مَن أُقِيدَ بِأحدٍ في النَّفْسِ أُقِيدَ به في الطرْفِ والجِراحِ، ومَن لا فلا، ولا يَجِبُ إلا بما يُوجِبُ الْقَوَدَ في النفْسِ. وهو نوعان: أحدُهما في (الطرْفِ) فتُؤْخَذُ العينُ والأَنْفُ والأُذُنُ والسنُّ والْجَفْنُ والشَّفَةُ واليدُ والرِّجْلُ والأُصْبُعُ والكفُّ والْمِرْفَقُ والذكَرُ والْخُصْيَةُ والألْيَةُ والشُّفْرُ، كلُّ واحدٍ من ذلك بِمِثْلِه.
وللقِصاصِ في الطرْفِ شُروطٌ:
(الأَوَّلُ) الأَمْنُ من الْحَيْفِ بأن يكونَ الْقَطْعُ من مَفْصِلٍ، أو له حَدٌّ يَنْتَهِي إليه كمارِنِ الأَنْفِ وهو ما لانَ منه.
(الثاني) الْمُماثَلَةُ في الاسمِ والْمَوضِعِ، فلا تُؤْخَذُ يمينٌ بيسارٍ ولا يَسارٌ بيَمينٍ، ولا خِنْصَرٌ ببِنْصَرٍ، ولا أَصْلِيٌّ بزائدٍ، ولا عَكْسُه، ولو تَراضَيَا لم يَجُزْ
(الثالثُ) استواؤُهما في الصحَّةِ والكَمالِ،
ولا فيما دونه، إذن نقول: جنى عليه رقيقه، أو لا؟ رقيق؛ يعني: عبد، قطع يد عبد، عمدًا، عدوانًا، يجب الآن للرقيق المقطوع؟
طالب: القود.
الشيخ: يجب له القود.
طلب القود وإسقاطه إليه لا إلى سيده، فإن شاء طلب أن يُقتص له من الجاني فتقطع يد القاطع، وإن شاء قال: عفوت.
[ ١ / ٧٢٨٨ ]
لكن هل له أن يعفو مطلقًا، أو لا يعفو إلا على مال؟ إذا عفا مطلقًا صار في ذلك ضرر على السيد، يكون فيه ضرر على السيد، حتى إذا وجب له قود، وقال: أنا أريد القصاص، سيقول السيد: وما ينفعني أن تقتص من الذي جنى علي، أنا لا أريد أن تقتص، أنا أريد أن آخذ الدية، نقول: لا للسيد، ليس لك الحق في أن تمنعه من القصاص؛ لأن القصاص فيه تشفٍّ للإنسان المعتدى عليه، يقول: أنا ما يشفيني ولا يذهب ما فيَّ من الغم والغل إلا إذا قطعته، مثلما قطع يدي أقطع يده.
الخسارة الآن على من؟ المالية؟ على السيد، الخسارة المالية على السيد، ربما تكون المقطوعة اليد اليمنى، وهذا العبد كاتب، إذا قُطعت يده اليمنى صار بدل ما يساوي عشرة آلاف، ما يساوي ألف ريال، ولكن نقول: الحق له، لكن ليس له أن يعفو مجانًا، بل لا بد أن يكون عفوه على مال؛ لأننا إنما أبحنا له القصاص لأجل التشفي، فإذا لم يرد التشفي فلا يمكن أن يضيع المالية على سيده.
طالب: ().
الشيخ: فيه معنى الوجوب () ثبت له.
وقوله: (أو تعزير قذفٍ) ولم يقل: أو حد قذف، بل قال: (أو تعزير قذف).
والقذف: هو أن يرميه بحجارة.
طلبة: لا يا شيخ.
الشيخ: لا؟ ويش يرميه؟
طلبة: يرميه بالكلام.
الشيخ: يرميه بالزنا؛ بأن يقول: هذا العبد إنه زنا.
قذف العبد لا يوجب الحد؛ لأن من شرط الإحصان أن يكون حرًّا، وهذا ليس بحر، وإنما يوجب التعزير؛ لئلا يتطاول الناس على الأرقاء، ولهذا قال: (أو وجب له تعزير قذفٍ) ولم يقل: حد قذف؛ لأنه لا حد.
فهذا العبد قُذف، فنقول: إن شئت فطالب، وإن شئت فلا تطالب.
لو قال السيد: الحق لي أنا؛ لأنه إذا قُذف ولم يطالب قال الناس: إن قذفه بذلك صحيح، وإذا كان موصوفًا بالزنا تنقص قيمته ولّا لا؟ تنقص قيمته، فهذا الضرر عليَّ أنا، إذا قال هذا العبد: أنا أسقط تعزير القذف فأنا لا أسقطه.
[ ١ / ٧٢٨٩ ]
وهذه المسألة في النفس منها شيء كوننا نجعل للعبد الخيار بين إسقاط تعزير القذف وعدم إسقاطه، ووجه ذلك أن الضرر ليس عليه وحده، بل الضرر عليه وعلى سيده، فإنه إذا قيل: إنه قد زنا، ولم يأخذ بحقه في تعزير القاذف فإنه سيرخص في أعين الناس، ولا يريده أحد، ما يريده أحد إلا إنسانًا يبغي يخاطر.
فالصواب في تعزير القذف أن الحق للعبد، ولكن ليس له إسقاطه، يطالب به، وأما إذا قال: أنا أريد إسقاطه فإن السيد سيقول: هذا ضرر عليَّ.
لكن إن مات فلسيده، و() نقول: إن مات فلورثته؟
طلبة: ليس له وارث.
الشيخ: ليس له وارث؟
طالب: نعم.
الشيخ: ليش؟ فيه مانع من موانع الإرث، وهو الرق؛ لأن الرقيق لا يرث ولا يُورث. فيه أظن سؤال عندك؟
طالب: إذا اعتدى حر على رقيق ().
الشيخ: تقدم لنا أن مسألة القصاص أن الصحيح خلاف المذهب ().
***
[باب ما يوجب القصاص فيما دون النفس]
(باب ما يوجب القصاص فيما دون النفس)
أفادنا المؤلف في قوله: (فيما دون النفس) أن القصاص يكون في النفس ويكون فيما دونها.
أفادنا المؤلف -﵀- أن القصاص يكون في النفس ويكون فيما دونها، القصاص كما يكون في النفس يكون فيما دونها.
والأصل في هذا قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥].
قال المؤلف: (من أُقيد بأحدٍ في النفس أقيد به في الطرف والجراح، ومن لا فلا) هذه قاعدة مهمة، يحيلنا بها المؤلف على ما سبق، (من أُقيد بأحدٍ) أقيد به؛ أي: قتل به قصاصًا، (في النفس أُقيد به في الطرف والجروح) يعني: اقتص منه في الطرف والجروح، (ومن لا فلا) معنى (من لا فلا) يعني: ومن لا يقاد بأحد في النفس لا يُقاد به في الطرف والجروح؛ إذن القصاص في الطرف والجروح فرع عن القصاص في النفس.
[ ١ / ٧٢٩٠ ]
لو أن حرًّا قطع يد عبد، هل يُقطع به؟ لا؛ لأن الحر لا يقتل بالعبد على كلام المؤلف.
لو أن مسلمًا قطع يد كافر هل يقطع به؟ لا؛ لأن المسلم لا يُقتل بالكافر، فإذا لم يُقتص به في كله لا يقتص به في جزئه.
لو أن كافرًا قطع يد مسلم؟
طالب: يُقطع.
الشيخ: يُقطع به؛ لأن الكافر يُقتل بالمسلم.
وقوله: (من لا فلا) لو أن امرأة قطعت يد رجل؟
طالب: تُقطع.
الشيخ: تُقطع، ليش؟ لأن المرأة تُقتل بالرجل، ولو أن رجلًا قطع يد امرأة؟ قُطع بها أيضًا؛ لأن الرجل يُقتل بالمرأة، فهمنا القاعدة هذه.
