فمَن انْفَرَدَ بقَتْلِ مُوَرِّثِه أو شَارَكَ فيه مُباشَرَةً أو سَببًا بلا حَقٍّ لم يَرِثْهُ إن لَزِمَه قَوَدٌ أو دِيَةٌ أو كَفَّارَةٌ، والْمُكَلَّفُ وغيرُه سواءٌ، وإن قُتِلَ بحقٍّ قَوَدًا أو حَدًّا أو كُفْرًا أو ببَغْيٍ أو صِيالةٍ أو حِرابةٍ أو شَهادةِ وارثِه أو قَتْلِ العادلِ الباغِي وعكسُه وَرِثَه، ولا يَرِثُ الرقيقُ ولا يُورَثُ،
[ ١ / ٥٩٧٨ ]
طالب: ولباقي الورثة أن يصطلحوا على ما زاد عن حق المفقود، فيقتسمونه على حسب ما يتفقون عليه؛ لأنه لا يخرج عنهم، كأخ مفقود في الأكدرية، فمسألة الحياة والموت من أربعة وخمسين؛ للزوج ثمانية عشر، وللأم تسعة، وللجد تسعة من مسألة الحياة، وللأخت منها ثلاثة، وللمفقود ستة، يبقي تسعة، فلهم الصلح عليها، وعلى كل الموقوف، إن حجب أحدًا ولم يرث، أو كان أخًا لأب عصَّب أخته مع زوج وأخت لأبوين، وإن بان ميتًا ولم يتحقق أنه قبل موت مورِّثه فالموقوف لورثة الميت الأول؛ للشك في حياة المفقود حين موت مورِّثه، فلا يرث منه، واتفقوا على أنه لا يرث المفقود إلا الأحياء من ورثته.
الشيخ: (إلا الأحياءُ) هذه المسألة اللي ذكر لو أننا كتبناها على السبورة لبقينا يومين لم نتصورها، ويومين في حلها، فهل تريدون ذلك، أو نقول: ما دامت المسألة نادرة الوقوع والوقت ضيق نمشي، ولعلنا ندرك متنًا صغيرًا أيضًا؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني طيب.
[باب ميراث الغرقى]
ثم قال: (باب ميراث الغرقى) الغرقى؛ يعني الذين غرقوا جميعًا، ولم نعلم السابق منهم، هل لهم نظير الغرقى؟ نعم، لو سقطت طائرة ولم نعلم الميت الأول، لو انقلبت سيارة لم نعلم الميت الأول، لو شب حريق لم نعلم الميت الأول.
المهم المراد بالغرقى هنا جماعة هلكوا جميعًا، ولم نعلم عن حالهم الأول، هل ماتوا بلحظة واحدة أو تقدم أحدهم؟ ما ندري.
يقول ﵀: (إذا مات متوارثان كأخوين لأب بهدم أو غرق أو غربة أو نار) الهدم واضح، والغرق واضح، والنار واضحة؛ المثال واضح بها.
طيب الغربة؛ سافرا جميعًا وأتانا خبرٌ أنهما ماتا، ولم ندرِ أيهما الأول، فحكمهم حكم من ماتوا بغرق أو نار، ولم يُعْلَم الأول منهم.
(وجُهِلَ السابقُ بالموت، ولم يختلفوا فيه) يعني: الورثة؛ ورثة كل واحد لم يختلفوا.
[ ١ / ٥٩٧٩ ]
يقول: (ورث كل واحد من الآخر من تِلاد ماله دون ما ورثه منه دفعًا للدور) أولًا: نصور المسألة، هؤلاء جماعة ركبوا سفينة، ثم ماتوا كلهم؛ غرقت السفينة وماتوا، ولا ندري أيهم الأول، فهل يجري التوارث بينهم أو لا؟ المذهب أنه يجري التوارث بينهم إذا لم يختلف الورثة.
القول الثاني أنه لا توارث بينهم؛ كل واحد منهم لا يرث الآخر، وإنما يرثه الورثة الآخرون، ليش؟ لأن من شرط الإرث أن يوجد الوارث بعد موت المورِّث؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢]، ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١]، فلا بد أن نعلم أن الوارث وُجِد بعد موت المورِّث، وهنا الشرط موجود ولَّا غير موجود؟
طلبة: غير موجود.
الشيخ: غير موجود، إذن لا توارث، وهذا القول مع كونه أصح وأوفر للأدلة الشرعية هو أيضًا أهون وأقطع للنزاع؛ ما فيه نزاع، الأول سيكون فيه نزاع، إذا كان أحدهم أحد الذين غرقوا جميعًا أحدهم يملك ملايين الملايين، والثاني يملك ثوبه الذي عليه فقط، يقول: نورث هذا من هذا، وهذا من هذا. الغني هل يرث من الفقير؟
طلبة: لا يرث.
الشيخ: ليش؟ ما فيه شيء، والفقير يرث من الغني، فيعود مال هذا الغني لورثة الفقير، بأي حق؟ !
فالقول الراجح -بلا شك- أنه لا توارث بينهم، ودليله قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَينِ﴾ إلى آخره [النساء: ١١]، ولقوله: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢]. وهذا لا يُعلم، ولهذا سبق لنا في شروط الإرث العلم بموت المورِّث قبل الوارث، والعلم بحياة الوارث بعد موت المورث.
[ ١ / ٥٩٨٠ ]
لكن على المذهب يقول: إن تنازع الورثة. في المثال اللي ذكرنا أخوان أحدهما له مليون ريال، والثاني ما عنده شيء، كل واحد منهما له زوجة، وله أم، ثم تنازعوا، هؤلاء ورثة الغني يقولون: إن مورثكم مات قبل مورثنا، وأولئك يقولون بالعكس، فهنا يتساقطون. وهذا بعد فيها شيء من الصحة، يتساقطون ويكون ميراث كل ميت لورثته.
وأما إذا لم يختلفوا؛ قالوا: واللهِ ما نعلم، نحن لا ندعي أن مورثنا هو الأول ولا هو الثاني، فحينئذٍ يرث كل واحد من الآخر من تلاد ماله؛ يعني: من قديمه، لا مما ورثه منه؛ لأنا لو قلنا: يرث مما ورثه منه صار الدور، صار هذا مما ورثه منه، ثم ذاك يرث مما ورث منه، وهكذا حلقة مفرغة.
مثال هذا: أحدهما خَلَّف مليون ريال، والثاني خَلَّف مئة ألف، إذا ورث صاحب مئة الألف من صاحب المليون، كم يرث؟ خمس مئة ألف، وذاك إذا ورث من الآخر يرث خمسين ألفًا، هل نضم الخمسين الألف للمليون ونقول: يرث هذا خمس مئة ألف وخمسين ألفًا؟ لا يمكن؛ لأن لو قلنا هكذا لزم أن ندور، فنقول: يرث صاحب مئة ألف خمس مئة ألف من صاحبه، وصاحب المليون يرث خمسين ألفًا من صاحبه. وتنتهي المسألة.
ومع هذا نحن نقول ونرجح أن الصواب أنه لا توارث بينهما، وأنه لا حق لأحدهما في مال الآخر؛ لأن الشرط -وهو وجود الوارث بعد موت المورث- لم يتحقق، وهذا الذي اخترناه هو مذهب الشافعي ﵀، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الصواب بلا شك.
***
[باب ميراث أهل الملل]
ثم قال: (باب ميراث أهل الملل) نسأل الله أن يتوفانا وإياكم على الإيمان.
(أهل الملل) يعني: الأديان، ولا يمكن أن نبحث في ميراث أهل الملل حتى يُوجد السبب؛ سبب الميراث، وأسباب الميراث كم؟ ثلاثة: نكاح، ونسب، وولاء.
[ ١ / ٥٩٨١ ]
فإذا وُجد اثنان بينهما توارُث، وهما على دِين واحد جرى التوارث، إن اختلفت أديانهما فلا؛ لأن من شرط الإرث اتفاق الدين؛ لقول الله ﵎ لنوحٍ حين قال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥] قال الله له: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦]، ولقول النبي ﷺ في حديث أسامة بن زيد: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» (١).
ميراث أهل الملل يقول المؤلف: (لا يرث المسلمُ الكافرَ إلا بالولاءِ، ولا الكافرُ المسلمَ إلا بالولاء) الدليل ما أشرنا إليه من الآية، وما قاله النبي ﷺ: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ».
أما قول المؤلف: (إلا بالولاء) فهذا استثناء لا دليل عليه، ولا يصح أثرًا ولا نظرًا، أما كونه لا يصح أثرًا فلعدم الدليل الصحيح، وأما كونه لا يصح نظرًا فلأن الإرث بالولاء أضعف من الإرث بالنسب والزوجية، فإذا كان اختلاف الدين يمنع الميراث مع السبب الأقوى، فكيف لا يمنعه مع السبب الأضعف؟ ! هذا خلاف القياس وخلاف النظر.
ولنضرب لهذا مثلًا: هلَك هالِك عن أب كافر، هل يرثه أبوه؟ لا يرث.
هلك هالك عن معتِق كافر، والعبد معتَق مسلم، يرثه سيده؟ على المذهب يرثه، وعلى القول الراجح لا يرثه. ونحن نقول بالقول الراجح؛ لعموم الحديث: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ».
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- قلنا في المفقود: إذا جاء في المدة التي ضُربت له أعطي ما وُقف له، فإذا جاء بعد المدة وقد أنفق الورثة أنصباءهم، فكيف يُعطَى؟
الشيخ: هو لا بد أن يوقف له.
الطالب: بعد المدة؟
الشيخ: إي.
الطالب: قسمت التركة بعد مدة، وحُكم بموته، ثم تبين أنه حي وجاء، فكيف يرث ما لديه؟
الشيخ: يرد إليه ماله.
الطالب: ().
الشيخ: يرجع عليهم، يبقى دينًا في ذممهم.
[ ١ / ٥٩٨٢ ]
طالب: أحسن الله إليك، مسألة الغرقى، لو أتى أحد الورثة ببينة يُعمل بها؟
الشيخ: إي معلوم، مسألة الغرقى، لو أتى أحد ببينة أن مورثه بقي بعد موت زملائه يعمل بها لا بد.
طالب: () لو امرأة شهدت أن واحدًا سبق ..
الشيخ: أيش؟
الطالب: لو أن يعني وُجد شاهد يعرف أن واحدًا من الاثنين يعني سبق موت ()، هل يُعمل بقوله أو لا؟
الشيخ: يُعمل بقوله إذا حلف الوارث؛ لأنه يُقضى بالشاهد واليمين في مسائل المال.
الطالب: شيخ، وإذا كانت امرأة؟
الشيخ: ما يكفي.
الطالب: ولو حلفت؟
الشيخ: ولو حلفت.
***
الطالب: لا يرث المسلم الكافر إلا بالولاء، ولا الكافر المسلم إلا بالولاء. ويتوارث الحربي والذمي والمستأمِن، وأهل الذمة يرث بعضهم بعضًا مع اتفاق أديانهم، لا مع اختلافها وهم مِلل شتى. والمرتد لا يرث أحدًا، وإن مات على ردته فماله فيء، ويرث المجوسُ بقرابتين إن أسلموا أو تحاكموا إلينا قبل إسلامهم، وكذا حكمُ المسلم يطأ ذاتَ رحمٍ محرَّم منه بشبهة، ولا إرث بنكاح ذات رحم محرَّم، ولا بعقد لا يُقر عليه لو أسلم.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم (باب ميراث أهل الملل) يعني: الأديان، هل يتوارثون أو لا؟
يقول المؤلف: (لا يرث المسلمُ الكافرَ إلا بالولاء، ولا الكافرُ المسلمَ إلا بالولاء).
أما الجملة: (لا يرث المسلمُ الكافرَ ولا الكافرُ المسلمَ) فهذه صحيحة؛ لحديث أسامة بن زيد المتفق عليه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» (١)، ولأن الإرث مبني على الموالاة والنصرة، ولا موالاة ولا نصرة بين المسلم والكافر.
