مَن مَرَضُهُ غيرُ مَخوفٍ كوَجَعِ ضِرْسٍ وعَينٍ وصُداعٍ فتَصَرُّفُه لازمٌ كالصحيحِ ولو ماتَ منه، وإن كان مَخُوفًا كبِرْسامٍ وذاتِ الْجَنْبِ ووَجَعِ قلبٍ ودَوامِ قِيامٍ ورُعافٍ وأَوَّلِ فالِجٍ وآخِرِ سُلٍّ والْحُمَّى الْمُطْبِقَةِ والرِّبْعِ وما قالَ طَبيبانِ مُسلمانِ عَدْلان
«.. السَّوْءِ، الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» (١)، كيف يقيء ثم يعود في قيئه؟ الكلب يقيء، يتقيأ الطعام اللي في بطنه ثم يعود ويأكله، ولا شك أن هذا مشهد بشع جدًّا.
هل هذا التمثيل يدل على المدح أو يدل على التنفير بأبشع صورة للتنفير؟
طلبة: الثاني.
[ ١ / ٥٦٣٨ ]
الشيخ: الثاني بلا شك، ولم يضرب الله مثلًا لأحد من البشر إلا على سبيل الذم أبدًا؛ ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف: ١٧٥، ١٧٦] عالم أعطاه الله علمًا ولكن كانت همته نازلة صار ينظر إلى الدنيا -نعوذ بالله- ينظر إلى الدنيا؛ إلى مُتَعِها، إلى جاهها، إلى رئاسته فيها، ما نظر إلى فوق، قال الله ﷿: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف: ١٧٦]؛ لأن هذا العالِم مراده الدنيا فلا يمكن أن يشبع، إن قلَّ المال فهو يلهث يبغيه، وإن كثر يلهث أيضًا يبغي أكثر، هل هذا على سبيل المدح ولَّا على سبيل الذم؟
طلبة: الذم.
الشيخ: على سبيل الذم؛ ولهذا لو قلت لأي واحد: يا شبيه الكلب. لأمسك برقبتك صح ولَّا لا؟ وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥] الحمار من أبلد الحيوانات؛ ولهذا صار هو من أدل الحيوانات بالأمكنة؛ لأنه ما عنده التفكير حتى يغطي عليه دلالة المكان؛ ولذلك يقول بعض الناس: كلما كان الإنسان أكثر تفكيرًا صار أقل دلالة على الأمكنة؛ لو يتردد على البيت أربع مرات خمس مرات ما يدلك؛ لأنه تفكيره أعلى من أن يتعلق بالأمكنة. والحمار يقولون: من أدل الحيوانات؛ لأنه أبلد الحيوانات.
ضرب الله هؤلاء بأنهم كمثل الحمار يحمل أسفارًا؛ أسفار كتب مفيدة، الحمار اللي يحملها ما يستفيد، على سبيل الذم ولَّا على سبيل المدح؟
طلبة: الذم.
[ ١ / ٥٦٣٩ ]
الشيخ: وقال النبي ﵊: «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» على سبيل الذم، وقال النبي ﵊: «الَّذِي يَتَكَلَّمُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا» (٢) ذم ولَّا مدح؟
طالب: ذم.
الشيخ: ذم. إذن نأخذ قاعدة ما ضُرِبَ ابن آدم مثلًا بشيء من الحيوان إلا على سبيل الذم.
صار الرجوع في الهبة اللازمة -ما هي اللازمة؟ التي حصل فيها القبض- لا يجوز الرجوع فيها إلا لأب.
والدليل -ذكرنا دليلًا وتعليلًا- الدليل أيش؟ قول النبي ﷺ: «لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ، الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ»، والتعليل أن الموهوب له قد ملك الهبة ودخلت في ملكه فلا يجوز أن يستردها الإنسان.
هذا التعليل ربما يقول قائل: إنه تعليل عليل؛ لأنه لو استردها يستطيع الموهوب له أن يمانع. فنقول: إن الموهوب له قد لا يستطيع أن يمانع، وقد يستطيع أن يمانع ولكن لا يمانع خجلًا؛ لأنه يقول: هو الذي أعطاني إياها كيف أمنعه؟ ! والمنع خجلًا كعدم المنع يعني: لا أثر له.
ومن العجائب -والعجائب جمة- أن بعض العلماء قال: إنه يجوز أن يرجع الواهب في هبته اللازمة؛ لأن النبي ﷺ شبهه بالكلب، والكلب غير مكلف، وأكله من قيئه ليس بحرام، صحيح هذا؟ !
طالب: لا.
الشيخ: لا؟ هل الكلب مكلف ولَّا غير مكلف؟
طالب: غير مكلف.
الشيخ: غير مكلف، هل أكله من قيئه إذا تقيأ ثم رجع فيه حرام عليه ولَّا غير حرام؟
طالب: غير حرام.
الشيخ: غير حرام. يقول: فلما شبه النبي ﷺ رجوع الواهب في الهبة بفعل مباح دلَّ على جوازه؛ جواز رجوع الواهب في هبته اللازمة، شوف -سبحان الله- بعض الأحيان تكون أقوال العلماء من أغرب ما يكون، وكيف يقولها عاقل فضلًا عن العالم؟
[ ١ / ٥٦٤٠ ]
فيقال: يا سبحان الله! الرسول ﷺ يشبه الإنسان بالكلب، ثم تقول: أنت فعل مباح. أنا أوافقك على أنه مباح بشرط أن ينقلب كلبًا، إذا انقلب كلبًا فأنا أقول: مباح أن يرجع في هبته ولَّا لا؟
فلو أن الكلب أتى بصرة تمر ووضعها بين يدي كلب آخر ثم رجع هذا الكلب فأكل هذه الصرة حرام عليه ولَّا غير حرام؟
طالب: غير حرام.
الشيخ: وهبها وقَبَّضَها للكلب الثاني! هو حلال؛ لأنه غير مكلف، فهذا الرجل إذا انقلب كلبًا ووهب فلا بأس.
ثم إن الحديث يقول: «لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ» «لَيْسَ لَنَا» هذا تبرؤ منه، فكيف تقول أنت: إنه حلال؟
على كل حال هذا القول لولا أنه ذُكِرَ ما قلته، لكن أنا أريد أن أُبَيِّنَ لكم أن بعض العلماء -رحمة الله علينا وعليهم- يذكرون أقوالًا غرائب ثم يوجهون هذه الأقوال بما يُشَبِّهُون به من الأدلة على وجه أغرب؛ إذن الصواب أن رجوع الإنسان في هبته اللازمة حرام.
طيب، رجوعه في هبته غير اللازمة كما لو قال لشخص: إني قد وهبتك كتابَ زاد المستقنع، لكنه لم يسلمه له؛ لأنه في البيت مثلًا، فهل له أن يرجع؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم، له أن يرجع، ولكن هل رجوعه وعدمه سواء؟
لا، ليس سواء؛ لأن هذا خلاف المروءة، ولأنه إخلاف للوعد؛ يعني: أدنى ما نقول فيه: إنه إخلاف للوعد. فنقول له: ما دمت قد وهبته فقد وعدته. أدنى ما نقول فيه: إنه وعد؛ ولهذا نقول: لا ترجع. لكن ليس حرامًا عليك؛ لأن ظاهر الحديث «كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ»: أن هذا في الهبة المقبوضة المسلمة التي أخرجها الإنسان من ملكه وأعطاها للموهوب له، أما إذا كان لم يخرجها من ملكه وهي في حوزته فإن له أن يرجع، لكن هذا خلاف المروءة.
[ ١ / ٥٦٤١ ]
فينبغي إذا طرأ عليه ما يقتضي أن يَرُد الهبة أن يرجع فيها ينبغي له أن يفعل شيئًا أو أن يقول للموهوب له قولًا يقتنع به؛ فيقول مثلًا: والله أنا وهبتك الكتاب ظنًّا مني أني أجد في السوق نظيره ولكني لم أجد، فسامحني يا أخي.
حينئذ يطيب قلبه، ويسهل عليه رجوع هذا في هبته، أما إذا مَنَع وقال: والله أنا هونت فلا بد أن يكون في قلب أخيه شيء، وكل شيء يوجب أن يكون في قلوب إخوانك شيء عليك فإنه ينبغي لك أن تبتعد عنه.
طالب: شيخ، قلنا بأن لك الرجوع ما لم تُقَبِّض قلنا: إنه يجوز بأن () لأنك وعدته فأخلفته.
الشيخ: لا هذا ما هو .. أولًا إخلاف الوعد بعض العلماء يقول: ليس بحرام، وأن يُوفَى بالوعد سنة، لكن الصحيح أنه واجب، بس هذا الوجوب لا يتعلق بمسألة الهبة، يتعلق بأمر خارج وهو الوعد.
طالب: ().
الشيخ: يقول: لو أن الموهوب له رَدَّ الهبة هل يجوز للواهب أن يأخذها؟ أيش تقولون؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: نعم، نقول: إذا كان لم يقبضها أو لم يقبلها أيضًا؛ لأن لا بد من قبول وقبض، فإذا كان لم يقبلها فالأمر واضح، لو كان من الأول ردها وقال: ما أريدها، أو أنه قبلها لكن لم يقبضها ثم امتنع عن القبض وردها فهذا لا شك أنه يجوز أن يرجع الواهب؛ لأن الهبة لم تتم بعد، لكن إذا قبضها ثم ردها عليه، فهل يجوز أن يقبل أو لا؟ نقول: يجوز أن يقبل ما دام ردها عليه بعقد جديد فلا بأس.
طالب: قلنا: إنه بالنسبة للأب إذا أعطى هبة ().
الشيخ: لا، لَمَّا قاله: زيادة. خلاص صار الرجوع على المفضل.
***
طالب: وله أن يأخذ ويتملك من مال ولده ما لا يضره ولا يحتاجه، فإن تصرَّف في ماله -ولو فيما وهبه له- ببيعٍ أو عتقٍ أو إبراءٍ أو أراد أخذه قبل رجوعه أو تملكه بقولٍ أو نيةٍ وقبضٍ معتبرٍ؛ لم يصح، بل بعده.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
[ ١ / ٥٦٤٢ ]
سبق لنا أنه يجب التعديل في عطية الأولاد وكيفيته؟
طالب: أن يعطي الذكر مثل حظ الأنثيين.
الشيخ: ما الدليل؟ الدليل على وجوب التعديل؟
الطالب: قوله ﷺ: «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» (٣).
الشيخ: أحسنت، ما هو الدليل على أن العدل أن يكون للذكر مثل حظ الأنثيين؟
طالب: قوله تعالى؛ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (وللذكر مثل حظ الأنثيين).
الشيخ: ما هكذا الآية. ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ ..
الطالب: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]
الشيخ: ولا أعدل من قسمة الله، أليس كذلك؟
لو أن شخصًا له أخوان شقيقان فأعطى أحدهما مئة والآخر خمسين؟
طالب: نعم، يجوز له ذلك.
الشيخ: يجوز؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ().
الطالب: نعم، لكنه ليسوا أولادًا له.
الشيخ: ليسوا أولاده.
الطالب: قيَّد المؤلف بأولاد () لغير الأولاد يجوز أن أفضل بينهم.
الشيخ: والدليل يقتضي هكذا: «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ».
لو فضل أحدهم، فكيف المخرج؟
طالب: أحد أولاده؟
الشيخ: نعم.
الطالب: إما أن يعطي المفضول ما يساوي الذي تفضل عليه.
الشيخ: هذا طريق.
الطالب: وطريق آخر أن ينقص من الذي زاده حتى يتساوى مع الآخر.
الشيخ: يعني: يأخذ الزيادة، يرجع بالزيادة. هذان اثنان.
الطالب: أو يأخذ نصف الزيادة ويعطيها للآخر ().
الشيخ: الثالث؛ يعني يجمع بين الأمرين، بين النقص والزيادة. صح.
لو مات قبل أن يُسَوِّي فهل تثبت للمعطى الزيادة؟
طالب: نعم، على قول المؤلف: إنها تثبت.
الشيخ: نعم، يعني: على المشهور من المذهب؛ يعني هذا المختار مشهور مذهب الحنابلة، المشهور من المذهب أنها تثبت.
الطالب: لكن الصحيح القول الثاني أنها لا تثبت، بل يجب عليه رد الزيادة إلى التركة، أو أنهم يخصمون قدر ما معه من زيادة من الإرث.
الشيخ: لو أن أولاده وافقوا على التفضيل.
[ ١ / ٥٦٤٣ ]
طالب: ليس لهم ذلك.
الشيخ: ليس لهم الحق في ذلك. لو قالوا: ما فيه بأس يا والدنا؟
طالب: ().
طالب آخر: لو سمحوا، الحق لهم هم؛ لو سمحوا له أن يفضل.
الشيخ: يعني: إذا سمحوا عن أبيهم فلا بأس.
الطالب: إي نعم، ().
طالب آخر: إذا كانوا بالغين ().
الشيخ: يعني يقول: إذا كانوا بالغين، إذا سمحوا وهم بالغون مرشدون. هذا مرادك؟
الطالب: إي نعم، هذا مرادي.
الشيخ: هذا مرادك، وأما الصغار فلا عذر.
الطالب: ().
الشيخ: تمام، زين؛ لأن هذا حق آدمي، إذا سمحوا فلا بأس، ولكن هل يُفَرَّق بين أن يسمحوا قبل العطاء؛ يعني: قبل التفضيل أو بعده؟
طالب: إي نعم، الذي يؤخذ به إذا سمحوا بعد العطاء، يفرق بين ما إذا سمحوا قبل أن يدفع.
الشيخ: يعني: لو جاء شاورهم وقال: يا أولادي، أبغي أخوكم هذا قد بَرَّ بي، وأحسن إليَّ وعمل معي، اسمحوا لي أبغي أعطيه عشرة آلاف ريال. فقالوا: ما عندنا مانع.
الطالب: () إجازتهم بعد موته.
الشيخ: لا ما هي بوصية، هي حالًا، يبغي يعطيها الآن.
الطالب: ليس لهم () إذا وافقوا ليس لهم.
الشيخ: يعني () يوافقون.
