تُسَنُّ بشاةٍ فأَقَلَّ، وتَجِبُ في أَوَّلِ مَرَّةٍ إجابةُ مُسلمٍ يَحْرُمُ هَجْرُه إليها إن عَيَّنَه، ولم يكنْ ثَمَّ مُنْكَرٌ، فإن دَعَا الْجَفَلَى أو في اليومِ الثالثِ أو دعاه ذِمِّيٌّ كُرِهَت الإجابةُ،
يستقر المهر، يستقر أيضًا بلمسها وتقبيلها ولو ()، قال: وبالنظر إلى فرجها.
وقد تقدم لنا عن الإمام أحمد ﵀ عبارة جامعة، ما هي؟ إذا استحل منها ما لا يحل لغيره استقر المهر، ويستقر مهر المثل بالدخول.
قال: (وإن طلقها بعده) (إن طلقها) أي: الزوج، سواء كانت مفوضة أو غير مفوضة، (بعده) الضمير بعد الدخول، ولو قال المؤلف: لو طلقها بعدما يقرر المهر من دخول، أو خلوة، أو لمس، أو نظر لفرجها أو موت؟
طالب: لا يا شيخ، كيف يطلقها؟
الشيخ: أو ما يمكن؟ ما يمكن.
[ ١ / ٦٤٤٨ ]
(إن طلقها بعده فلا متعة) لها، لماذا؟ قالوا: اكتفاء بالمهر؛ لأن المهر تقرر، فيكتفى به ولا حاجة إلى المتعة، لكن مع ذلك تستحب المتعة للمطلقة ولو بعد الدخول؛ لأنه ثبت المهر بالدخول، واسْتُحِبت المتعة بالطلاق؛ إذ إن الطلاق -ولا سيما إذا كانت المرأة راغبة في زوجها- فيه كسر لقلبها وضيق لصدرها، فكان من الحكمة أن تجبر بمتعة.
فالمذهب أن المتعة لا تجب إلا لمن طلقت قبل الدخول ولم يفرض لها مهر، ولا هي المسألة التي سبقت لمن طلقت قبل الدخول ولم يُفْرَض لها مهرٌ، هذه اللي واجب لها متعة، وأما المطلقة بعد الدخول فلا متعة لها، لماذا؟ لأن لها مهرًا؛ إما المسمى إن سمي، أو مهر المثل.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: تجب المتعة لكل مطلقة حتى التي بعد الدخول، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١] فقال: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ﴾ وهذا عام، وأكد الاستحقاق بقوله: ﴿حَقًّا﴾، وأكده بمؤكد ثانٍ ﴿عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، فدلَّ هذا على أن القيام به من تقوى الله، وتقوى الله تعالى واجبة، وما قاله الشيخ ﵀ فهو قوي جدًّا؛ لأن الآية عامة.
طالب: شيخ، ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦].
الشيخ: لا، اللي إحنا تلونا هذه () ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، أما هذه اللي تلونا ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾.
الخلاصة -يا إخوان- الآن لعل المسألة -إن شاء الله- انكشف الموضوع؛ يتقرر المهر بالموت، وبالوطء، وبالخلوة، وبالنظر إلى فرجها بشهوة مطلقًا، وباللمس بشهوة، وبالتقبيل، وإن شئنا قلنا: بالجماع، وبكل ما لا يحل لغير الزوج، إباحة كل ما لا يحل لغير الزوج.
طالب: () كلام شيخ الإسلام قوي ().
الشيخ: إي نعم؛ لأن الآية عامة.
[ ١ / ٦٤٤٩ ]
طالب: هل هذا تنصيص على بعض أفراد العام ()؟
الشيخ: كيف يعني؟
الطالب: قوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ والنص على بعض أفراده ().
الشيخ: نعم، هذاك خرج بالنص ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، إي الظاهر أن هذه بالإجماع ما لها متعة.
الطالب: وهذا مثال على ().
الشيخ: ربما يكون، لكنه مع أنه خالف الحكم هذا خالفه. طيب الآن هذه ستة أشياء يستقر بها المهر.
متى يجب مهر المثل؟
طالب: إذا كان المسمى فاسدًا ..
الشيخ: إذا كان المسمى فاسدًا أو لم يُسَمَّ لها مهر.
متى تجب المتعة؟ إذا طلقها قبل الدخول ولم يُسَمَّ لها مهر، أو سُمِّي لها مهر فاسد إذا طلقها قبل الدخول؛ يعني: قبل ما يتقرر به المهر -أحسن- إذا طلقها قبل ما يتقرر به المهر ولم يُسَمَّ لها مهر أو سُمِّي لها مهر فاسد فلها المتعة.
ومتى يجب النصف؟
إذا طلقها قبل ما يتقرر به المهر وسمى لها صداقًا.
ومتى يسقط الحالة الرابعة؟
إذا كانت الفرقة من قبلها قبل أن يتقرر المهر. أحفظوا هذه؛ لأنها تُشْكِل على كثير من الطلبة. فصارت الآن أربعة أحوال: يستقر المهر، ويش بعد؟ ويتنصف، ويسقط، وتجب المتعة، أربعة أحوال.
يستقر المهر بالدخول وباستباحة كل ما لا يحل لغير الزوج، هذا الاستقرار ضده؛ يسقط بكل فرقة من قبل الزوجة قبل أن يتقرر المهر، هاتان حالان متقابلتان.
يتنصف؟
طلبة: إذا طلقها.
الشيخ: إذا طلقها قبل أن يتقرر الصداق وكان الصداق معينًا يتنصف المهر، إذا طلقها قبل أن يتقرر وكان الصداق معينًا فلها النصف.
الحال الرابعة المتعة؛ وجوب المتعة إذا طلقها قبل أن يتقرر المهر وقبل تعيينه.
طالب: أو كان فاسدًا.
الشيخ: أو كان معينًا فاسدًا.
طالب: إذا طلقها قبل أن يتقرر المهر وجوب ال ..
الشيخ: إي نعم، قبل أن يتقرر المهر، وقبل أن يعين، أو عين وهو فاسد، هذه الآن أربعة أحوال كلها واجبة هذه.
[ ١ / ٦٤٥٠ ]
المتعة للمطلقة بعد الدخول؛ لأن بعد الدخول يستقر المهر ولَّا لا؟ المتعة للمطلقة بعد الدخول وقد استقر المهر، هل هي واجبة أو مستحبة؟
طالب: مستحبة.
الشيخ: المذهب أنها مستحبة؛ استغناء بما وجب لها، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أنها واجبة؛ لأنها لا تجب بالعقد أو بالدخول، إنما تجب بالطلاق، فسبب المهر الدخول، وسبب المتعة الطلاق، فالدخول لما حصل واستباح الرجل من امرأته ما لا يحل لغيره استحقت المهر بهذا الفعل، والطلاق عُوِّضَت عن كسر قلبها وضيق صدرها -ولَّا لا؟ - ما عُوِّضت، إذا لم نعطها حقوق متعة ما عُوِّضت، فيقول شيخ الإسلام: لا يمكن أن يسقط المهر المتعة؛ لأن المتعة إنما وجبت بالطلاق، فهو سبب جديد غير الذي أوجب المهر، الذي أوجب المهر الدخول أو ما ألحق به، وأما هذه فأوجبها الطلاق، ثم إنه -بلا شكٍّ- من العشرة بالمعروف بعد أن طال أو ما طال، بعد أن حصل ما حصل بين الرجل وزوجته يكسرها هكذا وكأنها شاة باعها! وهو ينبغي أن يجبر قلبها بما يتيسر، وهذا يفعله الناس أهل الكرم، حتى الآن في زماننا يفعلون؛ تجد بعض الأغنياء يطلق زوجته ويعطيها -مثلًا- بيتًا، ولَّا يعطيها سيارة، ولَّا يعطيها أشياء؛ حليًّا، أو ما أشبه ذلك.
طالب: المختلعة إذا طلق خلعًا () متعة؟
الشيخ: يعني: قبل الدخول؟
الطالب: إي نعم، قبل الدخول.
الشيخ: هذه الفرقة من قِبَلِها، هي التي طلبت.
طالب: شيخ، إذا طلق قبل عشر سنين () وهو ما علم بالحكم ()، يعني يعطيها شيئًا بعد ها المدة؟
الشيخ: لا، الظاهر أحسن ما يعطيها؛ أولًا: لأنه فات محلها، والثاني أنه ربما تجدد أحزانها، إن كانت حزينة من فراقه تجدد الأحزان فالأحسن ما يعطيها.
طالب: يعني لها وقت -يا شيخ- عند الطلاق؟
الشيخ: لا، ما لها وقت محدد، لا سيما إذا جرت العادة بأنها تعطى ولا أعطيت، وأما مثل عادة الناس الآن ما كلٌّ يعطي، فالذي أرى أنها ما تعطى إذا طالت المدة.
[ ١ / ٦٤٥١ ]
طالب: دفع المهر كيف قبل التعيين ()؟
الشيخ: ما فيه، إذا صار قبل التعيين ما يصير () مهر، يصير متعة، إذا طلق قبل التعيين فهو متعة، ما هو مهر.
الطالب: لكن لا قرر ولا عين؟
الشيخ: إي، ما قرر ولا عين يصير متعة، يعطيها ما تيسر.
الطالب: لكن كيف يتعين ويتقرر، النصف لما تعين لها قبل التقرير؟
الشيخ: ما يتعين قبل التقرير، التقرير معناه أنه تقرر المهر بالدخول، إذا دخل عليها ثبت المهر كاملًا.
الطالب: وهو ما تعين؟
الشيخ: لو ما تعين يعطيها مهر المثل.
الطالب: النصف يا شيخ ()؟
الشيخ: النصف ما يكون إلا إذا طلق قبل الدخول، وهذا ما يمكن يكون نصفًا إلا لشيء معين يمكن تنصيفه، أما اللي ما عُيِّن مثل قال: زوجتك بنتي ولا أقر المهر، ما ذكر المهر إطلاقًا، ثم إن الرجل طلقها قبل أن يدخل عليها، نقول: لا، لها متعة الآن، لها متعة مثلما قال الله: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦].
طالب: سؤال المتعة ()؟
الشيخ: تمتع بقدر يسر زوجها وعسره، سواء أعطيت ما يكفيها لسنة أو لشهر أو لأكثر، حسب يسر الزوج وعسره.
قال المؤلف: (وإذا افترقا) قوله: (وإن طلقها بعده فلا متعة) النفي هنا نفي للاستحباب ولَّا للوجوب؟
طلبة: للوجوب.
الشيخ: للوجوب؛ يعني وأما الاستحباب فهو مستحب، لكن لا متعة واجبة، وإذا افترقا في النكاح الفاسد قبل الدخول والخلوة فلا مهر، وبعد أحدهما يجب المسمى.
اعلم أن النكاح الفاسد غير الباطل، وهذا مما يختص به النكاح عند الحنابلة؛ الحنابلة لا يفرقون بين الفاسد والباطل إلا في موضعين اثنين فقط؛ وهما هنا في باب النكاح، والثاني في باب الإحرام.
[ ١ / ٦٤٥٢ ]
ففي باب الإحرام قالوا: إن الفاسد في الحج هو الذي جامع فيه قبل التحلل الأول ويمضي فيه، والباطل هو الذي ارتد فيه؛ مثل واحد حاج واستهزأ -والعياذ بالله- بشيء من آيات الله وهو حاج؛ بطل حجه، الآن خلاص صار مرتدًا فبطل حجه، فهنا فرقوا بين الفاسد والباطل.
كذلك في النكاح يفرقون بين الفاسد والباطل؛ بأن الفاسد ما اختلف العلماء في فساده، والباطل ما أجمعوا على فساده، هذا الباطل.
مثال اللي أجمعوا على فساده كنكاح الأخت مثلًا؛ رجل تزوج امرأة ثم تبين أنها أخته من الرضاع، ما حكم هذا النكاح؟
طلبة: باطل.
الشيخ: باطل؛ لأن العلماء مجمعون على فساده.
أما النكاح الفاسد فهو الذي اختلفوا فيه؛ مثل النكاح بلا ولي، أو النكاح بلا شهود، أو نكاح امرأة رضعت من أمه مرة أو مرتين أو ثلاثًا أو أربعًا، هذا نسميه نكاحًا فاسدًا؛ لاختلاف العلماء في فساده.
المؤلف يقول: (إذا افترقا في) النكاح، (الفاسد) احترازًا من أيش؟
طالب: من الباطل.
الشيخ: من الباطل، (قبل الدخول والخلوة فلا مهر) وبعدهما لها المسمى.
مثال ذلك: رجل تزوج امرأة بدون ولي، ثم قيل له: هذا النكاح ليس بصحيح، فطلِّقْها، طلقها هذا الرجل، لها شيء؟ طلقها بدون دخول ولا خلوة.
طلبة: ليس لها.
الشيخ: ليس لها شيء، لماذا؟ لأن العقد الفاسد وجوده كعدمه؛ لا أثر له، قولٌ قيل وراح ما له أثر، فليس لها شيء؛ لأن النكاح أو العقد الفاسد لا أثر له. وهل يُلْزَم بالطلاق ولَّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، يُلْزَم بالطلاق؛ مراعاة للخلاف، إحنا قلنا: النكاح الفاسد هو الذي فيه الخلاف، نقول: لازم تطلق؛ لأن بعض العلماء يرى أن النكاح بلا ولي صحيح يجيء واحد بيتزوجها، يقول: لا، هذه إلى الآن في ذمة الزوج، أنا أرى أن النكاح بلا ولي صحيح، يقدر أحد يتزوجها وهي وراها راجل؟
طلبة: لا.
الشيخ: أو ما فهمتم؟
طلبة: لا، فاهمون.
[ ١ / ٦٤٥٣ ]
الشيخ: هذه امرأة تزوجت بلا ولي، وقيل له: إن النكاح فاسد واتركها، لكن ما طلقها، جاء إنسان -مثلًا- من الأحناف يرى أن النكاح بلا ولي جائز، يقدر يتزوجها اللي يرى أن النكاح جائز؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما يقدر؛ لأنه يعتقد أنها الآن في ذمة الزوج، إذن فيُجْبَر على الطلاق؛ يُجْبَر الزوج على أن يطلق في النكاح الفاسد، إذا قال: يا جماعة، النكاح فاسد، ويش لون أُجْبَر عليه؟ قلنا: لكن مراعاة لأيش؟ لخلاف العلماء، إن أبى فإن الحاكم يُطَلِّق عليه أو يفسخ، ينوب منابه -الحاكم- القاضي.
إذا افترقا في النكاح قبل الدخول والخلوة فلا مهر ولا نصف مهر ولا متعة؛ لأن النكاح الفاسد وجوده كالعدم.
(وبعد أحدهما يجب المسمى) أحدهما يعني؟
طلبة: الدخول أو الخلوة.
الشيخ: الدخول أو الخلوة، (يجب المسمى) المسمى ويش هو؟ المعين بعد أحدهما يجب المسمى، أما إذا كان بعد الدخول فإنه قد يقال: إن كلام المؤلف صحيح يجب المسمى، وبعض العلماء يقول: ما يجب المسمى، يجب مهر المثل؛ لأن العقد فاسد، وما ترتب عليه فاسد، فهذه امرأة وُطِئَت بشبهة فلها مهر المثل، ولكن المذهب يقول: لها المسمى؛ لأنهما جميعًا اتفقا على استحلال هذا الفرج بهذا العوض المسمى، فيجب المسمى، هذا بعد الجماع لا شك أنه يجب لها مهر عاد؛ إما المسمى، أو مهر المثل، المذهب المسمى، والقول الثاني مهر المثل.
لكن بعد الخلوة يقول المؤلف: إنه يجب المسمى، كيف يجب المسمى؟ ليش يقولون في التعليل: إلحاقًا للعقد الفاسد بالصحيح، فهمتم هذا القياس؟ صحيح؟
طلبة: لا.
[ ١ / ٦٤٥٤ ]
الشيخ: هذا القياس غير صحيح، لماذا؟ كيف تقول: إلحاقًا للفاسد بالصحيح؟ من شرط القياس تساوي الأصل والفرع، فما دام هذا النكاح غير صحيح كيف تقولون: إلحاقًا الفاسد بالصحيح؟ ! ولهذا اختار الموفق وجماعة من الأصحاب أنه لا يجب لها شيء بالخلوة؛ لأن هذا عقد فاسد لا أثر له، وهو كما لو خلا بامرأة لم يعقد عليها، أرأيتم لو خلا رجل بامرأة، مثلًا واحد وجد امرأة تمشي في السوق وقال: أركبي () وخلا بها، يجب عليه مهر المثل؟
طلبة: لا.
الشيخ: معلوم، ما يجب، فهم يقولون: هذه الخلوة مبنية على عقد فاسد، والفاسد وجوده كالعدم، وهذا القول اللي اختاره الموفق والشارح قول صحيح على أن الخلوة في النكاح الفاسد لا توجب شيئًا؛ لأنه لا يمكن إلحاق الفاسد بالصحيح، والرجل ما جامعها حتى نقول: إنه يجب لها المهر بالجماع، فالصحيح أنه لا شيء لها، لكن المذهب -كما رأيتم- قال: (وبعد أحدهما يجب المسمى).
ثم استطرد المؤلف ﵀ في المهر قال: (ويجب مهر المثل لمن وُطِئَت بشبهة أو زنا كرهًا، ولا يجب معه أرش بكارة) (يجب مهر المثل لمن وُطِئَت بشبهة) إذا وُطِئَت امرأة بشبهة كيف ذلك؟ مثل رجل وجد امرأة نائمة على فراشه، فظنها زوجته، فجامعها، هذه شبهة صح ولَّا لا؟ يقول المؤلف: إنه يجب لها مهر المثل بدون عقد، ما فيه عقد، فيجب لها مهر المثل، لماذا؟ لأن هذا الوطء هذا الرجل جامع معتقدًا حل الجماع وأنها زوجته، فيكون كالزوج إذا جامع من عقد عليها، هذا الرجل لما جامع المرأة ويش يعتقد أنها؟
طلبة: زوجته.
الشيخ: أنها زوجته، فقد وَطِئ وطئًا يعتقده حلالًا، فأوجب المهر كما لو جامع من عقد عليها.
[ ١ / ٦٤٥٥ ]
وهذه المسألة لولا الإجماع لكن القياس يقتضي أن لا شيء لها، لكن ما دام أجمع العلماء -كما نقله غير واحد- فإننا لا نخالف الإجماع، فإن كان أحد يقول: إنه لا يجب لها شيء فالقول هذا أحق بالاتباع؛ لأن هذا وطء بغير عقد وهو معذور فيه، فكيف يجب عليه مهر المثل؟ ! هو لو علم أنها زوجته بيحمل ها الوطأة الواحدة، بيحمل مئة ألف ريال، ولَّا لا؟ إذا قيل: ها المرأة اللي أنت جامعتها مهر مثلها مئة ألف ريال، ويش بيقول؟ ما يطلب هذه، ولا يمشي حولها، ولا يتحرك () يقول: من أنت.
فالمهم أن هذا إن كان المسألة فيها خلاف فالذي أختار أنه لا يجب لها شيء، وإن كان في المسألة إجماع ..
طالب: ()؟
الشيخ: ما هو بصريح كلام الشيخ، نقل عنه في الإنصاف لكن ما هو صريح، فالمسألة هذه مخالفة الإجماع ما هي بهينة.
أما المرأة الموطوءة بزنا فهي على نوعين؛ إن كانت مختارة فلا شيء لها، وإن كانت مكرهة فالمذهب أن لها المهر. والصحيح أنه لا مهر لها؛ لأن النبي ﵊ يقول: «مَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ» (١)، فهذا وطء محرَّم يعتقده كل من الفاعل والمفعول به، يعتقد () فلا يوجب شيئًا ().
وذِكْرُ بعض أفراد العام بما يوافقه لا يقتضي التخصيص، كما بيناه فيما سبق.
المتعة الواجبة إذا قلنا بوجوبها كيف تكون؟
طالب: إذا طلقها قبل أن يتقرر المهر.
الشيخ: كيف تكون؟ ما أقول: متى تكون، أقول: كيف تكون.
طالب: حسب موضع ها الزوج ..
الشيخ: ما دليلك؟
الطالب: ().
الشيخ: ما هو الدليل؟
الطالب: الدليل الآية التي ذكرها الشيخ ().
الشيخ: () إذن نقول: الدليل ما في القرآن أو ما في السنة ونسكت وعليك تدور!
طالب: قوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٦].
[ ١ / ٦٤٥٦ ]
الشيخ: إي ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾، ويش أعلاها؟ أعلى المتعة؟
طالب: على حسب قدرة الزوج.
الشيخ: إي، ويش أعلاها؟
الطالب: أعلاها الخادم.
الشيخ: وأدناها؟
الطالب: أدناها تسترها في صلاتها.
الشيخ: كسوة تسترها في صلاتها ().
فالموطوءة بشبهة لها مهر المثل، شبهة مثل أيش، مثال للشبهة؟
طالب: رجل وجد امرأة في فراشه، فجامعها ظنها زوجته، فتبيَّن ().
الشيخ: صح، أو عقد على امرأة فتبين أنها أخته من الرضاع، هذا أيضًا وطء بشبهة؛ يعني النكاح باطل بالإجماع.
ما تقول: إذا زنى بامرأة اختيارًا، لها شيء؟
طالب: لا؛ لأن الأصل فاسد.
الشيخ: لا، ما هو عقد نكاح، رجل -والعياذ بالله- صار له صاحبة ().
طالب: شيخ، بالنسبة ()، مثال النكاح الفاسد المرأة إذا رضعت مرة ()، يؤمر بالطلاق؟
الشيخ: لا، يؤمر بالطلاق إذا كان لا يراه؛ لا يرى النكاح، أما إذا كان ما يرى هذا فلا يؤمر.
الطالب: طيب وإذا كان عاميًّا؟
الشيخ: وهكذا كل مسائل الخلاف، مسائل الخلاف لمن يعتقد صحتها فهي صحيحة، وإلا كان معناه أنه ما يصح نكاح إلا إذا أجمع العلماء عليه.
الطالب: لكن إذا كان عاميًّا؟
الشيخ: إذا كان عاميًّا فمذهبه مذهب قومه، العامي ما يدري ولا يميز.
الطالب: أو يشوف المذهب السائد ..
الشيخ: إي نعم، هكذا قال أهل العلم: إن العوام على مذهب علمائهم اللي عندهم؛ لأن هذا الذي يفتيه العلماء عندهم يلتزمونه.
طالب: أو () أفتاه أي عالم؟
الشيخ: أو من استفتى عالمًا ملتزمًا بقوله فله أن يلتزمه.
الطالب: ()؟
الشيخ: () مذهب قومه، لكن لو ترفع للمحكمة مثل هذه القضية المحكمة تبغي تحكم بما ترى.
طالب: شيخ، بالنسبة لوضع () الآن المتعدية المرأة؟
الشيخ: ما هو بكل حال ().
والبغي هي الزانية.
طالب: ما هي بغية، يعني هي مكرهة.
[ ١ / ٦٤٥٧ ]
الشيخ: ما هو البغي؟ معناها التي تستعد لهذا الشيء، سواء استعدت ولَّا ما استعدت فهي زانية، ويقول: إنه ليس له قيمة هذا الوطء، والقول بأن لها مهر المثل قول قوي؛ حتى يكون هذا بعد فيه فائدة؛ وهي ردع هذا الرجل عن مثل هذه الأمور.
طالب: يا شيخ، () ما يتزوجها؟
الشيخ: ما يجبر عليها.
طالب: ().
الشيخ: المهم هذا كلام أهل العلم؛ المذهب أنه يجب لها مهر المثل، والقول الثاني أنه لا يجب لها، وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية.
طالب: إذا تكرر ذلك؟
الشيخ: ما هو؟
الطالب: وطء الشبهة.
الشيخ: إذا تكرر والشبهة واحدة فهو ما يتكرر، المهر ما دام الشبهة واحدة على أنها زوجته فلا يتكرر.
طالب: لو جامع () فاسد، فالصحيح يجب مهر المثل أو المسمى؟
الشيخ: الصحيح أنه يجب المسمى، وهو المذهب.
طالب: والخلوة ما فيها شيء؟
الشيخ: الخلوة ما فيها شيء.
قال المؤلف: (ولا يجب معه أرش بكارة) (لا يجب معه) أي: مع المهر لمن وُطِئَت بشبهة أو زنا كرهًا لا يجب معه أرش بكارة؛ لأن الأرش دخل في المهر فلا يجب.
وأرش البكارة قال العلماء: هو الفرق بين مهرها بكرًا ومهرها ثيبًا، هذا أرش البكارة، فهذه المرأة التي وُطِئَت بشبهة وهي بكر زالت بكارتها الآن ويجب لها مهر المثل، ولا يجب أرش البكارة؛ لأن حقيقة الأمر أن أرش البكارة قد أُخِذ، لماذا؟ لأننا سنقدر المهر على أنه مهر بكر، وحينئذٍ نكون قد أخذنا أرش البكارة، فلا يمكن أن نكرر عليه الغرم.
ولهذا قال المؤلف: (ولا يجب معه أرش بكارة) وإنما ذكر المؤلف ذلك نفيًا لقول من يقول به، وقد تقدم لنا أن العلماء لا ينفون شيئًا لا يُحْتَاج إليه إلا لوجود قول آخر، وإلا لو سكت المؤلف على أنه يجب مهر المثل، فهل يقال: إن كلامه يدل على أن أرش البكارة واجب أو غير واجب؟
طالب: واجب.
[ ١ / ٦٤٥٨ ]
الشيخ: لا، بل يدل على أنه غير واجب؛ لأنه لو كان واجبًا لذكره، إذن فلا حاجة إلى نفي الوجوب، لكننا نقول: إنه نفى الوجوب، لماذا؟ لوجود قول آخر به، فأراد أن ينفي الوجوب دفعًا لهذا القول الذي يقولون: إنه يجب مع المهر أرش بكارة، والصواب أنه لا يجب؛ وذلك لأنه بالضرورة سوف يوجد أرش البكارة وهو مهر المثل.
قال المؤلف ﵀: (وللمرأة منع نفسها حتى تقبض صداقها الحال) نعم الصداق على قسمين؛ إما حال، وإما مؤجل، فالمؤجل ليس للمرأة طلبه ولا المطالبة به حتى يحل أجله، وليس لها أن تمنع نفسها أيضًا من الزوج؛ لأن حقها لم يرد بعد، لكن إذا كان المهر حالًّا ما أُجِّل فإن لها أن تمنع نفسها حتى تقبضه.
مثال ذلك: رجل تزوج امرأة على صداق قدره عشرة آلاف ريال غير مؤجلة، قالت له: أعطني المهر، قال: اصبري، انتظري، لها أن تمنع نفسها أو لا؟
طلبة: لها.
الشيخ: نعم، لها أن تمنع وتقول: ما يمكن أسلم نفسي إليك حتى تسلم المهر؛ وذلك لأن المهر عوض عن المنفعة، ويُخْشَى أنها إذا سلَّمت نفسها ثم استوفى المنفعة أن يماطل بها ويلعب بها، فهو يحرم منها حتى يسلم الصداق.
القسم الثاني: الصداق المؤجل؛ مثل أن يقول: أصدقت هذه المرأة عشرة آلاف تحل بدخول سنة ست، فهل لها أن تمنع نفسها حتى يأتي ذلك الوقت؟
طلبة: لا.
الشيخ: الجواب: لا؛ لأنها ما شرطت ذلك، ومن المعلوم أن موجب العقد التسليم، فإذا كان موجب العقد التسليم نقول: العقد الآن اشتمل على تأجيل الصداق والسكوت عن تسليم المرأة نفسها، فيكون تسليمها نفسها واجبًا للعقد، ويكون تسليم المهر واجبًا بحلول الأجل، تمام.
وهذه المسألة تدلنا على صحة القول بمسألة مرت علينا في البيع وهي؟
طلبة: بيع المكره.
[ ١ / ٦٤٥٩ ]
الشيخ: لا، حبس المبيع على ثمنه يعني إذا قال البائع للمشتري: ما أسلمك السلعة حتى تسلمني الثمن؛ فالمذهب أنه ليس له حبسه على ثمنه مطلقًا، والقول الثاني أن له حبسه على ثمنه، وهذا القول أصح كما سبق؛ لأن هذه المرأة الآن التي تزوجت ومهرها حال وقلنا: يجوز أن تمنع نفسها حتى تقبضه، الآن حبست نفسها ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: على صداقها الذي هو بمنزلة الثمن في عقد البيع، فالفقهاء ﵏ في هذه المسألة يجوزون للمرأة أن تمنع نفسها حتى تقبض الصداق، ولا يجوزون للبائع أن يمنع السلعة حتى يستلم الثمن.
طالب: ويش التعليل في المسألة؟
الشيخ: هذا التعليل يقولون: لأنه إذا سلمت نفسها استوفى العوض ففات؛ فات العوض عليها، نقول: هذا التعليل يرد علينا في البيع أيضًا؛ فإن البائع إذا سلم المبيع يستوفيه المشتري ويروح عليه، يقولون: إن البائع يمكن أن تبقى عين المبيع ويردها، فيقال: نعم ربما تبقى، وربما لا تبقى، قد يكون اشترى شاة وذبحها وأكلها، أو شيئًا طعامًا أكله، أو ما أشبه ذلك، فليس بلازم أن تكون العين موجودة حتى يتمكن من استرجاعها.
طالب: ().
الشيخ: المهم أن الصحيح في المسألتين أنه لا فرق، وأن لكل منهما أن يمنع حتى يسلم الآخر العوض.
قال: (حتى تقبض صداقها الحال، فإن كان مؤجلًا أو حلَّ قبل التسليم أو سلَّمت نفسها تبرعًا؛ فليس لها منعها) هذه ثلاث مسائل؛ إن كان مؤجلًا فليس لها منع نفسها، وقد سبق تعليل ذلك، ويش التعليل؟ لأنه بالعقد يجب الصداق والتسليم؛ تسليم المرأة نفسها، فإذا أجل الصداق بقي التسليم وصار الصداق موصوفًا بأنه مؤجل، فيجب أن يبقى مؤجلًا، فإذا كان صداقها مؤجلًا فإنها لا تملك أن تمنع نفسها؛ لما ذكرنا.
[ ١ / ٦٤٦٠ ]
كذلك إذا حلَّ قبل التسليم فليس لها منع نفسها، ولو ماطل بذلك فليس لها أن تمنع؛ مثل امرأة تزوجت من إنسان بعشرة آلاف مؤجلة إلى شهر شعبان، شعبان هذا اللي مقبل من سنة خمس، فجاء شهر شعبان وهو ما دخل عليها إلى الآن، حلَّ الصداق ولَّا لا؟
طلبة: حلَّ.
الشيخ: حلَّ الصداق، فطلب منها أن تسلم نفسها، فقالت: أعطني الصداق، فقال: الصداق مؤجل، قالت له: حلَّ الأجل أعطني، يقولون: إنه لها أن تمنع نفسها.
طالب: لها أن تمنع ولا ..؟
الشيخ: لا تمنع نفسها، يقولون: هنا ليس لها أن تمنع نفسها، لماذا؟ قالوا: لأن الصداق وجب أيش؟ مؤجلًا، وجب مؤجلًا، والتسليم غير مؤجل، فكان عليها أن تسلم نفسها من الأصل قبل حلول الأجل، فانسحب الوجوب الواجب قبل حلول الأجل إلى ما بعد حلول الأجل، فهمتم الآن التعليل؟
لكنهم القول الثاني في هذه المسألة أن الحال قبل التسليم كغير المؤجل، ويش معناه؟ يعني: إذا حلَّ الأجل وما بعد سلمت نفسها إلى الآن وطلب التسليم فلها أن تمنع نفسها؛ لأنه صدق عليه الآن أنه حالٌّ، والضرر الذي يحصل لها فيما إذا سلمت نفسها في الحال يحصل لها الآن.
وقولهم: إنه كان مؤجلًا وكان يلزمها أن تسلم نفسها قبل حلول الأجل فانسحب الوجوب إلى ما بعده، يجاب بأن هذا صحيح، لكن الزوج لم يطالب بالتسليم إلا بعد أن كان المهر حالًّا، فلا فرق بين الصورتين، وهذا قول في المذهب أيضًا.
المسألة الثالثة: إذا سلمت نفسها تبرعًا، في المؤجل ولَّا في الحال؟
طلبة: في الحال.
الشيخ: في الحال وفي المؤجل، كله واحد، لكن كلمة (تبرعًا) تدل على أنه في الحال؛ لأن تسليمها نفسها في المؤجل أمر واجب، ما لها فضل فيه، فهذه امرأة صداقها حال ثم سلمت نفسها ثقةً بالزوج، تزوجها على عشرة آلاف ريال غير مؤجلة، وسلمت نفسها محسنةَ الظن به على أنه سوف يسلم المهر، فبدأ يماطل في ذلك، يقول الفقهاء: إنه ليس لها أن تمنع نفسها.
[ ١ / ٦٤٦١ ]
والصحيح في هذه المسألة أن لها أن تمنع؛ لأن الرجل إذا ماطل كيف نمكنه من أن يستوفي الحق كاملًا وهو يماطل به؟ فالصواب في هذه المسألة أن لها أن تمنع نفسها، أما المذهب ما لها تمنع نفسها، لكن تطالبه به ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: تطالبه به وتحبسه عليه أيضًا ويُلْزَم بذلك.
إذا أعسر قال: (فإن أعسر بالمهر الحال فلها الفسخ) إذا أعسر بالمهر الحال، سواء كان حالًّا في الأصل أو حالًّا بعد التأجيل، إذا عسر به فلها الفسخ؛ لأنه لم يسلم لها العوض، فهذا رجل تزوج امرأة بعشرة آلاف ريال، ولأنها حالة غير مؤجلة، فدخل عليها وصارت تطلبه: يا فلان أعطني المهر، ولكنه معسر ما عنده شيء، نقول: لها أن تفسخ عقد النكاح، إذا فسخت هل يبقى المهر في ذمة الزوج أو الفرقة من قبلها؟
طالب: الفرقة من قبلها.
طالب آخر: في حال دخل بها؟
الشيخ: إي، دخل بها.
طالب: يستقر المهر.
طالب آخر: لا ..
الشيخ: نعم يستقر.
وكذلك على القول الراجح لو كان لم يستقر فإن لها أن تطالبه بما يجب لها قبل الدخول؛ لأن الفراق هنا بسببه، وقد تقدم أنها إذا فسخت لعيبه فالفرقة من قبله هو، والمذهب من قبلها، لكن الصحيح أنه من قبله.
قال: (فإن أعسر بالحال فلها الفسخ ولو بعد الدخول).
طالب: في أي وقت يا شيخ؟
الشيخ: في أي وقت.
الطالب: إن تنازعا فيه، وبعدين سكتت فترة يعني ..
الشيخ: إي نعم، ما دام ما أسقطت حقها.
الطالب: لكن يظل لها الحق في الفسخ يعني؟
الشيخ: نعم، ولها الفسخ ولو بعد الدخول، لكن لو رضيت بذلك -مثلًا- وقالت: ما دام أنك معسر فمتى أيسر الله عليك أعطني، ثم رجعت وطلبت أن يسلمها أو تفسخ، لها ذلك ولَّا لا؟ ليس لها ذلك؛ لأنها أسقطت حقها برضاها.
لو تزوجته عالمة بعسرته؛ تدري أنه معسر والمهر ما بعد قُبِض، لها الفسخ؟
طلبة: ليس لها.
الشيخ: ليس لها الفسخ؛ لأنها راضية بذلك، فليس لها الفسخ.
[ ١ / ٦٤٦٢ ]
قال المؤلف: (ولا يفسخه إلا حاكم) ويش الضمير يعود عليه الهاء؟ أي: النكاح أو العقد لا يفسخه في هذه الحال إلا الحاكم، لماذا؟ لأنه فسخ مختلف فيه، وحكم الحاكم يرفع الخلاف ويقطع النزاع.
ولكن سبق لنا أن شيخ الإسلام ﵀ قال: لو قيل: إن الفسخ يثبت بتراضيهما وبفسخ الحاكم لكان له وجه؛ يعني معناه أنه إذا رضي الزوج والزوجة على الفسخ فلا حاجة للحاكم يكتب بأنني فسخت نكاحي من هذه المرأة بإعساري بالمهر ومطالبتها به ويعطيها الورقة، ليش نروح للحاكم؟ أما إذا حصل النزاع؛ بأن طالبت بالفسخ فأبى فحينئذٍ نرجع للحاكم، لا بد منه.
وما قاله شيخ الإسلام فهو الصحيح؛ لأنه إذا كان الطلاق أو الفسخ بالعيب أو غيره إذا تراضوا على ذلك لا يحتاج إلى ()، وإن لم يتراضيا على ذلك فلا بد من القاضي؛ لأجل أن يحكم بينهما ويقطع النزاع.
إلى هنا انتهى باب الصداق، وقد أجمعنا -فيما يظهر- على أننا نفعل في جميع الدروس كما نفعل في ألفية ابن مالك.
[باب وليمة العرس]
() (وليمة العرس) هذه من باب إضافة الشيء إلى سببه، والعُرس هو النكاح، و(وليمة) مأخوذة من الإتمام والاجتماع أيضًا؛ لأن (أولم) بمعنى جمع وبمعنى تَمَّ، وهي في الحقيقة جامعة للأمرين؛ ففيها اجتماع، وفيها إتمام، ولكنها نُقِلَت عن هذا المعنى إلى معنى آخر؛ وهو الطعام الذي يصنع، وليس الاجتماع عليه ولا تمام العقد، هي أصلها في الأصل التمام والاجتماع للوليمة، ومنه قول الناس الآن: هذا الشيء والم؛ يعني: جاهز تام، ومنه: التئم القوم؛ يعني: اجتمعوا، ولكنها نُقِلَت بحسب العرف والاصطلاح إلى نفس الطعام الذي يُصنع أيام العرس.
قال المؤلف: (تُسَنُّ) هذا حكمها، فإذن الوليمة هي الطعام الذي يُصنع أيام العرس بمناسبته، (تُسَن) هذا الحكم، فإذا قال لك قائل: ما حكم الوليمة؟ نقول: سُنة تُسَن.
[ ١ / ٦٤٦٣ ]
والدليل على ذلك سنة الرسول ﷺ القولية والفعلية؛ أما القولية فقوله لعبد الرحمن بن عوف: «أَوْلِمْ» (٢)، وهذا فعل أمر، وأقل أحوال الأمر ويش أقلها؟ الاستحباب. وأما الفعلية فقد ثبت عن النبي ﵊ أنه أولم على نسائه (٣)، فتكون الوليمة ثابتة بالسنة القولية والفعلية.
قال: (بشاة فأقل) المعنى أنها لا تزيد على شاة، تُسَن لكن بقدر لا تزيد على شاة، من الشاة فأقل.
بعض علمائنا يقول: إن الناس حكُّوا النقطتين، ويش يصير؟ (بشاه) على كل حال، تُسَن بشاه.
طالب: ().
الشيخ: أقل من الشاة، فهو تمر يمكن!
طالب: الماء.
الشيخ: الماء زين، على كل حال تسن بشاة لا أكثر؛ يعني: من الشاة فأقل؛ خبز، وإدام، تمر، حيس، وما أشبه ذلك، هذه الوليمة.
وقال بعض أهل العلم: إن الوليمة من النفقة الراجعة إلى العرف، فتسن بما يقتضيه العرف؛ للموسع قدره، وللمقتر قدره، لكن بشرط ألَّا تصل إلى حد الإسراف أو المباهاة، فإن وصلت إلى حد الإسراف أو المباهاة صارت محرمة أو مكروهة.
وقول الفقهاء: بشاة فأقل، ما هو دليلهم؟ قالوا: لأن النبي ﵊ قال: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» (٢).
وهذا الحديث لا يدل لما قالوا، بل يدل على أن أقل شيء الشاة، ولم يأت مثل هذا التعبير في اللغة العربية مرادًا به بيان الأكثر، وإنما يأتي في اللغة العربية مرادًا به بيان الأقل، فالصواب أنها للغني ولو بشاة، فإن كان غناه كبيرًا يجعل شاتين أو ثلاثًا، حسب حاله والعرف، ولكن بشرط -كما قلت- ألَّا يخرج إلى حد الإسراف وألَّا يراد به المباهاة؛ يعني: إني أنا أكثر منك، أنا صنعت وليمة أكثر، وما أشبه ذلك، فإن خرجت إلى حد الإسراف فالإسراف محرم، أو إلى حد المباهاة فإنها مكروهة.
[ ١ / ٦٤٦٤ ]
قال المؤلف: (وتجب في أول مرة إجابةُ مسلمٍ يحرم هجره إليها إن عينه ولم يكن ثم مُنْكَر) انتقل المؤلف من بيان حكمها إلى بيان حكم الإجابة عليها إذا دُعِي، قال المؤلف: تجب إجابة، (تجب) فعل مضارع، (إجابةُ) فاعل (تجب).
(إجابةُ مسلمٍ) احتراز من الكافر، فالكافر ما تجب إجابته، لو كان لك جارٌ من الكفار حصل عنده زواج وأولم ودعاك إلى وليمته فإن الإجابة لا تجب، لكن هل تجوز؟
طالب: نعم.
طالب آخر: تجوز.
الشيخ: تجوز لكن لا تجب؛ لأن إجابة دعوة الكافر جائزة إلا فيما يقصد به الشعائر الدينية، فإن ما يقصد به الشعائر الدينية في الكفار تحرم الإجابة إليه؛ مثل أعيادهم، فإن أعيادهم لا يجوز أن يجيب الإنسان إليها؛ لأن إجابته إلى الأعياد معناها الرضا بها، وهي إنما تُفْعَل على سبيل التدين، فكأنه رضي بدينهم وأقره، ومعلوم أن الرضا بالكفر كفر -والعياذ بالله- ولهذا باتفاق أهل العلم أنه لا يجوز أن يُهَنَّئوا به؛ أي بعيدهم.
وأما تهنئتهم بالمناسبات -كالولد والزواج وما أشبه ذلك- ففيه خلاف بين أهل العلم، لكنهم أجمعوا على أن تهنئتهم بأعيادهم محرمة، ولا يجوز أن نهنئهم مهما كان الأمر؛ لأن الرضا بشعائر الكفر هذا أمره عظيم، والعياذ بالله.
طالب: النكاح فيه شعائر؛ يعني من إقامة الدين؟
الشيخ: لا، النكاح يشترك فيه هم والمسلمون، كلٌّ يتزوج.
الطالب: أنا أقصد طريقة العقد، هذا من إقامة الشعائر يعني ..
الشيخ: ما أحضر العقد، العقد لا أحضره.
طالب: شيخ، عيدهم الوطني هذا اللي يقولون عليه، ويش (..)؟
الشيخ: إيه، عيد الكفار الوطني؟
الطالب: إي، يعني -مثلًا- تجيء تهنئة يقول: هذا ()؟
الشيخ: شوف الظاهر أن الذي ليس بشعائر دينية أنه يدخل في الخلاف الذي اختلف فيه أهل العلم؛ فمنهم من يقول: إنه يجوز أن نهنئهم بغير الأعياد أو بغير المواسم الشرعية عندهم، بشرط أن يكون في ذلك مصلحة أو دفع مضرة، أو أنهم يفعلون ذلك بنا فنكافئهم عليه.
[ ١ / ٦٤٦٥ ]
طالب: المشاركة في الجنائز -يا شيخ- بالنسبة للكفار يجوز ولا ..؟
الشيخ: ما يجوز تشييع جنائزهم.
يقول: (وتجب في أول مرة إجابةُ مسلمٍ)، ثانيًا (يحرم هجره) أفادنا المؤلف ﵀ أن من المسلمين من يجوز هجره أو لا؟ نعم، وهو كذلك؛ فمن المسلمين من يجوز هجره، ومنهم من يسن هجره، ومنهم من يجب هجره.
قال أهل العلم: المجاهر بالمعصية يسن هجره كحالق اللحية مثلًا؛ حالق اللحية مجاهر بالمعصية، وشارب الدخان في الأسواق وفي المجالس، هذا مجاهر بالمعصية، فيسن أن يهجر؛ لأن النبي ﷺ هجر كعب بن مالك وصاحبيه وأمر أصحابه بهجرهم (٤).
الثاني: من يجب هجره، ومثلوا لذلك بالروافض، وقالوا: إنه يجب هجرهم؛ لأن بدعتهم لا تحتمل، وكذلك من ضاهاهم من أهل البدع كالجهمية والمعتزلة لا سيما الدعاة منهم.
وأما من يباح هجره فمن يفعل معصية لكنه لا يجاهر بها إنما يستخفي بها، فهذا لا بأس من هجره، وليس بسنة ولا محرم.
ولكن الصحيح في مسألة الهجر أنه حرام إلا إذا كان فيه مصلحة، وأنه يحرم أن يهجر الإنسان أخاه المؤمن الذي لا يصل إلى حد الكفر إلا إذا كان في ذلك مصلحة.
والدليل لذلك عمومات الأدلة الدالة على حقوق المسلم على المسلم عامة، والمؤمن لا يخرج من الإيمان بمجرد الفسوق والعصيان عند أهل السنة والجماعة، وعلى هذا فالأصل ويش الأصل؟ تحريم هجر المؤمنين ولو تجاهروا بالمعصية، ولو فعلوا المعصية، هذا هو الأصل؛ لأنه مؤمن، وحق المسلم على المسلم ست؛ منها إذا لقيته فسلِّم عليه.
وهنا قال أيضًا: (حق المسلم) ولم يقل: حق المؤمن، وهو أوسع؛ لأن الإسلام أوسع من الإيمان، لكن إذا كان في الهجر مصلحة فإنه إما أن يسن، وإما أن يجب، حسب ما تقتضيه المصلحة وحسب عظم الذنب؛ إذا كان هذا الرجل الحالق للحيته إذا هجرناه ارتدع وخجل وصار كأنه يمشي بين الناس غريبًا لا يسلم عليه ولا يرد سلامه، فيخجل ويعفي لحيته، ماذا يكون هجره حينئذٍ؟
طالب: سُنة.
[ ١ / ٦٤٦٦ ]
الشيخ: سُنة أو واجبًا، قد يكون واجبًا؛ لأنه من باب التعزير المفيد، أما إذا كان هذا الرجل إذا هجرناه ازداد شره ونفر من أخيه المؤمن وحصلت الوحشة بينهما، فماذا يفيد الهجر الآن؟ ما أفاد إلا الضرر والتفريق بين الناس، فلا يُسَن الهجر هنا بل ولا ينبغي.
بالنسبة للمسبل الذي يسبل ثيابه ويش يعتبر؟ مجاهر بالمعصية، وهو أعظم -فيما يبدو لنا- أعظم من حلق اللحية، ومع الأسف أنه كثير عند الناس الآن، لأنه تُوُعِّد عليه، فهو من الكبائر من كبائر الذنوب وأعظم من شرب الدخان، مع أن شرب الدخان عند الناس أعظم من حلق اللحية وأعظم من الإسبال ولكن الأمر بالعكس.
فالمهم أن الفقهاء ﵏ يقسمون الهجر إلى ثلاثة أقسام الهجر غير المحرَّم: واجب، وسنة، ومباح، ولكن الصحيح عندنا أنه لا ينقسم إلى هذه الأقسام، وأن الأصل في الهجر التحريم إلا إذا كان في الهجر مصلحة، وهذا بالنسبة لمن كان مسلمًا، أما غير المسلمين فإنهم لا يبدؤون بالسلام، سواء كان غير منتسب للإسلام؛ بأن يصرح بأنه يهودي ولا نصراني ولا وثني، أو كان منتسبًا للإسلام لكن بدعته تخرجه من الإسلام، فإنه لا يجوز أن يُبْدأ بالسلام؛ لأن الرسول ﵊ يقول في أهل الكتاب: «لَا تَبْدَؤُوا الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ، وَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُمْ إِلَى أَضْيَقِهِ» (٥).
لكن إن سلم علينا من لا نسلم عليه نرد عليه؛ إن قال: السلام عليكم، قلنا: عليكم السلام، إن قال: السام عليكم؟
طلبة: وعليكم.
طالب: وعليكم السام.
الشيخ: قلنا: وعليكم، وإن قال: السام عليكم، قلنا: عليكم.