[ ١ / ٥٩٨٣ ]
وأما الاستثناء في قوله: (إلا بالولاء) فهذا ضعيف، ورد فيه حديث لكنه ضعيف؛ ضعيف من حيث الدليل الأثري، وضعيف من حيث الدليل النظري؛ أما الدليل الأثري فإنه لم يصح عن النبي ﷺ ذلك الاستثناء، وأما الدليل النظري فإنه يُقال: كيف يكون الضعيف أقوى من القوي؟ الولاء لُحْمَة كلُحْمَة النسب، والمشبَّه به أقوى من المشبَّه، فكيف نقول: إنه يرث بالولاء مع اختلاف الدين مع أن الإرث بالولاء أضعف من الإرث بالنسب؟ ! فتبين بطلان هذا القول أثرًا ونظرًا.
لو هلك هالك عن ابنٍ لا يصلي وعن عم مسلم يصلي، فميراثه لمن؟
طلبة: للعم.
الشيخ: للعم، والابن الذي لا يصلي لا يرث.
وكذلك لو كان هناك رجل لا يصلي ومات عن أقارب مسلمين فإنهم لا يرثونه؛ لأنه لا يرث المسلم الكافر، وسيأتي -إن شاء الله- الاختلاف في هذا.
قال: (ويتوارث الحربي والذمي والمستأمن) هؤلاء ثلاثة أصناف من الكفار:
الحربي: هو الذي ليس بيننا وبينه عهد ولا ذمة ولا أمان.
الثاني: المستأمِن بالكسر؛ بكسر الميم، وأكثر الناس يقولونه بفتح الميم (المستأمَن)، وهذا غلط؛ لأنه هو ليس مستأمنًا، بل هو مؤمَّن، وهو مستأمِن بكسر الميم. المستأمِن: هو الذي أُعطِي أمانًا ألَّا يعتدى عليه، سواء من الإمام أو ممن يجيز إجارته الإمام؛ كما قال النبي ﷺ: «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ» (٢).
الثالث: الذمي؛ هو الذي بيننا وبينه عهد وذمة أن يبقى في دارنا آمنًا تُحْفَظ له حقوقه، ولا يُعْتَدى عليه لكن عليه الجزية.
بقي رابع: المعاهَد؛ هو الذي جرى بينه وبين المسلمين عهد لكنه في بلده مستقل، ليس للمسلمين فيه تعلق إلا العهد الذي بيننا وبينه.
يقول المؤلف ﵀: (يرث بعضهم بعضًا) يتوارث هؤلاء إذا اتفقت أديانهم؛ كلهم يهود، كلهم نصارى، كلهم مجوس، كلهم شيوعيون، يتوارثون إذا اتفقت أديانهم، وإن اختلفت فلا توارث.
[ ١ / ٥٩٨٤ ]
والدليل قوله ﷺ: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» (١)؛ فإن هذا يدل على أن اختلاف الدين مانع من الإرث؛ ولهذا قال: (وأهل الذمة يرث بعضهم بعضًا مع اتفاق أديانهم لا مع اختلافها) أهل الذمة هل يمكن أن تختلف أديانهم؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، يهود، نصارى، مجوس، هؤلاء أهل الذمة، ثلاثة أصناف، والصحيح أنهم أكثر من ثلاثة أصناف؛ أن جميع الكفار يمكن أن يكونوا أهل ذمة تُعْقَد لهم الجزية، كما صح ذلك فيما رواه مسلم عن بريدة ﵁ (٣).
قال: (وهم مِلَلٌ شتى) (هم) الضمير يعود على أهل الأديان، (ملل شتى) متفرقة؛ اليهود ملة، والنصارى ملة، والمجوس ملة، والشيوعيون ملة، والبوذيون ملة، وهكذا .. وهذا هو القول الراجح.
وقال بعض العلماء: إن الكفر ملةٌ واحدةٌ. لكن هذا القول ضعيف؛ لأن اليهود يقولون: ليست النصارى على شيء، والنصارى يقولون: ليست اليهود على شيء، فكيف يكونون أمة واحدة؟ ! نعم، هم بالنسبة للإسلام صنف، لكن بالنسبة لما بينهم مختلفون، كما نقول مثلًا: أهل السنة يدخل فيهم المعتزلة، يدخل فيهم الأشعرية، يدخل فيهم كل من لم يَكْفُر من أهل البدع، إذا قلنا هذا في مقابلة الرافضة.
لكن إذا أردنا أن نبين أنواع أهل السنة قلنا: إن أهل السنة حقيقة هم السلف الصالح الذين اجتمعوا على السنة وأخذوا بها، وحينئذٍ يكون الأشاعرة والمعتزلة والجهمية ونحوهم ليسوا من أهل السنة بهذا المعنى.
(والمرتد لا يرث أحدًا) لأنه -والعياذ بالله- ليس له دين، ولا يُقَر على دينه؛ يعني: لو كان عندنا كافر ملحد غاية الإلحاد نقره على دينه أو لا؟ نُقِرُّه على دينه، لكن لو ارتد أحد إلى اليهودية أو النصرانية لا نقره؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (٤) يعني: دين الإسلام فإننا نقتله.
إذن المرتد لا يرث أحدًا، ولا أباه؟
طالب: ولا أباه.
الشيخ: ولا أمه؟
[ ١ / ٥٩٨٥ ]
طالب: ولا أمه.
الشيخ: ولا ابنه؟
طالب: ولا ابنه.
الشيخ: ولا ابنه؛ مرتد، مخالِف للدين وليس على دين؛ لأنه لا يُقَر على هذا الدين.
(وإن مات على ردته فماله فيء) يعني: يُدْخل في بيت المال.
وهنا نعلم أن العلماء ﵏ يحكمون على الشخص بعينه بالردة أوغيرها مما يقتضيه فِعله، خلافًا لمن أشكل عليه الآن من الشباب، يتهيبون أن يُكفِّروا أحدًا بعينه، وهذا غلط، إذا وُجِد الكفر وتمت الشروط، وانتفت الموانع فإننا نُكفِّره بعينه، ونعامله معاملة الكافر في كل شيء؛ لأنه ليس لنا إلا الظاهر.
أما لو فرضنا أنه كان مؤمنًا بقلبه ولكن يظهر الكفر هذا حسابه على الله ﷿، لكن نُكفِّره بعينه؛ لأننا لو قلنا: لا نكفر أحدًا بعينه وإنما نكفر الجنس ما بقي أحد يكفر، ولا أحد يُدْعَى إلى الإسلام.
يقول: (إن مات على ردته فماله فيء) دليل ذلك قول النبي ﷺ: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» (١)، وهذا واضح، ولأن الإرث مبني على النصرة والولاء، ولا نصرة ولا ولاء بين المسلم والكافر.
هذا ما ذهب إليه الفقهاء ﵏، وهم أسعد بالدليل مما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية؛ فإن شيخ الإسلام ﵀ يرى أن المرتد يُورَث، ويستدل بأن الصحابة في أيام الردة يُورِّثون أهل المرتدين من أموال المرتدين.
ولكن الإنسان يقول: ما جوابي يوم القيامة حين يناديهم فيقول: ماذا أجبتم المرسلين؟ ماذا نقول؟ لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم.
وفعل الصحابة، هل أجمعوا عليه؟ لو أجمعوا عليه قلنا: على العين والرأس، وإجماعهم حجة، لكن من يقول: إنهم أجمعوا على هذا؟ والمسألة ليست عندي بذاك المسألة البينة، إذن نبقى على الأصل وهو: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ». وإن مات فماله فيء.
[ ١ / ٥٩٨٦ ]
الفيء يعني: بيت المال، يكون في بيت المال، يكون في المصالح العامة؛ بناء المساجد، بناء المدارس، إعطاء الفقراء، المهم ما يُصرف فيه بيت المال يُصرف مال المرتد.
قال: (ويرث المجوسي بقرابتين إن أسلموا أو تحاكموا إلينا قبل إسلامهم).
المجوس من مذهبهم الخبيث أنه يجوز للإنسان أن ينكح محارمه -والعياذ بالله- ينكح بنته، أخته، عمته، أمه! وهذا من أخبث المذاهب وأقبحها، فإذا كان أحدهم يُدْلِي بقرابتين فإنه يرث بهما؛ لأنهم يعتقدون حِلَّ فعلهم، فإذا أسلموا فإنهم يُورَّثون بالقرابتين، كما ذكرنا في الجدات أن الجدة التي تُدْلِي بجهتين ترث ثلثي السدس.
قال: (أو تحاكموا إلينا قبل إسلامهم) يعني: إذا تحاكموا إلينا قبل إسلامهم فإننا نورِّثهم على حسب القرابتين، فإن لم يسلموا ولم يتحاكموا فأمرهم إلى أنفسهم، ما علينا منهم.
(وكذا حكم مسلم يطأ ذات رَحِم مُحرَّم منه بشبهة) يعني: لو أن المسلم وطئ ذات محرم منه بشبهة، والشبهة؛ إما شبهة عقد، وإما شبهة اعتقاد، فمن وطئ امرأة يظنها زوجته فبانت أخته أو بنته فهذا شُبهة اعتقاد، ومن عقد على امرأة على أنها أجنبية منه، وبعد العقد والدخول تبين أنها محرم له، تبين أنها أخته من الرضاع مثلًا، هذا شبهة عقد؛ لأنه عقد عقدًا يظنه صحيحًا، وذاك جَامَعَ جِماعًا يظنه صحيحًا.
إذن إذا أتت بولد صار هذا الولد يرث بجهتين؛ فيُوَرَّث من جهتين، لماذا؟ لوجود السببين، والشيء إذا وُجِد سببه وجب العمل به.
وقيل: يرث بأقوى الجهتين ميراثًا واحدًا بهذه الجهة؛ لأنه لا يمكن أن يجتمع في شخص واحد جهتان متقابلتان، وإذا كان لا يمكن فإنه يُؤخذ بالأقوى ويرث بجهة واحدة.
قال: (ولا إرثَ بنكاحِ ذاتِ رحمٍ محرَّمٍ، ولا بعقدٍ لا يُقَر عليه لو أسلم) يعني: لا إرث بنكاح ذات رحم محرَّم، مثاله: إنسان تزوج امرأة، ثم مات عنها، وبعد الموت تبين أنها أخته من الرضاعة، فهل ترث؟
[ ١ / ٥٩٨٧ ]
الجواب: لا ترثه؛ لأنه تبين أن النكاح باطل، فلا ترث، حتى لو بقيت معه عدة سنين، ثم تبين بعد موته أنها أخته -مثلًا- فإنها لا ترث.
(ولا بعقد لا يُقَر عليه لو أسلم) يعني: ولا إرث بعقد لا يُقَر عليه لو أسلم، مثاله: أن يتزوج المجوسيُّ أختَه، ثم يموت عنها، هذا العقد إذا أسلم يُقَر عليه أو لا؟ لا يُقَر عليه، بخلاف ما لو كان عَقَدَ عقدًا محرمًا لكن زال سبب التحريم فإنه يُقَر عليه؛ كما لو تزوج أخت زوجته والأخت معه فالنكاح لا يصح؛ لأنه لا يُجمع بين أختين، لكنه حين أسلم قد فارق الأولى فالنكاح يصح؛ لأنه زال المانع.
وكذلك لو نكح امرأة في عدتها فالنكاح باطل، ولكن لو أسلم بعد أن انقضت العدة فإنه يُقَر عليه.
خلاصة هذا الباب أنه متى حصل اختلاف الدين بين الوارث والمورث فلا توارث، دليله قول النبي ﷺ: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» (٥). وهذا دليل أثري، والدليل النظري أن الإرث مبناه على النصرة والوَلاية، ولا نصرة بين كافر ومسلم ولا ولاية.
[باب ميراث المطلقة]
ثم قال المؤلف: (باب ميراث المطلقة) يعني: هل ترث المطلقة أو لا؟ لأنه سبق لنا أن من أسباب الإرث النكاح، فإذا زال النكاح هل يبقى المانع من الإرث أو لا؟ يعني: إذا كان له زوجة وطلقها، فهذا لا يخلو من أحوال يذكرها المؤلف يقول: (من أبان زوجته في صحته أو مرضه غير المخوف ومات به، أو المخوف ولم يمت به؛ لم يتوارثا) (إذا أبان زوجته) أي: طلقها طلاقًا بائنًا؛ كالطلاق الثلاث والفسخ بعيب، وما أشبه ذلك، (في صحته) فإنه لا توارث ولو كان في العدة؛ لأنها بانت منه، إن مات لم ترثه، وإن ماتت لم يرثها.