طالب: إي.
الشيخ: وإذا كان من بعد؟
الطالب: فليس لهم الحق.
الشيخ: جاء إليهم، وقال: أنا وهبت أخاكم عشرة آلاف ريال تسمحون ولَّا لا؟
الطالب: أيضًا يجوز ().
الشيخ: يعني: إذن لا فرق بين موافقتهم قبل الإعطاء وبعده، وقد يقال: بالتفريق؛ لأنهم ربما يعفون بعد الإعطاء خجلًا؛ لأن هناك فرقًا بين أن يعطي ثم يرجع ويأخذ، وبين أن يشاور قبل الإعطاء، فقد يسمحون بعد الإعطاء خجلًا أو خوفًا من أخيهم.
على كل حال القاعدة في هذا أنه إذا علمنا أنهم إنما سمحوا خجلًا أو خوفًا من أخيهم فإنه لا عبرة بهذا السماح، لا بد أن نعرف أنهم سمحوا عن طيب نفس.
رجل وهب هداية الله هدية، هل له أن يرجع فيها؟
طالب: هل () إيجاب وقبول فيها؟
الشيخ: إي نعم، حصل إيجاب وقبول وقبض.
الطالب: لا ما يجوز؛ لأنها لازمة.
[ ١ / ٥٦٤٤ ]
الشيخ: إي؛ لأنها لازمة فلا يرجع، هل عندك دليل؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: الدليل العقلي؛ لأن في الهبة () المال مال الغير.
الشيخ: تمام؛ لأنه لما قبلها وقبضها صارت مالًا له.
الطالب: وهذا مثل ماله ..
الشيخ: صارت مالًا له.
الطالب: يرجع إليه كرجوعه على مال الغير بالغصب.
الشيخ: نعم، أحسنت.
الطالب: والدليل الـ ..
الشيخ: الأثري.
الطالب: الأثري قال رسول الله ﷺ: ومن يرجع عن الهبة مثل الكلب تقيأ ثم يرجع عليه ويأكله. هذا مثله.
الشيخ: صحيح، هذا رواه بالمعنى ولا بأس، قال الرسول الله ﷺ: «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» (١).
هناك بعض العلماء فهم الحديث فهمًا خاطئًا ..
طالب: قال: إنه يجوز للإنسان إذا قبض الهبة ولزمته ..
الشيخ: قال: يجوز الرجوع في الهبة؛ لأن الرسول ﷺ شبهه بفعل لا إثم فيه، فإذن يكون فعله لا إثم فيه، ما رأيك في هذا الفهم؟
طالب: غير صحيح.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأن الإنسان إذا وصف بأحد أوصاف الحيوانات في الكتاب والسنة فإنه يدل على مطلق الذم، وما يدل على المدح.
الشيخ: صحيح؛ لأن الحديث سِيق مساق الذم لا مساق الإباحة، هذه واحدة.
طالب: أن النبي ﷺ قال: «لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ».
الشيخ: صحيح؛ أن الرسول قال في بعض ألفاظ الحديث: «لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ»، وصرح بأن هذا مثل السوء. أحسنت.
طالب: أنا قلت ذلك يا شيخ: هذا خروج عن صفة الكلب؛ يعني أن هذا ليس من عادة الكلب.
الشيخ: إي، لا ما هو بعادة، () عادة لا شك، لكن هذا لا يصلح تسفيه؛ لأن الإنسان بشر مفضل على الكلب، فلا يعطى فعل البشر مثل فعل الكلب. هذا أيضًا وجه ثالث.
طالب: بالنسبة لمشاورة العبد لأولاده؛ يعني قلنا نحن في الأول اللي ذكرت بعد العطية قلنا: خجلًا أو خوفًا من أخيه فممكن بردو قبل العطية يخجلون من أبيهم.
[ ١ / ٥٦٤٥ ]
الشيخ: ربما، لكن هذا أشد.
ثم قال المؤلف ﵀: (إلا الأب) اللازمة احترازًا من غير اللازمة وهي التي لم تقبض.
قال: (إلا الأب) وجه استثنائه أنه جاء في الحديث: «لَيْسَ لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا أَعْطَى إِلَّا الْأَبَ» (٤)، ولأن النبي ﷺ قال: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» (٥) فيجوز للأب أن يرجع فيما وهبه ابنَه، ولو لزمت الهبة يعني لو أقبضها.
مثال ذلك: رجل وهب ابنه سيارة على أنه سيشتري لنفسه ولكن لم يتيسر أن يشتري لنفسه فرجع في الهبة أيجوز هذا أم لا؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز؛ للحديث الذي أشرنا إليه؛ ولعموم قوله: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ»، لكن يستثنى من هذا ما لم يكن حيلة على التفضيل، فإن كان حيلة على التفضيل لم يجز.
مثاله: أعطى ولديه كل واحد سيارة، سوَّى بينهم أو لا؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: سوى بينهم، السيارة من جنس واحد، سوى بينهم ثم عاد فأخذ من أحدهما سيارته، رجع في هبته، هذا الرجوع لا يصح؛ لأنه يراد به أيش؟ التفضيل، تفضيل مَنْ؟ تفضيل الذي لم يرجع في هبته.
فإذا علمنا أنه قصد التفضيل لكن تحيَّل فوهبهما، ثم عاد في هبة أحدهما كان هذا العود حرامًا ولا يحل له؛ وذلك لأن العبرة بالمقاصد لقول النبي ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (٦).
وقول المؤلف: (في هبته اللازمة إلا الأبَ) يُستفاد منه أنه لو أبرأ ابنه من دينه فليس له الرجوع، لو أبرأه من دينه فليس له أن يرجع؛ لأن الإبراء ليس بهبة.
مثاله: شخص في ذمة ابنه له ألف ريال، فأبرأه قال: إني قد أبرأتك يا بني منه، ثم عاد وطالبه به فليس له الحق في ذلك، ليش؟
لأن هذا ليس هبة، بل هو إسقاط، والمؤلف يقول: (أن يرجع في هبته اللازمة).
قال: (وله أن يأخذ ويتملك من مال ولده ما لا يضره ولا يحتاجه) (وله) أي: للأب دون الجد، الأب خاصة ودون الأم.
[ ١ / ٥٦٤٦ ]
(له أن يأخذ ويتملك من مال ولده) إلى آخره؛ يأخذ ويتملك؛ الفرق بينهما أن الأخذ يأخذ الشيء ينتفع به ثم يرده، والتملك يأخذه على سبيل الدوام يأخذه ملكًا له.
يقول المؤلف: (له أن يأخذ وله أن يتملك من مال ولده ما لا يضره) (ما) هذه مفعول (يأخذ)، و(يتملك) يعني: تنازعها عاملان، (ما لا يضره) أي: ما لا يضر مَنْ؟ الولد، (ولا يحتاجه) أي: لا يحتاجه الولد؛ مثل: شخص له ابن غني وعنده سيارات كثيرة وأموال، فجاء أبوه وأخذ من هذه السيارات سيارة، هذه السيارة لا تضر الولد ولا يحتاجها الولد يجوز أو لا؟ يجوز.
أما إذا كان يضره مثل أن يأخذ طعامًا هو محتاج إليه؛ في ضرورة إليه، فإن هذا حرام ولا يجوز؛ لأن ذلك يضر الولد، وكذلك لو كان محتاجًا له، الولد محتاج ولا يضره، لكنه محتاج مثل أن يأخذ سيارته التي يستعملها، هو لا يضره لو أخذها لكنه يحتاجها، فليس له أن يأخذها، أو يأخذ أباريقه التي يشرب فيها الشاهي، والدلة التي يشرب بها القهوة، جاء الوالد إلى بيت ولده وأخذ الأباريق والدِّلَال قال: يا أبتِ ليش؟ أنا محتاجها ما عندي دراهم أشتري. قال: ما هو مشكل، اشرب الشاهي والقهوة في الطاسة؛ يعني الإناء العادي اللي يشرب به، بالكأس، تندفع الضرورة أو لا تندفع؟ تندفع، بل للأب أن يقول: ليس الشاهي والقهوة ضرورة، وإذا قُدِّر أنها ضرورة فهو يقول: تزول بأن () في أي إناء، فيقول له: يا والدي إذا جاءني ضيف آتي بالقهوة والشاهي في إناء معتاد إناء الماء، ما يصير أنا أحتاج إلى هذا. هل له أن يأخذ من هذا شيء؟ لا، لأنه يحتاجه، هو لا يضره لكنه يحتاجه، فيشترط ألا تتعلق به حاجة الابن.
والشرط الثاني: ألا يتضرر به.
والشرط الثالث: ألا يأخذه لولد آخر، فإن تملك من مال ولده الأكبر ليعطيه الأصغر أو بالعكس كان ذلك حرامًا؛ لأنه إذا حَرُم التفضيل من مال الوالد الخاص فتحريمه بأخذه من مال الولد الآخر من باب أولى.
[ ١ / ٥٦٤٧ ]
الشرط الرابع: ألا يكون وسيلة للتفضيل؛ مثاله: أعطى كل واحد من ابنيه مُسَجِّلًا فسوَّى بينهما، ثم تملك من مال ولده الثاني راديو يساوي المسجل الذي أعطاه من أجل أن يتميز الولد الثاني بأيش؟ بالمسجل. هذا أيضًا لا يجوز إذا كان وسيلة للتفضيل؛ فالشروط إذن أربعة.
طالب: إذا كان له ولدان وأراد أن يتملك من أحدهما دون الآخر، قصد () دون الآخر، ما فيه بأس؟
الشيخ: ما فيه بأس.
الطالب: ما يكون هذا تفضيلًا؟
الشيخ: لا، ما قصد التفضيل.
الطالب: ().
الشيخ: قد يكون أراد هذا مثلًا؛ لأنه أكثر مال أو أنه يعرف أنه أكرم من الثاني، يهون عليه التملك بخلاف الآخر، يعني له اعتبارات، إنما إذا لم يقصد شيئًا محرمًا فالأصل الجواز.
طالب: أحسن الله إليك، بالنسبة للتعديل في الحاجات؛ قد يكون هذا الابن بالغًا فزوجه، وذاك الابن صغيرًا، () مات الأب وترك تركة، نزوجه من هاي التركة الابن الصغير؟
الشيخ: هذه موجودة، الجواب على هذا موجود في البحرين.
الطالب: ().
الشيخ: في الأشرطة.
طالب: قلنا: الأب () (ولا يجوز لواهب أن يرجع في هبته اللازمة إلا الأبَ) () يتبادر إلى ذهني إلا الأب ما فَضَّل بين الأولاد، حتى يتوافق مع قول الرسول ﷺ: من وهب ويرجع عليه ()، وكذلك في الحديث الأول «فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» (٣).
الشيخ: يقول: يتبادر لذهني أن قوله: (ولا يجوز لواهب أن يرجع في هبته اللازمة إلا الأبَ) يعني بذلك إلا الأب فيما فَضَّل به.
أقول: هذا ليس بصحيح؛ لأن رجوعه فيما فضل به واجب.
الطالب: () كذلك عام.
الشيخ: قلت لكم: إن في دليلًا وتعليلًا؛ الدليل أنه جاء في الحديث عن الرسول ﵊ أنه لا يجوز لواهب أن يرجع فيما أعطى إلا الوالد فيما يعطي ولده (٤)، جاء في الحديث هكذا؛ استثناء، والشيء الثاني أنه إذا جاز أن يتملك من مال ابنه جاز أن يرجع فيما أعطى.
[ ١ / ٥٦٤٨ ]
طالب: شيخ، لو قلنا: ما لم يكن وسيلة إلى تفضيل، والعين إذا أخذ سيارة من ابنه هذا يعتبر تفضيلًا؛ ميز أحدهما أيضًا وهو لم يرد التفضيل، لكن هذا الآن ترك هذا بغير سيارة وهذا معه سيارة، فيعتبر هذا تفضيلًا أيضًا.
الشيخ: لا، ما هو تفضيل، أصلًا قد سوى بينهما، الأصل سوَّى بينهم، فلما سوى بينهم وتملك كل واحد ملكه فله أن يأخذ ما شاء من مال الآخر، ما فيه شك.
***
طالب: () نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: فإن تصرَّف في ماله ولو فيما وهبه له ببيع أو عتق أو إبراء أو أراد أخذه قبل رجوعه، أو تملكه بقول أو نية وقبضٍ معتبر لم يصح بل بعده، وليس للولد مطالبة أبيه بدين ونحوه إلا بنفقته الواجبة عليه فإن له مطالبته بها وحبسه عليها.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ذكرنا فيما سبق أن الأب له أن يرجع في هبته لولده إلا؟
طالب: إلا إذا كان محتاجًا إليه.
الشيخ: لا.
الطالب: إلا إذا كان قصده التفضيل.
الشيخ: إلا إذا كان قصده التفضيل. مثاله؟
الطالب: مثاله أن يكون عنده ولدان، وكل منهما عنده سيارة، فيأخذ من الأول سيارته ..
الشيخ: فأعطى كل واحد منهما سيارة.
الطالب: فأخذ من أحدهما سيارة بقصد أن يفضل الثاني عليه، فهذا لا يجوز.
الشيخ: هذا لا يجوز، إذا قصد التفضيل مثل أن يعطي ابنيه سيارتين، ثم يرجع في عطية أحدهما، وأصل إعطاء السيارتين من أجل أن يخص أحدهما بسيارة لكن جعل هذا تَسَتُّرًا.
هل يجوز أن يأخذ الوالد جميع مال ولده؟
طالب: لا، بقدر ما يحتاج الأب ولا يضر الولد.
الشيخ: إذن، ليس للأب أن يأخذ إلَّا ما يحتاج إليه.
الطالب: إلا ما يحتاج الأب إليه.
الشيخ: إي، يعني: لا يجوز للأب أن يأخذ من مال ولده إلا ما يحتاج إليه. فأما ما لا يحتاج إليه فلا يجوز.
[ ١ / ٥٦٤٩ ]
الطالب: وكذلك مال الولد إذا كان () للولد، والولد محتاج إليه، لا يأخذه.