إذن هذه القاعدة لا بد أن نرجع إلى ما سبق، فننظر عندما يقطع أحدٌ يد أحد ننظر هل يُقتل به لو قتله؟ إن قيل: نعم؛ قطعنا اليد، وإلا فلا.
ثم أتى بقاعدة أخرى؛ قال: (ولا يجب إلا بما يُوجب القود في النفس) يعني: لا يجب القود في الطرف والجروح إلا بما يوجب القود في النفس.
والمراد هنا الإشارة إلى الجناية، الأول: الإشارة إلى الجاني، والثاني: الإشارة إلى الجناية.
من الذي يجب فيه القود بالنفس من أقسام الجنايات؟ العمد، العدوان، فإذا قطع أحدٌ يد أحدٍ عمدًا عدوانًا نظرنا في القاعدة السابقة، إذا كان يُقتل به قطعنا يده وإلا فلا.
فإن قطع يده خطأ، مثل رجل قال لإنسان: امسك لي اللحم، وأتى بالسكين يقطع اللحم، فأخطأ وقطع أصبعًا من أصابعه أيش تقول في الجواب؟ ويش المثال اللي إحنا قلنا؟
طالب: إذا واحد قال له: امسك، وقطع ().
الشيخ: زين، لماذا؟ لأنه خطأ، فكما أن الجناية هذه لا تُوجب القود في النفس فلا تُوجب القود فيما دون النفس.
إذن عندنا قاعدتان () قطع به وإلا فلا، وإذا كانت الجناية توجب القصاص في النفس أوجبته في الطرف والجراح، وإلا فلا.
ما هو الطرف؟ الطرف هو الأعضاء والأجزاء من البدن، مثل اليد والرجل والعين والأنف والأذن والسن والذكر، وما أشبه ذلك، هذه يسمونها أطرافًا.
[ ١ / ٧٢٩١ ]
والجراح هي الشقوق في البدن، مثل: واحد جرح يد إنسان أو ساقه أو فخذه أو رأسه أو صدره أو ظهره وما أشبه ذلك.
لكن القصاص في الطرف يزيد على ما سبق في القصاص في النفس، يزيد أمورًا.
قال المؤلف: (وهو) أي: القصاص فيما دون النفس (نوعان: أحدهما في الطرف) والثاني: في الجراح، القصاص فيما دون النفس يكون في موضعين: الموضع الأول: في الأطراف، والموضع الثاني: في الجروح.
قال المؤلف مُبينًا الأطراف: (فتؤخذ العين والأنف والأذن والسن والجفن) إن غلطت نحويًّا قَوِّموني.
طالب: بالرفع.
الشيخ: الجفن بالرفع.
طالب: ().
الشيخ: عطفًا على من سبق؛ لأنه نائب فاعل.
(والجفن والشفة واليد والرجل والإصبع والكف والمرفق والذكر والخصية والألية والشفر كل واحدٍ من ذلك بمثله).
نبدأ نعود مرة ثانية: العين بماذا؟ بالعين، اليمنى باليمنى، واليسرى باليسرى، الأنف بالأنف، الأيمن بالأيمن والأيسر بالأيسر.
طلبة: ().
الشيخ: أهو واحد؟ ().
ولّا لا؟ يكون هذا عين وعين، لكن الأنف جميعًا ما فيه إلا واحدة.
الأذن بالأذن، اليمنى باليمنى، واليسرى باليسرى.
السن بالسن، الثنية بالثنية، والرباعية بالرباعية، والعليا بالعليا، والسفلى بالسفلى، كل واحد من ذلك بمثله لا بد من موافقة.
والجفن ما هو الجفن؟ هو غطاء العين، ما هو الحاجب، هذا الحاجب، الجفن غطاء العين، ولّا لا؟ نعم، هذا الجفن الحساس الذي إذا أقبل عليه شيء يؤذي العين انقفل تلقائيًّا، لم () وهذه من آيات الله ﷿، إن فيه هذا الإحساس الغريب، منين يدخل شيء على العين يبغي يؤذيها هو ينقفل، بدون أي إرادة منك، سبحان الحكيم العليم.
كم في الإنسان من جفن؟ أربعة فيؤخذ الأيمن بالأيمن والأعلى بالأعلى، وكذلك الأيسر.
(والشفة) الشفة هي حافة الفم، وهي عليا وسفلى، والشفة.
(واليد) بماذا؟ باليد، اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى، طيب اليد.
[ ١ / ٧٢٩٢ ]
يقول المؤلف: (والرجل) بالرجل اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى، (والإصبع) بالإصبع، الإبهام بالإبهام، والأيمن بالأيمن وكذلك البقية.
(والكف) بالكف، كيف الكف بالكف؟ ما هي باليد؟ نحمل كلام المؤلف الأول اليد على أن المراد باليد كلها من الكتف أو من المرفق، وأما الكف فهو منبت الأصابع، فيكون الكف بالكف واليمين باليمين واليسار باليسار.
قال: (والمرفق) بالمرفق، كيف المرفق؟ كيف المرفق بالمرفق؟ يعني يمكن يقطع المرفق وتبقى الزراع؟
طالب: ما يمكن.
الشيخ: أو لا؟
طالب: ().
الشيخ: () وتبقى الذراع.
طالب: ().
الشيخ: لا، يمكن أن تكون اليد مقطوعة من قبل مع المفصل، ولا انقطعت العضد، فإن لم تمكن هذه الصورة فإننا نقول: مراد المؤلف في قوله: (اليد) من الكتف، (والكف) من مفصل الذراع من الكف، والمرفق من مفصل الذراع من العضد.
وما أدري عن الأخ هل يعرف كوعه من كرسوعه؟
طالب: ماذا؟
الشيخ: كوعك من كرسوعك.
الطالب: ذاك اليوم قلت لك: نسيت.
الشيخ: ().
الطالب: ما يلي الإبهام كوع، وما يلي الخنصر الكرسوع.
الشيخ: والرسغ؟
الطالب: والرسغ فيما وسطه.
الشيخ: فيما وسطه.
قال المؤلف ﵀: (والذكر) بالذكر، (والخصية) بالخصية، اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى، (والألية) بالألية، اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى، (والشفر) بالشفر، الشفر هو اللحم المحيط بفرج المرأة، بمنزلة الشفتين للفم؛ يعني: حافتا فرج المرأة هما شفراه.
طالب: ().
الشيخ: لا، غير.
(والشفر) بالشفر، (كل واحدٍ من ذلك بمثله)، وأصل هذا قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥].
طالب: ().
الشيخ: إيه ممكن؛ لأن لها حد من الفخذ وعصبه وما يتعلق به.
[ ١ / ٧٢٩٣ ]
قال: (وللقصاص في الطرف شروط) الشروط هذه زائدة على ما سبق؛ لأن ما سبق كم؟
طالب: أربعة.
الشيخ: شروط القصاص أربعة ولّا لا؟ وتزيد هذه شروطًا، وهي: (الأول: الأمن من الحيف) والمراد بقول المؤلف: (الأمن من الحيف) يعني إمكان الاستيفاء بلا حيف، يعني بحيث يكون القطع من مفصل أو له حدٌّ ينتهي إليه كمارن الأنف، وهو ما لان منه، انتبه.
معنى (الأمن من الحيف) معناه إمكان الاستيفاء بلا حيف، يعني هذا الوصف شرطه لوجوب القصاص.
أما الأمن من الحيف فإنه شرطٌ لتنفيذ القصاص، وقد مر علينا أنه لو وجب القصاص في الطرف على حامل تُركت حتى تضع، مع أن الاستيفاء ممكن، لكن نظرًا إلى أنه يخشى أن يتعدى إلى غير الجاني يجب الانتظار.
المقصود هنا: إمكان الاستيفاء بلا حيف، وذلك بأن يكون القطع من مفصل، مثلًا في الأصبع من مفصل الأنملة في الكف من مفصل الرسغ، في الذراع من مفصل المرفق، في العضد من مفصل الكتف.
