وهو تَحبيسُ الأصلِ وتَسبيلُ الْمَنفعةِ، ويَصِحُّ بالقولِ وبالفعلِ الدالِّ عليه كمَن جَعَلَ أَرْضَه مَسْجِدًا وأَذِنَ للناسِ في الصلاةِ فيه، أو مَقبرةً وأَذِنَ في الدفْنِ فيها، وصَرِيحُه: وَقَفْتُ، وحَبَسْتُ، وسَبَلْتُ. وكِنايتُه: تَصَدَّقْتُ وحَرَّمْتُ وأَبَّدْتُ. فتُشْتَرَطُ النِّيَّةُ معَ الكِنايةِ أو اقترانِ أحَدِ الألفاظِ الْخَمسةِ أو حُكْمِ الوَقْفِ، ويُشْتَرَطُ فيه الْمَنفعةُ دائمًا من عينٍ يُنتفَعُ به معَ بَقاءِ عَينِه كعَقارٍ وحيوانٍ، ونحوِهما وأن يكونَ على بَرٍّ كالمساجِدِ والقناطرِ والمساكينِ والأقاربِ من مسلمٍ وذِمِّيٍّ، غيرَ حَرْبِيٍّ وكَنيسةٍ ونُسَخِ التوارةِ والإنجيلِ، وكُتُبِ زَنْدَقَةٍ، وكذا الوصِيَّةُ والوَقْفُ على نفسِه، ويُشترَطُ في غيرِ المسجدِ ونحوِه أن يكونَ على مُعَيَّنٍ يُمْلَكُ لا ملكٌ وحيوانٌ وقبرٌ وحَمْلٌ، لا قَبولُه.
[مدخل (٦) ثم قال المؤلف ﵀: (باب الوقف) الوقف مصدر (وقف يقف وقفًا)، ويقال: وَقَفَ أي توقَّف عن المشي، ومصدره: وقوف. وقف اللازم الذي بمعنى توقف عن المشي، مصدره وقوف، كقعد قُعودًا، قال ابن مالك:
وَ(فَعَلَ) اللَّازِمُ مِثْلُ (قَعَدَا)
لَهُ (فُعُولٌ) بِاطِّرَادٍ كـ (غَدَا)
له فعول، فوقف من الوقوف اللي ضد المشي، مصدره: وقوف، ووقف المتعدي الذي بمعنى أوقف الشيء، مصدره: وقفًا، مثل (مَنَعَ يَمْنَعُ منعًا)، شوف وقوف الآن مصدر وقف اللازم، وجمع وقْف من المتعدي، إذا صار الإنسان عنده مثلًا عشر دور، يقال: هذه وُقوف فلان جمع (وقْف)، لكن إذا قلت: وقَف يعني عن المشي تقول في المصدر: وُقُوف. على كل حال نقول: الوَقْف مصدر وَقَف اللازم أو المتعدي؟
طالب: اللازم.
طالب آخر: المتعدي.
الشيخ: لا إله إلا الله! ! وقف باب الوَقْف مصدر وَقَف اللازم ولَّا المتعدي؟
الطلبة: المتعدي.
[ ١ / ٥٤٦٤ ]
الشيخ: المتعدي إي نعم، وَقَفَه أي أوقفه. طيب هو مأخوذ من الإيقاف، أوقف الشيء يعني مَنَعَهُ من التحرك.
لكن في الاصطلاح قال: (هو تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة) هذا الوقْف، تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة.
(الأصل) يعني العَيْن.
(المنفعة) منفعة العين، تحبيسه عن أي شيء؟ تحبيسها عن التصرف، يعني يُحبِّسها فلا يُتصرف فيها لا ببيع ولا هبة، ولا ميراث ولا غير ذلك، يُحبِّسها.
تسبيل المنفعة يعني إطلاقها، يُطلِق المنفعة، يجعل المنتفع حُرًّا طليقًا، يفعل ما يشاء، ولنضرب لهذا مثلًا، قال رجل: بيتي هذا وقْف، البيت نسميه أصلًا، هو الأصل، سكنى البيت منفعة، سكنى البيت يجوز أن يسكنها من وُقِّف عليه البيت بنفسه، ويجوز أن يمنحها لشخص، ويجوز أن يؤجرها وتأجير المنفعة كبيعها، فالآن المنفعة مطلقة ولَّا لا؟ مُطلقة مُسبَّلة، والأصل محبوس، فإذا قلت: وقَّفْت داري على فلان، صارت الدار أصلها محبوس، لا يمكن لفلان أن يبيعها، ولا يمكنه أن يرهنها، ولا يمكن أن يهبها، ولا تُورث بعده، لكن منفعتها أيش؟ له مُسبَّلة مطلقة، إن شاء سكن، وإن شاء آجرها، وإن شاء رهن المنفعة، وإن شاء تركها، لا ينتفع بها لا بسكنى ولا بتأجير ولا بغيره؛ لأنه حُرٌّ فيها، واضح؟ طيب وهنا نسأل: هل الوقْف مما حدث في الإسلام أو كان معروفًا في الجاهلية؟
الجواب: الأول، الوقْف من الأمور الحادِثة في الإسلام التي لا تُعرف في الجاهلية، ولهذا يقال: إن أول وقْف كان في الإسلام وقف عمر بن الخطاب ﵁، وذلك بعد فتح خيبر، فإن عمر ﵁ أصاب أرضًا في خيبر؛ لأن خيبر نصفان، بعضها قُسِّم، أصاب أرضًا في خيبر، وكانت من أنفس أمواله عنده وأحب أمواله إليه، والصحابة ﵃ ليسوا مثلنا، كلما كان المال أنفس تمسكنا به أكثر ().