الشيخ: إذن أن يكون الوالد محتاجًا إليه، وألا يكون الولد محتاجًا إليه أو مضطرًا إليه.
طالب: يجوز للوالد أن يأخذ من مال ولده ما يشاء حتى ولو لم يكن في حاجة إليه بشرط ألا يضر بالولد ولا يكون الولد محتاجًا إليه.
طالب آخر: أيضًا لا يأخذ منه بحيث يعطيها للولد الآخر، وألا يكون وسيلة للتفضيل.
الشيخ: المهم السؤال الآن؛ هل يجوز للوالد أن يأخذ جميع مال الولد؟
طالب: نعم؛ لقوله ﵊: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» (٥).
طالب آخر: () يحتاج للمال هذا فلا يجوز.
الشيخ: معلوم، إذا سلبه ملكه، ماله كله بيتضرر.
طالب: إذن يأخذ جميع المال؛ مال الابن.
الشيخ: لأن المؤلف يقول: (وله أن يأخذ من مال ولده) انتبهوا عبارة المؤلف: (وله أن يأخذ ويتملك من مال ولده) (من مال).
ما الفرق بين قول المؤلف: (أن يأخذ) وقوله: (أن يتملك)؟
طالب: يتملك هو أن يأخذ الأب ولا يرجع، وأما الأخذ فهو أن يأخذ شيئًا ثم يرده.
الشيخ: أن يأخذ وإن لم يكن يقصد التملك، بأن يأخذه ينتفع به ثم يعطيه إياه.
هل يُشترط أن يكون الوالد حرًّا؟
طالب: نعم، يُشْتَرط.
الشيخ: بدليل؟
الطالب: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» () يتملك.
الشيخ: لأن العبد لا يملك.
هل يجوز للأم أن تأخذ من مال ولدها؟
طالب: نعم.
الشيخ: يجوز. ويش الدليل؟
الطالب: ().
الشيخ: ما يجوز.
الطالب: لا ما يجوز.
الشيخ: لأن الحديث: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ»، وأيضًا كلام المؤلف: (وله) أي: للأب.
قال المؤلف ﵀: (فإن تصرف في ماله ببيع) إلى آخره.
[ ١ / ٥٦٥٠ ]
(إن تصرف) الضمير يعود على الوالد الأب، (في ماله) أي: في مال ولده، (ولو فيما وهبه له) يعني: ولو كان التصرف فيما وهبه الأب للولد (ببيع) فإنه لا يصح؛ لأنه لم يدخل في ملكه؛ مثال ذلك: باع الأب سيارة ابنه دون أن يتملكها، فإن البيع لا يصح؛ لأن من شروط البيع أن يكون من مالك أو مَنْ يقوم مقامه، والذي يقوم مقام المالك هو الوكيل والولي والوصي والناظر. وليس الأب واحدًا منهم، وعلى هذا فنقول: إن بيع الوالد سيارة ابنه غير صحيح. هذا إذا كان في ملك الولد.
وقوله: (ولو فيما وهبه له) يعني أنه لو تصرف الوالد ببيع فيما وهبه لابنه لم يصح البيع؛ مثاله: رجل وهب ابنه سيارة هبة، تمت بها الشروط وقبضها الابن، ثم جاء الوالد فباعها، باع السيارة. نقول: إن بيعه غير صحيح.
وقال بعض العلماء: إذا باع ما وَهَبَه له فالبيع صحيح؛ لأن بيعه يدل على رجوعه في الهبة، والوالد يجوز أن يرجع في الهبة.
ولكن الصحيح ما ذهب إليه المؤلف، إلا إذا قصد الوالد بهذا التصرف أنه راجع في هبته، فحينئذ نقول: إنه رجع في هبته، فلما رجع دخلت في ملكه، فباعها بعد دخولها في ملكه.
وعُلِمَ من هذا الكلام أنه ليس للأب أن يتصرف في مال الابن لا ببيع ولا بإعارة ولا بإجارة ولا غير ذلك؛ لأن الأب ليس مالكًا ولا قائمًا مقام المالك. اللهم إلا إذا كان الولد صغيرًا يحتاج إلى ولاية فهذا شيء آخر.
قال: (ببيع أو عتق) يعني: إن تصرف بعتق، مثل: أن يُعْتِقَ عبد ابنه؛ دخل الأب يومًا من الأيام ووجد العبد قد أتى بعمل طيب يشكر عليه، فقال: أنت حر لعملك هذا العمل، والعبد للولد، فهل يصح العتق؟ لا؛ لأنه أعتق ما لا يملك.
فإن قال: تملكتك ثم أعتقتك. فهذا يصح؛ لأنه إذا قال: تملكتك. دخل في ملكه، فإذا أعتقه بعد دخوله في ملكه نفذ العتق.
[ ١ / ٥٦٥١ ]
قال: (أو إبراء) يعني: تصرَّف الوالد بإبراء مدين الولد؛ مثاله: شخص لابنه على زيد مئة درهم، فذهب الأب إلى المدين، وقال: إني قد أبرأتُكَ من دين ابني؛ لا يصح.
أولًا: لأن الابن لم يملكه؛ لأنه دين في ذمة غيره.
وثانيًا: لأن الأب أيضًا لم يملكه، فقد انتفى عنه الملك من الأب ومن الابن.
وقال بعض أهل العلم: إن تصرَّف الوالد في مال ولده ببيع أو عتق أو إبراء صحيح؛ لأنه إذا كان له أن يتملك هذه الأشياء فتصرفه فيها من باب أولى، ويكون الثمن في البيع لمن؟ للابن.
أما العتق فيكون الأجر للابن والإبراء يكون الأجر للابن أيضًا، قالوا: فهذا أقل مما لو تملكه أصلًا؛ لأنه لو تملكه لم يكن للابن شيء، والظاهر أن الحديث يدل على صحة تصرف الأب في مال ابنه إذا لم يضره ولا يحتاجه، وأما الإبراء فليس له ذلك؛ لأن قوله ﷺ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» لا يدخل فيه الدين؛ لأن الدين لم يكن مالًا للابن حتى يقبضه.
قال: (أو أراد أخْذَه قبل رجوعه) (أَخْذَه) يعني: أخذ ما وهبه قبل رجوعه في الهبة فإنه لا يصح أن يتصرف فيه بالبيع.
إذن ما الطريق إلى صحة التصرف؟ أيش؟ إن يرجع في الهبة إن كان هبة، أو يتملكه إذا لم يكن هبة؛ ولهذا قال: (قبل رجوعه أو تملكه بقول أو نية وقبض معتبر) أراد أخذه أي: أخذ ما وهبه قبل رجوعه في الهبة، فإن تصرفه لا يصح، ولكن كيف يصح إذا أراد أن يصح؟ نقول: ارجع، وقل: رجعت في هبتي لولدي. ثم بعد ذلك بع، وأما أن تبيع وهو على ملك الولد فهذا لا يصح؛ لأنك بعت ما لا تملك.
كذلك أيضًا (قبل تملكه) لو أنه أراد أن يتصرف فيه قبل أن يتملكه ببيع فإنه لا يصح، أو أراد أخذه أيضًا قبل أن يتملكه فإن ذلك لا يصح.
المهم أن تصرف الوالد في مال ولده لا يصح إلا بعد التملك؛ يتملكه أولًا ثم يتصرف فيه.
[ ١ / ٥٦٥٢ ]
قال المؤلف: (وقبض معتبر) اشترطنا القبض؛ لأن الهبة لا تلزم إلا بالقبض، فلو أراد الوالد تملك مال ولده وتصرَّف فيه قبل أن يقبضه فالتصرف غير صحيح؛ لأنه لا بد من القبض.
قال: (لم يصح بل بعده) بعد أيش؟ بعد الرجوع في الهبة وبعد التملك في غير الهبة.
ثم قال المؤلف ﵀: (وليس للولد مطالبة أبيه بدين ونحوه) نعم لا يجوز للولد أن يطالب أباه بدين أو عين أو غير ذلك؛ لأنه إذا كان للأب أن يتملك فإنه ليس لك الحق في مطالبته «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» مثاله:
باع ابن على أبيه سيارة، وبقي الثمن عند الأب، فهل للابن أن يطالب بالثمن؟ لا، ليس له أن يطالب، وإذا طالب فإن للمحكمة أن ترفض الطلب؛ لأن الإنسان وما ملك لأبيه؛ قال النبي ﷺ «إِنَّ أَفْضَلَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ» (٧).
أعار والده كتابًا، فهل له أن يطالبه بردِّ العارية؟ لا؛ ولهذا قال: (بدين ونحوه)، ليس له أن يطالبه برد العارية.
وظاهر كلام المؤلف: ولو كان الابن يتضرر بفقدها؛ مثل أن تكون هذه العارية من حاجياته أو من ضرورياته وأعارها والده على أنه سينتفع بها يومًا أو يومين ثم يردها، ولكن الأب أمسكها، فظاهر كلام المؤلف أنه لا يطالب أباه بذلك.
والصحيح أن له أن يطالبه بذلك؛ لأنه ليس له أن يتملكها في هذه الحال، فيكون الأب في هذه الحال ظالمًا، وطلب إزالة الظلم لا بأس به؛ ولهذا قال: (إِلَّا بنفقته الواجبة عليه فإن له مطالبته بها وحبسه عليها) النفقة الواجبة للابن أن يطالب بها؛ وذلك لأنها ضرورة لحفظ حياة الابن فلا بد منها؛ ولأن سببها معلوم ظاهر بخلاف الدين وشبهه فإنه ليس بمعلوم لكل أحد فله أن يطالب بها.
مثال ذلك: ابن فقير لا يجد ما ينفق على نفسه وأهله فطالب أباه بالنفقة، فطلب من أبيه النفقة ولكن أباه امتنع، فهل له أن يطالب؟ نعم، له أن يطالب.
[ ١ / ٥٦٥٣ ]
ابن فقير محتاج للزواج، وليس عنده شيء يتزوج به، وأبوه غنيٌّ قال: زوجني. قال: حك ظهرك بظفرك، ويش معناها؟ يعني: أنت اللي انفع نفسك؛ توظف، اعمل حتى تحصل ما تزوج به. قال: أنا إذا توظفت أو عملت لا أحصل ما أتزوج به إلا بعد عشر سنين. وأنا أريد بعد عشر سنين أن يكون ولدي معي يمشي معي، فهل له أن يطالب؟ نعم، له أن يطالب. أَبى الأب، أبى، قال الابن للقاضي: احبسه حتى يعطيني، يجوز؟ إي نعم، يجوز؛ لأن الأب في هذه الحال ظالم معتد.
زوَّجه لكن لم يقدِّر الله بينه وبين زوجته اجتماع فطلقها، وجاء يطلب زوجة أخرى له أن يطالب أباه بذلك؟ نعم، ما دام ماله يتحمل، أي مال الأب فإن له أن يطالب. فقال له: زوجتك قبل سنة. قال: لم يقدر بيني وبينها اجتماع وطلقتها. وأريد زوجة أخرى.
المهم طالبه وأجبرته المحكمة على أن يدفع له المهر، دفع، وبعد ستة أشهر جاء إليه وقال: إن الزوجة لم تكفيني، أريد زوجة ثانية؛ لأن الرجل شاب ولديه قدرة وطاقة، والمرأة لم تكن بتلك المرأة التي تكفيه، المهم طالب بزوجة ثانية، له أن يطالب أباه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، وثالثة. ورابعة، وخامسة، لا خامسة ينتهي.
على كل حال النفقة الواجبة يكون له مطالبته بها وحبسه عليها.
طالب: ().
الشيخ: كيف أخذ ()؟
الطالب: أخذ ().
الشيخ: هو ما مر علينا أمس؟ ! بشرط ألا يأخذه ليعطيه لولد آخر.
الطالب: ().
الشيخ: لا، ما يطالب.
الطالب: () صيام مؤجلًا بالشهر والشهرين، () وعد الأب () أنا أعطيك هذه القيمة، يعني وعد فأخلف، وبعد شهر ما أعطاه، () في المحكمة، والمحكمة طلب الأب، هل يحكم على الأب؟ لأن قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] () ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]، والأب عاهد الله ..
[ ١ / ٥٦٥٤ ]
الشيخ: فهمتم ما قال؟ يقول: إن الابن باع على أبيه سيارة بثمن مؤجل فحلَّ الأجل وطلب الابن الثمن، ولكن الأب لم يوف، هل له أن يطالب أباه عند المحكمة؟ لا ما يمكن يطالب إلا بالنفقة الواجبة فقط، لا بثمن المبيع ولا غيره.
الطالب: والآية ليست على العموم؟
الشيخ: لا، ما هي على العموم؛ لأن هذا ما يجوز أصلًا أن تطالب؛ لحديث: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ».
طالب: الأم إذا كانت تقوم مقام الأب، هل لها أن تتملك؟
الشيخ: لا، فيه قول: إن الأم تتملك، وفي أقوال أيضًا أن الجد أب الأب يتملك، لكن ظاهر السنة أن الذي يتملك هو الأب فقط.
طالب: شيخ -أحسن الله إليكم- إذا كان طلق الابن زوجاته، ليس () الزوجات أو أنه لم يوفق بينهما، وإنما بسبب سوء خلق هذا الولد أو أنه ردي الطباع، ما أحد يصبر عليه، فيريد يتزوج ويطلق ويتزوج ويطلق فيلزم الأب والحالة هذه ..؟
الشيخ: والله الظاهر أنه ما يلزمه؛ لأنه حتى هذه في إعطائه المال يتزوج به فيه أيضًا إعانة له على كونه كل شهر أو شهرين يتزوج، وهذا ضرر عليه وعلى أهله.
طالب: أحسن الله إليكم، هل يُشْترط أن يكون الأب حسن التصرف؛ فيه بعض الآباء ليس حسن التصرف يأخذ مال ابنه وينفقه على أشياء غير طيبة أو في أشياء تافهة؟
الشيخ: هذه يمنع منها؛ لا لأنه ليس له أن يتملك، لكن لأنه يصرف مالك في غير الفائدة؛ لأن الأب في هذه الحال نقول: تملك الآن، خذ من مال ولدك، لكن ما يمكن تصرفه في الشيء المحرم، فإذا لم يوجد سلطة تمنعه من صرفه في الوجه المحرم فللابن أن يمتنع؛ لكفه عن المحرم.