(أو له حدٌّ ينتهي إليه) وإن لم يكن مفصلًا (كمارن الأنف) المارن: ما لان من الأنف؛ لأن الأنف له قصبة من عظام، يليها المارن، وهو جامع لثلاثة أشياء: جامع للمنخرين والحاجز بينهما، هذا المارن، فلو أن أحدًا قطع شخصًا من حد اللين هذا، اقتُص منه، لماذا؟ لأنه يمكن الاستيفاء بلا حيف.
ولو أن رجلًا قطع يد رجل من مفصل اليد، من المفصل تمامًا، اقتُص منه؟
طالب: نعم.
الشيخ: مع بقية الشروط يُقتص منه.
لو قطعه من نصف الذراع، يقتص منه ولّا لا؟ لا يُقتص منه؛ لأن القطع ليس من مفصل.
وعلى هذا لو أراد أحدٌ من الجناة الفقهاء أن يقطع كف إنسان ولا يُقطع به؛ لكان بدل من أن يقطعه من مفصل الكف يتعدى قليلًا ويقطعه من نصف الذراع، يكون زاد في الجناية وسلم من القصاص.
[ ١ / ٧٢٩٤ ]
لأنه من الشروط أن يكون القطع من مفصل، وهذا ليس من مفصل، إذا لم يكن من مفصل مانع لا نأمن أن يحيد عند القصاص، ربما يزيد أو ينقص، وقد يكون كسر ما هو مستقيم، داخل بعضه في بعض العظام، فلا يتمكن، بخلاف المفصل إطلاقًا، هذا ما ذهب إليه المؤلف.
ويحتمل أن نقول: يُقتص من المفصل الذي دونه، ويُؤخذ منه أرش الزائد، كما سيأتينا في الجراح على المذهب، في الجراح سيأتينا -إن شاء الله- أنه إذا جرحه جرحًا أكثر من الموضحة فله أن يقتص منه موضحة، وله أرش الزائد، لكن -إن شاء الله- سيأتينا فيما بعد.
لكن هنا نقول: اقتص مما يمكن الاقتصاص منه، وهو منين؟ من مفصل الكف، ويؤخذ منك أرش الزائد، والأرش هو ما يُسمى في باب الديات بالحكومة، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- لها باب () معين، هذا إذا لم يمكن القصاص من مكان القطع، فإن أمكن القصاص () القطع، اقتص منه؛ لأن الله ﷿ يقول: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، وكلما أمكن القصاص وجب.
فإذا وُجد أطباء حذاق، وقالوا: نحن يمكن أن نطبق هذه الجناية بالشعرة، أو بما دونها، بحيث نقتص من الجاني ولا نزيد أبدًا، فما المانع من القصاص؟ ليس هناك مانع، بل لو قال المجني عليه: أنا أتنازل، هو قطع يدي من نصف الذراع، أنا أقطعها من ثلثي الذراع، وأتنازل عن الزائد، ويش المانع؟ هذا رجل تنازل عن بعض حقه ليقتص من هذا الظالم المعتدي.
فعندنا الآن ثلاثة احتمالات خلاف كلام المؤلف: إما أن يُقتص من المفصل الذي دون القطع ويأخذ أرش الزائد، وإما أن يُقتص من مكان الفصل إذا أمكن وهذا حقه، وإما أن يُقتص من دون محل القطع وفوق المفصل ويسقط المجني عليه الزائد، وهو حقه.
وإما أن نقول: إذا قطعت من نصف الكف قطعنا كفك، وإذا تجاوزت قليلًا أبقينا كفك، فهذا شيء بعيد.
فالصواب إذن أن نقول: إن أمكن القصاص تمامًا بدون حيف وجب، وإن لم يمكن فلنا طريقان: ما هما؟
[ ١ / ٧٢٩٥ ]
إما أن نقتص من الكف، ويأخذ أرش الزائد، وإما أن يُقتص من فوق الكف ودون القطع ويسقط الزائد إذا أحب.
أما على رأي المؤلف، ماذا نعمل إذا كان القطع من غير مفصل؟ لا قصاص، وله الدية، وهي بالنسبة لليد نصف الدية، مفهوم هذا؟
طالب: ().
الشيخ: سيأتينا إن شاء الله، إرادة الجناية مضمونة، وإرادة القصاص غير مضمونة، سيأتينا إن شاء الله ().
() الشرط الأول: الأمن من الحيف، ومعناه: إمكان الاستيفاء بلا حيف، متى يمكن الاستيفاء بلا حيف؟ ().
أن يكون القطع من مفصل أو حد ينتهي إليه كمارن الأنف، وهو ما لان منه.
هل يمكن القصاص من السن إذا ذهب بعضه؟ نعم، يمكن بالبَرْد، بأن يبرد سن الجاني حتى نصل إلى الغاية، يبرد بمبرد.
وهل نأخذ منه بالمقدار ولّا بالنسبة؟
طلبة: بالنسبة.
الشيخ: ولا بالمقدار؟ بالنسبة، نقول: بالنسبة لا بالمقدار؛ لأنه ربما يكون سن الجاني صغيرًا وسن المجني عليه كبيرًا، فإذا أخذنا بالمقدار فنصف سن المجني عليه يبلغ سن الجاني كاملًا ولّا لا؟
إذا قال: أنا أبغي أشوف () سنه على قدرها () من سنه على قدرها أيش ()؟
كما أن الأمر بالعكس لو كان سن المجني عليه صغيرًا، () يلّا اقطعوا هذا () المجني عليه، ضعوها على سني وعلموا علامة وخذوا على قدرها، يمكن؟ هو يمكن، لكن ما هو بشرط، نقول: نأخذ بالنسبة إذا كان هذا الجزء من سن المجني عليه () أخذ من سنه النصف، حتى ().
كما أن الكف أيضًا () كف الجاني، يمكن تكون كف الجاني كبر كف المجني عليه مرتين ولّا لا؟ أو أكثر، يمكن تكون أكثر؟ يمكن، هذا واحد جاء إلى طفل صغير بالمهد () مسك يده صغيرة () مسك يده فقطعها، نقطع يد الكبير ولّا ما نقطعها؟ نقطعها، أيهما أكبر؟ ضعوه في الميزان، فرق عظيم.
المهم إذن القصاص يكون بماذا؟ بالنسبة، لا بالمقدار.
طالب: ().
[ ١ / ٧٢٩٦ ]
الشيخ: ما يجوز، نقول: أنت الذي فعلت، لكن الآن الحمد لله نبنجه، هذه المسألة تحتاج إلى بحث، هل يجوز أن نبنج الجاني حتى لا يتألم ولّا ما يجوز؟ لا، ما يجوز نبنجه؛ لأننا لو بنجناه ما تم القصاص، ولّا لا؟ بل نأخذ منه بدون تبنيج.
أما إذا كان حدًّا لله مثل السرقة وقطع الأيدي والأرجل من خلاف لقطاع الطريق، فهذا يجوز أن نبنجه يجوز؛ لأن المقصود إتلاف هذا العضو، لا تعذيبه.
وهل يجوز ما ذكر أظن العام في بعض الصحف أننا إذا قطعنا يد السارق لزقناه مرة ثانية؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: ولّا ما يجوز؟
الطلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، ما فيها شك، السبب () المقصود الألم، المقصود إتلاف هذا العضو الذي حصلت به السرقة ولا لو كان مقصود الألم () فليس المقصود من قطع يد السارق أن نؤلمه بالقطع، بل المقصود أن نتلف هذه اليد، واضح؟
وأما ما ذكر فيما أثير حول هذه المسألة وكل مبني على غير أساس وعلى غير قاعدة، وإلا من نظر إلى مقاصد الشرع وجد أن المقصود إتلاف العضو وإبقاء هذا الجاني شهرة بين الناس.
كما قال تعالى في الذين عوقبوا: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٦٦].
طالب: ().
الشيخ: إي نعم، حتى العلماء -﵏- قالوا: لو أنه قطع أذنه ثم أعادها وهي حارة قُطعت أيضًا، إذا أعادها وهي حارة يمكن أن تلتصق، يمكن.
