وهي أربعةٌ: (عِصمةُ المقتولِ) فلو قَتَلَ مُسلمٌ أو ذِمِّيٌّ حَربيًّا أو مُرْتَدًّا لم يَضْمَنْهُ بقِصاصٍ ولا دِيةٍ.
الثاني (التكليفُ) فلا قِصاصَ على صغيرٍ ولا مجنونٍ.
[ ١ / ٧٢٣٣ ]
الثالثُ (الْمُكافأةُ) بأن يُساوِيَهُ في الدِّينِ والْحُرِّيَّةِ والرِّقِّ، فلا يُقْتَلُ مسلمٌ بكافرٍ،، ولا حُرٌّ بعبدٍ وعكسُه يُقْتَلُ، ويُقتلُ الذكَرُ بالأنثى، والأنثى بالذَّكَرِ.
الرابعُ (عدَمُ الوِلادةِ) فلا يُقْتَلُ أحدُ الأبوينِ وإن علا بالولدِ وإن سَفَلَ،
الدية، يختلفان؟ ذكرت أنهما يختلفان في تغليظ الدية، فإن صيد آدمي ومَثَّل لذلك بماذا؟ بأن يرمي صيدًا أو غرضًا؛ يعني هدفًا، فيصيب آدميًّا لم يقتله، كذا.
وعلم من قول المؤلف: (أن يفعل ما له فعله) أنه لو فعل ما ليس له فعله فهو عمد، لو فعل ما ليس له فعله في جناية تقتل غالبا فإنه عمدٌ، مثال ذلك: أن يرمي شاة فلانٍ فيصيب فلانًا؛ أراد رمي شاته فأصابه هو، ماذا يكون؟
طالب: عمد.
الشيخ: على رأي المؤلف يكون عمدًا، أو أراد أن يرمي أحدهم الثمرة على الشجرة، ولتكن هذه الثمرة رطبًا على نخلة، فأراد أن يرمي هذا الرطب، فأصاب صاحب النخلة، صاحب النخلة () فرمى الثمر علشان يتساقط عليه، فأصاب صاحب الثمرة، يكون عمدًا ولّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: يكون عمدًا، هذا ظاهر كلام المؤلف، لكن هذا الظاهر فيه نظر؛ فلنقل: إذا فعل ما ليس له فعله فأصاب آدميًّا فإما أن يكون ما قصده مساويًا للآدمي أو دونه، فإن كان مساويًا للآدمي فهو عمد لا شك؛ مثل أن يرمي شخصًا يظنه فلانًا معصومَ الدم، فأصاب فلانًا آخر؛ شخصًا آخر، قال: أنا ما علمت إن هذا فلان، أراد أن يرمي فلانًا، نعم، عدو له عداوة شخصية، فأصاب أخاه، أخا القاتل، أصاب أخا القاتل، سيندم طبعًا؛ لأنه قتل أخاه، هل هو أراد قتل أخيه؟ لا، لكنه أراد قتل معصومٍ مساوٍ للمقتول، الحرمة واحدة، أو لا؟
[ ١ / ٧٢٣٤ ]
فنقول: هذا أراد قتل مسلم فأصاب مسلمًا، فنحن نسلِّم بأن هذا قتلٌ عمد؛ لأنه أراد هتك حرمة المؤمن، لكنْ رجل رمى ثمرة نخلة؛ يريد أن يسقط عليه ثلاث ثمرات يأكلهن، يفطر بهن، وأصاب إنسانًا، فنقول القتل عمد؟ على المذهب: القتل عمد، لكن الصحيح أنه ليس بعمد؛ لأنه لا شك أن هذا الرجل لو علم أن فيه شخصًا معصومًا يقتله ولا لا؟ أبدًا ما يقتله، وحرمة التمر ليست كحرمة الآدمي.
إذا رمى الشاة فأصاب صاحبها، أيش تقولون؟ عمد ولّا غير عمد؟
طلبة: ().
الشيخ: على كلام المؤلف؟
طلبة: عمد.
الشيخ: عمد، لكن الصواب أنه ليس بعمد؛ لأن حرمة الشاة ليست كحرمة الآدمي لا شك، فالصواب أن يقال: أن يفعل ما له فعله فيصيب آدميًّا، أو يفعل ما ليس له فعله لكن حرمته دون حرمة الآدمي.
فإن رمى معصومًا غير مسلم فأصاب مسلمًا؟
طالب: غير مساوٍ له.
الشيخ: عمد؟
طالب: ليس عمدًا.
الشيخ: لا، حرمة المعاهد كحرمة المسلم صحيح أنه ما يقتل به، لا يقتل مسلمٌ بكافر، لكن الاحترام للمعصوم كالاحترام للمسلم، ولهذا هذه المسألة الظاهر أنه يعتبر عمدًا، وقد يقال: إنه ليس بعمد؛ لأن حرمة غير المسلم ليست كحرمة المسلم.
طالب: ().
الشيخ: قطع الإشارة ().
الطالب: ().
الشيخ: هذا لا يرى أن يقطع الإشارة، هذا وإن لم يقطع الإشارة يكون خطأ، () عمدًا.
الطالب: ().
الشيخ: لا، هذا ما يكون، ما أظنه؛ لأنه ما قصد الجناية.
وعلى كل حال على ما صححناه ليس بعمد بلا شك، ليس بعمد، وعلى المذهب ما أظنه يكون عمدًا.
طالب: لو احتج أولياء المقتول، وقالوا: قصد.
الشيخ: قتله ()، وهو قال: لم يقصده.
الطالب: وهو قال: لم يقصده.
الشيخ: نعم، فالقول قولهم هم، لكن ينبغي هنا أن ننظر للقرائن، إنما إذا خلت المسألة من القرينة، فالقول قولهم؛ لأن النية أمرٌ باطن، ونحن ليس لنا إلا الظاهر، وإلا كان كل واحد يقتل شخصًا ويقول: أنا ما قصدت قتله.
[ ١ / ٧٢٣٥ ]
النوع الثاني من الخطأ؛ قال: (وعمد الصبي والمجنون)، عمد الصبي والمجنون هذا خطأ.
طالب: ().
الشيخ: كيف؟
الطالب: ().
الشيخ: شخصٌ مباح الدم، نشوف ().
قال: (مثل أن يرمي صيدًا)؛ الصيد حلال رميه؟
طالب: نعم.
الشيخ: ثانيًا: (أو غرضًا) يعني: هدفًا، وهذا جائز، (أو شخصًا)؛ يُراد بالشخص هنا مباح الدم، شخص مباح الدم؛ كزانٍ محصن وحربي، وما أشبه ذلك، فيصيب آدميًّا لم يقصده.
قال: (وعمد الصبي والمجنون) عمد الصبي؛ يعني: إذا تعمد الصبي القتل فهو خطأ، وكذلك المجنون إذا تعمد القتل فهو خطأ، أما المجنون فظاهر؛ لأن المجنون لا قصد له، ومن شروط العمد أيش؟ القصد، والمجنون لا قصد له.
وأما الصبي، والمراد بالصبي هنا من دون البلوغ، الذي دون البلوغ؛ يعني له أربع عشرة سنة وعشرة شهور، نقول: هذا عمده خطأ.
له خمس عشرة سنة إلا ثلاثة أيام؟ عمده خطأ؛ لأنه «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ» (١).
ما نقول: وعمد النائم أيضًا؟
طالب: ().
الشيخ: النائم يمكن يقتل، نعم، فيه ناس في حال النوم يقومون يمشون، ذكر لنا أن بعض الناس يخرج إلى الوادي -تعرفون الوادي هنا في الشمال؛ شمال البلد- يخرج إلى الوادي يمشي نائمًا؛ يضع رأسه على كتفه هكذا، ويمشي مع الجادة، نعم، إي نعم، ولا يضل، سبحان الله.
إذن ممكن، وفيه ناس الآن وهو نائم يقوم ويشرب ويرجع وينام وهو ما أحس.
طالب: () علينا، ونام عندنا ().
الشيخ: عجيب، المهم، عمد الصبي وعمد المجنون، وأضيفوا أنتم الآن بقصصكم هذه عمد النائم، هذا كله خطأ؛ لأنه ما قُصِد، والعلة هي القصد، وقد عرفتم أن أكثر شروط العمد القصد، فعلى هذا يكون خطأ.
طالب: () البلوغ ().
الشيخ: ()، البلوغ معروف للجميع أنه يحصل بواحدٍ من ثلاثة أمور.
طالب: ().