طالب: أحسن الله إليكم، إذا كان مثلًا الابن طالب علم وقال لأبيه: أنا نيتي أن أطلب العلم ولا أريد أن أعمل، سأتزوج وتنفق علي؛ لأن النفقة واجبة عليك، فقال له الأب: أنت الآن رجل يجب أن تعمل. فقال: لا، أنا ما أعمل.
[ ١ / ٥٦٥٥ ]
الشيخ: لا، ما يلزمه، ما دام يطلب العلم، أما يقول: لا بأقعد أتفرغ أنا أحب الأصحاب والأصدقاء كل ساعة يروح لصديق، ولا أنا بعامل، هذا نعم له أن يقول له؛ لأن التفرغ لطلب العلم يوجب النفقة حتى إنه يجوز أن يأخذ من الزكاة، لكن التفرغ للعب واللهو، نقول: أنت قادر على التكسب، ولا يجب لك عليَّ نفقة.
طالب: ()
الشيخ: إي نعم.
الطالب: () بعدما حلَّ الوقت الذي يعني الأب يسدد فيه الدين، أخذ السيارة وباعها ().
الشيخ: لا ما يجوز؛ لأنها ملك الأب.
طالب: هل النفقة محددة بعمر؟
الشيخ: بعمر؟ لا محددة بالقدرة على التكسب.
***
الطالب: () وعلى أصحابه أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
فصل في تصرفات المريض
من مرضه غير مَخُوف كوجع ضرس وعين وصداع يسير فتصرفه لازم كالصحيح، ولو مات منه، وإن كان مخوفًا كَبِرْسام وذات الجنب ووجع قلب ودوام قيام ورُعاف وأول فالج وآخر سل والحمى المُطْبِقَة والرِّبع وما قال طبيبان مسلمان عدلان: إنه مَخُوف، ومن وقع الطاعون ببلده ومن أخذها الطلق لا يلزم تبرعُه لوارث بشيء ولا بما فوق الثلث إلا بإجازة الورثة لها إن مات منه، وإن عوفي فكصحيح.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
هل يملك الأب أن يُبْرِئ من دَيْنِ ولده؟
طالب: ليس له ذلك.
الشيخ: ليس له ذلك، مثاله؟
طالب: المثال: ابن له دين عند شخص آخر فأتى هذا الوالد وقال للمدين: إني أبرأتك. فلا يصح الإبراء.
الشيخ: أحسنت -بارك الله فيك- لا يصح؛ لأن الدين ليس ملكًا ..
الطالب: ليس ملكًا للأب.
الشيخ: ليس ملكًا للابن.
الطالب: هو الدين ملك للابن؟
الشيخ: لا، ما بعد ملكه، إلى الآن الدين في ذمة المدين؛ فلذلك لو أبرأه الأب منه لم يملكه.
وهب ابنَه سيارة ثم باعها الأب، فهل يصح البيع أو لا؟
طالب: لا.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأن من شروط البيع أن يتملكها، وهذا ما ملكها.
[ ١ / ٥٦٥٦ ]
الشيخ: لأن من شروط البيع أن يملكها، وهذا لم يملكها.
كيف يمكن أن يصح بيعه لهذه السيارة؟
طالب: يتملكه بالفعل أو بالقول.
الشيخ: أن يتملكه أولًا ثم يبيعها ثانيًا. هل يملك الأب أن يبيع بيت ابنه؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأنه محتاج.
الشيخ: لا، مو محتاج عنده عشرات البيوت.
طالب: يتملكه.
الشيخ: يعني: قبل أن يتملكه لا يجوز، فنقول للأب: تملكه أولًا، ثم بعه ثانيًا ليكون ملكك، أما أن تبيعه وهو على ملك الابن بدون توكيل من الابن فهذا لا يجوز.
شخص له على أبيه مئة ريال، هل له أن يطالبه بها؟
طالب: لا. ليس له أن يطالبه بها.
الشيخ: ما يطالبه، شخص عند أبيه له عارية، هل له أن يطالبه بها؟ تعرف العارية؟
طالب: أعرفها، استعار من ابنه.
الشيخ: أحسنت، استعار من ابنه شيئًا، فهل لابنه أن يطالبه برده أو لا؟
الطالب: له.
الشيخ: له ذلك؛ لأنه ليس بدين. هل يمكن للأب أن يَحُول بين ابنه وبين هذه العارية؟
طالب: يعني: إذن يجوز له ذلك.
الشيخ: إي، يجوز.
الطالب: لا، غير جائز ().
الشيخ: كيف؟
الطالب: يتملكه.
الشيخ: صح، يمكن أن يحول بينه وبين ابنه فيقول: أنا تملكتها، أنا الآن أخذتها منك على أنها ملكي، وحينئذ تخرج عن ملك الابن ولا يمكن أن يطالب بها.
استثنى المؤلف ﵀ من المطالبة بالدين ونحوه استثنى مسألة، ما هي؟
طالب: النفقة الواجبة.
الشيخ: النفقة الواجبة. ما وجه استثنائها؟
الطالب: لأن الولد محتاج إليها.
الشيخ: لأن هذه لحفظ حياته.
الطالب: لا يقوم إلا بها.
الشيخ: لا يمكن أن تقوم حياته إلا بها.
***
[فصل في تصرفات المريض]
ثم قال المؤلف: (فصل: في تصرفات المريض) الأمراض ثلاثة أقسام: مرض مَخُوف، ومرض غير مخوف، ومرض ممتد، هذه ثلاثة أقسام.
[ ١ / ٥٦٥٧ ]
المرض المخوف هو الذي إذا مات به الإنسان لم يُعَدَّ نادرًا؛ يعني أنه لا يُستغرب أن يموت به الإنسان. هذا المرض المخوف، وقيل: المرض المخوف ما يغلب على الظن موتُه به، وهذا قريب من الأول؛ لأنه إذا كان يغلب على الظن أن يموت به ثم مات يُستغرَب ولَّا لا؟
طالب: ما يستغرب.
الشيخ: لا يستغرب. وغير المخوف بعكسه هو الذي لو مات به الإنسان لقيل: سبحان الله، كيف يموت من هذا المرض؟ ! هذه ليس هناك عادة أن يموت الإنسان بهذا المرض، وإن شئت فقل: هو الذي لا يغلب على الظن موتُه به.
الأمراض الممتدة هي الأمراض التي تطول مدتُها وسيأتي الشرح في كلام المؤلف؛ مثل السل أمراض السل، الجُذام هذه أمراض تدوم مع الإنسان تأخذ سنة سنتين أو أكثر. هذه لها حكم.
يقول المؤلف ﵀: (من مرضه غير مخوف) وهو الذي لا يُتوقع منه الموت هذا المرض المخوف الذي لا يتوقع منه الموت ولا يغلب على الظن (كوجع ضرس) وجع الضرس في الغالب ليس بمخوف؛ لأن كثيرًا من الناس توجعهم أضراسهم وربما يسهرون الليالي منها، ولكنه لا يخاف الموت ولا يتوقع الموت.
كذلك (وجع عين) وجع العين ليس مرضًا مَخُوفًا وإن كان مؤلمًا؛ لأنه لم تجر العادة بالموت به.
(وصداع يسير) الصداع وجع الرأس؛ فإن كان شديدًا فإنه مَخُوف، وإن كان يسيرًا فإنه غير مخوف.
قال: (فتَصَرُّفُه لازم كالصحيح) قوله: (فتصرفه) الجملة هذه خبر (مَنْ) ولَّا جواب (من)؟
إن جعلنا (من) اسمًا موصولًا فالجملة خبر، إن جعلناها شرطية فالجملة جواب.
[ ١ / ٥٦٥٨ ]
فتصرف هذا المريض لازم كالصحيح؛ يعني كالذي ليس بمريض، (لازم) يعني: نافذ وثابت كتصرف الصحيح ولو مات من هذا المرض؛ وذلك لأن هذا المرض لا يُتوقع منه الموت، والإنسان فيه يرجو الحياة؛ مثال ذلك: رجل يوجعه ضرسه فأوقف جميع ماله، أو تصدق بجميع ماله، ما حكم هذا الوقف أو الصدقة؟ صحيح، حتى لو مات فهو صحيح؛ لأن هذا المرض لا يُتَوَقَّع منه الموت ولا يخاف منه الموت، كذلك إنسان معه صداع يسير إذا كان الضحى مثلًا وأبطأ عن شرب الشاهي أحس بالألم، وإذا شرب () زال عنه الألم، في حال وجع الرأس تصدق بجميع ماله. ما تقولون في هذه الصدقة؟
طلبة: نافذة.
الشيخ: حتى لو فُرِضَ أنه مات من هذا المرض فإن التصرف نافذ؛ لأن هذا المرض لا يُؤَثِّر فهو كقول النبي ﵊: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَأْمَلُ الْبَقَاءَ وَتَخْشَى الْفَقْرَ» (٨) الشاهد من قوله: «تَأْمَلُ الْبَقَاءَ»، والإنسان في هذه الأمراض اليسيرة يأمل البقاء ولَّا لا؟ يأمل البقاء، ولا يدور في نفسه أنه سيموت منها.
(وإن كان مخوفًا) هذا القِسم الثاني من الأمراض، ما هو المخوف؟ ما يغلب على الظن موته به، أو ما يتوقع الموت به.
يقول المؤلف في القسم الأول قبل أن نتجاوزه قال: (ولو مات منه) يعني: فإنه لا يضر.
مثال المخوف: كالبرسام؛ البرسام وجع في الدماغ يصيب الإنسان ويصحبه ألم شديد وهذيان، ما ينضبط قوله ولا تَصَرُّفه، ويسمى عند العامة؟
طالب: الجلطة.
الشيخ: الجلطة لا، يسمى عند العامة أبا دمغة، الدمغة يعني: معناه شيء يدمغ رأسه ليست كالجلطة، الجلطة تؤدي إلى خدور، لكن هذا ليس من () هذا يذهب ويجيء ويروح ويتكلم، لكن يكون كالمجنون، هذا نقول: مرض مخوف.
[ ١ / ٥٦٥٩ ]
(ذات الجنب) مرض مَخُوف؛ وهو وجع يصيب الجنب ويقول الأطباء: إن الرئة تلزق بالصدر ثم تتعفن، ويكون النفس عسيرًا على المريض، وربما يموت، وهو حسب التجارب نوعان: نوع يسمونه مُذَكَّرًا، ونوع يسمونه مؤنثًا؛ المذكر لا يبقى صاحبه إلا أيامًا يسيرة ثم يموت أربعة أيام خمسة أيام ثم يموت، والمؤنث ربما يبقى شهرًا أو شهرين ثم يموت، لكن المعروف أن مَنْ أُصِيبَ به مات، نُسَمِّي هذا مرضًا مخوفًا، ولكن هذا المرض لا يَبْرَأ منه الإنسان غالبًا إلا بالكي، ما ينفع فيه حبوب ولا تدليك ولا شيء أبدا، الكي هو المرهم الناجع ويعرفه الأطباء المختصون يأتون إلى المريض ثم يقصون أضلاعه، ما بين الأضلاع يهمزه الطبيب، فإن أحس بألم جعل فيه علامة ثم يمشي على أضلاعه كلها إلى التَّرْقُوَة، ويجعل على كل مكان يقول المريض: إنه آلمني يجعل عليه علامة -يعني حبرًا أو غيره- من أجل أن يكون الكي عليه، فإذا انتهى كوى هذه المواضع، ثم بإذن الله يبرأ، ويُذْكَر في هذا قصص عظيمة كثيرة حتى إن بعضهم يبقى شبه مغمى عليه لمدة كثيرة فيأتيه هذا الطبيب العادي المتمرن في هذا النوع ويقص أضلاعه فإذا قصها -المريض الآن لا يشعر، ما عنده شعور- إذا وضع أصبعه على محل الألم تحرك ثم يضع عليه علامة، أحيانًا ما يخرج هذا الطبيب من المكان بعد الكي إلا وقد انتبه الرجل، انتبه يعني معناه أنه كبعير نشط من عقال، فهذا النوع من المرض نعتبره أيش؟ مرضًا مخوفًا.
[ ١ / ٥٦٦٠ ]
كذلك أيضا وجع القلب؛ وجع القلب مرضٌ مخوفٌ؛ لأن القلب هو الذي يضخ الدم إلى البدن فإذا مُرِضَ فهو خطر على الإنسان، لكن لا بد أن يكون مرضًا حقيقيًا؛ لأنه أحيانًا يكون في القلب وجع؛ يعني مثلًا في الشهر أو في السنة يحس بألم في قلبه لكن بدون ضعف؛ لأن مرض القلب نوعان: مرض يكون وجعًا لكن البدن نشيط ما فيه ضعف، ونوع ثان مرض وجع لكن يصحبه ضعف في البدن؛ فالأخير لا شك أنه من الأمراض المخوفة، والأول إن كان يتكرر فهو من الأمراض المخوفة، وإن كان يأتي أحيانًا إما بسبب برد أو غير ذلك فهذا ليس بمخوف.
الثالث قال: (ودوام قيام) (دوام قيام) يعني: معناه أن يبقى الإنسان دائمًا واقفًا كذا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، مو هذا دوام القيام؛ القيام الإسهال، تعرفون الإسهال؟ فإذا دام مع الإنسان الإسهال فلا شك أن هذا مرض مخوف؛ لأن معناه أن الأمعاء لا يبقى فيها الطعام حتى تمتص ما فيه وحينئذ يضعف البدن ويستهلك ويموت.
أما القيام العارض الذي يكون بسبب تغير الطعام أو شيء آخر فهذا ليس بمخوف، المخوف هو دوام القيام، فيه نوع من أنواع الكوليرا -أظن- يكون فيه دوام قيام، هذا من الأمراض المخوفة.
