يقول المؤلف: (باب نفقة الأقارب والمماليك) هذا الباب يُذكر فيه نفقة الأقارب ونفقة المماليك، وقد سبق أن قلنا ..
طالب: والبهائم.
الشيخ: لا، عندي والمماليك. باب نفقة الأقارب والمماليك بارك الله فيكم.
طلبة: والبهائم.
الشيخ: طيب، أقول: هذا بيان () لأننا سبق أن قلنا: إن سبب وجوب النفقة، من أسباب وجوب النفقة ثلاثة: الزوجية، والقرابة، والملك؛ لكن الفرق بين هذه الأسباب سبب الزوجية معاوَضة في مقابلة الاستمتاع؛ ولهذا لا تسقط بإعسار الزوج، ولا تسقط بمضي الزمان بخلاف نفقة الأقارب والمماليك، الأقارب أصول، وفروع، وحواشي، أليس كذلك؟
الأصول من تفرعت منهم، من آباء وأمهات، والفروع من تفرعوا منك، من أبناء وبنات، والحواشي من تفرعوا من أصولك، صح من أصولك؟
طلبة: نعم.
طالب: وفروعك، من تفرعوا من () فروع هؤلاء.
الشيخ: ما عليهم أن يتفرعوا، هذا حتى من أصولك من جهة الأم، يعني أخوالك حواشيك؟
طالب: نعم.
طلبة: لا.
الشيخ: لا، حواشي، إذن القاعدة مضبوطة، الفروع من تفرعوا منك، والأصول من تفرعت منهم، والحواشي من تفرعوا من أصولك.
[ ١ / ٧١٤٧ ]
(تجب أو تتمتها لأبويه، وإن علوا ولده وإن سفل) (تجب) أي النفقة، (أو تتمتها) تجب إذا كان المنفَق عليه لا يجد شيئًا، تجب كلها.
(أو تتمتها) إذا كان المنفق عليه يجد البعض لمن؟ (لأبويه وإن علوا) من هؤلاء؟ الأصول. (ولولده وإن سفل) الفروع، واعلم أن هذا الباب كباب تحريم النكاح، لا يفرق فيه بين جهة الأبوة وجهة الأمومة؛ فالأصول والفروع سواء كانوا من ذوي الأرحام أو عصبة أو أصحاب فرض تجب النفقة لهم، لكن بشروط.
يقول المؤلف: (حتى ذوي الأرحام منهم) (حتى) هذه صارت خلاف، لكن يقولون: إنهم غالبًا إذا قالوا: (ولو)، فالخلاف قوي، إذا قالوا: (وإن)، فالخلاف وسط، إذا قالوا: (حتى) فالخلاف ضعيف، لكن هذه ما هي مطردة دائمًا.
(حتى ذوي الأرحام منهم) مَنْ ذوو الأرحام من الأصول؟
طالب: كل ما بينه وبين ().
طالب آخر: ().
طالب ثالث: كل من بينه وبين ().
الشيخ: كل من بينه وبين المنفق ()؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: خطأ.
طالب: كل من ليس بينه وبين ().
الشيخ: لا، إحنا نسأل عن ذوي الأرحام، مَنْ ذوو الأرحام من الأصول؟ كل من بينه؟
طالب: وبين المنفق ().
الشيخ: إذن كل ()، ما هو كل من بينه وبينك أنثى؛ لأنك إذا قلت: كل من بينه وبين () أنثى جاءت فيهم الأم، () ذوي الأرحام؟
لا، ما هي من ذوي الأرحام، فإذن (حتى ذوي الأرحام منهم) السؤال الآن من ذوو الأرحام من الأصول؟ الجواب: كل ذكر بينه وبين المنفق أنثى، أو من أدلى بهذا الذكر.
مرة ثانية: كل ذكر بينه وبين المنفق أنثى أو أدلى بهذا الذكر؛ فأبو الأم من ذوي الأرحام، وأم أبي الأم من ذوي الأرحام؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لأنها أدلت بهذا الذكر، وأبو أبي الأم؟
طلبة: كذلك.
الشيخ: كذلك، تمام. إذن ذوو الأرحام من الأصول ما فيه إلا قاعدة واحد، كل ذكر بينه وبين المنفق أُنثى، أو من أدلى بهذا الذَّكر اللي بينه وبين () الأنثى.
ذوو الأرحام مِن الفروع؟
[ ١ / ٧١٤٨ ]
طالب: كل ذكر بينه وبين المنفق أنثى.
الشيخ: لا تتعجل، ذوو الأرحام من الفروع؟ كل من بينه وبين المنفق أنثى، مَن؟ بينهم ذكر؟ () فذوو الأرحام من الفروع كل من بينه وبين المنفق أنثى، ابن البنت؟
طلبة: من ذوي الأرحام.
الشيخ: ابن البنت من ذوي الأرحام، ليش؟ لأنه بينه وبين المنفق أنثى، فابن بنتك من ذوي الأرحام، بنت البنت؟
طلبة: نعم.
الشيخ: بنت الابن؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ليس من ذوي الأرحام، إذن ذوو الأرحام من الفروع كل من بينه وبين المنفق أنثى، تمام.
ذوو الأرحام تجب لهم النفقة ولَّا لا في الأصول والفروع؟ تجب؛ ولهذا قال: (حتى ذوي الأرحام منهم)، ويش الدليل؟ أنه (حتى ذوي الأرحام منهم) تجب (حتى ذوي الأرحام)، قالوا: لقوة صلتهم بالمنفق؛ لأن فروعه جزء منه، وأصوله هو جزء منها، فهو بَضْعة من أصوله، وفروعه بضعة منه، فلقوة للصلة صارت النفقة واجبة حتى أيش؟ لذوي الأرحام حتى لذوي الأرحام، على هذا ابن بنتك إذا كان فقيرًا وأنت غني يجب عليك الإنفاق عليه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: () هذا اسمه محمد بن علي آل مقرن، وأنا اسمي عبد الله بن صالح آل بسام، أيش المقرن من بسام؟
ويش نقول؟ نقول: لأنه ابن بنتك، والرسول ﵊ قال في الحسن: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ» (١٤) فسمَّاه ابنه، إذن ذوو الأرحام من الأصول تجب لهم النفقة، ذوو الأرحام من الفروع تجب لهم النفقة، عرفتم؟ لا تسأل، إذا كان أصل أو فرع لا تسأل هو بذي رحم، أو بالفريضة، أو بالعصب حتى لو ().
(حجبه معسر أو لا) كيف (حجبه معسر أو لا)؟ يعني أنه لا يشترط التوارث حتى لو كان المنفق محجوبًا بمعسر تجب النفقة.
(حجبه) الهاء في (حجبه) تعود على من؟ المنفِق، تعود على المنفِق.
(معسرٌ) عن إرثه أو لم يحجبه مثاله: هذا رجل له أبٌ فقير، وله جد فقير، يجب أن ينفق على أبيه؟ لأنه ابنه ووارثه، يجب أن ينفق على جده؟
طلبة: نعم.
[ ١ / ٧١٤٩ ]
الشيخ: يجب، هل يرث جده في هذه الصورة؟ لا يرث، لكن لا يهم ورث أو ما ورث، ولهذا قال: (حجبه معسرٌ أو لا) يعني سواء وُجِد معسرٌ يحجب هذا المنفق من ميراث المنفق عليه () أو لم يوجد (حجبه معسر أو لا).
طالب: ظاهر الآية: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] () التعميم هذا ..؟
الشيخ: نجيلها إن شاء الله بعد.
يقول: (حجبه معسر أو لا) ويش مثال (أو لا) مثاله: رجل له أبٌ وجد، أبوه رقيق وجدُّه حر، هل هذا الأب يحجب ابن الابن ولَّا لا؟
طلبة: لا يحجب.
الشيخ: لا تستعجلون، شوفوا المثال، رجل له أب رقيق وجد حُر أو لا؟ هل هذا ابن الابن؟ هل يرث جده لو مات؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: يرثه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لماذا؟ لأن الابن رقيق ما يرث، والمحجوب بالوصف لا يحجب، فالآن هذا المعسر معسر؛ لأنه رقيق ما عنده مال، لا يمنع من وجوب الإنفاق على الجد، وكذلك لو فُرض أن له جَدًّا وليس له أبٌ، يجب الإنفاق عليه ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لأن ما فيه أحد يحجبه، والله أعلم ().
***
في الصورة الأولى إذا تزوجته معسرًا ولم يُعلمها، الذين يقولون: لها الفسخ ولو أعلمها بأنه معسر فلها الفسخ، ما وجهة نظرهم؟ هذا رجل خطب من امرأة وقال: شوفي، ترى ما عندي ولا قرش إلا هذا الريال اللي هو المهر فقط، والباقي بيتي ما فيه ولا إناء، أنا آكل في المطاعم، وقالت: أنا ما أبغي إلا أنت، لا، هذا وهم ()، وقالت: أنا ما أبغي إلا أنت، () ثم لَمَّا دخل عليها ()، وقالت له: أبا طالب، أنت معسر، أبغي الفسخ، شو رأيكم؟
طالب: ().
الشيخ: ليس لها الفسخ؟ حتى على المذهب؟
طالب: ().
الشيخ: لها الفسخ، ما حجتهم، وهي قد رضيت بذلك؟
طالب: ().
الشيخ: () هي تقول: ما أبغي شيئًا أبدًا، () إذا رجع وهوَّن كما سبق لنا أنه لو قالت: رضيت به عِنينًا، ثم () أبغي الفسخ، تُمكن؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا تُمكَّن.
[ ١ / ٧١٥٠ ]
طالب: لأن القول أن النفقة تسدد كل يوم ولذلك ().
الشيخ: نعم، يقولون؛ لأن النفقة تتجدد كل يوم، ولا يمكن إسقاطها قبل وجودها.