[ ١ / ٧٢٣٦ ]
الشيخ: إي نعم، صحيح أن له قصدًا؛ يعني مثلًا شوف -سبحان الله العظيم- الذي له خمس عشرة سنة إلا ثلاثة أيام عمده خطأ، وإذا تم خمس عشرة سنة عمده عمد، ما بينهما إلا ثلاثة أيام.
على العموم «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ» (١)، ولهذا لا يؤاخذ بكل العقوبات التي يُشترط فيها التكليف، كل العقوبات التي يشترط فيها التكليف ما يؤاخذ عليها.
طالب: السكران يا شيخ عمد؟
الشيخ: عمد السكران.
طالب: والمجنون حتى يفيق.
الشيخ: عمد السكران على المذهب عمد؛ لأنه لا يُعذر به، وكل أقوال السكران وأفعاله كلها معتبرة، ولكن المسألة فيها خلاف، فمن أهل العلم من يقول: إن أقوال السكران وأفعال السكران كأقوال وأفعال الصاحي، وهذا هو المشهور من المذهب، ولهذا يقع طلاقه، ويصح إقراره وعتقه وإيقافه، فلو أن رجلًا سكران قال: جميع زوجاتي طوالق، وجميع عبيدي أحرار، وجميع أملاكي وقف ()، ويش نقول على المذهب؟ نقول: ما لك زوجات، ولا لك عبيد، ولا لك أملاك؛ لأن كل أملاكك صارت وقفًا، وعبيدك صاروا أحرارًا، وزوجاتك صرن طوالق.
ولكن الصحيح خلاف ذلك، الصحيح أن السكران لا يؤاخَذ بأقواله، ولا يقع طلاقه ولا عتقه ولا وقفه ولا إقراره؛ يعني نضيف إلى المسألة الأولى، قال: نسائي طوالق وعبيدي أحرار وأملاكي وقف، وفي ذمتي لفلان ألف مليون، نعم، يلزمه ولّا ما يلزمه؟
طالب: يلزمه، على المذهب.
الشيخ: على المذهب يلزمه، () الذي أقر له عادل () قال: يلّا أعطني ألف مليون، () والله ما عندي له شيء، لكن الصحيح أنه لا يؤاخذ بأقواله.
بقينا بأفعاله؛ هل يؤاخذ بها؟ هنا موضع خلاف أيضًا؛ فمنهم -من العلماء- من قال: يؤخذ بأفعاله؛ لأن الفعل أقوى من القول، إذ إن كون السكران يجترئ على الفعل معناه أن هناك إرادة، بخلاف القول، فيُؤخَذ بفعله، وعلى هذا القول يكون قتله عمدًا.
[ ١ / ٧٢٣٧ ]
ولكن الصحيح أنه لا يؤاخَذ بالفعل أيضًا، ليس كالعمد، إلا إذا قال: إنه سيسكر لأجل أن يقتل؛ يعني هو عرف أنه لو ذهب إلى فلان وقتله وهو صاحٍ قُتل به لا شك، فأراد أن يسكر لأجل أن يقتل هذا الرجل، فهذا لا شك أنه عمد؛ لأنه قصد الجناية قبل أن يسكر، واضح؟
طالب: ().
الشيخ: المراد -بارك الله فيك- السّكر الذي يذهب معه العقل، أما الذي ما داهمه العقل فهو حكمه حكم الصاحي.
طالب: لو إذا أتلف لا يؤاخَذ به؟
الشيخ: لا، إذا أتلف شيئًا يؤاخذ به؛ لأن حتى النائم وحتى المجنون وحتى الصغير إذا أتلف شيئًا يُؤاخَذ به، إي نعم، لكن الكلام على هل هو عمد يُقتل به ولّا لا؟ إي نعم.
طالب: شيخ، الآن هو إذا أتلف شيئًا من المال يؤاخذ به، كيف إذا أتلف روحًا وأزهق نفسًا؟
الشيخ: لا يؤاخذ بها، عليه الدية، ما هو معناه تروح هدر فيها الدية، لكن الكلام على القصاص هل هو عمد يقتص منه أم لا، وأما الضمان فلا بد من الضمان، لاحظ أن حتى الصغير والمجنون إذا أتلف شيئًا فلا بد من الضمان.
عمد الصبي والمجنون هذا خطأ، إذا كان خطأ ويش يجب فيه؟ الدية والكفارة على المذهب، حتى الصغير عليه الكفارة، المجنون عليه الكفارة فيكفر عنه بالعتق؛ لأن الصيام متعذر، لكن هذه -إن شاء الله- تأتينا، يأتينا الخلاف فيها.
فقبل أن نبدأ بالفصل نشوف الفرق بين الخطأ وبين قسيميه؛ يشترك الخطأ وشبه العمد في أمور، ويفترقان في أمور، ما الذي يشتركان فيه؟ يشتركان في أنه لا قصاص، هذه واحدة، وأن فيهما دية، وأن الدية على العاقلة، كذا؟ ويختلفان في أن شبه العمد قصد، والخطأ ليس بقصد.
ثانيًا: يفترقان في أن دية شبه العمد مغلظة، ودية الخطأ غير مغلظة، يفترقان في أن شبه العمد فيه إثم، والخطأ؟
طالب: ليس فيه ..
الشيخ: ليس فيه إثم، أو لا؟
طالب: ().
الشيخ: لا فيه إثم؛ لأن شبه العمد قصد الجناية، لكنها لا تقتل غالبًا.
[ ١ / ٧٢٣٨ ]
بماذا يفارق العمد؟ يفارق العمد في أن العمد فيه قصاص، والخطأ ليس فيه قصاص، العمد ديته مغلظة والخطأ مخففة، العمد الدية فيه على من؟ القاتل، والخطأ على العاقلة، العمد لا كفارة فيه، والخطأ فيه الكفارة، كذا؟ العمد فيه إثم؛ إثم عظيم جدا، والخطأ ليس فيه إثم، عرفتم؟
وأنا أدعوكم إلى معرفة الفوارق والجوامع؛ لأن من أهم ما يكون أن يعرف الإنسان الفروق بين مسائل العلم والوجوه التي تجتمع فيه؛ حتى يميز ويفرق.
ولهذا سوف نلزم من نلزم ببيان الفرق بين فرض الصلاة ونفلها، من منكم يستعد لذلك؟ أنت؟ تكتب لنا إن شاء الله في ورق الفرق بين فرض الصلاة ونفلها، إن شاء الله، بارك الله فيك.
طالب: ()؟
الشيخ: كله يجينا إن شاء الله في الديات، يأتينا كثير.
***
يقول المؤلف: (فصلٌ: تُقتَل الجماعة بالواحد) يعني إذا اجتمع جماعةٌ على قتل إنسان فإنهم يُقتلون جميعًا، خمسة اشتركوا في قتل رجل، يُقتَلون جميعًا، فإن قيل: ما هو الدليل، وما هو التعليل؟ لأن ظاهر الحكم في هذه المسألة أنه حكمٌ جائر، كيف نقتل خمسةً بواحد؟ أليس كذلك؟
نقول: أما الدليل فهو ما ورد عن عمر ﵁ في جماعةٍ اشتركوا في قتل رجلٍ من أهل اليمن، فأمر عمر ﵁ بأن يُقتلوا جميعًا، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به (٢)؛ أهل بلد كامل لو تمالئوا عليه -يعني: اتفقوا- لقتلتهم به، هذا الأثر عن عمر ﵁، وعمر كما نعرف جميعًا، عمر من؟
طالب: ().
الشيخ: () أيضًا، ممن اشتهروا ..
طالب: بالعدل.
الشيخ: بالعدالة، ومع ذلك قتلهم جميعًا به، إذن فليس بجور، أما من جهة النظر فلأن هؤلاء يا جماعة قتلوا نفسًا عمدًا، وتجزئة القتل عليهم محال، ورفع القتل عنهم ظلمٌ للمقتول؛ تجزئة القتل عليهم محال لماذا؟ إذ لا يمكن أن نقول لكل واحد: نبغي نقتلك خُمس قتلة، لو قلنا له: نبغي نقتلك خُمس قتلة، كان قال: خذ ودني تكفي، ولّا لا؟ أو رجلي.
[ ١ / ٧٢٣٩ ]
وهل يمكن أن يتبعض القتل؟ ما يمكن، لو رفعناه عنهم جميعًا لكان في ذلك ظلم للمقتول؛ لأنهم أعدموه، أزهقوا نفسه، هذا كيف ()، فلهذا كان النظر والأثر موجبين لقتل الجماعة بالواحد، ولكن لا بد من شرط، وهو أن يتمالؤوا على قتله، أو يصلح فعل كل واحدٍ للقتل لو انفرد، ما أدري الكلام هذا معقول ولا غير معقول؟
طلبة: معقول.