فالمسألة لها ثلاثة أوجه؛ إن سلَّم بلفظ السلام الصريح رددنا عليه بالسلام الصريح، وإن سلَّم بالسام الصريح رددنا عليه بالسام الصريح، قلنا: عليكم السام، أو نقول: عليكم أحسن؟
طلبة: (عليكم) أحسن.
[ ١ / ٦٤٦٧ ]
الشيخ: (عليكم) أحسن، نقول: وعليكم، كما قال الرسول ﵊ (٦)، وإن سلَّم بسلامٍ أدغمه نقول: وعليكم ().
أولًا: ما معنى وليمة العرس عند الدخول؟ فالصحيح أنه كل ما يصنع في أيام العرس حسب العرف.
طالب: ومن قال -يا شيخ-: إنها تُسَن؛ يعني الدخول قبلها بثلاثة أيام قبل الوليمة، هل هذا صحيح؟
الشيخ: لا، ما لها أصل.
وقول المؤلف: (تُسَن) هل هناك قول آخر، فيه قول آخر؟
طالب: أنها تجب.
الشيخ: أنها تجب. طيب ما الدليل؟
الطالب: مرَّ النبي ﷺ بعبد الرحمن بن عوف فقال: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» (٢)، كذلك فعل النبي ﷺ حيث أولم على صفية (٧).
الشيخ: طيب استدلاله بالأمر صحيح؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: طيب بالفعل؟
الطالب: لا.
الشيخ: غير صحيح؛ لأن مجرد الفعل لا يدل على الوجوب.
جمهور أهل العلم، تقدم لنا أن جمهور أهل العلم يرون أنها؟
طالب: سُنة.
الشيخ: سُنة، وقالوا: إن الذي صرف الأمر عن الوجوب أنه طعام بمناسبة سرور حادث، وهذا لا يقتضي الوجوب؛ لأنه ليس دفعًا لضرورة كالنفقة فتجب، وليس واجبًا في زكاة أو نذر فتجب، إنما هو لسرور فلا يكون واجبًا.
طيب ما هي الحكمة من مشروعية الوليمة؟
طالب: والراجح يا شيخ؟
الشيخ: واللهِ نقول: افعل، وأمر الرسول بهذا.
طالب: الحكمة أولًا: أنها من باب إظهار النكاح، وإظهار النكاح واجب؛ ليتميز النكاح من السفاح.
الشيخ: طيب هذه واحدة.
الطالب: والشيء الثاني: أنه يكون به طعمة للفقراء إذا قدموا يأكلون من الطعام، وثم أيضًا يدخل فيه باب صلة الرحم إذا حضر الأقارب ().
الشيخ: طيب.
طالب: اجتماع المسلمين والتعارف بينهم.
الشيخ: طيب، هذه أربعة.
طالب: إذا كان هناك البعض () الإعلان.
الشيخ: تدخل () الإعلان.
طالب: شكر الله ﷿ بهذه المناسبة.
الشيخ: نعم، طيب.
طالب: إظهار الفرح والسرور بهذه المناسبة.
[ ١ / ٦٤٦٨ ]
الشيخ: بهذه المناسبة، فيكون فيه جبر بخاطر الزوجة وأوليائها، المهم أن فيها عدة مصالح؛ الوليمة.
طيب حكم الإجابة إليها أظن ما تكلمنا عليه.
طالب: بدأنا فيه.
الشيخ: بدأنا فيه.
طيب حكم هجر المسلم ().
يعني أنها صنعت أول مرة.
ثانيًا: (إجابة مسلم) (إجابة) يعني: لا حضور بلا دعوى؛ يعني مثلًا إذا كان جاري عنده دعوة وليمة وهو ما دعاني، ما يجب عليَّ أني أحضر إلا بدعوة تستحق الإجابة.
(مسلم) هذا الشرط الثاني، (مسلم) احترازًا من الكافر، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- بيان حكم إجابة الكافر في كلام المؤلف.
(يحرم هجره) احترازًا ممن؟ ممن يجوز هجره؛ أي: ممن لا يحرم هجره، فدخل في ذلك من يجب هجره ومن يجوز هجره فإنه لا تجب إجابة دعوته، وقد سبق أنه قد تجب هجرة المسلم؛ وذلك إذا كان على معصية وكان في هجره مصلحة أنه يترك المعصية، يرى الناس قد هجروه تركها وتاب. هذه ثلاثة شروط.
طالب: () أول مرة.
الشيخ: أول مرة، الداعي مسلم، الثالث يحرم هجره، فأما من يجوز هجره -ويدخل في ذلك من يجب هجره من باب أولى- فإنها لا تجب إجابته.
الشرط الرابع قال المؤلف: (إن عَيَّنه) ويش لون؟
طلبة: ().
الشيخ: لا، فيها (إليها) أي: إلى وليمة العرس احترازا من الدعوة إلى غير وليمة العرس فإن الإجابة لا تجب، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم أن الإجابة لغير دعوة العرس لا تجب.
ودليل ذلك قوله ﵊: «شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ؛ يُدْعَى إِلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا، وَيُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا، وَمَنْ لَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» (٨)، هذا الشاهد «مَنْ لَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ».
[ ١ / ٦٤٦٩ ]
وذهب بعض أهل العلم إلى وجوب إجابة الدعوة حتى من غير الوليمة، وقالوا: إن هذا من حقوق المسلم على المسلم، وقد قال النبي ﵊: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ» (٩)، وهذا عام يدخل فيه وليمة العرس وغيرها، وتخصيص وليمة العرس بالوجوب لا يدل على أن غيرها غير واجب؛ لأن ذلك من باب ذكر بعض أفراد العام، وذكر بعض أفراد العام في حكم مطابق لا يقتضي التخصيص، وهذا ما ذهب إليه أهل الظاهر على أن الإجابة تجب لكن بالشروط التي لا بد منها، لا بد من الشروط، الكلام على أن الإجابة -إجابة المسلم إذا دعاك- واجبة.
طالب: لو هجره ثلاثة أيام ()؟
الشيخ: إي، الظاهر إنها ما تجب في هذا الحال.
وقوله (إن عينه) هذا الشرط ماذا يكون هذا الشرط؟ الخامس إن جعلنا قوله: (إليها) رابعًا، وإن قلنا: ما شرط وجوب إجابة الدعوة في وليمة العرس؟ يصير هذا هو الرابع أو لا؟ إي نعم، وهو كذلك؛ لأن إحنا الآن كلامنا على إجابة دعوة وليمة العرس، فيكون هذا الرابع، ويش هو الأول؟
طالب: الأول: لأول مرة.
الشيخ: والثاني؟
طالب: أن يكون مسلمًا؛ الداعي، والثالث: أن يكون يحرم هجره، الرابع: إن جعلنا (إليها) شرطًا.
الشيخ: هذه ما نجعلها شرطًا؛ لأنا نسأل عن ما حكم إجابة وليمة العرس؟ فـ (إليها) إذن ليست بشرط.
الرابع (إن عينه) أي: عين الداعي المدعوَّ؛ يعني قال: يا فلان احضر إلى وليمتي، وعُلِم منه أنه إن لم يعينه فلا يجب؛ مثل لو أطل برأسه على جماعة وقال: تفضلوا إلى وليمة العرس فإنه لا يجب؛ لأنه لم يعينه، وجَّه الكلام إلى الجميع، ما قال: يا فلان أحضر؛ ولهذا لا يعد الناس من تخلف عن هذه الدعوة لا يعدونه كمن عُيِّن وتخلف، أيهن أشد؟ من عُيِّن وتخلف أشد؛ لأن هذا يقول: ما دام ما دعوتني بخصوصي فأنا -مثلًا- لي شغل، أو ما أراد الدخول، أو ما أريد شيئًا، أو ما أشبه ذلك. هذه أربعة شروط.
[ ١ / ٦٤٧٠ ]
الشرط الخامس: (ولم يكن ثَمَّ مُنْكَر)، (ثَمَّ) أي: هناك، ويغلط كثير من الناس حتى من طلبة العلم فيقولون: (ثُمَّ)، وهذا غلط لأن (ثُم) حرف عطف، و(ثَمَّ) ظرف، ظرف اسم بمعنى: هناك، أي: ولم يكن في مكان الدعوة منكر، والمنكر ما أنكره الشرع والعرف، والعبرة بأيش؟ بإنكار الشرع؛ فما أنكره الشرع فهو المنكر ولو أقره العرف؛ لأن بعض الأعراف -والعياذ بالله- يقرون المناكر، فالعبرة بما أنكره الشرع، وما أنكره الشرع فإن العقل السليم والعرف السليم ينكره، ولهذا قال النبي ﵊: «وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ» (١٠) لأن الناس ينكرونه، وهذا في أناس فطرهم سليمة ومنهاجهم مستقيم.
طيب إذن الشروط صارت خمسة الآن خمسة شروط.
فيه شرط سادس ذكره بعضهم: وألَّا يكون ماله حرامًا، فإن كان ماله حرامًا لم يجب؛ مثل أن يكون ممن يتعامل بالربا أو بالغش أو بالكذب، وحقيقة الأمر أن هذا الشرط ليس في النصوص ما يدل عليه لكنه محل اجتهاد من أهل العلم، والنبي ﵊ أجاب دعوة اليهودي (١١)، وأكل من الشاة التي أتتها له اليهودية (١٢)، مع أن اليهود أكالون للسحت ويأخذون الربا. ثم إن الذي ماله محرم تحريمُ مالِه هنا لعينه أو لكسبه؟
طالب: لكسبه.
الشيخ: لكسبه، وكسبه أثمه عليه، والذي قدم لي خبزًا وإدامًا ولحمًا طيبًا، لكن محرم لكسبه فإثمه عليه، لكن في هذه المسألة إذا كان إجابة دعوة هذا الرجل المعروف بالربا والغش والكذب وما أشبه ذلك، إذا كانت إجابته مما يغريه بما هو عليه ويغر غيره أيضًا فهنا لا تجيبه.
طالب: ()؟
الشيخ: لا، حسب المصلحة قد تقتضي المصلحة وجوب عدم الدعوة؛ عدم الإجابة.
[ ١ / ٦٤٧١ ]
اشترط بعض العلماء ألَّا يكون في الإجابة دناءة؛ مثل أن تعرف المدعوين ناس من السفهاء والسفل مثلًا، وأنت رجل محترم بين الناس بالنسبة لهؤلاء، قالوا: إنه إذا فعل فإنه إذا أجاب فإنه ينزل قدره عند الناس ويكون عليه ضرر في هذا.
لكن هذا الشرط أيضًا ليس بصحيح؛ لأنه يفتح للناس باب الطبقية والترفع والتعاظم، بل نقول: احضر وانصح، لعل الله أن ينفع بك، قال شيخ الإسلام ﵀: ولهذا نحن الآن نأتي إلى المسجد، وفيه ناس نصلي إحنا وإياهم جنبًا إلى جنب فيهم دناءة وسفل وكل شيء ما علينا منهم، أنا أمرت بالإجابة فأجيب، وأما إني أتعلَّى وأترفع فهذا لا ينبغي، لا سيما إذا كان العلو أو الترفع على هؤلاء من أجل أنهم فقراء وأنا غني، هذا أشد، هذا معلوم أنه أشد وأشد.
طالب: ولو بالسافل يا شيخ؟
الشيخ: نعم ولو كانوا بالسافل أحضر وأدعوهم، اللهم إلا رجل يمكن أن توجه إليه التهمة بحضوره معهم، والناس يختلفون؛ إذا كان إن الرجل هذا لو حضر مع هؤلاء وجهت إليه التهمة فهذا ضرر عليه ما يجب عليه أنه يحضر، لكن رجل مثلًا، لنفرض أنه من كبار علماء المسلمين دُعِي، هل يمكن أن تلحقه التهمة؟
طالب: لا.
الشيخ: ما يمكن أن تلحقه، بل يقولون: جزاه الله خيرًا، جاء لعله ينصحهم ينفعهم، فالناس يختلفون، كذلك رجل مشهور بين الناس بالإرشاد والتوجيه والدعوة، لكل مقام مقال.
اشترط بعض العلماء ألَّا يلحقه ضرر في ذلك، فما رأيكم؟
طالب: () لا ضرر ولا ضرار.
الشيخ: هذا صحيح؛ لأن جميع الواجبات كل الواجبات من شرط وجوبها انتفاء الضرر، فهذا من باب أولى، لو كان يخشى على نفسه ضررًا في ماله أو في بدنه أو في عرضه أيضًا فإن له أن يمتنع ولا يجب عليه، وهذا قد يكون معلومًا من القاعدة العامة في الواجبات. فتلخصَّ لنا الآن ستة شروط.
طالب: سبعة.
الشيخ: لا، اثنين ضعفناهما.
الطالب: ().
[ ١ / ٦٤٧٢ ]
الشيخ: طيب نشوف: أول مرة، أن يكون الداعي مسلمًا، يحرم هجره، وأن يُعَيَّن، وأن لا يكون ثَمَّ منكر، وألَّا يكون ..
طالب: ().
الشيخ: لا، هذه فيها نظر، ألَّا يكون عليه ضرر، هذه؟
طالب: خمسة.
الشيخ: لا، ستة.
طالب: شيخ، أول مرة () أول مرة.
الشيخ: ستة، أول مرة معناه أنه يكون الدعوة في أول مرة احترازا مما لو صنع الزوج مرتين؛ حط وليمة اليوم، وحط وليمة بكرة، اللي لها حكم الوجوب الأولى؛ اللي بأول يوم.
طالب: ما تحرم هذه يا شيخ؟
الشيخ: إي بيجينا الآن، بيجينا إن شاء الله.
طالب: يقول: المطر الذي يبل الثياب لعذر هو البرد الشديد، هذا صحيح؟
الشيخ: هو عذر هذا عن حضور الجماعة.
الطالب: لكن () إجابة الدعوة هذه.
الشيخ: ما أظن إلا أن تضرر، إن تضرر لا.
الطالب: وإذا كان يخاف من منكر، ربما يخاف ().
الشيخ: بيجينا. عرفتم الآن الشروط ستة، صارت الشروط ستة، إذا تمت هذه الشروط وجبت الإجابة؛ لقول النبي ﷺ: «وَمَنْ لَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» (٨)، وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]، ولعموم قوله ﷺ: «إِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ» (٩) بقي ..
طالب: الدعوة لغير العرس () ويش الراجح؟
الشيخ: أوما قلنا هذا؟ قلنا: إن الظاهرية يرون الوجوب.
الطالب: ()؟
الشيخ: واللهِ أنا ما ترجح عندي الوجوب ولا عدمه، إنما أقول: أجب، مثلما قلت للأخ، أقول: أجب، وأولم مثلما قلت للأخ أيضًا ..
طالب: الضرر في الوقت إذا صار كل يوم فيه تزاوج وقت الأعراس، هذه كل يوم فيه تزاوج يتضرر وقت ..؟
طالب آخر: ().
الشيخ: مراجعة تفويت مصلحة.
طالب: لا، إذا كثر يصل لحد الضرر.
الشيخ: إذا وصل إلى حد الضرر يطبق الشرط هذا.
بقي البطاقة الآن التي ترسل وسأل عنها الأخ، البطاقة التي ترسل هل ترونها من التعيين وأنها تلزم بالحضور؟
[ ١ / ٦٤٧٣ ]
طالب: إذا ذُكِر اسمه.
الشيخ: إي ذُكِر، اسمه مكتوب ().
طالب: لا، العرف يدل على أن () القرائن تدل على عدم التعيين ().
الشيخ: غير صحيح، إذا رأيت أن الاسم مكتوب تقول: هذا تعيين، لكن إذا رأيت أنهم ما هم بيبالون، عبارة عن مجاملة فقط أنك صاحب ولَّا قريب، بدليل أنهم ما يقولون: هل أنت بتيجي أو لك شغل أو شيء؛ يعني: ما يعقبون عليك ولا وده تحضر، يعقب عليك يقول: وصلت البطاقة، مثلًا، فالظاهر لي أن البطاقة أصبحت مثل الجفل؛ مثل دعوة الجفل إلا إذا كان هناك شيء آخر؛ مثل قرابة لو لم تأت لعدها قطيعة، أو لقال الناس: ليش ما جاء لقريبه؟ هذا شيء آخر.
طالب: إذا كان فيه سرف ()؟
الشيخ: سرف يعني زيادة طعام؟
الطالب: نعم.
الشيخ: الإثم على المسرف، أنت احضر وانصح.
طالب: ما يعتبر الإسراف منكرًا؟
الشيخ: إلا منكر لا شك، لكن منكر قد حصل.
طالب: ذكرنا في الدرس الماضي () إذا خرجت إلى حد الإسراف فهي محرمة.
الشيخ: ().
الطالب: إلى حد المباهاة فهي مكروهة، قلنا هذه.
الشيخ: طيب.
طالب: بالنسبة للجار ما يعتبر معينًا، ما ذكره في شيء ولا دعاه؟
الشيخ: لا، ما دام ما دعاه ().
الطالب: يعني العرف ()؟
الشيخ: والله ما دعاه، ما دعاني ممكن أزعل ().
طالب: طيب البطاقة -يا شيخ- ما تعد من الإسراف نفسها طبعها الآن؟
الشيخ: والله يا أخي فيها الحقيقة بعضهم يصل لحد الإسراف وبعضهم لا؛ بعض البطاقات يطبع بالاستنسل ويقطعهم بالمقص ويرسلهم.
طالب: ().
الشيخ: نعم صحيح، هذا غلط، هذا إسراف، ولهذا ينبغي لنا أننا نحذر الناس منها.
طالب: آية تطبع.
الشيخ: آية ولَّا أبيات شعر.
الطالب: أين الأبيات ..
الشيخ: لا، الأبيات ().
الطالب: الآية يكتبونها.
الشيخ: ().
طالب: عقاقير ().
الشيخ: عجيب! لا أنا رأيت هذا من الخبث -والعياذ بالله- بعضهم فيه صورة رجل وامرأة.
طالب: وبعضهم ().
[ ١ / ٦٤٧٤ ]
طالب آخر: شيخ، في رواية صحيحة أن عبد الرحمن بن عوف كان يتطيب بالزعفران (١٣)، مع أن النبي ﷺ نهى أن يتطيب الرجل بالزعفران (١٤)؟
الشيخ: عليه رَدْعٌ من زعفران، والنهي عن المعصفر لباس الأصفر فقط.
الطالب: لا، الطيب.
الشيخ: الطيب اللي تمضخ كله، أما الشيء اليسير ما فيه بأس.
طالب: الظاهر العموم في () تعميم إجابة الدعوة سواء ..
الشيخ: هو جيد، أنا أميل إلى الوجوب لكن ما أجزم به.
طالب: إذا سلم البطاقة بيده ()؟
الشيخ: الظاهر أن هذا دليل على التعيين أنه قاصد.
طالب: ()؟
الشيخ: لا، تأكيد واحترام له، على كل حال إذا عيَّنه نحن نقول: إذا عينه ثم عاد يأتي تحقيق المناط هل إن البطاقة من باب التعيين أو لا؟ إحنا نقول: مجرد البطاقة ليست تعيينًا فيما يظهر لنا، لكن إن وُجِد معها قرينة تؤيد التعيين وأنه يريد أن تحضر بعينك فلها حكم هذا.
قال: (ولم يكن ثَمَّ مُنْكَر) هذا الشرط الثالث يقول في مفهومها: ولم يكن ثم منكر -أخر ﵀- لما ذكر المؤلف الشروط منطوقًا ذكر مفهومها قال: (فإن دعا الجفلى) دعوة الجفلى هي دعوة العموم؛ مثل أن يقول: هلموا أيها الناس وما أشبه ذلك، وهي -أي: دعوة الجفلى- مما يفتخر بها العرب، كما قال شاعرهم:
نَحْنُ فِي الْمَشْتَاةِ نَدْعُو الْجَفَلَى
لَا تَرَى الْآدِبَ فِينَا يَنْتَقِرْ
النقرى أنه يُعَيِّن يقول: يا فلان تعال، والجفلى أنه يُعَمِّم، يعمم جميعًا، يقول: لا ترى الآدِب، من هو الآدِب؟ صانع المأدَبة أو المأدُبة بالضم. فينا ينتقر؛ يعني: يدعو بالتعيين.
إذا دعا الجفلى يقول المؤلف: (كُرِهت الإجابة)، لماذا؟ ما هو الدليل؟ ما فيه دليل.
ما هو التعليل؟ قال: لأن في ذلك دناءة، يجيء واحد لما نكون جميعًا -مثلًا عالَم- يقول: اتفضلوا وتروح أنت، هذا دناءة، هكذا عللوا ﵏، وهذا التعليل -كما عرفتم- عليل.
طالب: ما هي يفتخر بها العرب؟
[ ١ / ٦٤٧٥ ]
الشيخ: لا، بالنسبة للداعي يفتخر بها، لكن بالنسبة للمدعو دناءة بالنسبة للمدعو أنك تجيء.
طالب: () الكراهة؟
الشيخ: الصحيح أنها لا تكره وأنها جائزة، وقد ثبت أن الرسول ﵊ أمر أنس بن مالك أرسله فقال له: «ادْعُ فُلَانًا وَفُلَانًا وَمَنْ لَقِيتَ» (١٥)، في الأول تعيين، وفي الثاني عام «وَمَنْ لَقِيتَ»، فالصواب أنه لا بأس به، وأن الإجابة في هذه الحال ليست بمكروهة، بل في ظني أن عدم الإجابة إلى الكراهة أقرب؛ لأنك إذا دعوت الناس جميعًا عمومًا وتخلف واحد، ويش يقولون الناس؟ يقولون: هذا متكبر مترفع ما جاء، فالصواب أنها لا تكره الإجابة، صحيح أنها لا تجب على كل واحد؛ لأن الدعوة عامة، فهي تشبه فرض الكفاية، لكنها لا نقول: إنها مكروهة، فالصواب أنها ليست بمكروهة وليست بواجبة، لكن إذا علم أحد المدعوين أنه يسر الداعي أن يحضر فإنه ينبغي له أن يجيب.
طالب: حتى لو كان في عرس -يا شيخ- لأن فيه بعضهم عنده عرس يجيهم مجلس يقول: يا جماعة تفضلوا كلهم؟
الشيخ: إي، ولو كان هذا ما يفتخر به العرب أو لا.
كذلك أيضًا أو دعاه (في اليوم الثالث) دعاه في اليوم الثالث، وين جواب الشرط؟ قال: (كُرِهت الإجابة) إذا دعاه في اليوم الثالث فإنه كُرِهت الإجابة؛ لأنه يُرْوَى عن النبي ﵊ أنه قال: «إِنَّ الْوَلِيمَةَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ رِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ» (١٦)، وإذا كانت رياء وسمعة فلا ينبغي أن نشجع صاحبها، ولأنها إذا خرجت إلى اليوم الثالث صارت إسرافًا وعناءً، فالإجابة تكون مكروهة، لكن إذا لم تكن رياء وسمعة -مثل أن يكون له أقارب ما حضروا إلا في اليوم الثالث- فهذه ما هي رياء ولا سمعة، هذه لها مناسبة؛ وهي حضور هؤلاء، فمثل هذه الصورة لا تكره الإجابة.
[ ١ / ٦٤٧٦ ]
لكن ينبغي لمن أجاب أولًا أن يقتصر على الإجابة الأولى؛ لأنه كلما إذا تكررت إذا الإجابة في أيام متتابعة فلا بد فيها من دناءة، اللهم إلا أن يكون هناك سبب خاص تنتفي به الدناءة؛ مثل أن يكون قريبًا أو صديقًا أو جارًا.
طالب: إن كرر ()؟
الشيخ: في الثالثة لا يجيب إلا إذا كان لها سبب.
طالب: القارئ يقول: إن سنده لا يصح؟
الشيخ: هو فيه ضعيف؛ ولهذا قلنا لك: يُرْوَى، لأنه يُرْوى عن النبي ﷺ فالفقهاء استدلوا به، ونحن اعتمدنا على التعليل وهو أنه؟
طالب: إسراف.
الشيخ: أنه إسراف.
قوله: (أو دعاه ذمي كُرِهت الإجابة) (دعاه ذمي) من هو الذمي؟ اليهودي أو النصراني، أو على الأصح غيرهم أيضًا ممن عُقِدَت له الذمة؛ بأن يقيم في بلاد المسلمين وتؤخذ منه الجزية من اليهود والنصارى وغيرهم، فهذا الإسلام مسيطر عليهم ولَّا لا؟ وخاضع لأحكام الإسلام وله حقوق ().
فإذا دعاك لوليمة العرس فالمذهب أنه يكره، لماذا؟ قالوا: لأن المطلوب هو إذلال أهل الكفر واحتقارهم وازدراؤهم وألَّا أجيبهم، وظاهر كلامهم ولو كانوا يجيبوننا إذا دعوناهم؛ لأن الإسلام يعلو ولا يُعْلَى.
ولكن هذا فيه نظر، والصواب أنهم يجابون ولا تُكْرَه إجابتهم؛ لأنه ثبت عن النبي ﵊ أنه أجاب دعوة اليهودي (١١)، وسئل الإمام أحمد فقيل له: أجيب دعوة الذمي؟ قال: نعم، وهذا هو الصحيح، نعم الوجوب ما تجب لكنها تجوز، لا سيما إذا كان في ذلك تأليفًا لهم ومصلحة.
[ ١ / ٦٤٧٧ ]
وهذا في إجابتهم إلى الأمور العادية؛ كالزواج والقدوم من سفر، وما أشبه ذلك، أما الإجابة إلى الشعائر الدينية فإنها حرام ما يجوز، فلو دعانا نصراني إلى عيد الميلاد حرمت الإجابة؛ لأن الإجابة هنا معناه إقرار شعائر الكفر، وشعائر الكفر لا يرضاها الله ﷿، وهكذا نقول في تهنئتهم: ما يهنئون بعيدهم، تهنئتهم بعيدهم محرمة ولا تجوز؛ لأن معنى ذلك الرضا، بل التهنئة أعظم من الرضا، أهنئك -ما شاء الله- أنك أدركت هذا العيد وأنك عيدت! يقول ابن القيم: هذا أعظم مما إذا هنئت رجلًا بالزنا.
وله السفَرُ بالْحُرَّةِ ما لم تَشتَرِطْ ضِدَّه، ويَحْرُمُ وَطؤُها في الْحَيْضِ والدُّبُرِ، وله إجبارُها على غُسْلِ حَيْضٍ ونَجاسةٍ، وأَخْذِ ما تَعَافُه النفسُ من شَعْرٍ وغيرِه ولا تُجْبَرُ الذِّمِّيَّةُ على غُسْلِ الْجَنابةِ.
(فصلٌ)
ويَلْزَمُه أن يَبيتَ عندَ الْحُرَّةِ ليلةً من أربعٍ، ويَنفرِدَ إن أرادَ في الباقي، ويَلْزَمُه الْوَطْءُ إن قَدَرَ كلَّ ثلُثِ سَنَةٍ مَرَّةً، وإن سافَرَ فوقَ نِصْفِها وطَلَبَتْ قُدومَه وقَدِرَ لَزِمَه، فإن أَبَى أحدُهما فُرِّقَ بينَهما بطَلَبِها، وتُسَنُّ التَّسميةُ عندَ الوَطءِ وقولُ ما وَرَدَ، ويُكرهُ كَثرةُ الكلامِ، والنزْعُ قبلَ فَرَاغِها، والوَطءُ بِمَرْأَى أَحَدٍ، والتَّحَدُّثُ به ويَحْرُمُ جَمْعُ زَوْجَتَيْهِ في مَسكنٍ واحدٍ بغيرِ رِضاهما، وله مَنْعُها من الخروجِ من مَنْزِلِه، ويُسْتَحَبُّ إذنُه أن تُمَرِّضَ مَحْرَمَها وتَشْهَدَ جَنازتَه، وله مَنْعُها من إجارةِ نفسِها ومن إرضاعِ وَلَدِها من غيرِه إلا لضَرورتِه.
(فصلٌ)
[ ١ / ٦٤٧٨ ]
وعليه أن يُساوِيَ بينَ زَوجاتِه في القَسْمِ لا في الوَطْءِ، وعِمادُه الليلُ لِمَنْ مَعاشُه النهارُ والعكسُ بالعكسِ، ويُقْسَمُ لحائضٍ ونُفَسَاءَ ومَريضةٍ ومَعيبةٍ ومَجنونةٍ مأمونةٍ وغيرِها، وإن سافَرَتْ بلا إذْنِه أو بإذْنِه في حاجتِها أو أَبَت السفَرَ معه أو الْمَبِيتَ عندَه في فِراشِه فلا قَسْمَ لها ولا نَفَقَةَ، ومَن وَهَبَتْ قَسْمَها لضَرَّتِها بإذْنِه أو له فجَعَلَه لأُخْرَى، جازَ فإن رَجَعَتْ قَسَمَ لها مُستقبَلًا،
ولا قَسْمَ لإمائِه ولا أُمَّهَاتِ أَولادِه، بل يَطَأُ مَن شاءَ متى شاءَ، وإن تَزَوَّجَ بِكْرًا أقامَ عندَها سبعًا ثم دارَ، وثَيِّبًا ثَلاثًا، وإن أَحَبَّتْ سَبْعًا فَعَلَ وقَضَى مِثْلَهُنَّ للبَوَاقِي.
ما لم تشترط ضده، فإن اشترطت ضده فلا حق له أن يسافر بها؛ لما سبق من الدليل أو من الأدلة على وجوب الوفاء بالشروط.
ما رأيكم فيما لو سافر بها، ولكنها بعد أن سافر بها أصابها مرضٌ نفسي من هذا السفر، هل يلزمه أن يردها إلى بلدها أو لا؟
الجواب: نعم يلزمه، قياسًا على ما سبق في قوله: (وله الاستمتاع بالحرة ما لم يضر بها)، فإذا كان هذا السفر أوجب لها المرض فإن عليه أن يعيدها إلى بلدها؛ لقول النبي ﷺ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ». (١)
وقوله: (وله السفر بالحرة ما لم تشترط ضده)، تشترطه باللفظ، وكذلك بالعرف، لو كان من المطَّرِد عند أهل هذا البلد أن الرجل لا يسافر بامرأته إلا بشرط فإنه يؤخَذ بالشرط.
طالب: الشرط اللي () عمر ﵁ عُرِضَ عليه مثل هذا الأمر ففي مرة أمضاه، وقال لها: إن () إلى الزوجة، وفي مرة أخرى قال: هي مع زوجها، فالشوكاني كان بسط القول في هذه المسألة، وقال: إنها ليس لها أصلًا أن تشترط مثل هذا الشرط؛ لأنه ليس من حقها.
[ ١ / ٦٤٧٩ ]
الشيخ: تقدم لنا في باب الشروط أن الصحيح من أقوال أهل العلم أن جميع الشروط المباحة في النكاح لازمة، وواجب له الوفاء بها، الوفاء بها واجب؛ لعموم الأدلة الدالة على وجوب الوفاء بالعهود، وبالعقود، وبالشروط، وما عدا ذلك مما ورد عن بعض الصحابة فإنه يُحْمَل على قضايا معيَّنَة قضوا بها يمكن أنه فيها أحوال رأوا أن المصلحة تقتضي عدم التنفيذ، فحكموا به، ما دام عندنا أدلة عامة فيجب الأخذ بها.
طالب: شيخ، قوله: (وله الاستمتاع ولو على تَنُّور)، () شرط الاستمتاع ولو على تنور ()؟
طالب آخر: () الأدلة تفسير التنور ().
الشيخ: ().
الطالب: ().
الشيخ: إي نعم، بس إنما هم يريدون يفهمون المعنى، التنور معروف، يعني: ولو كانت تخبز ما تقول: خليني أكمل خبزي.
طالب: لا، عند اللبس يعود إلى غير الاستمتاع.
الشيخ: لا، يعود على الاستمتاع، أما ظهر القتب، فالقتب نوع مما يُرْحَل على البعير، مثل () اللي يكون على البعير، يقول: حتى في هذه الحال لو أراد أن يستمتع بها على بعير، على بغلة قتب فلا حرج، أو قتب على الأرض أيضًا، المهم يستمتع بها في كل حال ما لم يضر بها ().
طالب: أقول: ويباشرها ().
الشيخ: لأنها زوجته معلوم، لكن ما نخصه بالأَمَة؛ لأن قد يقول أو يتوهم مُتَوَهِّم () ليلة فقط ويباشرها، أي الآن، ولكن يباشرها -أي: الزوجة- سواء أَمَة ولَّا حرة.
قال: (وَيَحْرُمُ وَطْؤُهَا فِي الْحَيْضِ وَفي الدُّبُر)، أما وطؤها في الحيض فهو بنص الكتاب العزيز، قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيْضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فلا يجوز للمرء أن يجامع زوجته وهي حائض، ولا يفعل ذلك إلا بعد أن تطهُر وتطَّهَّر؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فأتوهن﴾ البقرة: ٢٢٢].
[ ١ / ٦٤٨٠ ]
وأما الاستمتاع بما دون الوطء للحائض فهو جائز؛ لقول النبي ﷺ: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ» (٢)، ولكن ينبغي أن يأمرها بالاتِّزَار، كما كان النبي ﵊ يأمر عائشة أن تتزر فيباشرها وهي حائض (٣)، وذلك لئلا يرى منها من الدم ما يوجِب التَّكَرُّه فيكره المرأة من أجله.
وكذلك في الدُّبُر يحرُم الوطء، للأحاديث الواردة في ذلك، وهو مثل قوله ﵊: «إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَعْجَازِهِنَّ». (٤)
وكذلك وردت أحاديث متعددة وإن كان في إسنادها ما يقال، إلا أنها بمجموعها تصلح للاستدلال والحجة.
وكذلك بالقياس على الحيض؛ لأن الله عَلَّلَ تحريم الوطء في الحيض بأنه أذى، ومعلوم أن الأذى الحاصل في وطء الدبر أشد من الأذى الحاصل بالحيض، الحيض دم، لكن هذا غائط ونجاسات ملوثة.
ثم قال شيخ الإسلام: وإذا تواطأ الزوجان على ذلك فإنه يفرَّق بينهما، وصدق ﵀، لو أن الزوج والزوجة اتفقَا على هذا الأمر -على الوطء في الدبر- وجب أن يفرَّق بينهما؛ لأنه استمتاع مُحَرَّم.
وقول المؤلف: (في الحيض أو في الدُّبُر) المراد أن يُولِج في الدُّبُر، وأما إذا استمتع بين الأليتين أو بين الفخذين بدون إيلاج فهذا لا بأس به.
طالب: حديث صَحَّحَه بعض العلماء أن إتيان النساء في أدبارهن حرام. (٥)
الشيخ: صحَّحَه بناء على كثرة شواهده.
قال: (وَلَهُ إِجْبَارُهَا عَلَى غُسْلِ حيضٍ)، أو (على غَسْلِ حيض)، إن قلنا: على غَسل حيض، فالمراد أن تغسل أَثَرَ الدم، وإن قلنا: على غُسْل حيض، فالمراد الاغتسال، وكلاهما صحيح، له أن يُجْبِرَها على غسل الحيض؛ لأنه ما يمكن أن يطأها حتى؟
طالب: تغتسل.
[ ١ / ٦٤٨١ ]
الشيخ: تغتسل، فإذا طهرت من الحيض، وأرادت ألَّا تتعجل في الاغتسال فله أن يجبرها على ذلك، حتى وإن لم يكن وقت صلاة، لو فُرِضَ أنها طهرت بعد أن طلعت الشمس بنصف ساعة، باقٍ على الظهر مدة، وأراد أن تغتسل لأجل أن يستمتع بها، فله أن يفعل، وله أن يُجْبِرَها على هذا.
طالب: (على غُسْلٍ من حيض).
الشيخ: أنا عندي بدون (من).
وكذلك أيضًا لو طلب منها أن تغسل أَثَرَ الدم فله ذلك، له أن يجبرها؛ لأن الدم نجس، ولأن رؤيته توجب النفور من المرأة، كذلك له إجبارها على غسل نجاسة، أيًّا كانت؟ أيًّا كانت.
ولكن هذا فيه نظر، فإنه لا يجبرها على غسل النجاسة إلا في حالين: إذا كانت تُفَوِّت عليه كمال الاستمتاع، أو كان وقت صلاة، في هاتين الحالين له أن يجبرها على غسل النجاسة، أما فيما عدا ذلك فليس له أن يجبرها عليها؛ لأنه لا يفوت في ذلك لا حق الله ولا حق الزوجة، مثل لو أصابها في ثوبها شيء من البول، وهذا ليس وقت صلاة، والبول يبس ولا له لا لون ولا شيء، فإن هذا ليس له الإجبار.
نعم يشير عليها أن تغسله؛ لأن الأفضل أن يبادر الإنسان بغسل النجاسة، أما الإجبار فلا يجبرها إلا في حال من حالين: إما أن يفوت بهذه النجاسة كمال الاستمتاع، وإما أن يكون في وقت صلاة فإنه أن يجبرها لأجل أن تصلي وهي طاهرة.
وكذلك له أن يُجْبِرها على (أَخْذ ما تعافه النفس من شَعر وغيره)، الشَّعر مثل لو نبت لها شارب، وهذا قد يحصل، بعض النساء ينبت لها شارب، وبعضهم شارب ولحية أيضًا، إي نعم، لو حصل هذا الأمر له أن يجبرها على أن تأخذه؟
طالب: نعم
[ ١ / ٦٤٨٢ ]
الشيخ: إي نعم، له أن يجبرها، فإن قالت له: قال النبي ﵊: «أَعْفُوا اللِّحَى وَحُفُّوا الشَّوَارِبَ» (٦)، ماذا نقول؟ نقول: هذا خاصّ بالرجال، أما النساء فهذا يُعْتَبَر عيبًا فيهن، ولهذا جاز إزالته، وإذا طلب الزوج ذلك وجب إزالته، كذلك لو كان في وجهها شامة فيها شعر تعافها نفسه فله إجبارها على إزالتها، وكذلك شعر العانة، وشعر الإبط له أن يجبرها على إزالتها.
وقوله: (من شعر) ونحوه، كظُفْر، له أن يجبرها على تقليم الأظفار، أو قَصّها، فلو قالت: إن هذا أنا أريد أن أطول ظفر الخنصر؛ لأن هذا هو علامة التقدم، أبغي أخليه كالحربة، له أن يجبرها؟ إي نعم، له أن يجبرها على ذلك، ومن العجب أن الشيطان لعب ببعض النساء حتى أصبحن يُطِلْنَ ظفر الخنصر.
طلبة: حتى الرجال ..
الشيخ: إن كان ما أدري، اللي علمت به ظفر الخنصر الصغير هذا ..
طالب: فيه دلوقتي يا شيخ كمان ولا مؤاخذة فيه حاجات يجيبوها يركبوها في الأظافر، الظفر يحطوه على الظفر نفسه.
طالب آخر: ممكن أظافر ذهب.
الشيخ: مناكير يمكن.
الطالب: لا، ظفر ثاني زي الظفر دهوه ..
الشيخ: عجيب.
الطالب: وتركبه وتقول: عايزة الظفر يبقى طويل كده.
الشيخ: أعوذ بالله، أخشى من هذا أن يكون مثل وصل الشعر.
طالب: أنا شوفته هنا يا شيخ، ما شوفته في مصر، شوفته هنا ().
طالب آخر: () مصر أيضًا.
الشيخ: بارك الله فيكم، المهم أنه له أن يجبرها على قص الأظفار وتقليمها؛ لأن هذا مما تعافه النفس.
لو كانت شعثاء ما تُصْلِح شعرها ولا تهتم به، له أن يجبرها عليه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم له أن يجبرها على إصلاحه.
بالعكس؛ هل لها أن تُجْبِرَه على ذلك؟
طلبة: نعم لها.
الشيخ: لها؟
طلبة: لها.
الشيخ: ()، الظاهر ما لا () الإجبار، لكنه يجب عليه هو ..
طالب: ().
[ ١ / ٦٤٨٣ ]
الشيخ: لأنها ما لها سلطة هي، هي بمنزلة الأسير عنده، لكن لها الحق أن تقول له: أَزِل يا أخي هذا؛ لأنه يؤذيني، فلها أن تجبره، إلا على اللحية، فإنها ليس لها الحق في أن تقول له: احلقها، وإن كان بعض الناس إذا خاطبناهم وقلنا لهم: هذا يجب إعفاؤها، قال: إن السيدة ما ترضى، هذا لا يُقْبَل، هذا كثير الآن، أنا سمعته كثيرًا، وهنا السيدة، وهم عادة يعبرون بالسيدة يقولون: الست لا ترضى، فنقول: هذا ولو كانت لا ترضى لا بد أن تنفذ ما أمر الله به ورسوله، لكن لو طلبت منه إزالة الأظفار، والعانة، والإبطين، هذا لا شك أنه يجب عليه أن يعاشرها كما يحب أن تعاشره هو.
طالب: يزيل الشعر () هذا يجزئ، ولَّا لازم يحدِّد؟
الشيخ: ما فيه تحديد، إذا صار مما يجوز إزالته ما فيه تحديد.
طالب: () الشعر بشيء لاصق؟
الشيخ: ثم ما ينبت على كده؟
طالب: لا، ينبت ().
طالب آخر: شيء لاصق.
الشيخ: كله واحد، بس اللاصق هذا إذا كان يمنع وصول الماء نقول: يحرُم ().
طلبة: ().
الشيخ: قوله: (غسل الجنابة)، هذه المسألة خالف فيها الماتن المشهورَ من المذهب، والماتن أحيانًا يخرج عن المذهب -﵀-، المذهب أنها تُجْبَر الذِّمِّيَّة على غسل الجنابة، والمؤلف يرى أنها لا تُجْبَر، ولكل وجهة، أما المؤلف فيرى أنها لا تُجْبَر على غسل الجنابة؛ لأنها ليست ممن يصلي حتى تجبر على أن تغتسل من الجنابة، وأما المذهب فيقولون: إن بقاء الجنابة عليها مرة بعد أخرى يؤثر في نفسية الزوج، وربما يحصل روائح كريهة بسبب تجمعات الجنابات عليها، فله أن يجبرها على غسل الجنابة، وإن كان لا يقع منها تطوعًا لله؛ لأنه ما يقبل منها هذا الغسل، وليس عليها صلاة حتى تغتسل لها.
[ ١ / ٦٤٨٤ ]
والصواب ما عليه المذهب؛ أن الذمية تُجْبَر على غسل الجنابة؛ لأن هذا شيء يتعلق بالاستمتاع، كما يتعلق بالصلاة والعبادة يتعلق أيضًا بالاستمتاع، فله أن يجبرها على غسل الجنابة، خلافًا لما قاله الماتن ﵀.
ثم قال المؤلف: (فصل .. وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَبِيتَ عِنْدَ الحُرَّةِ لَيْلَةً مِنْ أَرْبَعٍ، وَيَنْفَرِدَ إِنْ أَرَادَت الباقي)، أبغى شوف كلامي صحيح؟ ينفردُ ولَّا ينفردَ؟
طلبة: ينفردَ.
الشيخ: (وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَبِيتَ عِنْدَ الحُرَّةِ لَيْلَةً مِنْ أَرْبَعٍ، وَيَنْفَرِدَ إِنْ أَرَادَت الباقي) ينفردُ بالرفع؟
الطلبة: لا، وينفردَ.
الشيخ: لا، بالرفع، ما يجوز الوجهان، يجب الرفع؛ لأن الواو للاستئناف هنا ليست عاطفة، يعني: وله أن ينفردَ.
يلزمه أن يبيت ليلة من أربع عند الحرة، يبيت عندها في المضطجع ما هو بعندها في البيت، عندها في نفس المضطجع؛ لقوله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤] أي: فيه تواصل، وليس المعنى أن يبيت -مثلًا- في حجرة وهي في حجرة البيت، لا، يبيت في المضطجع ليلة من أربع، وثلاث ليالٍ من الأربع له أن ينفرد.
الدليل: قالوا: الدليل أثر ونظر؛ الأثر: هو أن امرأةً جاءت إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، وقالت تثني على زوجها: إن زوجي يقوم الليل ويصوم النهار، وليس لي منه حظ، فأمير المؤمنين ﵁ استغفر لها، وأمرها بالصبر، وأثنى على زوجها، ثم انصرفت، وكان عنده كعب بن سوار، فلما انصرفت قال: يا أمير المؤمنين، إنك ما قضيت حاجتها، قال: لماذا؟ قال: لأنها تستعديك على زوجها، يعني تشكو زوجها إليك، فأرسل عمر ﵁ إلى زوجها وأخبره، ثم قال لكعب: اقضِ بينهما، فإنك علمت من حالهما ما لم أعلم، فقال: لها ليلة من أربع ولك الباقي (٧).
[ ١ / ٦٤٨٥ ]
لأنه يجوز له أن يتزوج أربعًا، فإذا تزوج أربعًا صار ثلاثًا للزوجات الثلاث، وواحدة لها ليلة، فتعجب عمر ﵁ من حُكْمِه وقضائه، ونَفَّذَه، وهذا هو النظر، العلة هو أنه -أي الزوج- يتزوج أربعًا، فيكون له ثلاث ليال، ولكل زوجة ليلة، وهذا الذي قضى به كعب بن سوار بحضرة عمر ﵁ وأقره عليه يكون حجة بإقرار عمر ﵁؛ لأنه أحد الخلفاء الراشدين.
وقال بعض أهل العلم: إنه يجب عليه أن يبيت عندها بالمعروف، ولا يلزم من كونه لا يلزمه إلا ليلة إذا كان عنده أربع نساء لا يلزم ألَّا يلزمه أكثر إذا لم يكن له إلا واحدة؛ لأن كونه لا يلزمه إلا ليلة إذا كان عنده أربع نساء هو من ضرورة العدل، إذا صِرْنَ أربعًا لازم يكون كل واحدة لها ليلة من أربع، ولا بد من ذلك، بخلاف ما إذا كان مُخْلِيًا لها وليس معه أحد، فإن الحكم يختلف، فيجب عليه أن يبيت عندها ما جرت به العادة.
والظاهر أن ما جرت به العادة يكون مقاربًا لما قضى به عمر ﵁ عند التشاحّ، وعند التنازع، أما في المشورة والإرشاد والنصح فإنه ينبغي أن يشارَ على الزوج، فيقال: هذه زوجتك، ولا ينبغي أن تهجرها؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤]، متى؟ ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾، أما مع عدم خوف النشوز فلا ينبغي أن تُهْجَر ولا ليلة، إلا إذا جرى العرف بذلك.
قال المؤلف: (وينفرد إن أرادت الباقي) فإن لم يُرِد الانفراد ما تمنعه، شوف لو أرادت الزوجة أن تمنعه إلا من ليلة واحدة من أربع تملك هذا؟
طالب: لا.
الشيخ: لا؛ لأن الانفراد راجع إلى إرادته، فلو قالت له: أنت لو كان لك أربع زوجات ما حصلت لك إلا ليلة واحدة، فأنا الآن أمنع نفسي إلا ليلة واحدة فقط.
قلنا: لا تملك هذا، له أن يبيت عندها كل ليلة، وله أن ينفرد في ثلاث ليال.
[ ١ / ٦٤٨٦ ]
(وَيَلْزَمُهُ الوَطْءُ إِنْ قدر عليه كُلَّ ثُلُثِ سَنَةٍ مَرَّةً)، الجماع ما يلزمه إلا بالسنة ثلاث مرات، أو لا؟ كل ثُلُث سنة مرة فقط، إذا قدر عليه أيضًا، ولو كانت المرأة من أشبّ النساء هو ما يلزمه إلا مرة واحدة في كل أربعة أشهر، ولو بات عندها، هو الآن يبيت عندها ليلة من أربع، ولكن نقول: ما يلزمك أن تجامعها إلا في كل أربعة أشهر مرة واحدة، لو كنت شابًّا وهي شابة ماذا تصنع؟
وقول المؤلف: (إن قدر) مفهومه إن عجز فلا يلزمه؛ لأن الله لا يكلِّف نفسًا إلا وسعها، ولا إثم عليه في ذلك، ولكن يبقى النظر أنه إذا كان عاجزًا عن الوطء فهناك صاحب حق، مَن؟ الزوجة، ماذا نصنع؟ تقدَّم لنا أنه إذا كان عنينًا فإنه يؤجَّل سنة، وتفسخ النكاح، وإذا كان عجزه لمرض فالمذهب أنه لا فسخ لها كما سبق.