طالب: هذا تعليل.
الشيخ: إي نعم، تعليل، لكن هل هو عليل؟
طالب: ().
الشيخ: () قوية.
إذن على كل حال المسألة هذه قلت لكم: إن في نفسي منها شيئًا، ما دام علم بأسرته فالأمر إلى الله ﷿، قلنا: إن جميع الحقوق حتى حق الجماع اللي هو يمكن من أعز ما يكون عند بعض النساء إذا أفسدته فليس لها حق، لو قالت: رضيت به عِنِّينًا، أو تزوجته عالمة بعِنَّته فإنه لا فسخ لها كما سبق.
طالب: كيف يفرقون؟
الشيخ: يفرقون، يقولون: لأن هذا مجرد يعني مجرد شهوة، أما هذا فهو فيه قيام البدن؛ الأكل والشرب.
طالب: ().
الشيخ: هذا هو ().
طالب: ().
الشيخ: ما يخالف هذا.
الطالب: ما الفرق بين الصورتين؟
الشيخ: الفرق بينهما أن الأذى صفة فيه، ليس عائدًا إلى ذاته، صفة فيه، فإذا أسقطه ما فيه سقط الأصل والفرع.
طيب فيه أشياء من قبل المؤلف أنها من مُسقِطات النفقة، أشياء من مسقطات النفقة، أعطنا واحدًا منها، وابدأ بما بدأ به المؤلف إن أمكنك؟
طالب: ().
الشيخ: لا، ما هذا اللي بدأ، أقول: ليس هذا هو الذي بدأ به إلا إن قلت: إنه يشق عليك () أول مسألة بدأ بها؟
طالب: ومن حبست ظلمًا؟
الشيخ: ولو ظلمًا زين. هذه واحدة (من حُبست ولو ظلمًا) يلَّا كمل ().
طالب: ().
الشيخ: لا تسقط النفقة تجب النفقة، لماذا؟
طالب: ().
الشيخ: لأنه تسبب صح هو ليس باختياره، لو تمكن من أن يكون معها في الحبس؟
طالب: تجب النفقة؟
الشيخ: تجب النفقة؟ إي نعم، تجب النفقة؛ لأن الاستمتاع ما ضاع، لأن لو أمكن يجعلهم غرفة خاصة في السجن () يجب النفقة ما يضر.
طالب: ().
الشيخ: أحسنت، الحمد لله، في دولتنا ولله الحمد () طعام وشراب، لكن في دول أخرى تأخذ من السجناء ضريبة.
[ ١ / ٧١٥١ ]
طيب هذا رجل أعطى امرأته ثوبًا، بل ثيابًا للفصل الأول من السنة، ثم أعطاها الفصل الثاني من السنة، ثم جاء رأس السنة وعندها ثياب تُبقيها لسنة أخرى ()، لا هل يلزمها ثياب للسنة الجديدة ولَّا لا؟ أعطاها ثياب الصيف، وجاء الشتاء فأعطاها ثياب الشتاء، وانتهت السنة وعندها ثياب صيف وشتاء، يلزمه؟ يلزمه أن يعطيها ثياب؟ عندها ثياب ..
وكلُّ مَن يَرِثُه بفَرْضٍ أو تَعْصِيبٍ، لا بِرَحِمٍ سِوَى عَمُودَيْ نَسَبِه، سواءٌ وَرِثَه آخَرُ كأخٍ أو لا كعَمَّةٍ وعَتيقٍ بمعروفٍ مع فَقْرِ مَن تَجِبُ له وعَجزِه عن تَكَسُّبٍ إذا فَضَلَ عن قُوتِ نفسِه وزَوجتِه ورقيقِه يوَمه وليلتَه وكِسوةٍ وسُكْنَى من حاصِلٍ أو مُتَحَصِّلٍ - لا من رأسِ مالٍ وثَمَنِ مِلْكٍ وآلةِ صَنْعَةٍ - ومَن له وارِثٌ غيرُ أبٍ فنَفَقَتُه عليهم على قَدْرِ إِرْثِهم، فعَلَى الأمِّ الثلُثُ والثلُثانِ على الْجَدِّ، وعلى الْجَدَّةِ السدُسُ والباقي على الأخِ، والأبُ يَنفرِدُ بنَفَقَةِ وَلَدِه، ومَن له ابنٌ فَقيرٌ وأخٌ مُوسِرٌ فلا نفقةَ له عليهما، ومَن أمُّه فَقيرةٌ وجَدَّتُه مُوسِرَةٌ فنَفقتُه على الْجَدَّةِ، ومَن عليه نفقةُ زيدٍ فعليه نفقةُ زوجتِه كظِئْرٍ لِحَوْلَيْنِ، ولا نفقةَ مع اختلافِ دِينٍ إلا بالوَلاءِ، وعلى الأبِ أن يَسترضِعَ لولَدِهِ ويُؤَدِّيَ الأُجْرَةِ، ولا يَمْنَعَ أمَّه إرضاعَه، ولا يُلْزِمُها إِلَّا لضرورةٍ كخوفِ تَلَفِه، ولها طَلَبُ أُجرةِ الْمِثْلِ - ولو أَرْضَعَه غيرُها مَجَّانًا - بائِنًا كانتْ أو تَحْتَه، وإن تَزَوَّجَتْ آخَرَ فله مَنْعُها من إرضاعِ ولَدِ الأَوَّلِ ما لم يَضْطَرَّ إليها.
(فصلٌ)
وعليه نَفقةُ رقيقِه طعامًا وكِسوةً وسُكْنَى،
(بفرض أو تعصيب لا برحم سوى عمودي نسبه).
[ ١ / ٧١٥٢ ]
(وكل من يرثه) يعني: وتجب النفقة أو تتمتها لكل من يرثه، (بفرض أو تعصيب) وقد علمنا من الفرائض أن الورثة؛ إما بفرض، وإما تعصيب، وإما رحم، وأنه قد يجمع الإنسان بين الفرض والتعصيب؛ إما بسببين مختلفين، أو بسبب ذي وجهين -كلام معقول- قد يجمع بين الفرض والتعصيب؛ إما بسببين، أو بسبب ذي وجهين، هذا معروف.
بسببين؛ كما لو تزوج ابنة عمه وليس لها آخذ سواه، فهنا يرث بالفرض باعتبار الزوجية، وهي سبب ()، وبالتعصيب باعتبار النسب أو لا؟
أو بسبب واحد ذي وجهين؛ كما لو مات عن أخيه من أمه وهو ابن عمه، كيف هذا؟ بعد أن مات أبوه تزوج عمُّه أمَّه أو لا؟ فأتت بولد، فهذا الولد الآن ابنُ عم وأخُ من أم، لو مات عن هذا الأخ اللي هو ابن عم وأخ من أم يرثه بسبب واحد ذي وجهين، أو لا؟ سبب واحد؛ وهو النسب والقرابة.
ذي وجهين فرض وتعصيب كل من يرث بفرض أو تعصيب أو بهما أيضًا فإنها تجب النفقة، ولكن ترى نحن الآن نتكلم عن نفقة الأقارب حتى لا يقول قائل: الزوجة هل تنفق على زوجها إذا كان فقيرًا؟ سبق أن لا.
الآن نتكلم على الذين تجب نفقتهم بسبب القرابة، مثال الذي يرث بالفرض كأخيه من أمه، أخوه من أمه يرث بالفرض.
مثال الذي بالتعصيب كأخيه الشقيق فإنه يرثه بالتعصيب، فإذا كان أخ من أم غنيًّا وأخوه فقيرًا وجب على الغني الإنفاق على الفقير، وإذا كان أخ شقيق غنيًّا وأخوه الثاني فقيرًا وجبت على الغني.
(لا برحم) يعني: لا من يرثه برحم؛ يعني: لا من كان من ذوي الأرحام؛ كالعمة بالنسبة لابن أخيها، وكالخالة والخال، وما أشبه ذلك، فإنه لا نفقة لهم ولو ماتوا جوعًا، إلا على سبيل إنقاذ المعصوم من الهلاك؛ يعني: خالك والرجل الذي لا صلة لك به على حد سواء؛ ما يجب عليك الإنفاق عليه، لماذا؟ لأنه يرثه بالرحم، لا بالفرض ولا بالتعصيب. هذا ما يقوله المذهب.
[ ١ / ٧١٥٣ ]
قال: (سوى عمودي نسبه) ما عمودا نسبه؟ الأصول والفروع هما عمودا النسب، عمودك من فوق الأصول، ومن تحت الفروع، فعمودا النسب تجب نفقتهم أو نفقتهما وإن كانا يرثان بالرحم، فأبو الأم -مثلًا- من عامة النسب أو لا؟ ينفق على ابن ابنته، وابن ابنته ينفق عليه؛ يعني: لو كان أبو الأم غنيًّا وابن البنت فقيرًا وجب عليه أن ينفق عليه ()، لكنك من عمودي نسبه جدك، كذلك ابن البنت يقال: هذا أبوه من أمه، لو كان جدي من أبي أنفقت عليه، لكن هذا جدي من أمي، نقول: تنفق عليه.
فإذن يُشترط أن يكون المنفق وارثًا للمنفق عليه بفرض أو تعصيب إلا في عمودي النسب فلا يُشترط ().
ما هو الدليل على اشتراط الإرث؟
الدليل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِك﴾ [البقرة: ٢٣٣]، ما قال: على القريب، قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ﴾، فدلَّ هذا على اعتبار صفة الإرث، وأنه لا بد من أن يكون المنفق وارثًا للمنفق عليه، لكن إذا قلنا بأنه لا يجب الإنفاق عليه، فليس معنى ذلك أنها لا تجب صلتهم، الصلة شيء والإنفاق شيء آخر، لا بد من صلتهم بما يعده الناس صلة من القول والفعل والمال؛ يعني: بالقول والفعل والمال لا بد من صلتهم.