(أو في مرضه غير المخوف) المرض نوعان:
[ ١ / ٥٩٨٨ ]
مرض مخوف؛ وهو الذي لو مات به لم يقُل الناس شيئًا؛ لأنه صار عادة أن يموت به الناس، وليس المخوف وغير المخوف هنا الذي لا يُرجَى برؤه أو يُرجَى، لا، ما كان سببًا للموت عادة فهو مخوف، وما لا فلا.
مثال المرض غير المخوف: إنسان مريض من أجل سنِّه مثلًا، سنُّه يؤلمه، من أجل عينه، من أجل جرح فيه، زكام، هذه أمراض مخوفة ولَّا لا؟ غير مخوفة.
فإذا طلقها في هذا المرض طلاقًا بائنًا، ثم اشتد به المرض ومات فإنها لا ترث؛ لأنها بانت في حالٍ لا يُتَّهم فيها بمنع الإرث فلم ترث.
(أو في مرضه المخوف) مرضه المخوف يعني: الذي لو مات به لم يستنكره الناس؛ مثل: الحمى الشديدة، ذات الجنب، وفي عصرنا هذا انتشر داء السرطان، في الأول كان السل.
المهم الأمراض التي لو مات بها قال الناس: نعم، هذا سبب؛ ولهذا قال العلماء ﵏: المرأة التي يأخذها الطَّلْق مرضُها مخوف، مع أنه ما يكثر فيه الموت، لكن لو ماتت بالطَّلْق قال الناس: ليس هذا بغريب.
(أو المخوف ولم يمت به لم يتوارثا) طيب لو أن إنسانًا مريض مرضًا مخوفًا؛ بذات الجنب فطلق زوجته، خاف أن يموت به فطلقها لئلا ترثه، ثم عافاه الله، وانتهت عدتها، ثم مات بعد ذلك، هل ترث أو لا؟ لا ترث؛ لأنه برئ من المرض.
وهذه المسألة تحتاج إلى تحرير؛ لأن كونه طلقها في مرض موته المخوف واضح أنه أراد الحرمان، فإذا شُفي، ثم عاد المرض ومات، ففي حرمانها نظر؛ لأن التهمة قائمة.
(بل في طلاق رجعي لم تَنْقَضِ عدتُه) ما هو الطلاق الرجعي؟ الطلاق الرجعي هو الذي يملك الزوج فيه مراجعة الزوجة بدون عقد، الطلقة الأولى على غير عوض بعد الدخول؟
طالب: رجعي.
الشيخ: رجعيٌّ، فهذا إنسان طلق زوجته في حال صحته طلاقًا رجعيًّا، ثم مات وهي في العدة، أترث منه أو لا؟ ترث. لو ماتت هي، أيرث منها أو لا؟ نعم.
[ ١ / ٥٩٨٩ ]
التعليل؛ لأن الرجعية في حكم الزوجات، بل سمَّى الله تعالى الزوج المطلِّق بعلًا، فقال جل وعلا: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، (بعولتهن) فسمَّى الله المطلِّق بعلًا.
لو قال قائل: هذا باعتبار ما كان، فما الجواب؟
نقول: الأصل حمل اللفظ على ظاهره، ولا يمكن أن نقول: باعتبار ما كان أو باعتبار ما يكون إلا بدليل.
قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢]. لا يمكن نؤتيه ماله إلا إذا بلغ، وسماهم الله أيتامًا باعتبار ما كان، لكن هذا عندنا فيه دليل.
وفي سورة يوسف قال أحد صاحبي السجن: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٤١]، وهو يعصر عنبًا، لكن خمر باعتبار ما يكون.
فنقول: إذا قال قائل: ﴿بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] باعتبار ما مضى، نقول: لا، الأصل حمل الكلام على ظاهره، فسماه الله تعالى بعلًا، وقال: ﴿بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
فإذا مات المطلِّق طلاقًا رجعيًّا في العدة ورثته الزوجة، وإن ماتت ورثها الزوج؛ لأنهما لا زالا على الزوجية؛ ولهذا قال: (بل في طلاق رجعيٍّ لم تنقضِ عدتُه)، فإن انقضت العدة فلا توارث؛ تَبِينُ منه.
لو قال قائل: لو طلقها طلاقًا رجعيًّا في مرض موته المخوف ومات به، ترث أو لا ترث؟
طلبة: ترث.
الشيخ: ترث؛ لأنها لم تَنقضِ العدة. انقضت العدة، ترث أو لا ترث؟
طلبة: ترث.
[ ١ / ٥٩٩٠ ]
الشيخ: لا ترث. ولو أبانها في المرض وانقضت العدة ومات فإنها ترث. انتبهوا يا جماعة، هذه المسألة قد تظنون أن الأمر خلاف ذلك. رجلٌ طلَّق زوجته في مرض موته طلاقًا رجعيًّا وانقضت العدة، ثم مات، ما تقولون؟
الطلبة: لا ترث.
الشيخ: لا ترث.
رجل طلَّق زوجته طلاقًا بائنًا في مرض موته المخوف ومات بعد انقضاء عدتها؟
الطلبة: ().
الشيخ: ترث. الرجعية لا ترث والبائن ترث؟ نعم، حتى الرجعية في مرض موته المخوف، طلقها في مرض موته المخوف وانقضت العدة، ترث أو لا ترث؟
طلبة: لا ترث.
الشيخ: لا ترث. البائن؟
الطلبة: ترث.
الشيخ: ترث، قد يبدو للإنسان في بادي الرأي العكسُ، فيقال: لا؛ لأن البائن إذا بانت لا ترث منه من حين الطلاق، فهو مُتَّهم، والرجعية ينقطع ميراثها بانقضاء العدة، وفي هذه المدة ربما أنها تموت هي ويرثها، والبائن لو ماتت لا يرثها. هذا هو الفرق.
إذن حدُّ إرث المطلقة الرجعية متى؟ انقضاء العدة، سواء كان طلاقها في المرض أو في الصحة، وهنا نقول: يجري التوارث بينهما؛ الزوج يرث منها وهي ترث منه؛ ولهذا قال: (بل في طلاق رجعي لم تنقضِ عدتُه).
(وإن أبانها في مرض موته المخوف مُتَّهمًا بقصد حرمانها أو) إلى آخره.
(إن أبانها في مرض موته المخوف متهمًا بقصد حرمانها) فإنه لا يرثها وترثه هي، انتبه للشروط: أبانها في مرض موته المخوف مُتَّهمًا بقصد حرمانها فإنها ترثه ولا يرثها؛ معاملةً له بنقيض قصده؛ لأن الحيل لا تُبْطِل الحقوق.
وقوله: (متهمًا بقصد حرمانها) إذا لم يُتَّهم فإنها لا ترث منه من حين البينونة.
مثال الذي لم يُتَّهم: هي التي طلبت الطلاق؛ امرأة لما رأت زوجها انتهى طلبت الطلاق، فطلقها، هل هو مُتَّهم أو غير مُتَّهم؟
الطلبة: غير متهم.
الشيخ: غير متهم، ليش؟ لأنها هي اللي طلبت، وإذا كانت هي التي طلبت فلا تُهْمَة.
[ ١ / ٥٩٩١ ]
قال: (أو علق إبانتها في صحته على مرضه) قال -وهو صحيحٌ- لزوجته: إذا مرضتُ مرض الموت فأنتِ طالق، ترث أو لا؟
طلبة: ترث.
الشيخ: ترث؛ لأنه مُتَّهم.
(أو على فعلٍ له ففعله في مرضه) على فعل له هو، (ففعله في مرضه) فقال: إن كلَّمتُ زيدًا فأنتِ طالق، مرض الرجل مرض الموت فكلَّم زيدًا، تطلق أو لا تطلق؟
طلبة: تطلق.
الشيخ: على المذهب الآن -المذهب لا فرق بين الحلف والطلاق- تطلق. هل هو متهم أو غير متهم؟ مُتَّهم؛ لأنه فعل ما تطلق به في مرض موته.
طالب: ندم؟
الشيخ: كيف ندم؟
الطالب: صار ().
الشيخ: ما ينفع، ليس لنا إلا الظاهر.
على كل حال إذا كلَّم زيدًا في مرضه طلقت، فإن ندم -كما قال وليد- بعد أن قال: إن كلمت زيدًا فأنتِ طالق، وندم، ماذا نقول؟ نقول: لا يكلمه، وينتهي الموضوع، إذا لم يكلمه ما طلقت.
(على فعل له ففعله في مرضه ونحوه) طيب لو علَّقه على فعل لها، ففعلته في مرضه، ترث أو لا ترث؟
طلبة: لا ترث.
الشيخ: إن قلتم: لا ترث أخطأتم، وإن قلتم: ترث أخطأتم. وإن فصَّلتم أصبتم، لكن ما هو التفصيل؟ إن كان هذا الفعل لا بد لها منه شرعًا أو حسًّا فإنها لا تطلق؛ لأنها لا بد أن تفعل.
لو قال: إن صلَّيْتِ الظهر فأنتِ طالق، ومرض مرض الموت الخوف، وجاء وقت الظهر، ويش تسوي؟ لازم تصلي، صَلَّتْ تطلق أو لا تطلق؟ تطلق، لكن هل ترث أو لا ترث؟
الطلبة: ترث.
الشيخ: ترث، كيف ترث وهو علَّق طلاقها على الصلاة وصلَّت؟ نقول: هذا لا بد لها منه شرعًا بغير اختيارها في الواقع.
قال لها: إن أكلْتِ غداءً أو عشاء أو فطورًا فأنتِ طالق، ومرض مرض الموت المخوف، ويش تسوي؟ تأكل؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لو أكلت تطلق؟
طلبة: نعم.
الشيخ: هل ترث أو ما ترث؟
الطلبة: ترث.
الشيخ: ترث. ليش؟ لأنها لا بدَّ لها من ذلك.
لكن لو قال: إن أكلتِ الرز فأنتِ طالق، فلما مرض أكلت الرز؟
طالب: تطلق ولا ترث.
[ ١ / ٥٩٩٢ ]
الشيخ: هذه تطلق ولا ترث، لماذا؟ لأن لها بُدًّا منه؛ إذ يمكن تأكل بدل الرز خبزَ بُرٍّ، أو تمرًا، أو ما أشبه ذلك.
قال: (وترثه هي في العدة وبعدها ما لم تتزوج أو ترتد) ().
طالب: في وقت صحته، ثم مضى زمن بينهما، ثم جاء () مرضه المخوف عليه، فكلمت فلانًا الذي نهاها، فهل ترث أو لا ترث؟
الشيخ: تطلق ولا ترث؛ لأنها تقدر ألَّا تكلمه، تستطيع ألَّا تكلمه.
الطالب: شيخ، في البداية قلتم: ترث؟
الشيخ: لا، إحنا قلنا: ترث؟
طلبة: لا ().
طالب آخر: أشكل عليه مثال: إن كلمتُ زيدًا، هو جعل: إن كلمتِ زيدًا.
الشيخ: كلمتِ، ما هي: كلمتُ.
طالب: هل التعليق بالطلاق على أن هو لا بد منه شرعًا أو حسًّا، لو علقه على شيء كالصلاة أو ..؟
الشيخ: هو على كل حال هذا على المذهب، أما على القول الراجح أن التعليق قسمان: شرط محض، فهذا لا شك أنه إذا وقع الشرط وقع الطلاق؛ مثل أن يقول: إذا طلعت الشمس فأنتِ طالق.
والثاني: التعليق يراد به المنع، أو الحث على فعل الشيء، هذا حكمه حكم اليمين، هذا القول الراجح.
طالب: المشكل في مسألة منع توارث أهل ملتين من غير المسملين، قد ورد في بعض طرق الحديث: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ، لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ»، وقد حكم الحفاظ على هذا اللفظ بالشذوذ، قالوا: لأن هناك خلافًا بين اللفظين.