الشيخ: بشرط أن يتمالؤوا على القتل، لو ما () القتل، أو يصلح فعل كل واحدٍ للقتل، نعم، يعني لو انفرد، مثال التمالؤ قالوا: والله يا جماعة هذا الرجل عنده مال كثير، لعلنا نقتله ونأخذ ماله، قال بعضهم لبعض: توكلوا على الله، وإن كان هذه كلمة ما ينبغي أن تقال في هذا المكان، قال: يلّا () يا فلان هنا راقب، وفلان هنا راقب، وفلان هنا راقب، وواحد منا يشحذ السكين، وواحد منا يذبحه، هه؟
طالب: تمالؤوا.
الشيخ: تمالؤوا وتعاضدوا وتآزروا، فهؤلاء يُقتلون، أو لم يتمالؤوا لكن فعل كل واحد يصلح للقتل، مثل -والعياذ بالله- ناس أرادوا أن يهجموا على شخص، يبغوا يقتلونه ويأخذون ماله، لكن بدون ما اطلع كل واحد على الثاني، ولا علم بالثاني ولا شيء، قدر الله ﷿ أنهم كلهم يجيئون بالليل، وكل واحد رمى الرجَّال هذا، رماه، واحد أصابه مع صدره، وواحد مع بطنه، وواحد مع ساقه، وواحد مع ظهره، ومات الرجل، هؤلاء يُقتلون، كيف يقتلون ما تمالؤوا؟
طلبة: كل واحد ..
الشيخ: لكن فعل كل واحدٍ صالحٌ للقتل؛ يعني () لو انفرد.
أربعة جرحوه بدون اتفاق، وواحد لكزه، يُقتلون الخمسة؟
طالب: الأربعة.
الشيخ: الخمسة يُقتلون ولّا لا؟
طالب: ما يُقتلون.
الشيخ: واحد لكزه، وأربعة جرحوه، الذي لكزه ما يُقتل، ترى ما فيهم تواطؤ، الذي لكزه لا يُقتل لماذا؟ لأن فعله لا يصلح للقتل؛ لأنه شبه عمد لو انفرد.
طالب: () لما لكزه ..
الشيخ: إي، ضربه في مقتل، بارك الله فيك، طرح () لكزه في غير مقتل.
الطالب: لا، أنت قلت: في مقتل.
[ ١ / ٧٢٤٠ ]
الشيخ: لا، في غير مقتل، هذا لكزه في غير مقتل ().
ما لو خرج جرح أحدهما، أو أحدهم، أخرجه عن الحياة؛ واحد مثلًا ذبح، قطع أوداجه، وجاء ثانٍ وشق بطنه مثلًا، من القاتل؟
طلبة: الأول.
الشيخ: الأول، والله أعلم.
***
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن سقط القود أدوا دية كاملة) إن سقط القود؛ يعني: القصاص، لسبب من الأسباب.
طالب: (دية واحدة).
الشيخ: (إن سقط القود) لأي سببٍ من الأسباب فإنهم يؤدون (دية واحدة)؛ مثل أن قال أولياء المقتول: نحن لا نريد أن نقتل هؤلاء، وإنما نريد الدية، يقول المؤلف: (أدوا دية واحدةً)؛ يعني أعطوا دية واحدة، فإذا كانوا عشرة والدية مئة من الإبل، فعلى كل واحد عشرٌ من الإبل، ما الفرق بين الدية وبين القتل؟ لأن الدية تتجزأ، ممكن أن نحمل كل واحد جزءًا منها، لكن القتل لا يتجزأ، ولهذا قال: (وإن سقط القود أدوا دية واحدة).
ثم ذكر المؤلف مسائل تشبه الاشتراك، ولكنها ليست اشتراكًا؛ منها قوله: (ومن أكرهَ مكلَّفًا على قتل مكافئه فقتل، فالقتل أو الدية عليهما) هذا في باب الإكراه. (ومن أكره مكلفًا) (من) من صيغ العموم؛ لأنها اسم شرط، ولكنها ليست على عمومها، وإنما المراد بها: من أَكره ممن يُقاد لو تعمد، ليخرج بذلك إكراه الصبي وإكراه المجنون، فلو أن المجنون أو الصبي أكره مكلفًا على قتل مكافئه لم يكن عليه شيء؛ لأن عمده هو بنفسه؟
طالب: خطأ.
الشيخ: خطأ، فعلمنا أن قول المؤلف: (من أكره) ليس على عمومه، وإنما هو من باب العام الذي أُريد به الخصوص، وهل لذلك نظيرٌ في اللغة العربية أو في الشرع؟
[ ١ / ٧٢٤١ ]
الجواب: نعم، وهو كثير، قال الله تعالى عن ريح عاد: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥]، ومعلومٌ أنها ما دمرت السماء ولا الأرض، بل ولا المساكن؛ ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥]، وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، ومعلومٌ أن القائل واحد، وأن الجامعين لهم ليسوا كل الناس، إذن (من أكره) نقول: هذا عامٌّ أُريد به الخاص، من أكره مكلفًا؛ مَنِ المكلف؟ البالغ العاقل، والبلوغ أظن معروف لكم يحصل بواحدٍ من أمورٍ ثلاثة في الرجل، وبواحد من أمور أربعة في المرأة.
(على قتل مكافئه) يعني على قتل شخصٍ مكافئ للقاتل، للمكرَه، وستأتي إن شاء الله المكافأة في باب شروط القصاص، (فقتل) من القاتل؟
طلبة: المكرَه.
الشيخ: المكرَه، قتل من أُكره على قتله، يقول المؤلف: (فالقود أو الدية عليهما)، قوله: (فالقود) أي القصاص، وقوله: (أو) هذه للتنويع وليست للتخيير، فالقود إن اختير أو الدية إن عفي عنه؛ أي عن القود، على من؟ (عليهما) يعني على القاتل ومن أكرهه؛ لأن المكرِه ملجِئ، والمكرَه أراد قتل غيره لاستبقاء نفسه، فكل منهما ظالم، فصار القود أو الدية عليهما.
(وهذا ما لم يكن المكرَه كآلة، فإن كان المكره كآلة، فإن القود أو الدية على المكرِه)، ويش معنى (كآلة)؟ مثل: واحد نشيط أخذ الرجل وضرب به هذا الرجل إلى أن مات، () اتق الله لا تقتل بي الرجل، قال: لا؛ قال: سنقتل بك الرجل؛ لأنك مثل الخشبة، أمسك به وضرب به إنسانا () مات، على مَن القود أو الدية؟
طلبة: على القاتل.
الشيخ: معلوم على القاتل؛ لأن هذا صار كالآلة، ما يستطيع يتخلص ولا يُخَلِّص، نعم، إذن هنا يشترك المكرَه والمكرِه في الضمان.
[ ١ / ٧٢٤٢ ]
قُتل جماعة بواحد، وقيل: إن الضمان على المكرَه وحده؛ لأنه ليس له الحق في أن يقتل غيره لاستبقاء نفسه، فيقول للذي أكرهه مثلًا: ما أقتل أبدًا قُلْتُ، سوِّ ما شئت. قال: إذا ما قتلته أقتلك. يقول: اقتلني، أما أن أتعمد أقتل نفسًا محرمة حرمها الله ﷿ لمجرد أنك أكرهتني فهذا لا يمكن، وليس هذا من حق الله الذي عفا الله عنه عند الإكراه، هذا حق آدمي.
ولهذا هذا القول كما ترون قوي جدا؛ أن الضمان على المكرَه، وقيل: إن الضمان على المكرِه، عكس الثاني؛ لأن المكرِه ملجِئ، والمكرَه مضطر، ولولا إكراه ذلك ما قتله، ولكن هذا التعليل بالنسبة إلى تعليل القول بأنه على المكرَه ضعيف جدًّا ما يقابله، نعم، فالصواب أنه إما على المكرَه أو عليهما جميعًا، وحينئذٍ ينظُر الحاكم؛ القاضي ما هو أصلح للناس في هذه المسألة، فإن قتل الاثنين جميعًا ورأى أن المصلحة تقتضي ذلك فليفعل.
إذا قال رجل لآخر: اقتل نفسك وإلا قتلتك، ويش تقولون هذا؟ إكراه ولّا ما هو إكراه؟
طالب: إكراه.