وقول المؤلف: (لا برحم) الصواب أنها تجب حتى لمن يرثه بالرحم من غير عمودي النسب؛ لعموم الآية، ولا لا؟ ما دام أن القرآن قيَّد الحكم بعلة موجودة في ذي الرحم، فما الذي يخرج ذلك؟ ! فإذا كان يرثه بالرحم فإنه يجب عليه الإنفاق عليه؛ لدخوله في عموم قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِك﴾، فهو قريب ووارث تجب صلته؛ لأن له حقًّا، ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّه﴾ [الإسراء: ٢٦] وتجب نفقته؛ لأنه وارث.
مثاله: ابن أخت له خال فقير، لكن هذا الخال ليس له أحد يرثه -لو مات- سوى ابن أخته، هل تجب نفقته عليه؟ هذا رجل له خال فقير وهو غني؛ الخال ليس له وارث لا بفرض ولا بتعصيب، فهل نلزم ابن أخته الإنفاق عليه؟
[ ١ / ٧١٥٤ ]
أما على المذهب فلا؛ لأنه من ذوي الأرحام ابن أخته يرثه بالرحم، وأما على القول الصحيح الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية فإنه يجب الإنفاق عليه. لماذا؟ لعموم قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، فما دمنا نقول بميراث ذوي الأرحام فإنه الآن قد تحقق فيهم هذا الوصف فيجب أن ينفق. وهذا القول هو الصحيح.
طالب: ()؟
الشيخ: إي نعم، هو من عمودي النسب.
طالب: ().
الشيخ: () لكن في عمودي النسب يرث، ولو كان من ذوي الرحم ..
طالب: () إذا لم ينفق؟
الشيخ: لا، ينفق وإن كان يرثه بذلك ينفق؛ لأنه لا يشترط في عمودي النسب، انتبه في عمودي النسب لا يشترط الميراث، ما يشترط أصلًا، ما دام من عمودي النسب يجب الإنفاق.
طالب: () الحواشي؟
الشيخ: إي، هم الحواشي يُشترط أن يكون يرثه بفرض أو تعصيب لا برحم على المذهب ()، لكن على القول الراجح ما هي () كل من يرثه إذا كان في الحال الذي يرثه ما هو معناه يقدر أن يرثه، فمثلًا ابن العم مع العم ما ينفق على ابن عمه ()، ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] ما قال: وعلى الوالدة، على الزوج.
طالب: ()؟
الشيخ: الآن () الشرط الثاني -ما هو الشرط الثاني بل هو الشرط الأول في الحقيقة-
أن يكون وارثًا للمنفق عليه بفرض أو تعصيب إلا في عمودي النسب فليس يرث بالفرض لا برحم، إلا في عمودي النسب فليس بفرض، نشوف الآن:
رجل له أخ فقير، والأخ الفقير له أبناء عائلة فقراء أيضًا ما عندهم شيء وهو غني، أخ غني له أخ فقير، والفقير هذا له أبناء كلهم فقراء، هل يجب الإنفاق عليه؟
طلبة: لا يجب.
[ ١ / ٧١٥٥ ]
الشيخ: لا يجب؛ لا على المذهب ولا على غير المذهب. لماذا؟ لأن هذا الأخ الغني لا يجب عليه الإنفاق على أخيه؛ لأنه لا يرثه، من يحجبه؟ أبناؤه، لو هلك هالك عن أبناء وعن أخ شقيق هل يرث ولَّا ما يرث؟ ما يرث، ولا يجب عليه الإنفاق على أبناء أخيه؛ لأنه أيضًا لا يرثه، من يحجبه؟ أبوه، لو مات شخص عن أبيه وعمه فالميراث لمن؟ الميراث لأبيه. فهمتم القاعدة؟
هلك هالك ..، أعني قصدي رجل غني له ابن عم فقير وليس هناك أحد سواه.
طلبة: ().
الشيخ: أنتم فاهمون السؤال؟ رجل غني له ابن عم فقير وليس هناك غيره من القرابة.
طلبة: ().
الشيخ: تجب -يا أخي- لأنه لو مات ابن العم هذا من يرثه؟
طالب: ابن عمه.
الشيخ: ابن عمه؛ لأن ما معه غيره من الأقارب.
طالب: ().
الشيخ: لا برحم، هذا يرثه بالتعصيب، تمام ولَّا لا؟ إذا أخٌ من أُمٍّ غنيٌّ، وأخوه من أمه فقير، وليس ثمة غيرهما، تجب؟
طلبة: تجب.
الشيخ: لماذا؟ لأنه يرثه بالفرض. ابن أخت غني وخاله فقير؟
طلبة: ().
طالب: على المذهب لا تجب، وعلى القول الراجح تجب.
الشيخ: إي، صح؛ لأنه لو ماتت ورثها، ولو مات هو ورثته، فعلى القول الراجح تجب، وعلى المذهب لا، فصار الآن القاعدة عندنا أنه يُشترط أن يكون المنفق وارثًا للمنفق عليه، بماذا؟ بفرض أو تعصيب إلا في عمودي النسب فإنه ولو بالرحم؛ ولهذا قال: (لا برحم سوى عمودي نسبه).
يقول المؤلف ﵀: (مع فقر من تجب له) هذا الشرط الثاني، (فقر من تجب له) يعني: يُشترط أن يكون من تجب له النفقة فقيرًا.
والفقر نوعان: فقر مال، وفقر عمل؛ ففقر المال ألَّا يجد مالًا، وفقر العمل ألَّا يجد كسبًا؛ إما لكونه ضعيفًا لا يستطيع العمل، وإما لكون الشعب شعب بطالة ما عندهم عمل، هذا فقير أو لا؟
[ ١ / ٧١٥٦ ]
أما إذا كان غنيًّا بماله أو بكسبه فإنه لا نفقة له؛ لأنه إن كان غنيًّا بماله، فالمال عنده إن كان غنيًّا بكسبه فإننا نلزمه بأن يكتسب فصار (فقر من تجب له) الفقر معناه الخلو، وهو متفق مع القفر للمكان الخالي في الاشتقاق الأكبر ولَّا الأصغر؟ في الاشتقاق الأكبر؛ لأن الحروف متفقة مع اختلاف الترتيب؛ قَفْرٌ وفَقْرٌ، الحروف واحدة (ف ق ر) لكن الترتيب مختلف، فهو متفق معه في الاشتقاق؛ فلهذا نقول: الفقر معناه الخلو.
والفقر نوعان: فقر بالمال، وفقر بالعمل والكسب؛ فالفقر بالمال ألَّا يكون عنده نقود، والفقر بالعمل والكسب ألَّا يكون له كسب؛ إما لعجزه، وإما لأنه ليس هناك عمل يعمله فلا بد من هذا؛ ولهذا قال: (مع فقر من تجب له وعجزه عن التكسب)، وعجزه عن التكسب داخلة في الفقر في الحقيقة.
الثالث قال: (إذا فضل عن قوت نفسه) هذا الشرط الثالث غنى المنفق؛ يعني: أن يكون المنفق غنيًّا، وما صفة الغنى هنا؟ الغنى يختلف باختلاف الأبواب؛ فالغنى في باب الزكاة من ملك نصابا، والغنى هنا غير، والغنى في زكاة الفطر غير، والغنى في الكفارة غير، المهم أن الغنى يختلف باختلاف الأبواب.
الغنى هنا يقول المؤلف: (إذا فضل عن قوت نفسه، وزوجته، ورقيقه يومه وليلته) (إذا فضل عن قوت نفسه) نفس من؟
طالب: ().
[ ١ / ٧١٥٧ ]
الشيخ: لا، (المنفق عن قوت نفسه) أي: المنفق، (وزوجته) قوت زوجته أيضًا؛ لأن زوجته من حاجاته لا بد أن تبقى عنده، (ورقيقه) والمراد برقيقه الرقيق الذي يستقدمه؛ لأن رقيقه في البيت في خدمته ما يستغني عنه، فلا بد أن يوجب نفقته، فإذا كان عنده ما يزيد على قوت نفسه وزوجته ورقيقه يومه وليلته () إذا صار عنده أكثر من قوت نفسه وزوجته ورقيقه يومه وليلته يجب عليه أن ينفقه على قريبه؛ لأنه زائد، ولكن يقول المؤلف: (وكسوة وسكنى) هذه أيضًا لا بد منها أن يكون فاضلًا عن كسوة نفسه وزوجته ورقيقه وسكنى نفسه. وزوجته ورقيقه كل واحد منهما له بيت ولَّا في بيت واحد؟ في بيت واحد.
(وسكنى) هذا الفاضل، منين يكون الفاضل؟ يقول: (من حاصل أو متحصِّل) وإن شئت فقل: أو متحصَّل، (من حاصل) يعني: شيء بيده الآن دراهم بيده؛ يعني: حاصل، (أو متحصل) يعني: يحصله بالصنعة والحرفة وما أشبه ذلك؛ يعني: رجل يحترف ويكتسب ما يكفيه هو وزوجته ورقيقه يومه وليلته يجب عليه الإنفاق ولَّا لا؟ نعم يجب.
(لا من رأس مال وثمن ملك وآلة صنعة) هذه تشكل علينا فيما سبق؛ قلنا بالأول: زائد عن قوت نفسه وزوجته ورقيقه متى؟ يومه وليلته، ثم قال: (لا من رأس مال) ويش لونه؟ ! يعني: واحد عنده مليون ريال قال: هذا رأس مالي، هذا فيه شيء من التناقض، لكن المراد برأس المال رأس المال الذي يحتاج إليه بالتكسب لمعاشه؛ مثل الرجل عنده عشرة آلاف ريال يكتسب بها يبيع ويشتري، لكن منابه الذي يحصله أو ربحه الذي يحصله يكفيه لقوت نفسه وزوجته ورقيقه يومه وليلته فقط، هل يطالبه قريبه () عشرة آلاف ريال يكفيك اليوم وباكر وبعد باكر وكل ها الأسبوع، أعطني منه؟ ليس له ذلك؛ لأن هذا الرجل يقول: أنا لو نقصت رأس مالي نقص ربحي، وإذا نقص ربحي نقصت كفايتي.
