الشيخ: لا إله إلا الله؛ لأن الكلمة الثانية -أشهد أن محمدًا رسول الله- كان يُقرُّ بها ولا ينكرها، فإذا أتى بالأولى -أشهد أن لا إله إلا الله- تم إسلامه.
وكذلك أيضًا يقولون: من كان يقول: لا إله إلا الله، يشهد أن لا إله إلا الله ولا يشرك بالله، لا عيسى ولا غيره؛ يعني ما يشرك بالله ما يجعل لله شريكًا لا عيسى ولا غير عيسى، مخلص، لكن لا يشهد أن محمدًا رسول الله، فإذا أتى بأن محمدًا رسول الله، وشهد بها فقد دخل في الإسلام؛ لأنه في الأول كان يشهد أن لا إله إلا الله.
[ ١ / ٧٧٧٢ ]
وفي الحقيقة أن هذين القولين لا يخرجان عما سبق؛ لأن لازمهما أن هذا الذي أسلم قد أتى بماذا؟ بالشهادتين جميعًا، قد أتى بالشهادتين جميعًا.
والظاهر لي من الأدلة أنه إذا شهد أن لا إله إلا الله فقد دخل في الإسلام، ثم يُؤمَر بشهادة أن محمدًا رسول الله، فإن شهد، وإلا فهو مرتد، يُحكم بردته ويُقتل مُرتدًّا، فتكون الأولى هي الأصل، والثانية شرْط في عصمة دمه، وفي صحة الأولى أيضًا، الثانية: شرط في صحة الأولى، فإذا لم يقل: أشهد أن محمدًا رسول الله فإنه يُعتبر مرتدًّا عن الإسلام.
أما المذهب -فكما رأيتم- توبته أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، فلو قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم أُغمي عليه فمات، فهو مسلم ولَّا لا؟
طلبة: غير مسلم.
الشيخ: غير مسلم على المذهب، فلا يُغسَّل، ولا يُكفَّن، ولا يُصلَّى عليه، ولا يُدفن مع المسلمين، وعلى القول الثاني الذي يقول: إن أشهد أن لا إله إلا الله كافٍ في الإسلام يكون مسلمًا.
قال: (ومن كان كفره بجحد فرضٍ ونحوه) ويش نحوه؟ كجحد تحريم الزنا مثلًا، والخمر، وجحد تحليل.
طالب: الخبز.
الشيخ: الخبز.
طالب: والبيض.
الشيخ: والبيض، وما أشبهه؛ لأن عندنا جَحْد واجبٍ، وجَحْد مُحرَّم، وجَحْد حلالٍ، كلها قد تكون كفرًا.
فإذا كان كفره بجحد هذا، فإن (توبته مع الشهادتين) يقول المؤلف: (إقراره بالمجحود به)، هذا رجل ينكر فرضية الصلاة، ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، هل تصح توبته؟
طالب: نعم.
الشيخ: لا، ما تصح؛ لأنه جاحد، الشيء الذي حكمنا بِرِدَّته من أجله لم يزل مُصِرًّا عليه، فلا بد أن يقر مع ذلك بماذا؟ بما جحده من فرضية الصلاة، لا بد يقر بذلك، فإن لم يفعل فهو ما زال على رِدَّتِه.
[ ١ / ٧٧٧٣ ]
كذلك لو جحد تحريم الزنا، قال: الزنا ما هو بحرام، الخمر ليس بحرام، وهذا جائز، وهو ممن عاش في الإسلام، وعرف أحكام الإسلام، ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، يكفي في توبته هذه؟
طلبة: لا، ما يكفي.
الشيخ: لا؛ لأنا ما حكمنا بردته إلا من أجل إنكاره تحريم ذلك، وهو لا يزال مُصِرًّا عليه.
طيب من كان كُفره بِسَبِّ الصحابة، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ولكنه أصرَّ على سب الصحابة لم يتب حتى الآن من الردة، لم يزل مرتدًّا حتى يقلع عن سب الصحابة، ويبدل هذا السبَّ بثناء.
طيب إذا كان كُفره بترك الصلاة تهاونًا وكسلًا، وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، لكنه لا يصلي، فهل يكفيه الشهادتان؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، لا بد أن يُصلِّي، فإن لم يفعل فهو لا يزال مرتدًّا، يعامل معاملة المرتدين.
والمهم، القاعدة في هذا: أن الكافر الأصلي، نكتفي بالشهادتين، أو على الأصح بالشهادة الأولى، ونلزمه بالثانية، والكافر غير الأصلي لا بد أن يتوب مما كان سببًا في الحكم عليه بالرِّدَّة، مع الشهادتين، لا بد من الشهادتين وأن يتوب مما جعلناه سببًا في ردته، سواء كان جحد فرض، أو جحد محرَّم مجمع على تحريمه، أو محلَّل مجمع على حله، أو ترك الصلاة، أو ما أشبه ذلك.
طالب: ()؟
الشيخ: لا ما جاء.