الشيخ: لا، فيه: «لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى» (٦) مستقل عن حديث أسامة، أسامة ما فيه إلا: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» (٥).
طالب: أحسن الله إليكم، قلنا: إن الكافر يرث الكافر ..
الشيخ: الكافر يرث الكافر إذا كان على ملته.
الطالب: إذا كان على ملته، المرتد لا يَرث ولا يُورث.
الشيخ: نعم.
الطالب: ما هو الدليل على تخصيص المرتد بهذا الحكم؟
[ ١ / ٥٩٩٣ ]
الشيخ: لأن المرتد -ذكرناه في التعليل- قلنا: إن المرتد لا دين له؛ إذ لا يُقَر على دينه، فهو لا من المسلمين ولا من الكفار الذين ارتد إلى دينهم.
طالب: أحسن الله اليك -يا شيخ- أشكل عليَّ أننا قلنا: إذا وطئ ذات رحم وكان وطؤه بشُبهة، فيأتى الولد فإنه يرث بقرابتين، وإذا كان تزوج بنكاح ذات رحم محرم ومات وما عُلم بأنها أخته -مثلًا- من الرضاع إلا بعد موته، في الأولى ورثناه وفي الثانية ..؟
الشيخ: هذه قرابة، ما هذا نكاح، الفرق أن الأخيرة في النكاح، ها ذاك قرابة؛ مثل قد يكون أخله وهو ابن عمه أو ما أشبه ذلك، لها صور.
***
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال رحمه الله تعالى: وترثه في العدة وبعدها ما لم تتزوج أو ترتد. باب الإقرار بمشارك في الميراث، إذا أقر كل الورثة ولو أنه واحد بوارث للميت وصُدِّق ..
الشيخ: صَدَّق يعني: مُقَرٌّ له.
الطالب: وصَدَّق أو كان صغيرًا أو مجنونًا والْمُقَر به مجهولُ النسب ثبت نسبه وإرثه، وإن أقر أحد ابنيه بأخٍ مثله فله ثلث ما بيده، وإن أقر بأخت فلها خمسه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
سبق لنا ميراث المطلقة، وقلنا: إذا كان الطلاق بائنًا فلا توارث بينهما؛ لأنها تَبِينُ من زوجها بمجرد الطلاق، سواء مات هو أو ماتت هي، وإذا كان رجعيًّا فعلى العكس؛ يعني يقع التوارث، يرثها وترثه، وبينَّا العلة في ذلك، وأن المطلقة الرجعية زوجة بنص القرآن في قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وأن البائن بمرض موته المخوف إذا أبانها في مرض موته المخوف؛ فإن كان متهمًا بقصد حرمانها، الحكم ترث منه، ولكنه لا يرث منها لو ماتت؛ لأنه مُتَّهم، وإن لم يكن متهمًا فإنه لا إرث؛ لأنها بائن. هذا هو خلاصة ما سبق لنا في ميراث المطلَّقة.
[ ١ / ٥٩٩٤ ]
يقول المؤلف ﵀: (وترثه في العدة وبعدها) من هي؟ المطلقة في مرض موته المخوف متهمًا بقصد حرمانها، ترثه في العدة ().
البائن في العدة وبعد العدة؛ لأنه مُتَّهم، وكل من حاول إبطال حق مسلم فإنه يُعامَل بنقيض قصده، يقول: (ترثه في العدة) وهو؟
طلبة: لا يرثها.
الشيخ: هو لا يرثها، وبعد العدة أيضًا؛ لأنه لا أثر للعدة هنا؛ إذ إن العدة عدة بائن لا تؤثر.
(ما لم تتزوج أو ترتد) (ما لم تتزوج) لأنها إذا تزوجت لا يمكن أن ترث زوجين؛ إذ لو قلنا بأنها ترث بعد الزواج لكان معناه أنها ترث من الزوج الأول ومن الزوج الثاني، وهذا لا نظير له في الشرع، فإذا تزوجت انتهى، ثم إنها إذا تزوجت فإنها بتزوجها أسقطت العلاقة أو قطعت العلاقة بينها وبين الزوج الأول نهائيًّا.
(أو ترتد) كذلك، إن ارتدت -والعياذ بالله- فإنها لا ترث؛ لأنها أتت بمانع من موانع الإرث باختيارها، فلا ترث، وأظنكم -إن شاء الله- فهمتم التفصيل، ومن فهم التفصيل نال التحصيل.
[باب الإقرار بمشارك في الميراث]
ثم قال المؤلف: (باب الإقرار بمشارك في الميراث) إذا ثبت نسب الإنسان من شخص فإنه وارِث يرث ويُورَث، لكن إذا لم يثبت، وكان مجهولَ النسب، وأقر الورثة بأن هذا أخوهم؛ فإذا أقر الورثة كلهم، ولو كان واحدًا فإنه يثبت النسب ويثبت الإرث، أما الإرث فلأن الوارث أقر على نفسه، ومن أقر على نفسه فإنه يُؤاخذ بما أقر به. مثال ذلك: رجل قال: إنَّ هذا أخي، بعد أن مات أبوه قال: هذا أخي، الآن أقر أن نصف ميراث أبيه لمن؟
طلبة: لأخيه.
الشيخ: لهذا الشخص، يُؤخذ بإقراره، ما فيه إشكال، لا عُذْر لمن أقر، لكن كيف يثبت النسب؟ لأنه إذا قلنا بثبوت النسب صار هذا الْمُقَرَّ به أخًا له، وعمًّا لأولاده، وهلم جرًّا، كيف يثبت النسب؟
الجواب: هو أن هذا المقَرُّ به مجهول النسب، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
[ ١ / ٥٩٩٥ ]
الشيخ: والشارع له تشوف عظيم للحوق النسب، لا يريد من أبنائه أن يضيعوا، لا يُدرَى لمن هم؟ فلما كان تطلع الشارع وتشوف الشارع للحوق النسب قلنا: لما أقر به هذا ثبت نسبه.
إذن ما هي العلة في كونه يُلحق به في الميراث؟ أن هذا الوارِث أقر على نفسه بحق لغيره فيُقبل، وبكونه يلحق النسب هو حرص الشارع وتشوفه للحوق النسب؛ لأن هذا ليس له أحد، ليس له نسب.
ولو أقر بمعلوم النسب فإقراره غير صحيح؛ ولهذا لا بد من شروط.
يقول: (إذا أقر كل الورثة ولو أنه واحد) وقوله: (ولو أنه واحد) إشارة منه إلى أن المسألة ليست مبنية على الشهادة، لو كانت على الشهادة لكان لا بد من شاهدين، لكنها ليست مبنية على هذا.
(وبوارث للميت وصَدَّق) الفاعل هو الْمُقَر به، قال: نعم، أنا أخوك، فإن أنكر لم يثبت نسبه ولا إرثه، أما عدم ثبوت إرثه فواضح أن الرجل يقول: أنا ما لي حق في هذه التركة، فقد أقر على نفسه. وأما عدم ثبوت نسبه؛ فلأنه لا يمكن أن يثبت النسب بدعوى شخص مع إنكار المدعَى عليه، إذن لا بد من تصديق الْمُقَرِّ به.
قال: (أو كان صغيرًا أو مجنونًا) يعني: الصغير والمجنون لا عِبرة بتصديقه أو تكذيبه؛ لأنه لا حكم لأقوالهما.
الشرط الثاني: قال: (والْمُقَر به مجهول النسب) يُشترط أن يكون الْمُقَر به مجهول النسب، لا يُعلم أنه فلان بن فلان، فإن كان معلوم النسب فلا يُقبل إقراره به؛ لأن إقراره به يستلزم إبطال نسبٍ معروفٍ، ولو فُتح الباب لكان كل واحد يرى شخصًا أديبًا لبيبًا عالمًا يقول: هذا ولدي، وهو ما يمكن هذا، فإذا كان معلوم النسب فلا دعوى لأحد في نسبه. هذان شرطان.
الشرط الثالث: إمكان صدق الدعوى؛ وذلك بأن يمكن أن يكون ممن يلحق بهم، فلو أن شخصًا ادعى أن هذا ولده، والولد هذا مجهول النسب، لكن الأب له عشرون سنة، والولد هذا له خمس عشرة سنة، فاهمين؟ يُقبل ولَّا لا يقبل؟
الطلبة: لا يُقبل.
الشيخ: ليش يا إخوان؟
طالب: الفرق خمس سنوات.
[ ١ / ٥٩٩٦ ]
الشيخ: لا يمكن يكون الفرق بين هذا الرجل وأبيه خمس سنوات، لا يمكن، إذن لا بد من إمكان صدق المُقِر، فإن لم يمكن فقوله لاغٍ. فالشروط إذن كم؟ ثلاثة، الأول؟
طالب: الأول: ثبوت النسب.
الشيخ: الثاني؟
الطالب: إقرار الْمُقَر به.
الشيخ: تصديقه، الثالث؟
الطالب: الثالث: إمكان ..
الشيخ: إمكان صحة الإقرار به.
(وإن أقر أحد ابنيه بأخ مثله فله ثلث ما بيده، وإن أقر بأخت فلها خمسه) (أقر أحد ابنيه) كم الابنان؟
طالب: اثنان.
الشيخ: اثنان.
(بأخ مثله) يعني أنه يرث، (فله ثلث ما بيده) بيد مَن؟
طلبة: المُقِر.
الشيخ: المُقِر، وهذا إذا أنكر الآخر؛ يعني لدينا رجلان: زيد وعمرو، أقر زيد بخالد أنه أخوه، ولكنَّ عَمْرًا أنكر، فكيف يكون الميراث؟
نقول: يجب عليك أن تعطي هذا الذي أقررت به ثلث ما بيدك؛ لأنك الآن تقر بأن الورثة ثلاثة أنت أحدهم، فيجب أن تعطي هذا الرجل ثلث ما بيدك، كم بيأخذ هذا المُقِر؟
طلبة: السدس.
الشيخ: لا، كم يأخذ أصلًا بدون ها الإقرار به؟
طلبة: النصف.
الشيخ: بيأخذ النصف، نقول: ثلث ما بيدك أعطه اللي أقررت به، كم هو؟ سدس الكل.
(وإن أقر بأخت) وهي بنت أبيه، (فلها خمُسه) لأنه أقر الآن أنه هو زيد وعمرو وفاطمة، اقسم التركة عليهم، من خمسة: لزيد خُمُسان، ولعمرو خُمُسان، وللأخت خمس، نقول الآن: خمس ما بيدك أعطها إياه؛ لأنك أقررت. لكن لو ثبت نسب هذا المُقَر به بشاهدين ماذا يكون؟ يثبت الميراث من الأصل.
نظير هذا مسألة تقع كثيرًا؛ يكون أحد الورثة قد قال الميت: إنه أوصى بثلثه في عمارة المساجد، أحد الورثة يقول هكذا، أوصى بثلثه -أي: الميت- في عمارة المساجد، والورثة لم يصدقوا هذا القائل، ما صدَّقوه، قالوا: أبدًا، أبونا لو كان عنده وصية لكتبها، ولا نقبل كلامك، هل يلزمه أن يخرج ثلث ما بيده؟ نعم، يلزمه؛ لأنه أقرَّ الآن أن ثلث مال أبيه قد نفده أبوه، فيلزمه أن يصرف ثلث ما بيده على حسب ما كان يقوله عن أبيه.
[ ١ / ٥٩٩٧ ]
[باب ميراث القاتل والمبعض والولاء]
ثم قال المؤلف: (باب ميراث القاتل والْمُبَعَّض والولاء).
(ميراث القاتل والْمُبَعَّض) القاتل معروف؛ هو الذي أزهق الروح، أزهق روح إنسان بسبب أو مباشرة، هو قاتل.
الْمبعَّض يعني: الذي بعضه حرٌّ وبعضه رقيق. هذا المبَعَّض.
(الولاء) يعني: ما هو الولاء؟ وما كيفية الإرث به؟
يقول: (فمن انفرد بقتل مُورِّثه أو شارك فيه مباشرة أو سببًا بلا حقٍّ لم يرثه إن لزمه قوَد أو دِية أو كفارة، والمكلَّف وغيره سواء).