[ ١ / ٧١٥٨ ]
ولهذا يجب أن نعرف أن معنى قوله: (لا من رأس ماله) ما المراد به؟ المال الذي يحتاج إليه ليكتسب بربحه بحيث يتكسب ويربح؛ ولهذا قال: (لا من رأس مال وثمن ملك) الملك يشمل الملك الذي يسكنه، مثلًا قال له قريبه: أنت عندك فيلا بعها وأنفق عليَّ واستأجر لنفسك، بعها بمئة ألف وأنفق عليَّ واستأجر لنفسك بعشرة آلاف ريال () عشر سنين اللي عندك، نقول: لا؛ لأنه يحتاج إلى هذا الملك، وكذلك لو كان الملك يحتاج إليه ().
فيه رجل ما عنده تكسب، ما عنده رأس مال، لكن عنده ملك يدر عليه؛ إما مزرعة، وإما فيلا يؤجرها، والمغل من ذلك الملك يكفي لقوته وقوت زوجته ورقيقه، نقول: بع الملك وأنفق على القريب؟ لا، عنده سيارة () وقال له قريبه ().
طالب: ().
الشيخ: () ويش تقولون في هذا؟ يلزم؟
طلبة: ما يلزم.
الشيخ: ما يلزم، لا سيما إذا كان هذا الرجل ممن جرت عادته بركوب مثل هذه السيارة الفخمة، فالحاصل أن ما يحتاجه الإنسان لنفسه هذا لا يلزم ببيعه.
قال المؤلف: (وآلة صنعة) هذا رجل صانع عنده ماكينة يشتغل فيها؛ تجارة أو حدادة أو ما أشبه ذلك، وقال له قريبه: بعها وأنفق عليَّ () أيمكن؟ ما يمكن؛ لأن هذا يضره.
والدليل على هذا كله قول الرسول ﵊: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (١)، وقوله: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ» (٢)، وهذا من حاجات نفسه.
() يجب على الوارث أن ينفق سواء كان المنفق عليه وارثًا ()؛ مثل الأخ: أخ شقيق مع أخ شقيق، الآن يتوارثان هذان الأخوان، هل يتوارثان؟ نعم، لو مات أحدهما عن الآخر لورثه، فيتوارثان، فإذا كان رجل له أخ شقيق فقير وهو غني وهو يرث أخاه؛ يعني: ليس محجوبًا بأب ولا محجوبًا بابن للأخ، فإنه يجب عليه أن ينفق عليه.
[ ١ / ٧١٥٩ ]
وقوله: (أو لا كعمة) يعني: أن لدينا ابن أخ غنيٍّ وعمة فقيرة، الآن ابن الأخ يرثها أو لا؟ يرثها، بماذا؟ بالتعصيب؛ لأنه ابن أخ، ولا ترثه هي بالتعصيب؛ لأنها عمة من ذوي الأرحام.
فإذا وُجِدَ ابن أخ غني وله عمة فقيرة قلنا: إنه يجب عليك أن تنفق عليها، ليش؟ لأنك ترثها، وإذا وُجِدَ عمةٌ غنية وابن أخ فقير فإنه لا يجب على العمة أن تنفق على ابن أخيها الفقير، لماذا؛ لأنها ترثه بالرحم، ما ترثه لا بفرض ولا تعصيب.
وقول المؤلف: (وعتيق) العتيق يرثه المعتق، وهو لا يرث المعتق، فهذا رجل عنده عبد، فأعتقه، ثم صار العبد يبيع ويشتري فأغناه الله، وكان سيده فقيرًا، هل يجب على العبد أن ينفق على سيده؟ لا يجب، لماذا؛ لأنه لا يرثه. ولو كان الأمر بالعكس؛ افتقر العتيق والسيد غني، فإنه يجب على السيد أن ينفق، لماذا؟ لأنه يرثه بالتعصيب.
هنا الإرث من جانب واحد ولَّا من جانبين؟ من جانب واحد؛ ولهذا قال: (أو لا كعمة وعتيق).
طيب، الإنفاق إلى أي شيء يرجع فيه بقدره ()؟ لا يمكن مثل هذا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، ثم قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِك﴾. من الذي يقدم في النفقة؟ ().
فضل عن قوت نفسه وزوجته ورقيقه يومه وليلته، طيب المؤلف بين حاجة المنفق عليه بوصفين ما هما () وجب عليه أن ينفق عليه، وظاهر كلام المؤلف أنه لا يجب حتى ولو كان التكسب بالنسبة لمثله مزريًا.
فلو فُرِض أن إنسانا غنيًّا وعنده أم تستطيع أنها تروح تخدم عند الناس وتتعيش من الخدمة، وهو غني عنده خدم وسيارات والقصور، وجاءت أمه تقول: أعطني نفقة، قال لها: واللهِ أنت تقدرين تشتغلين، روحي اشتغلي خادمة الراتب بمئة ريال، والمؤونة على أصحاب البيت، أيش تقولون في هذا؟
[ ١ / ٧١٦٠ ]
ظاهر كلام المؤلف أنه لا يجب عليه الإنفاق عليها، هذا ظاهر كلامه؛ لأنه اشترط في حاجة المنفق عليه أن يكون قال: (مع فقر من تجب له وعجزه عن التكسب)، ولكن في هذا نظرًا؛ لأن كل الناس يقولون: إن مثل هذا الفعل ليس برًّا بالوالدة أو لا؟ ليس من برك بوالدتك أن تجعل أمك تكنس عند الناس وتغسل ثيابهم وتحلب مواشيهم وأنت راكن في النعمة، هذا ما يقبله العقل السليم، فضلًا عن الصراط المستقيم! يقول المؤلف ﵀ () تعليل صحيح، وبعضها لو طبقت القواعد أو هذه الشروط لعدها الناس عقوقًا، كما في المثال اللي ذكرنا فهو مبني على القاعدة.
طالب: ().
الشيخ: لماذا؟
الطالب: ().
الشيخ: يقولون: إن الكفارة إنما شُرِعَ الإعتاق فيها من أجل أن يتحرر الإنسان ويستقل بنفسه ويكسب، فإذا كان أعمى أو فيه قطع يد أو رجل أو ما أشبه ذلك ما استفاد من العتق.
() أولًا: قد لا يكون السيد (). هذه واحدة.
ثانيًا: قد يكون مماطلًا فلا يستفيد بالعتق.
المهم -يا إخوان- لا تخلط عليكم المسائل، أفهموا الشروط، الآن الشروط أربعة: غنى المنفق. وحاجة المنفق عليه. واتفاق الدين. وكون المنفق وارثًا للمنفق عليه بفرض أو تعصيب إلا في عمودي النسب. هذه الشروط حاصلة هذا على المذهب في هذه المسائل.
حاجة المنفق عليه لا بد فيها من وصفين -كما عرفتم- وهما: الفقر والعجز عن التكسب؛ المنفق بينه المؤلف، قال: (إذا فضل عن قوت نفسه وزوجته ورقيقه يومه وليلته من كسوة وسكنى من حاصل أو متحصِّل، لا من رأس مال وثمن ملك وآلة صنعة).
معلوم؛ لأن هذه الأمثلة لو طالبناه بأن ينفق منها ماذا يحصل؟ يحصل ضرر، والضرر لا يزال بالضرر، لو قلنا لهذا الرجل: بع الصنعة؛ الآلة التي أنت تصنع بها من ماكينة أو غيرها، قال: واللهِ إن بعتها بقيت فقيرًا، نقول: لا يجب عليك.
عنده رأس مال يتجر به، وربحه يكفيه له ولعائلته، ولو أنفق من رأس المال لبقي فقيرًا، فهذا لا نلزمه أيضًا.
[ ١ / ٧١٦١ ]
ثم قال المؤلف: (ومن له وارث غير أب فنفقته عليهم على قدر إرثهم) (من له وارث غير أب) ولاحظوا أن هذا إنما ينطبق على من؟ على غير الأصول والفروع؛ لأن الأصول والفروع لا يُشترط فيه الإرث، فإذا وُجد أب أو جَدٌّ أو ابنٌ أو ابن ابن غنيًّا وجب عليه أن ينفق على أصله أو فرعه بكل حال.
لكن من له وارث غير أب فنفقته عليهم على قدر إرثهم، لماذا؟ التعليل لأن الله علَّق وجوب النفقة بالإرث، والحكم يدور مع علته، فبقدر الإرث يلزم بالنفقة.
ثم ضرب المؤلف أمثلة فقال: (فعلى الأم الثلث، والثلثان على الجد) مثال ذلك: رجل له أم موسرة وهو فقير، وله جد موسر، كم يكون على الأم؟ على الأم الثلث، وعلى الجد الباقي؛ لأنه لو مات ميت عن أمه وجده ترى جده من قبل أبيه لورثاه كذلك،
انتبه، على الأم الثلث، والثلثان على الجد.
صورة المسألة: ابن فقير له أُمٌّ موسرة وَجَدٌّ من قبل أبيه موسر، فنقول: على الأم ثلث النفقة، وعلى الجد الثلثان، كيف ينفقان؟ نقول: إما أن تنفق هي يومًا والجد يومين، وإما أن يجتمعا مدى الدهر، فتسلم هي عشرة وهو عشرين، على حسب ما يكون أصلح وأنفع للمنفق عليه.