[ ١ / ٥٤٦٥ ]
الصحابة كلما كان المال أنفس بذلوه لله، فكان ابن عمر ﵄ إذا أعجبه شيء من ماله تصدَّق به، يتأول قول الله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢].
وأبو طلحة ﵁ لما أنزل الله هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ جاء إلى رسول الله ﷺ وقال: يا رسول الله، إن الله أنزل: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وإن أحب مالي إليَّ بيرحاء.
اسم نخل مستقبلة مسجد الرسول ﷺ في المدينة، وكان فيها ماء عذب طيب يأتي إليه النبي ﷺ فيشرب منه، وهذا المال الذي يأتي إليه الرسول ويشرب منه لا بد أن يكون أغلى شيء عند الصحابة؛ لأنه أين الرجل الذي يأتي الرسول إلى بستانه ويشرب منه؟ من يحصل هذا؟ فكان أغلى شيء عنده هذا المال.
وإني يا رسول الله أتركها، فضعها حيث شئت، فقال الرسول ﵊: «بَخٍ بَخٍ، ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ».
صحيح هذا الربح. ثم قال: «أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ» (٧).
شوف فضل صلة القرابة ما قال في الفقراء والمساكين، قال: «أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ»، فجعلها في قرابته وبني عمه.
[ ١ / ٥٤٦٦ ]
الشاهد من هذا أن عمر ﵁ لما أصاب هذه الأرض في خيبر، وكانت أحب إليه وأنْفَس مال عنده جاء يستشير النبي ﷺ، يستشيره لسببين: الأول: سداد رأي الرسول ﵊؛ فإنه أرجح الناس عقلًا وأسدهم رأيًا، والثاني: التشريع؛ لأنه لا يستطيع أن يشرع، فاستشارته تتضمن الأمرين: الاستنارة برأيه، والثاني: الاهتداء بشرعه، فقال له الرسول ﵊: «حَبِّسْ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْ بِثَمَرَتِهَا» (٨). يعني امنع أصلها لا يُباع، واجعل ثمرتها صدقة. ففعل عمر وتصدق بها في الفقراء، والمساكين، وابن السبيل، والضعيف، تصدَّق بها في مصالح الخير، فكان هذا أول وقْف في الإسلام.
السؤال الثاني: هل الوقْف سُنَّة، أو جائز، أو واجِب، أو مُحرَّم؟
طالب: جائز.
الشيخ: نقول: الأصل فيه الجواز، لكن إذا وقف للخير صار مُستحبًّا، ولا يجب إلا إذا نذره الإنسان، إذا نذر أن يُوقِف هذا الشيء لطلبة العلم مثلًا، هذا البيت لطلبة العلم، قال: لله عليَّ نذر أن أُوقِف هذا البيت لطلبة العلم؛ وجب عليه؛ لأن ذلك من الطاعة، وقد قال النبي ﵊: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» (٩).
فالأصل فيه الحل، ويكون مستحبًّا إذا كان فيه طرق الخير، ويكون واجبًا بماذا؟ بالنذر، ويكون حرامًا إذا اشتمل على مُحرَّم، في مآله، أو في توزيعه، فمثلًا إذا وَقَّف على بعض ولده دون بعض صار حرامًا؛ لقول النبي ﵊: «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» (١٠).
إذا وقَّفَه على شيء مُحرَّم قال: هذا وقف على أهل الطبول، فيه ناس مثلًا يطلعون كل ليلة اثنين أو أحد للبَر، يضربون الطبول ويسهرون بالأغاني، قال: هذا وقْف على أهل الطبول والأغاني، يكون حلالًا ولَّا حرامًا؟
الطلبة: حرام.
[ ١ / ٥٤٦٧ ]
الشيخ: حرام، وإذا كان الشيء حرامًا فهو غير نافذ شرعًا، يجب إبطاله شرعًا؛ لقول النبي ﵊: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (١١). إذن الوقف قد يكون حرامًا.
والمؤلف ﵀ لم يُبيِّن حكمه لعل ذلك استنادًا إلى ما هو معروف، وهو أن الأصل في المعاملات الحِل إلا ما قام الدليل على تحريمه. أخذنا الآن ثلاثة أمور بل أربعة: تعريف الوقْف لغة، وتعريفه اصطلاحًا، وهل هو مما جاء به الإسلام أو مما كان معروفًا بالجاهلية. والثالث ما هو؟
الطلبة: ().