واختار الشيخ ﵀شيخ الإسلام- أن لها أن تفسخ بعجزه عن الوطء، وقال: إنّ عجزه عن الوطء أولى بالفسخ من عجزه عن النفقة، إذا عجز عن النفقة لها الفسخ، ولَّا لا؟ لها الفسخ، حتى على المذهب، فإذا عجز عن الوطء فيقول: إنه لا فسخ لها.
ولكن الصحيح ما قاله الشيخ؛ أن لها الفسخ لعجز؛ لأن كثيرًا من النساء تريد العشرة مع الزوج، وتريد الأولاد أكثر مما تريد من المال، أليس كذلك؟ ولا يهمها المال عند هذه الأمور، فكوننا نقول: إذا عجز عن النفقة فإن لها الفسخ، وإذا عجز عن الوطء فليس لها الفسخ، إلا إذا ثبتت عُنَّته، هذا فيه نظر.
الصواب ما قاله الشيخ -﵀- أنه إذا عجز عن الوطء لمرض وطلبت الفسخ فإنها تفسخ، إلا إذا كان هذا المرض مما يُعْلَم أو يغلب على الظن أنه مرض يزول بالمعالجة، أو باختلاف الحال، فليس لها الفسخ؛ لأنه يُنْتَظَر زواله.
وقول المؤلف في أصل المسألة: (في كل ثُلُث سنة مرة)، ما هو الدليل أنه لا يجب عليه إلا في السنة ثلاث مرات؟
[ ١ / ٦٤٨٧ ]
قالوا: الدليل لأن الله تعالى قال: ﴿للذين يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦، ٢٢٧]، فضرب الله له أربعة أشهر، والإيلاء لا يُسْقِط واجبًا، ولا يوجِب ما ليس بواجب، فلو كان يلزمه أن يطأ أقل من أربعة أشهر لوجب عليه، وكانت مدة الإيلاء كم؟ أقل ولّا أكثر؟
طالب: أقل.
الشيخ: أقل من أربعة أشهر، ولو كان أيضًا لا يجب عليه كل أربعة أشهر مرة ما لزمه بالإيلاء، فالإيلاء لا يوجِب ولا يُسْقِط، لا يوجِب واجبًا، ولا يُسْقِط واجبًا، فلما ضرب الله له أربعة أشهر عُلِمَ أن الواجب أن يجامعها في كل أربعة أشهرٍ مرة.
ولكن هذا التعليل عليل؛ لأن الإيلاء حالٌ طارئة، والرجل أقسم ألَّا يجامع زوجته، وهذه حالة طارئة ولّا حال راتبة لكل زوج؟
الطلبة: حال طارئة.
الشيخ: حال طارئة، فما دام الرجل حلف، نقول: نظرًا لحالك ويمينك وقسمك نؤجّلك هذه المدة، إن جامعت ورجعت إلى زوجتك فذاك، وإن لم تجامع فُسِخَ النكاح، وأما مَن لم تطرأ عليه هذه الحالة، ولم يوجَد سبب لتأجيله، فإن الواجب أن يعاشرها بالمعروف، قال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، وليس من المعروف أبدًا أن الإنسان الشابّ والمرأة الشابة تزوجت ().
قال: (وَإِنْ سَافَرَ فَوْقَ نِصْفِهَا وَطَلَبَتْ قُدُومَهُ وَقَدر لَزِمَهُ)، (إن سافر) عمّن؟ عن زوجته فوق نصف السنة، (وطلبت قدومه وقدر)، هذه ثلاث شروط، (لزمه)، أيّ شيء يلزمه؟ يلزمه الرجوع والحضور إلى زوجته، عندي بالشرح: قال: (في غير حج أو غزو واجِبَيْنِ أو طلبِ رِزْقٍ يحتاجه)، يكون هذه أربعة شروط:
[ ١ / ٦٤٨٨ ]
أولًا: أن يزيد السفر عن نصف سنة، فإن كان نصف سنةٍ فأقلّ فليس لها حق المطالبة، فلو سافر لمدة أربعة شهور، أو خمسة شهور، فليس لها حق المطالبة، مع أنه تقدم أن الْمُولِي يُضْرَب له كم؟
طالب: أربعة أشهر.
الشيخ: أربعة أشهر، وهذا الذي سافر بدون حاجة هو في الحقيقة أشد من الْمُولِي؛ لأن الْمُولِي عندها ويؤنسها وتستأنس به، وأما هذا فقد سافر وتركها وحدها في البلد -مثلًا-، أو عند أهلها، ويقولون: يقيَّد بنصف سنة.
الشرط الثاني: (وطلبت قدومه)، فإن لم تطلب قدومه فلا يلزمه، حتى لو بقي سنتين أو ثلاثًا أو أربعًا، لكنه يُشْتَرَط أن يكون آمنًا عليها، فإن كان غير آمن فإنه لا يجوز أن يسافر أصلًا، لو كان لا يأمن على زوجته من الفتنة بها، أو منها، فإنه لا يجوز أن يسافر.
الشرط الثالث: (وقدر)، فإن عجز فلا يلزمه، مثل ألَّا يجد راحلة توصله إلى زوجته، انقطعت الأسفار، أو حصل خوف، أو ما أشبه ذلك، فلا يلزمه.
الشرط الرابع: ما ذكره في الشرح: ألَّا يكون لطلب رزقٍ يحتاجه، أو في أمرٍ واجب، كحج وغزو.
الحج يستغرق نصف سنة؟
طلبة: ().
الشيخ: إي نعم، في الزمن السابق يستغرق أو أكثر، أما الآن فلا يستغرق، وإذا تمت هذه الشروط فإنه يلزمه الحضور، الشروط الآن كم؟
طالب: ثلاثة.
الشيخ: عدّهم.
طالب: أولًا: أن يكون نصف سنة.
الشيخ: أكثر.
الطالب: أكثر من نصف سنة.
والثاني: تطلب قدومه ()، والثالث: ().
الشيخ: والرابع: ألَّا يكون سفره لحج أو غزو واجِبَيْنِ، أو في معيشة يحتاجها، فإن كان في معيشة يحتاجها، وقال: أنا ما أستطيع أني آتي، أنا آجَرْت نفسي على هذا الرجل لمدة ثمانِ شهور، وأنا مضطر إلى هذا، فإنه لا يلزمه الحضور، وليس لها حق الفسخ.
[ ١ / ٦٤٨٩ ]
قال: (فإن أبى أحدَهما فُرِّق بينهما بطلبها)، (إن أبى أحدَهما) الضمير مُثَنّى، وهل الذي سبق اثنان؟ نعم، وهما الوطء كل ثُلُث السنة، والثاني: الحضور من السفر، فإذا أبى أحدَهما مع وجوبه عليه فُرِّقَ بينهما بطلبها، (فُرِّقَ) بناه للمجهول؛ لأن الذي يفرِّق بينهما الحاكم، القاضي يفرِّق بينهما بطلبها إذا طلبت الفُرْقَة، فإذا غاب أكثر من نصف سنة -مثلًا- وهو في غير حجٍ، أو غزوٍ واجب، أو معيشةٍ يحتاجها، وطلبت أن يرجع فأبى مع قدرته فإنه بمجرد ما تتم نصف السنة تذهب إلى القاضي، وتقول: افسخ النكاح.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا يحتاج إلى مراجعة الزوج، يعني أن الحاكم لا يحتاج إلى أن يراجع الزوج، أو يراسله، بل يفسخ وإن لم يراسله.
وقال بعض أهل العلم: إنه لا يجوز أن يفسخ حتى يراسل الزوج، يكتب إليه مثلًا، أو المهم يتصل به، ويقول: إنه لا بد أن تحضر، وإلا فسخنا النكاح، وهذا القول أصح؛ لأن الزوج ربما لا يبين العذر لزوجته، ربما يقول: ما أنا بحاضر، انتظري، ولا يُبَيِّن العذر، فإذا راسله القاضي، وعرف أن المسألة وصلت إلى حدٍّ يوجِب الفراق فربما يبيِّن العذر، ثم هذا لا يضر، إذا صبرت الآن نصف سنة فلتصبر ما تيسر لمراجعة زوجها.
[ ١ / ٦٤٩٠ ]
(وَتُسَنُّ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ الوَطْءِ)، (تسنّ التسمية عند الوطء) من الزوج ولَّا من الزوجة والزوج؟ ظاهر النص أنه من الزوج؛ لأنه آكل والزوجة مأكولة؛ لقول النبي ﵊: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ قَالَ: بِاسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا» (٨)، قال: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ، ولم يقل: قال وقالت، فظاهره أن التسمية من الزوج، وقول النبي ﵊: «إِنَّهُ إِنْ قُدِّرَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَدًا» (٨)، لا يشكل عليكم أنه ربما يكون الرجل هذا ملتزمًا بذلك، بالتسمية عند كل جماع، ويأتيه أولاد يضرهم الشيطان.
فاختلف أهل العلم في ذلك؛ فقال بعضهم: لم يضره ضررًا بدنيًّا، وذلك لأن الشيطان إذا وُلِدَ الإنسانُ فإنه يطعن في خاصرته، يطعن بيده في خاصرته، ولهذا يصرخ الطفل إذا وُلِدَ، أحيانًا يُرَى أثر الضرب أزرق في الخاصرة، لماذا؟ من أجل أن يهلكه، فيقول: «لَا يَضُرُّهُ» أي: بطعنه إياه في الخاصرة، لا أنه لا يضره ضررًا دينيًّا، وقال بعض العلماء: بل الحديث عام، لم يضره الشيطان أبدًا، والتأبيد يدل على أن ذلك مستمر.
ولكن الجواب عن الصورة التي ذكرنا، وهو أنه قد يضره الشيطان مع تسمية والده عند الجماع في كل مرة، أن يقال: إن هذا سبب، والأسباب قد تتخلَّف بوجود موانع، كما قال النبي ﵊: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» (٩)، وإلَّا فكلام الرسول ﵊ حقٌّ وصدق، لكن هذا سبب من الأسباب، وقد يوجَد موانع.
[ ١ / ٦٤٩١ ]
فإذا قال لنا قائل: إذا كان هذا سببًا وقد يوجد موانع إذن ما الفائدة؟ نقول: هذا غلط ليس بصحيح، الفائدة أنك فعلت السبب، والموانع عارضة، والأصل وجودها أو عدم الوجود؟
طلبة: عدم الوجود.
الشيخ: الأصل عدم الوجود، فأنت تعرف السبب، وكل إنسان يريد أن يفعل شيئًا له أسباب ما يقول: أخشى من الموانع، بل يفعل الأسباب والموانع عارضة، هذه واحدة، يُسَنّ التسمية.
وقول الوارد، الوارد هو ما ذكرنا: «اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا» (٨)، فإن لم يُسَمِّ فإن الشيطان ربما يضر ولده، وربما يشارك الإنسان في التمتع بالزوجة، قال الله تعالى للشيطان: ﴿أَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ﴾ [الإسراء: ٦٤]، قال بعض العلماء: المشاركة في الأولاد أن الرجل إذا لم يُسَمِّ عند الجماع فقد يشاركه الشيطان في التمتع بزوجته.
(وَيُكْرَهُ كَثْرَةُ الكَلاَمِ)، كثرة الكلام يعني عند الوطء والجماع، إذا كان الإنسان يجامع زوجته فلا ينبغي أن يُكْثِر الكلام، ويتكلم ولَّا ما يتكلم؟
طلبة: يتكلم.
الشيخ: يتكلم، لكن لا يُكْثِر، عندي حديث لكنه ضعيف: «لَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ عِنْدَ مُجَامَعَةِ النِّسَاءِ فَإِنَّ مِنْهُ يَكُونُ الْخَرَسُ وَالْفَأْفَأَةُ» (١٠)، الخرس معناه .. ويش معناه؟
طلبة: ألَّا يتكلم.
الشيخ: ألَّا يتكلم، والفأفأة أن يكون عند كلامه بالفاء يكرِّرها عند نطقه بها، ولكن لا شك أن كثرة الكلام في هذه الحال ما تنبغي؛ لأن الإنسان كاشف فرجه وكذلك المرأة، وقت () كما يقول العوام ما هو بالآن، لكل مقام مقال.
[ ١ / ٦٤٩٢ ]
ثانيًا: (ويُكْرَه أيضًا النَّزْعُ قَبْلَ فَرَاغِهَا)، أن ينزع، والنزع معناه أن يُنْهِي الإنسان جِمَاعه، فيُخْرج ذَكَرَه من فرج امرأته قبل فراغها هي من الشهوة، أي: قبل إنزالها، والفراغ من الشهوة يكون بالإنزال، فيُكْرَه أن ينزع قبل أن تُنْزِل هي، وذلك لأنه يفوت عليها كمال اللذة، ويحرمها من كمال الاستمتاع، وربما يحصل عليها ضرر بكون الماء متهيِّئًا للخروج ثم لا يخرج إذا انقضى الجماع.
وأما الحديث اللي ذكره فهو –أيضًا- ضعيف، لكنه من حيث النظر صحيح، أنه لا ينبغي، فكما أنك أنت لا تحب أن تنزع قبل أن تُنْزِل فكذلك هي ينبغي ألَّا تعجلها.
قال: (والوطء بمرأى أحد)، هذه من أغرب ما يكون أن يقتصر فيه على الكراهة، يعني يُكْرَه أن الإنسان يجامع زوجته والناس ناظرون بمرأى أحد، وهذا تحته أمران:
أحدهما: أن يكونَا بحيث تُرى عورَتاهما، فهذا لا شك أن الاقتصار على الكراهة غلط، لماذا؟ لوجوب ستر العورة، فإذا كان بحيث يرى عورتهما أحد فلا شك أنه مُحَرَّم، وكلام المؤلف ليس بصحيح إطلاقًا، أما إذا كان بحيث لا تُرى العورة فإن الاقتصار على الكراهة أيضًا فيه نظر، يعني -مثلًا- لو كان ملتحفًا معها بلحاف، وصار يفعل بها فتُرى الحركة، هذا في الحقيقة لا شك أنه إلى التحريم أقرب؛ لأنه لا يليق بالمسلم أن يتدنى إلى هذه الحال، وأيضًا ربما يثير شهوة الناظر، ويحصل بذلك مفسدة، ربما يثير شهوة الناظر، ويكون هذا الناظر ممن لا يخاف الله -﷿- فيسطو على المرأة بعد فراغ زوجها منها.
[ ١ / ٦٤٩٣ ]
والصحيح في هذه المسألة أنه يحرم الوطء بمرأى أحد، اللهم إلَّا إذا كان الرائي طفلًا لا يدري، فهذا لا بأس به، إذا كان طفلًا ما يدري ولا يتصور ما يُفْعَل، أما إن كان يتصور ما يفعل فلا ينبغي أيضًا أن يحصل الجماع بمشاهدته ولو كان طفلًا؛ لأن الطفل قد يتحدث بما رأى عن غير قصد، الطفل الذي في المهد -مثلًا- له أشهر هذا لا بأس، ولو رأى؛ لأنه ما يدري عن هذا الشيء، ولا يتصوره، لكن له ثلاث سنوات، أربع سنوات، يأتي الإنسان أهله عند هذا الطفل، هذا لا ينبغي؛ لأن الطفل ربما في الصباح يتحدث، يقول -مثلًا-: إن أباه راكب على أمه قدَّام الناس، صحيح ما عنده شيء، ولا يفهم شيئًا، فلهذا يُكْرَه أن يكون وطؤه بمرأى طفلٍ، وإن كان غير مميِّز إذا كان يتصور ويفهم ما رأى.
(والتحدث به) التحدث به، سبحان الله العظيم، يقول المؤلف: إنه يُكْرَه التحدث بالجماع؛ بجماع زوجته، وهذا أيضًا فيه نظر ظاهر، والصواب أن التحدث به محرَّم، وقد ورد في الحديث عن الرسول ﵊: «إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنْزِلَةً الرَّجُلُ يُفْضِي إِلَى الْمَرْأَةِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يُصْبِحُ يَتَحَدَّثُ بِمَا جَرَى بَيْنَهُمَا» (١١)، فهو من شر الناس منزلةً، كيف يقول هذا، يقول: مكروه الرجل إذا أصبح جلس مع أصحابه وأصدقائه، قال: إنه فعل بزوجته كذا وكذا وكذا؟ هذا ما يليق إطلاقًا، والغالب أن اللي يفعل هذا كما فضح زوجته هي تفضحه أيضًا، فتقول عند النساء: إنه فعل فيها كذا، وفعل فيها كذا، إلى آخره.
والصواب في هذه المسألة أنه حرام، وأنه لا يجوز للإنسان أن يتحدث بما جرى بينه وبين زوجته.
[ ١ / ٦٤٩٤ ]
فإن قال قائل: أليس عمر بن أبي سلمة لَمَّا سأل الرسول ﷺ عن الرجل يُقَبِّل امرأته وهو صائم؟ فقال: «سَلْ هَذِهِ» (١٢)، فقالت: إنه كان الرسول يُقَبِّل وهو صائم، قلنا: التقبيل ليس هو كمسألة الجماع، ثم إنه ما جرى ما تحدَّث بقضية معينة، بل تحدَّث عن جنس القبلة، كما لو قال الرجل -مثلًا-: إنه يجامع زوجته فلا يُنْزِل فيغتسل مثلًا، ففرق بين التحدث عن الجنس، والتحدث عن الفعل المعيَّن، بينهما فرق ظاهر، والناس يعرفون الفرق بين هذا وهذا.
يقول: والتحدث به (ويَحْرُم جَمْع زوجتيه في مسكن واحدٍ بغير رضاهما)، اعلم أن المسكن والبيت يختلفان، (في مسكن واحد) يعني: في حجرة واحدة، يجعل الحجرة لهما جميعًا، فهذا يحرُم إلا برضاهما؛ لأن في ذلك ضررًا على الأخرى، كيف هذه المسألة تيجي، إذا كانت ليلة الأخرى يجي يقول: أظل معها في الفراش، والزوجة الأخرى إلى جانبه؟ ! هذا ما فيه شك أنه تقصير في حق النساء، إذا لم يَرْضَيْن بذلك فلا يجوز، فإن رَضِينَ به يجوز؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إذا رضين بذلك فلا حرج، حتى لو رَضِينَ أن يكون الثلاثة في فراش واحد، له زوجتان، وقال: أنام بينكما، ورضيَتَا بذلك فلا حرج؛ لأن الحق لهما، لكن بغير رضاهما لا يجوز، فإن جامعهما في بيت واحد، ولكل واحدة منهن مسكن خاص بها يجوز ولَّا لا؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز، إلا عند الشرط، إذا اشترطت عليه عند العقد ألَّا يُسْكِنَها مع زوجته الأولى فإنه يجب الوفاء بما شرط.
طالب: أحيانًا يا شيخ فقط تكون بالنظر فقط يعني ولا ..، يعني ما يقال: يُكْرَه؟
الشيخ: لا، هو في الحقيقة التحريم شديد في هذا، والغريب أن هذا يحرُم، والمسائل الأولى؟
طلبة: يُكْرَه.
الشيخ: يُكْرَه.
طالب: هذا غريب.
الشيخ: هذا غريب، لكن نظرًا إلى أنه ربما يحدث معهما غَيْرَة، مَفْسَدة عظيمة توجِب أن الرجل يتعب وهما تتعبان أيضًا.
طالب: لو ما عنده قدرة أن ..
الشيخ: ما عنده قدرة؟
[ ١ / ٦٤٩٥ ]
الطالب: يعني يجعل ().
الشيخ: يحق () الحمد لله، ما أظن أحدًا ما يجد إلا حجرة ما تسع إلا ..
طالب: نقول: يُكْرَه فقط، ولأن التحريم يحتاج لدليل.
الشيخ: نعم التحريم يحتاج إلى دليل، صدقت، لكن الدليل هو أن ما يحصل بينهما من المفسدة.
طالب: شيخ إذا قلنا: بأنها تُكْرَه لكن لا يُحَرَّم يعني، إذا جامع إحداهما فهو على مرأى من الثانية؟
الشيخ: إي، بس هذه غير هذا، حتى لو على مرأى؛ لأن مسألة العورة بالنسبة للزوج ..
طالب: إي، بس العورة الأخرى ليست لها ..
الشيخ: ما هي بشايفة، إنما على كل حال هو للتحريم من جهة ضرره، نقول: من هذه الناحية فقط.
يقول: (وله مَنْعُها من الخروج من منزله)، اللام هذه للإباحة، والضمير في (له) يعود على الزوج، والهاء في (منعها) يعود على الزوجة، (من الخروج من منزله).
وظاهر كلام المؤلف: ولو لمسجد، والأمر ليس كذلك، فإن المساجد نهى النبي ﵊ أن تُمْنَع النساء منها، وقال: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ» (١٣)، إلا إذا خُشِيَ بخروجها إلى المسجد فتنة فله المنع، أو كانت لا تخرج إلى المسجد إلا مُتَجَمِّلة مُتَطَيِّبَة فله المنع.
طالب: ().
الشيخ: أيش القاعدة ()؟
الطالب: ().
الشيخ: ما فيه أيش؟
الطالب: النساء لا يلتزمن ..
الشيخ: إذا لم تلتزم تُمْنَع.
الطالب: ().
الشيخ: إي، أيضًا ظاهر كلامه أن له منعها ().
أُمّ الزوج إذا رأت أن الزوج يحب زوجته ذهبت تُفْسِد بينهما، كأنها جارتها، وهذا كله مُحَرَّم، ولا يجوز.
المهم أن الصحيح أنه ليس له أن يمنعها من زيارة أبويها، إلا إذا خشي مفسدة، لماذا؟ لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] وليس من المعروف أن تُمْنَع الزوجة من زيارة أبويها أبدًا، هذا لو تقوله لأدنى واحد من العامة: هل هذا مقبول لديك ولَّا لا؟ ماذا يقول؟ لقال: إنه غير مقبول، فأي معروف! لكن مع ذلك قال:
[ ١ / ٦٤٩٦ ]
(ويستحب إذنه أَنْ تُمَرِّضَ مَحْرَمَهَا، وَتَشْهَدَ جِنَازَتَهُ).
قال: (وَيُسْتَحَبُّ إِذْنُهُ) الاستئذان أو أذنه.
طلبة: إذنه.
الشيخ: إذنه، يعني أن يأذن، الإذن هذه مصدر أَذِن، يعني يستحب أن يأذن لها في أن تُمَرِّض مَحْرَمَها وتشهد جنازته، أيش معنى تُمَرِّض مَحْرَمَها؟ يعني إذا كان مَحْرَمها مريضًا يحتاج إلى تمريض والمريض تعرفون أنه يحتاج إلى مَن يقوم بعنايته، ولها مَحْرَم كعم وخال، وابن أخ، وابن أخت وابن، وأب، كل هؤلاء من محارمها، فإنه ينبغي أن يأذن لها في تمريضه، وهذا صحيح أنه يستحب، أما عيادته فالصحيح أنه يجب أن يأذن لها، وهناك فرق بين التمريض والعيادة، أيش الفرق بينهما؟
طلبة: العيادة واجبة.
الشيخ: العيادة تعود وترجع، لكن التمريض تبقى عند هذا المريض حتى يأذن الله له بالشفاء أو الموت، ولهذا نقول: أما التمريض فنعم سُنَّة، وأما العيادة فالصحيح أنه يجب عليه أن يُمَكِّنَها من ذلك؛ لأن العيادة بالنسبة للقريب من صلة الرحم، وليس من المعروف عند الناس أن تمنعها من أن تعود أقاربها إذا مرضوا.
وقوله: (وتشهد جنازته) هذا فيه نظر؛ لأن شهود المرأة للجنازة كيف يكون؟ إن أراد أن تشهد الصلاة عليها وتتبعها فهذا أيش حكمه؟ مكروه، وإن أراد أن تبقى هناك عند موته، فهذا يُخْشَى منه النياحة والندب، فشهود الجنازة لا وجه له إطلاقًا، لكن عيادة المرض تقدم الكلام عليها، يعني -مثلًا- جاءهم الخبر بأن قريبها -أي مَحْرَمها- قد مات، وقالت لزوجها: أفأروح أشهد جنازته إذا غسلوه وكفنوه وخرجوا به ()، له الحق أن يمنعها؛ لأن شهودها لا داعي له، وربما يكون ذلك أشد عليها حزنًا وتأثيرًا، فتنفجر، ويحضر النساء أيضًا معها فتحصل النياحة.
ثم قال المؤلف ﵀ ..
طالب: ().
الشيخ: () الاتباع لا بأس بها.
الطالب: ().
[ ١ / ٦٤٩٧ ]
الشيخ: ما هو بلازم، وإن دعته مصلحة قد يكون ذهابها إلى الصلاة فيه () عليها أو () عامة، وليس في عرفنا الآن أن النساء يشهدن الصلاة على الجنازة، ليس بلازم.
طالب: شيخ، في عرفنا الآن ().
الشيخ: لا، في عرفنا () إلا أن يشترط.
طالب: ().
الشيخ: () فيه ناس تقدر تمتنع عن () شهر شهرين إلا لمناسبة.
طالب: ().
الشيخ: إلا لمناسبة، أو إذا شرط عليه، المهم يتبع العرف في ذلك، العرف المطَّرِد يُتْبَع.
طالب:) ).
الشيخ: لا، يجب عليه () فيه فارق.
طالب: ().
الشيخ: ما يهم، إذا لم يوجد إلا هذا فأيهم؟
طالب: يجب عليه.
الشيخ: عليها أو عليه، حتى أحيانًا ربما لو فرض أن هي ما تستطيع () لوحدها ولا فيه أحد يقوم بهذا الأمر إلا زوجها ().
طالب: شراء حاجتها.
الشيخ: ما يلزمه () باستطاعته أن يقول: ماذا تريدين براحته؟ والحقيقة أنه لو فتح الباب للنساء في مسألة شراء الحوائج لتعبت وأتعبت؛ لأن كل يوم ينزل في السوق طاقم جديد من الثياب، والأواني وغيرها، ولهذا بعض الناس تجد بيوتهم كأنها معارض، كلما جاء زي تطلب منه أن يشتريه، كل ما ييجي شيء جديد من الأواني وغيرها طلبت منه أن يشتري، ولكن () تحتاجينه أعطيك () اللي تحتاجينه أعطيك ().
طالب: ().
الشيخ: ما أدري ().
طالب: للوجوب.
طالب آخر: عن أنس أن رجلًا سافر ومنع زوجته من الخروج، فمرض أبوها، فاستأذنت الرسول الله ﷺ في عيادة أبيها فقال لها ﵇: «اتَّقِي اللهَ، لَا تُخَالِفِي زَوْجَكِ»، فَأَوْحَى اللهُ إلى النبي ﷺ أن قد غَفَرْتُ لها بطاعتها زوجها (١٤).
وسياق هذا الحديث في مجمع الزوائد مع اختلاف في بعض ألفاظه، وقال: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عصمة بن المتوكل، وهو ضعيف.
[ ١ / ٦٤٩٨ ]
الشيخ: قال المؤلف: (وله منعها من إجارةِ نفسها)، إجارة النفس نوعان: إجارة خاصة، وإجارة مشتركة؛ الإجارة الخاصة: أن تؤجر نفسها عند قوم لتكون خادمًا لهم -مثلًا- فهذا له أن يمنعها من إجارة نفسها، والسبب؟ لأنها تفوت عليه حقه، فإذا قالت: أنا أريد أن أكون عند آل فلان بالنهار، فله أن يمنعها؛ لأن ذلك يفوت عليه.
النوع الثاني: مشتركة، بأن تعمل للناس وهي في بيت زوجها، مثل أن تكون خيَّاطة، فتأخذ من الناس خياطة الثياب، أو تكون -مثلًا- خطَّاطة وتأخذ من الناس كتبًا تخطها، أو غير ذلك، وهذا ليس له حق في منعها؛ لأنها تملك نفسها، وهذا يمنعه من الاستمتاع بها ولَّا لا؟ ما يمنعه، لكن إن رأى أنه سيشغلها عن حوائجه ومتطلباته فله أن يمنعها، وإلا فالأصل عدم المنع، ولهذا قال المؤلف: (من إجارة نفسها)، ما قال: من أن تعمل بالإجارة، قال: من إجارة نفسها.
قال: (ومن إرضاع ولدها من غيره إلا لضرورة)؛ لأنه له أن يمنعها من إرضاع ولد من غيره إلا إذا اضطر الولد، وكيف ضرورة الولد؟ ألَّا يقبل ثديَ غيرِها، ما يقبل إلا ثدي أمه، فإنه يجب عليه أن يُمَكِّنها من ذلك.
وقوله: (ولدها من غيره)، عُلِمَ منه أنه ليس له منعها من إرضاع ولدها منه، وهو كذلك، إلا إذا كان في الأم مرض يُخْشَى على الولد منه ().
(أَنْ يُسَاوِيَ) (عليه) الضمير يعود على مَن؟
طلبة: على الزوج.
الشيخ: على الزوج، (عَلَيْهِ أَنْ يُسَاوِيَ بَيْنَ زَوْجَاتِهِ فِي القَسْمِ)، سواء كنَّ اثنتين، أو ثلاثًا، أو أربعًا، () سواء كنّ اثنتين، أو ثلاثًا، أو أربعًا، صحيح؟
طلبة: نعم صحيح.
الشيخ: خطأ.
طلبة: خطأ، ثلاثًا.
الشيخ: لا.
طالب: الإعراب يعني؟
طالب آخر: ثلاثة.
الشيخ: لا، أخطأت.
طالب: كيف يا شيخ؟ أعدها.
الشيخ: سواء كنّ اثنتين، أم ثلاثًا.
طالب: أو ثلاث.
[ ١ / ٦٤٩٩ ]
الشيخ: الأفصح (أم)، بعد همزة التسوية، سواء كن اثنتين، أم ثلاثًا، أم أربعًا، عليه أن يسوي بين ذلك في القسم، ودليل ذلك من القرآن والسنة والنظر.
أما القرآن فقال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، وليس من المعروف أن يقسم لهذه ليلتين، ولتلك ليلة واحدة، هذا () المعروف، والجور فيه ظاهر.
ومن السنة فقول الرسول ﵊: «مَنْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ» (١٥)، -والعياذ بالله-، وهذا دليل على تحريم الميل إلى إحداهما.
وأما من النظر فلأنهما تساوَتَا في الحق، فوجب أن يتساويَا في القسْم، كل منهما زوجة، أليس كذلك؟ كل منهما زوجة، فهما قد تساوَيَا في الحق على هذا الرجل، فوجب أن يتساوَيَا في القسم، كالأولاد يجب العدل بينهم في العطية.
وقوله: (بين زوجاته في القسْم)، ظاهر كلامه سواءٌ كن حُرَّات أم إماءً أو لا؟ لأنه لم يَسْتَثْنِ.
لكن قال بعض العلماء -وهو المذهب-: إن للحرة مع الأَمَة ليلتين، فلِلْأَمَة ليلة؛ لأنها على النصف، وفي هذا نظر، والصواب أنه يجب القسم حتى بين الحرة والأَمَة.
قال المؤلف: (وَعِمَادُهُ اللَّيْلُ لِمَنْ مَعَاشُهُ النَّهَارُ، وَالعَكْسُ بِالعَكْسِ).
طالب: لا في الوطء.
الشيخ: نعم، لا في الوطء ().
القسم بينهن في الوطء؛ لأن الوطء له دوافع من أعظمها المحبة، والمحبة أمر لا يملكه المرء، والمحبة أمر لا يملكه الإنسان، فقد يكون إذا أتى إلى هذه الزوجة أحب أن يتصل بها، وإلى تلك لا يحب، فلا يلزمه أن يساوي بينهن في القسم في الوطء.
[ ١ / ٦٥٠٠ ]
وقال بعض العلماء: بل يجب عليه أن يساوي بينهن في الوطء إذا قدر، وهذا هو الصحيح، والعلة تقتضيه؛ لأن ما دُمْنا عَلَّلْنا بأنه لا يجب العدل بينهن في الوطء بأن ذلك أمر لا يمكنه العدل فيه، فإذا أمكنه زالت العلة، ولَّا لا؟ زالت العلة، وبقي الحكم على العدل، وعلى هذا فلو قال إنسان: إنه رجل ليس قوي الشهوة، إذا جامع واحدةً في الليلة ما يستطيع أن يجامع الليلة الثانية مثلًا، أو يشق عليه ذلك، وقال: أبغى أجمع قوتي لهذه دون تلك، يجوز هذا ولَّا لا؟ ما يجوز، وذلك لأن الإيثار هنا ظاهر، هو يستطيع أنه يعدل.
فالمهم أن ما لا يمكنه القسم فيه لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وما يمكنه فإنه يجب عليه أن يقسم.
قال: (وَعِمَادُهُ اللَّيْلُ لِمَنْ مَعَاشُهُ النَّهَارُ، وَالعَكْسُ بِالعَكْسِ)، عماده، يعني: الأصل فيه الليل لمن معاشه النهار، وهو غالب الناس، كما قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (٩) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: ٩، ١٠]، فغالب الناس معاشهم النهار، وسكونهم الليل، فيكون عماده، أي: عماد قسم الزوجات الليل، أما النهار فالإنسان يذهب في معيشته، ربما يتردد إلى بيت هذه لأمرٍ يتعلق بمعيشته، وبيعه، وشرائه، ولا يتردد إلى الأخرى، وربما يكون خزائن ماله في بيت واحدةٍ يحتاج إلى أن يتردد عليها، ولو لم يكن يومها، أما الليل فهو أصل، وأما مَن معاشه في الليل دون النهار فعماده في حقه النهار، كالحارس الذي يحرس ليلًا، وفي النهار يتفرغ إلى بيته، ولهذا قال: (والعكس بالعكس).
(وَيَقْسِمُ لِحَائِضٍ، وَنُفَسَاءَ، وَمَرِيضَةٍ، وَمَعِيبَةٍ، وَمَجْنُونَةٍ مَأْمُونَةٍ وَغَيْرِهَا)، والمراد: وغيرهن.
(يَقْسِمُ لِحَائِضٍ)، يعني: وإن لم يكن يتمتع بها بالوطء؛ لأن الكلام على القسم وأن يأتي إليها وينام عندها ويؤنسها.
[ ١ / ٦٥٠١ ]
ويقسم كذلك لنفساء، وهذا مبني على عادتهم أن المرأة إذا نفست تكون في بيت زوجها، ولا أدري أنتم أيها المصريون هل هذا عندكم إذا نفست المرأة في بيت زوجها ولَّا في بيت أهلها؟
طلبة: في بيت زوجها.
الشيخ: في بيت زوجها.
طالب: مختلف.
الشيخ: مختلف؟
طالب: فيه بعض النساء تلد عند ()، وفيه بعضهن يَلِدْنَ في منزل الزوج ().
الشيخ: يختلفون، والسوريون؟
طالب: () في بيت زوجها.
الشيخ: في بيت زوجها، النفساء إذا كانت .. المؤلف رحمه الله تعالى () إذا كانت في بيت زوجها فإنه يقسم لها؛ لأنه لا فرق بينها وبين الحائض، () وألَّا يكون () عليه، أما إذا كانت في بيت أهلها كما هو المتَّبَع عندنا في السعودية فإنه جَرَت العادة أنها لا تريد القسم، يعني لا تُلْزِمه بقسْم، ولا تطالبه بالقضاء عما فات، وعلى هذا فيقال في هذه المسألة: يُرْجَع فيها إلى أي شيء؟
طلبة: إلى العرف.
الشيخ: إلى العرف، فما جرى في العرف بأن المرأة تطالب بحقها في القسْم فإنه يجب عليه أن يفعل ذلك.
كذلك يقسم لمريضة؛ المريضة يقسم لها؟ ويش الفايدة من المريضة أنه يقسم لها؟ لأنها إذا حضر عندها يؤنسها، وربما إذا تركها بدون قسم يزداد المرض عليها، وظاهر كلامه ولو كان مرضها خطيرًا، ولو كان يغمى عليها -مثلًا- ولا تحس به؛ لأنها وإن كانت لا تحس لكن يحس به غيرها، ولكن هذا ينبغي أن يقيَّد بالعرف، فإني لا أظن أنها إذا بلغت المرأة بمرضها هذا الحد لا أظن أنها تطالبه بأن يبيت عندها.
وكذلك يقسم لمجنونة مأمونة، يعني: يأمن على نفسه منها؛ لأن المجنونة قد يأمن على نفسه وقد لا يأمن، فالمجنونة المأمونة يجب عليه أن؟
طلبة: أن يقسم لها.
الشيخ: يقسم لها، فإذا قال: هذه مجنونة ما أتمتع بها كما ينبغي، فماذا نقول؟
[ ١ / ٦٥٠٢ ]
() اقسم ولَّا طَلِّق، لا بد من هذا، وأما إذا كانت غير مأمونة بحيث إنها تهدِّد بالسلاح، أو أن تكون -مثلًا- قوية يُخْشَى أنها تلقيه من على النافذة، أو ما أشبه ذلك فإنه لا يلزمه أن يقسم لها، لماذا؟ خوفًا من شرها وضررها.
وقوله: (وغيرها) يعني: غيرهن، مثل مَن آلَى منها، أو ظَاهَرَ منها، أو كان فيه مانع يمنع، مثل أن تكون صائمة فإنه يقسم لها حتى مَن لا يتمتع بها بالوطء يجب أن يقسم لها، إلا ما جرى به العرف، أو ما سمحت به.
لو فُرِضَ أن قال لها -مثلًا-: أنت والله الآن مريضة يشق علَيَّ أني آجي وأقسم لك، هل تسمحين، إذا سمحت فلا حرج؛ لأن الحق لها.
لو قال: لو كانت امرأة كبيرة في السن، فقال: لا والله أنا ما أقدر أني أقسم لك، فهل تحبين أن تبقي عندي وفي عصمتي بدون قسم، وإلا فأنا أطلقك، واختارت أن تبقى عنده، فما حكم هذا؟
طلبة: يجوز ().
الشيخ: يجوز، إذا قال قائل: هي إنما اختارت هذا على سبيل الإكراه خوفًا من الطلاق.
طالب: لا يجوز ألَّا يقسم لها؛ لأنها كبيرة.
الشيخ: () كبيرة، وهو تزوج امرأة شابة وردت حالة ().
الطالب: هذا الإكراه من حقه.
الشيخ: إي نعم، هو يقول: () هل ترضين بهذا النقص؟
الطالب: هو () لو خَيَّرَها بذلك يعني.
الشيخ: إذن أنت تخالف هذا، تخالف الإكراه.
طالب: يجوز يا شيخ.
الشيخ: نقول: يجوز؛ لأن هذا إكراه لحقه هو، الحق صحيح لها، لكن في مسألة الضرار الحق لمن؟ له هو، فيقول: إذا كانت تسمح تبقى عند أولادها وفي بيتها فذاك، ما تحب أنا ما أريد أن أعلِّق ذمتي شيئًا، أطلقها وأستريح.
طالب: بس هذا يا شيخ من غير المعاشرة بالمعروف.
الشيخ: أبدًا، هي راضية ألَّا تعاشر بالمعروف، ما دام رضيت فالحق لها.
طالب: ().
الشيخ: ما يخالف، أبدًا ما فيه شيء؛ لأن له الحق أن يطلق، هذا السبب، يقول: إن من حقي أن أطلِّق، تريدين أن أنفذ حقي هذا أو تريدين تبقي عندي بدون أي مسؤولية.
[ ١ / ٦٥٠٣ ]
طالب: هو له الحق أن يطلق، وهي تقيم حدود الله فيه.
الشيخ: إي نعم، له أن يطلق ولو كانت تقيم حدود الله.
يقول: (وَإِنْ سَافَرَتْ بِلَا إِذْنِهِ، أَوْ بِإِذْنِهِ فِي حَاجَتِهَا، أَوْ أَبَت السَّفَرَ مَعَهُ، أَو المَبِيتَ عِنْدَهُ فِي فِرَاشِهِ، فَلَا قَسْمَ لَهَا، وَلَا نَفَقَةَ).
هذه عدة مسائل:
أولًا: (إن سافرت بلا إذنه) فليس لها قسم، وليس لها نفقة؛ لأنها فَوَّتت الاستمتاع مختارة ذلك، فليس لها قسم.
فإذا قال قائل: قوله: (لا قسم لها) هذا تحصيل حاصل؛ لأنها إذا كانت مسافرة فكيف يقسم؟ نقول: ما لا () ما يلزمه القضاء إذا رجعت، فليس لها قسم.
قال: (أو بإذنه في حاجتها)، إذا سافرت بإذنه فإما أن يكون في حاجته، وإما أن يكون في حاجتها، فإن كان في حاجته فلها النفقة ولها القسم.
كيف في حاجته؟ شو تصور في حاجته، صور هذا مثلًا.
طالب: مثلًا أن تزور -مثلًا- أقاربه.
الشيخ: أقاربه؟
الطالب: إي، أبوه وأمه، ذهبت ().
الشيخ: يقول () تزوري أبوي.
الطالب: إي، يمكن تريد أن تتقرب إليه بزيارتهما.
الشيخ: على كل حال، هذا مثال صالح، لكنه ما موضوعنا.
طالب: مثل العلاج يا شيخ.
الشيخ: إيه؟
الطالب: علاجها ().
الشيخ: لا لا ..
طالب: تمرّض أباه أو أمه.
الشيخ: أمه، نعم، تمرض أمه أحسن.
طالب: () فأرسلها تشتري له الدواء.
الشيخ: مثلًا له أمه في المستشفى في بلد آخر، وسافرت بإذنه، الحاجة لمن؟
طلبة: له هو.
الشيخ: له هو، ما يلزمها هذا، ففي هذه الحال نقول: لها النفقة؛ لأن ذلك لحاجته، وجزاها الله خيرًا أنها تروح.
[ ١ / ٦٥٠٤ ]
المسألة الثانية: إذا سافرت بإذنه لحاجتها، قالت له -مثلًا-: إني أريد أن أزور أقاربي، أو ما أشبه ذلك، فأَذِنَ لها، يقول المؤلف: إنه ليس لها قسم، وليس لها نفقة، أما ليس لها قسم فلا شك في أنه ليس لها قسم؛ لأنها اختارت ذلك بماذا؟ بسفرها، وأما أنه لا قسم لها؛ ففيه نظر؛ لأن المرأة لم تمنع زوجها من نفسها إلا بعد أن أَذِنَ، والحق له، فإذا أذن والحق له فإن حقها لا يسقط، فلها أن تطالبه بالنفقة.
كذلك أيضًا يقول: (أو أَبَت السفر معه) () نذهب إلى مكة لأداء العمرة فأبت، نذهب إلى الرياض لمتابعة معاملة -مثلًا- فأبت، نذهب لزيارة الصديق أو قريب، فأبت، نقول: ليس لها قسم ولا نفقة، إلا إن كانت قد اشترطت عند العقد ألَّا يسافر بها، فإن اشترطت ذلك عند العقد فإن لها النفقة، ولها أن تطالبه بالقسم أيضًا؛ لأن من حقها ().
ويحتمل أيضًا ألَّا تطالبه بالقسم؛ لأنه من ضرورة سفره ألَّا يقسم لها، وهي إذا طالبته بالقسم فإن ذلك ضرر على الزوجات الأخرى.
قال: (أو الْمَبِيت عنده في فراشه) فإنه ليس لها قسم ولا نفقة، واضح؟ إذا دعاها إلى فراشه وأَبَت، قالت: والله أنا عندي عيال وُدِّي آكل عندهم، فإنها تسقط نفقتها، ويسقط حقها من القسم؛ لأنها منعت زوجها من حقٍّ يلزمها، فسقط حقها، فلا قسم لها ولا نفقة.
في هذه الحال الْمَبِيت عنده في فراشه له أن يعاملها معاملة أخرى أشدّ من هذا، وهو أن يعظها، ويهجرها، ويضربها؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤].
طالب: المقصود النفقة للمعيشة يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: امتنعت من هذا يمنع عنها المعيشة باليوم؟
الشيخ: إي.
قال: (وَمَنْ وَهَبَتْ قَسْمَهَا لِضَرَّتِهَا بِإِذْنِهِ أَوْ لَهُ فَجَعَلَهُ لأُخْرَى جاز).
طالب: قسمها؟
[ ١ / ٦٥٠٥ ]
الشيخ: إي نعم، إذا وهبت المرأة قسمها لضرتها بإذنه فلا حرج، يجوز هذا، فتقول: هل تأذن لي أن أجعل قسمي لفلانة؟ فإذا قال: نعم، ووافق ما فيه مانع، وإن أبى فله ذلك؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، إن أبى فله ذلك؛ لأن الإنسان لا يُجْبَر على قبول الهبة، فهو يقول: لا أريد هذه الهبة، أو وهبته له قالت: وهبت يومي لك، يعني: تتصرف فيه كما شئت، فجعله هو لإحدى زوجاته يجوز ولَّا لا؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز، زين، الفرق بين الصورتين أنه في الصورة الأولى هي التي عيَّنَت المرأة، قالت: وَهَبْت قسمي لفلانة، كما فعلت عائشة ﵂.
طلبة: سودة.
الشيخ: سودة وهبت قسمها لعائشة. (١٦)
أما الصورة الثانية فتهب القسم للزوج، والزوج هو الذي يعيِّن مَن شاء.
فإن قال قائل: لماذا لا تقولون: إذا وهبت قسمها للزوج سقط حقها، وبقي حق الزوجات؟ فمثلًا إذا كانت هي الرابعة، ووهبت قسمها للزوج، كم يجب عليه القسم: في ثلاث ليالٍ، ولّا في أربع؟
طلبة: في ثلاث.
الشيخ: في ثلاث؛ لأنه ليس له أن يختص به إحدى الزوجات الباقيات؛ إذا خص به إحدى الزوجات الباقيات معناه أنه مال إليها، فنقول: إذا وهبت قسمها للزوج فالذي ينبغي أن يسقط حقها، وكأن الزوج ليس له إلا الثلاث الباقيات، وبهذا يكون العدل بين الزوج وبقية الزوجات، إلا أن يخيرهن هو، فيقول: هل تخترن أن نسقط حقها، ويكون القسم بينكن أيتها الثلاث، أو تخترن أن نضرب قرعة فمن خرجت لها القرعة فيوم تلك لها؟ فإذا اخترن ذلك فلا حرج.
وعلى هذا فنقول: إذا اخترن القرعة فلا حرج، وإلا فإن المتوجَّه أنها إذا وهبت قسمها له سقط حقها، وبقي القسم بين الموجودات الباقيات، أما المؤلف فيرى أنها إذا وهبت قسمها له أيش؟ يضعه حيث شاء.
طالب: يا شخ إذا شترط يا شيخ؟
الشيخ: اشترط أيش؟
الطالب: قال للتي وهبت يومها قال: لا أقبله إلا لفلانة.
الشيخ: إي، فقالت: نعم هو لفلانة، فقد اختارت هي لزوجها، التي وهبت عَيَّنَت.
[ ١ / ٦٥٠٦ ]
طالب: هذا ميل أيضًا يا شيخ.
قال المؤلف: (فإن رَجَعَتْ قسم لها مستقبلًا)، أيش معنى (رَجَعَتْ)؟ يعني: بعد أن وهبت القسم له، أو لزوجةٍ أخرى، فإن لها أن ترجع، ويقسم لها في المستقبل، ولا يقضي ما مضى، وهذا فائدة قوله: (مستقبلًا)، يعني: فلا يقضي ما مضى، لماذا؟ أليست الهبة تَلْزَم بالقبض؟
طالب: بلى.
الشيخ: بلى، لكنهم قالوا: هنا ما حصل القبض؛ لأن الأيام تتجدد يومًا بعد يوم، ولهذا قلنا: إنه يقسم لها مستقبلًا ولا يرجع، ما يعود بأثر رجعي كما يقولون؛ لأن الذي فات قد قُبِضَ، والهبة بعد قبضها لا رجوع فيها، أما ما يستقبل فإنه لم يأتِ بعد فلها أن؟
طالب: أن ترجع فيه.
الشيخ: أن ترجع فيه، وهذا الذي قاله المؤلف، أو هذا التعليل لِمَا قاله المؤلف صحيح، لكن ينبغي أن يكون هذا مشروطًا بما إذا لم يكن هناك صلح، فإن كان هناك صلح فينبغي ألَّا تملك الرجوع؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ [النساء: ١٢٨]، والصلح لازم، كما جاء في الحديث: «وَالصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ» (١٧)، كيف الصلح؟ يعني هي شعرت من هذا الرجل بأنه سيطلقها وخافت، فقالت له: أنا بأتفق معك على أن أجعل يومي لفلانة، وتبقيني في حِبالك، فوافق على هذا الصلح، الآن صارت المسألة معاقَدَة، معاقَدَة الصلح، فإذا كانت معاقدة فإنه يجب أن تبقى، وأن تلزم، وإلا فلا فائدة من الصلح.