يقول المؤلف ﵀: (من انفرد بقتل مُورِّثه) بأن أخذ السيف وجزَّ رأسه، منفرد ولَّا مشارك؟
طلبة: منفرد.
الشيخ: منفرد. أو دهسه بالسيارة بلا عمد، لكن خطأ، فهذا منفرد.
(أو شارك فيه) بأن صار الخطأ في الحادث بينه وبين آخر، أو اشترك اثنان في قتله؛ كل واحد قتلَه بسهمٍ.
(مباشرةً) بأن يفعل سبب القتل هو بنفسه مباشرةً.
(أو بسبب) بأن يضع أمامه حفرةً فيسقط فيها، فهنا ما باشر لكن كان سببًا.
يقول: (بلا حق) فإن كان بحق -وسيذكره المؤلف- فإنه يرث.
(لم يرثه إن لزمه قود أو دية أو كفارة) يلزمه القود إذا كان عمدًا، وتلزمه الدية إذا كان خطأً أو شبه عمد، وتلزمه الكفارة -على المشهور من المذهب- إذا قُتِل بين صف الكفار؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] ولم يذكر الدية، وهذا هو المؤمن إذا كان في صف الكفار، ثم قتله وارثه، ثم قتله أي انسان، فهذا يلزمه الكفارة ولا تلزمه الدية؛ لأنه أهدر نفسه حيث صار في صف الكفار.
والصحيح أن معنى الآية الكريمة: ﴿إِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ يعني مِن قوم بينكم وبينهم حرب، ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ فعليكم الكفارة، وليس عليكم دية؛ لأننا لو بذلنا الدية من سيأخذها؟
طلبة: الكفار.
[ ١ / ٥٩٩٨ ]
الشيخ: الكفار، فلا نعطيهم ما يستعينون به علينا، لكن لما كان مؤمنًا صار له حق، فوجبت الكفارة في قتله.
ثم قال: (والمكلَّف وغيره سواء) يعني حتى غير المكلف لو كان صبيًّا له عشر سنوات يلعب في بندقية، وأصابت مورثه فإنه لا يرث؛ لأن هذه حقوق مالية تتعلق بالعباد، فلا فرق فيها بين المكلَّف وغير المكلَّف.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا يرث القاتل، ولو كان خطأً مئة بالمئة، واستدل هؤلاء بحديث لكنه لا يصح: «لَيْسَ لِلْقَاتِلِ مِنَ الْمِيرَاثِ شَيْءٌ» (٧)، وهذا لا يصح عن النبي ﷺ، وإذا لم يصح نرجع إلى القواعد العامة.
فإذا علمنا يقينًا أن هذا الوارث لم يتعمد القتل مئة بالمئة فإننا لا نمنعه، وبأي طريق نمنعه؟ قد استحق الميراث، فكيف نحرمه منه؟ ! وهذا يقع كثيرًا.
ونضرب لكم مثلًا يتبين به ضعف هذا القول؛ أنه لا يرث ولو كان خطأً مئة بالمئة: رجل له وَلَدَان وهو ذو أموال كثيرة، أما الأكبر منهما فكان عاقًّا لأبيه ولا يعرفه، ولو قدر على أن يرجمه بالحجارة لفعل، وأما الثاني فهو بارٌّ بأبيه يخدمه، ويجتهد في كل برٍّ وإحسان، فقال الرجل للولد البار: أحب أن أذهب إلى العمرة فقال: أهلًا وسهلًا على العين والرأس، والولد يجيد القيادة؛ قيادة السيارة مئة بالمئة، وسافر هو أبوه، وأراد الله ﷾ أن يكون حادثٌ على يد هذا الولد البار خطأً بدون قصد، الرجل مات -الأب- وعنده الملايين، من يرثه؟
طلبة: العاق.
الشيخ: العاق يرثه، والبار لا يرثه! لا، ما يمكن أن تأتي الشريعة بمثل هذا، ابن يحب أن تكون المصيبة عليه دون أبيه، ويحب أن ينجرح على رأسه دون أن يمس أصبع أبيه شيء، نقول: يُحرَم من الميراث، وهذا الولد العاق الذي لو حصل أن يرجم أباه لفعل هو الذي يرث؟ ! الشريعة لا تأتي بمثل هذا، وما دام الحديث لم يصح فلنرجع إلى القواعد العامة، هل يمكن أن يُتهم هذا الذي كان بارًّا بأبيه بأنه تعمد قتله لأجل أن يرثه؟
طلبة: لا.
[ ١ / ٥٩٩٩ ]
الشيخ: لا يمكن بأي حال من الأحوال؛ ولهذا نقول: القول الصواب في هذه المسألة الذي لا يجوز سواه فيما نرى أن القتل خطأً لا يمنع من الميراث، وأننا لو معناه من الميراث فقد حرمناه حقًّا أثبته الله له في كتابه؛ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١].
والتهمة في مثل هذه الصورة التي ذكرنا بعيدة جدًّا، إذا كانت التهمة بعيدة، وسبب الإرث موجود، كيف نمنع نفوذ هذا السبب من أجل طرد القاعدة؟ ! ما يصلح؛ ولهذا كان مذهب الإمام مالك ﵀ في هذه المسألة أصح المذاهب.
يقول: لا يمكن أن نمنع هذا من الميراث، ولا نمنعه إلا إذا عرفنا أنه أخذ السكين وأضجع والده وقال: باسم الله، بل يمكن ما يسمي، ما ندري () بيأكله. المهم ذبَحَه، في هذه الحال لا يرثه؛ لأن التهمة قوية جدًّا، لا سيما إن كان قد توعده وقال: يا أبي، أعطني أبغي أتزوج، أنا ما عندي فلوس، أعطني أتزوج، قال: لا، حك ظهرك بظفرك، والله ما يمكن يعطيه، قال: بيني وبينك الأيام، سأرثك غصبًا عليك.
ثم جاء يوم من الأيام وأضجعه وفي السكين، هذا لا يمكن أن نورثه، ولا تأتي الشريعة بتوريثه؛ لأنه تعمد قتل أبيه لينال ميراثه، وما أحسن ما قعَّده ابن رجب ﵀، قال: من تعجل شيئًا قبل أوانه على وجه محرَّمٍ عُوقب بحرمانه. هذا صحيح.
إذن القول الراجح في مسألة القتل أنه إذا تعمد الوارث قتل مورثه عمدًا لا شك فيه فإنه لا يرث، وإن كان خطأً فإنه يرث. هذا الصواب. ولكن هل يرث من الدية التي سيبذلها؟ لا يرث؛ لأن الدية غُرْمٌ عليه، وقد جاء في حديث رواه ابن ماجه (٨) أنه يرث من تِلاد ماله. يعني قديِمَه، فيرث من المال لا من الدية.
وفي قولنا: (لا من الدية) إشارة إلى أن الدية تثبت على ملك مَن؟ على ملك المقتول ولَّا لا؟
طلبة: ().
[ ١ / ٦٠٠٠ ]
الشيخ: يا إخوانا، على ملك المقتول، الدية تكون ملكًا للمقتول تُورث عنه، ويُخْرَج منها الثلث، وهنا يجب أن ننتبه إلى مسألة مهمة؛ وهي أن بعض الناس إذا حضر القاتل خطأً رحموه ورقُّوا له، وعفوا عن الدية، مع أن الأولاد الصغار؛ له أولاد صغار، أو يكون أولاده كلهم راشدون، ولكن عليه دية، فيعفون، العفو هنا غير صحيح، لماذا؟ لأن الميراث لا يثبت إلا بعد قضاء الدين؛ ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]، فإذا عفوا والميت عليه دَيْن قلنا: غلط، العفو غير صحيح، وتُؤخَذ الدية، ويُقضى بها دين الميت.
وهذه مسألة قلَّ من ينتبه لها؛ ولذلك يجب على أولياء المقتول ألَّا يعفوا حتى ينظروا هل عليه دين أو لا؟ ثم بعد ذلك ينظروا هل في الورثة قُصَّر أو لا؟
يقول ﵀: (وإن قَتَلَ بحق قوَدًا أو حدًّا أو كفرًا) إلى آخره.
(إن قَتَل بحق قودًا) ويش معنى (قودًا)؟ يعني قصاصًا، فإنه يرث. مثال ذلك: أخوان لهما أب، فقام الأكبر وقتل أباه عمدًا، يرث منه أو لا؟
الطلبة: لا يرث.
الشيخ: لا يرث. قام الأصغر وقتل أخاه قصاصًا؟
الطلبة: يرث.
الشيخ: يرث، تمام. إذن كان ميراث الأب والابن الذي هو أخ؟
طالب: للأخ الصغير.
الشيخ: للأخ الصغير. حاز ميراث الرجلين، أما أبوه فلأن أخاه قتله عمدًا فلا حق له، وأما أخوه فلأنه قتله بحق.
(قودًا أو حدًّا) هل هناك شيء من الحدود يصل إلى القتل؟ ما هو؟ رجم الزاني؛ لو أن الوارث شارك في رجم الزاني الذي هو مُورِّثه فإنه يرث.
(أو كفرًا)، عندكم (أو كفرًا)؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، لكن كيف (كُفر) وإحنا ذكرنا أن من موانع الإرث اختلاف الدِّين، فكيف يقتله لكفر؟ !
طالب: المرتد.
الشيخ: المرتد لا يرثه.
طالب: الولاء، استثنينا لا يرث ..
الشيخ: هذا على القول بأن الولاء لا يمنع فيه اختلاف الدِّين، يمكن تصح هذه الصورة، أو على القول بأن المرتد يرثه أقاربه، كما هو اختيار مَن؟
طلبة: شيخ الإسلام.
[ ١ / ٦٠٠١ ]
الشيخ: شيخ الإسلام ابن تيمية.
(أو ببغي) (ببغي) يشير إلى البغاة، البغاة: هم الذين يخرجون على الإمام -يعني: على السلطان- بتأويل سائغ؛ يعني يقولون للإمام: أنت فعلتَ كذا، فعلتَ كذا، فعلتَ كذا، ويخرجون عليه، هؤلاء بُغاة، يُقَاتَلون، يجب على الرعية أن يساعدوا السلطان على قتالهم؛ لأنهم بُغاة.
والأئمة لا يجوز الخروج عليهم إلا بشروط مغلَّظة؛ لأن أضرار الخروج عليهم أضعافُ أضعاف ما يريده هؤلاء من الإصلاح.
الشروط: أن نعلم أنهم أتوا كفرًا، نعلم علم اليقين.
والثاني: أن نعلم أن هذا الكفر صريح ما فيه تأويل، ولا يحتمل التأويل، صريح ظاهر واضح؛ لأن الصريح -كما جاء في الحديث سأذكره لكم الآن- الصريح هو الشيء البين الظاهر العالي، كما قال الله تعالى عن فرعون أنه قال لهامان: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧] فلا بد أن يكون صريحًا، أما ما يحتمل التأويل ولو واحد في المئة فإنه لا يُسوِّغ الخروج على الإمام.
الثالث: عندنا فيه من الله برهان؛ دليل قاطع مثل الشمس أن هذا كفر، فلا بد إذن أن نعلم أنه كفر، وأن نعلم أن مرتكبه كافر لعدم التأويل، كما قال النبي ﵊: «إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ فِيهِ مِنَ اللَّهِ بُرْهَانٌ» (٩)، ثم إنه مرة قال: «لَا تُنَابِذُوهُمْ مَا صَلَّوْا» (١٠) ما داموا يُصلون.
بقي شرط رابع: لا يلزمنا أن نخرج عليه إلا بشرط القدرة على إزالته، أما إذا علمنا أننا لا نزيله إلا بقتالٍ تُراقُ فيه الدماء وتُستباح فيه الحرمات فلا يجوز أن نتكلم، لا يجوز أبدًا، ولكننا نسأل الله أن يهديه أو يزيله؛ لأننا لو فعلنا ونحن ليس عندنا قدرة، هل يمكن أن يتزحزح هذا الوالي الكافر عما هو عليه؟
طلبة: لا.