وأما الجرح فأنا جربت بنفسي الجرح، إذا انجرحت بسكين ولّا شيء فأنت على طول لزقُهُ واضغط عليه وخلاص، يَلْزق، ما عاد يطلع منه دم ولا ()، بس بشرط إنك تمسكه وهو حار، ما تخليه ينزف، على طول لو أمسكته هكذا بقوة وبقيت مدة ما عاد () إطلاقًا.
طالب: ().
الشيخ: النسبة، كل القصاص المعتبر النسبة ما نعتبر المساحة؛ لأن ().
طالب: ().
الشيخ: إي، يحتمل؛ لأننا أمرنا بالقصاص، ما يمكن نقتص ()؛ لأن فيه جناية زائدة على القصاص.
[ ١ / ٧٢٩٧ ]
ولهذا قلت أنا قبل قليل: إذا أمكن القصاص؛ لأن تقدم الطب الآن، ويمكن أن يحدد موضع القطع تمامًا بأقل من الشعرة، فلما تقدم الطب يمكن القصاص الآن، فإذا أمكن القصاص وجب.
***
يقول المؤلف ﵀: (الثاني: المماثلة في الاسم والموضع) الممثالة في الاسم: بأن تكون يدًا بيد
أي بأن تكون المقطوعة يدًا أو المأخوذة يدًا بيد، هذا الاسم.
الموضع: يمين بيمين، خنصر بخنصر، هذا إيش؟ هو اسم ولّا موضع؟ اسم.
يمين بيمين، هذا موضع، أنملة وسطى بأنملة وسطى.
الطلبة: اسم وموضع.
الشيخ: لا، هذا اسم.
من أي الأصابع خنصر بنصر، يمين يسار، لا بد أن ().
يقول المؤلف: (فلا تؤخذ يمين بيسار، ولا يسار بيمين، ولا خنصر ببنصر، ولا أصلي بزائد) هذا ويش هو أصلي بزائد؟ اسم ولّا موضع؟
طالب: موضع.
طالب آخر: اسم.
الشيخ: لا، الظاهر موضع، وكلهم من أصله، وكلهم باليد اليمنى.
(وعكسه) يؤخذ.
طالب: ولا عكسه.
الشيخ: ولا عكسه؟ والسبب؟
طالب: ().
الشيخ: اختلفت، لكن في الموضع، ولهذا أنا عندي (وعكسه) لكن غلط، (ولا عكسه).
طالب: ().
الشيخ: ولا عكسه؛ يعني: ولا يؤخذ عكسه.
(ولا عكسه ولو تراضيًا؛ لم يجز) لو قال المجني عليه: هذا الرجل أخذ خنصر أصلي، وعنده خنصر زائد، وقال: أنا بأخذ منك الخنصر الزائد، ووافق، يجوز ولّا لا؟ ما يجوز، لماذا؟ لعدم المماثلة في الاسم أو في الموضع؟
طلبة: في الموضع.
الشيخ: الاسم () لكن في الموضع.
ويؤخذ من كلام المؤلف أنه لا يجوز لأحد أن يتبرع بشيء من أجزائه؛ لأن الحق في ذلك لمن؟ لله ﷿، فلا يجوز أن تتبرع لأحد بأي شيء، لا بعين، ولا بأذن، ولا بأصبع، ولا بكِلْيَة، ولا بشيء؛ لأن الحق لمن؟ الحق لله ﷿، فلا يجوز لك أن تتبرع بشيء من بدنك.
ولا بدم؟
طالب: الدم يتعوض.
الشيخ: الدم يتعوض، مثل اللبن في ثدي الأم، فإنه يتعوض ويأتي بدله، وأما ما لا يتعوض فلا يجوز.
لكن لو قال قائل: اليد يمكن تنبت.
طلبة: ().
[ ١ / ٧٢٩٨ ]
الشيخ: لا، ما يمكن ().
***
(وإذا قطع أصبعًا عمدًا فعفا عنها ثم سرت إلى الكف أو النفس، وكان العفو على غير شيء؛ فهدر، وإن كان العفو على مال فله تمام الدية).
المذهب أن له تمام الدية مطلقًا؛ لأنهم يقولون: هذا عضو، ما هو جرح. بخلاف الجروح، فعلى هذا إحنا قررنا ذاك اليوم أنها هدر.
والمذهب أن له المال، أن له تمام الدية، سواء عفا على مال أو على غير مال.
لكن حتى على ما مشى عليه المؤلف فهو أصح، ما مشى عليه المؤلف، إذا كان على مال فله تمام الدية، وإذا كان مجانًا فليس له شيء.
لكن المهم بيان المذهب، وإن شاء الله تعالى إذا أعدتم الشريط تمسحون ما ذكرناه سابقًا ().
() ذكرنا فيما سبق () أنه يؤخذ من ذلك أنه لا يجوز لأحد أن يتبرع لأحد بشيء من أعضائه، وقد نص على ذلك الفقهاء ﵏ في كتاب الجنائز.
قالوا: لا يجوز للميت أن يتبرع لأحد بشيء من أعضائه، ولو أوصى به لم تُنفذ وصيته، حتى بعد الموت لو أوصى به ما تُنفذ؛ لأن بدنك أمانة عندك، ما يجوز أن تتحكم فيه.
طالب: ().
الشيخ: إذا تحدثوا عرفنا كيف نجيب، إذا ما تحدثوا ما ندري عنه.
على كل حال حتى لو تحدث من تحدث المسألة هذه مسألة اجتهادية، والمرجع فيها إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
ذكرنا لكم فيما سبق أن أقوى ما يعتمد عليه المجيزون أن ذلك من باب الإيثار، وقلنا: هذا بعيد عن الإيثار؛ لأن الإيثار أن تؤثر غيرك بشيء لم يكن فيك () لا بأس، لكن شيء من نفسك لا يمكن؛ لأنه عاد ما هنالك في باب الإيثار أنك آثرته بنفع شيء خارج، أما أن تؤثره بإعطائه شيء تنقصه من بدنك فلا.
طالب: ().
الشيخ: () يعني أكثر ما رأيت الشافعية والحنابلة وغيرهم –مثلًا- اختلفوا فيما لو أن حيًّا اضطر إلى أكل ميت، هل يأكل منه؟
طلبة: لا يجوز.
[ ١ / ٧٢٩٩ ]
الشيخ: المذهب: ما يأكل، لو يموت ما يأكل من الميت؛ لأن الرسول ﷺ يقول: «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا» (١) الحديث صحيح.
لكن الشافعية قالوا: إنه يأكل منه؛ لأن حرمة الحي أعظم من حرمة الميت، وهذا قد يكون له وجه.
(الثالث: استواؤهما في الصحة والكمال) انتبه لهذه العبارة (استواؤهما في الصحة والكمال) والمراد ().
***
وآله وصحبه أجمعين، قال المؤلف ﵀: (الثالث) يعني من شروط القصاص في الطرف، وأظن سبق لنا شرطان: الأول ().
فلا يجوز إهدار احترامه ولو تراضيا عليه، واضح؟
(الثالث: استواؤهما في الصحة والكمال) والمراد بذلك ألا يكون طرف الجاني أكمل من طرف المجني عليه، هذا المراد بالاستواء، وعلى هذا فلا يخلو من ثلاث حالات: إما أن يكون طرف الجاني أكمل، أو طرف المجني عليه أكمل، أو يكونا سواء، كذا؟
إذا كانا سواء مثل أن يكون ().
التي بقيت () ليس فيها عيب، ومعنى ذلك أنه إذا كان طرف الجاني أكمل فإنها لا تؤخذ بطرف المجني عليه، فالمجني عليه يده شلاء، ما تتحرك؛ يعني: فيها شلل، ويد الجاني سليمة، تتحرك، فإنه لا يجوز أن نأخذ يد الجاني بيد المجني عليه، لماذا؟ قالوا: لتفاوت ما بين اليدين، هذه معطلة المنفعة، التي يد من؟
طلبة: المجني عليه.