[ ١ / ٥٦٦١ ]
كذلك (دوام رعاف) الرعاف هو خروج الدم من الأنف فإذا كان دائمًا يمشي فلا شك أنه مخوف لماذا؟ لأنه ينضب الدم ويموت الإنسان، الإنسان أصله علقة دم، وكذلك الأطوار التي تأتي لا بد فيه من الدم؛ ولهذا قال بعض العلماء في قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ﴾ [الأعراف: ١٣٣]: إن المراد بالدم الرعاف، ابتلوا بالرعاف الدائم، وهذا القول هو الصحيح. وأما من قال من العلماء: إن المراد بالدم أنهم إذا شربوا الماء أو أرادوا أن يشربوا الماء انقلب دمًا، وأن الإناء يكون مع القبطي ويكون مع الإسرائيلي إذا أخذه الإسرائيلي فهو ماء وإذا سلمه للقبطي صار دمًا، فهذا قول باطل وضعيف؛ لأنه أرسل عليهم الطوفان () البذر، انتبهوا، الطعام أول ما هو بذر، ثم يكون زرعًا، ثم بعد الادخار يكون حبًّا، أرسلنا عليهم الطوفان لإفساد البذر الذي إلى الآن مبذور، الجراد يأكل ما خرج من الزرع؛ لأن مثلًا جانب من الأرض لم يُبْذَر إلا الساعة هذه، جانب آخر قد نبت، الذي لم يُبْذَر إلَّا الآن أرسل الله عليه الطوفان فأغرقه، والذي قد نبت الجراد فأكله، الذي مُخَزَّن في البيوت أرسل الله عليه القمل، القمل دودة تكون في الحبة فتفسدها، الماء الضفادع، إذن طعامهم فَسَد من أول البذر إلى المدخر صح ولَّا لا؟
البذر؟ الطوفان. الزرع؟
الطلبة: الجراد.
الشيخ: القمل؟ المدخر. الشراب ماذا صار؟ قال: ﴿وَالضَّفَادِعَ﴾ صار الماء كله ضفادع ما يمكن يشرب الواحد منه.
[ ١ / ٥٦٦٢ ]
الطعام والشراب كله فسد الآن، أجوافهم أيضًا فسد منتوج الطعام والشراب، ويش منتوج الطعام والشراب؟ الدم، فسد؛ ولهذا سبحان الله سرعة شرب الجسم للطعام والشراب وتأثره به أمر ظاهر يكون في الإنسان جرح يؤلمه فإذا تغدى أو تعشى يحس في الحال أن الجرح هان عليه؛ لأن الجسم يمده على طول بطاقة فتُهَوِّن عليه الألم، فهذا الطعام والشراب اللي قد أكلوه يَفْسُد عليهم بماذا؟ بالنزيف الدم، ابتلوا -والعياذ بالله- بهذه البلوى.
إذن دوام الرعاف يعتبر من الأمراض المخوفة، أما ما يقع أحيانًا من الرعاف فإن هذا لا يضر، ويوجد بعض الناس -سبحان الله- له عادة في الرعاف تكون عادة في الصيف، في الصيف يكثر معه الرعاف كثيرًا، ومع ذلك لا يضره؛ لأنه اعتاد ذلك فلا يؤثر عليه شيئًا، فمثل هذا لا نعده مرضًا، لكن إذا كان الرعاف دائمًا، وليس من المعتاد الذي ينجو الإنسان منه فإنه من الأمراض المخوفة.
طالب: شيخ، () في الآية: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ﴾ [الأعراف: ١٣٣] () أنها كلها من خارج الإنسان.
الشيخ: من يقول؟
الطالب: () الإنسان.
الشيخ: هاه؟
الطالب: والضفادع والجراد والدم.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: كلها ليست من الإنسان.
الشيخ: لا، الدم من الإنسان.
الطالب: () الدم () خارج الإنسان وجزء من الإنسان رغم أن السياق واحد.
الشيخ: لا، أبدًا هذا شيء مما يدل عليه السياق؛ لأن سال الدم، ويش معنى سال الدم؟
الطالب: ().
الشيخ: لا، سال الدم معناه أنه أمطرت السماء دمًا! ما يصير، لكن الله بين أن هذا الطعام الغذاء لا ينفعهم أُفْسِد عليهم ثم إذا حلَّ في أبدانهم أيضًا لم ينتفعوا به؛ لأنه يخرج منها.
طالب: صاحب الرعاف طهارته وصلاته يعتبر كالمستحاضة؟
الشيخ: المستحاضة يخرج دمها من فرجها، وهذا يخرج من أنفه.
الطالب: بس جامع الاستمرار في كلٍّ.
الشيخ: جامع الاستمرار؛ العرق، () الإنسان دائمًا يعرق، نقول: هذا يقاس على المستحاضة.
[ ١ / ٥٦٦٣ ]
الطالب: لكن بس هذا دم.
الشيخ: لكن دم، من أين يخرج؟ ويش تقولون في الجواب على هذا؟
طلبة: ().
الشيخ: نقول: لا ينقض الوضوء، هذا لا ينقض الوضوء.
الطالب: لكن يضره الدم في وقت الصلاة.
الشيخ: كيف يضره؟
الطالب: أن يشغله.
الشيخ: إذا أشغله ماذا يصنع؟ لا بد أن يصلي.
الطالب: يجمع الصلاتين.
الشيخ: إذا كان يشق عليه فإنه يجمع؛ لأن الصحيح أن الجمع منوط بالمشقة، لكن مسألة الوضوء لا يضره حتى لو خرج شيء كثير؛ لأن القول الراجح أن كل ما خرج من البدن فليس بناقض إلا ما خرج من السبيلين.
طالب: () لو كان فيه مريض () أن مرضه غير مخوف، وهو في الحقيقة مخوف، ثم تبرع بجميع ماله، هل () هذا؟
الشيخ: ما تقولون؟ يقول: إن هذا الرجل فيه مرض مخوف لكن لم يخبر به، وهو الآن سليم في ظاهر الحال، فهل نقول: إن العبرة بالظاهر أو العبرة بحقيقة الواقع؟ العبرة بالظاهر.
طالب: ().
الشيخ: يعني سوى العملية. ما أدري. لكن معروف أن الكي هو أنفع شيء.
طالب: ()؟
الشيخ: ما أدري، يمكن.
الطالب: أحسن الله إليك، كثير من الأمراض المخوفة في هذا العصر لها دواء، هل تسمى من الأمراض المخوفة؟ قد تكون قديمًا مخوفة ..
الشيخ: صحيح، سيأتينا إن شاء الله، سيمثل المؤلف بالسل وهو مخوف، من الأمراض اللي () عندهم ().
***
سبق لنا أن المرض ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
طالب: مخوف وغير مخوف وممتد.
الشيخ: نعم، مخوف وغير مخوف وممتد. المرض المخوف حكم تصرف صاحبه؟
طالب: حكم المرض المخوف () صحيح.
الشيخ: اللي غير المخوف.
الطالب: اللي غير المخوف، صحيح.
الشيخ: صحيح ولو مات منه؟
الطالب: ولو مات منه.
[ ١ / ٥٦٦٤ ]
الشيخ: وأما المرض المخوف فذكره المؤلف الآن نمشي عليه؛ قال المؤلف ﵀ في بيان تعداد الأمراض المخوفة قال: (وأول فالج) الفالج هو الخدورة التي تصيب بعض البدن، وهي أنواع؛ قد تكون في عضو من الأعضاء، وقد تكون في شق البدن كله، وقد تكون في البدن كله، وتُسَمَّى في عُرْف المتأخرين الجَلْطَة أو الشلل.
هذا يقول المؤلف: إن كان في أوله فهو مخوف، وإن كان في آخره فليس بمخوف، وهذا واضح؛ لأن الفالج أول ما يصيب الإنسان يخشى أن ينتقل بسرعة إلى بقية البدن فيهلك فإذا ثبت في مكان ما صار غير مخوف، لا بالنسبة للمريض ولا بالنسبة لمن حوله من الناس، يقول: هذا الآن خلاص ثبت، ثبت في هذه المكان واستقر، فلا يخشى أن ينتشر في البدن ولكن مع هذا ربما نجعله من الأمراض الممتدة كما سيأتي.
(وآخر سِلٍّ) السِّل معروف، مرض معروف يكون في الرئة، تتخرق منه الرئة، ويضعف به البدن وعلى طول المدة يموت، والسل في أوله ليس بمخوف؛ لأن صاحبه لا يلزم الفراش ولا يتأثر بشيء، أما في آخره إذا أنهكه حتى أكل لحمه ولم يبق عليه إلا الجلد على العظم فحينئذ يكون مخوفًا.
وهذا من الأمراض التي يَسَّر الله للناس الآن الحصول على دوائها فأصبح السل في عهدنا ليس بمخوف؛ لأنهم يعالجونه ويقضون عليه نهائيًّا ويبرأ الإنسان منه بُرءًا تامًّا، حتى إنهم أحيانا يقطعون بعض الرئة ولا يتأثر المريض ويسلم من المرض نهائيًا.
قال المؤلف: (وأول الفالج وآخر السل والحمى المطبقة والرِّبع) الحمى هي الحرارة وهي من فيح جهنم، الحرارة تنقسم إلى قسمين؛ حرارة مطبقة يعني دائمة يكون المريض دائما في حرارة.
الرِّبع هي الحمى التي تأتي في اليوم الرابع، لكنها إذا أتت أنهكت المريض، كل يوم رابع تأتي.
فهذه الحمى الشديدة المطبقة أو الحمى الشديدة التي تكون في اليوم الرابع كلها من الأمراض المخوفة، أما الحمى اليسيرة فإنها لا تضر، وليست من المرض المخوف.
[ ١ / ٥٦٦٥ ]
قال: (والحمى المطبقة والربع وما قال طبيبان مسلمان عدلان: إنه مخوف) اشترط المؤلف لهذا الخبر ثلاثة شروط أن يكون القائل طبيبًا، فإن كان غير طبيب فإنه لا عبرة بقوله؛ فلو أن شخصًا مريضًا وصف مرضه لرجل عامي، فوضع العاميُّ يديه على رأسه وقال: أعوذ بالله، هذا مرض مميت على طول مخوف، هل يؤخذ بقوله؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟
الطلبة: لأنه ليس بطبيب.
الشيخ: ليس بطبيب فلا يؤخذ بقوله.
كذلك (مسلمان) اشترط المؤلف الإسلام في الطبيب؛ وذلك لأن خبر الكافر غير مقبول؛ لأن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] فإذا كان خبر الفاسق يجب التبيُّن فيه فخبر الكافر من باب أولى أن يتوقف فيه أو يُرَد، فلا عبرة بقول الطبيب غير المسلم ولو كان حاذقًا مجربًا في الإصابة.
الشرط الثالث (عدلان) يعني: ذوي عدل، فإن كانا فاسقين ولو بحلق اللحية فإن قولهما لا يقبل، ولو كان فاسقين ولو بترك صلاة الجماعة فإن قولهما لا يقبل.
الشرط الرابع العدد؛ فلا يكفي الطبيب الواحد ولو كان من أمهر الناس ولو كان تام الإيمان ولو كان عدلًا، فإنه لا يُقْبَل؛ لأنه لا بد من اثنين؛ فاشترط المؤلف لقبول خبر الطبيب أربعة؛ أن يكون طبيبًا حقًّا مسلمًا عدلًا ومتعددًا اثنان فأكثر؛ وذلك لأن هذا من باب الشهادة، والشهادة لا بد فيها من الإسلام ولا بد فيها من العدالة ولا بد فيها من التعدد.
ولكن لنرجع ولننظر في الواقع أو في هذه المسألة على وجه النقاش؛ فنقول: أما اشتراط كونه طبيبًا فهذا أيش؟ هذا حق لا بد أن يكون طبيبًا، ولكن ما رأيك لو كان غير طبيب لكنه مقلد لطبيب؛ أي أنه قد سمع من طبيب ماهر أن هذا المرض مخوف، فهل يؤخذ بقوله؟
[ ١ / ٥٦٦٦ ]
الجواب: نعم يؤخذ، على القول الراجح يؤخذ؛ لأنه أخبر عن طبيب، فكما أنه في المسائل الشرعية لو أخبرك شخص عن عالم بأنه قال: هذا حرام. فإنك تقبل قوله ولو كان عاميًّا، إذا كان هذا العامي مقبول الخبر.
وأما قول المؤلف: (مسلمان) فالصحيح أن الإسلام لا يُشْتَرط في الطبيب لا في مسألة أن المرض مخوف ولا في مسألة تجنب ما يحتاج المريض إلى تجنبه؛ كما لو قال له: لا تصم فإن الصوم يضرك، فالصحيح أن الإسلام ليس بشرط، وإنما الذي يُشْتَرط الأمانة إذا كان أمينًا؛ نعلم أن هذا الطبيب أمين وليس له هوى، فإننا نقبل قوله ولو كان غير مسلم.
والدليل على هذا أن النبي ﷺ أخذ بقول الكافر في الأمور المادية التي مستندها التجارب، وذلك حين استأجر رجلًا مشركًا من بني الديل يقال له: عبد الله بن أريقط ليدله على الطريق في سفره في الهجرة.
فإن النبي ﷺ استأجر هذا الرجل وهو كافر، وأعطاه بعيره وبعير أبي بكر ليأتي بهما بعد ثلاث ليال إلى غار ثور، هذا ائتمان عظيم لا على المال ولا على النفس.
أما على المال فقد أعطياه الراحلتين وأما على النفس فإنه سيدلهم على الطريق، مع أن قريشًا قد اشتد طلبها للرجلين للنبي ﷺ وأبي بكر وجعلوا لمن أتى بهما مئتي بعير؛ لكل واحد مئة، وهذا الكافر ربما يقول: هذه فرصة العمر.