وهذا الذي اختاره ابن القيم ﵀؛ لأنه لها أن ترجع ما لم يكن صلحًا، فإن كان صلحًا فليس لها الحق أن ترجع؛ لأن الصلح لازم جائز، كيف نقول: تلعب به؛ اليوم هذا تصالحه، وغدًا تقول: هات حقي، وبعدين تكون تصالح، وبعدين تقول: هات حقي، هذا تلاعب، فإن رجعت قسم لها مستقبلًا.
[ ١ / ٦٥٠٧ ]
(وَلَا قَسْمَ لإِمَائِهِ، وَأُمَّهَاتِ أَوْلاَدِهِ) المعنى: إذا كان عند الإنسان أكثر من أَمَة فلا يجب عليه القسم بينهن، مثلًا عنده عبدات، عنده خمس عبدات، عشر عبدات، لا يجب عليه أن يقسم بينهن؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]، فدل هذا على أن ملك اليمين لا يجب فيه العدل، يعني: لا يجب فيه أن يسوِّي بينهما بالقسم، ولو وجب عليه القسم بين إمائه لم يكن بينهن وبين النساء؟
طلبة: فرق.
الشيخ: فرق، كذلك أمهات أولاده لا يجب عليه القسم بينهن، يعني: زوجته التي ولدت منه لا يجب عليه أن يقسم لها، هكذا؟
طلبة: لا.
طالب آخر: الأَمَة التي وضعت ولدًا.
الشيخ: أمهات أولاده يعني الأَمَة التي ولدت منه، هذه أمهات الأولاد، إنسان عند أَمَة مملوكة وكان يطؤها فولدت منه، نسمي هذه أُمّ ولد، هل تكون حرة بالولادة؟
الجواب: لا، ما تكون حرة إلا بعد الموت، فهي قبل الموت أَمَة رقيقة، لكن هل يجوز بيعها؟ في عهد الرسول ﵊، وعهد أبي بكر، وصدر من خلافة عمر، كانت أمهات الأولاد يُبَعْنَ؛ لأنهن إلى الآن ما انتقل ملكهن، ولا تحرَّرَت فله أن يبيعها، وله أن يضمنها، لكن لما رأى عمر أن الناس توسعوا في هذا الأمر وصاروا يبيعونهن ويأخذون أطفالهن فتَنْفَجِع الأم بذلك، نهى ﵁ عن هذا (١٨)، ومنع من بيع أمهات الأولاد، لئلا تحصل الفجيعة.
وذهب الفقهاء إلى ذلك ﵏ وقالوا: إن أحكام أُمّ الولد أحكام الأَمَة في غير ما ينقل الملك، فهي في حكم الأَمَة في أنه يملك تأجيرها، يملك أن يؤجرها، ويملك جميع منافعها، ولا يجب لها القسم، ولا تعامَل معاملة الحرة، أما في نقل الملك فلا يجوز؛ لما في ذلك من التفريق بينها وبين ولدها.
[ ١ / ٦٥٠٨ ]
(وإن تزوَّج فليطأ مَن شاء متى شاء)، (مَن) يعود على العين، و(متى) يعود على الزمن، يعني: بل يطأ مَن شاء منهن؛ هذه، أو هذه، أو هذه، متى شاء؛ ليلًا، أو نهارًا، أو في كل الأوقات، ويصح أن نقول: كيف شاء؟
طلبة: إي نعم ..
الشيخ: يصح أن نقول: كيف شاء؟
طالب: إلا فيما حَرَّم الله.
الشيخ: كيف شاء ما لم يطأ في الدُّبُر، نقول: كيف شاء، ونقول: حيث شاء؟
طلبة: نعم.
طالب: ().
الشيخ: لا، في مكان الحرث، يقول: (يطأ مَن شاء متى شاء).
طالب: يا شيخ، بالنسبة للأَمَة عندما تَلِد له عند سيدها تكون حرة؟
الشيخ: ما تكون حرة إلا بعد موته.
الطالب: بعد موته؟
الشيخ: نعم.
الطالب: هل هناك دليل؟
الشيخ: هل هناك دليل على أن تكون حرة؟ لأن الأصل بقاء الملك.
الطالب: إي بس الذين يقولون بأنها حرة ..
الشيخ: ما عندهم دليل إلا ما نَبَّهْنَا عليه في عهد عمر، وهذا ما يدل على ().
قال المؤلف ﵀: (وإن تزوَّج بكرًا أقام عندها سبعًا ثم دار، وثيبًا ثلاثًا) إذا تزوَّج امرأة، ويسمى هذا قسم الابتداء، يكون كما ذكر المؤلف، إذا تزوج بكرًا فإنه يقيم عندها سبعًا، يعني: سبع ليال؛ لأن الليالي هي العُمْدة، ولهذا ما قال: سبعة، قال: (سبعًا)؛ لأن عماد القسم الليل، ثم يرجع إلى زوجاته، يكون الليلة الثامنة عند مَن؟ عند الزوجة الأولى، وإنما كان كذلك لأمرين:
الأمر الأول: أن رغبة الرجل في البكر أكثر من رغبته في الثيب، فأعطاه الشارع مهلة حتى تطيب نفسه.
الثاني: أن البكر تنفر من الرجل أكثر من نفور الثيب، فجُعِلَت هذه المدة لأجل أن تطمئن وتستوطن، حتى لا تنفر من الزوج، وهذا من حكمة الشرع، والله أعلم ().
(أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا ثُمَّ دَارَ)، دار على نسائه، بدون أن يُسَبِّع لهن، إذا تزوج بكرًا أقام عندها سبعًا بدون أن يجعل للثلاث مثلها.
[ ١ / ٦٥٠٩ ]
الدليل حديث أنس بن مالك ﵁: «مِنَ السُّنَّةِ إِذَا تَزَوَّجَ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا ثُمَّ قَسَمَ» (١٩).
أما التعليل؛ فلأن النفس تتعلق بالبِكْر أكثر من مما تتعلّق بالثيب، ولأن البكر تستوحش من الزوج الجديد أكثر من الثيب، فمن أجل مراعاة رغبة الرجل، ومن أجل إزالة الوحشة عن () المرأة صارت البكر سبعة أيام.
طالب: ().
الشيخ: ()، ولأنها قد أَلِفَت الرجال، ولا تحتاج إلى زيادة عدد الأيام للإيناس بها، ولهذا جعل الشارع لها ثلاثة أيام، ولهذا قال: (وثيبًا ثلاثًا).
(وإن أحبت) يعني: الثيب، (سبعًا فعل، وقضى مثلهن للبواقي)، إن أحبت أن يكمل لها سبعة أيام فعل، ولكن يقضي مثلهن للبواقي، يعني: إذا أحبَّت السبع يُلْغَى قسمها، ويثبت للبواقي سبعًا؛ وذلك لأنه لما طلبت الزيادة لغى حقها من الإيثار، وأُوثِرَت في الأول بثلاثة أيام، فلما طلبت الزيادة، وأُعْطِيَت ما طلبت يُلْغَى الإيثار، ويقسم للبواقي سبعًا سبعًا؛ لأن أم سلمة ﵂ لما مَكَثَ عندها النبي ﷺ ثلاثة أيام، وأراد أن يقسم لنسائه قال لها: «إِنَّكِ لَيْسَ بِكِ هَوَانٌ عَلَى أَهْلِكِ، إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ، وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِي» (٢٠)، فخَيَّرَها النبي ﵊ بين أن تبقى على ثلاثة أيام، وهو لها خاصة، أو أن يُسَبِّع لها، وحينئذٍ يُسَبِّع للبواقي، في الغالب أن المرأة ستختار الثلاث؛ لأنه إذا اختارت الثلاث بعد ثلاثة أيام يرجع لها، لكن إذا اختارت السبعة يرجع لها بعد واحد وعشرين يومًا، ولَّا لا، اللهم إلا إن كانت مُتَحَرِّيَة من العادة بتجيها في المدة دي، فهذا ربما أنها تختار التسبيع، وإلا فإنها غالبًا تختار الثلاث اللي ثلاثة ().
[ ١ / ٦٥١٠ ]
فإذا قيل: ما الحكمة، لماذا لا نقول: إذا سَبَّعَ لها يقضي لنسائه أربعًا أربعًا؛ لأن حقها ثلاثة أيام لها خاصة، فإذا اختارت التسبيع فإنه يقضى للنساء الأخريات؟
طلبة: على أربعة.
الشيخ: على أربع، قلنا: لأنها لما اختارت الزيادة على النساء الأخريات وكانت الأخريات في انتظار أن يأتي الزوج إليهن عن قريب أُلْغِيَ الإيثار، وصار هنا نصيبها أن حسب لها سبعة أيام محضة، ثم هي في الحقيقة تُجْبَر على هذا ولَّا باختيارها؟
طلبة: باختيارها.
الشيخ: باختيارها، إذن فلا ظلم عليها في هذه المسألة.
طالب: البواقي الأربعة تكون متتابعة ولا متفرقين، إذا كانوا سبعًا يعني، فيصير لكل واحدة أربع، فيكون لكل واحدة أربع متتابعة ولَّا ()؟
الشيخ: أربع أربع أربع، ثم يرجع.
الطالب: إي، يعني ما يأتيهم كل واحدة ..
الشيخ: ما هو أربعة، سبعة أيام، إذا سبَّع لها قضى لكل واحدة سبعة أيام.
الطالب: يعني يقضي ()؟
الشيخ: إي () سبعة أيام ..
الطالب: ().
الشيخ: على مَن؟
الطالب: ().
الشيخ: إي، ما يضر، وأيضًا يبدأ من اللي وقف عليها الدور قبل الزواج بالجديدة.
ثم قال: (فصل) هذا الفصل عقده المؤلف لنشوز المرأة.
قال: (فصل .. والنُّشُوزُ مَعْصِيَتُهَا إِيَّاهُ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهَا)، النساء يختلفن؛ منهن الصالحات، قال الله تعالى ..
وثَيِّبًا ثَلاثًا، وإن أَحَبَّتْ سَبْعًا فَعَلَ وقَضَى مِثْلَهُنَّ للبَوَاقِي.
(فصلٌ)
النُّشوزُ مَعْصِيَتُها إيَّاه فيما يَجِبُ عليها، فإذا ظَهَرَ منها أَماراتُه بأن لا تُجيبَه إلى الاستمتاعِ أو تُجيبَه مُتَبَرِّمَةً أو مُتَكَرِّهَةً وَعَظَها، فإن أَصَرَّتْ هَجَرَها في الْمَضْجَعِ ما شاءَ وفي الكلامِ ثلاثةَ أَيَّامٍ، فإن أَصَرَّتْ ضَرَبَها غيرَ مُبَرِّحٍ.
(بابُ الْخُلْعِ)
[ ١ / ٦٥١١ ]
مَن صَحَّ تَبَرُّعُه من زوجةٍ وأَجْنَبِيٍّ صَحَّ بَذْلُه لِعِوَضِه، فإذا كَرِهَتْ خُلُقَ زَوْجِها أو خَلْقَه فإذا كَرِهَتْ خُلُقَ زَوْجِها أو خَلْقَه أو نَقْصَ دينِه أو خَافَتْ إِثْمًا بتَرْكِ حَقِّه أُبيحَ الْخُلْعُ وإلا كُرِهَ وَوَقَعَ، فإن عَضَلَها ظُلْمًا للاقتداءِ، ولم يكنْ لزِنَاهَا أو نُشوزِها أو تَرْكِها فَرْضًا ففَعَلَتْ، أو خالَعَت الصغيرةُ والمجنونةُ والسفيهةُ، أو الأَمَةُ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِها لم يَصِحَّ الْخُلْعُ ووَقَعَ الطلاقُ رَجْعِيًّا إن كان بلفْظِ الطلاقِ أو نِيَّتِه.
(فصلٌ)
والخُلْعُ بلفظٍ صريحٍ الطلاقُ أو كنايتُه وقَصْدُه طلاقٌ بائنٌ، وإن وَقَعَ بلفظِ الْخُلْعِ أو الْفَسْخِ أو الفِداءِ، ولم يَنْوِه طَلاقًا كان فَسْخًا لا يَنْقُصُ عددَ الطلاقِ، ولا يَقَعُ بِمُعْتَدَّةٍ من خُلْعٍ طلاقٌ ولو وَاجَهَها به
دار على نسائه بدون أن يُسَبِّع لهن، إذا تزوَّج بكرًا أقامَ عندها سبعًا بدون أن يجعل ().
الدليل حديث أنس بن مالك ﵁: من السُّنة إذا تزوَّج البِكرَ على الثيِّب أقامَ عندها سبعًا ثم قَسَم (١).
أما التعليل فلأن النفس تتعلَّق بالبكر أكثر مما تتعلَّق بالثيِّب، ولأن البكر تستوحش الزوجَ الجديدَ أكثر من الثيِّب، فمن أجْل مراعاة رغبة الرجل ومن أجل إزالة الوحشة عن المرأة صارت البكر سبعة أيام، أقول: هذا هو الدليل والحكمة.
أمَّا بالنسبة للثيِّب فلأن الثيِّب الرغبةُ فيها أقلُّ، ولأنها قد أَلِفَت الرجالَ فلا تحتاج إلى زيادة عدد الأيام لإيناسها، ولهذا جعل الشارع لها ثلاثة أيام، ولهذا قال: (وثيِّبًا ثلاثًا).
[ ١ / ٦٥١٢ ]
(وإنْ أحبَّتْ) يعني الثيِّب (سبعًا فَعَلَ وقَضَى مِثْلَهُنَّ للبَوَاقِي). إنْ أحبَّت أن يُكمل لها سبعة أيام فَعَل، ولكن يقضي مثلهنَّ للبواقي؛ يعني إذا أحبَّت السبع يُلغى القَسْم ويُثبت للبواقي سبعًا، وذلك لأنه لما طلبت الزيادة ألغى حقها من الإيثار، هي أُوثرت الأول بثلاثة أيام، فلمَّا طلبت الزيادةَ وأُعطِيت ما طلبت يُلغى الإيثار ويقسم للبواقي سبعًا سبعًا؛ لأن أم سلمة ﵂ لما مكث عندها النبي ﷺ ثلاثة أيامٍ وأراد أن يقسم لنسائه قال لها: «إِنَّهُ لَيْسَ بِكِ هَوَانٌ عَلَى أَهْلِكِ، إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ، وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِي» (٢)، فخيَّرها النبي ﵊ بين أن تبقى على ثلاثة أيام وهي لها خاصة، أو أن يُسَبِّع لها وحينئذٍ يُسَبِّع للبواقي، في الغالب أن المرأة ستختار الثلاث؛ لأنه إذا اختارت الثلاثَ بعد ثلاثة أيام يرجع لها، لكن إذا اختارت السبعة يرجع لها بعد واحد وعشرين يومًا، ولَّا لا؟ اللهم إلا إن كانت متحرِّية أن العادة بتجيئها في المدة هذه، فهذه ربما أنها تختار التسبيع، وإلا فإنها غالبًا تختار الثلاث اللي هي ().
فإذا قيل: ما الحكمة؟ لماذا لا نقول: إذا سبَّع لها يقضي لنسائه أربعًا أربعًا؟ لأن حقَّها ثلاثة أيام لها خاصة، فإذا اختارت التسبيع فإنه يُقضى للنساء الأُخريات على أربع أربع.
قلنا: لأنها لما اختارت الزيادة على النساء الأُخريات، وكانت الأُخريات في انتظار أن يأتي الزوج إليهنَّ عن قريبٍ، أُلغي الإيثار، وصار هنا نصيبها أن حسب لها سبعة أيام ().
ثم هي في الحقيقة تُجبر على هذا ولَّا باختيارها؟ باختيارها، إذَن فلا ظُلم عليها في هذه المسألة.
طالب: البواقي الأربع تكون متتابعة ولَّا بالتفريق، إذا تم سبعٌ لها فيصير لكل واحدة أربع، فيكون لكل واحدة أربع متتابعة ولَّا تدور؟
[ ١ / ٦٥١٣ ]
الشيخ: أربع أربع أربع ثم يرجع للي هي الأولى.
الطالب: إي، يعني لا يأتيهن كل واحدة يومًا.
الشيخ: ما هو أربع، هو سبع، سبعة أيام، إذا سبَّع لها صار لكل واحدة سبعة أيام.
الطالب: يعني يقضي لكل واحدة سبعة متتابعة؟
الشيخ: أي () سبعة أيام، وسبعة ..
الطالب: () الفترة على ().
الشيخ: على من؟
الطالب: على ().
الشيخ: إي ما يضر، وأيضًا بيبدأ باللي وقف عليها الدور قبل الزواج الجديد.
***
ثم قال: (فصل) هذا الفصل عقده المؤلف لنشوز المرأة، قال: (فصل: والنُّشُوزُ معصيتُها إيَّاه فيما يجب عليها).
النساء يختلفْن؛ منهن الصالحات؛ قال الله تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّه﴾ [النساء: ٣٤]، هؤلاء في أعلى ما يكون من الْخُلُق والأدب مع الزوج، فيه نساء بالعكس ينشزْنَ.
النُّشُوز مأخوذٌ من النَّشَز؛ وهو المرتفع من الأرض، ومناسبة المعنى للمحسوس ظاهرة؛ لأن المرأة تترفَّع على زوجها وتتعلَّى عليه ولا تقوم بحقه.
يقول: (النُّشُوز) مشتق في اللغة من النَّشَز؛ وهو المكان المرتفع، ومنه ما ذكره أهل العلم في المناسك إذا علا نشزًا فإنه يُلَبِّي.
أمَّا شرعًا فيقول: (معصيتُها إيَّاه) (معصية) هذه مصدر مضاف إلى فاعله، و(إيَّاه) مفعول المصدر؛ أي: معصيتها الزوج فيما يجب عليها لا فيما لا يجب، في الذي يجب عليها من حقوقه، أمَّا ما لا يجب فإن ذلك ليس بنشوز ولو صرَّحت بمعصيته؛ فلو قال لها: أريد منكِ أن تصبحي دلَّالةً في السوق تبيعين، فقالت: لا، يلزمها ولَّا لا؟ ما يلزمها. لو قال: أريد منكِ أن تكوني خادمةً عند الناس، () يلزمها؟ لا يلزمها، إنما هي معصيتها إيَّاه فيما يجب عليها.
يقول المؤلف: (بألَّا تُجيبه إلى الاستمتاع) الاستمتاع الجنسي، أَبَتْ أن تُجيبه، إذا طلب منها الفراشَ أَبَتْ، أو أراد أنْ يستمتع بها بتقبيلٍ أو غيره تأبَى، هذه ناشز.
[ ١ / ٦٥١٤ ]
وظاهر كلامه بقوله: (بألَّا تُجيبه إلى الاستمتاع) أنها لو أَبَتْ أن تُجيبه إلى الخدمة المعروفة؛ مثل لو قال: اغسلي ثوبي، اطبخي طعامي، انفضي فراشي، فإن ذلك ليس بنشوز، وهو مبنِيٌّ على أنه لا يلزمها أن تخدم زوجها، والصحيح أنه يلزمها أن تخدم زوجها بالمعروف، ولهذا مرَّ علينا في المحرمات بالنكاح أنه يجوز نكاح الأَمَة لحاجة الخدمة، أو لا؟ فدلَّ هذا على أن من مقصود النكاح الخدمة، خدمة الزوج، وهذا هو الصحيح.
فإذَنْ: (بألَّا تُجيبه إلى الاستمتاع) أو إلى غيره مما يجب عليها الإجابة.
(أو تُجيبه متبرِّمةً) التبرُّم معناه التثاقل في الشيء، إذا دعاها إلى فراشه ()، شيء ماله داعٍ، هذه تُجيبه وما تخالفه، ولكنها تُمِلُّه، نقول: هذا نشوز، ولَّا لا؟
كذلك أيضًا تُجيبه لكن متكَرِّهة، يظهر في وجهها الكراهة والبغض لهذا الشيء، وربما أنها تقول كلمات أيضًا تُسمِعه () وما أشبه ذلك، هذه في الحقيقة أجابته، لكن ما أجابته على وجهٍ يحصل به كمال الاستمتاع، حتى الزوج لا شكَّ أنه يكون في نفسه أنَفَةٌ إذا رأى منها أنها تعامله هذه المعاملة، فهذا نشوز، لكن ماذا يصنع معها؟
أرشد الله ﷿ إلى أن هذا الأمر له ثلاثة مراتب بل أربعة مراتب:
في المرتبة الأولى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] هذه واحدة، أن يَعِظها، ومعنى الوعظ أن يُذكِّرها بما يجب لها إذا أطاعتْه من ثواب الله ﷿ وبما يجب عليها من العقاب إذا خالفتْ، ويعظها أيضًا فيقول: إذا فعلْتِ هذا كان سببًا للبغضاء بيننا، وإذا كان لهم أولاد يكون سببًا لتفكُّك الأسرة، ثم إنه إذا حصل التباغض يمكن يحصل الفراق، وإذا حصل فراق يمكن لا تجدين مَن يتزوجكِ، وما أشبه ذلك من الأشياء التي تُلين قلبَها سواء كان ذلك مما يعود إلى عقاب الآخرة أو إلى بلاء الدنيا، المهم أنه يعظها بما يُلين قلبَها حتى تقوم بالواجب، فإن نفعها فذاك.
[ ١ / ٦٥١٥ ]
(فإنْ أَصَرَّتْ) نتحوَّل إلى المرتبة الثانية وهي: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤]، ولم يقُل الله تعالى: في الكلام، لأنه لا يجوز للمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث، بل قال: ﴿فِي الْمَضَاجِعِ﴾، وأطلق ﷾، ما قيَّدها.
والمضاجع جمع مضجع، والمراد الفِراش؛ يعني لا تنمْ معها، تهجرها سواء نمتَ في الحجرة التي هي فيها أو نمتَ في مكانٍ آخَر، المهم ألَّا تضاجعها، هذه المرتبة الثانية.
أمَّا المؤلف يقول: (هَجَرَها في المضجعِ ما شاء، وفي الكلام ثلاثةَ أيام) بدون زيادة، ويزول الهجر بالكلام، يزول بأيِّ شيء؟ بالسلام، فإذا سلَّم عليها فقد زال الهجر، فيهجرها في المضجع ما شاء حتى ترجع إلى الحق وتقوم بواجبها، أما في الكلام فلا يزيد على ثلاثة أيام، ويكفيه مثلًا أنه إذا تمَّ اليوم الثالث يجي لَمَّها ويقول: السلام عليكم، هذا يزول الهجر؛ لأنه خطاب، والخطاب يزول به الهجر.
يقول: فإن لم ينفع (فإنْ أصرَّتْ ضَرَبَها)، لكن هذا الضرب مقيَّد بكيفيته وكميته:
أمَّا كيفيته فقال: (ضربًا غيرَ مبرِّح)، ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] الآية مطْلقة، ما فيها (غير مبرِّح)، لكن الرسول ﷺ بيَّن أنه غير مبرِّح؛ أي: غير شديدٍ ومؤلمٍ، بيَّن ذلك في قوله ﷺ في حجَّة الوداع في الخطبة: «وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ» (٣).
يكرِّر الضرب ولَّا لا؟
نعم، يكرِّره؛ يعني إذا دعاها في الصباح () يضرب، في الظهر () يضرب، في المساء () يضربها، يكرِّر، ما فيه مانع؛ لأنه متى وُجِد المقتضي وجبَ المقتضى.
طالب: ().
الشيخ: على كلِّ حالٍ هذا شيءٌ له، جعله الله تعالى له.
طالب: ما العدد يا شيخ؟
[ ١ / ٦٥١٦ ]
الشيخ: أمَّا العدد فإنه لا يزيد على عشر ضربات؛ لقول النبي ﵊: «لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ» (٤)، والحديث في الصحيح، وعلى هذا في هذا الضرب يكون بهذه المثابة غيرَ مبرِّحٍ وهذا يعود إلى الكيفية، ولا زائدًا على عشرةٍ وهذا يعود إلى الكمية.
طالب: ورد في الحديث يا شيخ () ثلاثة أيام؟
الشيخ: يهجرها ثلاثة أيام.
الطالب: () إطلاق الحديث () في الفراش.
الشيخ: فيجوز ()، موضوع الثلاث ()، قد يكون هَجْرها في الكلام أشدَّ من الهجر في المضجع.
طالب: () عشرة أو تسعة؟
الشيخ: لا، عشرة، من عشرة فأقل.
طالب: في كل مرة يا شيخ ولا عشرة ..؟
الشيخ: في كل مرة، نعم، ()، طيب هذه ثلاث مراتب.
طالب: شيخ، أن يكون الضرب بعيدًا عن الوجه.
الشيخ: إي هذا في المكان في الموضع () في الوجه، ولا تبغي مَقاتل، ولا شيء تضرها.
طالب: لكن المحاكم () يا شيخ () تَعَهُّد.
الشيخ: دعنا من المحاكم، إحنا نبغي نبيِّن الحكم الشرعي، والمحاكم ما علينا منها.
[ ١ / ٦٥١٧ ]
فإنْ أصرَّتْ ولا نفع فيها الضرب فمِثْل هذا لا بد أن يحصل شقاق بينهما، ولهذا ذكر الله المرتبةَ الرابعةَ؛ قال: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء: ٣٤، ٣٥]، مع الضرب يمكن يحصل الشقاق، إذا حصل الشقاق رجعنا إلى المرتبة الرابعة، لكن المذهب ()، وهي أنه يُسكِنهما الحاكم إلى جنب ثقة يُشرف عليهما، يشوف مين المخطئ، لكن هذه المرتبة لا أصل لها؛ ليست موجودة في القرآن ولا في السُّنة، ثم إن إسكانهما إلى جانب ثقة قد لا يتيسَّر ذلك، () الثقة، ولا نجيب الثقة يسكن عندهم، ثم إن الغالب أيضًا لا يفيد؛ لأن هذه مسائل بيتيَّة، حتى لو كان الثقة جنبهم ويش الفائدة؟ إلا إذا كان بيحصل () وحمل سلاحًا ولَّا شيئًا، () في حجرة مغلقة.
طالب: ().
الشيخ: إي نعم، يمكن يعرف بالصوت، لكن على كلِّ حال المسألة ما هي مثمرة، فعلى هذا نقول: طالما أن هذه المرتبة ما دامت ليست في القرآن ولا في السُّنة فالله تعالى أحكمُ الحاكمين، نرجع إلى المرتبة الرابعة وهي قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥].
[ ١ / ٦٥١٨ ]
﴿ابْعَثُوا﴾ الخطاب يحتمل أنه لوُلاة الأمور؛ لأنهم هم اللي يوَجَّه إليهم الأمر: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨]، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨]، الخطاب دائمًا موجَّه بلفظ الجمع لوُلاة الأمور؛ لأنهم هم الذين يديرون الأمَّة، فيحتمل أن يكون قوله: ﴿ابْعَثُوا﴾ عائدًا إلى الحاكم، ويحتمل أن يكون عائدًا إلى أقاربهما، لكن هذا قد يُبعده قولُه: ﴿حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥]؛ إذ لو كان الخطاب في قوله: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا﴾ لقال: حكَمًا منكم أو من بينكم أو ما أشبه ذلك، فيختار القاضي رجلين عندهما من العلم والثقة والمعرفة ما يؤهِّلهما للحكومة بينهما من أهلها ومن أهله، واختير أن يكون من أهلهما لأنهما أعرَفُ بشؤونهما وأرفَق بهما من الأجنبي، ولذلك أمر الله تعالى أن يكونا من أهله وأهلها.
مثلًا أبو الزوجة يصلح؟
طلبة: يصلح.
الشيخ: وأبو الزوج يصلح؟
طلبة: يصلح.
الشيخ: طيب، أخو الزوجة وأخو الزوج، وكذلك عمَّاهما وما أشبه ذلك من الأقارب، وهذان الرجلان الْمُقامان من قِبَل الحاكم حكَمان كما قال الله تعالى: ﴿حَكَمًا﴾، وليسا وكيلين خلافًا للمشهور من المذهب، المشهور أنهما وكيلان؛ فيوكِّل الزوج إذا اختير الرجل، يوكِّل الزوجُ صاحبَه وهي توكِّل صاحبَها، ولا يتصرَّفان إلا بإذن الزوج والزوجة؛ لأنهما وكيلان، وفي الحقيقة أننا إذا قلنا بأنهما وكيلان خالفْنا ظاهر القرآن، القرآنُ يقول: ﴿حَكَمًا﴾، والحكَم ليس وكيلًا، ثم إذا قُلنا: وكيلان، صِرنا ندور في حلقةٍ مفرغةٍ؛ لأن كُلًّا من الزوج والزوجة يريد أن يكون كلامُه هو النافذ التام فلا نستفيد، فالصواب ما دلَّت عليه الآية الكريمة أنهما حكمانِ ولا يحتاجان إلى توكيل، يَدْرُسان الوضع، وينظران مَن المخطئُ، ويكون الحق على مَن أخطأ.
[ ١ / ٦٥١٩ ]
وقد نظر الله ﷾ إلى النيَّة الطيبة في هذه الحال فقال: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥]، إذا أرادا الإصلاح سواء الزوجان أو الحكَمان فإن الله تعالى يوفِّق بينهما ويهديهما لما فيه الخير ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾، هذان الحكمان إذا رَأَيَا أن المصلحة في التفريق فرَّقا وفَسَخَا النكاح، يفسخانه بينهما ()، إنْ رَأَيَا أن التفريق بعِوَض يكون على أحدهما فلهما ذلك، يُلزمانه، سواء ألزما الزوج أمْ ألزما الزوجة، وإن رَأَيَا أن البقاء أصلح بدراهم تسلمها الزوجة أو يسلمها الزوج فَعَلَا ذلك، المهم أنهما يفعلان ما يريانه أصلح من جمعٍ وتفريقٍ بعِوَض وبدون عِوَض، وبهذا تنحلُّ المشكلة.
بقي أمرٌ خامسٌ دلَّ عليه الحديث، دلَّت عليه السُّنة والقرآن، وهو إذا كانت المرأة تصرِّح بأنها لا تريد الزوج إطلاقًا لا بقليلٍ ولا بكثيرٍ، فهذه المسألة اختلفَ فيها أهل العلم هل يُلزَم الزوجُ بالمخالعة أو لا يُلزم، وسيأتينا إن شاء الله في باب الخلع في الباب الذي يلي هذا، كلام المؤلف الآن فيما إذا خاف الزوج نشوزَ امرأته.
فما الحكم إذا خافت هي نشوزه؟ لأنه أحيانًا يكون النشوز من الزوج؛ يُعرِض عنها، ولا يُلَبِّي طلبها الواجب عليه، أو يُلبِّيه لكنْ بتكَرُّهٍ وتثاقلٍ وما أشبه ذلك.
نقول: الله بيَّن هذا في قوله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَصَّالَحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ [النساء: ١٢٨]، ﴿أَنْ يَصَّالَحَا﴾ قراءة سبعية، واخترناها لأنها ().
﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ ﴿نُشُوزًا﴾ يعني يترفَّع عليها ويستهجنها () أو ما أشبه ذلك، أو يقول: أنتِ جاهلة وأنا عندي شهادة دكتوراة، وأنت ما تعرفين () أو ما أشبه ذلك، يُهَجِّنها.
[ ١ / ٦٥٢٠ ]
﴿أَوْ إِعْرَاضًا﴾ يُعرِض عنها، ما يقوم بواجبها لا في الفراش ولا في غير الفراش، ولا كأنه زوج، الله ﷿ يقول: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَصَّالَحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ أن يتصالحا هما بأنفسهما، وما ذكر الله ﷿ هنا لا وعظًا ولا ضربًا، ولا هجرًا، ولا حكمين، والحكمة في هذا ظاهرة جدًّا؛ لأن الأصل أن الرجل قوَّامٌ على المرأة، فقد يكون إعراضه من أجْل إصلاحها، () قد أخطأ بخلاف ()، ولهذا هناك يعظها ويهجرها ويضربها، هي لا تعظه ولا تهجره ولا تضربه، ولكن لا بدَّ من مصالحة؛ ﴿يَصَّالَحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾.
وبهذه الحال إذا لم يمكن أن يتصالحا فيما بينهما فلا حرج من أن يتدخَّل الأقارب، لا على سبيل الحكم ولكن على سبيل الإصلاح، ولهذا ما ذكر الله المحاكمة، ذكر الإصلاحَ وندبَ إليه في قوله: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، وهذه الجملة كلمتان فقط: ﴿الصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ ما هي خاصة بهذه القضية، في كل شيء، وهي من بلاغة القرآن، كلُّ شيء يكون عن طريق الصلح فهو خيرٌ من المحاقَّة؛ لأن المحاقَّة مهما كان يكون في نفسه شيء على صاحبه الذي غلبه، لكن في المصالحة تطمئن النفوس وتستريح، ولكن مع ذلك أشار الله ﷿ إلى أن هذا الصلح الذي هو خير قد يوجد فيه مانعٌ وعائقٌ: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨]؛ يعني عندنا أن الأناس اللي يتكلمون في نزاع بينهما تجد يحبون الصلح الذي هو خير، لكن نفسك تشح أن تقبل أن يُهضم حقك مهما كان الأمر، ولكن على كل حال اللي عنده عقل يغلب النفس.
فهذا الآن عندنا نشوز المرأة ونشوز الرجل، نشوز المرأة كم من مرتبة؟ أربع مراتب: الموعظة، والهجر، والضرب، والمحاكمة؛ بعث الحكمين. أمَّا نشوز الرجل فما ذكر الله له إلا طريقًا واحدًا وهو الصلح.
[ ١ / ٦٥٢١ ]
وفي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤] توجيهات عظيمة من الرب ﷿؛ يعني ما قال: إذا أطعْنَكم ورجعْنَ إلى الصواب فذكِّرونهنَّ ما مضى وتقولون: فعلتِ كذا، فعلتِ كذا، أو: أنا فعلتُ فيكِ كذا، وما أشبه ذلك مما يبعث الأمور الماضية، ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ اتركوا كلَّ ما مضى ولا يكُنْ في أذهانكم أبدًا، وهذا من الحكمة؛ لأن كون الإنسان يذكر ما مضى مِن مثْل هذه الأمور ما يزيد الأمر إلا شُقَّة وشِدَّة ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾.
طالب: ().
الشيخ: () يجب على كل واحد المعاشرة بالمعروف.
***
[باب الخلع]
ثم قال المؤلف: (بابُ الْخُلْعِ).
طالب: بالنسبة للهجر؟
الشيخ: الهجر يسلم عليها () الهجر () ثلاثة أيام ().
(الخلع) يُقال: (الْخُلع) بالضم، ويُقال: (الْخَلع) بالفتح، الْخَلع هو المصدر، والْخُلع هو المعنى.
والخلع هو فراق الزوجة بعِوَضٍ بألفاظٍ معلومةٍ، مأخوذٌ من قولهم: خلعتُ الثوب إذا ().
وسماه الله تعالى فداءً فقال ﷾: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِه﴾ [البقرة: ٢٢٩]، سماه الله تعالى فداءً؛ لأن المرأة تفتدي نفسَها من زوجها، ().
وهل له ألفاظٌ خاصةٌ، أو كلُّ فراق على عِوَض فهو خلعٌ ولو بلفظ الطلاق؟
في هذا قولان لأهل العلم؛ فشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهو مروي عن ابن عباس، أن كلَّ ما دخله العِوَض فليس بطلاق، فهو فداء، والعبرة بالمعنى لا باللفظ. والمشهور من المذهب أنه إذا وقع بلفظ الطلاق فهو طلاقٌ يُحسَب من العدد، وعلى الرأي الأول فسخٌ لا يُحسَب من العدد ().
أولًا يُسأل: هل الخلع جائز أو ليس بجائز؟
[ ١ / ٦٥٢٢ ]
نقول: لا يجوز إلا بشرط أن يخافا ألَّا يُقيما حدود الله، فإن كانت الحال صالحةً فإنه لا يجوز، لا يجوز للمرأة أن تطلب المخالعة مع كون الحال جائزةً، فقد رُوي عن النبي ﵊ أن «مَنْ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ» (٥) فعلى هذا نقول: الخلع مع استقامة الحال لا يجوز، أمَّا مع عدم الاستقامة فلا شكَّ أنه جائزٌ ولا سبيل إلى الطلاق ().
قال: (مَنْ صحَّ تَبَرُّعُهُ مِن زوجةٍ وأجنبيٍّ صحَّ بَذْلُهُ لعِوَضه). أنتم تعرفون أن الخلع يترتب عليه أمران: الفراق، والمال.
الفراق ممن يكون؟ من الزوج لا غير، أمَّا بَذْل المال فيصح أن تبذله الزوجة، ويصح أن يبذله وليُّها، ويصح أن يبذله أجنبي، كل مَن صحَّ تبرُّعه صحَّ أن يبذل عِوَض الخلع.
وقوله: (مَن صحَّ تبرُّعه) ما قال: مَن صح تصرُّفه، قال: (من صحَّ تبرُّعه)، ولاحظوا أن التبرع أضيق من التصرف، ليس كلُّ مَن صحَّ تصرُّفه صحَّ تبرُّعه، التبرع أضيق؛ مثلًا المحجورُ عليه يصحُّ تصرُّفه في غير ماله ()، ويصحُّ تبرُّعه ولَّا لا؟ ما يصح تبرُّعه. وليُّ اليتيم يصحُّ أن يتصرف بمال اليتيم ولا يصحُّ أن يتبرع، المريض مرض الموت المخوف يصح أن يتصرف في كل ماله، ولا يصح أن يتبرَّع بما زاد على الثلث، وله أمثلة كثيرة، المهم أنه يقول المؤلف هنا: (مَن صحَّ تبرُّعه).
وقوله: (مِن زوجةٍ وأجنبيٍّ صحَّ بَذْلُهُ لعِوَضه)؛ يعني صح أن يُبذل للزوج عِوَضًا ليخالع زوجته، هذا يصح من حيث الحكم الوضعي، لكن هل يجوز من حيث الحكم التكليفي الشرعي؟ لأنه سبق لنا في كتاب أصول الفقه: أن الأحكام العامة التكليفية وهي خمسة: الواجب، والجائز، والمحرَّم، والمكروه، والمندوب. والوضعية وهي: الصحيح، والفاسد، والشرط، وما أشبه ذلك، والسبب.
فهنا نقول: (مَن صحَّ تبرُّعه)، هذا حكم وضعي، المؤلف يتكلم عن صحة البَذْل فقط.
[ ١ / ٦٥٢٣ ]
ولكن هل يجوز أن تأتي إلى شخص وتقول له: خالعْ زوجتَك وأنا أعطيك عشرة آلاف مثلًا، هل يجوز أو لا؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: فيه تفصيل؛ إذا كان لمصلحة الزوجة فهذا جائزٌ وإحسان؛ هذا رجلٌ مثلًا عرف أن هذا الشخص لا يصح لهذه المرأة لا دينًا ولا خُلُقا، فذهب إليه وقال: هذه عشرة آلاف ريال وطلِّق زوجتك ()، هذا لا بأس به، وهو محسن، ويُشكَر على هذا.
وقد يكون محرَّمًا إذا لم يكن لمصلحة الزوجة؛ مثل أن يريد الإضرار بالزوجة، زوجة متعلِّقة بهذا الشخص والحال بينهما ماشٍ، فجاء إليه وأغراه بالمال ليطلِّقها إضرارًا بها والعياذ بالله، فهذا حكمه حرام بلا شك.
كذلك رجلٌ آخَر ذهب إلى الزوج وقال: خالعْ زوجتك بعشرة آلاف ريال. لأجل أن يتزوجها هو، يجوز ولَّا لا؟
هذا ما يجوز أيضًا، أنكره الإمام أحمد إنكارًا شديدًا؛ قال: كيف يصير هذا؟ ! يقول: طلِّق مراتك بكذا وكذا من الدراهم عشان أتزوَّجها، هذا ما فيه شك أنه منكر، ولا يصدر من أيِّ إنسان له دين.
[ ١ / ٦٥٢٤ ]
وبهذا نعرف كذب القصة المنسوبة إلى داود ﵊ أنه كان عنده تسعة وتسعون امرأة، وأنه عشق امرأةً لأحد أفراد الجند، فتحيَّل به وقال: اذهبْ قاتِل في سبيل الله علشان يُقتَل ويأخذ زوجته من بعده، () داود ملك وليس نبيًّا، يعني هذه القصة في الحقيقة مع الأسف الشديد إنها موجودة في كثير من التفاسير، ويفسرون بها قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ [ص: ٢٣، ٢٤]، فقالوا: المراد بالنعجة المرأة، أعتقد لو قال أحد منهم لامرأته: يا نعجة، لنشزت عليه، فالنعجة هي الشاة في اللغة العربية، والقصة حقيقية ما هي تمثيل، لكن ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ [ص: ٢٤] يعني اختبرناه بما جرى، ثم إنه ﵊ عكف في محرابه مع أنه حاكمٌ بين الناس، والواجب أن الحاكم يجلس للناس يحكم بينهم، ثم إنه ﵊ حَكَم لأحدهما على الآخَر قبل أن تتبين حجة الآخر، منين () يكلمه قال: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِه﴾، وهذا لا شك أنه ()، ولهذا عرف ﵊ ما وقع منه ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَاب﴾ [ص: ٢٤].
***
() يقال: الْخُلع، ويقال: الْخَلع، فالْخَلع مصدر خَلع يخلعُ، والْخُلع اسم لهذا الأمر، اسم للمعنى، وهو فراق الزوجة بعِوَضٍ بألفاظٍ معلومةٍ مخصوصةٍ، وهي الخلع والفِداء وما أشبهه.
فخرج بقولنا: أن يفارق زوجته بعِوَض، خرج به ما إذا فارقها بغير عوض فليس بخلع، فهو الرجل قال مثلًا لزوجته: إني فارقتُك، أو: طلقتُك، أو ما أشبه ذلك، فهذا ليس بخلع.
[ ١ / ٦٥٢٥ ]
وخرج بقولنا بألفاظٍ مخصوصةٍ ما إذا كان الخلع بلفظ الطلاق؛ فإنه يكون طلاقًا على المذهب، وعلى القول الراجح يكون خلعًا، وسيأتي إن شاء الله تعالى.
حكم الخلع سيأتي في كلام المؤلف، لكن بدأ المؤلف بعِوَضه فقال: (مَن صحَّ تبرُّعه من زوجةٍ وأجنبيٍّ صحَّ بَذْلُه لعوضه). (مَن صحَّ صحَّ) فعل الشرط وجوابه، أو لا؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: وقوله: (تبرُّعه) أي: عطاؤه مجانًا؛ يعني: الذي يصح أن يعطي المالَ مجانًا هو الذي يصح أن يتبرَّع بعوض الخلع، يعني: ومَن لا يصح فلا يصح تبرُّعه به؛ لأن هذا -أعني الخلع- ليس له عوضٌ ماليٌّ، فهو من باب التبرع.
وقول المؤلف: (مَنْ صَحَّ تبرُّعه من زوجة) (من زوجة) بيانٌ لـ (مَن)؛ يعني: الذي يصح تبرُّعه سواء كان زوجةً أو أجنبيًّا.
وإنما قال المؤلف: (وأجنبيٍّ) لئلَّا يظنَّ الظانُّ أن قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِه﴾ [البقرة: ٢٢٩] أنه لا بد أن يكون العوض من الزوجة، هذا ليس بشرط؛ لأن المقصودَ الخلاصُ بدون أن تذهب على الزوج هدرًا؛ خلاصٌ بعوض.
وقوله: (مِن زوجةٍ وأجنبيٍّ صحَّ بَذْلُه لعِوَضه). (لعِوَضه) هذه ويش محلها من الإعراب؟ محلها النصب، مفعولٌ لـ (بَذْل)؛ لأن (بَذْل) مصدرٌ عاملٌ () الشروط.
وقوله: (لعِوَضه) أي: عوض الخلع. منطوق العبارة الآن: أن مَن صحَّ تبرُّعه صحَّ بذلُه لعوضه، ومفهومها: مَن لا يصح تبرُّعه لا يصح بذلُه لعوضه؛ فالمحجور عليه مثلًا يصح أن يبذل عوض الخلع؟ لا، ما يصح؛ لأنه لا يصح تبرُّعه.
وظاهر كلام المؤلف أنه يصح أن يأتي رجلٌ إلى زوج امرأةٍ فيقول: طلِّقْها أو اخلعْها وأعطيك عوضًا قدره كذا وكذا، أو لا؟ نعم، وهذا إذا كان بإذن الزوجة فالأمر ظاهر، وإن كان بغير إذن الزوجة فلا يخلو من حالات:
[ ١ / ٦٥٢٦ ]
الحال الأولى: أن يقصد بذلك مصلحة الزوج؛ مثل أن تكون المرأةُ هذه سيئة الْخُلُق أو سيئة السلوك والزوجُ فقيرٌ ومرغَمٌ على أنه يبقيها لأنه ما عنده مال يتزوج، فأراد هذا الرجل أن يعطيه عوضًا ليطلِّقها ويأخذ غيرها، هذا لمصلحة مَن؟ لمصلحة الزوج، وهو بهذا العمل محسن.
الحال الثانية: أن يكون لمصلحة الزوجة نفسها؛ بأن تكون الزوجة قد أساء الزوج عِشرتها وأتعبها، ولكن ليس عندها مالٌ تبذله لتفتدي به، فيبذل العوض لفكاك هذه الزوجة من هذا الزوج، ما حكم هذه؟
طلبة: جائز.
طالب: وإن كانت تحب الزوج؟
الشيخ: إن كانت تحبه ()، هذا جائز، بل مثل الأول، هو إحسانٌ في الحقيقة.
طالب: () مال () تفتدي به ()، أن يهون الرجل إن جاء يتبرع له بمال عشان يخلِّصها من هذا الرجل، قد يحبها الرجل، فتلتزم هي () ما عندها مال تفتدي به قد تصلح الأحوال، لكن إذا أعطاها الرجل هذا المال قالت أبدا ().
الشيخ: ما يخالف، هو أصلا الزوج ()، إذا شاء يقول: أبدًا، لو تعطوني ملء الأرض ذهبًا ما أطلِّق.
الطالب: وإن تأبى الذهاب معه أبدًا () تفتدي.
الشيخ: معلوم ما فيه شك، يعنى إذا شك أنها متضرِّرة ما عندها مال مصلحة هذه، هذا خير.
الحال الثالثة: أن يكون لمصلحتهما جميعًا؛ بأن يكون هو سيِّء العِشرة وهي كذلك، فيكون هنا خِفْنا ألَّا يُقيما حدود الله فأفتدي، هذا أيضًا جائزٌ، بل إحسانٌ كما تقدم.
الحال الرابعة: أن يفعل هذا الأجنبي من أجل أن يتزوجها؛ أعجبتْه امرأة هذا الرجل، فذهب لأجْل يعمل هذا العمل يتزوجها، فما حكم هذا؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: هذا حرامٌ ولا يجوز، وقد أنكره الإمام أحمد ﵀.
الحال الخامسة: أن يكون للإضرار بالزوجة؛ تكون مثلًا امرأة زوجها يحبها ولا يكرهها، امرأة طيبة وتحب الزوج، فأراد رجلٌ أن يضارَّ بها، فذهب إلى زوجها وقال: ويش تبغي مِن هذه المرأة، أنا بأعطيك الآن عشرة آلاف ريال وطلِّقها، ففعل، ما حكمه؟
[ ١ / ٦٥٢٧ ]
طلبة: حرام.
الشيخ: هذا أيضًا محرَّم؛ لأنه اعتداءٌ عليها، وإذا كان النبي ﵊ يقول: «لَا تَسْأَلِ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ مَا فِي إِنَائِهَا» (٦) فهذا مِثْله.
الحال السادسة: أن يكون للإضرار بالزوج، شوف، يُتصوَّر هذا ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يُتصوَّر هذا بأن يكون الزوج مع زوجته بأحسن حال، لكن الزوج طمَّاع يحب المال، () هذه، فترخص عنده أم العيال وبيطلقها.