الشيخ: المجني عليه؛ ويد الجاني ثابتة المنفعة، سليمة، فلم تستويا، وحينئذٍ لا يأخذ القصاص.
فلا تُؤْخَذُ صحيحةٌ بشَلَّاءَ، ولا كاملةُ الأصابعِ بناقصةٍ، ولا عينٌ صحيحةٌ بعائِمَةٍ، ويُؤْخَذُ عَكْسُه، ولا أَرْشَ.
(فصلٌ)
[ ١ / ٧٣٠٠ ]
النوعُ الثاني (الْجِراحُ) فيُقْتَصُّ في كلِّ جُرْحٍ يَنْتَهِي إلى عَظْمٍ، كالموضِّحَةِ وجُرْحِ العَضُدِ والساقِ والفَخِذِ والقَدَمِ، ولا يُقْتَصُّ في غيرِ ذلك من الشِّجاجِ والْجُروحِ غيرِ كسْرِ سِنٍّ، إلا أن يكونَ أعظَمَ مِن الموضِّحَةِ، كالهاشِمَةِ والْمُنَقِّلَةِ والْمَأمومةِ فله أن يَقْتَصَّ مُوَضِّحَةً، وله أَرْشُ الزائدِ، وإذا قَطَعَ جماعةٌ طَرْفًا أو جَرَحُوا جُرْحًا يُوجِبُ الْقَوَدَ فعليهم الْقَوَدُ، وسرايةُ الجِنايةِ مَضمونةٌ في النفْسِ فما دونَها، وسِرايةُ الْقَوَدِ مَهدورةٌ، ولا يُقْتَصُّ من عُضْوٍ وجُرْحٍ قبلَ بُرْئِه كما لا تُطْلَبُ له ديةٌ.
فإنه لا يجوز أن نأخذ يد الجاني بيد المجني عليه، لماذا؟ قالوا: لتفاوت ما بين اليدين؛ هذه معطلة المنفعة، التي هي يد من؟
طالب: المجني عليه.
الشيخ: يد من؟
طلبة: الجاني.
الشيخ: لا، المجني عليها، ويد الجاني ثابتة المنفعة، سليمة، فلم تستويا، وحينئذٍ لا يثبت القصاص؛ لأن يد الجاني أكمل، وهذا هو الذي عليه جمهور أهل العلم، ومنهم المذاهب الأربعة، وحكاه بعضهم إجماعًا.
وقال داود الظاهري: إنها تؤخذ اليد الصحيحة بالشلاء؛ لعموم الآية ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، فالآية عامة، وقول النبي ﵊ لأنس بن النضر: «كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ» (١).
وقوله: يد الجاني أكمل، نقول: إن الجاني هو الذي أراد ذلك لنفسه، وهو الذي جنى على نفسه في الواقع؛ لأنه فعل سببًا يقتضي قطع يده، فيكون هو المتسبب، وعلى نفسها جنت براقش، فعلى هذا تؤخذ اليد الصحيحة باليد الشلاء.
قال: وكما أننا نقتل الرجل العاقل الشاب الجلد بالرجل الأشل الكبير السن المجنون، فهكذا هذه اليد نأخذها باليد الشلاء، عرفتم ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
[ ١ / ٧٣٠١ ]
الشيخ: فهو يقول: أنا عندي على ما قلت دليل أثري ونظري، الدليل الأثري؟
طالب: عموم النصوص.
الشيخ: عموم النصوص الدالة على أنه قاصد، فهاتوا لي نصًّا يستثني ذلك.
الثاني القياس -وإن كان داود الظاهري ما يقول به- لكن القياس أنتم تقولون: لو أن رجلًا شابًّا جلدًا عاقلًا عالمًا غنيًّا شجاعًا؛ جميع صفات الكمال البشرية موجودة فيه ما عدا النبوة والرسالة، قتل شيخًا كبيرًا أصم أعمى مجنونًا وزمنًا معيبًا مجروحًا، يُقتل به ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يُقتل به، فبينهما فرق ولَّا لا؟ الفرق بينهما أكبر من الفرق بين اليد السليمة والشلاء، لو كان () عبدًا على ذلك ()، كم يساوي؟ يمكن ()، وهذا يساوي؟
طالب: ().
الشيخ: ()، المهم أن قياسه جيد، لكن أولئك يقولون: إن اليد الشلاء بمنزلة البدن الميت؛ لأن منفعتها مفقودة نهائيًّا؛ لا تتحرك، ولا تحس بلامس، ولا شيء أبدًا، فهي كالبدن الميت تمامًا، ومن المعلوم لو أن رجلًا حيًّا ذبح ميتًا يُقتل به ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا يُقتل به، فهم يقولون: إن القياس منتقضٌ بهذا، فهي بمنزلة الميت، وحينئذٍ لا قياس.
ثم نأتي للعموم الذي استدل به ونقول: صحيح أن العموم يقتضي أن تؤخذ الصحيحة بالشلاء؛ لعدم التفصيل وعدم التقييد، وإذا لم يكن تفصيل ولا تقييد بقي العموم على ظاهره، لكنهم يقولون: إن كلمة القصاص تعني أنه لا بد من أن يكون هناك مماثلة بين الجزء المقتص منه والمقتص له، وإلا لم يتحقق القصاص. هذا هو رأي الجمهور. والمسألة تحتاج إلى بحث؛ لأن دليل داود قوي جدًّا، وهو العموم.
على كل حال بينا رأي جمهور أهل العلم على أن الصحيحة لا تؤخذ بالشلاء، سواء كانت يدًا أم رجلًا أم أصبعًا، حتى لو كان الأصبع صحيحًا، وقطع أصبع يد رَجُلٍ شلاء فإنه؟
طالب: لا تقطع.
الشيخ: لا تؤخذ أصله.
قال المؤلف: (فلا تؤخذ صحيحة بشلاء، ولا كاملة الأصابع بناقصة).
[ ١ / ٧٣٠٢ ]
الجاني يده كاملة الأصابع؛ خمسة، والمجني عليه أصابعه أربعة، فإننا لا نأخذ يد الجاني بيد المجني عليه؛ لأن أصابع المجني عليه ناقصة، فلا يتم القصاص.
وظاهر كلام المؤلف سواء كانت ناقصة بأصل الخلقة أم نقصًا طارئًا، (بأصل الخلقة) يعني: من الأصل خلقه الله ما له إلا أربعة، و(طارئًا) كما لو قطعت أصبعه.
وهذه المسألة أضعف من المسألة السابقة؛ وذلك لأن أصابع اليد الناقصة الأصابع فيها منفعة، ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: فيها حركة، فيها إحساس، صحيح أنها ما هي كاملة المنفعة، كما أنه لو أن أحدًا قتل شخصًا مقطع الأربع، ويش معنى مقطع الأربع؟ يعني: قد قطعت يداه ورجلاه، فإنه يقتل الجاني ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لو له أربع قوائم؟ ولو كان له أربع قوائم، فهذه مثلها، والقول بأنه يقتص من كاملة الأصابع بالناقصة أقوى من الأول؛ لأن الشلل تعطل المنفعة بالكلية، أما هذا فإنه نقص، وأي الأصابع أعظم منفعة؟
طالب: الإبهام.
الشيخ: الإبهام.
طالب: السبابة.
الشيخ: لا، الإبهام؛ ولهذا الإبهام يقول () أنا أقابلهم، وخلقه الله ﷿ مقابلًا للأربعة، وجعله الله تعالى () فقط، وجعله الله ضخمًا علشان الثنتين أقوى من الثلاث، الثلاث ()، وأيضًا هو أتخن؛ ولذلك الأنملة من الإبهام فيها خمس من الإبل؛ خمسة ()، والأنملة من غيره فيها ثلاثة () واللي غيره على ثلاث مفاصل، إي نعم ().