الشيخ: قال: اقتل نفسك وإلا قتلتك؟ قال الفقهاء الحنابلة: إنه إكراه، وعلى هذا فالضمان على المكرِه؛ المكرَه قتل نفسه ما عاد ()، الضمان على أنه يُقتَل المكرَه، وقيل ليس بإكراه؛ لأن هذا الذي قتل نفسه لا يستفيد استبقاء نفسه لو تركها، فلا يستفيد من قتل نفسه شيئًا، ما دام أنه مقتول خلِّ القتل يكون بيد غيره لا بيده هو، فيقول: إن هذا ليس من باب الإكراه في الواقع؛ لأن المكره الذي يقول: اقتل فلانا وإلا قتلتك، إذا قتل فلانًا استبقى نفسه، لكن هذا الذي قال: اقتل نفسك وإلا قتلتك، نعم، هل إذا قال: ما أنا بقاتل نفسي، هل يستفيد؟
طالب: نعم يستفيد.
الشيخ: إذا قتل نفسه هل يستفيد؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما يستفيد، بخلاف الأول.
[ ١ / ٧٢٤٣ ]
وعلى كل حال ينبغي في هذه المسائل الخلافية اللي ما فيها دليل واضح يفصل بين الأقوال، ينبغي أن يعطى الحاكم سعة في الحكم بما يرى أنه أصلح للخلق؛ لأن هذه المسائل ما دام فيها سعة في أقوال المجتهدين من أهل العلم، والناس يحتاجون إلى سياسة تصلحهم، فلا حرج على القاضي إذا اختار أحد الأقوال لإصلاح الخلق؛ ولذلك يُذكَر عن بعض السلف أنه قال لابنه مرة من المرات: افعل كذا وكذا، في حكمٍ من الأحكام نسيته أنا، لكنه ما فعل، قال له: إذا لم تفعل وإلا أفتيتك بقول فلان، قول فلان أصعب وأشق، فالمهم أن الإنسان العاقل الحكيم ينظر في هذه المسائل التي مصدرها الاجتهاد وليس فيها نصٌّ يلزم الإنسان بأن يأخذ به فلينظر ما يصلح الخلق.
طالب: إذا أُكره على قتل النفس، ممكن يبغى يخلص بسرعة، وهذا يمكن يُعزر به، يخاف من التعزير، قتل التعزير؟
الشيخ: إذا خاف التمثيل يمكن يَقتل، إن رأى تمثيلًا يمكن يَقتل، إن جاز له القتل، أنا في نفسي من هذا شيء، والذي أرى أن ()، ما أقتل نفسي أنا، إذا قتلت نفسي فأنا أعذب في نار جهنم بما قتلت به، إي نعم، وأيضًا ما أنا مستفيد من هذا شيئًا، وربما أنني لو أتريث ولا أقتل نفسي ربما ذاك يتحسن ويمسك.
طالب: ().
الشيخ: لا، إحنا حينما نقول: ليس عليه ضمان، ليس معناه أن يترك، للحاكم أن يحبسه، يضربه، لا بد من تعزيره، ما هو بينصرف هكذا، لكن الكلام هل إنه يُقتص منه لهذا الرجل أو لا يُقتص.
وذكرت لكم الآن أن ما دامت المسألة فيها خلاف ومصدرها الاجتهاد فللقاضي إذا رأى من المصلحة أن يحكم بأن الضمان على الطرفين فليفعل.
طالب: أليست على قول ().
الشيخ: لا تجادل، بارك الله فيك، أنا قلت لك: إذا رأى الحاكم أن المصلحة تقتضي أن يُلزم الطرفين فليلزم، وأما مسألة العلة فلقد ذكرنا لكم أن المكره هو الذي جنى في الواقع، كان يقول للذي أكرهه: اقتلني، أنت إذا قتلتني تبوء بإثمي، وأنا أسلم من إثم الرجل.
[ ١ / ٧٢٤٤ ]
طالب: لكن لو ().
الشيخ: لا، هو في الحقيقة إكراه في غير هذه المسألة.
طالب: ما يقاس على التمالؤ؟ يعني لو نعتبر المُكرِه والمكرَه جماعة قتلوا رجلًا؟
الشيخ: نعم، هو، قلنا هذا.
الطالب: يبقى إذن القول بالقتل ..
الشيخ: قلنا هذا، لكن الجماعة الذين تمالؤوا كل منهم أراد السوء، وأراد القتل.
الطالب: المكرِه يريد قتل المقتول.
الشيخ: ما أراد، قد يقول: يأمر هذا لأجل أن تكفيني شره، بحسب نظره، يقول: أنا إذا حلفت عند القاضي: والله ما قتلته، ما ثبت عليَّ شيء.
الطالب: لا أقول القصد، والنية هو قتل ..
الشيخ: إي نعم، هو قد يكون هذا القصد، لكنه جعله في غيره، أما أولئك فأرادوا أن يباشروا، وهناك فرق بين المتسبب والمباشر، المكرِه متسبب والقاتل مباشر.
فيه أيضًا قيد، المؤلف يقول: (على قتل مكافئه)، ويحتاج إلى قيد، وهو أن يكون مكرَهًا على قتل معين، بأن يقول له: اقتل فلانًا وإلا قتلتك، وأما لو قال: اخرج إلى السوق وائتني برأس رجل من المارة فإن لم تفعل قتلتك، أنا لا بد يكون رأس رجل بين يدي قبل ربع ساعة، إما أنت ولّا تروح تجيب لي رأسًا من السوق، هذا معين ولّا لا؟
طلبة: غير معين.
الشيخ: غير معين، يكون على من؟ يكون القصاص على القاتل، على المذهب؛ لأنه ما أكرهه على قتل معين، فيكون القصاص على القاتل.
طالب: ويش الفرق؟
الشيخ: الفرق؛ لأن قتل المعين ملزم بهذا الشخص بعينه، أما ذاك ما أُلزم بشخصٍ معين، فهو الذي اختار أن يقتل فلانًا دون فلان؛ القاتل اختار أن يقتل فلانًا دون فلان.
الطالب: ().
الشيخ: إي نعم، لكن بس الفرق إنه ما عُيِّن، وأنا ما قلت: اقتل فلانًا، ولا أكرهتك على قتل فلان.
يقول المؤلف: (وإن أمر بالقتل غير مكلَّف فالضمان على الآمر) أمر بالقتل غير مكلف، وقال للصغير: اقتل فلانًا، شوف ذاك الرجل اللي نائم، نعم، روح اقتله، هذا الصغير أبو عشر سنين ويش يدري؟ راح وأخذ السكين وشق بطن الرجَّال، من هذا يقال: الضمان؟
[ ١ / ٧٢٤٥ ]
طلبة: لا.
الشيخ: على الآمر؟
طلبة: نعم.
الشيخ: وهذا المباشر، عندنا المتسبب، وهو الآمر، والمباشر، المباشر غير مكلف، والآمر مكلف، وكذلك لو أمر مجنونًا أن يقتل شخصًا، فقتله المجنون، فالضمان على الآمر، فهذه واحدة.
المسألة الثانية: (أو أمر مكلفًا يجهل تحريمه) أمر شخصًا مكلفًا بالغًا عاقلًا، لكن لا يدري أنه حرام، لا يدري أن القتل حرامٌ، ليس المعنى أنه يجهل تحريم القتل بالنسبة لهذا الشخص المعين؛ لأن بينهما فرقًا، لكنه يجهل تحريم القتل مطلقًا، مثل أن يكون رجلًا ناشئًا في بلاد الإسلام عن قرب، ولا يدري، هذا رجل خادم جاء به إنسان خادم، جابه من محل بعيد، ولا يدري عن الإسلام شيئًا ولا عن القتل شيئًا، وكانا جائعين، السيارة تعطلت في البر، وماتا من الجوع فوجدا رجلًا سمينًا، فقال له هذا الرجل الذي يعرف تحريم القتل: إحنا الآن جعنا، شوف هذاك الرجل السمين وشاب ولحمه يبغي يكون طريًّا، روح اذبحه وخلينا نأكله، هذا الرجل الذي ما يعرف تحريم القتل صدق، فذهب إلى ذلك الرجل فذبحه وأتى بأعضائه، وقال: () القدر، من يكون الضمان عليه؟
طلبة: على الآمر.
الشيخ: على الآمر؟
طلبة: نعم.
الشيخ: من المباشر؟
طلبة: ().