طالب: ().
الشيخ: () هذا للإضرار بالزوج، هذا أيضًا محرَّم. كذا؟ هذه ست حالات.
الحال السابعة: ألَّا يكون لأيِّ غرض، بس رجل وده يفرِّق بين ها الزوجين، ما قصد لا الإضرار ولا الإحسان، فالظاهر أنه محرَّم عليه؛ لأن الله تعالى ذكر أن من أعمال السَّحَرة أنهم يتعلَّمون من السحر ما يفرِّقون به بين المرء وزوجه، فلا يحل.
هذه الأحوال السبع كلها داخلةٌ تحت قول المؤلف: (وأجنبيٍّ)، فتبيَّن أن بَذْل الأجنبي للعوض كي يخالع المرأة له كم حالة؟ سبع حالات تختلف أحكامها بحسب ما تُفضي إليه.
طالب: إذا صار بين الزوج والزوجة مخاصمة أو شيء، وجاء واحد فبَذَل المالَ ليتزوجها ()، ولكن هو نيَّته ..
الشيخ: يعني نوى أمرين، واللهِ إذا نوى الأمرين () الأرجح، إن كان الأهم عنده الحق هو الذي حمله أكثر من أنه يتزوجها؟
الطالب: ().
الشيخ: () يُغَلَّب جانب التحريم ().
طالب: () فأغراها رجل () حرام ().
الشيخ: () ومن القواعد المقررة عند أهل العلم أن مَن تعجَّل شيئًا قبل آوانه على وجهٍ محرَّمٍ عُوقب بحرمانه ().
***
(صحَّ بَذْله لعوضه) انتهينا من الأحوال هذه.
(فإذا كَرِهتْ خُلُقَ زوجِها أو خَلْقَه) إلى آخره.
(خُلُق) بضم الخاء واللام، قال بعض العلماء في تعريف الْخُلُق: هو الصورة الباطنة التي يكون بها سلوك المرء.
[ ١ / ٦٥٢٨ ]
و(خَلْقه) بفتح الخاء وسكون اللام هو الصورة الظاهرة؛ لأن الصورة الباطنة إذا كانت جميلةً صار حسن الأخلاق؛ يعني هي التي تدبِّره، والصورة الظاهرة اللي هي الْخَلْق.
إذا كرهت الْخُلُق أو الْخَلْق (أو نَقْص دينِه) نقص الدين الذي لا يوصل إلى الكفر؛ يعنى رأتْه يتهاون في صلاة الجماعة مثلًا، رأتْه يشرب الدخان، رأتْه يحلق اللحية، وما أشبه ذلك.
يقول: (أو نقْصَ دينِه، أو خافتْ إثْمًا بتَرْك حقِّه). نشوف نقص الدين قلنا: ما لم يصل إلى الكفر، فإنْ وصل إلى الكفر فإن الخلع هنا واجب، يجب أن تفارقه بكل ما تستطيع، ويجب على المسلمين أن ينقذوها منه، يجب على مَن عَلِم بحالها إذا كان زوجها لا يصلي أن ينقذوها منه بالمال؛ لأنها في مثل هذه الحال الغالبُ أنها لو حاكمتْه إلى القاضي فإنها لن تحصل على طائل؛ لأن القاضي سيطلب منها البيِّنة على عدم صلاته، وإقامة البيِّنة على العدم صعب جدًّا، إقامة البيِّنة على الوجود سهلٌ؛ لأنه يُشاف الإنسان، لكن على العدم صعب؛ لأنه ما أحد يقول: أنا أشهد أن فلانًا ما يصلي؛ يمكن يصلي في بيته، يمكن يصلي في مسجدٍ آخَر، يمكن يصلي في بيت صديقه، ما تقدر.
المهم أنها لن تحصل على طائل، ففي مثل هذه الحال إذا علِمْنا صِدْق المرأة وأن الزوج قد طلب لفراقها كذا من المال يجب علينا فرض كفاية أن نخلِّصها منه، لماذا؟ لأن بقاء المسلمة تحت الكافر أمرٌ محرَّم بالكتاب والسنة والإجماع، فإذا كان كذلك فإنه يجب أن نخلِّصها، ما يمكن تبقى؛ هذا الرجل الكافر يتفخَّذها ويتمتع بها، لكن نقْص الدين الذي لا يوصل إلى الكفر.
(أو خافتْ إثمًا بتَرْك حقِّه) ما كَرِهتْ منه شيئًا، لكن خافتْ إثمًا بتَرْك حقِّه، تجد نفسها ما هي منقادة له، ولا تجيبه إلى الاستمتاع إلا متبرِّمة متكرِّهة، كحالة مَن؟ وَرَدَ مثلُها في عهد الصحابة.
طلبة: امرأة ثابت.
[ ١ / ٦٥٢٩ ]
الشيخ: امرأة ثابت؛ فإنَّ امرأة ثابتٍ جاءت إلى الرسول ﷺ قالت: يا رسول الله، ثابت بن قيسٍ واللهِ لا أَعتِبُ عليه في خُلُقٍ ولا دينٍ، لكني أَكْره الكفر في الإسلام (٧). يعني: ما أستطيع أن أبقى معه فأصل إلى الكفر، الكفر في الإسلام يعني كُفر حقِّ الزوج، ما هو الكفر المخرج عن الإسلام؛ لأنها قالت: الكفر في الإسلام، ما قالت: الكفر عن الإسلام، فهي إنما خافتْ نقْصَ حقِّ الزوج، كما قال الرسول ﵊: «تَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ» (٨)، فأخيرًا قال: «تَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟»، قالت: نعم، فقال لثابت: «اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا»، ففعل. فهذه المرأة تقول: واللهِ الرجلُ أخلاقه طيِّبة، وخَلْقه جميل، ودينه تامٌّ، لكني ما أستطيع البقاء معه أبدًا؛ أخشى أن أضيِّع حقَّ الله فيه، هل يُباح الخلع ولَّا لا؟
طالب: يُباح.
الشيخ: نعم، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فإذا خافا ألَّا يُقيما حدودَ الله (أُبِيحَ الخلعُ) (أُبيح) هنا مبني للمجهول؛ أي: صار مباحًا لها؛ أي: جائزًا.
(أُبِيحَ الخلعُ، وإلَّا) يعني: وإلَّا يكنْ له سببٌ (كُرِه)، والمكروه هو الذي يُثاب تاركُه امتثالًا ولا يعاقَب فاعله، هذا المكروه، ومع ذلك يقع الخلع.
فلو أن المرأة مثلًا مستقيمة الحال مع زوجها، ولكنها لأيِّ سببٍ من الأسباب قالت: أبغي أعطيك اللي أعطيتني وخلِّني، طلِّقني، فما الحكم؟
الحكم: مكروه، والخلع يقع؛ لأنه ما هو محرَّم، مكروه، والمكروه ينفذ، هذا هو المشهور من المذهب أنَّ الخلع مع استقامة الحال مكروهٌ ولكن يقع.
[ ١ / ٦٥٣٠ ]
وفيه قول آخَر أنَّالخلع في حال الاستقامة محرَّم ولا يقع، وهذا هو الصحيح؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]؛ فإن مفهوم قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ﴾ أنه إن لم يخافا ألَّا يُقيما حدود الله فعليهما جناح، وهذا يشهد لصحة الحديث وإنْ كان ضعيفًا: «مَنْ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ» (٥)، فهذا يقتضي أن يكون من كبائر الذنوب.
طالب: حديث صحيح.
الشيخ: لا، ما هو صحيح، فيه ضعف، فالحاصل أننا نقول: الآية تؤيِّد الحديث، وعلى هذا فنقول: إنه إذا كان لغير سببٍ فإن الصحيح أنه محرَّم وأنه لا يقع، نقول: إنه محرَّم للآية وللحديث، لكن ما دليلنا على أنه لا يقع؟
دليلنا قول الرسول ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٩).
ولكن إذا قلنا: لا يقع الخلع، فهل يقع طلاقًا؟
إن كان بلفظ الخلع ولم ينوِ به الطلاقَ فإنه لا يقع الطلاق؛ لأنه ما تلفَّظ به ولا نواه، والخلع وقع غير صحيح، ويش لون الخلع بغير لفظ الطلاق؟ ويش بيقول؟
طلبة: خالعتها.
الشيخ: خالعتُها، أو فسختُها، أو فاديتُها، أو ما أشبه ذلك، فهنا لا يقع خلع ولا طلاق. وإنْ كان بلفظ الطلاق أو بنيَّة الطلاق فإنه يقع الطلاق على المذهب؛ لأنه -أي: الخلع- إذا كان بلفظ الطلاق صار طلاقًا.
وعلى القول بأنه لا يقع الخلع إلا إذا كان بلفظ الفسخ أو الفداء فإنه لا يقع الطلاق أيضًا؛ لأنه على عوضٍ لم يُسَلَّم له، تبيَّن أنه حرام، ما فيه فائدة.
[ ١ / ٦٥٣١ ]
طيب الحديث؛ العجيب أن المؤلف ﵀ قال: (كُرِهَ ووَقَعَ) واستدلَّ بالحديث، ومقتضى الاستدلال أن يكون الحكم حرامًا، بل من كبائر الذنوب، وكأنه -والله أعلم- لم يصح عنده؛ أي إن الحديث ضعيفٌ عنده، وقد مرَّ علينا عن صاحب النُّكَت ابن مفلح ﵀، له نكت على المحرَّر قال فيه: إن الحديث إذا كان ضعيفًا وكان مفيدًا للوجوب فإنه يكون الحكم الاستحباب، هذا ما لم يكن الضعف شديدًا بحيث لا يُقبَل، وإذا كان مقتضيًا للتحريم صار للكراهة؛ لأن ضعف سنده يتبعه ضعفُ الحكم، وكونه ورد ونُسِبَ إلى الرسول ﵊ يوجب للإنسان شُبهة بأنه قد قاله الرسول ﵊، فنجعل الحكم بين التحريم وبين الإباحة، وكذلك نقول في ما وَرَدَ مأمورًا به في حديثٍ ليس بقويٍّ، نقول هذا.
طالب: الحكم يا شيخ () حكمان شرعيان، هل يمكن ان يذهب إليهما بدليل ضعيف؟
الشيخ: إي، لعِلَّة، هذه الكراهة على سبيل التورُّع والخوف.
الطالب: لكن ما يُحكَم.
الشيخ: يُحكَم؛ من اتقى الشبهات ..
الطالب: لولا () الكراهة.
الشيخ: نعم؛ لأنه «مَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ» (١٠)، يعني احتمال أن يكون هذا الحديثُ صحيحًا وارد.
الطالب: () عن الله ﷾، عن رب العالمين.
الشيخ: نعم.
الطالب: يعني لا يعجبني .. أو يعني لفظ ..
الشيخ: بمقتضى هذا لا يعجبني عند بعض العلماء التحريم، الكلام على أننا نقول: نظرًا إلى أنه بين بين فنجعل الحكم بين هذا وهذا.
وكذلك بالنسبة للوجوب؛ لأن الأصل عدم الإيجاب حتى يتبيَّن بدليلٍ بيِّن، لكن نقول: نظرًا إلى احتمال أن يكون صحيحًا ينبغي أن تفعل ()، هذا ما ذكره ﵀ في هذه القاعدة، ولعل المؤلف ﵀ في هذا الباب لعله أخذ به.
[ ١ / ٦٥٣٢ ]
طالب: بالنسبة لحديث ثابت بن قيس، هل لَمَّا قال له الرسول: «طَلِّقْهَا» فطلَّقَها، هل يؤخذ منه أن المخالعة طلاق؟
الشيخ: هذا سيأتينا -إن شاء الله- في الفصل الذي بعده.
يقول: (كُرِهَ ووَقَعَ. فإنْ عَضَلَها ظُلْمًا للافتداء ولم يكُنْ لِزِناها أو نُشُوزها أو تَرْكِها فرضًا ) إلى آخره.
(إن عضلها) أي: الزوج؛ أي: منعها حقَّها ولم يكن لهذه الأسباب.
(ظلمًا ولم يكن لزناها)، قوله: (ظلمًا ولم يكُنْ لِزِناها) هذا بيانٌ للواقع؛ يعني: ما يتحقق أنه ظلمٌ إلا إذا كان بغير هذه الأسباب.
(ولم يكُنْ لِزِناها أو تَرْكِها فرضًا أو نُشُوزها) فإنها إذا خالعتْ في هذه الحال لا يصح الخلع؛ لأنه قد أرغمها، وقد قال الله ﷿: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّه﴾ [البقرة: ٢٢٩]، بل قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩]، فإذا فعل هذا بدون سبب؛ رجل -والعياذ بالله- طمَّاع، ما يخاف رب العالمين ولا يرحم الخلق، ما أحبَّ هذه الزوجة، وقال: ما يمكن مالي يروح بدون شيء، وبدأ يضيِّق عليها ويمنعها حقَّها، ويمكن يهجرها أيضًا في المضجع، ويش هو علشانه؟ علشان يضيِّق عليها من أجل أن تفتدي منه. نقول: هذا حرامٌ عليك؛ لأن الله نهى عنه؛ ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩]،
قوله: (ولم يكُن لِزِناها) إذا كان لغير زِناها لكن لِسَعَتها؛ يقول مثلًا: تخرج إلى الأسواق، تخاطب الشباب، تكلمهم في الهاتف، وما أشبه ذلك، هل نقول: إن هذا من سوء الْخُلُق الذي يُبيح له أن يعضلها لتفتدي منه؟
طلبة: نعم.
[ ١ / ٦٥٣٣ ]
الشيخ: نعم، ممكن نقول: نعم، ونجعل (لِزِناها) شاملًا لزنى النطقِ والنظرِ والسمعِ والبطشِ والمشيِ، كما أخبر الرسول ﵊ أن العين تزني، والأذن تزني، واليد تزني، والرجل تزني (١١)، فهذا الرجل يقول: أنا ما يمكن أصبر على هذه المرأة وهي بهذه الحال، فصار يضيِّق عليها لتفتدي منه.
قد يقول قائل: إن الله يقول: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة﴾ فاحشة، وهذه الأمور ليست من الفواحش، أو لا؟ الكلام أو النظر ليس من الفواحش، لكن ممكن أن نقول: إن هذا وسيلة إلى الفواحش، ثم إن كثيرًا من الناس يكون عنده غيرة أن تخاطب امرأته الرجال أو أن تتحدث إليهم.
طالب: شيخ، بالفاء ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢].
الشيخ: بالفاء!
الطالب: ولا تعضلوهن ().
الشيخ: اقرأ الآية.
الطالب: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢].
طالب: سورة النساء يا شيخ.
الطالب: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣١، ٢٣٢].
طالب: يا شيخ هذه في النساء.
الطالب: هذه في البقرة.
طلبة: ().
الشيخ: ().
[ ١ / ٦٥٣٤ ]
الطالب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩]، ().
الشيخ: طيب، ما فيه شيء.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، قوله: ﴿بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾، هل يؤخذ منه () إلا ما أعطاها؟
الشيخ: ()، من باب أَوْلى، إذا نُهِي أن يعضلها ليذهب ببعض ما آتاها.
طالب: يعني عند المخالعة.
الشيخ: لا، عند المخالعة بيجينا في آية البقرة، سيأتينا إن شاء الله الكلام على كلام المؤلف فيها إن شاء الله قريبًا.
طالب: الفاحشة ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ﴾ [النساء: ١٩] يقصد بها الزنى هنا؟
الشيخ: هي الأصل؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء: ٣٢] ويحتمل أن يكون المراد بالفاحشة ما هو أعم، وهو ما يُستفحَش حتى من الكلام، ما يُستفحَش من الكلام يمكن أن يدخل في هذا إذا كانت بذيئة اللسان، فإنَّ هذا عدَّه بعض العلماء من الفاحشة في اللسان، على كل حال إذا كان له سبب فله أن يفعل.
(أو نُشُوزِها) تقدَّم، ويش النشوز؟ معصية الزوجةِ زوجَها فيما يجب عليها، إذا صار عندها نشوزٌ وعَضَلها؛ ضيَّقَ عليها لتفتدي، فلا حرج.
(أو تَرْكِها فرضًا) مثل أيش؟
طلبة: مثل الصلاة والصيام.
الشيخ: كأنْ تترك الصلاة، ما هو حتى تصل إلى الكفر، أو تترك الصيام، أو تترك الزكاة، أو تترك أيَّ فرض.
طالب: الحجاب.
الشيخ: نعم، أو تترك الحجاب، نعم؛ واللهِ أبغي أطلع، لازم، أبغي أطلع مكشوفة الوجه، فهذا نقول: له أن يعضلها، هذا إذا لم يمكن تربيتها، أمَّا إذا كان يمكن يربِّيها وتبقى وهو يرغب بالمرأة فلا حرج، يربِّيها وتبقى.
طالب: أدنى فرض يا شيخ؟ يعني أدنى فرض شرعي، مثلًا واجب شرعي تركَتْه يجوز له أن ()؟
الشيخ: هذا ظاهر كلام المؤلف.
الطالب: وهو وجيه؟
[ ١ / ٦٥٣٥ ]
الشيخ: واللهِ وجيه؛ لأن التي تتهاون بالواجبات في الحقيقة يمكن تؤثِّر حتى على الأولاد.
الطالب: لكن ما تَسْلم النساء كلُّها من تَرْك الفروض الخفيفة.
الشيخ: ويش ()؟
الطالب: كثيرة.
طالب: () كشف () ولَّا وجهها.
الشيخ: إي، هذا من أهم شيء، يعني هذا حتى يعود إلى حقِّ الزوج الخاص.
طالب: () ملابس ().
الشيخ: لا، هذا من حقِّه هو.
الطالب: () طبخ الطعام على القول الراجح.
الشيخ: طيب دقيقة، إذا أَبَتْ أن تتمتَّع فهو نشوزها، قال: (ولم يكُنْ لِزِناها أو نُشُوزها)، لأنه إن كان هذا يتعلَّق بحق الله فهو تَرْك فرضٍ، وإن كان يتعلَّق بحق الزوج فهو نُشُوز.
الطالب: وفِعْل المحرَّم مثله.
الشيخ: فِعْل المحرَّم قد يكون دونه؛ لأن فِعْل المحرَّم قلَّ أحدٌ أن يسلم منه؛ فالمرأة مثلًا ربما تغتاب أحدًا، والغيبة من كبائر الذنوب، إذا لم تَتُبْ منها فمعناها أنها صارت فاسقة. فالمهم أنه ينبغي أن يقال: إن هذا كتمثيلٍ من المؤلف إذا كان لغير سببٍ يتعلَّق بحقِّ الله أو بحقِّ الزوج.
طالب: طيب يا شيخ إذا كانت المسألة خلافية، فرض فيه مسألة خلافية، هل يضيِّق عليها في هذه المسألة؟
الشيخ: نعم، إذا صار هو يرى أنه ما يجوز؟
طالب: وهي ترى أنه يجوز.
الشيخ: إي، الظاهر أنه له الحق؛ مثل لو () تشرب الدخان.
الطالب: مثل كَشْف الوجه.
الشيخ: أو مثل كَشْف الوجه، له أن يُلزمها، حتى كَشْف الوجه له أن يُلزمها وإن لم يَرَ أنه واجب؛ لأن هذا حمايةٌ لفراشه، هذا من باب حماية الفراش، حتى لو ما تعلَّق بحقِّ الله ﷾ وأنه القرآن ما يدل على وجوبه مثلًا أو السُّنة، فهو حماية لفراشه؛ لأن المرأة إذا كشفت وجهها أمام الناس يتعلَّقون بها.
طالب: وإذا كان () قالت: أبغي أخرج متنقِّبه، قال: لا بد أن تكشفي الوجه؟
[ ١ / ٦٥٣٦ ]
الشيخ: هذا إذا قال: لا بدَّ أن تكشفي الوجه فالأحسن أن تصفعه على الوجه، هذا الأحسن، أو ما يكفي بعد، هذا في الحقيقة أخشى أن يكون من الديوث والعياذ بالله؛ لأنه -الحقيقة- يُقر أسباب الفاحشة في أهله، الآن -ولا سيما عندنا والحمد لله- النساء متحفِّظات، فإذا قال: اكشفي الوجه، معناه أنه بيفسد كل الأُمَّة؛ إذْ إن هذه المرأة إذا خرجت كاشفةً لا سيما إنْ كان لها وزنٌ في صاحباتها خرجْنَ مثلها.
الطالب: يقول لها: تخالفين العُرف في ذلك.
الشيخ: أيش؟
الطالب: العرف أنه كَشْف الوجه.
الشيخ: عندهم؟
الطالب: ().
الشيخ: العُرف المخالف للمعروف ليس بعُرف؛ لأن المسلمين عُرفهم المعروف شرعًا، فكلُّ عُرف يخالف الشرع فإنه ساقط، وإلا لكُنَّا نُقِرُّ الجاهلية على أعرافها.
طالب: شيخ، اتباع المراحل هل هو واجب إذا تركتْ فرضًا مثلًا؟ اتباعُ المراحل التي مرَّتْ علينا في النشوز واجب على المسلم، ولَّا يعضلها حتى تفتدي؟
الشيخ: هذا على كل حال يُنظَر في المصلحة.
الطالب: على سبيل الوجوب؟
الشيخ: () حتى ولو في هذا، يُنظر للمصلحة، كأن الرجل يقول: أنا ما أستطيع أن أعيش مع هذه المرأة حتى لو ضربتُها أو وعظتُها أو هجرتُها ما هي مستقيمة، فله أن يعضل، وأما إذا كان يمكن فهو ينبغي على الإنسان من الأول، مع أن الآية: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]، ما وقع النشوز بالفعل، عبَّر بالمخافة.
يقول المؤلف: (أو تَرْكِها فرضًا ففعلتْ، أو خالعت الصغيرة).
وهل ما يصح الخلع أذا خالعت الصغيرة؟ لأنه لا يصح تبرُّعها، المال من مالها، وهي صغيرة لها سبع سنين مثلًا، نقول: سبع سنين أو ما يصلح؟
طالب: تسع سنين.
الشيخ: نقول تسع سنين، عشر سنين، إحدى عشرة، اثنتا عشرة، ثلاث عشرة، أربع عشرة، ما بلغت إلى الآن، فإنه لا يصح تبرُّعها، فلو خالعتْ لا يصح الخلع؛ لأنها ما يصح تبرُّعها.
[ ١ / ٦٥٣٧ ]
(والمجنونة) لو خالعت ما يصح الخلع. لكن صوِّروا لي المسألة، كيف تخالع المجنونة؟ يعني المجنونة في الحقيقة يمكن تكون المعتوهة اللي ما لها عقل؛ لأن المجنون أصعب من المعتوه؛ المجنون يكون منه اعتداء وضرب وحركات مزعجة وما أشبه ذلك، والمعتوه دون هذا، لكن على كل حال إذا كان لا عقل لها بجنونٍ أو عَتَهٍ فإنه لا يصح أن يخالعها؛ لأنه لا يجوز تصرُّفها ولا تبرُّعها.
وكذلك (السفيهة) مَن هي السفيهة؟ التي لا تحسن التصرُّف في مالها، إذا خالعتْه وبذلت عوض الخلع من مالها فإنه لا يصح؛ لأنه لا يصح تبرُّعها كما سبق.
طالب: ولا الولي يا شيخ؟
الشيخ: لا، الولي يصح.
الطالب: يعني تخالع ()؟
الشيخ: والصغيرة، ولو ().
الطالب: () الولي؟
الشيخ: إي ما يخالف، ولو بإذنه لكن من مالها.
يقول: (أو خالعت الأَمَة بغير إذْنِ سيدها). إذا خالعت الأَمَة بغير إذن سيدها ما يصح، السبب أنه ما يصح؟
طلبة: لأنه ما يصح تبرعها.
الشيخ: ولا مال لها أيضًا، ما لها مال؛ لأن مالها لسيدها.
وكيف الأَمَة؟ ويش لون الأَمَة؟ يعني رجُل قد تزوج أَمَة إنسان -تزوجها، ما هو سيد وطئها- ثم أراد أن يخالعها، وقال لها وقالت: ما يخالف. فإن ذلك لا يصح؛ لأنه لا يصح تبرُّعها ولا تصرُّفها، ولا مال لها أيضًا.
يقول: (لَمْ يصِحَّ الخلعُ، ووَقَعَ الطلاقُ رجعيًّا إن كان بلفظ الطلاق أو نيَّته).
(وقع الطلاقُ رجعيًا) لكن متى؟ إذا كان بلفظ الطلاق أو بنيَّة الطلاق، فإن كان بلفظ الخلع أو الفسخ فلا خلع ولا طلاق.
وقول المؤلف: (رجعيًّا) يعني: ما يقال: إن هذا طلاق على عِوَض؛ لأن العوض ما صح، فيكون طلاقه حينئذٍ رجعيًّا، يُستثنى من ذلك إذا كان آخِر طلقة، إذا كان هذا آخِر طلقة فإنه يقع بائنًا ما هو رجعي، مثل يكون هذا الرجل اللي خالع هذه الصغيرة مثلًا قد طلَّقها قبل ذلك مرَّتين، وخالعها الآن بلفظ الطلاق، فإن الطلاق يكون؟
طلبة: بائنًا.
[ ١ / ٦٥٣٨ ]
الشيخ: بائنًا. بائنًا من أجل العِوَض ولَّا من أجل العدد؟
طلبة: العدد.
الشيخ: من أجل العدد؛ لأنه تم عدده، واضح؟ تمام.
(ووَقَعَ الطلاقُ رجعيًّا إن كان بلفظ الطلاق أو نيَّته).
طيب (نيَّته) ولو هو بلفظ الخلع؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، ولو كان بلفظ الخلع، إذا نوى به الطلاق فإنه يكون طلاقًا.
***
() عليه لمصلحتها فلا بأس، وهذا هو الصحيح.
طيب، ماذا يكون إذا لم يصح الخلع في هذه الحال؟
طالب: إذا كان بألفاظ الطلاق يُعتبر طلاقًا.
الشيخ: أو نيَّة الطلاق، إذا كان بلفظ الطلاق ..
الطالب: أو نيَّته يُعتبر طلقةً واحدةً.
الشيخ: وإن كان بلفظ الخلع؟
الطالب: وإن كان بلفظ الخلع فلا اعتبار له.
الشيخ: صح؟ موافقون؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: المؤلف مشى على هذا؛ على أنه إذا لم يصح فإنه لا يقع إذا كان بلفظ الخلع، ويقع إذا كان بلفظ الطلاق أو نيَّته طلاقًا، وهذا مبنِيٌّ على أن الخلع بلفظ الطلاق طلاق.
***
ثم قال المؤلف: (فصل) مبتدأ درس اليوم.
طالب: () الخلع هو الطلاق؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: يعني الطلاق الآن، هو نوى الطلاق، لكن يظن الفسخ ().
الشيخ: بيجينا ().
قال المؤلف ﵀: (والخلعُ بلفظِ صريحِ الطلاقِ أو كنايتِهِ وقصدِهِ طلاقٌ بائنٌ، وإنْ وَقَعَ بلفظ الخلع أو الفسخ ) إلى آخره.
أفادنا المؤلف ﵀ في هذه العبارة أنَّ الخلع له صِيَغٌ؛ تارةً يقع بلفظ صريح الطلاق، وتارةً يقع بكناية الطلاق مع نيَّته، وتارةً يقع بلفظ الخلع بدون نيَّة الطلاق، وتارةً بلفظ الخلع بنيَّة الطلاق. هذه كم؟ أربع صور.
الصورة الأولى: قال (والخلعُ بلفظ صريح الطلاق) هذه واحدة.
الثانية: (أو كنايتِهِ وقصدِهِ) (قصده) يعني نيَّته، (طلاقٌ بائنٌ) (طلاقٌ) هذه خبر المبتدأ؛ خبر الخلع.
وأمَّا قوله: (بلفظ صريح) فهو جار ومجرور في موضع نصبٍ على الحال من كلمة (الخلع)، يعني: والخلعُ حالَ كونه بلفظ صريح الطلاق.
[ ١ / ٦٥٣٩ ]
إذَن إذا وقع بلفظ صريح الطلاق أو بكناية طلاقٍ مع النيَّة فهو طلاق؛ مثال ذلك: طُلِب من الزوج أن يطلِّق زوجته بألف ريال على أنه خلع، يخالع زوجتَه بألف ريال، فقال: طلَّقتُها بألف ريال، هذا ويش نسمِّيه؟ صريح الطلاق، يكون طلاقًا لأنه بلفظ صريح الطلاق، ولفظ صريح الطلاق طلاقٌ سواء كان فيه فداء أو لم يكن.
أمَّا كنايته فمثل أن يقول: خلَّيتُها بألف ريال؛ لأن التخلية عند الفقهاء من كنايات الطلاق، أو يقول: أبرأتُها، أو يقول: حررتُها، أو ما أشبه ذلك بألف ريال، وهو ناوٍ بهذا الطلاق، فماذا يكون؟ يكون طلاقًا.
وقوله: (وقصْدِهِ) مفهومه: إنْ لم يقصد الطلاق بكناية الطلاق فماذا يكون؟ يكون خلعًا.
وقوله: (طلاقٌ بائنٌ) (بائن) البينونة بمعنى الانفصال، والطلاق البائن على نوعين: بائنٌ بينونةً كبرى وهو الطلاق الثلاث، وبائنٌ بينونةً صغرى وهو الطلاق على عِوَض.
فإذا كان الرجل قد طلَّق زوجته مرتين سابقتين ثم طلَّقها الثالثة نقول: هذا الطلاق بائنٌ بينونةً كبرى؛ يعني ما تحلُّ له إلا بعد زوج، وإذا طلَّقها على عوض صار بائنًا بينونةً صغرى، فما معنى (بائن) إذَن؟ معناه أنه لا يحلُّ له أن يراجعها ولا تحلُّ بالمراجعة، لو راجَعَها ما حلَّتْ بالمراجعة؛ ووجْه ذلك أن بَذْلها للعوض افتداء، فقد اشترتْ نفسَها، فلو مكَّنَّا الزوج من المراجعة لم يكن لهذا الفداء فائدة، لكانتْ هي ومَن لم تبذل على حدٍّ سواء، فهذه المرأة التي بذلت العوض كأنها اشترتْ نفسَها من زوجها، فإذا قلنا: للزوج أن يراجع، فلا فائدة إذَنْ من الفداء، ولهذا نقول: إنه طلاقٌ بائنٌ لا يملك الرجعة فيه.
لكن هل يملك أن يتزوجها بعقدٍ جديدٍ؟
الجواب: نعم؛ لأن البينونة ليست كبرى، البينونة الصغرى لا يملك الرجعة لكنْ يملك العقد.
طالب: ().
الشيخ: البينونة الكبرى.
الطالب: ().
[ ١ / ٦٥٤٠ ]
الشيخ: لا، ما هو بشرط، لأن البينونة قسمان، المؤلف ما قسمها، المؤلف قصْده بالبينونة البينونة الصغرى، لكن قلنا تتميمًا للتقسيم بيَّنَّا أن البينونة كبرى وصغرى.
طالب: في أيِّ وقت يا شيخ؟
الشيخ: ويش اللي في أيِّ وقت؟
الطالب: البينونة الصغرى إذا راجعها؟
الشيخ: إذا عقد عليها بأيِّ وقت ولو في الحال.
وقوله: (طلاقٌ بائنٌ) اعلمْ أن الخلع ليس له بدعة؛ بمعنى أنه يجوز حتى في حال الحيض؛ لأنه ليس بطلاق، والله إنما أَمَر بالطلاق للعِدَّة مَن؟ المطلقة؛ ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُن﴾ [الطلاق: ١]، والخلع ليس بطلاق ولهذا يجوز أن يخالعها ولو كان عليها الحيض، ويجوز أن يخالعها ولو كان قد جامَعَها في الحال لأنه ليس بطلاق، واضح؟
طالب: ولو بلفظه.
الشيخ: نعم، ولو بلفظه؛ وذلك لأن فيه فداءً، ولأن أصل منْع الزوجة من التطليق في حال الحيض أو في حال الطُّهر الذي جامعها فيه لأن فيه إضرارًا بها لتطويل العِدَّة عليها، فإذا هي التي رضيتْ ذلك فقد أسقطتْ حقَّها.
قال: (طلاقٌ بائنٌ، وإنْ وَقَعَ بلفظ الخلعِ أو الفسْخِ أو الفداءِ ولم يَنْوِهِ طلاقًا كان فسْخًا لا ينقص عددَ الطلاق). هاتان الصورتان الأُخريان؛ إذا وقع بلفظ الخلع أو الفسخ أو الفداء وما أشبهه، هو ما نوى أنه طلاق، فهو فَسْخ، فإن نواه طلاقًا فهو طلاق.
وبهذا تمت الصور الأربعة: أن يكون بلفظ الطلاق، أن يكون بكنايته وقصده، أن يكون بلفظ الخلع بدون نيَّة الطلاق، أن يكون بلفظ الخلع بنيَّة الطلاق.
[ ١ / ٦٥٤١ ]
إذا وقع بلفظ الخلع كان فسخًا، وفائدة قولنا: إنه فسْخٌ، أنه لا ينقص عددَ الطلاق، ما يُحسَب عليه طلقة؛ فلو كان طلَّقها قبل ذلك مرتين ثم خالعها في الثالثة وأراد أن يتزوَّجها فلا حرج؛ لأنه ما طلَّق إلا مرتين، الخلع هذا لا يُحسَب عليه، ليس محسوبًا من الطلاق؛ الدليل قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] هذا فِداء، ثم قال بعد ذلك: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ غير اللي فيه الفداء، لو حُسِب الفداء لكان قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ طلقةً رابعةً، والمرأة تبين بالطلقة الثالثة بالنص والإجماع، وعلى هذا فنقول: إن الآية صريحةٌ في أن ما وقع فداءً فإنه ليس بطلاقٍ ولا يُحسب عليه.
ولكن المؤلف يقول: (إنْ وَقَعَ بلفظ الخلعِ أو الفسخِ أو الفداءِ كان فسخًا) يعني فإن وقع بغيرها بلفظ الطلاق فهو طلاقٌ كما سبق، وهذا الذي مشى عليه المؤلف هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وهو قولٌ وسطٌ بين قولين.
والقول الثاني: أنه طلاقٌ بكل حال، حتى لو وقع بلفظ الخلع أو الفسخ فهو طلاق.
والقول الثالث: أنه فسخٌ بكل حال ولو وقع بلفظ الطلاق، وهذا الأخير اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهو المنصوص عن أحمد وقول قدماء أصحابه، هكذا حكى عنه شيخ الإسلام أنه فسخٌ مطلقًا ولو وقع بلفظ الطلاق.
[ ١ / ٦٥٤٢ ]
وقال: إن الإمام أحمد نصَّ على أنه يقول بما قال ابن عباس ﵄، وابن عباسٍ يقول: كلُّ ما جازه المالُ -يعني: كل ما دخل فيه المال- فهو خلعٌ وليس بطلاق (١٢). وعلى هذا فلا عبرة باللفظ، العبرةُ بالمعنى، فما دامت المرأة قد بذلتْ هذا فداءً لنفسها فلا فرق بين أن يكون بلفظ الطلاق أو بلفظ الخلع أو بلفظ الفسخ، وهذا القول قريبٌ من الصواب أنه يكون فسخًا بكل حال.
لكنه ما زال يُشكل عندي قول الرسول ﵊ لثابت بن قيس: «اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» (٧) بهذا اللفظ «طَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً»، إلا أن الرواة اختلفوا في نقل هذا الحديث؛ فالحديث اللي فيه «طَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» كأن البخاري يميل إلى أنه مرسلٌ وليس متصلًا، وأمَّا الأحاديث الأخرى: «اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَفَارِقْهَا» بهذا اللفظ، فإذا تبيَّن أن الراجح من ألفاظ الحديث: «اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَفَارِقْهَا» (١٣) فلا شك أن الصواب قول ابن عباس ومَن تابعه، الذي هو نص الرواية عن أحمد وعليه قدماء أصحابه أنه فسخ بكل حالٍ ولو وقع بلفظ الطلاق.
أمَّا إذا صحَّت اللفظة: «اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا» فإنه واضحٌ أنه طلاق، ولا يمكن للإنسان أن يحيد عنه، وتُحمَل رواية: «فَارِقْهَا» على أن المراد: فارِقْها فراق طلاق.
فهِمْنا الآن كلام أهل العلم في هذه المسألة، للعلماء في هذه المسألة ثلاثة آراء:
الرأي الأول: أن الخلع طلاقٌ مطلقًا.
الرأي الثاني: أنه فسخٌ مطلقًا، وهذان الرأيان متقابلان، والقول بأنه طلاقٌ مطلقًا لا شك أنه ضعيف.
القول الثالث: أنه إن وقع بلفظ الخلع أو الفسخ أو الفداء فليس بطلاق، فهو خلع وليس بطلاق، وإنْ وقع بلفظ الطلاق أو نيَّته مع الكناية فإنه طلاقٌ، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد.
طالب: إذا تراجع؛ يعني ردَّ عليها الفداء وراجعها، هل تصح الرجعة؟
الشيخ: لا، ما تصح.
طالب: ولو رضِيتْ هي؟
[ ١ / ٦٥٤٣ ]
الشيخ: ولو رضِيتْ، يجعل الفدية الصداق ().
طالب: الفرق بين الفسخ والخلع؟
الشيخ: إن كان فسخًا يعني لا طلاقًا، يعني فسخًا.
الطالب: يعني الفسخ هو الخلع؟
الشيخ: هذا هو الحكم، لا، الخلع عبارة عن العقد اللي وقع بين الزوجين، والفسخ هذا نهايته وثمرته أنه فسخٌ وليس بطلاق.
طالب: ()؟
الشيخ: لا، الفسخ معناه ما لا يفسد من الطلاق ولا يُعتبر على الزوج سواء فسخه الحاكم أو غير الحاكم.
طالب: لو صح لفظ: «وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً»، هل الرسول () يطلقها () بينونة صغرى، فبماذا ()؟
الشيخ: ().
طالب: في آخر حديث ثابت بن قيس أن زوجته () وأنه ضربها فكسرها، فكيف أنه ضربها فكسرها وأنها قالت: ما أَعتِب عليه في خُلُق ولا دين؟
الشيخ: إن صحَّت اللفظة هذه فيُحمل على أنها فعلتْ ما يوجب ضربها؛ يعني هي أساءت فضربها، ولا يكون حينئذٍ يُعتَب عليه في خُلُق.
طالب: كيف يجيبون عن الآية من قالوا: إن لفظ الطلاق () يقع طلاقًا فقط، ()؟
الشيخ: هذا وجه الضعف في قولهم، ولهذا () القول هذا، ولا أجابوا عن الآية، والآية واضحة بأنه ليس بطلاق.
لعلهم يقولون إن قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ .. لكن ما لهم جواب، أن الآن ما أتصور أن لهم جوابًا، حتى لو قالوا: إذا وقع بلفظ الخلع فهو لا يُحسب من الطلاق، قلنا: إن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ يُحمل على قوله: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ على أنه ليس بلفظ الطلاق، لكن هم يقولون: مطْلَق.
يقول المؤلف: (كان فَسْخًا لا ينقص عددَ الطلاق).
والخلاصة الآن أظن المسألة تتضح لكم إن شاء الله: إذا خالَعَها فإنها تبين منه بينونةً صغرى؛ بمعنى أنها لا تحلُّ له برجعةٍ، لكن له أن يعقد عليها عقدًا جديدًا بما اتفقا عليه، لو يتفقون على ريال واحد ما فيه بأس.
[ ١ / ٦٥٤٤ ]
يقول ﵀: (ولا يَقَعُ بمعتدَّةٍ من خُلْعٍ طلاقٌ ولو واجَهَهَا به). المختلعة تقدَّم أنها تبين وعليها العدَّة، ولهذا قال: (ولا يَقَعُ بمعتدَّةٍ من خُلْعٍ)، فأفاد المؤلف ﵀ أن الخلع يوجب العِدَّة لقوله: (ولا يقعُ بمعتدَّةٍ من خُلْعٍ)، وعلى هذا فيجب عليها أن تعتدَّ كما تعتدُّ المطلَّقة تمامًا؛ إن كانت تحيض فبثلاث حِيَض، إن لم تكن من ذوات الحيض فبثلاثة أشهر، إن كانت حاملًا فبوضع الحمل، المهم أنها تعتدُّ كما تعتدُّ المطلَّقة تمامًا.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن المختلعة لا تعتدُّ، وإنما تُستَبرأ، وهذا القول هو الصحيح أن ما عليها عدَّة، وإنما عليها استبراء، فإذا حاضت مرَّةً واحدةً انتهت عدَّتها؛ لأن ظاهر القرآن أن العدَّة إنما هي على المطلَّقات؛ ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ومعلومٌ أن البائن ليس لبعلها حقٌّ في الرجوع، فدلَّت الآية على أن التي يلزمها ثلاثة قروء إنما هي المطلَّقة، وهذا هو الذي صح عن أمير المؤمنين عثمان ﵁.
[ ١ / ٦٥٤٥ ]
ولا يَقَعُ بِمُعْتَدَّةٍ من خُلْعٍ طلاقٌ ولو وَاجَهَها به ولا يَصِحُّ شرطُ الرَّجْعَةِ فيه، وإن خالَعَها بغيرِ عِوَضٍ أو بِمُحَرَّمٍ لم يَصِحَّ، ويَقَعُ الطلاقُ رَجْعِيًّا إن كان بلَفْظِ الطلاقِ أو نِيَّتِه، وما صَحَّ مَهْرًا صَحَّ الْخُلْعُ به، ويُكْرَهُ بأكثرَ مما أَعْطَاهَا، وإن خَالَعَتْ حاملٌ بنفقةِ عِدَّتِها صَحَّ ويَصِحُّ بالمجهولِ، فإن خالَعَتْهُ على حَمْلِ شَجرَتِها أو أَمَتِها أو ما في يَدِها أو بيتِها من دِرهمٍ أو مَتاعٍ أو على عبدٍ صَحَّ، وله مع عَدَمِ الحمْلِ والمتاعِ والعبدِ أقلُّ مُسمَّاه، ومع عَدَمِ الدراهمِ ثلاثةٌ.
(فصلٌ)
وإذا قالَ: متى أو إذا أو إن أَعْطَيْتِنِي أَلْفًا فأَنْتِ طالِقٌ طَلُقَتْ بعَطِيَّتِه وإن تَرَاخَى، وإن قالت: اخْلَعْنِي على أَلْفٍ أو بأَلْفٍ أو ولك ألْفٌ ففَعَلَ بانَتْ واسْتَحَقَّها،
بانَتْ واسْتَحَقَّها، وطَلِّقْنِي واحدةً بأَلْفٍ فطَلَّقَها ثلاثًا اسْتَحَقَّها، وعَكْسُه بعَكْسِه، إلا في واحدةٍ بَقِيَتْ، وليس للأبِ خُلْعُ زوجةِ ابنِه الصغيرِ ولا طَلاقُها
هذا اللازم أُجيب عنه بأحدِ جوابين؛ إما بالالتزام، أقول: إذا قلتم: إن المختلعة لا يجب عليها إلا استبراء فقط، ما عليها عدة، وعللتم ذلك بأنها بانت من زوجها، تقول إذن: إذا طُلِّقت ثلاثًا ما عليها إلا استبراء؛ لأن الزوج لا يملك الرجعة.
فالجواب على ذلك بأحد وجهين: إما بالتسليم، وإما بإيجاد فرق. فرْق بالقاف، أما التسليم فأن نقول: نعم، المطلقة ثلاثًا لا يجب عليها ثلاثة قروء، المطلقة ثلاثًا لا يجب عليها إلا استبراء فقط، والآية ظاهرة في ذلك؛ لقوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨].
[ ١ / ٦٥٤٦ ]
عندنا الآن عموم في أول الآية، عموم في أولها وخصوص في آخرها، فإن رددنا آخرها على أولها صار المراد بالعموم المطلقات أو الرجعيات؛ لأن الله قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ والبائن بالثلاث ما هو ببعل لها، انتهى منها، وانتهت منه.
وقال: ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾، والبائن بالثلاث ليس له حق الرجعة عليها، فحينئذٍ تكون المطلقة ثلاثًا لا يلزمها إلا استبراء، حيضة واحدة، إن كانت من ذوات الحيض، أو شهر واحد إن كانت ممن لا يحيض، أو بوضع الحمل، ووضع الحمل ما فيه إشكال؛ لأنه تتفق فيه كل العدد، ولهذا يسمون الحامل عدتها أم العدات. أنتم فاهمين الموضوع؟ ويش نسمي هذا؟ نسمي هذا (تسليم)، نقول: نعم، نُسلِّم ما نجادلكم في هذا، هم قالوا: المطلقة ثلاثًا لا يجب عليها إلا استبراء فقط.
أو نقول بالفرق، فما هو الفرْق؟ الفرق أن بعضهم حكى إجماع أهل العلم على أن المطلقة ثلاثًا يلزمها ثلاثة قروء، وهذا فرق ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: فرق؛ لأن المختلعة فيها خلاف حتى عن الصحابة، عثمان يرى أنها تُستبرأ، وهذه حكى بعضهم، بعض العلماء الإجماع على أن المطلقة -ولو بالثلاث- يلزمها ثلاثة قروء، وحينئذٍ ما دمنا أوجدنا الفرق فالإلزام يثبت ولَّا ما يثبت؟
طالب: يثبت.
الشيخ: لا يا أخي، ما يثبت الإلزام؛ لأن جبنا الفرق؟ ولهذا قال شيخ الإسلام ﵀: إن كان أحد قال بأن المطلقة ثلاثًا لا يلزمها إلا حيضة واحدة استبراءً فهذا هو الحق.
وقال صاحب الاختيارات: إنه قد نُقل عن ابن اللبان القول بذلك. وعلى هذا فيكون شيخ الإسلام قوله مُعلَّقًا بعدم وجود الإجماع، فإذا وُجد مخالف فإن شيخ الإسلام مقتضى تعليقه أن يكون قوله يعني: المطلقة ثلاثًا تُستبرأ فقط، عرفتم ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
[ ١ / ٦٥٤٧ ]
الشيخ: زين، ثم قلنا في باب التسليم: إننا نريد أن نرد آخر الآية على أولها، وأظن أنه قد سبق لنا قاعدة تذكرونها ولَّا لا؟ هل يُرد آخر الحديث على أوله بحيث يخصص عمومه، أو يبقى العموم على عمومه وتكون تلك فردًا من أفراد العموم؟
طالب: ().
الشيخ: مثلنا في حديث طلب الشفعة يكون لمن؟ «فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ». فمن قال: إنه لا شفعة إلا في الأراضي قال: لأن الرسول ﵊ يقول: «فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ» (١) وغير الأراضي ما فيها تسليم طرق ولا حدود.
ومن قال بالعموم وقال: إن هذا الأخير يُحمل على الحالة الخاصة التي تنفرد بها الأراضي، مع أنه قد يفرق بين الآية وبين الحديث في الحقيقة لمن تأمل، يمكن يفرق بينهما.
طالب: يا شيخ، () فإن طلقها تابعة ولم يذكر أنه رجعة لها، ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] لكن بعد ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
الشيخ: ويش يدل عليه؟
طالب: ما يدل على أن المطلقة البائن البينونة الكبرى كالمطلقة الرجعية.
الشيخ: يا سلام! ! الظاهر هو العكس.
الطالب: لأنه مثلًا في مواضع، لكن الآيات متتابعة.
الشيخ: طيب، فإن طلقها ()؟
الطالب: لا، بعد.
الشيخ: بعدها؟
الطالب: بعدها.
الشيخ: وإن طلقها إذا كان المراد بما سبق البينونة فلا محل للطلاق في قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾.
طالب: ()؛ لذلك يطلق الرجع بعد أن أطلق العموم هذا ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
الشيخ: الحين المطلقات في فرق بين إن طلقها قبل ولَّا بعدها؟
طالب: قبلها.
الشيخ: قبلها، زين، إذن المطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء فإن طلقها، فدل على أنها السابقة رجعيَّة.
[ ١ / ٦٥٤٨ ]
طالب: () إحنا لا نسلم له أن نقول: هناك فرق، أيضًا عدم وجوب، كما يقول إجماع في المطلقة البائن الكبرى المطلقة ثلاثًا، أيضًا وجوب إجماع عليه في الوقت.