يقول: (ولا عين صحيحة بقائمة) هذا صحيح، (عين صحيحة بقائمة) العين القائمة هي التي بقيت على حالتها لكنها لا تبصر، والصحيحة هي التي تبصر، فالقائمة هي التي بقيت صورتها كما هي بحيث من رآها يظن أنها تبصر وهي لا تبصر، وأما الصحيحة ()، فإذا كانت عين الجاني صحيحة وعين المجني عليه قائمة فلا قصاص؛ لأن القائمة لا فائدة منها.
[ ١ / ٧٣٠٣ ]
وقد يقول قائل: لعل هذا الحكم يختلف في هذا الزمن؛ لأن العين القائمة يمكن أن يُجرى لها جراحة، ويُركَّب لها قرنية، وتكون صحيحة، فهو قد أتلف شيئًا يرجى دواؤه، هذا إذا قال الأطباء: إنه يمكن لمثل هذه العين أن يجرى لها عملية وتبصر، أما إذا كان الخلل في أعصاب العين فإن الغالب أنها لا تنفع فيها العملية.
طالب: ()؟
الشيخ: لا فرق.
الطالب: ()؟
الشيخ: لا، إذا عمل عملية صارت تبصر.
الطالب: ()؟
الشيخ: نعم ما يضر؛ ولهذا تؤخذ عين الرجل القوي النظر بعين الأعمش الذي لا يبصر إلا ليلًا، ما دام فيها منفعة فهي تؤخذ. قال: (ولا عين صحيحة بقائمة).
قال: (ويؤخذ عكسه) ويش عكسه؟ تؤخذ الشلاء بالصحيحة، وتؤخذ ناقصة الأصابع بكاملتها، وتؤخذ العين القائمة بالعين الصحيحة، لكن بشرط رِضَا من له الحق.
قال المؤلف: (ولا أرش) ويش معنى () أرش؟ يعني بمعنى: أننا لا نعطي المجني عليه الفرق بين الصحيح والأشل، وبين الزائد والناقص، وبين القائم والمبصر، ما نعطيه الفرق، لماذا؟ يقولون: لأن المأخوذ قصاصًا كالمتلف جناية من حيث الخلقة، لكنهما اختلفا في المنفعة؛ فلذلك لا نعتبر ذلك اختلافًا، فلا أرش له.
طالب: ()؟
الشيخ: هذا ذكرناه من قبل.
الطالب: ()؟
الشيخ: إي؛ لأن الحق له يقولون ().
هل تؤخذ أذن السليم بأذن الأصم؟ تؤخذ الأذن السليمة بأذن الأصم، يقولون: لأن السمع في الدماغ وليس في الأذن؛ ولذلك لو قطعت أذن الإنسان بقي سميعًا ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: بقي سميعًا، وكذلك يؤخذ أنف الصحيح بالأنف الذي لا يشم؛ واحد قطع أنف إنسان ما يشم، والجاني يشم، حتى إنه إذا مر بالسوق قال: الجماعة دولي غداهم كذا وكذا، وعشاهم كذا وكذا؛ من شدة شمه، نقطعه ولَّا ما نقطعه؟
طالب: نعم.
طالب آخر: نقطعه.
الشيخ: نقطعه؛ لأن الشم حاسة في الدماغ وليس هو في الأنف؛ ولهذا مقطوع الأنف يشم.
ما رأيكم هل تؤخذ الأذن السليمة بالأذن الشلاء؟
طالب: ما تؤخذ.
[ ١ / ٧٣٠٤ ]
طالب آخر: ما فيه أذن شلَّاء.
الشيخ: فيه أذن شلَّاء، لكن ما ().
طالب: ما تسمع؟
الشيخ: لا، تسمع، لكن -مثلًا- الأذن هذه ما فيها إحساس.
طلبة: تؤخذ.
الشيخ: تؤخذ، ليش؟ لأن الصورة واحدة، لكن الحقيقة أن الشلاء ناقصة؛ لأنه لو مشى عليها ذرة أو شيء من التراب صغيرة تحس ولَّا لا؟
طلبة: ما تحس.
الشيخ: ما تحس، وأذن الجاني تحس، لكن لا عبرة بذلك، العبرة بالصورة.
طالب: ويش الفرق بينها وبين اليد؟
الشيخ: اليد؛ لأنها تتحرك، الأذن ما تتحرك، اليد تأكل وتقبض وتبسط.
طالب: ().
الشيخ: تحس، لكن ما تتحرك، تقدر تحرك أذنك؟
طالب: ().
الشيخ: نعم قليل ()، مثلما تحرك ()، لكن هذا قليل جدًّا () أحد منكم يجرب، يمكن عبد الرحمن يجرب.
طالب: ().
الشيخ: ().
طالب: ().
الشيخ: () النوع الثاني.
طالب: ().
الشيخ: إي نعم، كما سمعت يقولون: لأن العضويين لم يختلفا صورة، بخلاف الموضحة مع الهاشمة، ولكن الظاهر أن المسألة فيها خلاف؛ لأن نفيه () يدل أن فيه خلافًا.
الجراح النوع الثاني منين؟ من القصاص فيما دون النفس، ويجب أن نتذكر القاعدتين السابقتين في أول الباب؛ وهما:
من أقيد بأحد في النفس أقيد به في الجراح، ومن لا فلا.
الثانية: إذا كانت الجناية موجبة للقصاص في النفس صارت موجبة للقصاص في الجراح، وإلا فلا.
وعلى هذا فالجرح خطأً لا قصاص فيه، وجرح المسلمِ الكافرَ لا قصاص فيه، وجرح الوالدِ الولدَ -على المذهب- لا قصاص فيه أيضًا.
[ ١ / ٧٣٠٥ ]
(فيُقْتَص في كل جرح ينتهي إلى عظم) هذه قاعدة القصاص في الجروح، فإن كان لا ينتهي إلى عظم فلا قصاص؛ وذلك لأن الذي ينتهي إلى عظم يمكن الاستيفاء منه بلا حيف؛ لأنك ستأخذ اللحم إلى أن تصل إلى العظم، وأما الذي لا ينتهي إلى عظم فلا يمكن، إلى أين ()؟ فلا يمكن القصاص منه، إذن هو مبني على ما سبق؛ وهو إمكان الاستيفاء بلا حيف، فإذا كان الجرح ينتهي إلى عظم أمكن الاستيفاء منه، وإذا كان لا ينتهي إلى عظم لم يمكن الاستيفاء منه.
مثاله يقول المؤلف ﵀: (إلى عظم كالموضحة) الموضحة هي التي تُوضِح العظم في الرأس والوجه خاصةً، هذا ما تقتضيه اللغة العربية، العرب إذا قالوا: موضحة، فإنما يعنون بها الجرح اللي في الرأس واللي في الوجه فقط، الجرح في الصدر لو بَيَّن العظم ما يسموه موضحة، لكن الجرح اللي في الرأس أو في الوجه يسمى موضحة إذا بَيَّن العظم.
فإذا جنى شخص على آخر عمدًا وكشط جلد رأسه ولحمه حتى وصل إلى العظم، نقتص منه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لأنه جرحٌ ينتهي إلى عظم، والاعتبار بالمساحة لا بالكثافة، ويش معنى الكثافة؟ يعني: مساحة الجرح لا كثافة عمقه؛ لأن بعض الناس يكون سمينًا، وتكون طبقات اللحم فوق العظم أكثر، وبعض الناس بالعكس، هذا لا عبرة به، العبرة بالمساحة، فيؤخذ من الجاني بمثل ما أخذ من المجني عليه.
وهل يؤخذ بالنسبة أو بالقدْر؟ الظاهر أننا نأخذ بالنسبة، فإذا أوضح ربع رأسه نوضح ربع رأسه، وهكذا. (كالموضحة)
قال: (وجرح العضد والساق والفخذ والقدم) ويش الدليل؟
قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، فيُقْتَص من كل جرح بمثله، نشوف المثال اللي ذكرناها لكم.
(جرح العضد) أين العضد؟ هو العظم الذي بين الكتف والمرفق.
(الساق) -جرح العضد والساق- العظم بين الركبة والقدم.