[ ١ / ٦٠٠٢ ]
الشيخ: لا، بل لا يزداد إلا تمسكًا بما هو عليه، وما أكثر الذين يناصرونه؛ إذن يكون سعينا بالخروج عليه مفسدة عظيمة، لا يزول بها الباطل، بل يقوى بها الباطل، ويكون الإثم علينا، نحن الذين وضعنا رقابنا تحت سيوفه، هو ليس بنا قدرة، ولا أحد أحكم من الله، ولم يفرض القتال على النبي ﷺ وأصحابه إلا حين كان لهم دولة مستقلة، وإلا فكانوا يُهانون في مكة؛ الذي يُحبس، والذي يُقتل، والذي تُوضَع عليه الحجارة المُحماة على بطنه، ومحمدٌ رسولُ الله ﷺ يرجع من الطائف يرمونه بالحجارة حتى أدموا عقبه، ولم يُؤمر بالقتال؛ لأن الله حكيم.
ولذلك -مع الأسف الشديد- الآن أنك لا تجد أحدًا عصى الرسول ﵊ وخرج على الإمام بما للإمام فيه شبهة إلا ندم، وكان ضررًا على شعبه، ولم يزد الإمام، وترى أريد بالإمام ما هو الإمام الأعظم؛ لأن الإمام الأعظم ذهب من زمان، لكن إمام كل قوم مَن له السلطة عليهم، إلا كان ضررًا.
المهم إذا خرج الوارث مع الإمام يُقاتل البغاة فقتَل مُورِّثه، يرث ولَّا لا؟
الطلبة: يرث.
الشيخ: يرث؛ لأنه بحق، قاتله وقتله بحق، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩].
(أو صيالة) ويش معنى صيالة؟ صيالة: صالَ عليك، هذا مُورِّث صال على وارثه، ولم يندفع إلا بالقتل، فإنه له قتله؛ يدافع بالأسهل فالأسهل، فإذا لم يمكن دفاعه إلا بالقتل قتله، يرثه أو لا يرث؟
طلبة: يرث.
الشيخ: يرث؛ لأن الصائل لا حُرْمة له.
يقول: (أو حرابة) الحرابة ويش معناه؟ الحرابة يعني المحاربين الذين يتعرضون للناس بالسلاح في الصحراء أو في البنيان، ويغصبونهم المال مجاهرة لا سرقة، ويُسمَّون قطاع الطريق، فإذا قتلهم فإنه يرث إذا كان وارثًا.
[ ١ / ٦٠٠٣ ]
(أو شهادة وارثه) يعني كان الوارث شهد بحق أن هذا قاتِلُ هذا، وكان القاتل مورثًا للشاهد، يرث أو لا يرث؟
طلبة: يرث.
الشيخ: يرث؛ لأن الشاهد الآن قام بحق واجب عليه؛ فيرثه.
(أو قتل العادلُ الباغيَ وعكسُه) العادل والباغي ويش الفرق بينهما؟ الفرق على اسمه؛ العادل مدافِع، والباغِي مهاجِم، فإذا كان هناك بغاة خرجوا على الإمام، وقتل العادلُ الباغيَ أو بالعكس، فيقول المؤلف: إنه يرثه. وقيل: إن قتل الباغي العادلَ فإنه لا يرثه؛ لأنه ليس بحق، وإن كان العكس فإنه يرثه.
ثم قال المؤلف: (ولا يرث الرقيق ولا يُورَث) الدليل سبق لنا في أول الفرائض أن الله تعالى جعل الميراث ملكًا للوارث، والرقيق لا يَمْلِك، فلا يرث.
(ولا يُورث) لماذا لا يورث؟ لأنه لا مال له، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا لَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ» (١١). فهو لا يملك، وإذا كان لا يملك ماذا يُورث؟ !
لكن قال: (ويرث مَن بعضُه حرٌّ، ويُورَث، ويحجب بقدر ما فيه من الحرية) ()
***
يقول: هل الطلاق يقع من الصغير إذا طلق زوجته؟ وإذا كان الجواب بالنفي مطلقًا، فلماذا يُحرَم من الإرث إذا قتل والده عامدًا متعمدًا، وإذا طلق الأب زوجة ابنه الصغير، هل يقع الطلاق أم لا؟
أولًا: ما هو وجه الارتباط بين حرمان القاتل من الإرث وعدم وقوع الطلاق من الصغير؟
طالب: شيخ، لأنهم يقولون: لأن الصغير، إنه لا () له حكم ().
الشيخ: المهم على كل حال الطلاق من الصغير إذا كان يعقل ويميز ويعرف معنى الطلاق يقع، كما يصح النكاح منه يصح الطلاق؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، فجعل الطلاق للناكح.
وأما كون أبيه إذا طلق زوجته يقع الطلاق، لا؛ يعني: لو طلَّق أبوه زوجته لا يقع، لكن لو خلعها فإنه لا بأس؛ لأن هذا على عِوَض كأنها اشترت نفسها منه.
***
[ ١ / ٦٠٠٤ ]
طالب: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب ميراث القاتل والمبعض والولاء:
ويرث مَن بعضُه حر ويُورث، ويحجب بقدْر ما فيه من الحرية، ومن أعتق عبدًا فله عليه الولاء وإن اختلف دينهما، ولا يرث النساء بالولاء إلا لمن أعتقن أو أعتقه مَن أعتقن.
الشيخ: عندكم (إلا لمن) ولا (إلا من)؟
طالب: (إلا من).
الشيخ: الصواب: (إلا من).
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
ما هو القول الراجح في ميراث القاتل؟
طالب: القول الراجح -يا شيخ- إن كان عمدًا فهو على القاتل، ما له ميراث، وإن كان خطأ ..
الشيخ: إن كان عمدًا محضًا فالقاتل لا ميراث له، وإن كان خطأ؟
الطالب: وإن كان خطأ -يا شيخ- له الميراث.
الشيخ: له الميراث. توافقون على هذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: كيف يرث على القول الراجح؟
إن لَزِمَه قَوَدٌ أو دِيَةٌ أو كَفَّارَةٌ، والْمُكَلَّفُ وغيرُه سواءٌ، وإن قُتِلَ بحقٍّ قَوَدًا أو حَدًّا أو كُفْرًا أو ببَغْيٍ أو صِيالةٍ أو حِرابةٍ أو شَهادةِ وارثِه أو قَتْلِ العادلِ الباغِي وعكسُه وَرِثَه، ولا يَرِثُ الرقيقُ ولا يُورَثُ، ويَرِثُ مَن بعضُه حُرٌّ ويُوَرِّثُ ويَحْجُبُ بقَدْرِ ما فيه من الحرِّيَّةِ، ومَن أَعْتَقَ عَبْدًا فله عليه الوَلاءُ وإن اخْتَلِفَ دِينُهما، ولا يَرِثُ النساءُ بالولاءِ إلا لِمَنْ أَعْتَقْنَ أو أَعْتَقَه مَن أَعْتَقْنَ.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب ميراث القاتل والمبعض والولاء:
[ ١ / ٦٠٠٥ ]
(وَيَرِثُ مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ وَيُورَثُ، ويَحْجِبُ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِن الحُرِّيَّةِ، وَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا فَلَهُ عَلَيْهِ الوَلَاءُ، وَإِنِ اخْتَلَفَ دِينُهُمَا، وَلَا يَرِثُ النِّسَاءُ بِالوَلَاءِ إِلَّا مَنْ أَعْتَقْنَ أَوْ أَعْتَقَهُ مَنْ أَعْتَقْنَ).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
ما هو القول الراجح في ميراث القاتل؟
طالب: القول الراجح يا شيخ إن كان عمدًا فالقاتل ما له ميراث، وإن كان خطأ ..
الشيخ: إن كان عمدًا محضًا فالقاتل لا ميراث له، وإن كان خطأ؟
طالب: وإن كان خطأ يا شيخ له الميراث.
الشيخ: له الميراث، توافقون على هذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: كيف يرث على القول الراجح؟ هل يرث من كل ماله؟ ولَّا من قديم ماله دون الدية؟ ولَّا أيش؟
طالب: من قديم ماله يا شيخ.
الشيخ: من قديم ماله، ولا يرث من الدية، توافقون على هذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يرث من قديم ماله، ولا يرث من الدية.
يقول المؤلف: (إن لزمه قود أو دية أو كفارة)، ما صورة وجوب القود؟ إن لزمه قود متى يلزم القود؟
طالب: القود القصاص.
الشيخ: إي، لكن متى يلزم؟ في أي قتل؟
طالب: في القتل بحق.
الشيخ: القتل بحق؟ يقول: (لا يرث القاتل إن لزمه قود) متى يلزمه القود؟
طالب: إذا قتله بغير حق.
الشيخ: بأي صفة؟
طالب: بالعمد.
الشيخ: قلها: إذا قتل عمدًا بغير حق بما يقتل غالبا، ولهذا تعريف العمد: أن يقصد من يَعْلَمُه آدميًا معصومًا، فيقتله بما يغلب على الظن موته به، هذا العمد.
(أو دية)؟
طالب: في القتل الخطأ أو شبه العمد.
الشيخ: في الخطأ أو شبه العمد.
(أو كفارة)؟
طالب: كقتل المؤمن إذا كان بين صفوف الكفار.
الشيخ: كقتل المؤمن إذا كان بين صفوف الكفار.
فيه قول آخر في لزوم الكفارة فقط؟
طالب: خطأ.
الشيخ: لا؛ لأن الخطأ فيه كفارة وفيه دية.
[ ١ / ٦٠٠٦ ]
طالب: إذا كان بيننا وبين الكفار ميثاق، ووقف بين صفوف الكفار فقتله المسلمون فإنه لا يجب على المسلم إلا الدية.
طالب آخر: إذا قتل أحد من الكفار أحدًا من المسلمين يؤخذ من القاتل الدية.
الشيخ: لا، سبحان الله!
طالب: إذا كان أهله من الكفار، وهو منهم، فهنا عليه الكفارة، القاتل ..
الشيخ: دون الدية؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، ولم يذكر دية؛ لأنه في هذه الحال إذا أدينا دية نؤديها إلى أهله، فيكون في هذا إعانة لهم على المسلمين.
وارث شهد على مورِّثِه بأنه قاتل؟
طالب: لا تمنع شهادته.
الشيخ: لا تمنع من الميراث، لماذا؟
طالب: لأنه يجب عليه أداء الشهادة.
الشيخ: لأنه يجب عليه أداء الشهادة، وقد قام بواجب، وإذا قام بواجب هل من حقه أن نحرمه من الميراث؟ لا.
ما هو القول الراجح فيما إذا قتل الباغي العادل؟
طالب: الدية والكفارة.
الشيخ: هل يرث أو لا يرث؟
طالب: يرث.
الشيخ: إذا قتل الباغي العادل؟
طالب: لا يرث.
الشيخ: لا يرث؟ ! كيف لا يرث؟
طالب: الراجح أنه لا يرث؛ لأنه ليس بحق.
الشيخ: وبالعكس؟
طالب: وبالعكس يرث.
الشيخ: يرث، هذا هو الصحيح.
ما هو الدليل على أن الرقيق لا يرث؟
طالب: لأن الله ﷾ قسم المواريث بـ (اللام) الدالة على التمليك، والرقيق لا يرث.
الشيخ: نعم؛ لأنه تعالى ذكر استحقاق الإرث بـ (اللام) الدالة على التمليك، والرقيق لا يملك.
ما هو الدليل على أن الرقيق لا يملك؟
طالب: الدليل الحسي ممكن؟
الشيخ: لا، دليل شرعي.
طالب: قول النبي ﷺ: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا لَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ» (١).
الشيخ: نعم «مَنْ بَاعَ عَبْدًا لَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ»، ما قال: فماله له، فإذا كان لا يملك كان توريثه يعني توريثَ سيده.
[ ١ / ٦٠٠٧ ]
قال: (ويرث من بعضه حر ويورث ويحجِب بقدر ما فيه من الحرية) إذا كان بعضه حُرًّا وبعضه رقيقًا فالحكم يدور مع علته، فيرث بالحرية ولا يرث بالرق، وذلك؛ لأن القاعدة الشرعية أن ما ثبت بسبب تَبَعَّض بتبعض ذلك السبب، والحكم -يقول العلماء: - يدور مع علته وجودًا وعدمًا، لكن كيف يكون الرقيق مُبَعَّضًا؟ يكون بعضه حُرًّا وبعضه عبدًا؟
طالب: أن يكون بين شركاء.