الشيخ: المباشر غيره، لكن هذا المباشر ما درى أن القتل حرام، يحسب أن القتل لا بأس به، وهذا فيما يظهر في زماننا الآن بعيد، لكننا نحن نقوله فرضًا أنه يجهل تحريم القتل ففعل، أما لو كان يجهل تحريم القتل بالنسبة لشخصٍ معين فهذا الضمان على القاتل؛ لأنه لا يجوز أن يقدِم على قتل إنسان حتى يعلم أنه مباح الدم، هو يعلم أن القتل حرام، فقيل له: اقتل هذا الرجل، ولا يدري أن قتل هذا الرجل حرام، فذهب فقتله فعليه الضمان.
طالب: ما يوجب ()؟
الشيخ: لا، حرام.
الطالب: عارف أن القتل حرام، قد يكون جاهلًا، وقال: نحن نفدي أنفسنا بقتل هذا؟
الشيخ: أبدًا، ما ينفع التأويل هنا، ما دام يعرفون تحريم القتل ما ينفع التأويل.
[ ١ / ٧٢٤٦ ]
اسمع (أو أمر به السلطان ظلمًا من لا يعرف ظلمه فيه) هذه مشكلة بعد، أمر به السلطان، من السلطان؟
طلبة: الحاكم.
الشيخ: لا.
طالب: رئيس الدولة.
الشيخ: الرئيس الأعلى للدولة، هذا السلطان، (أمر به السلطان ظلمًا)؛ يعني أمر بالقتل ظلمًا، قال: اقتل فلانًا، يا عبيد تعالوا، أو يا رجاجيل تعالوا، اقتلوا فلانًا، فقتلوه، وهم ما يدرون أنه ظالم، لا يعلمون أنه ظالم، فالضمان على من؟ الضمان على السلطان، ما هو على المأمور، ولكن هذا القول فيه نظر، لا سيما إذا كان السلطان معروفًا بالظلم؛ لأنه لا يجوز للمأمور أن يقدم على قتل من أمره السلطان بقتله حتى يغلب على ظنه أو يعلم أنه مباح الدم، أما مجرد أنه يقول: اقتل فلانًا، ويقتله، فهذا فيه نظر؛ لأن الأصل تحريم الدماء، فلا يجوز الإقدام عليه ().
***
فبناء على الأصل نكون معذورين، ولنا حق في أن نقتل، والقول الثاني: لا يجوز، لا سيما فيمن عُرف بالظلم، وقتل من لا يستحق القتل حتى نعلم أيش؟
طالب: أنه حلال الدم.
الشيخ: أنه حلال الدم، والله أعلم. ()
***
(وإن اشترك فيه) أي: في القتل (اثنان لا يجب القود على أحدهما منفردًا) اشترك في القتل شخصان، لو انفرد أحدهما لم يجب القتل عليه، فالقود على الشريك، وعلى الثاني نصف الدية، اثنان اشتركا في قتل رجل، أحدهما لا يجب عليه القود لو انفرد، فعلى شريكه القود، وعليه نصف الدية.
وقوله: (لأبوة أو غيرها)، (لأبوة) يعني مثل: اشترك أبٌ وأجنبي في قتل الولد، الأجنبي يُقتل بالولد، نعم، والأب لا يقتل بولده، كما سيأتينا في شروط القصاص، هنا القتل الآن اجتمع فيه سببان؛ أحدهما: يثبت به القود، والثاني: لا يثبت به القود، فلا ندري هل زهوق الروح حصل من السبب الذي يسقط به القود أو من السبب الذي لا يسقط به القود، فيكون القود على من؟
[ ١ / ٧٢٤٧ ]
على الشريك، والثاني لا قود عليه؛ لوجود المانع وهو الأبوة، أما الثاني الأجنبي فإنه لا مانع في حقه، فينفذ في حقه القصاص، في هذه الحال نفذنا القصاص في الأجنبي، فماذا يكون على الأب؟ يكون عليه نصف الدية؛ لأن الدية تتبعض، والقصاص إنما قتلنا الأول؛ لأنه ما يمكن نقتل نصفه، فقتلناه؛ لأن القتل لا يتجزأ، أو لا يتبعض، والدية على هذا النصف، أفهمتم الآن؟ ولا ما هو بواضح؟
طلبة: واضح.
الشيخ: واضح؟
وقول المؤلف: (لأبوة أو غيرها) كالإسلام في قتل الكافر، اشترك مسلمٌ وكافر في قتل كافر، هل يُقتل المسلم بالكافر؟
طلبة: ().
الشيخ: ويُقتل الكافر بالكافر؟
طلبة: يُقتل.
الشيخ: هل يجب القتل على الكافر هنا ولّا لا؟ يجب القتل على الكافر وعلى المسلم نصف الدية، واضح؟ كذلك رقيقٌ وحر اشتركا في قتل رقيق، الحر لا يُقتل بالرقيق، والرقيق يُقتل به، ففي هذه الحال يُقتل الرقيق ولّا يُقتل الحر، ولكن على الحر نصف الدية.
طلبة: نصف القيمة.
الشيخ: لا، نصف الدية ولّا القيمة، مثل العبد قيمته ديته قيمته.
اشترك عامدٌ ومخطئ في قتل إنسان، فعلى العامد القتل وعلى المخطئ نصف الدية، مثال ذلك: رجل تعمد قتل هذا الإنسان، ورجلٌ رمى صيدًا، فأصاب السهمان هذا الرجل، فمات بهما، ماذا نصنع؟
نقول: يُقتل العامد، ولا يُقتل المخطئ، أعرفت؟ وهذا داخلٌ في قول المؤلف: (أو غيرها فالقود على الشريك)، والمشهور من المذهب أنه في اشتراك العامد مع المخطئ وفي اشتراك العامد مع شبه العمد لا قصاص على العامد، ويفرقون بينه وبين المسألة الأولى بأنه إنما امتنع القصاص في حق الأب بالنسبة للولد لمعنى يختص بالأب، وهو الأبوة، وامتنع القتل في المسلم بالكافر لمعنى يختص بالقاتل، وأما الآلة أو الجناية فصالحة للقتل، بخلاف ما إذا اشترك عامدٌ ومخطئ فإن السبب ناقص.
[ ١ / ٧٢٤٨ ]
في المسألة الأولى وجود مانع، وهنا السبب ناقص، انتفاء سبب؛ لأن القتل الآن حصل بجنايتين ولا نعلم أيتهما التي قتلته؟ هل هي الخطأ أو العمد؟ وإذا كان كذلك فإنه يجب أن ندفع هذه الشبهة بمنع القتل في العامد، وتجب الدية، المسألة واضحة ولّا لا؟
المذهب أنه إذا اشترك عامد ومخطئ فإنه لا قصاص على العامد ولا على المخطئ أيضًا؛ لأن المخطئ ()، لماذا؟ قالوا: لأن قتل هذا الرجل حصل بسببين؛ أحدهما لا يصلح للقصاص؛ وهو الخطأ، ولا نعلم هل مات بالخطأ أو مات بالعمد، وحينئذٍ نرفع الحكم؛ حكم القصاص.
أما لو اشترك أبٌ وأجنبي في قتل الولد، فإن الجناية صالحةٌ للقصاص، وامتنع القتل في الأب لمعنى يختص به؛ لوجود مانع، فلهذا نقتص من شريك الأب دون الأب، والمؤلف الماتن -﵀- لم يفرق بين الصورتين، وهو الصواب، هو مع ()، أنا لا نفرق بين الصورتين؛ لأنه نفس الشيء، فإن القتل في كل منهما لم يتعين لمن يثبت عليه القصاص، أو لم يتعين فيمن يثبت عليه القصاص، فانتفى القصاص.
وفي المسألة قولٌ ثالث، وهو أنه لا قصاص على الشريك مطلقًا، فترى هذه المسألة فيها ثلاثة أقوال:
القول الذي أشار إليه الماتن، وهو تبعُّض الحكم، فيجب القصاص على الشريك دون من لا تصلح جنايته أو من لا تتم فيه شروط القصاص.
والقول الثاني: التخفيف، بينما إذا كان ذلك لقصورٍ في السبب، أو لمعنى يختص بالقاتل، فإن كان لمعنى يختص بالقاتل وجب القصاص على الشريك، وإن كان لمعنى يختص بالسبب.
طالب: فلا قصاص.
الشيخ: لم يجب على الشريك، وإنما تجب الدية.
القول الثالث في المسألة: أنه لا قصاص مطلقًا حتى على من شارك؛ لأن القتل اشتبهنا فيه، هل حصل ممن يمكن القصاص منه، أو ممن لا يمكن القصاص منه؟ فسقط القصاص.
طالب: شيخ، المكلف تكليفًا في الآلة؛ يعني في العمد والخطأ، كرجل رمي بحجر بخطأ، ورمي برصاص بعمد ().