(والفخذ) العظم الذي بين الورك والركبة.
(والقدم)؟
طالب: العظم ما بين الكعبين ..
الشيخ: العظم ما بين الكعبين.
الطالب: إلى الأصابع.
[ ١ / ٧٣٠٦ ]
الشيخ: إلى الأصابع، إذن ما () هل ينتهي إلى عظم؟ الجروح في هذه المواضع تنتهي إلى عظم ولَّا لا؟ تنتهي إلى عظم.
طيب الصدر؟
طالب: ينتهي.
الشيخ: ينتهي إلى عظم إذا كان على الضلوع، أما إذا كان فيما بينهما فهو ما ينتهي إلى عظم، فإذا كان على الضلع نفسه فإنه ينتهي إلى عظم.
الرقبة؟
طالب: تنتهي ولا ..
الشيخ: تنتهي ولا تنتهي؛ في مكان تنتهي إلى عظم، وفي مكان لا تنتهي إلى عظم، فالقاعدة إذن كل جرح ينتهي إلى عظم ففيه القصاص.
طالب: الذراع؟
الشيخ: الذراع كذلك تنتهي إلى عظم.
طالب: يقولون: الذراع يشمل المرفق؟
الشيخ: لا، ما يشمل، لكن المؤلف ما مثل به؛ لقوله تعالى: ﴿الْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾.
طالب: ()؟
الشيخ: والذي ينتهي إلى عظم ().
قال: (ولا يقتص في غير ذلك من الشجاج والجروح، غير كسر سن).
المؤلف يقول في الأول: (الثاني الجراح)، ثم قال: (من الشجاج والجروح) ويش اللي جاب (من الشجاج)؟ الشجاج من الجراح، والجروح هنا ما سوى الشجاج، و(الشجاج) جمع شجة؛ وهي جرح الرأس والوجه خاصة، هذه الشجة تكون في الرأس وفي الوجه، ففي الجبهة شجة، في الرأس شجة، في الرقبة جرح أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: وهكذا بقية البدن، ما عدا الرأس والوجه فهو جروح، وأما الرأس والوجه فهو شجاج.
(في غير ذلك من الشجاج) ويش غير ذلك من الشجاج؟ الشجاج سيأتينا -إن شاء الله تعالى- أنها عشرة أنواع عند العرب؛ ما قبل الموضحة ليس فيه قصاص إطلاقًا؛ ما قبل الموضحة مثل الدامية والبازلة، هذه ما فيها قصاص، وما بعد الموضحة يقول المؤلف: (إلا أن يكون أعظم من الموضحة) فيمكن القصاص منه موضحة، وله أرش الزائد.
الهاشمة فيها قصاص؟
طالب: لا.
الشيخ: ما فيها قصاص؟
الطالب: ما فيها.
الشيخ: الهاشمة ما فيها قصاص، ويش الهاشمة؟ الجرح الذي يبرز العظم ويهشمه، لإبرازه العظم نسميه موضحة، لكن لما هشمه () يسمى هاشمة.
[ ١ / ٧٣٠٧ ]
المنقِّلة هي التي توضح العظم وتهشمه وتنقله تدخله جوَّه؛ لأنك لما كسرت () العظم دخل، الهشم تهشمه ويبقى في محله، لكن النقل أن تنقل جزءًا من العظم يدخل داخل، هذه يسمونها منقِّلة.
واحد ضرب رأس إنسان انجرح الرأس، () العظم ينهش ()؟
الطالب: ().
الشيخ: () هذه تسمى هاشمة. الهاشمة فيها قصاص؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ما فيها قصاص، المنقلة اللي تنقل العظم () ما فيها قصاص.
قال: وكذلك أيضًا (والمأمومة) المأمومة أيضًا التي تصل إلى أم الدماغ، يضربه انجرح، بان العظم، انهشم، انتقل العظم، فبَيَّن الدماغ، وصل الآن الجرح إلى أم الدماغ، هل يُقْتَص من الجاني مأمومة ولَّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: ما يُقْتَص؛ لأن المأمومة لا يمكن الاستيفاء فيها بدون حيف؛ فلهذا لا يُقْتَص منه، والغالب أن الذي يصل إلى هذه الحال؟
طلبة: يموت.
الشيخ: أنه يموت، وإذا مات قُتِل الجاني وانقضى كل شيء؛ لأنه متعمد.
طالب: ().
الشيخ: (ولا يقتص في غير ذلك من الشجاج والجروح، غيرَ كسر سن) لو كسر سنًّا فإننا نقتص منه، كيف نقتص إذا كسر سنًّا؟
نجيب -مثلًا- () الجاني، وإذا أردنا أن نحدد () نحكه بالمبرد، حتى نتحقق القصاص، ويكون بالنسبة ولَّا بالقدر؟
طلبة: بالنسبة.
الشيخ: بالنسبة لا بالقدر؛ لأن سن الجاني قد يكون كبر سن المجني عليه مرتين، فإذا كسر نصف سن المجني عليه، وقلنا: العبرة بالقدر كم نأخذ من سن الجاني؟ الربع، لكن إذا قلنا: العبرة بالنسبة أخذنا منه النصف الذي يساوي كبر سن المجني عليه كله؛ لأن سن الجاني كبير، ولَّا لا؟
إذن كسر السن فيه قصاص، هذا ما ذهب إليه المؤلف أنه لا قصاص في الجروح إلا في حالين؛ في كل جرح ينتهي إلى عظم، ويش بعد؟ وفي السن.
والحالة الثالثة: فيها قصاص وأرش إلا أن يكون الجرح أعظم من الموضحة -كالهاشمة، والمنقلة، والمأمومة- فله أن يقتص موضحة، وله أرش الزائد.
[ ١ / ٧٣٠٨ ]
إذن ما فيه قصاص في الجروح إلا في ثلاثة مواضع؛ الموضع الأول: الموضحة، والثاني: السن، والثالث: ما كان أعظم من الموضحة، فيقتص موضحة، ما يقتص أعظم، يقتص موضحة، وله أرش الزائد. هذا ما ذهب إليه المؤلف.
والصحيح أنه يقتص من كل جرح؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾، وفيها قراءتان: ﴿الْجُرُوحُ قِصَاصٌ﴾ ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾، فهذه الآية عامة، فمتى أمكن القصاص من جرح وجب إجراء القصاص فيه، ولنا في كلام ربنا، وعلى هذا -فكما قال الأخ- إذا قال الأطباء: نحن الآن نقتص بالسنتي أو بالشعر بدون حيف، نقتص منه ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نقتص منه، فلو أن رجلًا شق بطن رجل () نقتص منه ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: المذهب لا يُقْتَص منه، والصحيح أنه يُقْتَص منه، والله أعلم.
قال المؤلف ﵀ ﷿: (وإذا قطع جماعة طرفًا) قلنا: إن الطرف معناه أيش؟ العضو.
(أو جرحوا جرحًا يوجب القود فعليهم القود) إذا قطعوا طرفًا كيف ذلك؟ يأتون بسكين ويتحاملون عليها جميعًا حتى ينقطع العضو، هؤلاء اشتركوا.
الدليل عموم قول الله تعالى: ﴿وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، وقياسًا على ما إذا اشتركوا في قتله، فإنه إذا وجب القصاص عليهم جميعًا فيما إذا اشتركوا في القتل، فلأن يجب القصاص عليهم جميعًا فيما إذا اشتركوا في قطع عضو من باب أولى؛ لأن النفس أعظم حرمة، والقصاص في الأطراف مبني على القصاص في النفوس.
[ ١ / ٧٣٠٩ ]
كذلك لو جرحوا جرحًا يوجب القود، والجرح الذي يوجب القود على المذهب كلُّ جرح ينتهي إلى عظم، فإذا جرحوا جرحًا يوجب القود فعليهم القود، إذا كانوا عشرة كم لكل واحد من رأس؟ لكل واحد رأس الواحد، والجميع عشرة، فالآن نبغي سنجرح عشرة رؤوس برأس واحد، نقول: كما أننا نقتل عشرة أنفس بنفس واحدة، قال عمر ﵁: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به لو اتفقوا عليه (٢).