ثم قال: (إقرار المجحود به أو قوله) طريق ثانٍ للتوبة فيمن كان ردته بجحد فرض ونحوه، (أو قوله: أنا بريء من كل دِين يخالف الإسلام) انتبه لهذه النقطة هل تحتاج إلى مناقشة ولَّا واضحة؟
[ ١ / ٧٧٧٤ ]
قوله: (أنا بريء من كل دِين يخالف الإسلام) هذه الكلمة في الواقع كلمة مجملة، ما تدلنا على أنه تاب توبة حقيقية، لماذا؟ لأنه قد يعتقد أن ما هو عليه هو الإسلام، وما أكثر الذين يدَّعون أنهم مسلمون، ويتبجَّحون بالإسلام وهم كفار، يسبون الصحابة، ويعتقدون أن جبريل أخطأ في الوحي، فنزل به على محمد وقد أُمِرَ أن ينزل به على عَلِي، وما أشبه ذلك، وهم يدَّعون أنهم مسلمون، فإذا قال: أنا بريءٌ من كل دين يخالف الإسلام، فهل نجعل ذلك توبة يرتفع بها عنه حُكْم الردة أو لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، الواقع أن هذه الكلمة من المؤلف ﵀ فيها نظر ظاهر؛ لأنه قد يكون محكومًا بِرِدَّته من أجل فعلٍ يعتقد هو أنه من الإسلام، وليس من الإسلام في شيء، فمثل هذا لا نقبل منه حتى يُصَرِّح بأنه رجع عما حكمنا بكُفره من أجله، أما أنه بريء من كل دين يخالف الإسلام؛ فهذا لا يدل على توبته ما دام هو يقول: إنه مسلم.
طالب: الرسول قال في الحديث المتواتر الذي رواه مسلم () فقال: أنا مسلم، أفأقتله؛ قال لا تقتله (٩) ألا يدل هذا على أن قول: أنا مسلم يكفي عن الشهادتين؟
الشيخ: ما دام يعرف الإسلام، ويريد بالإسلام ما أراده المسلمون، هذا صح.
الطالب: حديث مسلم.
الشيخ: لكن هل اللي في عهد الرسول اللي يقول: أنا مسلم؛ يعني معكم مع الرسول وأصحابه، يعني على دين الرسول وأصحابه، واضح أنه مسلم.
طالب: لو قلنا يا شيخ: مَنْ سب الرسول يتعلق به حقان؛ حق شخصي للرسول باعتباره شخصًا، وهذا يبقى معلقًا إلى يوم القيامة ()، وحق للرسول باعتباره رسولًا، وهذا حق لله ﷾، وقد دل أن الله ﷾ يعفو عن حقه ().
الشيخ: هذا قول من يقول: إنه يُقبل.
طالب: () فيمن ترك الصلاة إي نعم، أو جحد.
الشيخ: هو تارك الصلاة يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله.
الطالب: () توبته نقول: قل للناس ..
[ ١ / ٧٧٧٥ ]
الشيخ: إي نعم، إلا إذا علمنا أنه لم يزل عليها؛ الظاهر أنه يكفي أنه، وإلا ظاهر كلام المؤلف أنه لا بد مع الشهادتين، يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأنني ملتزِم بفعل الصلاة، ويصلي فعلًا.
طالب: () بالنسبة () لا إله إلا الله؛ يعني حديث أسامة ربما يقال: إنه يلزم من ذلك الشهادة ()؛ لأنهم مشركون، فإن أقر بلا إله إلا الله أقر منها بأن محمدًا رسول الله مع حديث: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ»؟
الشيخ: ما دام يقول: إنه لا إله إلا الله، وأنه ضمنًا يقر بشهادة أن محمدًا رسول الله، نقول: قل: أشهد أن محمدًا رسول الله، إذا أبى حكمْنا بِردَّته.
الطالب: إذا كان يقول: لا إله إلا الله وهو يتمسَّح في القبر، ويدعو مثل حال كثير من الناس.
الشيخ: إي نعم، هذا نقول له أيضًا: لا بد أن تقر بأن ما أنت عليه شرك وتتوب منه.
طالب: يا شيخ هل ()؟
الشيخ: يعني على كل فرد لا، قصدك، ولا عمومًا بمعنى أنه قال: كل أصحاب الرسول ارتدوا إلا نفرًا قليلًا.
الطالب: ()؟
الشيخ: لا، هذا فيه تفصيل، لكن إذا سبهم عمومًا مثل أن يقول: كلهم ارتدوا إلا خمسة، أو ستة أو ما أشبه ذلك.
الطالب: ().
الشيخ: هذه نفس الشيء، كله واحد، يعني لو قال: أصحاب الرسول ﵊ مثلًا قوم سوء لا خير فيهم، وما أشبه ذلك هذا كفر.
طالب: ().
الشيخ: لا، يعني لو ما وصفهم بالردة، إذا وصفهم بالفسق أو بشيءٍ في دينهم وما أشبهها؛ فهذا كافر.
طالب: يا شيخ، وإذا لم يعين أشخاصًا.
الشيخ: لا، أشخاص ().
إلى الأحوال البشرية دون الدينية، مثل أن وصف بعضهم بالجبن، أو بالفقر، أو بسوء الخلق، هذا ما يكفر، وإن سبهم بما يتعلق بالدين فهذا فيه أيضًا تفصيل؛ لأن منهم من سبُّه قدح عظيم كَسَبِّ أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ومنهم من دون ذلك ..
[ ١ / ٧٧٧٦ ]