طالب آخر: كما حكى الإجماع أن المطلقة البائنة طلاقًا بائنًا الكبرى، الطلاق البائن أن عليها ثلاثة قروء.
الشيخ: والخلع؟
طالب: كذلك.
الشيخ: إن الخلع كذلك.
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، ما فيه شك. ما يلزمنا متى أطلق الأصل، الأصل أن البائن لا يلزمها عدة بثلاثة قروء؛ لأن الحكمة من تمديد ذلك هو أن الزوج يكون في فسحة للمراجعة، والبائن ما له فسحة في المراجعة إطلاقًا، فمقتضى النظر أن من لا رجعة عليها لا تعتد إلا بحياته، هذا مقتضى النظر.
تُركت المطلقة ثلاثًا؛ لأنه خلاف الإجماع، فذاك الفصل فيه خلاف قوي عن الصحابة، فأخذنا بما يقتضيه النظر هذا الفرق.
طالب: يا شيخ، ممكن أن نوجد فرقًا آخر، ونقول: الفرق بين المختلعة والفرق بين المطلقة البائن أن الطلاق حق للزوج، ولهذا يجب النكوص عنه وهو لم يدخل بها.
الشيخ: أو أن العدة تسقط.
طالب: أو نعطيها العدة حق للزوج، ونستغني عن الزوجة.
الشيخ: ما يمكن هذا؛ لأن لو قلنا بهذا، ونزلنا بالبائن من الطلاق الثلاث.
الطالب: البائن ثلاث حياض.
الشيخ: بثلاث حياض، تريد أنها تبين بثلاث حياض؟
طالب: لا، البائن.
طالب آخر: حقًّا للزوج.
الشيخ: البائن بأيش؟
الطالب: طُلقت ثلاثًا، ثلاث مرات، ما هي بتعتد؟
الشيخ: فيها ثلاثة، ما هي طلقت ثلاثًا، فيه أن العلماء نقلوا الإجماع على أنها تعتد بثلاثة قروء.
الطالب: مو صحيح، لا، حقًّا للزوج.
الشيخ: بس الزوج ما له حق الآن، حقه أيش؟
طالب: حقه في أنه ().
الشيخ: يعني قوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ يدل على أن الحكمة من تمديد المدة تمكين الزوج من المراجعة.
طالب: طيب، المتوفى عنها زوجها، لماذا تمد ()؟
[ ١ / ٦٥٤٩ ]
الشيخ: المتوفى عنها زوجها، ما العلة هذه، العلة احترام حق الزوج من حيث العموم؛ يعني الزوج ما فارق باختياره الآن.
() ولا يقع المعتدة من خلع. انتهينا من كلام العدة بالنسبة للمخالعة، والصحيح أنها لا تعتد، وإنما تستبرأ بالحيضة، فإذا عُلم براءة رحمها في هذه الحيضة جاز لها أن تتزوج.
قال: (لا يقع) منها (طلاق ولو واجهها به)؛ يعني حتى لو قال: أنتِ طالق، فإنه لا يقع الطلاق، ووجه ذلك أنها بالبينونة صارت غير زوجة، والطلاق إنما يكون للزوجة، هذا وجه الحكم من النظر، أما الآخر فعندي فهو عن ابن عباس وابن الزبير، ولم يُعلم لهما مخالف، ويكون هذا الدليل قول الصحابة والتعليل أن طلاق المختلعة ما يقع، مثل: أن يأتي لزوجته وهي في عدتها من الخلع أو في استبرائها من الخلع، ويقول لها: أنتِ طالق، فإنه لا يقع الطلاق ليس بشيء ().
***
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
قول البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه في كتاب الطلاق، باب الخلع:
عن ابن عباس ﵄ قال: إن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: «أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ»، قالت: نعم. قال رسول الله ﷺ: «اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» (٢). قال أبو عبد الله: لا يتابع فيه عن ابن عباس. انتهى.
قوله: لا يتابع فيه عن ابن عباس عمل ذلك شيخه أزهر بن جميل كما بينه في الفتح، وهذا الحديث رواه البخاري رحمه الله تعالى عن شيخه أزهر بن جميل، وساق السند متصلًا إلى ابن عباس، ثم أعقبه بقوله: حدثنا إسحاق الواسطي، قال: حدثنا خالد، عن خالد الحذاء، عن عكرمة ..
الشيخ: حدثنا خالد عن خالد؟
طالب: نعم، خالد الواسطي ().
[ ١ / ٦٥٥٠ ]
الطالب: قال: حدثنا إسحاق الواسطي، قال: حدثنا خالد، عن خالد الحذاء، عن عكرمة: أن أخت عبد الله بن أُبيٍّ بهذا، وقال: «تَرُدِّينَ حَدِيقَتَهُ؟» (٣) قالت: نعم. فردتها، وأمره أن يطلقها. وقال إبراهيم بن طهمان، عن خالد، عن عكرمة، عن النبي ﷺ. انتهى.
وعقب محمود العيني -﵀- في عمدة القاري الجزء العشرون ص ٢٦٤ على هذا الطريق قائلًا: ذكر هذا تأييدًا لقوله: لا يتابع فيه عن ابن عباس، أراد أنه عن عكرمة فقط. انتهى.
وهذا الحديث رواه النسائي (٤)، وأبو داود (٥)، وأحمد في مسنده (٦)، وابن ماجه (٧)، والبيهقي (٨)، وابن الجارود (٩)، والدارقطني (١٠)، فهؤلاء ثمانية، ولفظ: «اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» لم يروه من هؤلاء الثمانية رحمهم الله تعالى إلا البخاري والنسائي والبيهقي، كله من طريق أزهر بن جميل، فالطريق واحد، وأما اللفظ عند أحمد من حديث سهل بن أبي حثمة قال رسول الله ﷺ: «أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ الَّتِي أَصْدَقَكِ؟» (١١). قالت: نعم. فأرسل إليه فردت عليه حديقته، وفرَّق بينهما. المجلد الرابع، الصفحة الثالثة، انتهى.
وعند ابن ماجه: فقال لها النبي ﷺ: «أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟» (١٢). قالت: نعم. فأمره رسول الله ﷺ أن يأخذ منها حديقته ولا يزداد (١٣).
وفي رواية: فردت عليه حديقته، ففرق بينهما رسول الله ﷺ (١٤)، وعند أبي داود من حديث عائشة ﵂: «خُذْ بَعْضَ مَالِهَا وَفَارِقْهَا» (١٥)، وعند ابن الجارود: فأمرها النبي .. (٩)
الشيخ: أو مَا لَهَا.
الطالب: خذ بعض ..
الشيخ: مَالِهَا ولا مَا لَهَا؟
الطالب: ما فيه شك.
الشيخ: ما فيه شك، الظاهر أن مَا لَهَا أقرب؛ بعض ما لَها يعني بعض الذي لها يعني وهو المهر.
الطالب: يعني ليس من مالها.
[ ١ / ٦٥٥١ ]
الشيخ: ليس المال كله على أنه ثبت في الراوية: «مَالِها» فالمراد مالها الذي أعطيتها. (مَا لَهَا) أحسن.
الطالب: «خُذْ بَعْضَ مَا لَهَا وَفَارِقْهَا» (١٦) هذه رواية أبي داود، وعند ابن الجارود: فأمرها النبي ﷺ أن ترد عليه حديقته، وفرَّق بينهما (٩).
وبمراجعة الأسانيد تبين أنها ذات شقين؛ الأول: من طريق أزهر بن جميل متصلًا إلى ابن عباس وفيه: «خُذِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» (١٧)، والثاني: من طرق متعددة بلفظ: «أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟» قالت: نعم. فأمره بفراقها، أو بمعنى هذا اللفظ.
وأسانيد الشق الثاني هذا متعددة عن ابن عباس وغيره، وهي سبعة طرق:
أولًا: رواه البخاري عن شيخه محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي متصلًا عن ابن عباس، ومحمد هذا ثقة حافظ كما في التقريب.
ثانيًا ..
الشيخ: بلفظ؟
الطالب: باللفظ الثاني؛ لأنه قلنا: شق أول من طريق أزهر فيه الزيادة، هذا بالنسبة للأسانيد.
الشيخ: بلفظ: «طَلِّقْهَا».
الطالب: بلفظ: «خُذِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً». هذا الشق الأول.
الشق الثاني سبع طرق.
الشيخ: سبع طرق بلفظ: «فَارِقْهَا».
الطالب: بلفظ «فَارِقْهَا» أو فيما معناه.
الشيخ: ما هذا المهم، المهم الفراق أو الطلاق.
الطالب: لا «فَارِقْهَا» ما فيه الطلاق، كل الطرق السبع ما فيها طلاق إطلاقًا، «فَارِقْهَا» أو كذا، أو ..
الشيخ: إي، زين ما يخالف ()؟
الطالب: ().
طالب آخر: ثانيًا: رواه أيضًا عن شيخه سليمان، وهو ابن حرب، قال: حدثنا حماد، عن أيوب، عن عكرمة مرسلًا، وسليمان ثقة إمام حافظ.
وفي سنن ابن ماجه رواه عن شيخه أزهر بن مروان متصلًا عن ابن عباس، قال في التقريب: صدوق.
[ ١ / ٦٥٥٢ ]
رابعًا: عند ابن الجارود رواه عن شيخه عباس بن محمد الدوري متصلًا إلى ابن عباس، وعباس هذا ثقة حافظ، فهذه ثلاثة طرق صحيحة عن ابن عباس ليس فيها: «خُذِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» (١٧)، والآخر مرسلًا.
خامسًا: في المسند رواه الإمام أحمد، عن سفيان، وهو ابن عيينة، متصلًا إلى سهل بن أبي حثمة دون اللفظ المذكور، وسفيان ناهيك به، فهو ثقة، حافظٌ، فقيه، إمامٌ، حجة، كما في التقريب.
سادسًا وسابعًا: رواه أبو داود من طريقين دون الزيادة، فمرة رواه من طريق شيخه عبد الله بن مسلمة القعنبي، وهو ثقة عابد، متصلًا إلى حبيبة بنت سهل، ومرة عن شيخه محمد بن معمر متصلًا إلى عائشة ﵂، ومحمد بن معمر صدوق.
وتحرير المقال بالنسبة للأسانيد أن الزيادة جاءت من طريق واحد؛ وهو أزهر بن جميل، وقد تفرد بها، وقال عنه في التقريب: صدوق يغرب، وعدم الزيادة.
الشيخ: صدوق يغرب؟
الطالب: نعم. وثَّقه النسائي، مرة قال: صدوق، ووثقه ابن حبان ..
الشيخ: ().
الطالب: إي نعم، وعدم الزيادة جاء من سبعة طرق، خمسة منهم أئمة حُفَّاظ واثنان صدوقان، ومن ناحية ثانية فقد ذكر ابن حزم رحمه الله تعالى في كتابه المحلَّى، الجزء العاشر الصفحة ٢٣٧ في كتاب الخلع من كتاب الطلاق، ذكر هذا الحديث بطريقيه، فعندما ذكر الحديث بعدم الزيادة ذكر معه قول ابن عباس، ومن ذهب مذهبه إلى أن الخلع ليس بطلاق، وقال بعد ذلك -يعني ابن حزم-: فهذا يبين أن الخلع ليس طلاقًا لكنه فسخٌ، ثم ذكر بعد ذلك طريق أزهر بن جميل بالزيادة المذكورة، وقال ما نصه: فكان هذا الخبر فيه زيادة على الخبرين المذكورين، والزيادة لا يجوز تركها، وإذ هو طلاقٌ فقد ذكر الله ﷿ عدة الطلاق، فهو زائد على ما في حديث الربيع، والزيادة لا يجوز تركها، وبالله تعالى التوفيق. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وفي خلاصة الكلام مسائل:
[ ١ / ٦٥٥٣ ]
أولًا: أن ابن عباس يقول: إن الخلع ليس بطلاق، وقد روى عنه أزهر بن جميل، أن النبي ﷺ قال: «خُذِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» (١٧)، فقد خالف قول ابن عباس ما روي عنه مرفوعًا إلى النبي ﷺ، والسؤال: هل يمكن أن ابن عباس يخالف مفهوم قول النبي ﷺ ويقدم رأيه؟
الشيخ: هذا الجواب عليه: نعم، يمكن؛ والعِبرة بما روى لا بما رأى.
الطالب: هو الذي يروي.
الشيخ: إي، هو الذي يروي، لكن قد يكون له قوله وهناك مثلًا شبهة أو معارضة في أخرى، إنما كما قال أهل العلم واتفقوا عليه؛ أن العبرة بما روى لا بما رأى، لكن الصحيح أنه إذا جاء من طرق أخرى قد يؤيد شهود هذه الطريق، أما إذا نمى أنه هناك طريق مخالفة فالعبرة بما روى لا بما رأى.
الطالب: ثانيًا: أن البخاري رحمه الله تعالى أشار بالطريق الذي أعقبه طريق أزهر أنها مرسلة عن عكرمة، كما بيَّنه العيني وذكرناه آنفًا، وأكد ذلك البخاري بقوله: لا يُتابَع فيه عن ابن عباس.
ثالثًا: أنَّ الطرق السبعة التي لم تذكر الزيادة كل الرواة الذين في طبقة أزهر، خمسة منهم أئمة واثنان صدوقان، وأزهر بن جميل صدوقٌ يُغرِب، فما حكم هذه الزيادة بعد هذا القيل؟ انتهى.
الشيخ: يُرجَّح أنها زائدة، هذا البحث يترتب عليه حكم عظيم ().
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. هل نناقش الفصل؟
طالب: نعم.
الشيخ: () المعتدة هل يقع الطلاق على المخالعة؟
طالب: طلق المخالَعة؟
الشيخ: إي، رجل خالع زوجته وهي الآن في العدة، ثم طلقها في العدة.
طالب آخر: استبرئ.
الشيخ: إي نعم، () طلَّقها.
الطالب: هذه المخالعة؟
الشيخ: إي نعم، هل يقع عليها الطلاق ولَّا ما يقع؟
طالب: يقع.
الشيخ: يقع عليها؟
طالب آخر: لا يقع عليها.
الشيخ: لا يقع؟
الطالب: لأنها ليست زوجة.
[ ١ / ٦٥٥٤ ]
الشيخ: إي نعم، وهذا ما قاله المؤلف، نفس المؤلف يقوله: وقال: (لا يقع بمعتدة من خلعٍ طلاق ولو واجهها به)، فلو أنه مثلًا أتى إلى زوجته المخالعة وقال لها: أنتِ طالق؛ فإن الطلاق لا يقع؛ وذلك لأنها الآن أجنبية منه، لا تحل له مراجعتها، فإذا كانت أجنبية فإنه لا يقع عليها الطلاق، ثم إن الطلاق لا يقع إلا على امرأة في عصمة الزوج، وهي الآن ليست في عصمته؛ لأنها افتدت نفسها منه، وهذا هو القول الصحيح.
وقوله: (ولو واجهها به) بأن يقول: أنتِ طالق، هذه المواجهة، وضد المواجهة أن يقول: فلانة طالقة. هذه ما واجهها، ويقع الطلاق ولو غير مواجهة في غير المخالعة، يعني: في زوجة في عصمته، لو طلقها بدون مواجهة، فقال: زوجتي فلانة طالق، تطلق؟ نعم، وكذلك أيضًا لو قال على سبيل التعميم: كل زوجاتي طوالق، فإن المختلعة التي في عدتها لا يقع عليها الطلاق، فصار عندنا ضد المواجهة صورتان:
الصورة الأولى: التعميم.
والصورة الثانية: التعيين بالاسم. والمواجهة معروفة، التعميم أيش لون؟ كل زوجاتي طوالق. التعميم بالاسم: زوجتي فلانة طالق، والمواجهة: أنتِ طالق. وهذا إشارة خلاف؛ لأن بعض أهل العلم يقول: إنه إذا واجهها، أي: المخالعة في الطلاق فإنها تطلق؛ ولكنه قول لا دليل عليه، لا من أثر، ولا من نظر، هم يقولون: لأنها إلى الآن لها تعلُّق به من جهة الاعتداد، أو الاستبراء على الخلاف، ولكن يقال: هذا لا يعني أنها زوجته، فهي ليست بزوجة له، حتى وإن كانت في عدته.
قال: (ولا يصح شرط الرجعة فيه) أي: في الخلع، أيش شرط الرجعة؟ بأن قال: أنا أخالعك، لكن لي أن أرجع في الخلع، فأعطيكِ العِوض وأراجعكِ. هذا معنى المراجعة، وأنتم عرفتم أن الرجل إذا خالع زوجته وسلَّمته العِوَض، وقال: خالعتكِ على هذا العِوض؛ انقطعت الصلة بينهما؛ لأن هذا افتداء، فلا يمكن أن يرجع عليها إلا بعقد جديد ورضا.
[ ١ / ٦٥٥٥ ]
لكن لو أنه عند عقد الخلع اتفقوا على أن له أن يرجع في الخلع، وكيف يرجع؟ بأن يرد العوض ليملك الرجعة، هذا شرط الرجعة فيه، يرد العوض من أجل أن يملك الرجعة.
مثاله: خالعها بألف ريال وسلمته ألف ريال، وقال: خالعتُكِ على هذا الألف، انتهت؛ لكنه اشترط قال: شرط إن بدا لي أني أهون فإني أرد العِوَض وأراجعك، يقول المؤلف: إن شرْط الرجعة فيه غير صحيح. لا يصح شرط الرجعة فيه. والخلع يصح ولَّا ما يصح؟ يصح. وهنا سؤال: لماذا صح الخلع ولماذا بطل الشرط؟
يقولون: إنه بطل الشرط؛ لأنه ينافي مقصود الخلع؛ إذ إن مقصود الخلع هو التخلص من هذا الزوج، فإذا شرط أن له أن يرجع، ثم يملك الرجعة فإن هذا المقصود يفوت الزوجة؛ لأنه متى شاء رد الدراهم التي سلمته، ثم رجع، فيكون هذا منافيًا لمقصود العقد فيبطل الشرط.
ويصح الخلع؛ لأنه -أي هذا الشرط- لا يعود إلى صلب العقد، فهو ما يتضمن جهالة، ولا يتضمن وقوعًا في مُحرَّم، غاية ما هنالك أنه شرط فاسد أُلغي، كما ألغى النبي ﵊ شرط أهل بريرة، أن يكون الولاء لهم، وصحح العقد؛ فالشرط الفاسد يفسد، والعقد ما دام لا يوجد ما يُنافي أصل العقد فإنه يبقى صحيحًا.
وهذا له نظائر كثيرة مرت علينا في الشروط في النكاح، ومرت علينا في الشروط في البيع، ولَّا لا؟ ومرت علينا في الشروط في الرهن، وفي الشروط في الوقف، أن هناك شروطًا فاسدة تفسد بنفسها ولا تفسد العقد.
وقال بعض العلماء في هذه المسألة، وأنا بسألكم قبل هل إنكم تحبون أن نذكر الخلاف ولا ندعه؟
طلبة: ().
طالب: ندعه يا شيخ.
[ ١ / ٦٥٥٦ ]
الشيخ: الخلاف أنا عندي أنه زين؛ لأنه يمرن الطالب على الترجيح وفهم المعاني؛ فالقول الثاني في المسألة: أن الخلع لا يصح؛ لأن هذا الشرط يبطل المقصود من أصله؛ إذ إنه يجعل الخلع اللازم يجعله جائزًا متى ما شاء أبطله، فهو كما لو وقَّف شيئًا واشترط أن يبيعه متى شاء، فإن المشهور من المذهب أن هذا الشرط يُبطل الوقف، ويكون الوقف غير صحيح، وفيه خلاف؛ لكن ما إحنا بعايزينه للوقف.
وفيه قول ثالث لصحة الشرط والخلع، عكس القول الثاني، وقال: إن هذا الشرط ما دام ثبت باختيارهما، ولا أُكره عليه، فالأصل في الشروط أيش؟ الصحة، الأصل فيها الصحة، وكل ما في مقتضى الخلع هو ما فيه صحيح، لكنه الخلع من حقها هي، ألا يرجع عليها زوجها، فإذا رضيت بإسقاطه فإن لها الحق أن تُسقط؛ لكن المذهب في هذه المسألة هو أقرب الأقوال؛ لأنها قد تغتر عند عقد الخلع، وتوافق على هذا الشرط، ثم بعد ذلك تندم. وتقول: ليتني ما وافقت، الحمد لله اللي فكني منه، أروح أخلي ()، فالصحيح المذهب في هذه المسالة أن الشرط فاسد، وأن الخلع صحيح.
وأما من قالوا: إن الخلع لا يصح، وأنه يجب عليه أن يرد عليها ما أخذ منها، وله أن يراجعها فلا وجه له؛ لأن العقد وقع باتفاقهما وبرضاهما، والصواب في هذه المسألة ما مشى عليه المؤلف: أن الشرط فاسد.
لكن لو رد إليها العِوض بدون شرط على أن يرجع إليها، هل يجوز ولَّا ما يجوز؟
طلبة: لا يجوز إلا بعقد.
الشيخ: هو إذا جاز بعقد صار ما جاز، لكن أيضًا بعض العلماء يقول: إذا فعل هذا بدون شرط وأراد أن يفسخه فلا حرج، لكن القول الثاني في المسألة الأخيرة هذه: أنه إذا كان باختيارهما فلا حرج، مثل: أن يشترط الخيار فيه؛ فالصحيح جوازه يشترط الخيار، ولا أدري لعلها دخلت عليكم مسألة في مسألة؟ أقول: أنا أخشى إن دخل عليكم مسألة في مسألة.
المسالة الأولى: شرط الرجعة فيه، كم هي من قول؟
طلبة: ثلاثة أقوال.
[ ١ / ٦٥٥٧ ]
الشيخ: ثلاثة أقوال: بطلان الشرط والخلع، وبطلان الشرط دون الخلع، وصحة الشرط والخلع، والصحيح أنه يبطل الشرط، ويصح الخلع، وهو المذهب.
فيه مسألة ثانية غير هذه، وهي: إذا شرطا -أي الزوجان- الخيار، بأن قال: لنا الخيار في الخلع، بمعنى: إن بقينا حتى انتهت العدة أو الاستبراء انتهى الأمر، وإن شاء أحدنا أن يرجع فله الخيار، ويرد العوض، وينتهي الخلع، يرد العِوض ولا يسري شيء. هذه المسألة فيها خلاف، المذهب أنه لا يصح شرط الخيار فيه؛ لأنه ليس عقد معاوضة محضة، ولو كان عقد معاوضة محضة لصح فيه الشرط، شرط الخيار كالبيع، البيع ما هو بيصح فيه شرط الخيار؟
لو اشتريت منك مثلًا سيارة، وأعطيتك قيمتها عشرة آلاف ريال وقلت: ترى منى الخيار لمدة أسبوع، ما هو بيجوز؟ ومن هوَّن منا فله ذلك؛ لكن الخلع لو فعلنا هذا، واتفقت المرأة والزوج على أن تخالعه بألف ريال على أن لكلٍّ منها الخيار لمدة أسبوع، فهل يصح هذا أو لا يصح؟ المذهب أنه لا يصح، ويجعلون ذلك مثل شرط الرجعة.
والقول الثاني: أنه يصح لهما شرط الخيار، وإذا اختار أحدهما الرجوع فإنه يرجع؛ سواءٌ هي أو هو؛ يعني هو له أن يقول: خذي دراهم طالما ألغينا الخلع، أو الزوجة تقول للزوج: أنا ألغيت الخلع وأعطني دراهم. هذا معنى شرط الخيار، وهذا أيضًا فيه قولان لأهل العلم؛ ولكن الذي يظهر أنه يصح الشرط، لأن هنا ليست كالمسألة الأولى، الرجعة في المسألة الأولى لمن؟
طلبة: للزوج.
الشيخ: للزوج، أما هذا الخيار لهما جميعًا، فلكل منهما أن يختار مع أنه قد يقول قائل: إذا اختار الزوج فإن الزوجة تُجبر على موافقته ولَّا لا؟ وحينئذٍ نعود إلى أنه كشرط الرجعة تمامًا، إلا أن الرجعة من جانبٍ واحد وهذا من جانبين. والله أعلم، لكن فيه خلاف.
طالب: ().
الشيخ: إذا اشترطت الخيار هي فهو أهون.
الطالب: لو اتفقا بعد ذلك بدون شرط، في مدة الاستبراء أو بعدها؟
[ ١ / ٦٥٥٨ ]
الشيخ: إي، فيه خلاف بين أهل العلم، بعضهم يقول: ما يخالف، إذا رد عليه العِوَض ما صار شيء، والمذهب يقول: لا.
الطالب: ولو بعد الاستبراء والعدة؟
الشيخ: لا، إذا انتهت علاقته بها ما يمكن.
الطالب: وعن الاستبراء؟
الشيخ: وإن انتهى الاستبراء ما يمكن.
الطالب: نقول: الاستبراء ليس بعدة.
الشيخ: إي، لكن العلاقة باقية؛ ولهذا ما يحل أن تتزوج بغيره، فعلاقته معها باقية؛ لكن بدلًا من هذا كله نسلك شيئًا لا خلاف فيه، وهو العقد، يقول: بدل من أني أعطيها الدراهم ونلغي الخلع، أو نقع في أشياء مشتبهة، نقول: هذه الدراهم ألف ريال مهرًا لكِ، ويعقد من جديد.
طالب: يعقد عليها زوجة، والاستبراء لا علاقة به؟
الشيخ: لا، يعقد عليها، سواء قلنا بالاستبراء أو بالعدة كله واحد؛ لأنها هي الآن بائنة.
طالب: بالنسبة للخلع إذا طلقها مثلًا تطليقتين، ثم خالعها، ثم عقد عليها من جديد، هل التطلقتان يحسبان عليه؟
الشيخ: إي، يحسبان عليه.
الطالب: يحسبان عليه؟
الشيخ: يحسبان عليه.
الطالب: يعني إذا طلقها ثالثًا تأخذ عليه ()؟
الشيخ: نعم. طيب لو خالعها عدة مرات، خالعها أربع مرات تحرم عليه؟
طالب: لا، ليس بطلاق.
الشيخ: ليس بطلاق، صح.
يقول المؤلف ﵀: (وإن خالعها بغير عوض) (لم يصح) إن خالعها بغير عوض فإنه لا يصح؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فإذا خالعها على غير عِوض فأين الفداء؟ ! لا فداء، وهذا هو المذهب أيضًا.
وقال شيخ الإسلام: يصح أن يخالعها على غير عِوض، وعلل ذلك بأمرين:
أحدهما: أن العوض حق لمن؟ للزوج، فإذا أسقطه باختياره فلا حرج، كغيره من الحقوق.
الثاني: أن الحقيقة أنه إذا خالعها فإنه يخالعها على عِوض؛ لأنها هي تُسقط حقها من الإنفاق؛ لأنه لو كان الطلاق رجعيًّا لكانت النفقة مدة العدة على مَنْ؟
طلبة: على الزوج.
[ ١ / ٦٥٥٩ ]
الشيخ: على الزوج، فإذا خالعته فلا نفقة عليه، فكأنها بذلت له عِوضًا، فهي قد أسقطت الحق الذي لها من النفقة على الزوج، وهو قد أسقط الحق الذي له من الرجعة؛ فالرجعة حق للزوج، والنفقة مدة العدة حق للزوجة، فإذا رضيا بإسقاطهما في الخلع فلا مانع. هكذا يقول شيخ الإسلام ﵀.
ويجيب عن الاستدلال بالآية: بأن الغالب أن الزوج لا يفارق زوجته إلا بعِوض، ولهذا قال الله ﷿: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وما قاله الشيخ ﵀ فهو جيد؛ لأنه في الحقيقة خلع على عِوض، ويش هو العِوض الذي حصل للزوج؟ سقوط النفقة عنه؛ لأنه لو طلقها في هذه الحال لكان يجب عليه الإنفاق، وما قاله ﵀ فهو ظاهر جدًّا، إلا فيما إذا كان الطلاق آخر ثلاث تطليقات، إذا كان آخر ثلاث تطليقات فإن المطلقة ثلاثًا ليس لها على زوجها نفقة، وحينئذٍ لا يستفيد الزوج، ولكن يقال: إذا رضي بهذا فالحق له.
كذلك إذا خالعها بمُحرَّمٍ. طيب إذا خالعها بغير عِوض قلنا: لا يصح، وإذا لم يصح ماذا يكون؟ إن وقع بلفظ الطلاق أو نيته فهو طلاق، وإن وقع بلفظ الخلع فليس بشيء.
كذلك إذا خالعها على محرم، قالت له: أبغيك تخالعني بخنزير عندها.
طالب: أو بتلفاز يعني؟
الشيخ: لا، يجوز ولَّا لا؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: ما يجوز، لماذا؟
طلبة: لأنه محرم.
الشيخ: لأنه محرم، فلا يصح الخلع. لو قالت: أخالعك بكلبٍ عندي؟ خلينا نشوف هو ما يصح بالكلب ولَّا ما يصح؟
طلبة: لا يجوز بيعه؛ لأن المعاوضة ثمن، وهو لا يجوز.
الشيخ: الكلب لا يصح بيعه، لكن أليس فيه منفعة مباحة؟ إذا كان زوجها صاحب حرث، أو ماشية، أو صيد، وأرادت أن تخالعه بهذا الكلب، هي صاحبة ماشية وهو صاحب ماشية، أرادت أن تخالعه به؟
طالب: لكن يجوز الانتفاع به.
الشيخ: إي، يجوز الانتفاع به.
طالب: لكن المعاوضة والثمن لا.
[ ١ / ٦٥٦٠ ]
الشيخ: على كل حال محل نظر نراجعها. إنما الشيء المحرم قطعًا مثل: الخنزير، والخمر، وآلة لهو، والدخان، وما أشبه ذلك.
طالب: والمغصوب؟
الشيخ: والمغصوب المعين، لكن بشرط أن يعلماه أنه محرم، فإن كانا لا يعلمان أنه محرم فإن الخلع يصح ولها قيمته، قيمته مباحة، مثل ما لو خالعته على ولد لها من غيره، قالت: أبغي أخالعك على هذا الولد لك عبد يجوز؟
طالب: لا.
الشيخ: ويش السبب؟
طلبة: لأنه حر.
الشيخ: لأنه حر، إي نعم، فإذا كانا لا يعلمان أنه حر فله مثل قيمته عبدًا.
قال: (ويقع الطلاق رجعيًّا إن كان بلفظ الطلاق أو نيته) (يقع الطلاق رجعيًّا) حال، لماذا يقع رجعيًّا وفي عِوض؟ لأنه العوض ما صح، عوض فاسد فوجوده كعدمه.
وقوله: (إن كان بلفظ الطلاق أو نيته)، مفهومه إذا كان بغير لفظ الطلاق أو نيته، مثل: أن يكون بلفظ الخلع، أو الفداء، أو الفسخ فإنه لا يقع؛ لأنه ليس بصحيح.
ثم قال المؤلف ﵀: (وما صح مهرًا صح الخلع به) (ما) ما تقولون فيها شرطية أو موصولة؟
طلبة: موصولة.
الشيخ: موصولة أو شرطية، نعم، يصح شرطية، والشرطية أقرب؛ لأنها تكون جملة مرتب بعضها على بعض.
(وما صح مهرًا) يعني كل شيء يصح مهرًا فإنه يصح الخلع به، فيصح أن تعطيه دراهم، ويصح أن تعطيه ثيابًا وعرَضًا يعني، يصح أن تعطيه عقارًا، يصح أن تخالعه على تعليم، ولَّا ما يصح؟
طالب: يصح.
طالب آخر: لا، ما يصح.
الشيخ: () الأول: أمهرها تعليم، تعليم القرآن أو غير القرآن، إنما الصحيح ()، ولما أرادت أن تخالعه قالت: () تدخل أجنبية؟ إي ما يخالف، أجنبية لكن ما تفتش له، ولو كان تكون بمحرمها وتعلمه، يصح ولَّا لا؟
طلبة: يصح.
الشيخ: يصح، هو علمها سورة البقرة مهرًا، وهي تعلمه سورة آل عمران خلعًا، يجوز ما فيه مانع.
(ما صح مهرًا) من مالٍ أو منفعة، فإنه يصح الخلع به، ووجه ذلك ظاهر؛ لأن المهر إنما أخذ لاستباحة البُضع، وهذا أُخِذ لفكاك البضع، فالأمر فيه ظاهر.
[ ١ / ٦٥٦١ ]
لكن يقول المؤلف: (ويُكره بأكثر مما أعطاها) يكره الخلع بأكثر مما أعطاها، وهذه المسألة مما اختلف فيه العلماء، فقال بعض العلماء: إنه يجوز بالمال قل أو كثر، وقال آخرون: لا يزيد عن ما أعطاها. واستدل القائلون بجواز الزيادة بعموم قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، (ما) ويش هي؟
طلبة: اسم موصول.
الشيخ: اسم موصول، تفيد؟
طلبة: العموم.
الشيخ: العموم فيما افتدت به من قليل وكثير، فهو عام لما تفتدي به نوعًا، وجنسًا، وكمية، وكيفية.
وقال آخرون: لا يزيد على ما أعطاها؛ لأن قوله: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] أي: مما أعطاها؛ لأن الله ﷾ قال: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] مما آتيتموهن، وهذا قول قوي جدًّا على أن العموم هنا مما أعطاها.
() ﴿عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ و(ما) اسم موصول يفيد العموم، فيشمل القليل والكثير، وظاهر كلام المؤلف صحته بأكثر مما أعطاها، فإذا كان أصدقها دخل عشرة آلاف ريال، وقال: لا أخالعكِ إلا بعشرين ألفًا. فظاهر كلام المؤلف أنه يصح، إلا أنه قال: (يُكره بأكثر مما أعطاها) وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم، فمنهم من قال: إنه لا يجوز بأكثر مما أعطاها، وعلل ذلك بأمرين:
الأمر الأول: أن الرسول ﷺ نهى ثابت بن قيس أن يزيد في خلعه، فقال: «خُذِ الْحَدِيقَةَ وَلَا تَزْدَدْ» (١٨).
وثانيًا: أن هذا الزائد عما أعطاها أكل للمال بالباطل؛ لأنه ليس في مقابلة شيء، نعم، ما أُخِذ منه له أن يسترجعه؛ لكن ما زاد بأي مقابل؟ !
[ ١ / ٦٥٦٢ ]
وقال بعض أهل العلم: إنه لا بأس بالزيادة؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
وقالوا: هذا عام، وأجابوا عن الحديث: بأن الحديث ضعيف، والحديث الضعيف لا تقوم به حجة كما هو معلوم.
وأجابوا عن قولهم: بأن أخذه أكثر مما أعطى أخذ بغير حق، فقالوا: بل هو أخذ بحق؛ لأن هذا الرجل يملك هذه المرأة إلى متى؟ إلى الموت، فهو حق له، ثم إنه قد يقول: أنا إذا تركتها فمتى أجد امرأة؟ أنا مخاطِر بعد إذا خالعتها وأخذت منها، ثم قد يكون أيضًا أعطاها في وقت رخص، والآن المهور زائدة مرتفعة، وهذا الذي أخذ منها يمكن أن يأتي له بزوجة، ويمكن ألا يأتي.
أما جواب الآخرين عن عموم الآية فقالوا: إن قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ عائدٌ على ما سبق؛ لأنه قال: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ أي: مما آتيتموهن فقط، ولكنَّ الأرجح: القول الآخر، أن له أن يأخذ أكثر مما أعطى، إلا إذا صح الحديث؛ ولكن الحديث لا يصح، فإن وجد له شواهد، وإلا فهو بسنده المعروف ضعيف.
إذن له أن يخالع بأكثر، لكن المذهب -﵏- سلكوا مسلكًا وسطًا، فقالوا: إن الخلع صحيح ولكنه يُكره.
(وإن خالعت حامل بنفقة عدتها صح).
طالب: ما عندنا (حامل).
الشيخ: أنا ما عندي (حامل)، لكن ظاهر الشرط نضع (حامل) لحين ().
طالب: يا شيخ في أقل من المهر، هل يجوز؟
الشيخ: إي بالاتفاق، أقل من المهر يجوز بالاتفاق.
طالب: لكنه يقول: الحديقة؟
الشيخ: إي لأن هي عرضتها؛ لأن الرسول سألها ﵊ قال: «أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟» (١٧) قالت: نعم.
[ ١ / ٦٥٦٣ ]
هذه الحقيقة تثير مسألة مهمة، لو أننا ما تمكنا من الجمع بين الزوجين بأي حال من الأحوال، وهو أبى أن يطلق، وهي أبت أن تبقى عنده، فذهب بعض أهل العلم: إلى وجوب الخلع حينئذٍ بشرط أن ترد عليه المهر كاملًا، ذهب إلى هذا بعض علماء الحنابلة، وشيخ الإسلام يقول عنه تلميذه ابن مفلح: إن شيخنا اختلف كلامه في هذه الصورة، هل يجب الخلع أو لا يجب؟ مع أن بعض علماء الحنابلة صرح بوجوب الخلع والإلزام به.
واستدل القائلون بالإلزام بأن الرسول ﷺ قال لثابت: «خُذِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا» (١٩) قالوا: والأمر للواجب؛ ولأنه لا سبيل إلى فك هذا النزاع والشقاق إلا بهذا الطريق، وفك النزاع والشقاق بين المسلمين أمر واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وهذا القول هو الصحيح على أنه إذا تعذر الالتئام بين الزوجين، فإنه يجب الخلع إذا بدأت هي المهر الذي أعطاها؛ لأن الآن ما عليه مضرة، ماله وقد جاءه، وبقاؤهما هكذا، هي معلقة لا يمكن تتزوج، وهو كذلك غير موفَّق في هذا النكاح، فماذا نصنع؟ لا سيما إذا ظهر للقاضي أن البلاء من الزوج، مثل أن يكون صاحب فسق، وتتعذر إقامة البينة عليه، أو يكون مثلًا هي تتدعي أنه ما يصلي مثلًا وتتعذر إقامة البينة، فمثل هذا القول بالوجوب قوي جدًّا.
(إذا خالعت حامل بنفقة عدتها صح).
طالب: () القول الثاني أقوى.
الشيخ: أيهم؟
طالب: القول بأنه لا يزيد على ما أعطاها؟
الشيخ: لا.
طالب: وقلنا: إن سياق الآية يدل على ذلك؟
الشيخ: لا، ما رجحته، أنا قلت: إن هذا قوي، إي، قوي لكن ما هو بأقوى، قوي جدًّا لكن ما هو بأقوى؛ لأن الحديث لو صح، الحقيقة أن الذي يحكم بيننا هو الحديث، إذا صح الحديث فهو، أما إذا لم يصح فالآية عامة.
طالب: ()؟
الشيخ: لا، لو عصت ترى نقول: ما يمكن أن نفسخ النكاح إلا إذا أتيتِ بعوض، وإلا تبقى معلقة متى شئت، متى شئت فافتكِ منه.
طالب: فهو التنفيذ يا شيخ سبع سنين؟
[ ١ / ٦٥٦٤ ]
الشيخ: هذا ما له أصل، اللي يسمونه إسقاط الحقوق، هذا لا أصل له في الحقيقة، ولا علمنا أحدًا من العلماء السابقين استعمله، وقد بحثت مع بعض القضاة هذه المسالة، وقال: إحنا نفعله لأن لا تتلاعب النساء بالأزواج؛ لأننا لو قلنا إنها إذا نشزت سقطت نفقتها، وإذا أقبلت وجبت النفقة صارت شهرًا تنشز، وشهرًا لا تنشز، إن جاعت أطاعت وإن شبعت نشزت، وصار هذا تلاعبًا، فكنا نجعل مثلًا مدة عشر سنوات، سبع سنوات، خمس سنوات حسب ما يراه القاضي، نقول: هذه حقوقها ساقطة، فتبقى في الحقيقة لا مطلقة ولا منكوحة معلقة، ولكن هذا ما له أصل؛ بل إنه يجب -مثلما سمعتم، إذا لم تستقم الحال- أن يفرق بينهما بالخلع.
طالب: ()؟
الشيخ: في رواية، لكن ().
قال: (فإن خالعت حامل بنفقة عدتها صح) يعني معناه ما هو لازم أنها تبذل دراهم مثلًا، لو خالعت بنفقة عدتها يصح، مثل: امرأة حامل وطلبت من زوجها أن يخالعها، وقال: أعطني العِوض، قالت: العوض أن أُسقط عنكَ نفقة العدة يصح ولَّا لا؟ يصح. مع أن النفقة في هذه الحال لمن؟
طالب: واجبة.
الشيخ: إي، هي واجبة، لكن هي للمرأة أو للحمل من أجل المرأة؟
المذهب أنها للحمل من أجل المرأة، وليست للمرأة من أجل الحمل، وعلى هذا فإنها أيضًا تصح.
فقيل لهم: كيف يصح، والنفقة ليست لها حتى نقول: أسقطتها عن زوجها؟
أجابوا عن ذلك بأن حقيقة الأمر أن الذي ينتفع بالنفقة مَنْ؟ هي.
طالب: النفقة لمن؟
الشيخ: النفقة على المذهب للحمل.
الطالب: للمرأة على حملها؟
الشيخ: لا، لمن تجب عليه النفقة نفقة الحمل، تكون النفقة للحمل لا للمرأة من أجلها.
العلماء اختلفوا في الإنفاق على الحامل المعتدة:
[ ١ / ٦٥٦٥ ]
فقال بعضهم: إن الإنفاق للزوجة لا للحمل، للزوجة من أجل الحمل، وقيل: إن الإنفاق للحمل وهو للزوجة، يعني: ينفق على الزوجة من أجل الحمل، وهذا هو المذهب، ويترتب على هذا مسائل ذكرها ابن رجب في القواعد، منها مثلًا: إذا قلنا: إن النفقة للمرأة وجب عليه إخراج زكاة الفطر؛ لأن المرأة ينفق عليها في رمضان، وإذا قلنا: إن النفقة للحمل لم يجب عليه؛ لأن الإخراج عن الجنين ليس بواجب.
إنما هذه المسألة إذا قال قائل: كيف يصح على المذهب أن تخالع الحامل بعدة نفقتها؟ مع أن النفقة على المذهب للحمل ليست لها؟
قلنا: هذا وارد، ولكن الجواب عليه: أن حقيقة المنتفع بهذه النفقة هو المرأة، ثم على فرض أن هذه النفقة للحمل حقيقة وحكمًا مثلًا، فإن هذه المرأة التزمت أن تقوم بها عن من؟ عن زوجها، وبهذا تكون قد بذلت العوض على كل تقدير.
يقول المؤلف: (وإن خالعت حامل بنفقة عدتها صح، ويصح بالمجهول) يعني: يصح أن يخالع الرجل زوجته على شيء مجهول؛ لكن إذا آل إلى العلم، مثال ذلك: يقول: (فإن خالعت على حمل شجرتها) صح، قالت: أريد أن تخالعني على حمل هذه النخلة، والنخلة إلى الآن ما بعد أطلعت، يصح.
طيب هي الآن ما ندري هل تخرج قنوًا واحدًا، أو قنوين، أو ثلاثة، أو عشرة، أو لا تُخرج شيئًا، صح ولَّا لا؟ طيب فكيف صح ذلك مع أن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر؟ أجابوا عن هذا بأن هذا ليس معاوضةً محضة، وإنما الغرض منه التخلص من هذا الزوج، فإذا رضي بأي عِوض وهو غير محرم شرعًا فلهُ ذلك، هذه واحدة.
إذا خالعته على حمل أمتها يصح؟ يصح كالشجرة، على حمل بقرتها؟ على حمل شاتها؟ كل هذا يصح، وإن كان مجهولًا؛ لأنه ليس الغرض من ذلك المعاوضة والمرابحة، وإنما الغرض الفداء.
كذلك لو صالحته على ما في يدها، أو بيتها من دراهم، أو متاع، لو صالحته على ما في يدها من دراهم، قالت: أنا الآن بأيدي دراهم أبغى أخالعك على ما في يدي، يصح؟ كم من الدراهم؟
[ ١ / ٦٥٦٦ ]
طالب: هلَلة.
الشيخ: لا، إذا قال: من دراهم ما هي بهللة.
طالب: ربما يكون ريالًا.
الشيخ: ربما يكون ريالًا، أو ريالين، أو ثلاثة، أو مئة خصوصًا في الوقت الحاضر، فيه مثلًا أم ريال تكون باليد، وأم خمس مئة تكون باليد.
طالب: أو شيكل ..
الشيخ: الشيكل ما هو بدراهم، قال: (ما في يدها من الدراهم).
كذلك ما في بيتها من متاع، قالت: أبغي أخالعك على كل المواعين اللي في البيت لك، الرجل لما سمع كل ومواعين صيغة منتهى الجموع قال: ما شاء، الله هذه يمكن تحمل سيارة فوافق، فلما ذهب فإذا هو قِدْر وطباقته، يصلح؟
طالب: نعم.
الشيخ: إي نعم، يصلح.
طالب: ().
الشيخ: لا، هو على كل حال إذا صار رغب ما هو براح يفرط بنفسه؛ لكن إذا وافق فهو صحيح؛ والسبب أنه يصح مع هذه الجهالة العظيمة، موضوع أن الغرض التخلص من الزوج، وليس معاوضة محضة.
يقول: (أو على عبد) أبغي أخلعك على عبد، أو على شاة، أو على بقرة، أو على سيارة، ولا عُينت، يصح؟ يصح، حتى وإن لم تقل: من سياراتي مثلًا، أو من عبيدي، أو ما أشبه، وتجيب له أي عبد.
يقول المؤلف: صح (وله مع عدم الحمل والمتاع والعبد أقل مسماه) يعني: لو فرضنا أن الشجرة ما حملت، فله أقل مسمى الحمل، وظاهر كلام المؤلف أنه ما يُعطى الوسط، يُعطى أقل ما تحمل، ويش أقل ما تحمل الشجرة؟
طالب: قنو.
الشيخ: قنو واحد. نقول: ندور لك قنوًا واحدًا ونعطيك إياه، إنما ما حملت هذا الآن، أقل ما تحمل الشاة، أو الأمة؟
طالب: واحد؟
الشيخ: واحد، ما فيه أقل من واحد. نعم؟
طالب: لو قنو صار يقول: ()؟
الشيخ: لا، المعيب ما يصح، كذلك لها أقل ومع عدم المتاع، ويش له؟ أقل ما يسمى متاعًا، حتى ولو كان مثلًا بساط، ما يسمى متاعًا، أقل ما يسمى.
وقول المؤلف: (أقل مسماه) صريح بأننا نرجع هنا إلى العرف، فما سمي متاعًا أو حملًا رجعنا فيه إلى ذلك، لكن بشرط ألا يكون معيبًا؛ لأن الأصل السلامة.
[ ١ / ٦٥٦٧ ]
لو قال قائل: إنه في مسألة الحمل والمتاع أنه يُعطى الوسط لكان له وجه؛ لأنه إذا أعطيناه الوسط ما ظلمناه ولا ظلمناها.
فإذا قال قائل: هذا القول يرد عليه أنه لو حملت النخلة في قنوٍ واحد، يكفيه ولا لا؟ يكفيه؛ لكن الفرق ظاهر؛ لأنه إذا حملت فقد حصل له ما عينه، فليس له أكثر منه، أما مع عدم الحمل فإننا نقول: إذا فرضنا أنها ما تحمل إلا قنوًا واحدًا، فلنفرض أنها تحمل أيضًا عشرين قنوًا، فنحن الآن لا نظلمها فنقول: أعطِها عشرين قنوًا؛ لأنها يحتمل أن تحمله، ولا نظلمه هو أيضًا فنقول: يأخذ قنوًا واحدًا؛ لأنه ربما لا تحمل إلا قنوًا، فنقول: يُرجع في ذلك إلى الوسط.
طالب: في الشجرة، إذ هو رضي حملت وهي لم تحمل عليه؟
الشيخ: لا، ما هو بحملت عليه.
طالب: () فلم تحمل؟
الشيخ: إي، فيُحمل له.
طالب: فما يحمل وهو جالس.
الشيخ: ما حصل أنه نبت الآن.
طالب: بس هو راضٍ؟
الشيخ: لا، ما راضي بغير حمل، راضٍ بما تحمل، لو قال: نعم، إن حملت، لكن ما حملت لا بأس، وإذا قال: إن حملت بعد ما يصح؛ لأنه الحقيقة الآن ما خالع على عوض.