وقول المؤلف: (إذا قطع جماعة طرفًا أو جرحوا جرحًا فعليهم القود) لم يذكر حكم ما إذا تمالؤوا عليه، والصحيح أنهم إذا تمالؤوا عليه فكما لو تشاركوا فيه، (تمالؤوا عليه) معناه اتفقوا عليه؛ قالوا: إحنا نبغي نقطع فلانًا؛ نقطع يده، طيب لا بأس، أنت () هذا، والثاني () هذا؛ لأجل إذا أقبل أحد تنذروننا، واتفقوا على ذلك، فهم قد تشاركوا في الإثم، ولولا أن هؤلاء حرسوا ما تجرأ هؤلاء على القطع، وهؤلاء يعلمون أنهم سيقطعون هذا الرجل، فإذا تمالؤوا عليه فقد تشاركوا فيه، وعمر ﵁ يقول: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به، فنحن نقول: إذا قطعوا طرفًا، أو جرحوا جرحًا، سواء كان ذلك بالمشاركة الفعلية، أو كان بالممالأة والمواطأة على ذلك؛ فعليهم القود، فإن اختار المجني عليه الدية فعليهم دية واحدة لذلك الطرف أو لذلك الجرح.
ثم ذكر المؤلف قاعدتين مهمتين؛ وهما: قاعدة سراية الجناية، وسراية القود.
[ ١ / ٧٣١٠ ]
سراية الجناية يقول المؤلف: (سراية الجناية مضمونة في النفس فما دونها) (سراية الجناية) (سراية) مضاف، و(الجناية) مضاف إليه، وهي من باب إضافة الشيء إلى سببه؛ يعني: السراية التي سببها الجناية مضمونة، والسراية -كما تعرفون- معناها: أن ينتقل الشيء من مكان إلى آخر، فيسري الجرح من المكان الأول إلى مكان آخر يتسع، وكذلك الأعضاء تتسع، قطع أصبعًا فتآكلت الكف كلها، هذه سراية، قطع أنملة فتآكل الأصبع كله، هذه أيضًا سراية، جرح موضحة بقدر الظفر فاتسعت حتى كانت بقدر الكف، هذه أيضًا سراية.
يقول المؤلف: إذا كانت السراية من جناية فإنها مضمونةٌ في النفس فما دونها، في النفس مثل لو قطع أصبع إنسان، فنزف الدم حتى مات، قطعه عمدًا، السراية مضمونة في النفس، وعلى هذا فإننا نقتل من؟ هذا القاتل الجاني، فإذا قال: أنا لم أقطع إلا الأصبع، نقول: لكن هذه الجناية سرت إلى النفس، فأنت السبب، ربما أنك لم تقصد أن يموت هذا الرجل، لكنه مات بسببك، فتكون ضامنًا.
وهذا الضابط مبني على قاعدة معروفة لأهل العلم؛ وهي ما ترتب على غير المأذون فهو مضمون، كل شيء يترتب على شيء لم يؤذن فيه لا شرعًا ولا عرفًا فإنه يكون مضمونًا على صاحبه، ولها أمثلة كثيرة، فنقول: هذه الجناية لما سرت إلى النفس أو الكف فإنها تتضمن.
ويستثنى من سراية الجناية ما سيأتي؛ وهو ما إذا اقتص المجني عليه قبل البرء، فإذا اقتص قبل البرء فإنها لا تضمن.
مثاله: قطع أصبع رجل عمدًا، فطلب المقطوع أصبعه أن تقطع أصبع الجاني وأصر وألحَّ، فإنها إذا قطعت في هذه الحال ثم سرت الجناية فإنها تكون هدرًا، كما ستأتي المسألة قريبًا -إن شاء الله- في دليلها وتعليلها.
طيب إذن يستثنى منه شيء؟ هذا الضابط يستثنى منه شيء؛ وهو ما إذا اقتص المجني عليه قبل البرء.
[ ١ / ٧٣١١ ]
(سراية القود مهدورة) القود بمعنى القصاص؛ يعني: لو اقتصصنا من الجاني وسرت الجناية فإنها هدر؛ ولهذا قال: (سراية القود مهدورة) ويش معنى هدر؟ يعني: لا شيء فيها تهدر؛ لأننا نقول: أنت المعتدي، وإذا كنت المعتدي فلا شيء لك.
وهذا الضابط مبني على قاعدة معروفة لأهل العلم أيضًا؛ وهي ما ترتب على المأذون فليس بمضمون، كيف هذه القاعدة شرحها؟ القود مأذون فيه ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: استقدنا من هذا الرجل، وقطعنا يده أو أصبعه وسرى القود، ترتب هذا على شيء مأذون ولَّا غير مأذون؟
طلبة: مأذون.
الشيخ: مأذون، فلا يكون مضمونًا، يستثنى من هذا الضابط ما إذا اقتص منه كرهًا في حال يُخْشَى فيه من السراية؛ مثل في شدة حر، أو شدة برد، أو إنسان فيه داء السكري، فإن اللي فيه داء السكري في الغالب ما يبرأ، ويخشى منه السراية، فإذا كان كذلك قال أهل العلم: فإن السراية في هذه الحال تكون مضمونة، ليش؟ لأنها مترتبة على شيء غير مأذون فيه.
فإن قلت: هو مأذون فيه في الأصل؟
قلت: لكنه في هذه الحال ليس مأذونًا فيه، فيكون عليه الضمان، فإذا اقتص من الجاني في حال يُخْشَى فيه من السراية -هذا الضابط- فإن السراية حينئذٍ تكون مضمونة، بناء على القاعدة أن ما ترتب على غير المأذون فهو مضمون، وأنت الآن حرام عليك أن تقتص من هذا الرجل الذي نخشى أن تصل الجناية إلى غير محل القود.
ثم قال المؤلف: (ولا يُقْتَص من عضو وجرح قبل برئه) كذا عندكم (ولا يقتص من عضو)؟
طالب: (عن).
الشيخ: (عن) ولَّا (من)؟ (من عضو وجرح قبل برئه)، (من) هنا بدلية؛ يعني: ولا يقتص بدل عضو وجرح، و(مِن) تأتي للبدل، قال ابن مالك:
بَعِّضْ وَبَيِّنْ وَابْتَدِئْ فِي الْأَمْكِنَهْ
بِـ (مِنْ) وَقَدْ تَأْتِي لِبَدْءِ الْأَزْمِنَهْ
طالب: ().
[ ١ / ٧٣١٢ ]
الشيخ: لا، المهم أن المثال فيها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: ٦٠] ﴿مِنْكُمْ﴾ هنا بمعنى: بدلكم، ولَّا (من) جنس ولَّا بعضية؟
طلبة: بدلية.
الشيخ: بدلية، فمعنى ﴿مِنْكُمْ﴾ أي: بدلكم.
فهنا (يُقْتَص من عضو) أي: بدله؛ يعني: ما تقتص عضوًا آخر بدل عضو المجني عليه حتى يبرأ، يبرأ أيش؟ عضو المجني عليه، حتى يبرأ.
وقول المؤلف: (لا يقتص) لم يبين ﵀ هل هذا حرام أو مكروه؟ فيحتمل أنه حرام، ويحتمل أنه مكروه، والمشهور من المذهب أنه حرام، وأنه لا يجوز أن يقتص حتى يبرأ.
ودليل ذلك حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رجلًا طعن رجلًا بقرنٍ في ركبته، فجاء المطعون وطلب من النبي ﷺ أن يقتص منه، ولكنه نهاه، فألح عليه، فاقتص منه، ثم جاء الرجل بعد مدة المجني عليه وقال: يا رسول الله، قد عرجت -سرت الجناية ولَّا لا؟ سرت؛ يعني: أحدثت عرجًا- فقال له النبي ﵊: قد (٣) ().
***
[ ١ / ٧٣١٣ ]