[ ١ / ٥٦٦٧ ]
عَدْلان: إنه مَخوفٌ ومَن وَقَعَ الطاعونُ ببَلَدِه ومَن أَخَذَها الطَّلْقُ لا يَلْزَمُ تَبَرُّعُه لوارِثٍ بشيءٍ، ولا بما فَوقَ الثُّّلُثِ إلا بإجازةِ الوَرَثَةِ لها إن مَاتَ منه، وإن عُوفِيَ فكصحيحٍ، ومَن امْتَدَّ مَرَضُه بِجُذامٍ أو سُلٍّ أو فالِجٍ ولم يَقْطَعْه بفِراشٍ فمِن كلِّ مالِه، والعكْسُ بالعكسِ، ويُعْتَبَرُ الثُّلُثُ عندَ موتِه ويُسَوِّي بينَ الْمُتَقَدِّمِ والمتَأَخِّرِ في الوَصِيَّةِ، ويَبدأُ بالأَوَّلِ فالأَوَّلِ في العَطِيَّةِ، ولا يَمْلِكُ الرجوعَ فيها، ويُعْتَبَرُ القَبولُ لها عندَ وُجودِها، ويَثْبُتُ الْمِلكُ إِذن، والوصِيَّةُ بخِلافِ ذلك.
وذلك لأن خبر الكافر غير مقبول؛ لأن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، فإذا كان خبر الفاسق يجب التبين فيه فخبر الكافر من باب أوْلَى أن يتوقف فيه أو يُردُّ فلا عبرة بقول الطبيب غير المسلم ولو كان حاذقًا مجربًا في الإصابة.
الشرط الثالث: (عدلان) يعني ذوي عدل، فإن كانا فاسقين ولو بحلق اللحية فإن قولهما لا يُقبل، ولو كانا فاسقين ولو بترك صلاة الجماعة فإن قولهما لا يُقبل، وعلى كلام المؤلف ..
الشرط الرابع: (العدد) فلا يكفي الطبيب الواحد ولو كان من أمهر الناس ولو كان تام الإيمان، ولو كان عدلًا، فإنه لا يُقبل؛ لأنه لا بد من اثنين، فاشترط المؤلف لقبول خبر الطبيب أربعة؛ أن يكون طبيبًا حقًّا مسلمًا عدلًا ومتعددًا اثنين فأكثر؛ وذلك لأن هذا من باب الشهادة، والشهادة لا بد فيها من الإسلام، ولا بد فيها من العدالة، ولا بد فيها من التعدد.
[ ١ / ٥٦٦٨ ]
ولكن لنرجع ولننظر في الواقع أو في هذه المسألة على وجه النقاش فنقول: أما اشتراط كونه طبيبًا فهذا حق، لا بد أن يكون طبيبًا، ولكن ما رأيك لو كان غير طبيب لكنه مُقلِّد لطبيب؛ أي أنه قد سمع من طبيب ماهر أن هذا المرض مخوف، فهل يؤخذ بقوله؟ الجواب: نعم، يؤخذ، على القول الراجح يؤخذ؛ لأنه أخبر عن طبيب، فكما أنه في المسائل الشرعية لو أخبرك شخص عن عالم بأنه قال: هذا حرام فإنك تقبل قوله ولو كان عاميًّا إذا كان هذا العامي مقبول الخبر.
وأما قول المؤلف: (مسلمان) فالصحيح أن الإسلام لا يُشترط في الطبيب لا في مسألة أن المرض مخوف، ولا في مسألة تجنب ما يحتاج المريض إلى تجنبه كما لو قال له: لا تصم؛ فإن الصوم يضرك، فالصحيح أن الإسلام ليس بشرط، وإنما الذي يشترط الأمانة، إذا كان أمينًا، نعلم أن هذا الطبيب أمين وليس له هوى، فإننا نقبل قوله ولو كان غير مسلم.
والدليل على هذا أن النبي ﷺ أخذ بقول الكافر في الأمور المادية التي مستندها التجارب، وذلك حين استأجر رجلًا مشركًا من بني الديل، يُقال له: عبد الله بن أريقط ليدله على الطريق في سفره في الهجرة، فإن النبي ﷺ استأجر هذا الرجل وهو كافر، وأعطاه بعيره وبعير أبي بكر ليأتي بهما بعد ثلاث ليالٍ إلى غار ثور (١). هذا ائتمان عظيم لا على المال ولا على النفس، أما على المال فقد أعطياه الراحلتين، وأما على النفس فإنه سيدلهم على الطريق مع أن قريشًا قد اشتد طلبها للرجلين للنبي ﷺ وأبي بكر، وجعلوا لمن أتى بهما مئتي بعير لكل واحد مئة، وهذا الكافر ربما يقول: هذه فرصة العمر، أُسَلِّم الرجلين وآخذ مئتي بعير، لكنه أمين، فدل هذا على اعتبار قول الكافر إذا كان أمينًا.
إذن (مسلمان) الصحيح أن نجعل بدل هذه الكلمة (أمينًا).
[ ١ / ٥٦٦٩ ]
الثالث: (عدلان) أيضًا هذا الصحيح أنه ليس بشرط، ما دام مؤتمنًا، مسلم مؤتمن في مهنته، فالصحيح أنه لا تُشترط العدالة؛ لأن كثيرًا من الناس قد يكون فاسقًا وقد يكون كافرًا لكنه في مهنته لا يخون؛ إما لمروءته، أو من أجل الشرف، أو من أجل الدعاية لنفسه؛ لأنه لو خان وعرف الناس أنه خائن تركوه.
ولو أننا اشترطنا العدالة في أخبار الأطباء ما عملنا بقول طبيب واحد إلا أن يشاء الله؛ لأن أكثر الأطباء لا يتصفون بالعدالة، أكثرهم لا يصلي مع الجماعة، أكثرهم يحلق لحيته، أكثرهم يُدخِّن، فلو أنَّا اشترطنا العدالة لأهدرنا قول كثير من الأطباء أو أكثر الأطباء.
بقي علينا العدد، المؤلف اشترط العدد أن يكونا اثنين فأكثر، ولكن الصحيح أن الواحد يكفي؛ وذلك لأن هذا من باب الخبر المحض، ومن باب التكسُّب بالصنعة، فخبر الواحد كافٍ في ذلك، ولهذا لسنا نقول مثلًا لمن أراد أن يخبرنا عن صنعة من الصنائع: هات واحدًا يشهد، بل نأخذ بقوله ولو كان واحدًا. إذن المدار في هذه المسألة على الأمانة، متى وجدنا طبيبًا أمينًا وقال لنا: إن هذا المرض مخوف اعتبرنا هذا المرض مخوفًا.
لو تعارض مسلم وكافر فقال المسلم: غير مخوف، وقال الكافر: بل مخوف، من نُقدِّم؟
طالب: المسلم.
الشيخ: لا، نُقدِّم من هو أخبر وأعلم، فإذا علمنا أن الكافر أرقى علمًا من المسلم مع أمانته أخذنا بقوله، كثير من أطباء المسلمين الآن يتعلمون على أطباء كفار، أما لو تساووا فمن المعلوم أن نأخذ بقول المسلم.
قال: (وما قال طبيبان مسلمان عدلان: إنه مخوف، ومن وقع الطاعون ببلده فإنه يعتبر بمنزلة المريض مرضًا مخوفًا).
[ ١ / ٥٦٧٠ ]
هو نفسه ليس بمريض لكنه يتوقع الموت بين لحظة وأخرى، فهل نقول: إن هذا بمنزلة المريض مرضًا مخوفًا؟ الجواب: نعم؛ لأنه لا فرق بينه وبين من أصابه المرض في اليأس من الحياة فيكون هذا بمنزلة المريض مرضًا مخوفًا، والطاعون وباء فتَّاك يُعدي، وينتشر بسرعة، ولكنه هل هو نوع واحد أو هو جنس تحته أنواع؟
فقال بعض العلماء: إنه نوع واحد، وهي أورام خبيثة تخرج في البدن فتقضي عليه، لكنها غير أمراض السرطان؛ لأن السرطان ليس يُعدي، لكن أمراض أخرى، مثل الجذام وشبهه، هذا هو الطاعون.
وبعضهم قال: المراد بالطاعون كل مرض مُعدٍ فتاك، ولكن الظاهر من السنة خلاف ذلك؛ لأن الرسول ﷺ عد الشهداء فقال: «الْمَطْعُونُ وَالْمَبْطُونُ» (٢). وهذا يدل على أن من أُصيب بداء البطن غير من أُصيب بالطاعون، والمبطون هو الذي انطلق بطنه وأصابه القيام الدائم، أو أُصيب بألم في البطن وهو مثل ما يسمونه الزائدة، الزائدة هي إذا أصابت الإنسان وانفجرت مات ما فيها سلامة، لكن نجد ألَمًا شديدًا في البطن، فإذا يسر الله له أن تُستأصل سلم.
إذن من وقع الطاعون ببلده نقول: هو مريض مرضًا مخوفًا ولَّا في حكم المريض؟ في حكم المريض؛ لأنه لم يمرض.
[ ١ / ٥٦٧١ ]
قال: (ومن أخذها الطَّلْق) المرأة إذا أخذها الطلق، وهو الوجع الذي يسبق الولادة، وهو نتيجة لانقلاب الجنين لينزل؛ لأن الجنين في الرحم رأسه إلى فوق ووجهه إلى ظهر أمه، وظهره إلى بطن أمه، فيده اليمنى في الجانب الأيسر من الأم، ويده اليسرى في الجانب الأيمن من الأم، شوف الحكمة الإلهية، جعل الله وجهه إلى ظهْر أمه من أجل أن يقيه الصدمات، وظهره إلى بطن الأم؛ لأن الظهر يتحمل، فلو كان وجه الجنين في البطن إلى بطن الأم لكان كل صدمة تيجي للبطن تصيبه، ولكن جعل الله وجهه إلى ظهر الأم ليكون الظهر وقاية عند خروجه ينقلب، ينقلب هكذا من أجل أن يكون رأسه هو الأسفل حتى يخرج رأسه الأول، الرأس يخرج أولًا؛ لأنه لو خرجت الرجلان أولًا لشق على الأم مشقة شديدة فإنه إذا انسلخ ربما تقف اليد هكذا وتحول بينه وبين الخروج، ويحصل في ذلك إما تمزق الصبي أو تألم الأم بكثرة، لكن إذا خرج الرأس سهل بقية البدن، ولذلك يقولون: متى دخل الرأس دخل بقية البدن، أما إذا عجزت أن يدخل الرأس لا تحاول أن يدخل البدن.
قال أهل العلم: وينبغي أن يُدخل في القبر كما خرج من بطن أمه. بمعنى أننا ننزله من عند الرأس، نجيب الرأس من عند رجلي القبر وندخله كذا سَلًّا ليكون هذا الرأس الذي شهد الدنيا أولًا هو الذي يذهب عن الدنيا أولًا فيدخل إلى القبر.
وبعض العلماء قال: لا، يؤتى بالميت من جهة القبلة، ويُنزَّل جميعًا دفعة واحدة كما يفعله الناس اليوم. على كل حال أن من أخذها الطلق فهي مريضة مرضًا مخوفًا.
فإن قال قائل: كيف يكون هذا مرضًا مخوفًا مع أن السلامة أكثر؟ أليس كذلك؟ السلامة أكثر؟
طالب: نعم.
[ ١ / ٥٦٧٢ ]
الشيخ: السلامة أكثر، ما أكثر النساء التي تلد ولا تموت، يمكن يموت واحدة في المئة، أو واحدة في الألف، فيُقال: لكن لو ماتت من الطلق لم تعد ميتة بغير سبب يقتضي الموت، فلذلك جعلوا هذا من باب المرض المخوف، إلى متى يكون مرضًا مخوفًا؟ حتى تنجو، ما هو حتى تضع حتى تنجو؛ لأنها ربما تضع ولا تنجو، أحيانًا تضع المرأة ولا تنجو، وتسمى عند النساء الخلاص.
يعني ما يطمئنون إليها إلا إذا خلصت، إذا خلصت وخرجت المشيمة وكل شيء الآن يطمئنوا إليها؛ ولهذا قال العلماء: من أخذها الطَّلْق حتى تنجو ولم يقولوا: حتى تضع.
طالب: شيخ، المرأة في قول المؤلف ما يؤخذ بقولها؟
الشيخ: إي نعم، ما يؤخذ بقولها.
الطالب: ما العِلَّة؟
الشيخ: العلة؛ لأنه لا بد من الذكورة.
الطالب: الصحيح؟
الشيخ: الصحيح أنه مثلما قلت لك أن نرجع إلى الأمانة.
***
الطالب: () نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. قال المصنف رحمه الله تعالى: ومن أخذها الطلق لا يلزم تبرعه لوارث بشيء، ولا بما فوق الثلث إلا بإجازة الورثة لها إن مات منه، وإن عوفي فكصحيح، ومن امتد مرضه بجذام أو سلٍّ أو فالج، ولم يقطعه بفراش، فمن كل ماله، والعكس بالعكس، ويعتبر الثلث عند موتهم، ويُسوَّى بين المتقدم والمتأخر في الوصية، ويُبدأ بالأول فالأول في العطية، ولا يملك الرجوع فيها، ويُعتبر القبول لها عند وجودها، ويثبت الملك إذن والوصية بخلاف ذلك.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
لماذا فرق المؤلف بين السل والفالج؟
طالب: الفالج يكون ظاهرًا.
الشيخ: لا.
طالب آخر: أن أول السل ()، وأما آخر السل فهو مخوف، وأما أول الفالج فهو مخوف؛ لأنه يُخشى منه، ويتعذر وضع الفالج، وأما آخره فهو ثابت.
الشيخ: يكون ثابتًا، تمام؛ لأن الخطر في السل آخره، والخطر في الفالج في أوله؛ فلهذا صار أول الفالج مخوفًا وآخر السل مخوفًا.
[ ١ / ٥٦٧٣ ]
(ما قال الطبيبان المسلمان العدلان: إنه مخوف) اشترط المؤلف هنا ثلاثة شروط؟
طالب: أولًا: يكونا اثنين، ثانيًا: يكونا عدلين، ثالثًا: أن يكونا مسلمين. ورابعًا: أن يكونا عدلين.
الشيخ: كيف؟
الطالب: مسلمان وعدلان، العدد اثنان، وطبيبان.
الشيخ: وطبيبان، يعني عنده ما عند الطب. هذه الشروط الأربعة، ذكرنا أن في بعضها شيئًا من النظر.