الشيخ: بأن يكون عبد بين شركاء.
طالب: أحد الشركاء أعتقه، وهو لا يملك ..
الشيخ: أعتق نصيبه.
طالب: نعم، وهو لا يستطيع أن يشتريه من بقية الشركاء، فيبقى هذا العبد يسعى لنفسه حتى يعتقه.
الشيخ: ما يقدر يسعى.
طالب: خلاص.
الشيخ: يكون مُبعَّضًا.
عبد بين شركاء، أعتق أحد الشركاء نصيبه منه؛ إن كان غنيًا –المعْتِق- انسحب العتق على جميع العبد، وألزم هذا المعتق بأن يَغرم قيمة أنصباء شركائه.
مثال ذلك: عبد بين شركاء عشرة، وهو يساوي ألف ريال، يكفي ولّا ما يكفي؟
طلبة: عشرة آلاف.
الشيخ: عشرة آلاف ريال، أعتق هذا الرجل نصيبه، وهو واحد من عشرة، نقول: الآن يسري العتق إلى جميع العبد، ويغرم لشركائه ..
طلبة: تسعة آلاف.
الشيخ: تسعة آلاف ريال، فإن قال: لا أجد شيئًا، فالمذهب أنه يعتق عشر العبد ويبقى تسعة أعشاره رقيقًا، والقول الثاني: أننا ننتقل إلى المرحلة الثانية، وهي أن نقول للعبد: تكسب ببيع أو شراء أو عمل أو ما أشبه ذلك حتى تؤدي أسيادك قيمة أنصبائهم، فإذا قال: لا أقدر، قلنا: الآن عتق منك كم؟
طلبة: العشر.
الشيخ: العشر، وحينئذ صار مُبَعَّضًا فيرث ويورث ويحجب بقدر ما فيه من الحرية، أفهمتم؟
ولها عمل مسائل لا أرى أن نقرأها -أن نقرأ العمل- لسببين:
السبب الأول: أن فهمها صعب.
والسبب الثاني: أن وقوعها نادر، فإذا كانا هذان السببان موجودين فإننا نقول: إنْ قَدَّر الله ﷿ أن ينتصر المسلمون على الكفار ويسبوا نساءهم وذرياتهم وصار عندنا رقيق حينئذ نسأل.
[ ١ / ٦٠٠٨ ]
(ومن أعتق عبدًا فله عليه الولاء) ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (٢)، وظاهر كلام المؤلف سواء أعتقه تطوعًا أو أعتقه في زكاة أو أعتقه في كفارة فالولاء له، مثال التطوع: رجل اشترى رقيقًا وقال له: أنت حر. هذا تطوع، ولا إشكال في كون الولاء للمعتق في هذه الصورة.
مثال الزكاة: من مصارف الزكاة الرقاب؛ لقوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠]، ومن صور ذلك أن يشتري من الزكاة عبدًا فيعتقه، فهذا رجل اشترى عبدًا بزكاته ثم أعتقه، فله عليه الولاء، لو أن هذا العبد اتجر وأغناه الله، وصار عنده أموال كثيرة ثم مات وليس له عصبة؛ فعاصبه المعتق.
مثال الكفارة: إنسان عليه عتق رقبة كفارة، كرجل ظاهر من زوجته أو جامعها في رمضان، أول ما يجب عليه أن يعتق رقبه، أعتق رقبة في الكفارة فالولاء له.
وقال بعض أهل العلم: الولاء في غير التطوع يكون للجهة التي أعتقه من أجلها، فمثلًا: إذا أعتقه من الزكاة يكون ولاؤه لمن؟ لأهل الزكاة؛ الفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل.
في كفارة، إذا أعتقه في كفارة يكون ولاؤه للفقراء؛ لأنهم مصرف الكفارات، لكن المشهور من المذهب أن كل من أعتق عبدًا فله ولاؤه، ولهذا قال المؤلف: (فله عليه الولاء).
واستدلوا بعموم قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (٢).
قال: (وإن اختلف دينهما) فالولاء ثابت، وقوله: (وإن) هذه إشارة خلاف، والخلاف هنا أنه لا توارث بينهما وإن ثبت الولاء من أجل اختلاف الدين، وهذا القول هو الراجح؛ أن الولاء ثابت، ولكن لا توارث بينهما، لو كان العبد الذي أعتقه سيده كافرًا هل يثبت الولاء له عليه؟ نعم، يثبت الولاء له عليه، لكن الميراث لا يرثه لو مات.
دليل ذلك؟
طلبة: قول الرسول ﷺ ..
[ ١ / ٦٠٠٩ ]
الشيخ: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» (٣)، فقول المؤلف ﵀: (وإن اختلف دينهما) يريد أنه يرث ولو مع اختلاف الدين، ونحن لا نوافقه على ذلك؛ لأن لدينا دليلًا واضحًا صريحًا، لكن هل نوافقه على ثبوت الولاء؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأن الولاء ثابت، وهو لحمة كلحمة النسب.
قال: (ولا يرث النساء بالولاء إلا من أعتقن أو أعتقه من أعتقن) المرأة لا ترث بالولاء إلا من أعتقته أو أعتقه من أعتقته، فلا ترث بالولاء بواسطة النسب، مثال ذلك: رجل وامرأة؛ ذكر وأنثى، اشتريا أباهما ثم عتق عليهما، ثم إن الأب اشترى عبدًا فأعتقه، يرثان أباهما ميراث نسب ولَّا ميراث ولاء؟
طلبة: ميراث نسب.
الشيخ: نسب؛ لأن النسب مقدم؛ لأن البنت بذلت في قيمة والدها عشرة آلاف والابن بذل خمسة آلاف؛ يعني بذلت الضعفين، فمات الأب كيف يرثانه؟
طلبة: للذكر مثل حظ ..
الشيخ: للذكر مثل حظ الأنثيين، فلو قالت: أنا بذلت أكثر من أخي في شراء والدي. قلنا: النسب مقدم على الولاء، أما بالنسبة للعتيق الذي مات -قصدي العتيق الأب- إذا مات من يرثه؟
طلبة: الابن.
الشيخ: الابن؛ لأن ميراث البنت والابن في الأول ميراث نسب ليس ميراث ولاء، وعليه فيرثه الابن ولا ترثه البنت؛ لأن النساء لا يرثن بالولاء إلا من أعتقن أو أعتقه من أعتقن، هكذا عند الفقهاء، والمسألة تحتاج إلى تحليل وبحث؛ لأنه قد يقال: لماذا لا ترثه بالولاء والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ» (٤)؟
وإلى هنا ينتهي الكلام على الفرائض في زاد المستقنع، وتعتبر هذه الدراسة تعتبر دراستين؛ دراسة دورة ودراسة استمرارية؛ لأننا وصلنا إلى باب الوصايا، وقدمنا الفرائض على الوصايا؛ لأن ترتيب الفقهاء ليس توقيفيًّا بالوحي حتى نقول: ما يمكن نقدم الفرائض على الوصايا، اصطلاحي وصناعة، والترتيب فيه ليس واجبًا أو واجب؟
طلبة: ليس واجبًا.
[ ١ / ٦٠١٠ ]
الشيخ: يجوز تقرأ كتاب القصاص قبل كتاب النكاح؟
الفقهاء كتبوا النكاح قبل القصاص، هذا صناعة.
طالب: شيخنا، أحسن الله إليكم، ذكر الحديث في حكم الأنثى من الولاء.
الشيخ: نعم، اقرأ.
الطالب: من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: «مِيرَاثُ الْوَلَاءِ لِلْكُبْرِ مِنَ الذُّكُورِ» (٥).
الشيخ: مَن رواه؟
طالب: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، في الحاشية: ذكره أحمد وغيره عن جماعة من الصحابة.
الشيخ: المسألة فيها خلاف، والحديث هذا ضعيف.
طالب: في ميراث الغرقى، ونحوه في المستشفى، قال الطبيب: بأن هذا مات قبل هذا بدقيقة، ولكن الطبيب كافر، هل يقبل قوله؟
الشيخ: سمعتم سؤاله؟ يقول: لو قال: الطبيب في المستشفى إن هذا الرجل مات قبل مورثه بدقيقة هل نقبل قوله وهو كافر؟ نقول: إن الله تعالى قال: ﴿أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وقال ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] فلا يُقبل قوله.
لو نسأل الطب بأن قال الطبيب لهذا المريض: لا تصم، الصوم يضرك. أو قال: لا تسجد السجود يضرك. فهذا لا بأس به؛ لأن النبي ﷺ قبل دلالة الكافر المشرك مع شدة الطلب للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذلك في سفر الهجرة الذي هو من أخطر الأسفار على الرسول ﵊ استأجر عبد الله بن أريقط أن يدله على الطريق من مكة إلى المدينة (٦) مع أن هذا السفر خطير جدًّا.
قريش يطلبون الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومن معه، وقد جعلوا لمن يأتي به وبأبي بكر مئتي بعير، هذه مسألة الطب الصحيح، أننا نأخذ بقوله ما دمنا نعرف أن الرجل ثقة، وأنه يحافظ على سمعته وعلى صنعته، أما مسألة ما يتعلق بالمعاملات بين الناس فلا نقبله؛ لأن من شرط قبول الشهادة العدالة.
[ ١ / ٦٠١١ ]
طالب: أحسن الله إليكم، بالنسبة لميراث الحمل، قلنا: إذا هلك الهالك وترك زوجته وهي حامل نترك نصيب ذكرين.
الشيخ: الأكثر من ذكرين أو أنثيين.
طالب: إي نعم شيخنا، ولكن الآن يا شيخ فيه دورات تكنولوجية بأن الأطباء يعرفون ما في داخل رحم المرأة إذا كانت أنثى أو ذكر، فلو وجدنا يقينًا بأن هذه المرأة ما بداخلها ذكر أو أنثى هل يلزم ..
الشيخ: سؤال جيد، الأخ يقول: كلام الفقهاء على العين والرأس، لكن كلام الفقهاء قبل أن يتقدم الطب، الآن يمكن أن يُعرف ما في بطن المرأة بأنه واحد أو اثنان أو ذكر أو أنثى، فهل نعمل بهذا؟
الجواب: نعم، نعمل بهذا؛ لأن الحكم يدور مع علته، فيوقف له، ثم عاد لا بد من الشروط التي عرفتها.
طالب: شيخ بارك الله فيكم، حيث ذكرنا البغاة، وأنهم هم الذين يخرجون على الإمام وينقمون عليه بعض الأشياء، فهل مثلهم الخوارج الذين يخرجون على الإمام أو أنه لا يقوم وصف الخارجي بالإنسان إلا إذا توفرت فيه أصول الخوارج؟
الشيخ: الفقهاء يفرقون الخوارج والبغاة، البغاة ليس لهم إرادة للحكم في الغالب، وأما الخوارج فيريدون الحكم.
طالب: هل يسمى الإنسان بأنه خارجي وإن لم تتوفر فيه بقية أصول الخوارج المعروفة.
الشيخ: كيف؟
طالب: يعني الخوارج لهم أصول عقدية معروفة؛ تكفير صاحب الكبيرة ..
الشيخ: قد لا يكون كذلك، قد لا يكون الباغي يعتقد هذا الاعتقاد.
طالب: يا شيخ أنا أعني الخارجي، هل من خرج على الإمام خروجًا فقط ويريد الحكم؟
الشيخ: إذا خرجت طائفة لهم شوكة ومنعة على الإمام بتأويل سائغ فهؤلاء البغاة، فإن اختل شرط فهم خوارج.