الشيخ: () في قلبه معروف إنه ().
الطالب: يعني إن أمكن التفريق ..
[ ١ / ٧٢٤٩ ]
الشيخ: إي، إذا أمكن التفريق ().
طالب: () الدية في العمد والخطأ هل هي مغلظة ولّا ..
الشيخ: في العمد مغلظة، وفي الخطأ غير مغلظة.
الطالب: ().
الشيخ: إي ()، المخطئ عليه نصف دية غير مغلظة، والمتعمد عليه دية مغلظة ().
طالب: ().
الشيخ: ما بعد جاء.
الطالب: يا شيخ، ما ذكر المؤلف نصف الدية ()؟
الشيخ: إي، ذكرها غيره؛ لأنه ما يمكن يسقط عنه، هذا لما تعذر القصاص في حقه يجب عليه الدية ().
طالب: شيخ، المغلظة ..
الشيخ: ما بعد جاوبتها، تُذكر في الديات إن شاء الله.
***
قال: (فإن عُدل إلى طلب المال لزمه نصف الدية) أيش معنى نعدل إلى طلب المال؟ يعني اشترك اثنان في قتل شخص، أحدهما لا يجب عليه القصاص، والثاني يجب عليه القصاص، ولكن أولياء المقتول قالوا: لا نريد القصاص، فما الذي يلزم من كان عليه القصاص؟ نصف الدية ولّا دية كاملة؟ لو قال قائل: أعطوه دية كاملة؛ لأنه هو لو لم يؤد الدية لقتل، فهذه الدية عوضٌ عن نفسه، فما الجواب؟
الجواب أن نقول: لا؛ لأننا إنما قتلناه من أجل تعذر تبعض القتل، لا لأن نفسه كلها مستحقة، فلهذا إذا عدل إلى طلب المال لزمه نصف الدية.
ثم قال المؤلف ﵀: (باب شروط القصاص) ().
***
طالب: فيه فرق بين المخطئ والعامد، نحن لا نعلم من قتله وبين مثلًا الأب والابن، أو بين () لا يُدرى من قتله.
الشيخ: إي، لكن يقولون في مسألة الأب وفي الشريك الآخر يقولون: إن السبب صالح للقتل، نفس الجناية صالحة للقتل، وامتنع في الأب لمعنى فيه، لكن الخطأ والعمد جناية الخطأ غير صالحة للقتل، أصلًا يعني، فيما تعرف الخطأ أن يفعل ما له فعله فيصيب آدميًّا لم يقصده، وشبه العمد أن يقصد جناية لا تقتل غالبًا.
طالب: يا شيخ.
الشيخ: نعم.
طالب: نصف الدية على الأب؟
الشيخ: على الأب، نعم.
الطالب: ().
الشيخ: لأن الثاني الشريك مشاركه في القتل.
الطالب: ().
[ ١ / ٧٢٥٠ ]
الشيخ: القصاص العمد نصف دية، لما اقتصصنا منه كأننا أخذنا منه نصف الدية.
الطالب: ().
الشيخ: لا، مثل ما قلت تمامًا: إنما قتلناه لعدم تبعض القتل.
طالب: شيخ، على الراجح ().
الشيخ: الراجح ما مشى عليه المؤلف الماتن؛ أن من كان يجب عليه القصاص وجب عليه القصاص، والثاني عليه نصف الدية.
طالب: في جميع الحالات يا شيخ.
الشيخ: في كل الحالات.
[باب شروط القصاص]
ثم قال: (باب شروط القصاص) يعني شروط ثبوت القصاص، واعلم أن القصاص في اللغة: تتبع الأثر كالقصص، وأما في الشرع فإنه قتل الجاني، أو أن يُفعَل بالجاني كما فعل، هذا في الشرع، أن يُفعل بالجاني كما فعل؛ إن قتل قُتل، وإن قطع طرفًا قُطع طرفه وهكذا؛ يعني فعل ولي المجني عليه بالجاني مثل فعله.
والقصاص من الحكمة في الشريعة الإسلامية، وقد رخص الله لهذه الأمة بين القصاص وأخذ الدية والعفو، ثلاث مراتب: قصاص، وأخذ دية، وعفو، فأيها أفضل؟ القصاص أو أخذ الدية أو العفو؟
طالب: العفو.
طالب آخر: ().
الشيخ: لا، يُنظر في المصلحة، إذا كانت المصلحة تقتضي القصاص فالقصاص أفضل، وإذا كانت المصلحة تقتضي أخذ الدية فأخذ الدية أفضل، وإذا كانت المصلحة تقتضي العفو فالعفو أفضل، وهذا يجب على الإنسان أن يأخذ فيه بالعقل لا بالعاطفة؛ لأن بعض الناس تأخذهم العاطفة فيعفون، وهذا ليس بالصحيح، إذ إننا لسنا أحق بالعفو من الله، والله ﷿ أوجب القصاص، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، وكذلك أوجب حد الزاني وقطع السارق وما أشبه ذلك.
[ ١ / ٧٢٥١ ]
والقصاص مفروضٌ علينا إلا إذا عفونا فقد سهل الله لنا ذلك، وكان اليهود من شريعتهم -حسب ما ذكره أهل العلم- أنه لا بد من القصاص، وأن لا سبيل إلى العفو، ولا إلى أخذ الدية، والنصارى شريعتهم عدم القصاص والتسامح، وجاءت هذه الشريعة وسطًا بين الشريعتين، فأخذت بالحزم، وأخذت بجانب الفضل، جمعت بين الحزم والفضل؛ لأن ترك القاتل دون أن يُقتل يفتح علينا مسألة عظيمة، التجرؤ على القتل وعدم المبالاة به.
ووجوب القصاص أيضًا قد تكون المصلحة تقتضي عدم القصاص؛ فلهذا جاءت هذه الشريعة بين الحزم والفضل، شاملة عادلة، والقصاص ليس كما يزعم أهل الإلحاد والزندقة حينما يقولون: إن القصاص زيادة في القتل؛ لأنه إذا قتل القاتل شخصًا ثم قتلنا القاتل، كم فات على الأمة؟
طالب: اثنان.
الشيخ: شخصان، وإذا لم نقتل القاتل، ما فات إلا شخصٌ واحد، إذن فالقصاص خطأ، ولكن نقول لهؤلاء الجماعة: هذا مما أعمى الله به بصائرهم، فإن القصاص حياة كما قال الله ﷿: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]؛ لأن القاتل إذا علم أنه سيُقتل يُقدِم على القتل ولّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما يقدم على القتل، فإذا اقتصصنا من زيد لقتله عمرًا، فإن خالدًا لا يقتل بكرًا، ولّا لا؟ لكن لو تركناه تعدد القتل وصار أكثر، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾.
وقد اشتهرت عبارة في الجاهلية، عبارة يكتبونها -كما يقولون- بماء الذهب، وهي قولهم: القتل أنفى للقتل؛ يعني أنك إذا قتلت انتفى القتل، ولكن لا شك أن هذا العبارة نقول: إنها جيدة وبليغة، لكن عبارة القرآن أعظم منها بكثير، ونحن لا نريد أن نقارن بين كلام الله تعالى وكلام البشر، لكن نريد أن نبيِّن أن القرآن في غاية ما يكون من البلاغة؛ ففي القرآن إثبات لكم، وفي العبارة هذيك نفي، ولّا لا؟ والإثبات أحق بالقبول من النفي.
[ ١ / ٧٢٥٢ ]
أيضًا الآية تشير إلى العدل ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وذاك ما فيه إشارة للعدل، أيضًا الآية ما فيها ذكر للقتل، ما فيها إلا ذكر القصاص الذي هو العدل وحياة ضد الموت والقتل، وهذه ..
طالب: فيها قتل مرتين.
الشيخ: فيها قتل مرتين.
أيضًا في الآية إثبات أن القاتل يُقتل بمثل ما قَتل به؛ لأنه جعلها قصاصًا، وذي ما تدل على هذا، أيضًا في الآية الكريمة: ﴿لَكُمْ فِي الْقِصَاصِ﴾ (لكم) استثنى من هذا من مصلحتنا ومنفعتنا؛ لأنه قال: لكم، وتلك أبدًا ما فيها نسبة لأحد، القتل أنفى للقتل.
والحاصل أن الآية الكريمة تفيد معاني عظيمة كلها تدل على أن القصاص خير للأمة، فما هي شروط القصاص؟
القصاص شروطه أربعة:
الأول: عصمة المقتول؛ أي أن يكون المقتول معصومًا؛ معصومًا في رأيه، إذا قال شيئًا لم يخطئ.