قال: (ومع عدم الدراهم ثلاثة) ويش الدراهم؟ الذي بيدها، له مع عدمها ثلاثة دراهم. لماذا؟ لأن أقل الجمع ثلاثة. فإن كان في يدها درهمان، فما له إلا الذي في اليد، ولو كان على لفظ الجمع؛ وذلك لأنه عُين بما في يدها فيتقيد به، بخلاف إذا لم يكن شيء، ولو كان في يدها شيء لكنه نوى، ويش يصير؟ يصير وجوده كالعدم؛ لأنه ليس بدراهم.
طالب: إن كان درهم؟
الشيخ: إن كان درهم فليس له إلا درهم، يعني اللي يوجد في يدها، أو في بيتها من المتاع هذا ما له إلا ..
طالب: طب إن قالت: دراهم ولم يوجد إلا واحد؟
الشيخ: إي نعم، ما يخالف، ما له إلا واحد، ومن هذه تكون لبيان الجنس، وهذا الدرهم من الدراهم.
[ ١ / ٦٥٦٨ ]
ثم قال: (فصل، وإذا قال لزوجته) ترى كل ها المسائل ها الأخيرة هذه مسائل فرعية؛ يعني هذه غالبًا لا تقع، لكن الفقهاء يفرضون أشياء، وإن كانت غير واقعة؛ لألا تقع، أو للتمرين على القواعد العامة، ولهذا بعض الأصحاب ﵏ يقولون: إن هذه المسألة ما تصح لكثرة الجهالة فيها والغرر. افرض أن الزوج مثلًا قال: ما في بيتها من المتاع ويش بيتصور بيته؟ بيتصور أشياء كثيرة، ثم راح ولا () ما هو بصحيح، ولهذا فيه قول لبعض الأصحاب: إنه لا يصح الخلع لمجهول، لا بد أن يكون معلومًا لا، لا يندم الزوج فيما بعد، فتذهب عنه امرأته وتكون النتيجة هذا الشيء البسيط.
انتبهوا الآن المسائل في هذا الفصل الأخير هي مهمة جدًّا ويمكن تقع كثيرًا.
فصل (وإذا قال: متى أو إذا أو إن أعطيتني ألفًا فأنتِ طالق).
(إذا قال: متى)، وهذه متى ويش إعرابها؟
طالب: شرطية.
الشيخ: اسم شرط، وهي للمستقبل، وكذلك (إذا)، وكذلك (إن)، لكن (متى) تعود على الزمان، و(إذا) ظرفية أيضًا تدل على الظرفية، و(إن) لمجرد الشرط أداة شرط محض، إنما كل الثلاث تدل على الشرط، إذا قال: متى أعطيتِني ألفًا فأنتِ طالق، أو: إذا أعطيتني ألفًا فأنت طالق، وهذا واضح أنه عام في جميع الأزمنة؛ لأن (متى) للظرف، و(إذا) للظرف وهي عامة مطلقة، فتشمل من الآن إلى أن تعطيه، وأما (إن أعطيتني) فدلالتها على الظرفية ليس من نفس الكلمة، هذه (إن) لأن (إن) حرف لا معنى لها، لكن الدلالة على العموم من أن أعطيتني فعل الشرط للمستقبل، فيشمل جميع الزمن المستقبل.
وقوله: (إن أعطيتِني) بكسر التاء بدون ياء، وحُكِي لغة، لكنها ضعيفة جدًّا أنها تلحقها الياء لكن للإشباع، فيُقال: أعطيتيني، وهذه اللغة توافق اللغة العامية عندنا، نقول: أعطيتيني، ما نقول: أعطيتني، يمكن لو نخاطب امرأة نقول: أعطيتني قالت: خلتني رجل! ! واضح؟
[ ١ / ٦٥٦٩ ]
(ألفًا) ويش ألفًا؟ المؤلف ما ذكر تمييز الألف ويش؟ لكنه ألف من الدراهم؛ لأنه الغالب أنه ألف درهم.
(فأنتِ طالقٌ طلقت بعطيته وإن تراخى) طلقت بعطيته أين المفعول الثاني؟ محذوف، والتقدير: الألف بعطيته الألفَ.
(وإن تراخى) أي تأخر عن ذلك، مثلًا: قال لها في أول يوم من الشهر، وبدأت تجمع نفسها حتى أتت في آخر الشهر بألف درهم، وأعطته الألف تطلق؟ نعم، تطلق وإن تراخى؛ لأن الشرط في هذه الأدوات الثلاث يكون للتراخي.
بقينا قبل أن تعطيه هل له أن يرجع ولَّا لا؟ وهذه مسألة مهمة؛ لأنه دائمًا يقول الزوج للزوجة: حصل بيننا شقاق، ويقول لها مثلًا: أعطني مالي وأنتِ طالق، إن أعطيتني مالي فأنتِ طالق، هكذا يقول. الآن علق طلاقه بماذا؟
طلبة: بالمال.
الشيخ: بإعطائها مالًا، فهل له أن يرجع في هذا الشرط، أو ليس له أن يرجع؟
المذهب: ليس له أن يرجع، فالآن الأمر بيد من؟
طلبة: بيد الزوجة.
الشيخ: بيد الزوجة، متى ما جاءت بالألف طلقت، وإن سكتت إلى أن تموت ما طلقت، وهو الذي جعل ذلك على نفسه. وقال شيخ الإسلام ﵀: إنه ما دامت ما جاءت بالألف فهو بالخيار؛ لأنه نظير الإيجاب في البيع قبل القبول، لو أوجبت عليك أنا البيع ولا قبلتَ أنت يتم العقد ولَّا ما يتم؟
طلبة: ما يتم.
الشيخ: ما يتم، قلت: بعت عليك السيارة، ثم قعدت تفكر أنت هل تقبل ولَّا لا؟ فقلت: أنا هونت. لي إني أهون؛ لأنه ما حصل لي إيجاب.
فشيخ الإسلام يقول: هنا حصل إيجاب، وهذا شبيه بالبيع؛ لأن فيه عوضًا ومعوضًا عنه، فما دامت المرأة ما جاءت بالألف فله أن يبطله.
[ ١ / ٦٥٧٠ ]
بخلاف الشرط المحض، فليس له أن يبطله، حتى عند الشيخ ﵀، ويش مثال الشرط المحض؟ أن يقول: إذا دخل شهر رجب فأنتِ طالق، فهنا لا يملك إبطاله؛ لأنه نفد منه، فالشيخ ﵀ يُفرِّق بين الطلاق المعلق على عِوض، والطلاق المعلق على شرط محض بدون معاوضة؛ فالأول يقول: إنه قبل بذْل العوض له يجوز الرجوع، ويذهب إلى الزوجة مثلًا، أو إلى من تكفل له بالعوض يقول: ترى هوَّنت.
طالب: ولو قالت: قبلت؟
الشيخ: ولو قالت: قبلت.
الطالب: فالعقد تم.
الشيخ: ما تم؛ لأنه ما يتم إلا بالبذل.
طالب: لو باع على شخص بضاعة؟
الشيخ: البيع ينعقد بالإيجاب والقبول، ما عُلِّق على شرط الثمن، هذا مُعلَّق على شرط العوض، فقال: إنه العوض بمنزلة القبول.
طالب: القبول أتى من الزوجة.
الشيخ: لا إيجابًا يا أخي من الزوج، يقول: خالعتُكِ على كذا، إن أعطيتني ألفًا فأنتِ طالق. الإيجاب من الزوج.
طالب: إذا رضيت بذلك؟
الشيخ: إذا رضيت وهي ما سلَّمت، المذهب بلازم الآن، خلاص ما له فكة، الآن المذهب أن الخيار للمرأة، مثلما جاءت بالدراهم طلقت، لكن شيخ الإسلام يقول: له الحق في إبطاله والرجوع عنه؛ لأنه ما بعد تم.
وهذه مسألة في الحقيقة كثيرًا ما تقع بين الناس، وغالب ما تقع إذا غاضبت زوجها، يقول هذا الكلام، ثم يندم ويحاول الرجوع، فمن رأى المذهب يقول: لا يرجع، لو رجع ما يُقبل، تدور له الألف وتعطيه، ومن رأى قول شيخ الإسلام فله الرجوع.
لكن ما رأيكم هل يجوز للقاضي في هذه المسألة أن يستعمل ما يراه أصلح؟ فإذا رأى مثلًا أن الزوج فراقه خير من بقائه يأخذ برأي المذهب، وإذا رأى أن الزوج أصلح للزوجة يأخذ برأي شيخ الإسلام؟
طلبة: ().
[ ١ / ٦٥٧١ ]
الشيخ: ما دامت المسألة ما فيها نص والمسالة كلها اجتهاد، فإذا رأى أن يعامل أحدًا بمقتضى قول آخر لا يخالف النص لمصلحة، فهذا لا بأس به، وأذكر أن صاحب الفروع ﵀ نقل في باب القضاء، نقل عن شخص جاء يستفتي أباه في شيءٍ من الأشياء، فأفتاه أبوه، كأن الولد ما قنع جدًّا، قال: إذا لم تقنع فلأفتيك بقول فلان، قول فلان أشد من الأول، فهذا يدل على أن الإنسان إذا اجتهد، وعمل بالأصلح من القولين في أمرٍ ليس فيه نص، فإنه لا بأس به.
طالب: قالت: أنا ما عندي ()؟
الشيخ: إي، المذهب التعليق باقٍ متى ما جاءت.
طالب: الصحيح ماذا؟
الشيخ: والله أنا رأيي في هذه المسألة: أنه يرجع إلى اجتهاد القاضي.
طالب: ما يفتى في قوله ﷺ: «الْمُؤْمِنُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (٢٠)؟
الشيخ: إي نعم، ما يخالف على شروطهم، لكن إلى الآن ما أعطيتة الألف.
طالب: هو الذي قد خالف؟
الشيخ: إي، ما يخالف إلى الآن ما أعطيته، لكن لاحظوا أيضًا إذا شرطوا مدة، قال: إن أعطيتيني ألفًا في خلال شهر مثلًا، وانتهى الشهر ولا أعطت، المسألة ظاهرة.
طالب: يا شيخ، هو الذي جنى على نفسه؟
الشيخ: جنى على نفسه فقال هذا الكلام، قال: أنتِ لو أعطيتيني انتهى الموضوع، لكن أنا الآن هوَّنت، ما أعطيتني شيئًا، هذا ما حصل الطلاق ما حصل، وفي مثل هذه يعني ينبغي أن يُرجع فيها إلى رأي القاضي في هذه المسائل.
طالب: يا شيخ، يدخل فيها قوله، أعطني كذا وكذا وأطلقكِ، فهل يجوز هذا الشرط ولَّا زال عنه؟
الشيخ: إي، لا، هذا وعد، ما أدري.
يقول المؤلف ﵀: (وإن قالت: اخلعني على ألف، أو بألف، أو ولك ألف، ففعل بانت واستحقها).
[ ١ / ٦٥٧٢ ]
إذا قالت: (اخلعني على ألف)، هذه واحدة. الصورة الثانية: (أو بألف)، (أو ولك ألف)، كل هذه الصور الثلاث على المذهب حكمها واحد، (ففعل) وإن لم يذكر الألف. قالت: اخلعني بألف قال: خلعتكِ، أو قالت: اخلعني ولك ألف، قال: خلعتكِ، وما ذكر الألف، يستحق الألف؟ يستحق؛ لأنه لا شك أن كلامه وإن كان مُطلقًا، فالمراد به القيد بلا ريب، فعلى هذا نقول: يستحق الألف.
وقول المؤلف: (ففعل) شوف فائدة النحو (الفاء) هنا للترتيب، ويش بعد؟
طلبة: والتعقيب.
الشيخ: والتعقيب، لا، التعقيب على غير التراخي. (ففعل) إن فعل الآن استحق، وإن تأخر فإنه لا يستحق؛ لأن المؤلف ﵀ عبر بالفاء (ففعل بانت واستحقها) أما إذا تأخر فإنه لا يصح الخلع؛ لأنه صار على غير عِوض.
وقال بعض الأصحاب ﵏: إنه يستحق العِوض وإن تأخر؛ لأن قولها: اخلعني على ألف، أو بألف، أو ولك ألف، هو مقيد بالحاضر؟ ظاهر كلامها الإطلاق، وعلى هذا فمتى خالعها استحق الألف، فهذه المسألة فيها قولان؛ لكن لها أن ترجع ولَّا لا قبل أن يقبل؟ قبل أن يقبل لها أن ترجع.
(وطلِّقني واحدة بألف فطلقها ثلاثًا استحقها، وعكسه بعكسه)
قالت لزوجها: طلِّقني واحدة بس وأعطيك ألف ريال، قال لها: أنتِ طالق ثلاثًا ما هو بواحدة، يستحقها ولَّا لا؟ يستحقها، ويش استفاد؟ لأنه أعطاها ما تريد وزيادة.
وقال بعض الأصحاب: لا يستحق الألف؛ لأن هذه الزيادة قد تكون من مضرتها؛ لأنه إذا طلقها واحدة بألف بانت منه، لكن تحل له بدون زوج، وإذا طلقها ثلاثًا بانت، ولا تحل إلا بعد زوج، وهي قد لا تريد هذا. فيقولون: إنه لا يستحق، وسيأتي إن شاء الله في بقية الكلام على المسألة ().
ثلاثًا بألف فطلقها واحدة، فالمذهب كما رأيتم؟
طلبة: ما يستحقها.
[ ١ / ٦٥٧٣ ]
الشيخ: ما يستحقها، ولو قيل: بأنه يستحقها لكان له وجه، أولًا: لأن الطلاق طلاق محرم، فهو قد عدل عن المحرم إلى المباح، واحدة حلال والثلاث محرم، والمرأة هل فات مقصودها فيما إذا طلقها واحدة؟
ما فات المقصود، والسبب أنه ما فات المقصود؛ لأنه على عِوض فلا يملك الرجعة، فمقصودها حصل؛ بل إنه زادها خيرًا إذا طلقها واحدة وقد طلبت الثلاث، ويش الخير اللي زادها؟ أنه لو تغيرت الحال وتحسنت المرأة حل له أن يتزوجها بعقد، وفي الثلاث؟ لا تحل إلا بعد زوج.
والصحيح في هذه المسألة أنه يستحقها ويش التعليل؟ قلنا: الآن التعليل () ثلاثة أقوال: الأول؟
طالب: أنه محرم.
الشيخ: ثم عدل بها عن المحرم إلى الحلال. الثاني؟
أنه لم يفوت مقصودها، فإن مقصودها البينونة، وقد حصلت بالعوض.
الثالث: أنه زادها خيرًا، ما هو الخير الذي زادها؟ أنه لو تغيرت الحال وأحبت الرجوع إليه صار ذلك باليد وممكنًا، بخلاف ما إذا طلقها ثلاثًا، فتبين بهذا أنه يستحقها؛ لأن الرجوع ما فوت عليها شيئًا، بل أنا إنما زدتها خيرًا ومنعت نفسي من الطلاق أيش؟
طالب: الطلاق المحرم.
الشيخ: الطلاق المحرم.
طالب: شيخ، هل يقع الطلاق ()؟
الشيخ: بس هذا ينبني على أن الطلاق ثلاثًا، أو يقع واحدة، فيه خلاف؟
طالب: نقول: بأنه لا يقع.
الشيخ: المذهب أن الطلاق الثلاث مُحرَّم ويقع.
طالب: بس ما يحكمها يا شيخ؟
الشيخ: الراجح أنه محرم ولا يقع إلا واحدة، كما سيأتي إن شاء الله.
طالب: يمكن أنها تريد أن تتزوج؟ لو طلقها واحدة.
الشيخ: تتزوج، تتزوج من يوم تنتهي العدة تتزوج.
طالب: يعني تبين عندما تخالعه؟
الشيخ: إي، تبين، ما عاد يملك الرجعة عليها إلا بعقد.
طالب: لأن البينونة وقعت على الخلع ولَّا على الطلاق؟
الشيخ: على الطلاق بعِوض، وكذلك الخلع؛ لأنه على عوض.
طالب: إذن وقعت عن خلع؛ لأنه لو وقعت عن الطلاق ما تَبِين.
الشيخ: لا، تَبِين، بارك الله فيك.
طالب: لأنها واحدة.
[ ١ / ٦٥٧٤ ]
الشيخ: لأن الطلاق على عِوض ولو كان واحدة تَبِين به المرأة، كل طلاق فيه عوض فإنها تَبِين به المرأة.
طالب: يعني أصبحت البينونة بسبب الخلع؟
الشيخ: البينونة تكون بسبب العِوَض؛ لكنها ليست بينونة كبيرة، الناس بيسمونها بينونة صغرى؛ لأن المرأة تحل له بدون زوج، لكن لو كانت ثلاثًا صارت البينونة كبرى، ما تحل له إلا بزوج، فالحقيقة أنه ما زادها إلا خيرًا، وقال: غرضها أنني لا أرجع عليها حصل ولَّا ما حصل؟
طلبة: حصل.
طالب: يا شيخ، ما قلنا إن الأرجح أن اللي على عِوض يقال له: خلع ما هو طلاق؟
الشيخ: هذا تقدم في الأول، لكن إحنا نمشي على المذهب، وحتى لو قلنا بأنه خُلع هو نفس الشيء يستحق، يعني لو قلنا: إنه خُلع وهو بلفظ الطلاق فإنه يستحق العِوض؛ السبب أن مقصودها حصل لكن بعض الناس مع شدة الغضب تلك الساعة يقول: ما يكفي الطلاق الواحدة والثنتين من جهله.
قال: (إلا في واحدة بقيت) فهذه لو قالت: طلِّقني ثلاثًا فطلقها واحدة، قالت: طلقني ثلاثًا بألف، وسبق أن طلقها مرتين، كم بقي له؟
طلبة: واحدة.
الشيخ: واحدة، قال: أنتِ طالق واحدة، يستحق الألف؟
طلبة: لا.
الشيخ: لو قالت: إني طالقة ثلاث، نقول: لو طلقك ثلاثًا، فالثنتان لاغيات؛ والسبب أنها لاغيات؟
طالب: ما لك إلا واحدة.
الشيخ: ما بقي له إلا واحدة، ولهذا سئل بعض السلف عن رجلٍ قال: إني طلقت امرأتي مئة طلقة، قال: نبغي نأخذ منك ثلاث، وسبعًا وتسعين لك. السبب أنه ما زاد عن الثلاث ما يقع. (إلا بواحدة بقيت) فيستحق الألف.
قال: (وليس للأب خلع زوجة ابنه الصغير ولا طلاقها) يعني لا يجوز للأب، ليس له، أي: لا يملك أن يخالع زوجة ابنه الصغير، والمراد من مال الصغير، أما لو أراد أن يخالعها من ماله هو فسيأتي الكلام في ذلك.
[ ١ / ٦٥٧٥ ]
المهم أن المذهب: ليس للأب، ومفهومه أن الجد يملك ذلك من باب أولى، ليس له أن يخالع زوجة ابنه الصغير سواء من ماله هو أو من مال الوالد؛ لماذا؟ لأن الخلع يرجع إلى الزوج بيد الزوج، وليس بيد أحد سواه، وكذلك ليس له أن يطلق زوجة ابنه الصغير، والعلة ما سبق، أن الفراق بيد من؟
طلبة: بيد الزوج.
الشيخ: بيد الزوج، والزوج الآن صغير، إن كان مميزًا ولم يطلق أو لم يشأ الطلاق فالأمر ظاهر؛ وإن كان دون التمييز فكذلك ليس لأبيه أن يطلق؛ لأنه سيأتينا إن شاء الله في الطلاق أن المميز الذي يعقل الطلاق ويفهمه يقع طلاقه.
فتبين أن الخلاصة: أنه ليس للأب أن يخالع زوجة ابنه الصغير، ولو بماله هو، أي الأب، ولا أن يطلقها أيضًا، لا بعوضٍ ولا بغير عوض. العلة في ذلك قلت: لأن الفراق بيد الزوج، فالطلاق لمن أخذ بالساق، أضاف الله تعالى النكاح والطلاق للزوج نفسه، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، فأضاف الله الطلاق للناكح، فيكون الطلاق بيده.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين أن يكون ذلك لمصلحة الابن، أو لغير مصلحته، ولا بين أن يكون من مال الابن، أو من غير ماله.
والصحيح في هذه المسألة أنه إذا كان لمصلحة الابن فلا حرج عليه أن يخالع أو يطلق، سواء كان من مال الابن، أو من ماله هو، أما إذا كان من ماله هو، فإن الابن لم يتضرر بشيء الآن؛ لأن المال على أبيه، وأما إذا كان من ماله هو؛ أي من مال الابن؛ فلأن ذلك من مصلحته، فهو كعلاجه من المرض، ولكن لاحظوا بشرط أن تكون المصلحة في الفراق محققة، كيف ذلك؟
مثلًا: هذه المرأة بذيئة، سيئة الخلق، هذه المرأة غير عفيفة، جرت إلى بيته الويلات، والبلاء والتهم، وهو ما بصابر على هذا، أو هذه المرأة لها عشرون سنة وزوجها له خمس سنين، وكل نهار تدبه، ويش عنده مصلحة؟
طالب: الفراق.
طالب ثانٍ: الطلاق.
[ ١ / ٦٥٧٦ ]
طالب ثالث: بس خمس سنين ما يجوز الطلاق؟
الشيخ: إي، يطلق عنه أبوه، فعلى كل حالالصحيح في هذه المسألة أن الأب إذا رأى أن للمصلحة طلاق المرأة فإن له ذلك، وسواء بذل المال من مال الولد أو من مال الأب.
طالب: ()؟
الشيخ: نعم، صح، () المهم على كل حال إذن المصلحة، الكلام على المصلحة، فإذا رأى الزوج المصلحة أن يطلقها على عوض فله أن يخالعها، أو يطلقها ولو على غير عِوض، فلا حرج في ذلك، هذا هو القول الراجح في المسألة.
ولا خُلْعُ ابنتِه بشيءٍ من مالِها، ولا يُسْقِطُ الْخُلْعُ غيرَه من الحقوقِ، وإن عَلَّقَ طلاقَها بصفةٍ ثم أَبانَها فوُجِدَتْ ثم نَكَحَها فوُجِدَتْ بعدَه طَلُقَتْ كعِتْقٍ وإلا فلا.
(كتاب الطلاق)
يُباحُ للحاجةِ، ويُكْرَهُ لعَدَمِها، ويُسْتَحَبُّ للضَّرَرِ، ويَجِبُ للإيلاءِ، ويحرُم للبِدعةِ، ويَصِحُّ من زوجٍ مكَلَّفٍ ومُمَيِّزٍ يعقله، ومَن زالَ عَقْلُه مَعذورًا لم يَقَعْ طلاقُه وعَكْسُه الآثِمُ، ومَن أُكْرِهَ عليه ظُلْمًا بإيلامٍ له أو لولدِه أو أَخْذِ مالٍ يَضُرُّه أو هَدَّدَه بأَحَدِها قادرٌ يَظُنُّ إيقاعَه به فطَلَّقَ تَبَعًا لقولِه لم يَقَعْ، ويَقَعُ الطلاقُ في نِكاحٍ مختلَفٍ فيه، ومن الغَضبانِ،
فأضاف الله الطلاق للناكح، فيكون الطلاق بيده.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين أن يكون ذلك لمصلحة الابن أو لغير مصلحته، ولا بين أن يكون من مال الابن أو من غير ماله. والصحيح في هذه المسألة أنه إذا كان لمصلحة الابن فلا حرج عليه أن يخالع أو يُطلِّق، سواءٌ كان من مال الابن أو من ماله هو، أما إذا كان من ماله هو فإن الابن لم يتضرر بشيء الآن؛ لأن المال على أبيه، وأما إذا كان من ماله هو، أي: من مال الابن؛ فلأن ذلك من مصلحته، فهو كعلاجه من المرض.
[ ١ / ٦٥٧٧ ]
ولكن لاحظوا بشرط أن تكون المصلحة في الفِراق محققة، كيف ذلك؟ مثلًا هذه المرأة بذيئة، سيئة الخلق، هذه المرأة غير عفيفة، جرَّت إلى بيتهم الويلات، والبلاء والتهم. وهو ما هو صابر على هذا، أو هذه المرأة لها عشرون سنة، وزوجها له خمس سنين، وكل النهار تدبه، ويش المصلحة؟
طلبة: الفراق.
الشيخ: الفراق طلاق، إذن ..
طالب: قد لا يريد الطلاق يا شيخ؟
الشيخ: إي، يطلق عنه أبوه.
فعلى كل حال الصحيح في هذه المسألة أن الأب إذا رأى أن للمصلحة طلاق المرأة فإن له ذلك، سواءٌ كان المال من مال الولد أو من مال الأب.
طالب: ().
الشيخ: كيف؟
الطالب: الزوج في المخالعة ()؟
الشيخ: نعم، صح، أنا راح بالي () من مال الزوجة.
المهم على كل حال إذن المصلحة، الكلام على المصلحة، فإذا رأى الزوج المصلحة أن يطلقها على عِوَض، أن يخالعها، أو يطلقها ولو على غير عِوض، فلا حرج في ذلك، هذا هو القول الراجح في المسألة.
طالب: ()؟
الشيخ: ثم قال: (ولا خُلع ابنته بشيء من مالها).
طالب: يا شيخ، المصلحة ضعيفة الفراق ولا ()؟
الشيخ: ما يخالف، الجواب على هذا هو أن الذي أخذ بالفراق ليس بذلك الرجل العاقل الذي يعرف المصلحة والمضرة، فإذا رأى أبوه أن من المصلحة الفراق فلا مانع من ذلك.
الطالب: وظاهر الآيات؟
الشيخ: وكذلك ظاهر -أظن- الآيات؛ لأن ظاهر قوله: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] أن هذا طلاق إنسان عاقل فاهم للمعنى.
المسألة الثانية: (ولا خُلع ابنته بشيء من مالها).
طالب: شيخ، الآن كلام المؤلف متعارض، كلام المؤلف قال: ().
الشيخ: لا، بيجينا هذه.
الطالب: ()؟
الشيخ: لا؛ لأن هذه المسألة، الأب يبغي يأخذ العوض، ما هو ()، الأب بيأخذ العِوض.
الطالب: يأخذه من الزوجة له؟
الشيخ: من الزوجة، من زوجة ابنه، الذي تريده هي المسألة اللي جاءتنا الآن.
(ولا خُلع ابنته بشيء من مالها) يعني وليس للأب أن يخلع ابنته منين؟
طلبة: من زوجها.
[ ١ / ٦٥٧٨ ]
الشيخ: من زوجها. (بشيءٍ من مالها)، والمراد بالبنت هنا التي لا تعقل، أما إذا كانت عاقلة رشيدة، وطلبت من أبيها أن يخالعها من زوجها، وأن تبذل من مالها فالأمر واضح أنه يجوز، لكن إذا كانت غير رشيدة فليس له أن يخالعها بشيء من مالها، لماذا؟ لأنه لا يجوز للأب أن يتبرع بشيء من مال من هو وليٌّ عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، والخلع بالمال يتضمن التبرع ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يتضمن التبرع.
مثال ذلك: رجل له ابنة لم تبلغ، زوجها بشخص، -وهذا بناءً على قولنا: إنه يصح تزويج الأب من لم تبلغ- ثم إنه رأى أن حالها مع زوجها لا تستقيم، فأراد أن يخالعها من زوجها، نقول: إن بذلت المال من عندك فهو جائز؛ وإن بذلته من مالها فليس بجائز، لماذا؟
لأنه سبق أن الخلع يصح بذله من الزوجة، ومن وليها، ومن الأجنبي، وهذا ولي، إذا كان من مالها لماذا لا يصح؟ لأن الخُلع تبرع ما يقابله مال، إنما هو فكاكٌ من الزوجية، المقابل للمال الفكاك من الزوجية فهو تبرُّع، وليس للأب أن يتبرع بشيء من مال مَنْ هو أيش؟
طلبة: ولي.
الشيخ: ولي عليه، وهذا الذي ذكره المؤلف هو المذهب.
والقول الثاني في المسألة: أنه يجوز للأب أن يخلع ابنته بشيء من مالها، إذا كان ذلك لمصلحته، وهذا القول هو الصحيح؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] يشمل ما كان أحسن له في ماله، أو في دينه، أو في بدنه، أو في أي شيء ()، وإذا كان يجوز أن يشتري لابنته ثوبًا من مالها، ويجوز أن يداويها من المرض بشيءٍ من مالها، فإن هذا () من باب أولى. فالصواب أنه يجوز أن يخالع ابنته بشيء من مالها بشرط أن يرى في ذلك مصلحة.
[ ١ / ٦٥٧٩ ]
إذن الذي نحتاج إلى التفصيل فيه بشيء من المال، من مال الأب أو من مال الولد هو إذا خالع ابنته، أما في مسألة الولد فقد نبهنا على أن المال منين يبذل؟
طلبة: من الزوجة.
الشيخ: من الزوجة، الأب ليس بباذل لا من ماله، ولا من مال ولده.
قال: (ولا خلع ابنته بشيء من مالها، ولا يُسقط الخلع غيره من الحقوق) معلوم، إذا خالعت المرأة زوجها بشيء من المال، وكان قد بقي لها في ذمته شيءٌ من المهر، أو من النفقات الأخرى، أو من أي حق من الحقوق، فإن هذا الخُلع لا يسقطه. فاهمين الصورة؟
طلبة: ().
الشيخ: مثاله: تزوج رجل امرأة بمهر قدره عشرة آلاف ريال، فسلَّم خمسة آلاف ريال ودخل عليها، ثم إنه خالعها على خمسة آلاف ريال تبذلها له، سلَّمته الخمسة آلاف ريال وتم الخلع، فهمتم الآن؟
طلبة: نعم.
الشيخ: بقي لها حق على زوجها، ما هو؟ بقية المهر خمسة آلاف ريال، هذا الحق باقٍ، لا نقول: إن الخلع يُسقط غيره من الحقوق؛ لأنه ما دام السبب باقيًا فإنه يجب أن يبقى المسبَّب، وإنما ذكر المؤلف ذلك؛ لأن بعض أهل العلم يقول: إن الخلع يُسقِط ما مضى، ما سبقه من الحقوق؛ لأن المقصود الفداء والفراق التام، بحيث لا يبقى له علقة، ولا يبقى لها علقة، ولكن القول الراجح ما قاله المؤلف أنه إذا خالعها بشيء وجب العِوض الذي خالعها عليه، وغيره من الحقوق الواجبة لها على زوجها باقية ما تتأثر.
طالب: ()؟
الشيخ: إي، ما يخالف، إذا خالعته بما بقي من مهرها، أو بما أنفقت على نفسها في غيبته فلا حرج.
طالب: لو وعدها هدية عند ()، وعدها هدية كتبت عند الولي () فطلبت الخلع.
الشيخ: مصالحة ()؟
الطالب: لا، إكرامًا لها () فهدية، والآن طلبت الخلع؟
الشيخ: الظاهر أنه ما يجب عليه شيء ما دام أن الهدية المقصود منها إصلاح ما بينهما، ولم يكن فما لها شيء.
انتبهوا للمسألة الأخيرة الآن: (وإن علَّق طلاقها بصفة) بصفة ولَّا بصفقة؟
طلبة: بصفة.
[ ١ / ٦٥٨٠ ]
الشيخ: () بصفة (وإن علق طلاقها بصفة، ثم أبانها فوُجِدت، ثم نكحها فوُجدت بعده طلقت كعتق وإلا فلا).
(إذا علق طلاقها بصفة) مثل أن يقول: إن فعلتِ كذا فأنتِ طالق، إن كلمتِ فلانًا فأنتِ طالق، ثم بعد هذا الكلام طرأ بينهما سوء تفاهم وطلقها، وخرجت من العدة، وكلَّمت فلانًا بعد أن خرجت من العدة، ثم تزوجها ثانية، ثم بعد الزواج الثاني كلمت فلانًا تطلق ولَّا لا؟ شوفوا كلام المؤلف (إن علق طلاقها بصفة) ويش هي الصفة اللي في المثال؟
طلبة: إن كلمت فلانًا.
الشيخ: كلام زيد، فلان، ثم أبانها فوجدت الصفة، متى كلمت زيدًا؟
طلبة: مع زوجها.
الشيخ: لا، كلمت زيدًا بعد أن خرجت من العدة؛ لأن () يكون في أيام العدة، ثم تزوجها، ثم نكحها فوُجِدت بعده، أي: بعد النكاح الثاني طلقت، تطلق، أفهمتم الآن؟
طلبة: نعم.
الشيخ: زين، تطلق، هذه صورة ما قاله المؤلف، أعيدها مرة ثانية؟
قال لها: إن كلمتِ زيدًا فأنتِ طالق، ثم طلقها هو نفسه قبل أن تكلم زيدًا، طلقها، وخرجت من العدة، ثم جاء زيد فكلمته تطلق ولَّا ما تطلق؟
طالب: بعد أن نكحها مرة ثانية؟
الشيخ: لا، () تطلق ولَّا لا؟
طالب: تطلق.
طالب آخر: لا تطلق.
الشيخ: زين، أحسنت، لا تطلق بكلام زيد؛ لأنها ليست في عصمته، واضح؟ تزوجها الرجل، تزوجها الرجل ثانية زوجها، ثم كلمت زيدًا بعد الزواج تطلق ولَّا لا؟
الطلبة: تطلق.
الشيخ: تطلق ()، تطلق، يقول: إنها تطلق، لماذا؟ لأنه علق طلاقها في حال يملك التطليق، أو لا؟ يوم علق طلاقها بالنكاح الأول يملك التعليق ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: يملكه، فوُجدت الصفة المعلق عليها في حال يملك التطليق، أليس كذلك؟ فيه إشكال؟
الطلبة: لا.
الشيخ: ما فيها إشكال، هذا كلام اللي علَّق الطلاق عليه، يوم علق الطلاق عليه وهو يملك ذلك؛ لأنها زوجته، فوُجد المعلَّق عليه في حالٍ يملك ذلك، فإذن يقع الطلاق.
[ ١ / ٦٥٨١ ]
فإذا قال قائل: أليست الصفة وُجِدت في حال البينونة فانحلت اليمين بها أو لا؟ وُجِدت الصفة في حال البينونة فانحلت اليمين؛ لأن اليمين والطلاق يكون بأول مرة وينتهي.
نقول: نعم، هذا صحيح، لكن الصفة وُجِدَت في حال؟
طلبة: لا يملك.
الشيخ: لو وُجدت، والتعليق؟ الصفة وجدت في حال لا يملك طلاقها، ولا يقع عليها طلاقه؛ لأنها ليست في عصمته، فوجودها قبل أن يتزوجها المرة الثانية وجودها كعدمه، وعلى هذا فتطلق في المرة الثانية. لو أن الرجل قال لزوجته: إن كلمتِ زيدًا فأنتِ طالق، فكلمته وهي في عصمته تطلق؟
طلبة: تطلق.
الشيخ: تطلق، راجعها، ثم كلمته تطلق ولَّا ما تطلق؟
الطلبة: ما تطلق.
الشيخ: ما تطلق، لماذا؟ لأن يمينه انحلت، أو الطلاق المعلق انحل بأول مرة، فصار وقوعه في الثانية غير مُعلَّق عليه الطلاق.
فإذا قال قائل: ما الفرق بين هذه الصورة وبين الصورة الأولى؟
طالب: الصورة الأولى ().
الشيخ: الصورة الأولى وقعت الصفة وهي في غير عصمته، فلم يكن المحل قابلًا، فلا يقع.
وقول المؤلف: (ثم أبانها). وظاهر كلام المؤلف قوله: (ثم أبانها) يشمل ما إذا كانت البينونة بالطلاق، أو بما دونه، فاهمين؟
(ثم أبانها فوجدت) يشمل ما إذا كانت البينونة بالثلاث أو ما دونها، البينونة بالثلاث بمجرد الطلاق، بمجرد أن يقول: أنتِ طالق ثلاثًا تطلق، تبين منه، البينونة بغير الثلاث تكون إذا انتهت العدة بانت منه، أو لا؟ إذا كان الطلاق على عِوَض بانت منه، وكلام المؤلف يشمل ما إذا كانت البينونة بالطلاق الثلاث، أو بغير الطلاق الثلاث، ما دام بانت منه ووُجدت الصفة في حال البينونة، فإنه إذا تزوجها المرة ثانية تعود الصفة.
[ ١ / ٦٥٨٢ ]
وقال أكثر أهل العلم: إنه إذا كانت البينونة بالطلاق الثلاث فإن الصفة لا تعود؛ لأن النكاح الأول انتهت أحكامه بالطلاق الثلاث؛ خذوا بالكم يا إخوان، كيف ذلك؟ لأنه إذا طلقها ثلاثًا، ثم تزوجت بزوج آخر، ثم فارقها الزوج الثاني، ثم تزوجها الزوج الأول تعود على طلاقٍ ثلاث، ولَّا تعود على طلاقٍ واحد؟
طلبة: ().
الشيخ: لا، على طلاقٍ ثلاث، يعني أن الزوج الآن يملك يطلق ثلاث مرات، فإذن النكاح الأول انقطعت أحكامه نهائيًّا، صار كأن هذا الزوج تزوجها من جديد؛ ولذلك يتزوجها على ما بقي من طلاق ولَّا على طلاقٍ جديد؟ على طلاقٍ جديد، يملك ثلاث مرات.
فلهذا قال جمهور أهل العلم: إنه إذا كانت البينونة بالطلاق الثلاث فإن الصفة لا تعود؛ بمعنى أنه لو وُجِدت الصفة في النكاح الجديد لم تطلق الزوجة.
المثال: رجل قال لزوجته: إن كلمتِ فلانًا فأنتِ طالق، ولم يبقَ له إلا طلقة واحدة فقط، فطلقها الطلقة الثالثة، هو طلقها من عنده، ولما انتهت العدة، أو قبل انتهاء العدة كلمت زيدًا، ثم إنها تزوجت بزوج آخر، وفارقها، ثم تزوجها زوجها الأول، ثم كلمت زيدًا، تطلق ولَّا ما تطلق؟
طلبة: تطلق.
الشيخ: على رأي الجمهور لا تطلق، وعلى رأي المؤلف تطلق؛ المؤلف يقول: (ثم أبانها) عام (بثلاث غير خلع)، على رأي المؤلف تطلق، وعلى رأي الجمهور لا تطلق.
رأي الجمهور تعليلهم ما هو؟ يقولون: لأن النكاح الجديد نكاحٌ مبتدأ، وأحكام النكاح الأول قد انقطعت نهائيًّا، ولا شك أن رأي الجمهور أصح في هذه المسألة لقوة تعليله.
بقي عندنا إذا أبانها بغير الثلاث فهل تعود الصفة أو لا تعود؟ كما رأيتم من كلام المؤلف أنها تعود.
[ ١ / ٦٥٨٣ ]
وفيه قول آخر: أنها لا تعود ولو كانت البينونة بغير الطلاق الثلاث، قالوا: لأن ظاهر الحال أنه قال، أن الزوج لما قال لزوجته: إن كلمتِ فلانًا فأنتِ طالق، ظاهر الحال أن قصده في هذا النكاح، ما كان يطرأ على باله أنه لو طلقها وتزوجها بعد، وهي أيضًا إذا بانت منه فقد انقطعت علائقها منه، وإن كان () بينونة كبرى، فعلى هذا يقولون: لا تعود الصفة إذا حصلت البينونة، وكل هذا فيما إذا وُجِدت الصفة في حال البينونة.
انتهينا الآن من الكلام على الرجل علَّق طلاق امرأته بصفة، أيش بعد؟
طلبة: ثم أبانها.
الشيخ: أبانها، فوُجِدت الصفة حال البينونة، ثم تزوجها فوُجِدت الصفة أيضًا بعد النكاح، فالمذهب أن الصفة تعود، وإذا وجدت الصفة بعد النكاح طلقت، ولا فرق بين البينونة الكبرى والصغرى.
وذهب جمهور أهل العلم أنه إذا كانت البينونة الكبرى فإن الصفة لا تعود، وأنها إذا كلمت زيدًا بعده -بعد النكاح الثاني- لا تطلق.
وذهب بعض العلماء أيضًا إلى أبعد من ذلك، فقالوا: إذا أبانها ووُجدت الصفة، ثم تزوجها من جديد فإن الصفة لا تعود ولو كان بغير الثلاث، ولو كان بغير الطلاق الثلاث.
طلبة: الراجح فيهم؟
الشيخ: فصار عندنا الآن ثلاثة أقوال على ترتيبهم، المذهب أن الصفة تعود مطلقًا.
القول الثاني: أنها لا تعود مطلقًا، أو لا؟
القول الثالث رأي الجمهور: لا تعود إن بانت بالثلاث، وتعود إن بانت بغير الثلاث.
كل هذا فيما إذا وُجِدت الصفة في حال البينونة، لكن إذا لم تُوجد، يعني قال: إن كلمتِ زيدًا فأنتِ طالق، ثم طلقها وبانت منه، ثم تزوجها قبل أن تكلم زيدًا، ثم كلمت زيدًا بعد التزويج، تطلق ولَّا ما تطلق؟
هذه على المذهب وغير المذهب تطلق؛ لأن يمينه لم تنحل، والسبب أنها لم تنحل؟ لأن الصفة لم تُوجد، فتطلق بكل حال، لكن ذكر شيخ الإسلام ﵀ قولًا في هذه المسألة أنها لا تطلق؛ لأن الظاهر أنه أراد وقوع الصفة في النكاح الأول اللي علق عليه ().
[ ١ / ٦٥٨٤ ]
ذكر المؤلف أن الإنسان إذا علق طلاق زوجته على صفة، مثل: دخول الدار وكلام زيد، وما أشبهه، ثم طلق طلاقًا بائنًا، فوُجِدت الصفة في حال البينونة، ثم نكح نكاحًا جديدًا فوجدت الصفة في النكاح الثاني، فهل يعود الطلاق ولَّا لا؟
المذهب أنه يعود، والقول الثاني: أنه لا يعود مطلقًا، والقول الثالث: إن بانت بالثلاث لم يعُد، وإن بانت بدونها فإنه يعود، هذا إذا وجدت في حال البينونة، أما إذا لم تُوجد حال البينونة مثل أن يقول لها: إن كلمتِ زيدًا فأنتِ طالق، ثم طلقها فبانت منه، ثم تزوجها فكلمت زيدًا فهنا تطلق؟
طالب: تبرأ.
الشيخ: تطلق على رأي أكثر أهل العلم، حتى على قول الجمهور؛ لأن الصفة لم تُوجد فلم تنحل اليمين.
وقال بعض أهل العلم: إنها لا تطلق أيضًا حتى في هذه الصورة؛ وذلك لأنها انقطعت أحكام النكاح الأول بماذا؟ بالبينونة، انقطعت بالبينونة فلا تعود الصفة.
وفي الحقيقة أنك إذا تدبرت الأمر وجدت أن هذا القول أرجح من غيره؛ لأن الظاهر من هذا الزوج أنه لم يطرأ على باله أن هذا التعليق يشمل النكاح الجديد، اللهم إلا إذا كان علقها على صفة يريد ألا تتصف بها مطلقًا، فهذا قد يُقال: إنها تعود الصفة.
لكن رأي الجمهور على أنها إذا لم تُوجد الصفة في حال البينونة، فإنها إذا وُجِدت في النكاح الثاني طلقت مُطلقًا حتى لو كان في ملكه الثلاث.
قول المؤلف: (كعِتق) يعني كما لو علَّق الإنسان عتق عبده على شيء، ثم باع العبد فوُجد الصفة التي علق عتقه عليها، ثم اشتراه فوُجدت بعد شرائه، واضح؟ مثل أن قال لعبده: إن فعلتَ كذا وكذا فأنت حر، ولم يفعله، فباعه على زيد، ثم فعله في ملك زيد يعتق ولَّا لا؟
الطلبة: ما يعتق.
الشيخ: ما يعتق؟ !
طالب: نعم، ليس في ملكه.
الشيخ: ليس في ملكه تمام. ثم اشتراه من زيد وفعل بعد أن اشتراه فإنه يعتق؛ لأنه وجد في التعليق والفعل وهو في ملكه فيعتق. هذا معنى قوله: (كعتق).
[ ١ / ٦٥٨٥ ]
وقوله: (وإلا فلا) يعني وإن لم تُوجد الصفة في النكاح الثاني فإنها لا تطلق إذا وُجِدت حال البينونة؛ لأنها حال البينونة ليست زوجة له، كما أن الشرط الذي عُلِّق عليه العتق إذا وُجِد بعد خروج ملكه عنه لا يحصل به العتق.
طالب: طيب يا شيخ، () فيه خلاف ().
***
[مدخل (١)
الشيخ: (الطلاق) اسم مصدر طلَّق، والمصدر تطليق.
مثل: كلَّم، يُكلِّم، تكليمًا، واسم المصدر كلام.
فالطلاق إذن اسم مصدر طلق، واسم مصدر يوافق المصدر في المعنى، لكن يخالفه في الحروف، وهو مأخوذ من التخلية والإطلاق الذي هو ضد القيد؛ وذلك لأن النكاح عقْد وقيد، فإذا فرقت المرأة انطلق ذلك القيد.
ولهذا نقول: إن تعريفه في الاصطلاح: هو حل قيد النكاح أو بعضه، إن كان بائنًا فهو حل لقيد النكاح كله، وإن كان رجعيًّا فهو حلٌّ لبعضه، ولهذا إذا طلق مرة نقص فيبقى له طلقتان، وإذا طلق اثنتين بقي له واحدة، فهو إذن حل قيد النكاح أو بعضه؛ يعني أو حل بعض النكاح أو بعض قيده.
وإذا تأملت وجدت أن الزوج هو الذي بيده الأمر، وأن المرأة عنده كالناقة المعقولة؛ ولهذا أمر النبي ﵊ بأن نتقي الله في النساء، وقال: «إِنَّهُنَّ عَوَانٍ عِنْدَكُمْ» (٢). والعاني: هو الأسير، وبه يظهر ما فضَّل الله به الرجل على المرأة، ونعرف أن الذين ينادون بتسوية الرجل والمرأة قد ضادوا الله تعالى في حكمه الكوني والشرعي؛ أليس كذلك؟
[ ١ / ٦٥٨٦ ]
لأن المرأة لا تساوي الرجل، لا من حيث الخلقة، ولا من حيث الخلق، ولا من حيث العقل، ولا تساويه بأي حال من الأحوال، لكن أولئك قومٌ -والعياذ بالله- تشبَّعوا بما عند أعداء المسلمين، من تقديس المرأة وتسييدها حتى إنهم يقدمونها على الرجال حينما تُذكَر مع الرجل، فصار هؤلاء الْجُهَّال والسفهاء التابعون لكل ناعق صاروا يقلدونهم، ويرون أنهم إنما صنعوا الطائرات والمراكب والدبابات والأسلحة الفتاكة بأنهم ساووا المرأة بالرجل، فظنوا أن انحطاطهم في الأخلاق هو الذي أرقاهم إلى هذا، وأن تأخرنا نحن بسبب أننا تمسكنا بهذا الدين، الذي يزعم بعض الملاحدة أنه أفيون الشعوب والعياذ بالله، يعني مخدر الشعوب.
والحقيقة أن الذي أخرنا ليس هو الإسلام، ولكن تخلفنا عن الإسلام، وتعطيلنا لتوجيهات الإسلام، وإلا فالرب ﷿ يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠].
ولما كانت الأمة الإسلامية من قبل متمسكة بالإسلام صار لها من الظهور والعظمة ما صار أولئك يقلدونها، حتى إنهم يقولون: إن هارون الرشيد لما أهدى إلى شارلمان ملك فرنسا ساعةً، وشغلت عنده نفر وهرب، وقال: إن هذا سحر من العرب! شوفتم كيف؟ الآن انقلبت المسألة، صار آلاتهم اللي يوجهونها لنا الآن نقول: هذه سحر! نعم، كله بسبب تخلفنا.
ففي الواقع لو أننا أنزلنا القرآن في قلوبنا منزلة الشيء المحبوب المرغوب، وفي أعمالنا منزلة المنهاج الذي نسير عليه ما غلبتنا قوة في الأرض من كل ناحية، لكن بالتخلف حصل ما حصل.