طالب: قلنا: يشترط الأصل أن يشترط الأمانة في الطبيب، أما اشتراط المسلم، واشتراط العدالة فليس بواجب، أو فليس بشرط.
الشيخ: والتعدد؟
الطالب: التعدد كذلك.
الشيخ: ويش معنى كذلك؟ شرط ولَّا غير شرط؟
الطالب: شرط.
الشيخ: إذن قلنا: الصحيح أنه اشترط أن يكون طبيبًا مأمونًا.
قوله: (من وقع الطاعون في بلده) الطاعون ما هو؟
طالب: الطاعون مرض يبتلي الله ﷾ به، إذا وقع فإنه ينتقل بسرعة إلى الآخرين، وهو مرض مخوف.
الشيخ: أحسنت حتى وإن لم يصب به؟
الطالب: حتى وإن لم يصب به؛ لأنه يحتمل أن ينتقل إليه.
الشيخ: يترقَّبه هو.
الطاعون له حكم شرعي؟
طالب: إذا وقع في بلد لا يجوز للإنسان يخرج منها.
الشيخ: فرارًا منه، ولا يجوز أن يقدم؟
الطالب: أن يقدم على بلده.
الشيخ: على بلده، صح.
قال: (ومن أخذها الطَّلْق) أيش معنى الطلق؟
طالب: هو أول يعني الدم الذي يخرج قبل ..
الشيخ: لا، هذا نِفاس.
الطالب: الطَّلْق هو الآلام التي تصيب المرأة عند الولادة.
الشيخ: أحسنت، عند الولادة، الطَّلْق هو الآلام التي تصيب المرأة عند ولادتها. ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: ١٥].
لماذا جُعِل من الأمراض المخوفة مع أن السلامة فيه كثيرة؟
طالب: لاحتمال أنها تموت.
الشيخ: حتى الصحيح يحتمل يموت.
الطالب: نعم، بعدين يُوجد حالات كثيرة تموت ().
الشيخ: إي، لكن الأكثر؟
الطالب: الأكثر ..
الشيخ: السلامة، كيف جعلناه مخوفًا؟
الطالب: في حكم المخوف.
الشيخ: لماذا جعلناها في حكم المخوف؟
[ ١ / ٥٦٧٤ ]
طالب: لأنه يحتمل أن تموت في هذا.
الشيخ: يعني لأن المرأة لو ماتت ما قيل: إن هذا الشيء أمر نادر؛ يعني معناه يصح أن يكون سببًا للموت، كل شيء يصح أن يكون سببًا للموت فهو مخوف.
يقول المؤلف ﵀: (لا يلزم تبرعه للوارث بشيء).
قوله: (لا يلزم) هذا هو جواب الشرط في قوله: (وإن كان مخوفًا) لا يلزم تبرعه لوارث بشيء (تبرعه) يعني عطيته مجانًا.
(لوارث) يعم الوارث بالفرض، والوارث بالتعصيب، والوارث بالرحم.
(بشيء) يشمل القليل والكثير والأعيان والديون.
(ولا بما فوق الثلث) يعني لغير وارث إلا بإجازة الورثة لها، هذا الحكم.
تصرفه من مرضه المخوف إن كان تصرف معاوضة ليس فيه تبرع فهو جائز، يعني يجوز لمن مرضه مخوف أن يبيع ويشتري على العادة، أما إذا كان فيه تبرع؛ يعني بذل مالٍ مجانًا، فهذا يقول المؤلف: (إن كان لوارث فإنه لا يلزم) ولم يقل: لا يصح؛ لأنه لو أجاز الورثة لثبت، لكنه لا يلزم.
وقول المؤلف: (لوارث) قلنا: سواء كان وارثًا بفرض أو تعصيب، فلو أن رجلًا كان له زوجة، وكانت الزوجة تخدمه وتُحسن إليه كثيرًا وليس عندها مال، وكان له وارث بعيد من أبناء العم الذي هو معه دائمًا في خصومة ونكد، فقال: قد وهبت بيتي لزوجتي؛ لأنها تحسن إلَيَّ، وخاف إن مات أن يدخل معها في الإرث ذلك ابن العم الشرير الذي دائمًا معه في نزاع وخصومة، ثم مات هذا الرجل. فهل تثبت العطية للزوجة؟
طالب: لا.
الشيخ: لا؛ لأنها وارثة، فمن مرضه مخوف لا يلزم أن يتبرع من ماله بشيء لأحد من الورثة، لكن يقول المؤلف: (إلا بإجازة الورثة). وعلى هذا، فإذا مات هذا الرجل قلنا لابن عمه: هل أجزت تبرع الرجل لزوجته بهذا البيت؟ ماذا سيقول؟
طالب: لا.
[ ١ / ٥٦٧٥ ]
الشيخ: سيقول: لا، ليش؟ لأنه شرير وبينه وبينه عداوة، يقول: أبدًا، ما أسمح، إذن تبطل العطية، فإن باعه عليها بيعًا بثمن المثل يعني أخرجه للسوق، ونُودي عليه في السوق، وانتهى الثمن إلى الزوجة فاشترته بثمن بدراهم، فما حكم ذلك؟
طلبة: جائز.
الشيخ: هل يُستأذن ابن العم ولَّا ما يستأذن؟
طلبة: ما يستأذن.
الشيخ: لا يُستأذن؛ لأن هذا ليس بتبرع ولكنه عقد معاوضة، وصارت بثمن الْمِثل، قال: (ولا بما فوق الثلث) بما فوق الثلث لمن؟
طالب: لغير الوارث.
الشيخ: لغير الوارث، وللوارث من باب أولى؛ لأن التبرع للوارث ولو بالقليل لكن غير الوارث المرجع في ذلك إلى الثلث، فما زاد على الثلث فلا بد فيه من إجازة الورثة، وما لم يزد فهو حق للميت، مثاله: قال: إني أوصيت بثلثي لفلان فأعطوه إياه بعد موتي. ولكن هذه عطية، قال: إني قد وهبت ثلثي لفلان، ثلث مالي لفلان يصح أو لا يصح وهو غير وارث؟
طالب: يصح.
الشيخ: يصح، وهبتُ نصف بيتي لفلان، وليس عنده إلا البيت؟
طلبة: ما يصح.
الشيخ: ما يصح إلا الثلث فقط، وما زاد فالورثة بالخيار، والله أعلم.
***
الطالب: () وآله أجمعين. قال المصنف رحمه الله تعالى: لا يلزم تبرُّعه لوارث بشيء، ولا بما فوق الثلث إلا بإجازة الورثة لها إن مات منه، وإن عُوفي فكصحيح، ومن امتد مرضه بجذام أو سل أو فالج، ولم يقطعه بفراش فمن كل ماله، والعكس بالعكس، ويعتبر الثلث عند موته.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
حكم عطية المريض مرضًا، المرض المخوف، يقول المؤلف: (لا يلزم تبرعه لوارث بشيء) مطلقًا، لا قليلًا ولا كثيرًا، مثال ذلك: زيد مريض مرضًا مخوفًا وله أخوان فأعطى أحدهما مئة درهم، نقول: هذه العطية غير لازمة، لماذا؟ لأن المرض مخوف والْمُعْطَى وارث.
[ ١ / ٥٦٧٦ ]
شخص آخر مريض مرض الموت المخوف، فأعطى أجنبيًّا منه، ولكنه صديق له أعطاه مئة درهم، فهل العطية صحيحة؟
فيه تفصيل؛ إن كانت من الثلث فأقل فالعطية صحيحة لازمة، وإن كانت أكثر من الثلث فما زاد عن الثلث فإنه لا يلزم إلا بإجازة الورثة؛ ولهذا يقول: (لا يلزم تبرعه لوارث بشيء)، وعُلِم من قوله: (لا يلزم تبرعه) أنه لو تصرف مع الوارث ببيع أو إجارة بدون محاباة فإن البيع أو الإجارة لازم.
مثل: إنسان مريض مرضًا مخوفًا واشترى من أحد ورثته بيتًا بقيمته التي يُباع بها فالبيع صحيح ولا غير صحيح؟ صحيح لازم؛ لأنه لم يتبرع بشيء، فإن اشترى منه بيتًا يساوي ألفًا بألف وخمس مئة فإن الزائد على الألف لا يصح إلا بإجازة الورثة، وذلك لأن الزائد يُعتبر بمنزلة التبرع؛ إذ إن البيت لا يساوي أكثر من مئة.
يقول: (ولا بما فوق الثلث) لمن؟ للأجنبي؛ يعني غير الوارث. (إلا بإجازة الورثة لها) أي للعطية. (إن مات منه) فهذا الذي أعطى بعض ورثته شيئًا في المرض المخوف إن مات من هذا المرض قلنا للورثة: الأمر بأيديكم، إن شئتم نفذوا العطية، وإن شئتم امنعوها. هذا إن مات، أما إذا عُوفِي فإن التبرع صحيح، التبرع يكون صحيحًا، مثاله: امرأة أخذها الطَّلْق، والطَّلْق مرض مخوف، فتبرعت لزوجها بنصف مالها، ثم ماتت من الوضع، فما حكم التبرع؟
طالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح إلا بإجازة الورثة، وضعت المرأة وبرأت وعادت صحيحة، فما حكم تبرعها لزوجها بنصف مالها؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح؛ لأن المرض الذي كان يمنعها من التبرع لزوجها قد زال وارتفع فصارت العطية صحيحة؛ ولهذا قال: (إن مات منها، وإن عُوفي فكصحيح) إن عوفي من أي شيء؟
طالب: من المرض.
الشيخ: من المرض. (إن عوفي فكصحيح).
ثم قال: (ومن امتد مرضه)، وهذا هو القسم الثالث من الأمراض؛ لأن القسم الأول ما هو؟ المرض غير المخوف، والثاني: المخوف، والثالث: الممتد.
[ ١ / ٥٦٧٧ ]
قال: (ومن امتد مرضه بجذام أو سل أو فالج) وهذا على سبيل التمثيل، وإلا هناك أمراض ممتدة غير هذه الثلاثة مثل السرطان في الوقت الحاضر، يكون من الأمراض الممتدة، ربما يبقى في الإنسان سنتين أو ثلاثًا، وهو يمشي ويروح ويأتي.
يقول: (بجذام) الجذام جُروح تخرج في الإنسان تُشبه الطاعون، وأكثر ما تخرج في الأماكن الرقيقة من البدن، ويحصل بها آلام عظيمة، وتنتشر في البدن حتى يموت الإنسان.
السل معروف مرض يصيب الرئتين، ويبقى الإنسان معه طويلًا.
الفالج هو ما يسمى بالشلل، هذا أيضًا ربما يبقى سنوات، هذا النوع من الأمراض نقول: يقول المؤلف: (إذا كان لم يقطعه بفراش فمن كل ماله) ما معنى من كل ماله؟ يعني فتبرعه من كل ماله يعني حتى بما زاد على الثلث، وحتى للوارث فإنه لا يضر.
(والعكس بالعكس)، ما هو العكس؟ إذا قطعه بفراشه. (بالعكس) أي يكون تبرعه من الثلث فأقل لمن ليس بوارث.
رجل صاحب سل، لكنه يذهب مع الناس ويأتي ونومه عادي وأكله عادي، فأعطى زوجته نصف ماله، يجوز أو لا؟
طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز، لماذا؟ لأنه لم يقطعه بالفراش، فإن لزم الفراش، وتبرَّع لزوجته بشيء فإنه لا يصح تبرعه إلا بإجازة الورثة؛ لأنه إذا قطعه بالفراش صار مرضًا، وأما قبل أن يقطعه بالفراش فليس بمرض.
***
الطالب: () وعلى آله وصحبه أجمعين. قال رحمه الله تعالى: ويعتبر الثلث عند موته، ويُسوَّى بين المتقدم والمتأخر في الوصية، ويُبدأ بالأول فالأول في العطية، ولا يملك الرجوع فيها، ويُعتبر القبول لها عند وجودها، ويثبت الملك إذن، والوصية بخلاف ذلك.
الشيخ: قبل أن نقرأ الفقه () ولكنه لم يمت به.
طالب: يعني أعطى نصف ماله.
الشيخ: نعم، في مرضه المخوف.
الطالب: إذا كان يعني للوارث؟
الشيخ: لا لغير وارث.
الطالب: لغير وارث ما يصح؛ لأنه الرسول يعني .. إلا الثلث.
[ ١ / ٥٦٧٨ ]
الشيخ: أنا ما طلبت منك الآن الدليل، أنا طلبت منك الحكم فقط، رجل أعطى شخصًا نصف ماله وهو مريض مرضًا مخوفًا، ثم شُفِي.
الطالب: تصح.
الشيخ: تصح، لكن في المرض المخوف؟
الطالب: لا، ما يصح.
الشيخ: توافقون على هذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، صح. أعطاها لوارث، أعطى النصف لوارث والمرض مخوف، ثم شفي؟
طالب: ().
الشيخ: لا، ما هم من الأبناء إخوة.
الطالب: أعطاهم.
الشيخ: إي نعم، أعطى واحدًا منهم.
الطالب: يصح، إذا ما مات يصح.
الشيخ: يصح، توافقون؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأن المؤلف قال: (وإن عوفي فكصحيح)، ما تقول في رجل أصابه فالج فأعطى شخصًا نصف ماله؟
طالب: إن كان لم يقطعه بفراش فإنه كالصحيح، وأما إذا قطعه بفراش فإنه يعتبر مخوفًا ..
الشيخ: ما فيه تفصيل آخر؟
طالب آخر: إذا أعطاه أولًا.
الشيخ: في أول الفالج.
الطالب: فلا يصح.
الشيخ: إن كان في أوله، فلا يصح إلا؟
الطالب: ().
الشيخ: ويش الذي لا يصح كل النصف ولا أيش؟
الطالب: إعطاء النصف.
الشيخ: إعطاء النصف.
الطالب: لوارث؟
الشيخ: لا، لغير وارث.
الطالب: ما يصح ما زاد على الثلث إلا بإذن.
الشيخ: إلا بإجازة الورثة إذا مات. هذا إذا كان في أوله، إذا كان في غير أوله ننظر، إن حبسه بفراش فهو بمنزلة المخوف وإلا فلا.