وقولنا: على الأم الثلث والباقي على الجد أن المراد بالجد هنا الجد من أب، احترازًا منين؟ من الجد من أم؛ فإنه لو كان له أُمٌّ وجدٌّ من قبلها؛ يعني: أبوها، هي غنية وأبوها غني، والولد هذا فقير، النفقة على الأم وحدها، ما هو عليها الثلث؛ لأن هذا الولد لو مات عن أمه وَجَدِّه من قبلها من الذي يرثه؟ الأم ترثه فرضًا وردًّا.
هل يتصور هذا؛ أن يكون الابن فقيرًا والأم وأبوها غنيين؟ نعم يتصور، هذه امرأة وأبوها لهما عقار يريع ريعًا كبيرًا، والولد ما عنده شيء، واضح أظن؟ واضح، فنقول: النفقة هنا على الأم، وأما أبو الأم فلا نفقة عليه في هذه الصورة.
ما رأيكم لو كانت الأم فقيرة وأبوها غنيًّا، هل يجب عليه؟ يجب عليه؛ لأن الأصول والفروع لا يُشترط فيهما التوارث.
[ ١ / ٧١٦٢ ]
يقول: (وعلى الجدة السدس والباقي على الأخ) لأنه مبني على الميراث، ولو هلك هالك عن جدة وعن أخ شقيق أو أخ من أب، لكان للجدة السدس، والباقي للأخ الشقيق أو لأب، فنقول: على الجدة السدس، والباقي على الأخ.
لو كان أخًا من أم، نشوف الجيد مين، لو كان جدة وأخ من أم؟
طالب: ().
الشيخ: إي، لكن () لماذا؟ ويش تقولون؟ لنا هنا نظران؛ النظر الأول أن نقول: إنهما يرثانه كذلك؛ يعني: لو هلك هالك عن جدته وأخيه من أمه لكان للجدة السدس واحدًا، وللأخ من الأم السدس واحدًا، وتعول المسألة ترد إلى كم؟ إلى اثنين، فنقول: لما كانا يرثانه كذلك يجب عليهما الإنفاق بالسوية.
وقال بعض أصحابنا في هذه المسألة: لا يجب على الأخ من الأم إلا السدس؛ لأنه لا يرث بالفرض إلا السدس، والرد ليس إرثًا بالفرض، بل هو بِرَدٍّ، ويكون خمسة الأسداس على من؟ على الجدة؛ لأن الأصول لا يُشترط فيهم التوارث.
يقول: (والأب ينفرد بنفقة ولده) ..
طالب: ().
الشيخ: واللهِ أتوقف فيها؛ لأن لكل منهما وجهًا.
قال: (والأب ينفرد بنفقة ولده) من المراد بالأب هنا؟ الأب الأدنى، ما هو الجد؛ الأب ينفرد بنفقة ولده، فإذا كانت أم غنية وأب غني ولهما ولد، على من تكون النفقة؟ تكون على الأب، الدليل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ولم يجعل على الأم شيئًا، وقول النبي ﵊ لهند: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي بَنِيكِ بِالْمَعْرُوفِ» (٣)، فدلَّ القرآن والسنة على أن الأب ينفرد بنفقة الولد.
ولكن هاهنا مسألة: لو كان مع الأب ابن غني، فهل ينفرد به الأب؟ يعني: رجل فقير له أبٌ غني وابنٌ غني؟
طلبة: ().
[ ١ / ٧١٦٣ ]
الشيخ: أما ظاهر كلام المؤلف في قوله: (والأب ينفرد بنفقة ولده) فإنها تكون على الأب، أنتم فاهمون الصورة؟ الصورة هذا رجل فقير وله ابن غني وأب غني، فهل نلزم أباه بالنفقة كلها، أو نقول: إنها على الابن، أو نقول: إن على الأب السدس والباقي على الابن؛ لأنهما يرثان كذلك؟
طالب: ().
الشيخ: أما المذهب فظاهر كلامهم في هذه الصورة أنه على الأب؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
ولكن فيه قول آخر اختاره ابن عقيل من أصحابنا أن النفقة على الابن.
فيه قول ثالث احتمال للقاضي أبي يعلى أن على الأب السدس، والباقي على الابن.
ولكن ممكن أن نجيب على القول الأول الذين يقولون: إن الأب ينفرد به، ويستدلون بالآية أن نقول: إن الآية في الرضيع، والرضيع ما له ولد، والله تعالى يقول في الرضيع: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُن﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فالآية ليست شاملة، الآية حكم في صورة معينة، ما هي الصورة المعينة؟ أُمٌّ ترضع طفلًا لشخص، فعليه أن ينفق عليه، أما الصورة التي ذكرناها فلا تدخل في الآية.
والراجح في هذه المسألة أن يقال: إنها تجب على الابن فقط؛ وذلك لأن الابن مأمور بِبِرِّ أبيه أكثر من أمر الأب ببرِّ ابنه، وأيضًا يقول النبي ﵊: «إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ» (٤)، ويقول: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» (٥)، ويقول في فاطمة ﵂: «إِنَّهَا بَضْعَةٌ مِنِّي» (٦)، فالإنسان جزء من أبيه.
فالقول الراجح في هذه المسألة أن يقال: إن الإنفاق في هذه الصورة على من؟ على الابن.
فإن قلت: الآية تقول: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، لماذا لا تعلقها بحسب الإرث؟
[ ١ / ٧١٦٤ ]
قلنا: إن هذا في إرضاع الطفل ما هو في النفقة. وقد علمتم الآن أننا عللنا القول بأن الإنفاق على الابن بكم تعليل بثلاث علل؛ الأولى ().
تمتع بهذا المال كأنما تمتع بجزء من أجزائه.
الرابع: «أَنْتَ وَمَالُكَ».
طالب: «فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي».
الشيخ: «فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي»، هذه هي اللي قال الأخ.
إذن عللنا بثلاث علل ()، لكن حتى الأم ترث مع الجد، لكن لو كان جَدٌّ وإخوة هو اللي ينبني ().
طالب: إذا كان الأب () والجد له حكم ..؟
الشيخ: لا، ما له حكم في هذه المسألة.
الطالب: ()؟
الشيخ: لا، الصحيح أنه ليس له ذلك، لكن إذا وُجِد ..، إذا احتاج الإنسان لا بد أنه ينفق على ابن ابنه.
طالب: () ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ هل ()؟
الشيخ: ويش هي اللي استشهدنا بها ولَّا التي لم نستشهد؟
الطالب: ().
الشيخ: إحنا بَيَّنا أن ..
الطالب: ()؟
الشيخ: لا، ذكرنا في مسألة وجوب نفقة الزوج على زوجته أن الآية في سياق الإنفاق على الزوجة؛ ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾. هذه من جهة.
من جهة أخرى أن وجوب الإنفاق على الزوجة من باب سبيل المعاوضة، ما هو لأجل القرابة حتى نقول: إن القرابة مؤثرة.
طالب: ()؟
الشيخ: لا؛ لأن الجد يرث مع ابن ابنه.
الطالب: ()؟
الشيخ: لا، ما يحجب، الجد له السدس، والباقي لابن الابن ()؛ لأن الآن الابن جزء من الإنسان نفسه جزء منه.
طالب: ()؟
الشيخ: ما يخالف، الابن جزء، فالأب ينتقل إلى جزئه، لكن هذا كأنه هو، فالابن جزء من الأب، كأنه كما قال النبي ﵊: «إِنَّ فَاطِمَةَ بَضْعَةٌ مِنِّي» (٦)، فيكون الإنفاق عليه كالإنفاق على نفسه.
طالب: ()؟
[ ١ / ٧١٦٥ ]
الشيخ: كان واجبًا عليه أن يدفع ضرورته بكل حال، أو نقول بجهة أخرى: إنه في هذه الحال يرد علينا وجوب حق القريب؛ لأن الإنفاق غير وجوب حق القريب، فالإنفاق إذا احتاج إليه صار هذا الرجل -كما قلت- ما يجد شيئًا فإنه في هذه الحال يأتينا من طريق آخر؛ ولهذا كان الصحيح أنه إذا اضطر القريب وجب الإنفاق عليه مطلقًا على كل حال.
طالب: ()؟
الشيخ: هكذا علقه الله؛ ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، وقال: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّه﴾ [الإسراء: ٢٦]، فالحق الذي للقريب هو ما يتعارفه الناس من صلة، وأما الإنفاق فهو أخف؛ لأن الإنفاق معناه أنك تعطيه ما يحتاجه من قوت ومن سكن ومن كسوة ومن زواج أيضًا؛ كل شيء.
طالب: ()؟
الشيخ: إي نعم، قلنا: إن قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ إن هذه في الرضيع خاصة اللي في الآية، ولا يعني ذلك أنه لو اجتمع ابن غني وجَدٌّ غني ومن بينهما فقير، نقول: إن الإنفاق هنا على الجد والابن هذا بعيد.
قال المؤلف: (ومن له ابن فقير وأخ موسر فلا نفقة له عليهما) هذا له ابن فقير وأخ موسر فلا نفقة له عليهما، لماذا؟
طالب: ().
الشيخ: طيب هذا بالنسبة للأخ.
الطالب: ().
الشيخ: وبالنسبة للابن له ابن فقير، هذا واحد رجل فقير وابنه فقير وله أخ موسر يقول المؤلف: لا نفقة له عليه؛ لا نفقة له على الأخ؛ لأن الأخ لا يرثه؛ لأنه محجوب بالابن، والثاني لا نفقة له على الابن.
طالب: ()؟
الشيخ: لا.
طالب: فقير.
الشيخ: لأنه فقير، هذا -شوف- له ابن فقير وأخ موسر نقول: لا يجب عليهما نفقة، لماذا؟ نقول: لأن ابنك فقير وأخاك محجوب بالابن، لكن لو قال الابن لعمه: أنفق عليَّ، يجب؟
طالب: ما يجب.