[ ١ / ٦٥٨٧ ]
فالمهم يا إخواننا أن الواجب علينا نحن طلبة العلم أن نُكرِّس جهودنا ضد هذا السيل الجارف، الذي نسمعه الآن يُنادَى به أحيانًا بتسوية المرأة بالرجل، الذي حقيقته هدم أخلاق المرأة وفساد الأسرة، وانطلاق المرأة في الشوارع متبرجة متبهِّية بأحسن جمال -والعياذ بالله- والثياب، حتى تتفكك الأسرة، وشر هذا ليس هذا موضع بسطه، إنما نحن طلبة العلم نعرف أن لطالب العلم مقامًا عند العامة، فإذا بدأ يتكلم في كل مناسبة، ما أقول في كل مجلس، في كل مناسبة ضد هذه المبادئ الخبيثة صار في هذا خير كثير، ودرء مفاسد كثيرة.
طالب: شيخ، لكن ().
الشيخ: الطلاق إذن عرفنا أنه اصطلاحًا: حل قيد النكاح أو بعضه.
وعرفنا من كلمة طلاق الصادر من الزوج أن المرأة عند الرجل بمنزلة الناقة المعقولة، وقد شبهها الرسول ﵊ بأنها كالأسير (٢)، وهذا يدل على فضل الرجل عليها.
واعلم أن الطلاق لا يكون إلا بعد نكاح؛ لأنه يقول: حل قيد النكاح، فقبل النكاح لا طلاق، فلو قال رجل لامرأة: إن تزوجتكِ فأنتِ طالق فتزوجها؟
طلبة: لا يقع.
الشيخ: تطلق؟ ما تطلق. رجل قالت له زوجته: سمعت أنك تريد أن تتزوج وهذا لا يرضيني، فضيقت عليه، فقال لها: ترضين أن أقول: إن تزوجتُ امرأةً فهي طالق؟ قالت: يكفي، رضيت، وما تزوج إلى الآن؟
طالب: أرضاها.
الشيخ: أرضاها؛ ولكنه بالخيار لو تزوج لن تطلق؛ لأنه قبل النكاح.
أما أحكام الطلاق فإنه تتعلق فيه الأحكام الخمسة، تجري فيه الأحكام الخمسة، يكون واجبًا، وحرامًا، وسُنة، ومكروهًا، ومباحًا.
وما هو الأصل؟ الأصل الكراهة.
[ ١ / ٦٥٨٨ ]
الدليل قوله تعالى في الذين يؤلون من نسائهم: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] ويش معنى يؤلون؟ يحلف أنه ما يطؤها قال: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦، ٢٢٧]، شوف في الطلاق قال: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، وهذا فيه شيء من التهديد لكن في الفيئة ويش قال؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فدل هذا على أن الطلاق غير محبوب إلى الله ﷿، وأن الأصل الكراهة وهو كذلك.
وأما حديث: «أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ» (٣)، فهو ضعيف ولا يصح معناه، حتى في المعنى ما يصح. لكن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧] يُغنِي عنه.
قال المؤلف: (يباح للحاجة) حاجة من؟ حاجة الزوج، إذا احتاج فإنه يُباح له.
مثل ألا يستطيع الصبر على امرأته، مع أن الله ﷾ أشار إلى أن الصبر أولى، فقال: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩] لكن أحيانًا لا يتمكن الإنسان من البقاء مع هذه الزوجة، فإذا احتاج فإنه يباح له أن يُطلِّق، ويش الدليل؟ الدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، ما قال: يا أيها النبي، لا تطلقوا النساء. وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، فإذا احتاج الإنسان إليه فقد أباحه الله ﷿، وهذا من حكمة الله ﷿.
[ ١ / ٦٥٨٩ ]
وقد كان أعداء المسلمين يطعنون على المسلمين في جواز الطلاق؛ لأنهم ما يودون المرأة تمرض أو تحزن، يقولون: خليها تكسر البيت على رأسك ولا تطلقها، مع أن هذا العيب حقيقة الأمر أنه عيب عليه؛ لماذا؟ لأننا نعلم علم اليقين أن الرجل إذا أمسكها على هون، وهو لا يريدها ولا يحبها، ماذا يحصل لها من التعاسة؟ شيء لا يُطاق، لكن إذا طلقها يرزقها الله ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠]، فكان ما جاء به الإسلام هو الحِكمة، والرحمة أيضًا، وإلا فإلزام الإنسان بمعاشرة من لا يحب من أصعب الأمور حتى قال المتنبي:
وَمِنْ نَكَدِ الدُّنْيَا عَلَى الْحُرِّ أَنْ يَرَى
عَدُوًّا لَهُ مَا مِنْ صَدَاقَتِهِ بُدُّ
صحيح على نكد الدنيا، إنك تشوف عدو ويقول لك: لكن لازم تصادقه، يبلاك بالبلاوي، إلا تصادق هذا العدو.
إذن يُباح للحاجة، شوف يُباح للحاجة، هذه واحدة، والمراد حاجة من؟
طلبة: الزوج.
الشيخ: الزوج، اللام في قوله: (للحاجة) يحتمل أن تكون للتعليل، ويحتمل أن تكون للتوقيت، يعني معناه: يحتمل أن يكون المعنى يُباح الطلاق إذا احتاج إليه للحاجة إليه، ويحتمل أن يكون المعنى: يُباح وقت الحاجة، فتكون أيش؟ تكون للتوقيت.
ثانيًا ..
طالب: ().
الشيخ: توقيت.
الطالب: ().
الشيخ: ومن نكد الدنيا على الحر ().
(يكره لعدمها) عدم أيش؟
طلبة: عدم الحاجة.
الشيخ: عدم الحاجة، يعني مع استقامة الحال يُكره.
وقد ذكرنا أن الإشارة في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧]؛ لأن هذا فيه الإيماء والتنبيه على أن الطلاق مكروه عند الله، هذا دليل أثري.
[ ١ / ٦٥٩٠ ]
الدليل النظري: أن الطلاق يترتب عليه تشتت الأسرة، لا سيما إذا جاء منه أولاد، ويترتب عليه ضياع المرأة، وربما يترتب عليه ضياع الرجل أيضًا، قد لا يجد زوجة، قد لا يأتي بزوجة، ثم إنه إذا علم الإنسان بإنه مطلاق لا يزوجه الناس، فلعلل كثيرة نقول: إنه يكره.
(ويكره لعدمها، ويستحب للضرر) (يستحب للضرر) ضرر من؟ ضرر المرأة، إذا رأى أنها متضررة، وأنها تعبانة، فإنه يُستحب أن يُطلقها، ولو كان راغبًا فيها، مثل لو فُرض أن المرأة لما تزوجها أصابها مرض نفسي، كما يقع كثيرًا نسأل الله العافية، مرض نفسي وضجرت وتعبت، ولا استقامت الحال مع زوجها، وهو يحبها، نقول: هنا يُستحب أن تطلقها لما في ذلك من الإحسان إليها بإزالة الضرر عنها، أما ما يفعله بعض الجبابرة -والعياذ بالله- يقول: أنا ما أطلق حتى ترد عليَّ ما أمهرتها أو أكثر، فهذا -والعياذ بالله- ظلم إذا، رآها متضررة، فالذي ينبغي إذا رأى أنها متضررة أن يطلق سراحها.
وهل نقول: في هذه الحال ينبغي أن يشاورها أو ()؟
طلبة: ينبغي أن نشاورها.
الشيخ: أن ينبغي أن يقول: أنتِ مثلًا كما ترين يكفي أنكِ أصبت بهذا الأمر، فإن رغبتِ أن أطلقك فلا حرج، في هذه الحال أنا أتردد، هل إنه يستحب أن يشاورها أو لا يستحب؟ السبب لأنها ربما أنها يكون عندها رغبة في الزوج، وتقول: لا، أرغب أني أبقى، فبقاؤها يكون ضررًا عليها وهدم مصلحتها.
فإذا قلنا: إنه يجعل المسألة من جهته هو على أنه معالج وطبيب، إذا رأى أن المصلحة مصلحتها تقتضي أن يطلقها طلقها.
[ ١ / ٦٥٩١ ]
نعم لو استضاقت منه لقلة ذات اليد، مثل إنسان فقير، وهي مثلًا من بيت أغنياء، وشاف أن المرأة متضجرة من فقره، فهنا نقول: يُستحب أن يشاورها، مثلما أمر الله نبيه ﵊ في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨، ٢٩] أول من بدأ بها عائشة ﵂ وهي أصغرهن، وخاف ﷺ أنها لصغرها تريد الحياة الدنيا، فقال: «مَا عَلَيْكِ أَلَّا تَسْتَأْذِنِي أَبَوَيْكِ فِي هَذَا». يعني معناه: شاوري أبويك في هذا الأمر فقالت: يا رسول الله، أفي هذا استأمر أبويَّ؟ ! إني أريد الله والدار الآخرة (٤). ﵂.
فالمهم إذا كان أن السبب هو قلة ذات يد الرجل، أو سوء عشرته مثلًا، أو ما أشبه ذلك؛ لأن بعض الناس يكون أحمق ضيق النفس، وهذه نرى أنه يشاورها، وأما إذا كان ذلك لسبب فيها هي، فأرى أن ().
طالب: () كيف () وهي تفوت واجبًا؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: يعني كونها تستنكر عليه ()، فيعتبر منكرًا كبيرًا ()؟
الشيخ: أعطها لعل الله يعطيك.
الطالب: لعلها لا تصلي أو كذا.
الشيخ: لا، اللي ما تصلي ما تبقى زوجة.
الطالب: أو متبرجة أو نحو ذلك؟
الشيخ: ما يخالف هي إذا بقيت عندي لا شك أن أهون من إذا راحت لأهلها يقينًا.
الطالب: يعني إن كانت على معصية غير مُكفِّرة فهو يبقيها؟
[ ١ / ٦٥٩٢ ]
الشيخ: إي نعم، يُبقيها، هذا إذا كان يمكن العلاج لها؛ لأنه ربما ذهب بعض الناس؛ لأن للأسف تجدون بعض الناس يكون رجلًا ثيابه ثياب رجل، أو صورته صورة رجل لكنه امرأة تغلبه هي، أخشى أن هي بعد تفسد دينه، فالمسألة ترجع عاد إلى قوة الرجل وصلابته.
(يجب للإيلاء) أيش معنى الإيلاء قبل؟
الإيلاء: مصدر آلى يُؤلي، بمعنى حلف يحلِف، وهو أن يحلف الرجل على ترك وطء زوجته أكثر من أربعة أشهر، بأن يقول: والله لا أجامعكِ، إما لمدة سنة، أو يطلق، فهنا حدد الله ﷾ أيش حدد؟ أربعة أشهر، إذا تمت الأربعة وجب عليه واحد من أمرين: إما الرجوع، ويكفر كفارة يمين، وإما الطلاق يجب، وإذا لم يفعل أُلزم، أو طلَّق عليه الحاكم.
كذلك يجب عليه أن يُطلِّق إذا اختلت عِفَّة المرأة ولم يمكنه الإصلاح، فإنه يجب عليه أن يطلق في هذه الحال، لو كانت المرأة، والعياذ بالله تفعل الفاحشة، وهو لا يستطيع أن يمنعها، فإنه يجب عليه أن يطلق، فإن لم يفعل صار ديوثًا.
وكذلك يقول المؤلف: (ويحرم للبدعة) يعني: إذا كان في طلاق بدعة، وهذا من التعبير الغريب؛ لأن المعروف عند أهل العلم أن البِدع في جانب الاعتقاد، وهنا جعلوها في جانب العمليات، ولكنهم جعلوها بدعة لمخالفة الشرع.
طلاق البِدعة يكون في الكمية والوقت، يعني: إما أن يكون بدعة لوقوعه في وقت محرم، أو بدعة لكونه بعدد محرم.
البدعة في الوقت، مثل أن يطلقها وهي حائض، فإن هذا بدعة حرام، أو في طهر جامعها فيه وهي من ذوات الحيض، فإن كانت ممن لا يحيض فلا بأس أن يطلقها، إذا صغيرة ولا عجوز كبيرة، ولم يتبين حملها أيضًا نزيد في هذا، في طُهْرٍ جامعها فيه وهي من ذوات الحيض، أيش بعد؟ ولم يتبين حملها، فإن تبين حملها جاز طلاقها، ولو كان قد جامعها فيه في الطهر، وفي هذه المسألة قد تكلم على هذا، لكن نحن نتعرض له هنا لنبين البدعة.
فقال: البدعة إما في الوقت، وإما في العدد.
[ ١ / ٦٥٩٣ ]
البدعة في الوقت تنحصر في شيئين: أن يطلقها في الحيض، أو في طهر جامعها فيه، وهي من ذوات الحيض ولم يتبين حملها.
البدعة في العدد: أن يطلقها أكثر من واحدة، مثل أن يطلقها ثنتين فيقول: أنتِ طالق طلقتين، أو يقول: أنتِ طالق ثلاثًا، هذه من البدع؛ لأن السنة أن يطلقها واحدة.
طالب: شيخ ().
الشيخ: (ويحرم بالبدعة ويصح)، صارت الأحكام خمسة الآن؟
خمسة؟ يباح للحاجة، ويكره لعدمه، ويستحب للضرر، ويجب للإيلاء، ويحرم بالبدعة.
وذكرنا أيضًا أنه يجب فيما إذا اختلت عفة الزوجة ولم يتمكن في إصلاحها.
طالب: ().
الشيخ: بيجينا إن شاء الله تعالى، بيجي في الطلاق أن هذا لا يدل على أنها تفعل الفاحشة.
قال المؤلف: (ويصح من زوج مكلف، ومميز يعقله)
يصح الطلاق في هذه الصورة (من زوج) فغير الزوج لا يصح منه الطلاق، إلا أن يقوم مقام الزوج بوكالة فلا بأس، إنما ما يصح من غير الزوج؛ يعني إذن نقول: من زوجٍ أو من يقوم مقامه، فلو طلق امرأة قبل أن يتزوجها يصح؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لو قال لامرأة واجهها قال: أنتِ طالق، وبعدين تزوجها؟
الطلبة: ما يصح.
الشيخ: وكذلك لو قال: إن تزوجتكِ فأنتِ طالق ما يقع؛ لأن الله يقول في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ ويش بعده؟ ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، ولأنه لا يتصور طلاق بلا عقد، ما هو اسمه طلاق، طلاق منين وهو ما تزوج؟ يمكن هذا ولا؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما يمكن، فمعنى الطلاق لا يمكن أن يثبت إلا بنكاح.
الدليل من الآية: ﴿ثُمَّ﴾ وثم للترتيب.
ومن المعنى أيضًا: لأنه كيف يكون طلاق بلا عقد؟ ! هذا لا يتصور، فإذن لا بد أن يكون زوجًا.
فإذا قال قائل: المعروف في مذهب الإمام أحمد أنه إذا قال لعبد: إن ملكتك فأنت حُرٌّ، ثم ملكه، المعروف عند الإمام أحمد ولا فيه خلاف أن العبد يعتق.
الطالب: ويُعْتَق؟
[ ١ / ٦٥٩٤ ]
الشيخ: يَعْتِقُ ما هو يُعْتِق، إذا قال: إن ملكتك، أو إذا ملكتك فأنت حر، ثم ملكه يقول: إنه يعتق، بخلاف إن تزوجتك فأنتِ طالق.
قالوا: إن الفرق بينهما أن شراء العبد يراد للعتق، لكن زواج المرأة يراد به الطلاق؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، فالشراء يراد للعتق فيكون مقصودًا شرعيًّا، ولهذا من وجب عليه إعتاق رقبة، وعنده دراهم ولا عنده رقبة، ما هو الطريق إلى إعتاقها؟
الطالب: يشتري.
الشيخ: يشتري، إذن فالشراء يراد للعتق، فصح تعليق العتق عليه؛ لأنه مقصود شرعًا، لكن النكاح لا يراد للطلاق، ومن ثم أظن مر علينا نكاح المحلل ويش حكمه؟
الطلبة: حرام.
الشيخ: باطل أيضًا؛ لأن المحلل لا يريدها للاستمتاع بها للطلاق، فلهذا هو الفرق بينهما، وهو فرق وجيه واضح.
الطالب: () أن الطلاق المكروه، وأن العتق مستحب؟
الشيخ: لا؛ لأن لو قلنا بأن الطلاق مكروه لكان الطلاق بعد النكاح إذا كان في حال الكراهة ما يكره، فنبعد هذه الكراهة، لو عللنا بالكراهة لكان لا فرق بين التي زوجت ولَّا ما زوجت، لكن العلة أن الطلاق لا يراد في النكاح بخلاف العتق فيُراد به الشراء.
(ويصح من زوج) هذا واحد، (مُكلَّف) من المكلف؟
الطلبة: الزوج.
الشيخ: من هو؟
الطلبة: البالغ العاقل.
الشيخ: البالغ العاقل، فخرج بالبالغ الصغير، وخرج بالعاقل المجنون، لكن الصغير قال: (ومميِّز يعقله) لما كان خارجًا بقوله: (مكلف) دخل الآن، فصار الصغير المميِّز اللي يعقل الطلاق يصح طلاقه.
من هو المميِّز؟ المميز سبق أن المذهب أنه محدود بالسن، والقول الثاني أنه محدود بالحال، محدود بالسن كم؟ سبع سنوات.
[ ١ / ٦٥٩٥ ]
محدود بالحال بأن يُقال: إن المميز هو الذي يفهم الخطاب ويرد الجواب، هذا المميز؛ لكن اشترط أيضًا المؤلف اشترط في المميز (أن يعقله)، وينبغي أن نجعل (يعقله) عائدة على كل الأوصاف، على (مكلَّف) وعلى (مميز)؛ لأن من لا يعقل معنى الطلاق لا يقع منه الطلاق ولو كان مكلفًا، لو فرضنا رجلًا أعجميًّا ما يعرف معنى الطلاق، فتكلم به باللسان العربي، وهو لا يعقله يقع طلاقه؟
الطلبة: لا.
الشيخ: ما يقع طلاقه؛ لأنه ما يعقل معناه، الصبي أيضًا المميِّز قال لزوجته: أنتِ طالق، أنتِ طالق، ثم قلنا: ويش معنى، أتدري معنى أنت طالق؟ قال: ما أدري ويش معناها، ويش معناها؟ قال: معناه ما ربطت، نعم! ويش صار الآن؟
الطلبة: ما يعقل.
الشيخ: صار يعقل الطلاق ولا ما يعقله؟
الطلبة: ما يعقل.
الشيخ: صار لا يعقله، إذن لا يقع طلاقه؛ لكن لو سألناه قلنا: أتعرف الطلاق؟ قال: نعم، الطلاق معناه: أنه حصلت المفارقة بيني وبينها، وأصبحت غير زوجة لي، صار الآن يعقله فيقع طلاقه.
اشتراط أن يكون يعقله؛ لقول النبي ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (٥). ومن لا يعقل الشيء لا ينويه.
اشتراط أن يكون من زوج، بينا قول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩].
رجل حدثنا الناس أنه تكلم على زوجته في بيته، وطال النزاع بينهما، وظهرت أصواتهما للجيران، فقال الزوج: أنتِ طالق، أنتِ طالق، أنتِ طالق، وكانت امرأة جاره تسمع، فجاءت وقالت: يا أبا فلان، كيف تطلق أم عيالك؟ قال: وأنتِ طالق معها؟ نعم، ويش رأيكم في هذا؟
الطلبة: ما يقع، ما يملك.
الشيخ: يقع ولَّا؟
الطلبة: ما يقع.
الشيخ: ما يقع الطلاق، معروف، لماذا؟
الطلبة: لأنه ما يملك.
الشيخ: لأنه لا يملك، ليست زوجته.
الطالب: الكلام على طلاق زوجته؟
[ ١ / ٦٥٩٦ ]
الشيخ: زوجته وقع الطلاق، لكن هي بس غيرة منها بنت حلال تقول: ليش أنك تتطلق، وهو مع الغضب قال: أنت بعد طالق معها.
طالب: الطلاق ما يقع ()
الشيخ: قال المؤلف: (ومن زال عقله معذورًا)
(من زال عقله معذورًا) كلمة (مكلف) قلنا: تعني أنه بالغ عاقل، إذا زال عقله؟
زوال العقل في الحقيقة له أقسام كثيرة وصور كثيرة:
منها: أن يزول عقله بالنوم، نام إنسان وسمعناه يقول لزوجته: أنتِ طالق، أو يقول: فلانة بنت فلان زوجتي طالق، وهو نايم، تطلق؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟ ما من عقل، «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ» ومنهم: «النَّائِم حَتَّى يَسْتَيْقِظَ» (٦).
كذلك أيضًا إنسان أغمي عليه، نسأل الله العافية، بمرض أغمي عليه بمرض، وطلَّق زوجته في حال الإغماء؟
الطلبة: ما يقع.
الشيخ: ما يقع، إنسان بُنِّج للدواء، وفي حال البنج بدأ يطلق زوجته يقع الطلاق؟
الطالب: لا، ما يقع.
الشيخ: لا؛ لأنه معذور، نعم، إنسان خرَّف، شايب وصل إلى التخريف والهزرات، وصار طول النهار ما همه إلا يقول لزوجته: قومي أنت طالق، كل ما جابت له الشاهي ولا شيء يقول: قومي أنتِ طالق، يكون مخرفًا؟ لا يقع الطلاق؟
الطلبة: لا يقع.
الشيخ: ليش؟
الطلبة: لأنه لا يعقل.
الشيخ: زال عقله معذورًا، معذور، كبر، فصار كل من زال عقله معذورًا فإن طلاقه لا يقع.
رجل شرب الخمر جاهلًا أنه خمر، فسكر، فطلَّق؟
الطلبة: لا يقع.
الشيخ: لا يقع طلاقه؛ لأنه معذور.
رجل أُكْره على شُرْب الخمر فشربه، فسكر فطلَّق، فكذلك لا يقع طلاقه؛ لأنه معذور.
فالحاصل أنه إذا زال العقل بعذر شرعي، أو بعذر عادي كالنوم، أو بعذر طارئ كالمرض، فإنه؟
الطالب: ما يقع.
الشيخ: لا يقع طلاقه.
قال المؤلف: (وعكسه الآثم) يعني يقع طلاقه ولَّا لا؟
الطلبة: يقع.
[ ١ / ٦٥٩٧ ]
الشيخ: فمن زال عقله غير معذور فإنه يقع طلاقه؛ لأنه لا عذر له، مثاله: السكران باختياره، إنسان، والعياذ بالله، شرب وسكر، شرب فسكر فإنه يقع طلاقه؛ لأنه ليس بمعذور، فالسكر محرم بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين، فهو غير معذور في زوال عقله؛ فيقع طلاقه.
هذا هو المشهور من المذهب، وعِلَّتهم أو تعليلهم أنه أيش؟
طالب: غير معذور.
الشيخ: غير معذور، وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال: إن السكران غير المعذور يقع طلاقه، وهذا هو المذهب.
وعللوا بذلك بأنه ليس بمعذور فيه، فيكون كالصاحي، وبأن هذا أنكى له وأزيد في عقوبته، وربما لا يردعه عن شرب الخمر إلا الخوف من هذا الأمر، فيكون في ذلك مصلحة الردع.
وقال بعض أهل العلم: إن السكران لا يقع طلاقه؛ لأنه إذا أثم عُوقِب على إثمه، لكن إذا تكلم بدون عقل، فكيف نلزمه بمقتضى كلامه وهو لا يعقله؟ ! هذا يخالف قول الرسول ﵊: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (٥)، فإن هذا السكران حينما تكلم وقال: زوجتي طالق، نوى ولَّا ما نوى؟
الطلبة: ما نوى.
الشيخ: ما يدري أيش يقول، فهذا لا يقع طلاقه، وكونه آثمًا له عقوبة، العقوبة الخاصة، وهي: التعزير بالجلد، أما التعزير باعتبار كلامه مع عدم عقله، فهذا زيادة فلا نُعزِّره.
[ ١ / ٦٥٩٨ ]
وهذا هو الذي صح به الأثر عن عثمان ﵁ (٧)، وكان عمر بن عبد العزيز ﵀ يقضي على السكران بالتأديب والإلزام بالطلاق إذا طلق، فلما ذُكِر له الأثر عن عثمان رجع، فصار يؤدبه ولا يقع طلاقه، وهذا القول أصح، وهو الذي رجع إليه الإمام أحمد ﵀، كان الإمام أحمد يقول بطلاق السكران حتى تبينه يعني: حتى تأمل، وتبين له أنه لا يقع، وقال: إني إذا قلت: يقع، أتيت خصلتين، حرمتها عليه وأحللتها لغيره، وإذا قلت: لا يقع فإنما أتيت خصلة واحدة، وهو أنني أحللتها له، فعلى هذا يكون مذهب الإمام أحمد شخصيًّا أنه لا يقع، أما مذهبه الاصطلاحي فإنه يقع، لكن ما رأيكم الآن؟
هو لا شك أن هذا أصح دليلًا وأظهر، كما قاله صاحب الإنصاف، ولا شك أنه أظهر في الدليل، لكن هل يجوز للإنسان أن يُلزم به السكران لعله يرتدع؟ !
طلبة: لا، شيخ.
الشيخ: نقول: إذا لم يتضمن ضررًا على الزوجة؛ لأنه قد يكون ضرر على الزوجة، إذا أذن له بالطلاق، تكون الزوجة ذات أولاد منه، ثم يقع الإشكال في المستقبل، ثم إننا لا نأمن أيضًا وما نجزم أن يكون في ذلك إصلاح له، ربما أنه رجل لا يهتم، ما يهمه أن تبقى زوجته أو ما تبقى.
فالظاهر لي أنه لا ينبغي الإفتاء بوقوع الطلاق، ما دام أن الأصح من حيث النظر عدم الوقوع، اللهم إلا فيما لو كانت الزوجة هي التي تطلب هذا، تطلب الفراق، وأن بقاءها معه متعب، فهنا لو أننا أخذنا بهذا القول من باب التأديب وردع الناس فإنه لا بأس به، كما كان ذلك من سياسة عمر ﵁.
عمر إذا لم يرتدع الناس عن الشيء ألزمهم بمقتضاه، مثل ما ألزمهم بالطلاق الثلاث، فكان الناس الطلاق الثلاث واحدة، لكن لما بدؤوا ما يهتمون بهذا الشيء ويطلقون ثلاثًا، قال: فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم (٨) ().
(ومن أكره عليه ظلمًا) (من أكره) (أُكِره): فعل ماضٍ مبني للمجهول، يعني أكرهه أحد.
(عليه) الضمير يعود على الطلاق.
[ ١ / ٦٥٩٩ ]
(ظلمًا): هذه حال، مصدر في موضع الحال، أي مظلومًا، أُكره عليه مظلومًا؛ يعني معناه أن الإكراه بغير حق، هذا واحد، بأن قال له إنسان: لازم أن تطلق زوجتك، ففعل، لكن طلَّق تبعًا لقوله، لا قاصدًا للطلاق فإنه لا يقع الطلاق؛ لأنه لم ينوِه، وإنما نوى دفع الإكراه، وقد قال النبي ﵊: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (٥)، وهذا ما نوى الطلاق. طيب هذا معنى كلامه.
وقوله: (ظُلمًا) احترازًا مما لو أُكرِه عليه حقًّا، وذلك مثل: المولِي إذا تمت عليه أربعة أشهر، فأبى أن يرجع، وأبى أن يُطلِّق، فأكرهه الحاكم عليه وطلَّق فإن الطلاق يقع؛ لأنه بحق، وكل محرَّم يكون بحق فإنه يزول التحريم فيه؛ لأن الشيء لا يُحرَّم إلا لأنه باطل، فإذا انقلب الشيء حقًّا صار غير محرم، فنقول مثلًا: إذا أُكرِه عليه بحق فإنه لا يقع الطلاق.
كذلك لو أُكرِه عليه لكونه لا يقوم بالنفقة الواجبة للزوجة، فقيل له: أنفِق، فكان يماطل ويأبى، فإننا نُكرهه ونلزمه يطلق، فإن أبى في هذه الحال أن يطلق، قال: () اللحم ما يمكن أطلق، فإن القاضي يتولى التطليق عنه.
ومن هذا ما سبق لنا في باب الخلع إذا كرهت المرأة البقاء مع الزوج، وقالت: أنا لا أعيب عليه في خلق ولا دين، لكن ما أقدر أبقى معه أبدًا، فقد سبق أنه يُكره على الصحيح على المخالعة، بشرط أن يُرد إليه ما أنفق على زوجته من المهر.
وقول المؤلف: (بإيلام له) هذا تمثيل للإكراه (بإيلام له) يعني معناه: هذا المكرِه آلَمَه بماذا؟
طالب: بالضرب.
الشيخ: بضرب، أو حبس، أو تقييد، يجي مثلًا بالرمضاء في أيام الصيف، وفي أيام القيظ، قال: ما يمكن أن أطلقك، خليك في الرمضاء حتى أنك تطلق.
[ ١ / ٦٦٠٠ ]
أو بمنع ما ينقذه، مثل ما ذكر وهو ضعيف: أن رجلًا في عهد عمر بن الخطاب ﵁ خرج يشتار عسلًا يأخذه من الجبال، فنزل فدلت إليه امرأته الحبل التي يصعد به، فلما وصل إلى المكان وجاء ليطلع، قالت: لا، ما يمكن أن أعطيك الحبل حتى تطلقني، ما في غير هذه؟ قالت: أبدًا ما فيه، فطلق، فذهب إلى عمر ﵁، فقال: المرأة امرأتك (٩). ولم ينفذ الطلاق، ويش السبب؟
الطالب: لأنه مكره.
الشيخ: مكره، لأنه لو ما ترسل عليه الحبل، ويتمسك ويطلع بقي في هذه الحفرة حتى يموت، هذا أيضًا من الإكراه.
كذلك (أو لولده) إيلامًا لولده، هو ما جرى له شيء، لكن مسكوا ولده وبدؤوا يعصرونه قدامه، وقالوا: ما يمكن أن نطلق الولد بأنه تطلق، يُطلِّق؟
الطالب: نعم، يطلق لإنقاذ ولده.
الشيخ: طيب، لكن لو قال قائل: هو ما تألم الآن؟ نقول: صحيح أنه ما تألم بدنًا، لكن تألم قلبًا، هذا يمكن أشد عليه مما لو كان هذا الفعل به هو.
(أو لولده، أو أخذ مالٍ يضره) انتبهوا لكلمة (يضره)؛ لأنها بتختلف بحسب الناس، واحد يمكن لو تأخذ منه مليون ريال ما يضره، وواحد لو أخذت منه عشرة ريالات يضره، صح ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: الإنسان اللي عنده مئة مليون إذا أُخذ منه مليون، يقول: الحمد لله عندي تسعة ملايين، لكن عشرة ريالات ما عنده غير عشرة، ويأخذ منهم ريالًا يجيب الخبز، غداء وعشاء، وأخذت العشرة، تضره ولَّا لا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: منين يأكل؟
فالقاعدة إذن يعود على الضرر، ولهذا المؤلف ﵀ ما قال: أخذت عشرة دراهم، عشرين درهمًا، مئة درهم؛ بل (أخذ مالٍ يضره).
ومنه: من المال الذي يضر، لو كان عليه ثوب في أيام الشتاء يقيه من البرد، هذا الثوب يسوى درهمين، وهو رجل عنده ملايين الدراهم، وافقه في برية بيأخذ من ها الثوب إلا أن يطلق، الثوب الآن يضره ولا ما يضره؟
الطلبة: نعم، يضره.
[ ١ / ٦٦٠١ ]
الشيخ: يضره، مع أنه من الناحية المالية ليس بشيء عنده، لكن الكلام على الضرر (أخذ مالٍ يضره).
(أو هدَّده بأحدها) (أحدها) ويش أحد؟ الإيلام أو أخذ مالٍ يضره.
(قادر يظنُّ إيقاعه به) شوف اشترط شرطين المؤلف: (قادر) وأنه يظن؛ أي المكره.
(إيقاعه) أي إيقاع ما هدده به، فيه، في الرجل.
فخرج بقوله: (قادرٌ) على ما لو هدده إنسان عاجز، واحد رجل شاب يمتلئ شبابًا وقوة جاء شيخ كبير عاجز، قال له: طلِّق امرأتك وإلا كسرت ها الشوم عنك، العصا، ويش يصير هذا؟
طالب: لا إكراه فيه.
الشيخ: هدده؟
الطالب: ما يمكن.
الشيخ: السبب؟
الطالب: لأنه ما يقدر عليه.
الشيخ: أنه غير قادر، ما يقدر عليه، هذا لا يعتبر إكراهًا؛ السبب لأنه غير قادر، لكن ما رأيكم لو كان مع هذا الشيخ الكبير، لو كان معه مسدس؟
طلبة: صار قادرًا.
الشيخ: صار قادرًا الآن؟
طلبة: نعم.
الشيخ: صار قادرًا. طيب كذلك أيضًا اشترط المؤلف شرطًا ثانيًا؛ أنه يظن إيقاعه به، أن المهدد يظن أن هذا المهدد يُوقِع ما هدده به، فإن كان يظن أنه لا يوقع، هو قادر الرجل المهدِّد لكن ما يُوقع هذا الشيء، إما لقوة الحكم، أو لأي سبب من الأسباب، المهم يعلم أن الرجل مهما هدد ما يقدر أنه يفعل شيئًا؟
طالب: فلا إكراه.
الشيخ: فلا إكراه، فهنا فعل وتهديد.
الفعل المؤلف قال: (أو هدد بأخذ مالٍ يضره، أو بإيلام له أو لولده) والتهديد اشترط أن يكون المهدد؟
الطلبة: قادرًا عليه.
الشيخ: (قادرًا) ويش بعد؟ (يظن إيقاعه به).
قال المؤلف: (فطلق تبعًا لقوله) شوف طلق من؟ الضمير يعود على من؟ المكرَه.
[ ١ / ٦٦٠٢ ]
طلق (تبعًا) هذه مفعول لأجله، يعني: طلق لأجل تبعه لقوله، أي: متابعةً لقوله لا قصدًا للطلاق، فحينئذٍ يكون قصده بالطلاق تبعًا، يعني دفعًا للإكراه فقط، ما نوى الطلاق، فإنه لا يقع الطلاق؛ لقول النبي ﵊: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ باِلنِّيَّاتِ، وَإِنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (٥). ولأن الاختيار في جميع العقود والفسوخ شرط، قال الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، فلا بد في جميع العقود والفسوخ أن تكون صادرة عن رضا واختيار، إلا أن يكون الإكراه بحق.
وعُلِمَ من كلام المؤلف من قوله: (تبعًا لقوله): أنه لو طلَّق بقصد إيقاع الطلاق فإنه يقع الطلاق.
وهذه المسألة مسألة كبيرة عظيمة لا تختص بمسألة الطلاق، تأتي حتى في مسألة الإكراه على الكفر، قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦].
هل يُشترط في الإكراه أن يكون قصد المكرَه متابعة المكرِه؛ بمعنى أنه لا يقصد إلا دفع الإكراه، أو نقول: إن الإكراه موجب لرفع الحرج عن المكرَه ولو نوى، ما دام قلبه لم يطمئن؛ لأن المكرَه في تلك الحال يكون مُلْجأً مُغلقًا عليه؟
أولًا: إن كان عاميًّا، هو ما يتصور الفرق بين أن يقصد دفع الإكراه، أو يقصد إيقاع الطلاق، ما عنده فرق، يقول: هذا ألزمني أن أطلق وطلقت، هكذا، لو تسأل العامي، يقول: هذا والله ألزمني أن أطلق وطلَّقت، ما يقول: أنا ألزمني أطلق فطلقت تبعًا لقوله، لا، قصدًا للطلاق.
[ ١ / ٦٦٠٣ ]
ثانيًا: إذا كان طالب علم يُفرِّق بين دفع الإكراه، وبين إرادة ما أكره عليه، فإن الإنسان بشر، ومقام المضايقات أمر لا يعلمه إلا من وقع فيه، والإنسان ما دام في سعة يجد نفسه مسيطرًا، أو يحس من نفسه أنه مسيطر على كل الأمور، لكن إذا وقع في الشدة زال عنه التفكير.
ولهذا ذهب بعض أهل العلم -وقولهم أقرب إلى الصواب- إلى أنه بالإكراه يزول الحكم مطلقًا، ما لم يطمئن إلى الشيء، وهذا بعيد؛ لأن الإنسان إذا لم يقصد الشيء ما هو ()، ما يقصده لأنه إكراه، يقول: أقصده من قبل، فهاهنا ثلاث حالات: أن لا يقصده مطلقًا، وإنما قصد دفع الإكراه، أن يقصده من أجل الإكراه، أن يطمئن به فيكون فاعلًا له أُكره عليه أم لا.
ففي الأخيرة يقع الشيء ويُحكم له بالاختيار قولًا واحدًا، وفي الأولى لا يقع قولًا واحدًا، وفي الثالثة فيها قولان، والراجح أنه لا يقع، والله أعلم ().
(يقع الطلاق في نكاحٍ مختلفٍ فيه)
الطلاق، أو بالأصح النكاح ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم متفق على صحته، وقسم متفق على بطلانه، وقسم مختلفٌ فيه.
النكاح ينقسم إلى ثلاثة أقسام: متفق على بُطلانه، ومتفق على صحته، ومختلَف فيه؛ المتفق على صحته يقع فيه الطلاق، ولا إشكال فيه، وبإجماع المسلمين، والمتفق على بطلانه لا يقع فيه الطلاق؛ لأنه باطل، والطلاق فرع عن النكاح، فإذا بطل النكاح بطل الطلاق، مثل: لو تزوج أخته من الرضاع غير عالمٍ بذلك، هو جاء أخته من الرضاع، لو تزوج أخته من الرضاع غير عالم فهذا النكاح باطل بإجماع المسلمين على بطلانه، ما يقع الطلاق فيه، وكذلك لو تزوجها وهي معتدة، تزوج امرأة وهي معتدة، فإنه لا يقع الطلاق فيه؛ لأن العلماء مُجمِعون على أن المعتدة لا يجوز نكاحها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥].
[ ١ / ٦٦٠٤ ]
النكاح المختلَف فيه لا يخلو من حالين: إما أن يرى المتزوج صحته، أو يرى بطلانه، فإن رأى صحته فإن الطلاق يقع ولا إشكال في ذلك، مثال ذلك: رجل تزوج امرأة رضعت من أمه ثلاث رضعات، وهو يرى أن الرضاع الْمُحَرِّم خمس رضعات، إذن النكاح في رأيه صحيح، هذا يقع فيه الطلاق بلا شك؛ لأنه مبني على صحة النكاح، والنكاح عنده صحيح.
وكذلك لو تزوج امرأة بدون شهود، وهو يرى أن الشهادة في النكاح ليست بشرط فالطلاق يقع ولَّا لا؟ يقع.
الحالة الثانية: أن يكون المتزوج لا يرى صحة النكاح، فإن الطلاق اختلف فيه أهل العلم، فقال بعضهم: إنه يقع فيه الطلاق، وقال بعضهم: إنه لا يقع؛ الذين قالوا: لا يقع، قالوا: لأن الطلاق فرع عن النكاح، وهذا لا يرى صحة النكاح فلا يقع الطلاق منه، وهذا تعليل جيد لا بأس به، والذين قالوا: إنه يقع، قالوا: لأنه وإن لم يرَ هو صحة النكاح لكن قد يكون غيره يرى صحته، فإذا فارقها بدون طلاق، وأتاها إنسان يرى صحة النكاح هل يتزوجها؟
الطلبة: لا.
الشيخ: ما يتزوج، إذن فهو إذا لم يطلق فسوف يُعطِّل هذه المرأة، فإذن الطلاق يصح في النكاح المختلَف فيه، وإن لم يرَ صحته المطلق.
فإذا قلتم: لماذا يقع الطلاق وهو لا يرى أن النكاح صحيح، والطلاق فرعٌ عليه؟
قلنا: من أجل ألا يحجزها عن غيره؛ لأنه قد يريدها من يرى أن النكاح صحيح، فإذا لم يُطلِّقها هذا الزوج ما راح يتزوجها؛ لأنه يرى أنها لا زالت باقية في عصمته، ولهذا قال المؤلف: (ويقع الطلاق في نكاح مختلَف فيه) قال بالشرح: ولو لم يره الْمُطلِّق.
والحكمة أنه يقع وإن لم يره الْمُطلِّق هو ما ذكرتُ لكم لئلا يبقى ذلك عائقًا لها؟ التكملة عليك؟
طلبة: عن الزواج.
الشيخ: عن الزواج؛ لأنه قد يرى صحة هذا النكاح إنسان آخر ولا يتزوجها، يعتقد أنها ما زالت في عصمته.
طالب: يا شيخ، طيب إذا كان هو يرى أن النكاح غير صحيح، وأن الطلاق لا يقع بناءً عليه، طيب لا بد أن يكون فيه فصل مثلًا.
[ ١ / ٦٦٠٥ ]
الشيخ: إي، فراق.
الطالب: طيب يبقى لا يحديه عن عذر.
الشيخ: لا، فراق ويش بناءً عليه؟ بناءً على عدم صحة النكاح.
الطالب: يعني إذا قلنا: إنه خلع مثلًا؟
الشيخ: ما هو خلع، إذا قلنا بعدم الصحة معناه أنه ما فيه نكاح أصلًا، نُفرِّق بينهما بدون أن يقول: فسخت؛ لأنه ما يمكن أن يقول: فسخت؛ إذ إن الفسخ فرعٌ عن النكاح، نقول: تبينا أن النكاح لم ينعقد من الأصل إذا كان لا يرى صحته، فإذا كان كذلك فهذا الفراق مبنيٌّ على اعتقاد أن هذا النكاح غير صحيح، فإذا كان الآخر يعتقد أن النكاح صحيح فالفراق له.
انتهينا من الأقسام: النكاح ينقسم إلى؟
الطلبة: ثلاثة.
الشيخ: متفق على صحته.
الطلبة: ومختلف على بطلانه.
الشيخ: وعلى بطلانه، وهذان واضحان، ومختلفٌ فيه فيقع فيه الطلاق كما قال المؤلف، حتى وإن كان المطلِّق لا يرى صحته، بناءً على أنه ما دام موضع خلاف بين العلماء يمكن يجي واحد يعتقد أن النكاح صحيح، وأن الفراق ما تم، وأن الزوجة ما زالت في عصمة الزوج.
ثم قال: (ومن الغضبان) يعني ويقع الطلاق من الغضبان، معلوم؛ لأن الغضبان له قولٌ معتبر، ولهذا قال النبي ﵊: «لَا يَقْضِي الْقَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ» (١٠). ومعنى ذلك أن حكمه معتَبر، وإلا لما كان للنهي محل.
ولكن الغضب ينقسم إلى ثلاثة أقسام أيضًا، والليلة ليلة الأقسام، ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يصل به إلى حدٍّ لا يدري ما يقول، وبعضهم يقول: ربما يصل إلى الإغماء، بعض الناس -والعياذ بالله- لشدة غضبه يُغمى عليه، فهذا لا يقع طلاقه بالاتفاق؛ لأنه؟
طالب: معذور.
الشيخ: لا يعقل ما يقول، قد زال عقله، لا يدري ماذا يقول، يقول: أنا طلقتها وأنا ما أدري هو أنا بالسماء ولَّا بالأرض ولَّا أمامي زوجتي أو أمي أو جدي أو جدتي، ولا أدري ويش اللي حصل، صارت الدنيا عندي كأنها خضراء ولا صفراء، ولا أدري ويش أقول.
[ ١ / ٦٦٠٦ ]
نقول: هذا لا يقع طلاقه بالاتفاق؛ لأنه لا يدري ما يقول فهو كالمغمى عليه، وربما نقول: إنه مُغمى عليه.
القسم الثاني: ابتداء الغضب، لكن يعقل ما يقول، ويقدر يمنع نفسه، فهذا يقع طلاقه، يقع؛ لأنه صدر الطلاق من شخص يعقله غير مُغلَق عليه فيقع الطلاق، وكثيرًا ما يكون الطلاق في الغالب نتيجة؟
طالب: للغضب.
الشيخ: للغضب، وهذا متفق على أنه يقع الطلاق منه.
القسم الثالث: بينَ بينَ، إنسان يدري أنه في الأرض، ويدري أنه نطق بالطلاق، لكنه مغصوبٌ عليه؛ يعني لقوة الغضب عجز يملك نفسه؛ لأنه ليس بشديد، والرسول ﷺ يقول: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ» يعني اللي يصرع الناس، «وَإِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» (١١). هذا يدري ما يقول، ويعي ما يقول، ويدري أنه يخاطب امرأته، وأنه يطلقها، لكن الغضب سيطر عليه، كأنه يغصبه غصبًا أن يُطلِّق، فهذا فيه خلاف بين أهل العلم.
فمنهم من قال: إن طلاقه يقع؛ لأن له قصدًا صحيحًا، وهو يشعر بما يقول، ويشعر بالمرأة التي أوقع عليها الطلاق، فلا عذر له، ومنهم من قال: إنه لا طلاق عليه؛ لأن النبي ﷺ يقول: «لَا طَلَاقَ وَلَا عِتَاقَ فِي إِغْلَاقٍ» (١٢). وهذا لا شك أنه مغلقٌ عليه، يعني كأن أحدًا حده وعصره حتى طلق، وعلى هذا فيكون الطلاق واقعًا، لا بالعكس، وعلى هذا فيكون الطلاق غير واقع، وهذا هو الصحيح، وهو اختيار ابن القيم في كتاب إغاثة اللهفان، وإغاثة اللهفان هذا غير الكتاب الكبير المعروف، رسالة صغيرة ..
ثم أَبانَها فوُجِدَتْ ثم نَكَحَها فوُجِدَتْ بعدَه طَلُقَتْ كعِتْقٍ وإلا فلا.
[ ١ / ٦٦٠٧ ]
(كتاب الطلاق)
يُباحُ للحاجةِ، ويُكْرَهُ لعَدَمِها، ويُسْتَحَبُّ للضَّرَرِ، ويَجِبُ للإيلاءِ، ويحرُم للبِدعةِ، ويَصِحُّ من زوجٍ مكَلَّفٍ ومُمَيِّزٍ يعقله، ومَن زالَ عَقْلُه مَعذورًا لم يَقَعْ طلاقُه وعَكْسُه الآثِمُ،
الشيخ: .. لو طلقها أو تزوجها بعد، وهي أيضًا إذا بانت منه فقد انقطعت علائقها منه، وإن كانت في بينونة كبرى فعلى هذا يقولون: لا تعود الصفة إذا حصلت البينونة، وكل هذا فيما إذا وُجِدت الصفة في حال البينونة.
انتهينا الآن من الكلام على الرجل عَلَّق طلاق امرأته بصفة، ويش بعد؟
(ثم أبانَها فوُجِدَت) الصفة حال البينونة، (ثم تزوجها فوُجِدَت) الصفة أيضًا بعد النكاح، فالمذهب أن الصفة تعود، وإذا وُجِدت الصفة بعد النكاح طلقت، ولا فرق بين البينونة الكبرى والصغرى.
وذهب جمهور أهل العلم أنه إذا كانت البينونة الكبرى فإن الصفة لا تعود، وأنها إذا كلَّمت زيدًا بعده -بعد النكاح الثاني- لا تطلق.
وذهب بعض العلماء أيضًا إلى أبعد من ذلك، فقالوا: إذا أبانها فوُجِدَت الصفة ثم تزوجها من جديد فإن الصفة لا تعود ولو كان بغير الطلاق الثلاث.
فصار عندنا الآن ثلاثة أقوال على ثلاثة أحوال: المذهب أن الصفة تعود مطلقًا، القول الثاني أنها لا تعود مطلقًا، القول الثالث -رأي الجمهور-: لا تعود إن بانت بالثلاث، وتعود إن بانت بغير الثلاث.
كل هذا فيما إذا وُجِدَت الصفة في حال البينونة، لكن إذا لم توجَد، يعني قال: إن كلمتِ زيدًا فأنت طالق، ثم طَلَّقَها وبانت منه، ثم تزوجها قبل أن تكلم زيدًا، ثم كلمت زيدًا بعد التزويج، تطلق ولَّا ما تطلق؟
طالب: على المذهب تطلق.
الشيخ: أنتم فاهمون الحين؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: هذه على المذهب وغير المذهب تطلق؛ لأن يمينه لم تنحل، وسبب أنها لم تنحل لأن الصفة لم توجَد، فتطلق بكل حال.
[ ١ / ٦٦٠٨ ]