طلبة: ().
الشيخ: كما يقوله أئمة الروافض.
طالب: ().
الشيخ: لا، معصوم: يعني معصوم الدم، عصمة المقتول؛ أي أن يكون معصوم الدم؛ يعني محرَّم الدم، والمعصومون أربعة أصناف: المسلم والذمي والمعاهد والمستأمن، أربعة أصناف، هؤلاء معصومون.
المسلم واضح، والذمي: الذي عُقد له ذمة يعيش بين المسلمين ويُحمى ويبذل الجزية، والمعاهد: الذين بيننا وبينهم عهد وهم في بلادنا، والمستأمن: الذي أمَّناه في بلادنا لزيارة سواء كانت جلبًا أو أخذًا، أو كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦]، فصار المعصومون؟
طالب: أربعة.
الشيخ: فَهُم؟
الطالب: المسلم، والذمي، والمعاهد، والمستأمن.
الشيخ: المعاهد، والمستأمن.
[ ١ / ٧٢٥٣ ]
يقول المؤلف: (فلو قتل مسلمًا أو ذميًّا حربيًّا أو مرتدًّا لم يضمنه بقصاصٍ ولا بدية) نعم، (لو قتل مسلمًا أو ذميًّا) نعم، أو غيره، نعم، ما هو فرق، (حربيًّا) يعني الكافر، اللي بيننا وبينهم حرب، ما هو بيننا وبينهم عهد، مثل من؟
طالب: اليهود والنصارى.
الشيخ: لا، اليهود والنصارى ما هو صحيح.
طلبة: اليهود.
الشيخ: مثل اليهود الذين احتلوا فلسطين؛ لأن ما بيننا وبينهم عهد ولّا لا؟ لكن لو قال قائل: إن بيننا وبينهم عهد، وهو العهد العام في هيئة الأمم المتحدة؟
طالب: ليس بشرع.
طالب آخر: هم نقضوا العهد.
الشيخ: هم نقضوا العهد؛ لأنهم يعتدون علينا، هم يعتدون علينا فنقضوا العهد.
(أو مرتدًّا) () لكنه يعاقب على قتله، يعزره الإمام؛ لأنه ليس لأحدٍ أن يفتات على الإمام أو نائبه فيقتل مرتدًّا، إنما لو قتله فإنه لا يُقتل به؛ لأنه؟
طالب: غير معصوم.
الشيخ: غير معصوم الدم، والردة أسبابها كثيرة، منها: أن يستهزئ بالله، أو برسوله ﷺ، أو يجحد فريضة من فرائض الإسلام المعلومة بالضرورة من دين الإسلام، أو يترك الصلاة تركًا مطلقًا، أو ما أشبه ذلك، كل هذه ردة، والمرتد غير معصوم الدم، بل يجب على ولي أمر المسلمين أن يدعوه للإسلام فإن تاب وإلا وجب عليه أن يقتله؛ لأن وجود المرتدين بين المسلمين إفسادٌ كبير في الأرض؛ يعني أعظم من ()، ولهذا لو أن ولاة أمور المسلمين قضوا على المرتدين إما بتوبة منهم، وإما بإعدام لَقَلَّ المرتدون، إنما المرتد إذا قتله أحد يُقتل؟
طالب: لا.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأنه غير معصوم الدم.
الشيخ: لأنه غير معصوم الدم، لكننا نعزره تعزيرًا يردعه عن مثل هذه الجرأة، إذ إن حق قتل المرتدين لمن؟ للسلطان أو نائبه.
من قتل زانيًا محصنًا؟
طالب: ().
الشيخ: () ولّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟
طلبة: غير معصوم الدم.
الشيخ: لأنه غير معصوم الدم، نعم.
[ ١ / ٧٢٥٤ ]
(لم يضمنه بقصاصٍ ولا دية، الثاني: التكليف) تكليف القاتل ولّا المقتول؟
طالب: القاتل.
الشيخ: القاتل.
***
(فلا قصاص على صغير ولا مجنون) لأنه لا يتصور منهما العمد، وقد سبق لنا أن عمد الصبي والمجنون خطأ، فلما لم يتصور العمد منهما صارا لا قصاص عليهما، هذا () بلا خلافٍ بين أهل العلم، لا خلاف بين أهل العلم في ذلك؛ لأنه لا قصاص على صبي ولا مجنون، ما حد الصِّغَر؟ ما دون البلوغ، فلو أن رجلًا وُلد في الساعة الثانية عشرة عند منتصف النهار وقتل شخصًا في أول النهار وهو في الرابعة عشرة من عمره، وقتل آخر في آخر النهار، فالأول لا يُقتل به؛ لأنه ما بعد بلغ، والثاني يُقتل به؟
طالب: لا يُقتل؛ لأنك قلت الرابعة عشرة.
الشيخ: لا، الخامسة عشرة، أنا قلت: الرابع عشرة؟ لا، الصواب: الخامسة عشرة، يُقتل به.
إذا كان الرجل يُجن أحيانًا ويعقل أحيانًا؟ فإن قَتَل في حال جنونه لا يُقتل، وإن قَتَل في حال عقله يُقتل.
هل لو أن عقله زال بغير الجنون، مثل أن يبلغ إلى سن الكبر، يهذرم، خرج يومًا من الأيام من بيته ومعه سيفه يعرض به، ويقول: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ().
طلبة: ().
الشيخ: يُقتل ولّا لا؟
طلبة: ما يُقتل.
الشيخ: ما يُقتل.
رجل خرج من بيته سكران –والعياذ بالله- ومعه سيف، فقابله رجل، فجز رأسه، يُقتل ولّا لا؟
طلبة: ().
طالب: على المذهب لا.
الشيخ: على المذهب يُقتل؛ لأنه زال عقله بأمرٍ لا يُعذر به، بل بأمرٍ مُحرَّم، فيُقتل به.
***
[ ١ / ٧٢٥٥ ]
(الثالث: المكافأة) يعني يقول المؤلف في تفسيرها: (بأن يساويه في الدين والحرية والرِّق) يساويه؛ أي: يساوي القاتل المقتول في هذه الأمور؛ (في الدين) بأن يكون مسلمًا يقتل مسلمًا، (الحرية) بأن يكون حرًّا يقتل حرًّا، (الرق) المراد بالرق في كلام المؤلف الملك؛ لأن الرق داخل في كلمة الحرية، ولأنه عند التساوي في الحرية يكون الحر مع الحر، وعند عدم التساوي الحر مع العبد أو بالعبد، فالمراد بالرق أي الملك، هذا المراد.
وما المراد بالمساواة؟ أن لا يكون القاتل أفضل من المقتول، أيضًا كلامه –﵀- في قوله: المساواة فيه نظر، والصواب أن يُقال: المراد بالمساواة أن لا يفضل القاتل المقتول في الدين والحرية والملك.
(فلا يقتل مسلمٌ بكافر) ليش؟ لأن القاتل أفضل من المقتول، (ولا يُقتل حرٌّ بعبد)؛ لأن القاتل أفضل من المقتول في الحرية، ولا يُقتل مكاتب بعبده، كلاهما عبد، لكن المكاتب أفضل؛ لأنه مالك له، ولهذا قلنا: إن صواب العبارة الحرية والملك، فمثلًا المكاتب لو قتل عبده كلاهما عبد، لكن المكاتب مالكٌ، فلا يقتل بعبده.
ومن هو المكاتب؟ هو الذي اشترى نفسه من سيده، وإذا اشترى نفسه من سيده ملك الكسب، ما بده يبيع ويشتري مثلًا بالأرقاء، وقتل عبده، فإن المكاتب هنا لا يُقتل؛ لأنه أفضل من المقتول في الملك.
***
(فلا يُقتل مسلم بكافر) الدليل على هذا ما ثبت في الصحيحين من حديث علي بن أبي طالب أن النبي ﷺ قال: «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» (٣)، ودليل آخر قول النبي ﷺ: «الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ» (٤)، ودل هذا على أن غير المؤمنين لا يكافئون المؤمنين في الدماء، من جهة المعنى المؤمن أعلى وأكرم عند الله من الكافر، والإسلام يعلو ولا يُعلى عليه، وهذه أدلة أثرية ونظرية في أن المسلم لا يُقتل بالكافر.