الشيخ: لماذا؟ محجوب بأبيه، وهذا بناء على القاعدة التي أصَّلها المؤلف بأنه يُشترط في غير الأصول والفروع أن يكون المنفق وارثًا للمنفق عليه بفرض أو تعصيب.
طالب: ()؟
[ ١ / ٧١٦٦ ]
الشيخ: ينفق عليه إذا وصلت الحاجة إلى الضرورة، على المذهب إذا وصلت الحاجة إلى ضرورة وجب عليه دفع ضرورته كغيره من الناس.
طالب: ()؟
الشيخ: إي، ولو كان أخًا.
طالب: ()؟
الشيخ: إي، وجب على الموسر أنه يدفع ضرورة هذا الشخص.
يقول -شوف الآن المثال الثاني-: (ومن أمه فقيرة وجدته موسرة فنفقته على الجدة) الأم فقيرة والجدة موسرة، الأم لا نفقة له عليها، لماذا؟ () نقول لهذا الرجل الذي أمه فقيرة وجدته غنية: يجب الإنفاق على الجدة، إذا قالت الجدة: يا جماعة، أمه لو يموت ما ورث معها، ويش نقول؟ نقول: لا يُشترط في الأصول والفروع التوارث، بناء على قاعدة المذهب، وعلى هذا فيجب عليه الإنفاق.
طيب، لو كان له أم فقيرة وأم أب غنية، ما هو بأم الأم اللي غنية أم الأب، تجب على الجدة؟ نعم.
جدة غنية وأب فقير؟ على الجدة؛ لأنه لا يُشترط التوارث.
يقول: (ومن عليه نفقة زيد فعليه نفقة زوجته) هذه أيضًا يجب أن تلاحظ اللي عليه نفقة زيد عليه أن ينفق على زوجة زيد؛ لأن زوجته من الإنفاق عليه؛ إذ إن الزوجة إذا لم تجد لها نفقة، ماذا تقول لزوجها؟ تقول: أنفق أو طلق، يقوم نقول: ما عندي شيء، نقول: يجب على من تلزمك نفقته أن ينفق على زوجته.
وهل يلزمه أن يزوجه؟ نعم يلزمه أن يزوجه؛ لأن الزواج من النفقة؛ ولهذا جاز أن نعطي الإنسان من الزكاة إذا كان محتاجًا إلى زواج.
طيب، زوَّجه بامرأة وقال: ما ()؟
طلبة: ما يجب.
الشيخ: ما يجب؟
طالب: ().
الشيخ: بعض الناس يمكن ما يكفيه واحدة.
الطالب: ().
الشيخ: نعم ثابت، هذا كثير، نقول: إذا لم تكف الواحدة يزوجه ثانية، فإن قال: لا تكفي، فثالثة، فإن قال: لا تكفي، فرابعة، فإن قال: لا تكفي، نقول: ما لك شيء الآن.
طالب: ()؟
الشيخ: لا، يعرف هذا، المهم الآن صار الإعفاف واجبًا والإنفاق على الزوجة أيضًا واجبًا؛ لأن ذلك من الإنفاق عليه.
طالب: ()؟
الشيخ: لكن قريبه غني، وغنى قريبه كغناه هو.
[ ١ / ٧١٦٧ ]
طالب: ()؟
الشيخ: لا، ما تكفي اللي يجب عليه ينفق عليه.
يقول: (كظئر لحولين) ويش هو الظئر؟ الظئر المرضع؛ يعني: كما يجب الإنفاق على الظئر لمدة حولين.
فلو كان شخصٌ له أخ رضيع، وليس له مال هذا الأخ الرضيع، وهذا الأخ غني يحتاج إلى مرضع ولَّا لا؟ يحتاج إلى مرضع، يجب عليه الإنفاق على هذه المرضع؛ إما بأجرة أو بالمعروف.
لكن يقول المؤلف: (لحولين) يعني: لا زيادة، وظاهر كلامه ولو احتاج الرضيع إلى أكثر، الدليل قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَة وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ مع أنه قال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ كم؟ ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾، ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾.
ولكن الصحيح في هذه المسألة أنا نقول: كظئرٍ لحاجة الطفل، ما هو لحولين؛ وذلك لأن بعض الأطفال ما يكفيه الرضاع لمدة حولين، وبعضهم يكفيه الرضاع لمدة حول ونصف، فيختلفون.
فالصواب أن الحكم هنا منوط بحاجة الرضيع، فما دام الرضيع محتاجًا إلى ظئر وجب على من تلزمه نفقته أن ينفق على هذه الظئر؛ إما بأجرة أو بإنفاق.
قال: (ولا نفقة مع اختلاف الدين إلا بالولاء) (لا نفقة) (لا) هذه نافية للجنس ()، و(نفقة) اسمها، وخبرها محذوف، والتقدير: لا نفقة واجبة.
(مع اختلاف الدين) مثل أن يكون أحدهما كافرًا والثاني مؤمنًا، أو أن يكون أحدهما يهوديًّا والثاني نصرانيًّا فإنه لا نفقة.
ما هو الدليل؟ نقول: إنه لا دليل ولكن عندهم تعليلًا؛ يقولون: لا نفقة لفقد الموالاة والمناصرة بين المسلمين والكافرين؛ لأنه لا يجوز للإنسان أن يكون وليًّا للكافر، والكافر لن يكون وليًّا للمؤمن.
[ ١ / ٧١٦٨ ]
وربما يستدل له بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ ﴿أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ [الممتحنة: ٩]، فإن الإنفاق عليهم لا شك أنه من الولاية.
وهذه المسألة مختلف فيها بين أهل العلم:
فمنهم من قال: إنه لا نفقة؛ لانقطاع الموالاة والمناصرة، ولعدم التوارث أيضًا، فإنه لا يرث المسلمُ الكافرَ ولا الكافرُ المسلمَ.
ومنهم من قال: إنها تجب؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٦]، ولقوله في الوالدين المشركين: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥].
ولكن الصحيح أنها لا تجب، ولكن تجب الصلة، والصلة شيء غير الإنفاق؛ لأن الصلة تحصل بما عدَّه الناس صلة، ولو بالهدايا وما أشبهها، وأما الإنفاق فإنه يلتزم بجميع مؤونة المنفق عليه.
وقال بعض العلماء: إن اتفاق الدين شرط إلا في الأصول والفروع فإنه ليس بشرط، واستدلوا بالآية التي أشرنا إليها؛ ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾، ولأن قوة الصلة بين الأصول والفروع أقوى من الصلة بين الحواشي بعضهم مع بعض، ولكن الأقرب ما ذكره المؤلف؛ وهو أنه لا نفقة مع اختلاف الدين، وأما الصلة بحسب ما تقتضيه تلك القرابة فإنها واجبة.
طالب: ()؟
الشيخ: لا، ما يمكن؛ لأن المودة ما يستلزم من الإنفاق أن يوده، أقول: قد ينفق عليه ().
يقول المؤلف: (إلا بالولاء) هذا الاستثناء هل نجعله منقطعًا أو نجعله متصلًا؟ ما تقولون؟ نحن الآن نتكلم على نفقة الأقارب أو لا؟ إذا كنا نتحدث عن نفقة الأقارب فإن الولاء ليس من القرابة، أليس كذلك؟ الولاء سبب مستقل، ليس هو القرابة؛ ولهذا نقول: إن الاستثناء هنا منقطع.
وقد يقول قائل: إن عموم قول المؤلف: (وكل من يرثه بفرض أو تعصيب) يشمل من يرثه بالقرابة والولاء، وحينئذٍ يكون الاستثناء متصلًا.
[ ١ / ٧١٦٩ ]
إذن نقول: سواء كان متصلًا أو لا؟ فإن اختلاف الدين لا يمنع من وجوب النفقة إذا كان سببها الولاء.
مثاله: أعتق رجل عبدًا له، أعتقه ثم افتقر العبد، وكان العبد نصرانيًّا، فهل يجب على سيده أن ينفق عليه؟
نقول: على المذهب يجب. لماذا؟ قالوا: لأنه لا ينقطع التوارث باختلاف الدين في الولاء، فهذه المسألة إذن مبنية ويش هو عليه؟ على ما سبق من أن اختلاف الدين في الولاء لا يمنع من التوارث، وقد سبق أن هذا القول ضعيف جدًّا، وأن اختلاف الدين -حتى في الولاء- يمنع من التوارث. وقلنا: إن استدلالهم بعموم قول الرسول ﵊: «إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (٧).
يمكن أن نقول أيضًا: وقد قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]، وقال: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] وما أشبه ذلك، فإذا استدلوا بعموم: «إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» استدللنا عليهم بعموم الميراث بالقرابة.
والصواب أن العمومين -لا في الولاء، ولا في القرابة- مخصوصان بقول الرسول ﵊: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» (٨)، وإذا كانوا هم مقرين بأن الميراث بالولاء متأخر عن الميراث بالنسب، فلماذا يجعل أقوى منه في هذه المسألة؟ !
إذن هذا من التناقض أن نجعل الأدنى أقوى من الأعلى، فالصواب في هذه المسألة أنه مع اختلاف الدين لا نفقة لا بالولاء ولا بالقرابة، وأن اشتراط اتفاق الدين لا يستثنى منه شيء.
أما على المذهب فإننا نقول: يشترط اتفاق الدين إلا في الولاء، وحينئذٍ تكون الشروط الأربعة؛ اثنان منها لا استثناء فيهما، واثنان في كل منهما استثناء.
[ ١ / ٧١٧٠ ]
ما هما الاثنان اللذان لا استثناء فيهما، شروط الوجوب كم هي؟ () الذي يستثنى التوارث بالفرض أو التعصيب؟
طالب: ().
الشيخ: لا، يُشترط لوجوب الإنفاق أن يكون المنفق وارثًا للمنفق عليه بفرض أو تعصيب، يستثنى إلا ().