طالب: إذا كان الإمام في الركوع، وأتى المأموم متأخرًا، وضرب بالأقدام لينتظر الإمام، هل من حقه أن ينتظر؛ لأنها تحصل كثيرًا من بعض المأمومين: إن الله مع الصابرين؟
[ ١ / ٦٠١٢ ]
الشيخ: سمعتم السؤال؟ يقول: لو دخل الإنسان والإمام راكع فهل الأحسن أنه يخبط برجليه من أجل أن ينتظر الإمام؟ وهل نقول للإمام: انتظر؟ وكذلك لو دخل وقال: إن الله مع الصابرين. يعني: اصبر أيها الإمام، فهل هذا مشروع للداخل وهل يشرع للإمام أن يتأنى؟
أحد الأئمة عندنا كان إذا سمع أحدًا يخبط بقدميه جاي يركض بسرعة على طول قال: سمع الله لمن حمده، ليش؟
قال: أخشى أنه إذا وصل إلى الصف يكبِّر للإحرام وهو يهوي، وإذا كَبَّر وهو يهوي لم تنعقد الصلاة فرضًا، قال: فكونه يفوته ركعة أحسن من كون الصلاة كلها تنعقد نفلًا، وهذه وجهة نظر طيبة، لكن بدأ السفهاء يلعبون على هذا الإمام إذا رأوه راكعًا ومضى أن يقول: سبحان ربي العظيم، قاموا يخبطون برجليهم؛ لأنه من عادته إذا سمع التخبيط رفع، فصاروا يخبطون برجليهم علشان يرفع.
لكن الذي أراه أنه متى علم الإمام بدخول إنسان فإن الأفضل أن يتأخر، والناس إذا علموا أنه من عادته أن يتأخر لا يُخشى عليهم أن يكبروا وهم يهوون؛ لأنهم يعرفون عادته، ولا شك أن هذا من الرفق بالرعية؛ لأن المأمومين بالنسبة للإمام كالرعية مع الراعي، هو إمامهم، وهذا من الرفق بهم.
وإذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتعجل في الصلاة إذا سمع بكاء الصبي (٧) فجواز التأخر لمصلحة المصلين من باب أولى، إلا أن العلماء قالوا: ما لم يشق على مأموم، فإن شق بأن كان المسجد واسعًا وسمع شخصًا دخل من الباب، وهذا الشخص سيأتي بطمأنينة، فهذا ربما يشق على الناس فلا ينتظرونه.
طالب: إذا الإنسان ضحك أو تبسم في الصلاة؛ يعني قد يرى موقفًا أو كذا، فهل تبطل صلاته؟
[ ١ / ٦٠١٣ ]
الشيخ: أما التبسم فلا يضر؛ لأنه لم يحدث صوت، وأما الضحك فإن الصلاة تبطل به، حتى لو كان غصبًا عليه؛ لأن أحيانًا يضحك الإنسان غصبًا عليه، أليس كذلك؟ فهل نقول: إن الضحك كالكلام، إذا كان بغير إرادة المصلي فإنه لا يُبطل الصلاة؟ أو نقول: إن الضحك ينافي الصلاة منافاة كاملة فتبطل به، هذا هو الأقرب عندي، أنه إذا ضحك ولو كان بغير قصد تبطل الصلاة، أما التبسم فلا تبطل به الصلاة.
طالب: شيخ، ولو كان مأمومًا؟
الشيخ: إي، مأموم أو إمام أو منفرد، أيُّ مصلٍّ.
طالب: رجل مسافر يجمع جمع تأخير؛ يعني يسافر من الرياض إلى بلده، يجمع جمع تأخير ويصليها في بلده.
الشيخ: يعني أخر الصلاة إلى وقت الأخرى؟
الطالب: إلى وقت الأخرى، المغرب والعشاء أخر الصلاة جمع تأخير إلى وقت العشاء، وصل وقت العشاء أو بعده جاء وقت العشاء في بلده، هل يجوز جمع المغرب؟
الشيخ: إذا وصل بعد دخول وقت العشاء ما صار جمعًا، لكن لو وصل في أثناء وقت المغرب هل يجوز أن يؤخرها إلى العشاء؟ نقول: لا يجوز، اللهم إلا إذا كان لما وصل إلى بلده فإذا هو مرهق وتعبان يحتاج أن يستريح ثم يصلي فلا بأس.
الشيخ: المهم بارك الله فيك، إذا جَمَعَ جمع تأخير، ووصل بلده هل وصل قبل أن يدخل وقت الثانية أو بعد؟
الطالب: بعد.
الشيخ: بعد، ما في إشكال.
طالب: لو أراد أحد المحسنين تجديد بناء مسجد أو ترميمه، وكان هذا المسجد قد بُنِي صدقة جارية، فهل ينتفي الأجر عن الذي بناه أولًا أو يشتركان في الأجر؟
الشيخ: سؤال يقول: إذا كان هناك مسجد قديم، وهدمه إنسان وبناه من جديد، فهل يبقى أجر الأول أو ينتهي؟
فالجواب: إذا وصل المسجد إلى حال لا يُنتفع به أو يُخشى منه ثم أعيد بناؤه فالأجر للثاني، لكن أجر الأرض -إذا كانت الأرض من الأول- باقٍ، أما إذا هُدِم لأجل التحسين فقط والتكميل فالأول مشارك للثاني في الأجر.
***
[ ١ / ٦٠١٤ ]
وهذا ما نويته أيضًا، على أن تكون هذه الجلسة فما يتعلق بالعلم وفضله، فنقول وبالله التوفيق:
لا شك أن العلماء ورثة الأنبياء، فإن محمدًا ﷺ لا نبي بعده، والذين يبلغون رسالاته هم العلماء، ولهذا جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن العلماء ورثة الأنبياء (٨)، ولكن المراد بالعلماء الذين ورثوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم علمًا وعبادة ودعوة وخُلقًا ومنهجًا وجميع ما يتعلق بحياته.
ولهذا كان من المهم لطالب العلم أن يدرس حياة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ ليتأسى به في كل حال، والعلم لا بد له من آداب واجبة أو مستحبة.
فمن أهم الآداب الإخلاص لله ﷿ في طلب العلم، بأن لا نريد بطلب العلم رفعة في الدنيا أو مالًا أو جاهًا أو ما أشبه ذلك، فإنه قد جاء في الحديث: «مَنْ طَلَبَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ لَا يُرِيدُ إِلَّا أَنْ يَنَالَ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ» (٩)، وهذا وعيد شديد فيمن أراد بالعلم الشرعي الذي يُبتغى به وجه الله شيئًا من عرض الدنيا.
وكما أن هذا الوعيد حق فإن العقل يقتضيه، كيف تجعل الأعلى وسيلة للأدنى، وكان الأليق بك عقلًا وشرعًا أن تجعل الأدنى وسيلة للأعلى، ولقد خاب وخسر من أراد بعمله الدنيا، والغالب أن من أراد بعمله الدنيا لا يُبارك له في علمه، لا في نفسه ولا في غيره، فلا بد من الإخلاص لله تعالى في طلب العلم.
[ ١ / ٦٠١٥ ]
الثاني: أن ينوي بطلب العلم امتثال أمر الله ﷿؛ لأن الله أمر بالعلم، أمر بطلب العلم فقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾، فبدأ بالعلم قبل العمل، ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩]، فبدأ بالعلم قبل العمل، ثم إنه ﷿ رَغَّب في العلم فقال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩]، وقال الله ﷿: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١].
ولا يخفى أن الواقع يشهد بذلك، كم من إنسان ليس له حسب وليس له نسب، ومع ذلك إذا كان عالمًا نال مرتبة عظيمة في الأمة.
ويقول الشاعر:
الْعِلْمُ يَرْفَعُ بَيْتًا لَا عِمَادَ لَهُ
وَالْجَهْلُ يَهْدِمُ بَيْتَ الْعِزِّ وَالشَّرَفِ
فيجب أن يعتني الإنسان بالعلم، وأن يبذل الجهد الجهيد في طلبه، وألَّا يسأم ولا يمل، كما كان السلف الصالح ﵃ يسهرون الليل على مصباح ضعيف، وفي حالة تقشف، ولكنهم صابرون، أما نحن الآن في عصرنا كل شيء متوفر والحمد لله، تكتب ورقة ثم تصورها بلحظة، بينما ينقلها السابقون بزمن على مقدار ما كُتِبت فيه.
وعلى طالب العلم أن يُثابر على العلم ويصبر، ولا يقل: أنا لا أحس أني ارتقيت، فإن الإنسان في أول الطلب يكون ضعيفًا، حتى في الإدراك يكون ضعيفًا لا يدرك، وانظر إلى النخلة التي شبهها النبي ﷺ بالمؤمن (١٠) أول ما تغرسها تنمو بسرعة على طول؟ اسأل أهل النخيل، لا، تبقى، وتيبس العسب، ثم تنمو رويدًا رويدًا، هكذا أيضًا العلم لا تظن أنك ستحصل عليه في مدىً قصير، بل لا بد من المثابرة.
كم ذكرنا الآن؟
طلبة: ثلاثة.
الشيخ: الأول؟
طلبة: الإخلاص.
الشيخ: والثاني امتثال أمر الله ﷿.
[ ١ / ٦٠١٦ ]
والثالث؟ الصبر والمثابرة، وألا تتسلق الشجرة من أعلاها، في عصرنا الحاضر مع الأسف الشديد صار كثير من طلبة العلم الصغار يتسابقون إلى التأليف، أو للتلخيص من كتب العلماء السابقين، أو ما أشبه ذلك، والله أعلم بالنيات، لا نقول في هذا شيئًا، لكن نقول: لا تأكل الطعام حتى ينضج، انتظر، إن كان الله أراد لك سيادة في العلم فستنالها، وإلا فسيكون ما تقدمه قبل نضجه سيكون ضرره عليك وعلى غيرك.
وكم من إنسان يندم أن يكون كتب سابقًا قبل النضج ثم تبين له الخطأ، ولكن الرجوع صعب على النفوس الضعيفة، لا على النفوس القوية التي تقدم ما يرضي الله ﷿ على غيره.
الرابع: أن ينوي بالعلم رفع الجهل عن نفسه؛ لأنك مأمور بإصلاح نفسك، ولا صلاح بدون علم، فتنوي رفع الجهل عن نفسك، فإذا قال قائل: هل الإنسان جاهل؟
فالجواب: نعم جاهل، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]، وانظر إلى زيادة العلم، ففي كل جلسة تجلسها عند المعلم تزداد علمًا لم تكن علمته من قبل، فالأصل في الإنسان الجهل، فتنوي بذلك رفع الجهل عن نفسك حتى تعبد الله على بصيرة.
خامسًا: أن تنوي رفع الجهل عن الناس؛ لأن للناس حقًا على العالم أوجبه الله عليه في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، والعامة في حاجة إلى العلماء في التوجيه والإرشاد والدعوة، لكن بالأسلوب الحسن الجذاب المرغِّب دون العنف؛ لأن العنف لا يزيد الشيء إلا شرًّا، قال الإمام أحمد ﵀: العلم لا يعدله شيء لمن صحت نيته. قالوا: يا أبا عبد الله، ما تصحيح النية؟ قال: ينوي رفع الجهل عن نفسه وعن غيره، ليكون إمامًا في دين الله ﷿.
[ ١ / ٦٠١٧ ]
سادسًا: أن ينوي بطلب العلم حفظ الشريعة الإسلامية، حفظ الشريعة الإسلامية فرض واجب على المسلمين؛ لأنها دينهم وشريعتهم عقيدة وقولًا وعملًا فينوي بطلب العلم حفظ الشريعة؛ لأن الشريعة إنما تحفظ برجالها قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]، هؤلاء الرجال يحفظون الشريعة بما أودعه الله تعالى في قلوبهم، ويحفظونها أيضًا بما علمهم الله به في أقلامهم كتابة، نحن الآن نقرأ كتابًا لشيخ الإسلام ابن تيمية، هو في الحقيقة ندرسه، فحفظ الشريعة يكون بالرجال، فتنوي بذلك حفظ الشريعة؛ لتكون قائمًا بفريضة على كل الأمة الإسلامية، الله أكبر، من يحصل له هذا أن يكون قائمًا بفريضة على جميع الأمة الإسلامية؟ !
سابعًا: أن تنوي حماية الشريعة، وحفظ الشريعة غير الحماية، الحماية الجهاد والجدال، فإن حماية الشريعة لا تكون إلا بالرجال، مهما صُنِّف من الكتب ومهما كُدِّس من الأحمال من الكتب لا يكون في حماية الشريعة.
[ ١ / ٦٠١٨ ]