[ ١ / ٧٢٥٦ ]
قال المؤلف: (ولا حرٌّ بعبد) أن لا يُقتل الحر بالعبد، وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم، فالمذهب كما ترون أن الحر لا يُقتل بالعبد؛ لأن الحر أكمل من العبد، إذ إن العبد بمنزلة الشاة، ويُشترى، وديته قيمته بالغة ما بلغت، فلا يمكن أن يكون ما ماثل البهيمة لا يمكن أن يكون مكافئًا للحر، فلا يُقتل الحر بالعبد، وفيه أيضًا أحاديث لكنها ضعيفة؛ أن الرسول ﵊ قال: «لَا يُقْتَلُ الْحُرُّ بِعَبْدٍ» (٥)؛ ولهذا ذهب أبو حنيفة وشيخ الإسلام ابن تيمية، وهو رواية عن أحمد إلى أن الحر يقتل بالعبد؛ لقول النبي ﵊: «الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ» (٤).
طالب: ().
الشيخ: تمنع قتل الحر به؛ ولهذا ذهب أبو حنيفة وجماعة من أهل العلم إلى أنه يُقتل الحر بالعبد، وهذا هو الصواب، للأدلة التي ذكَرْتُ، بقينا ما هو الرد على قول من يقول: إنه لا يقتل به، واستدل بالأدلة ()، لا تطع كل لعَّابٍ ().
طالب: ().
الشيخ: (وعكسه يُقتل)، بقينا أن لا يساويه في الملك، ما مثلنا به، مثاله المكاتب إذا ملك عبدًا ثم قتله، فإنه لا يُقتل به؛ لأنه مالكه، فهو أفضل منه في الملك، قال: (وعكسه يُقتل) فيُقتل الكافر بالمسلم لعموم الأدلة الدالة على وجوب القصاص، أو على ثبوت القصاص، كذلك يُقتل العبد بالحر، الدليل؟ عندنا النصوص، وإذا كان العبد يُقتل بالعبد بالنص، والعبد بالعبد فقتله بالحر من باب أولى، وكذلك يُقتل المملوك بالمالك، مثل العبد المملوك بالمكاتب إذا قتل سيده، فإنه يُقتل به؛ لأنه دونه.
قال: (ويُقتل الذكر بالأنثى، والأنثى بالذكر).
طالب: ().
[ ١ / ٧٢٥٧ ]
الشيخ: يُقتل به، قال: (ويُقتل الذكر بالأنثى، والأنثى بالذكر)، الدليل عموم قوله ﵎ ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، وعموم قول النبي ﷺ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ» (٦)، وعموم قوله: «الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ» (٤)، وخصوص قتل النبي ﷺ اليهودي بالمرأة، نعم، هذا خاص، فإن الرسول ﷺ قتل يهوديًّا بامرأة رضَّ اليهودي رأسها بين حجرين على أوضاحٍ لها، فقيل لها: من قتلك؟ من قتلك؟ حتى ذُكر هذا اليهودي فأومأت برأسها أن نعم، فأُخِذ اليهوديُّ فاعترف، فأمر النبي ﷺ أن يُرضَّ رأسه بين حجرين (٧)، نعم، هذا دليل واضح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: وخاص، دليلٌ خاص في المسألة، ما هو من باب العمومات، فإن قلت: أفلا يحتمل أن النبي ﷺ قتله لنقضه العهد؟ فالجواب: لا، لو كان قتله لنقضه العهد لقتله بالسيف، ولكنه قتله قصاصًا؛ لأنه رضَّ رأسه بين حجرين، فإن قلت: أفلا يقال: إن فضل هذا الرجل بالذكورة نقصت بكونه كافرًا والأنثى مسلمة، وأنه لو كان مسلمًا ما قُتل بها، فما الجواب؟ لأنه لو قال قائل: نعم، الرسول قتل هذا اليهودي لأنه يهودي، فنقصه عن المرأة في الدين يجبره فضله عليها بالذكورة.
طالب: ().
الشيخ: نعم، يقول: ما دام ظهر أن المسألة من باب القصاص فإن هذا يقتضي أن العلة أنه قاتل، بمجرد أنه قتل عمدًا فيقتل ()، فإن قلت: أليس الذكر أفضل من الأنثى؟ فالجواب: بلى، لكن هذه الفضيلة لم يعتبرها الشرع، فإن قلت: أليست دية الرجل ضعف دية المرأة؟ الجواب: بلى، (بلى) لا (نعم)، الجواب: بلى، لِمَ (نعم)؟
الطالب: بلى.
الشيخ: ما هو قلت: نعم؟
الطالب: ().
الشيخ: إي، زين، فنقول: بلى لا شك أن دية الرجل ضعف دية المرأة؛ الرجل مئة بعير والمرأة خمسون بعيرًا.
[ ١ / ٧٢٥٨ ]
كيف يُقتل بها وهو أكثر منها دية؟ فالجواب أن الدية ليست من باب التفضيل حتى نقول: إنه فضلها، بل هي من باب التقرير الشرعي الذي لا مناص لنا عنه، ولكنه قُتِل؛ لأنها نفس، ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يُقتل الذكر بالأنثى؛ لأنه أشرف، وذهب آخرون إلى أنه يُقتل بها، ولكن يُدفع إلى ورثته نصف الدية، فجعلوا ذلك من باب التخويف، وكل هذا ليس بصحيح، والصواب أنه يقتل مطلقًا.
فإن قلت: ما الجواب عن قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، فإن مفهومها أن الذكر لا يُقتل بالأنثى، فما هو الجواب؟
طالب: () في قضية عين () فأوحى الله إليهم ().
الشيخ: لكن العبرة؟ ويش العبرة؟
الطالب: ().
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ().
الشيخ: نقول: هذا من باب دلالة المفهوم؛ فالأنثى تقتل بالأنثى لا شك، ولكن هل لا يُقتل الذكر بها؟ نعم ()، وإذا كان بدلالة المفهوم وجاءت السنة بقتل الذكر بالأنثى دل هذا على أن هذا المفهوم لا عبرة به؛ ولذلك الصواب أن الذكر يُقتل بالأنثى.
الأنثى تُقتل بالذكر؟ معلوم، من باب أولى؛ لأنه إذا كانت الأنثى تُقتل بالأنثى، فقتلها بالذكر من باب أولى.
طالب: يا شيخ، ()، لم يقل: الذكر بالذكر ().
***
الشيخ: الشرط (الرابع: عدم الولادة) عدم الولادة؛ أي: بألا يكون القاتل والدًا للمقتول، سواء كان من جهة الأبوة أو من جهة الأمومة، فإنه لا يُقتل به، ولهذا قال المؤلف: (فلا يُقتل أحد الأبوين وإن علا بالولد وإن سفل)، لا يُقتل أحد الأبوين، مَنِ الأبوان؟ الأب والأم.
[ ١ / ٧٢٥٩ ]
لماذا قلنا: الأبوان وهو أب وأم؟ هذا من باب التغليب، وغُلِّب الأب؛ لأنه ذكر والذكر أفضل، ألا يمكن أن نجعلها من باب الترتيب، فنقول: الأبمان؟ ما يصلح؛ لأن العرب ما قالوا هذا، ولا قالوا في الشمس والقمر، قالوا فيهما: القمران، ولم يقولوا: القمشان، بل قالوا: قمران، أبو بكر وعمر قالوا فيهما: العُمَرَان، إذن لا يُقتل الولد وإن نزل بالأب أو الأم وإن علا.
طالب: العكس.
الشيخ: لا يقتل الوالد بالولد؛ يعني: لا يُقتل الأب أو الأم وإن علوا بالولد وإن نزل، مثال ذلك: رجل -والعياذ بالله- حنق على ولده، وصار في قلبه حقدٌ عليه، فجاء يوم من الأيام فقتله عمدًا، هل يُقتل؟ لا يُقتل.
أبو أم؛ جد، قال لابن ابنته: أعطني ألف ريال، أنا محتاج، قال له: أبدًا ما أنا معطيك، أنت أبو أم، لا أُنْسَب إليك ولا تُنْسب إليَّ، فغضب عليه فقتله، يُقتل؟ لا يُقتل به، ما هو الدليل؟ الدليل الحديث المشهور: «لَا يُقْتَلُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ» (٨)، هذا حديث؛ أثر، ودليل آخر؛ نَظَر، ولأن الوالد سببٌ في إيجاد الولد؛ فلا ينبغي أن يكون الولد سببًا في إعدامه، فصار عندنا الآن دليلٌ أثري ودليل نظري، لننظر في هذه المسألة؛ أما الحديث فإنه حديث ضعفه كثيرٌ من أهل العلم.
ويُقتَلُ الوَلَدُ بكلٍّ منهما.