غنى المنفق؛ حاجة المنفق عليه.
اتفاق الدين إلا بالولاء.
والثالث: أن يكون المنفق وارثًا للمنفق عليه بفرض أو تعصيب إلا في عمودي النسب.
وسبق لنا أن الصحيح أن يكون المنفق وارثًا للمنفق عليه بفرض أو تعصيب أو رحم، على القول الراجح.
ثم قال المؤلف ﵀: (وعلى الأب أن يسترضع لولده) (على الأب) (على) تفيد الوجوب، كما قال أهل العلم -علماء الأصول؛ أصول الفقه- يقولون: إن (على) ظاهرة في الوجوب؛ يعني: من الأفراد الدالة على الوجوب وليست نصًّا صريحًا فيه، لكنها ظاهرة فيه، فإذا قيل: عليك أن تفعل، فمعناه واجب.
(أن يسترضع لولده) ويش الدليل؟ الدليل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، قال: ﴿أَرْضَعْنَ لَكُمْ﴾، فهنَّ إذن قائمات مقام الأب، وهو الذي يجب عليه أن يسترضع؛ لأنه قال: ﴿آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، فعليه أن يسترضع لولده. هذا من جهة الدليل.
الدليل قلت: لقوله: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، وجه الدلالة أنه جعل إرضاعهن لمن؟ لأبي الولد ﴿لَكُمْ﴾، إذن فهُنَّ قائمات عنهم بواجب. هذا من جهة الدليل.
من جهة التعليل لأن الإنفاق على الطفل يجب على من؟ على أبيه؛ ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، أن يسترضع لولده الذكر ولَّا الأنثى؟ الجميع؛ لأن (ولد) تشمل الذكر والأنثى.
قال: (ويؤدي الأجرة) لأنها -أي: الأجرة- هي نفقة الأولاد في الحقيقة، والدليل أنها هي النفقة أن الأم يزيد لبنها بالتغذي بهذا الرزق الذي يعطيها المولود له، فعليه أن يؤدي الأجرة.
[ ١ / ٧١٧١ ]
وظاهر كلام المؤلف أن عليه أن يؤدي الأجرة، سواء كانت الأم معه أو بائنًا منه، فإذا طلبت الأم من زوجها أن يؤدي الأجرة عن إرضاع الولد ولو كانت تحته فعليه أن يؤدي الأجرة.
من أين نأخذها من كلام المؤلف؟ من قوله: (وعلى الأب أن يسترضع لولده) ولم يقيده بما إذا كانت الأم بائنًا.
ويش الدليل؟ قالوا: الدليل عموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، وهذا الذي ذهب إليه المؤلف هو المشهور من المذهب، وعلى هذا فيجب للزوجة إذا أرضعت الولد وكانت تحت أبيه يجب لها ما هو عليها أجرة، وإنفاق أجرة لإرضاع الولد، وإنفاق من أجل أنها زوجة، ونسأل الله ألَّا يسلطهن، يُخْشَى باكرًا إذا سمعن مثل هذا قالوا: نبغي نفقة للإرضاع؛ كل شهر ثلاث مئة ريال، وثلاث مئة في عشرة ثلاثة آلاف، وفيه عشرة ثانية ثلاثة آلاف، هذه ستة آلاف وشهرين من ثلاث مئة ألف ومئتين، هذه سبعة آلاف ومئتين، يطلبن أجرة الرضاع.
والمذهب أن هذا حق لها، لكن شيخ الإسلام ﵀ يقول: لا، إذا كانت المرأة تحت الزوج فليس لها إلا الإنفاق فقط، وليس لها طلب الأجرة.
وما قاله الشيخ أصح؛ لأن الله قال: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ هذا في من؟ في المطلقات، هذه في سورة الطلاق في المطلقات، والمطلقة ليست مع الزوج، وأما التي مع زوجها فقال الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
فإن قلت: إذا كانت زوجة فعلى الزوج النفقة والكسوة بالزوجية، سواء أرضعت أم لم ترضع؟
[ ١ / ٧١٧٢ ]
قلنا: لا مانع من أن يكون للإنفاق سببان، فإذا تخلف أحدهما بقي الآخر، لو كانت الزوجة في هذه الحال ناشزًا، هل لها نفقة بمقتضى الزوجية؟ لا، لكن بمقتضى الإرضاع لها نفقة، فحينئذٍ يمكن أن نقول: إن الإنفاق على الزوجة التي ترضع الولد له سببان، ولا مانع من ذلك.
ومن المعلوم أنك لو استقرأت أحوال الناس منذ عهد الرسول ﵊ إلى اليوم ما وجدت امرأة من النساء تطالب زوجها بأجرة إرضاع الولد. وهذا هو القول الصحيح.
يقول: (ولا يمنع أمه إرضاعه)، قوله: (ولا يمنع) هل هي بالنصب أو بالرفع؟ يجوز الرفع على الاستئناف، ويجوز النصب عطفًا على قوله: (أن يسترضع)، وعلى هذا التقدير يكون المعنى: وعليه ألَّا يمنع أمه إرضاعه، وأيًّا كان فسواء كانت الواو استئنافية أو حرف عطف فإن الزوج لا يمنع الأم إرضاع الولد. لماذا؟ لأن لبن الأم أنفع للولد من لبن غيرها، ولأنها -أي: الأم- إذا أرضعت الطفل حنت عليه وألفها، وهو مأمور بأن يبرها هذا الطفل وأن يألفها، فإذا لم ترضعه لم يحصل ذلك.
وقوله: (ولا يمنع أمه إرضاعه) ينبغي ألَّا يكون على الإطلاق، بل إذا كان في الأم مرض يُخشى من تعديه إلى الولد، فإن له أن يمنع، بل في هذه الحال يجب عليه أن يمنعها؛ مثل أن يكون في ثدييها جروح لو رضع الطفل منهما لتأثر، فإنه في هذه الحال له أن يمنع، بل عليه أن يمنع، ومثل أن يطرأ فيها مرض معد -كالسل ونحوه- فإن له بل عليه أن يمنعها من إرضاعه.
(ولا يمنع أمه إرضاعه ولا يلزمها إلا لضرورة كخوف تلفه) (ولا يلزمها) أي: الأم إرضاع الولد إلا لضرورة؛ كخوف التلف.
طالب: ().
الشيخ: لا، (ولا يلزمها) إرضاعه، (إلا لضرورة) يعني: لا يجب على الأم أن ترضع الولد إلا لضرورة، الضرورة مثل أيش؟ يقول المؤلف: (كخوف تلفه).
[ ١ / ٧١٧٣ ]
وظاهر كلام المؤلف أن الضرورة تنحصر بخوف التلف، وأما خوف الضرر فليس بضرورة، والصواب أن الضرورة لا تنحصر بخوف التلف، بل إما بخوف التلف أو بخوف الضرر.
مثال الأول خوف التلف: لو لم نجد مرضعة، أو وجدنا مرضعة ولكن الطفل لم يقبل ثديها، هذا أيضًا خوف تلف.
مثال خوف الضرر: أن نجد مرضعة ويقبلها الصبي، لكن لبنها قليل ما يكفي الولد؛ يعني: يمكن أن يعيش به لكنه لا يكفيه، هذا ضرر وليس خوف تلف، في هذه الحال يلزم الأم أن ترضعه.
وظاهر كلام المؤلف في قوله: (ولا يلزم أمه إرضاعه) أنه لا يلزمها، سواء كان في حجر أبيه أو بائنًا منه.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: بل إذا كانت في عصمة الزوج فيجب عليها أن ترضعه، وما قاله الشيخ فهو أصح؛ أنه إذا كانت في عصمته فإنه يلزمها أن ترضعه إلا إذا تراضت هي والوالد على أن يرضعه غيرها، فلا حرج.
أما إذا قال الزوج: لا يرضعه إلا أنت، فإنه يلزمها، حتى وإن وجدنا من يرضعه، أو وجدنا له لبنًا صناعيًّا يمكنه أن يتغذى به، وقال الزوج: لا بد أن ترضعيه فإنه يلزمها؛ لأن الزوج متكفل بالنفقة، والنفقة -كما قلنا قبل قليل- في مقابل الزوجية والرضاع.
لو قال الزوج: أنا أحب أن أرضع ابني من اللبن الصناعي؛ لأنه أبعد عن الأمراض وشبهها، وقالت: لا، أنا اللي برضعه، فهي المسألة الأولى لها الحق في ذلك ما يمنعها، وقد صار عند الناس موضة قبل سنوات عزفوا عن رضاع الأمهات، لكن -الحمد لله- الآن رجعوا وعرفوا أن المفيد هو لبن الأم ().
(ولها طلب أجرة المثل) (لها) الضمير يعود على من؟ على الأم، (طلب أجرة المثل ولو أرضعه غيرها مجانًا).
طالب: ()؟
الشيخ: لا، على الأم، (ولها) يعني: للأم، (طلب أجرة المثل)، أفادنا المؤلف ﵀ بقوله: (ولها طلب أجرة المثل) أن لها أن تطلب أجرة المثل، سواء كانت مع الزوج أبي الولد أم لا، وسواء كان الولد ولدها أو ولد غيرها، لكنها إذا كان الولد لغيرها لم تكن أُمًّا.
[ ١ / ٧١٧٤ ]
أما إذا كانت في غير حبال الزوج فهو ظاهر القرآن؛ لقوله: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، وأما إذا كانت مع الزوج فإنه تقدم أن اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا أجرة لها، وأن ليس لها أن تطلب أجرة لإرضاعها الولد؛ لأن لها على زوجها النفقة، وهي قائمة مقام الأجرة.