قال المؤلف ﵀: (ويُعتبر الثلث عند موته) الثلث الذي ينفذ يُعتبر عند الموت، لا عند العطية؛ وذلك لأن الثلث قد يزيد وينقص، ربما يُعطي الإنسان العطية وماله كثير ثم يفتقر، وربما يعطي العطية وماله قليل، والعطية زائدة على الثلث، ثم يغنيه الله.
فهل المعتَبر وقت الإعطاء أو وقت الموت؟ قال المؤلف: إن المعتَبر وقت الموت؛ لأن وقت الموت هو الوقت الذي يتعلق فيه حق الورثة في مال هذا المعطِي، إذ قبل الموت ليس لهم حق في ماله فيُعتبر عند الموت.
مثال ذلك: رجل أعطى شخصًا مئتين، وكان ماله حينئذٍ أربع مئة، وعند الموت صار ماله ست مئة، فما حكم هذه العطية؟
[ ١ / ٥٦٧٩ ]
رجل أعطى في مرض موته المخوف شخصًا مئتي درهم، وكان ماله حينئذٍ أربع مئة، ثم أغناه الله، وصار ماله عند الموت ست مئة، فهل العطية نافذة أو لا؟
طالب: نافذة.
الشيخ: لماذا؟ لأنها لم تزد على الثلث.
رجل آخر أعطى في مرض موته المخوف شخصًا مئتي درهم، وكان ماله حينذاك ست مئة درهم وعند الموت نقص فصار أربع مئة درهم، فهل تنفذ العطية كلها أم لا؟
طالب: ما تنفذ.
الشيخ: ما تنفذ، كلها ما تنفذ؟
طلبة: لا، ما زاد على الثلث.
الشيخ: نقول: ما زاد على الثلث فإنه يتوقف على إجازة الورثة، وهنا مئتان زادت على الثلث؛ لأن ماله عند موته كان أربع مئة فنقول: إن أجاز الورثة هذه العطية نفذت، وإن لم يجيزوها وجب أن يضاف ما زاد على الثلث من هذه العطية إلى مال الورثة ليرثوه.
لم يذكر المؤلف متى تُعتَبر الإجازة، المؤلف ذكر أن الثلث يعتبر عند الموت، ولم يذكر متى تعتبر الإجازة، فهل تُعتبر الإجازة حين العطية أو بعد الموت؟
اختلف في هذا العلماء؛ فمنهم من قال: إن الإجازة تُعتبر حين العطية؛ لأنه هو الوقت الذي يثبت فيه الملك للمُعطَى، ومنهم من قال: لا تُعتَبر الإجازة إلا بعد الموت؛ وذلك لأن الورثة لم يملكوا المال حين العطية، وإنما يملكونه بعد الموت فتنفيذهم لما زاد على الثلث قبل الموت تنفيذ في غير محله؛ لأنهم لا يملكون من المال شيئًا، ولكن القول الراجح أنهم إذا رضوا بما زاد على الثلث قبل الموت فإن رضاهم معتبَر، ولا يحق لهم الرجوع بعد ذلك؛ لأن سبب الإرث قد وُجِدَ وهو المرض المخوف.
ويدل لهذا القول ما سبق في باب الشفعة، حيث أمر النبي ﵊ من أراد أن يبيع أن يعرِض على شريكه، ليأخُذ أو يدع، فإن هذا يدل على أنه متى وُجِد السبب، وإن لم يُوجد الشرط فإن الحكم الْمُعلَّق في هذا السبب نافذ.
ويدل لذلك أيضًا أن الرجل لو حلف على يمين فأراد الحنث وأخرج كفارته قبل الحنث فإن ذلك جائز لوجود السبب.
[ ١ / ٥٦٨٠ ]
إذن فالصواب في هذه المسألة أن الورثة إذا أجازوا العطية في مرض موت المخوف فإجازتهم صحيحة لازمة، وليس لهم الرجوع بعد الموت، وعلى الرأي الثاني الذين يقولون: إن المعتبر في الإجازة ما بعد الموت يقولون: إذا أجازوا قبل الموت، ثم رجعوا في الإجازة فلهم ذلك.
قال المؤلف: (وَيُسوَّى بين المتقدم والمتأخر في الوصية، ويُبدأ بالأول فالأول في العطية، ولا يملك الرجوع فيها، ويعتبر القبول لها عند وجودها، ويثبت الملك إذن والوصية بخلاف ذلك).
هذه أربعة أمور تُفارق فيها الوصية العطية:
الأمر الأول: أنه يُسوى بين المتقدم والمتأخر في الوصية ويبدأ بالأول فالأول في العطية، وذلك فيما إذا تزاحمت الوصايا والعطايا، وضاق الثلث عنها، أما إذا لم تتزاحم، وكان الثلث متسعًا فإنه يُعطى الجميع سواء في الوصية أو في العطية لكن إذا تزاحمت الوصايا، وكان الثلث أقل منها، فهل يتساوى الجميع في النقص أو يُقدَّم الأول فيُعطَى كاملًا ويكون النقص على الأخير؟ نقول: هذا مما تختلف فيه الوصية والعطية، ففي العطية نبدأ بالأول فالأول، وفي الوصية يكون النقص على الجميع.
مثال ذلك: رجل أعطى شخصًا (رقم واحد) ألف درهم، (رقم اثنين) ألفي درهم، (رقم ثلاثة) ثلاثة آلاف درهم؛ الجميع ستة آلاف عطية، ما هي وصية، يعني وهبهم في مرض موته المخوف، وكان ماله ستة آلاف درهم، إذن العطية شملت كل المال، هذا لا يمكن؛ لأنه لا يملك ما زاد على الثلث، فكيف نوزع الآن؟
نقول: نبدأ بالأول فالأول، هو أوصى لرقم واحد بألف، لرقم اثنين بألفين، ولرقم ثلاثة بثلاثة، واللي عندنا الآن ستة آلاف، كل المال ستة آلاف، ما الذي يُنفذ من الوصية؟ ينفذ من الوصية ألفان فقط، نبدأ بالأول فالأول؛ الأول أوصى له بألف، ماذا نعمل؟ نعطيه الألف كاملة ويمشي، الثاني أوصى له بألفين، ما بقي معنا الآن إلا ألف، يأخذه الثاني، وأما الثالث فلا شيء له؛ لأنه يُبدأ بالأول فالأول في العطية.
[ ١ / ٥٦٨١ ]
لو أوصى لرقم واحد بألف، رقم اثنين بألفين، رقم ثلاثة بثلاثة آلاف، ثم مات، ولم نجد عنده من التركة إلا ستة آلاف فقط، فالآن مشكلة ما فيه إلا ستة آلاف، وقد أوصى بكم؟ بستة آلاف والورثة لم يُجيزوا ما زاد على الثلث.
إذن نرد الوصية إلى ألفين، ويدخل النقص على الجميع، ما نبدأ بالأول فالأول؛ يعني لو فُرض أنه أوصى لرقم واحد في عام ١٤٠٠، رقم اثنين في عام ١٤٠٥، رقم ثلاثة ١٤١٠، ما نبدأ بالأول فالأول في الوصية، نسوي بينهم؛ فالذي عندنا الآن ستة آلاف، هذه التركة، وثلثها كم؟ ألفان، والموصَى به ستة آلاف، انسب ألفين إلى ستة تكون الثلث، أعطِ كل واحد من هؤلاء الثلاثة ثلث ما أوصي له به، فالذي أُوصِي له بألف كم نعطيه؟ ثلاث مئة وثلاثة وثلاثين وثلثًا، واللي ألفين ست مئة وسبعة وستين وثلثين، كذا؟ والذي أوصي له بثلاثة آلاف؟ ألفًا كاملة؛ لأن هذا ثلث نصيب، ونحن قلنا: نعطي كل واحد ثلث ما أوصي له به.
إذن دخل النقص على الجميع، ولو قلنا: يُبدأ بالأول فالأول كالعطية لأعطينا من أُوصي له بألف رقم واحد ألفًا، وأعطينا رقم اثنين ألفًا، وقلنا للثالث: ليس لك شيء.
فإذا قال قائل: ما وجه الفرق؟ أو ما وجه التفريق بينهما؟
فالجواب: أن العطية يثبت الملك بها حين العطية في حين العطية، والوصية لا يثبت الملك بها إلا بالقبول بعد الموت؛ فلذلك صار الأول والأخير كلاهما سواء، لا يُقبل قبولهما إلا بعد الموت. هذا فرق.
الفرق الثاني قال: (ولا يملك الرجوع فيها) في أيش؟ في العطية إذا أقبضها؛ لأن العطية نوع من الهبة، فإذا أعطى شخصًا في مرض موته المخُوف، أعطاه سيارة، والسيارة هو غني، ما تأتي ولا نصف عشر ماله، أعطى هذا الرجل سيارة في مرض موته المخوف، ثم أراد أن يرجع، يملك هذا أو لا؟
طالب: لا يملك.
الشيخ: لا يملك؛ لأن العائد في هبته كالكلب يقيء، ثم يعود في قيئه.
أوصى لشخص بسيارة، ثم بدا له أن يرجع، فهل له الرجوع أم لا؟
طالب: له الرجوع.
[ ١ / ٥٦٨٢ ]
الشيخ: نعم، له الرجوع، له أن يرجع، ووجه التفريق ظاهر هنا؛ لأن الموصَى له لا يملك الموصى به إلا بالقبول بعد الموت، والْمُعطَى يملك المعطَى بالقبول في الحياة، ولا يملك الرجوع إذا قبض لا يملك الرجوع. إذن هذا فرق ثانٍ.
الفرق الثالث: (ويُعتبر القبول لها عند وجودها) (يعتبر القبول لها) أي للعطية، عند وجودها؛ لأنها هبة، ففيها إيجاب وقبول وقبض في آنٍ واحد مثل أن يقول المريض مرض الموت المخوف لشخص: أعطيتُك هذه السيارة إذا لم يقبل في المجلس لم تصح العطية فلا بد أن يكون القبول عند وجودها.
الوصية لا يصح القبول لها إلا بعد الموت، فلو قال الرجل: أوصيتُ لك يا فلان بهذه السيارة هل قبلت؟ ثم مات الموصي فهل يُعتبر قبول الأول أو لا يعتبر؟ لا يعتبر؛ لأن الوصية لا يعتبر قبولها إلا إذا وقعت بعد موت الموصي.
الفرق الرابع: قال: (ويثبت الملك إذن) (يثبت الملك) أي ملك العطية (إذن) أي عند قبولها، وقبولها لا بد أن يكون عند وجودها، من حين ما يقول: أعطيتك أو قبلت.
فيثبت قبض الملك في العطية من حين العطية؛ لأنه إعطاء، ثم قبول في الحال، ثم ملك.
الوصية لا يثبت الملك فيها إلا بعد الموت؛ لأن الملك لا يثبت إلا بالقبول ولا قبول للوصية إلا بعد الموت.
هذه أربعة فروق، هناك أيضًا فروق أخرى، منها: تحريم العطية على من عليه دَيْن يستغرق، وجواز الوصية على من عليه دَيْن يستغرق، لماذا؟ لأن العطية ممن عليه دين يستغرق تبرع يتضمن إسقاط واجب، والتبرع الذي يتضمن إسقاط واجب غير صحيح، أما الوصية فهي تبرع لا يتضمن إسقاط واجب. كيف؟ لأن الوصية لا تنفذ إلا بعد الدَّيْن، أليس كذلك؟ لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] وقد ثبت أن النبي ﷺ قضى بالدَّين قبل الوصية.
[ ١ / ٥٦٨٣ ]
انتبه يا أخ هذا فرق خامس، ما هو الفرق الخامس؟ العطية لا تجوز ممن عليه دين يستغرق، بخلاف الوصية، ووجه التفريق أنها في التبرع إسقاط واجب في مقابلة مستَحَب، والوصية لا تعتبر من إسقاط؛ لأنه سيقضى بالدَّيْن قبل تنفيذ الوصية.
الفرق السادس: أن الوصية تصح من السفيه، كالصغير أو الكبير الذي لا يُحسِن التصرف في المال، تصح الوصية منه، بخلاف العطية فالعطية لا تصح من السفيه لصغر أو غير ذلك والوصية تصح، مثاله:
رجل أخرق لا يحسن التصرف أعطى شخصًا في مرض موته، () المعطي أعطاه عطية، فقبِلها، فهذه العطية لا تصح، لماذا؟ لأنه تبرع من سفيه، والتبرع من السفيه لا يصح.
هذا السفيه أوصى بوصية بعد موته فالوصية صحيحة.
وجه التفريق بينهما أنه إنما مُنِع من التبرع في حال السفه حفاظًا على ماله الذي قد يحتاجه في حياته، وأما بعد موته فقد زالت العلة، لا ليس محتاجًا للمال؛ فلهذا صحت الوصية من السفيه ولم تصح العطية من السفيه.
فهذه ستة فروق بين العطية والوصية.
قال المؤلف: (ويثبت الملك إذن) متى؟
طالب: عند قبولها.
الشيخ: عند قبولها في الحال، العطية يثبت الملك عند قبولها في الحال، ويتفرع على قول من الملك يثبت أنه لو زادت زيادة منفصلة أو متصلة فهي للمعْطَى بخلاف الوصية، فلو أوصى بشاة لزيد ونمت الشاة بين موته ووصيته؛ جاءت بأولاد، قيمة لبن، قيمة صوف، وما أشبه ذلك، ثم قبلها الموصى له بعد موت الموصِي فلمن يكون النماء؟ النماء للورثة؛ لأن الملك في الوصية لا يثبت إلا بعد الموت، أما في العطية فالنماء لمن؟ النماء للمُعطَى إذا كان منفصلًا حتى لو زاد على الثلث، لو فرض هذه الشاة كانت حين العطية ثلثًا، وكانت أيضًا عند الموت ثلثًا لكنها نمت فيما بين العطية والموت فالنماء لا يُحسب من الثلث، النماء يكون للمُعْطَى، وهذا هو الفائدة من قوله: (ويثبت الملك إذن).
[ ١ / ٥٦٨٤ ]