وقول المؤلف: (أجرة المثل) ظاهره أنه ليس لها أن تطلب أكثر من أجرة المثل، فما هو الدليل وهي حرة، هذا عقد؛ إن شاءت طلبت أكثر من أجرة المثل، وإن شاءت طلبت دون ذلك، وإن شاءت طلبت نفس الأجرة؟
ربما يُستدَل لذلك بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، ولم يقل: ما طلبنه، بل قال: ﴿أُجُورَهُنَّ﴾، فما جرت العادة بأنه أجرها تُعطى إياه، وما كان زائدًا فليس لها الحق في طلبه، فإذا طلبت أجرة المثل ألزم الزوج بدفعها، ما يقول: أبغي أقل، بل يُلزم بدفع أجرة المثل، وإن طلبت أكثر وطالب بأجرة المثل فإنه لا يلزمه، حينئذٍ أن يدفع أكثر من أجرة المثل، وعلى هذا يتنزل قوله: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾، فإن طلبت دون أجرة المثل وأبى هو إلا أجرة المثل.
طالب: ()؟
الشيخ: هي تقول: أريد أقل من أجرة المثل، وهو يقول: بل بأجرة المثل.
الطالب: لا يلزمه قبول التنازل؟
الشيخ: إي نعم، لا يلزمه قبول التنازل؛ لأن قبول التنازل يكون فيه مِنَّةٌ عليه ولو في المستقبل، ربما في يوم من الأيام تقول: إي، هذا جزائي، اللي الناس يرضعون بمئة ريال بالشهر وأنا أرضعت لك بثمانين ريالًا، وتبقى مشكلة، دبوس معلق على رأسها.
طالب: ()؟
الشيخ: تُعطى إياه.
الطالب: رفضت؟
الشيخ: إذا رفضت يقول: لا ترضعيه، ندور غيرك.
[ ١ / ٧١٧٥ ]
يقول المؤلف: (ولو أرضعه غيرها مجانًا) قوله: (ولو أرضعه غيرها مجانًا) يعني معناه: أُم الطفل، سواء قلنا: إنها في حباله، على المذهب، أو إنها مطلقة، على القول الراجح، إذا وجدنا من يرضعه مجانًا وأبت هي إلا أجرة المثل؛ يعني هي تقول: لازم من أجرة المثل وغيرها يرضعه مجانًا يلزم الزوج بإعطائه أمه ويدفع لها الأجرة. لماذا؟ إذا قال: يا ناس، أنا وجدت امرأة سليمة ليس فيها مرض وليس فيها نقصان لبن، سترضع ابني بدون فلوس، لماذا تلزمونني؟ نقول: لأن لبن الأم أنفع من لبن غيرها، ولأن حنو الأم على طفلها أشد، ولأنه إذا رضع منها فإنه يألفها ويحبها، وكل هذه مصالح مقصودة للشرع؛ ولهذا نقول: تُقدَّم الأم ولو بالأجرة، حتى لو أرضعه غيرها مجانًا.
يقول المؤلف: (بائنًا كانت أو تحته) (بائنًا) هذه خبر مقدم لـ (كانت)، واسمها؟
طالب: ().
الشيخ: لا، ما هو محذوف.
طالب: ().
الشيخ: () مستتر، اسمها مستتر؛ يعني: سواء كانت في حبال الزوج أو تحته، وعبَّر المؤلف بقوله: (بائنًا) دون قوله: (مطلقة)؛ لأن المطلقة الرجعية في حكم الزوجات؛ ولهذا قال: بائن، والبائن -كما سبق- من كانت في عدة لا رجعة فيها، أو من انتهت عدتها. هذه البائن.
وقوله: (بائنًا كانت أو تحته) سبق لنا قبل قليل وفي الدرس الماضي أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يعارض في هذه المسألة، ويقول: إذا كانت تحته فإنه ليس لها أجرة.
ثم قال: (وإن تزوجت آخر فله منعها من إرضاع ولد الأول ما لم يضطر إليها) (تزوجت آخر) يعني: امرأة مرضع من زوج ومعها طفل وتزوجت بزوج آخر، يمكن؟
طالب: يمكن.
الشيخ: كيف يمكن؟
طالب: اعتدت.
[ ١ / ٧١٧٦ ]
الشيخ: إي نعم، اعتدت وانتهت العدة؛ مثل طلقها وهي حامل، فوضعت انتهت العدة، يجوز أن تتزوج، تزوجت آخر وهي ترضع ولد الزوج الأول، فللزوج الثاني أن يمنعها من إرضاعه. لماذا؟ لأنها إذا اشتغلت بإرضاعه اشتغلت عن حقوقه، حقوق من؟ حقوق الزوج الثاني، فهو يقول: أنا لا أريد أن تشتغلي بهذا الطفل الذي ليس مني عن حقوقي، فله الحق في منعها إلا في حال ذكرها المؤلف وحال لم يذكرها، والحال التي ذكرها ما لم يضطر إليها ما لم يضطر من؟ الطفل، ومعنى (يضطر) أصلها (يضتر) بالتاء، لكن حصل فيها قلب؛ تُقْلَب التاء طاء، فصارت (يضطر).
(فإن اضطر إليها بحيث لم يقبل ثدي غيرها أو لم يوجد من يرضعه فليس للزوج الثاني أن يمنع) لماذا؟ لأن هذا من باب إنقاذ المعصوم من الهلكة، وإنقاذ المعصوم من الهلكة أمر واجب، فليس له أن يمنع الحال الثانية التي ليس له أن يمنع فيها إذا اشترطته عليه؛ يعني: الزوجة عندما أراد الزوج الثاني يتزوجها، قالت: أشترط عليك أن أرضع ابني من زوجي الأول، هل له أن يمنع؟ لا؛ لأن ذلك شرط عليه، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، فأمر الله تعالى بالوفاء بالعقد، والوفاء بالعقد يشمل الوفاء بأصل العقد والوفاء بصفة العقد، والشروط في العقود صفات فيها.
دليل آخر من القرآن قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤] ﴿أَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ والشروط عهد؛ لأن المشروط عليه متعهد بماذا؟ بهذا الشرط. هذان دليلان.
ودليل من السنة: «إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» (٩)، ودليل ثانٍ من السنة: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» (١٠).
[ ١ / ٧١٧٧ ]
فإذا كانت هذه الزوجة قد اشترطت على الزوج الثاني أن ترضع ولدها من الزوج الأول فليس للزوج الثاني أن يمنع؛ ولهذا قال: (ما لم يضطر إليها).
كلمة (اضطر) تُنْظَر: اضْطَر ولَّا اضْطُر؟ بعض الطلبة نسمعه يقول: اضطَر إلى كذا، هل هذا صواب؟ يقول: اضطَر إلى أكل الميتة مثلًا؟ خطأ؛ لأن اضْطَر؛ يعني: اضْطَر غيرَه؛ يعني: ألجأ غيره إلى كذا وكذا، لكن (اضطُر) يعني: هو مُلْجَأ إلى هذا الشيء ().
الشرط العرفي كالشرط اللفظي، فإذا اطرد العرفي في شيء من الأشياء فكالمشروط؛ وذلك لأن المتعاقدين لا يفهمان إلا أن هذا الأمر أو هذا العقد على هذا الوصف؛ ولهذا من القواعد المقررة فقهيًّا أن الشرط العرفي كالشرط اللفظي، والشرط الشرعي أيضًا كالشرط اللفظي، فعندنا شرط شرعي ولفظي وعرفي.
الشرط الشرعي؛ كخيار المجلس مثلًا، هذا وإن لم يُشترط معروف ولَّا لا؟ لو تبايعت أنت وشخص شيئًا، وأول ما أخذ منه تم البيع ونظر وقلَّب، وقال: والله ما جاء به، قال: هونت، ما توهن، تم العقد، نقول: لكن عندنا شرط شرعي؛ وهو أن للمتبايعين الخيار ما لم يتفرقا.
ثم قال: (فصل) () ..
طالب: () للزوج الأول ()؟
الشيخ: هذا من جهة تأثير الرضاع، ما هو من جهة أنها ترضع الولد أو ما ترضعه، تأثير الرضاع تقدم أن اللبن يكون للزوج الأول، لو أرضعت بهذا اللبن صار من الزوج الأول. هذه مسألة ثانية.
طالب: ()؟
الشيخ: للأول ().
الطالب: لكن لو كان الزوج من الرياض وعرفهم ليس كعرفنا وتزوج ()؟
الشيخ: هذا يرجع إلى مكان العقد ().
في الرقيق (ويجب عليه نفقة رقيقه طعامًا وكسوة وسكنى) (يجب عليه) على من؟ يجب على المالك السيد، (نفقة رقيقه) الرقيق هو المملوك من ذكرٍ أو أنثى، والرق له أسباب منها الكفر، فالكفار إذا حاربناهم وسبيناهم؛ فمن كان من أهل القتال خُيِّر الإمام فيه، ومن لم يكن من أهل القتال فهو رقيق.
[ ١ / ٧١٧٨ ]
وكِسوةً وسُكْنَى، وألا يُكَلِّفَه مَشَقًّا كثيرًا، وإن اتَّفَقَا على الْمُخارَجَةِ جازَ، ويُريحُه وقتَ القائِلةِ والنومِ والصلاةِ، ويُرْكِبُه في السفَرِ عَقَبَةً، وإن طَلَبَ نِكاحًا زوَّجَه أو باعَه، وإن طَلَبَتْه أَمَةٌ وَطِئَها أو زَوَّجَها أو باعَها.
(فصلٌ)
وعليه عَلْفُ بهائمِه وسَقْيُها وما يُصْلِحُها، وأن لا يُحَمِّلَها ما تَعْجِزُ عنه، ولا يَحْلِبَ من لبنِها ما يَضُرُّ وَلَدَها، فإن عَجَزَ عن نَفَقَتِها أُجْبِرَ على بَيْعِها أو إجارتِها أو ذَبْحِها إن أَكَلَتْ.