الشيخ: ما هو أول وَقْف في الإسلام؟
والرابع: الحكم. طيب الحكم التكليفي عرفناه، أما الحكم الوضعي قال: (ويصح بالقول وبالفعل الدال عليه) بَيَّن المؤلف في هذا الكلام صيغة الوقف؛ أنه يكون بالقول وبالفعل الدالِّ عليه؛ يعني أنه ينعقد إما بالقول بأن يقول: وقَّفْت داري مثلًا، وقَّفْت سيارتي، وما أشبه ذلك، أو بالفعل الدال عليه؛ الفعل لا بد أن يكون هناك قرينة تدل على أنه أراد الوقف، مثاله: قال: (كمن جعل أرضه مسجدًا وأذن للناس في الصلاة فيه).
رجل حوَّش أرضًا، وجعل بعضها مسقفًا وبعضها مفتوحًا، ووضع فيها منارة، وأذِن للناس أن يصلوا، نقول: الآن صارت هذه الأرض وقفًا، هو ما قال: وقَّفْت الأرض، ما قال هذا أبدًا، ولكن نقول: حصل الوقف بماذا؟ بالفعل الدال عليه، فإن تسْوير الأرض، ووضع المنارة، وتسقيف بعضها، وفتحها للناس، يصلون بها قرينة ظاهرة قوية جدًّا على أنه أراد أن تكون مسجدًا، فتكون هذه الأرض مسجدًا، ولا يمكنه أن يتصرف فيها بعد ذلك لا ببيع ولا غيره؛ لأنها خرجت عن ملكه.
[ ١ / ٥٤٦٨ ]
كذلك إذا جعلها مقبرة، وأذن للناس بالدفن فيها سوَّر أرضه وفتحها، وقال للناس: من أراد أن يدفن في الأرض فليدفن، ولما دُفِن قبر أو قبران رجع، قال: هوَّنْت، الأراضي زادت قيمتها وهي في محل استراتيجي. يا رجل، أنت أذنت للناس بالدفن فيها، ودُفن فيها من دُفن؟ ! قال: أما من دُفِن فلا ننبشه، وأما ما بقي ما الأرض فهي لي، ماذا نقول له؟
الطلبة: ليست له.
الشيخ: نقول: ليست لك؛ لأنك سوَّرتها بسور واحد، وأذِنت للناس في الدفن فيها، ومن المعلوم أن الناس لن يدفنوا فيها جميعًا في يوم واحد، فإذن الأرض خرجتْ عن ملكك وهي وقْف، ولا يمكن أن ترجع فيها. طيب إذا قال: هل أنا وقفتها؟ هاتوا ثبوت أني وقفتها؟ ماذا نقول له؟ نقول: أنت لم تُوقفها باللفظ، ولكن بالفعل الدال عليه.
إذن الوقْف له صيغتان ينعقد بهما: صيغة قولية، وصيغة فعلية، لكن الصيغة الفِعلية لا بد فيها من قرينة ظاهرة تدل على أنه أوقفها، لو أن رجلًا عنده أرض وهي بين شارعين، أرض بين شارعين، فجعل الناس بدلًا من أن يذهبوا مع الشوارع يستطرقون هذه الأرض وهو ساكت، فهل نقول: إن هذا الطريق صار وقْفًا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: ليش؟
الطلبة: ().
الشيخ: لأن هذا لا يدل على الوقْف، كثير من الناس إذا لم يكن محتاجًا للأرض يسمح للناس أن يتجاوزوا منها، أليس كذلك؟ ولكن إذا احتاجها حرثها وسدَّ الطريق.
إذن لا بد في الفعل من قرينة ظاهرة تدل على الوقْف، وإنما قلنا ذلك؛ لأن الأصل بقاء مُلك الإنسان فيما يملك، هذا هو الأصل، ولا نُخرجه عن هذا الأصل إلا بقرينة ظاهرة. طيب صار الصيغة الآن للوقْف صيغتان؛ الصيغة الأولى: قولية، والثانية: فعلية.
الصيغة القولية تنقسم إلى قسمين: صريح، وكناية، قال المؤلف: (وصريحه وقَّفت وحبَّسْت وسبَّلْت) فإذا قال: وقَّفْت بيتي على كذا، فهذه صيغة صريحة.
الشيخ: ويش تقول؟
طالب: صريحة.
[ ١ / ٥٤٦٩ ]
الشيخ: صريحة؟ إي، هذه صريحة ما تحتاج إلى نية، بمجرد ما يقول: وقَّفْت صار وقفًا.
إذا قال: حبَّسْت بيتي، فهذا لفظ صريح يكون البيت وقفًا بمجرد قوله: حبَّسْت. سبّلْت كذلك صريح، يكون البيت وقفًا بمجرد هذا القول، ولا يحتاج إلى نية، طيب هل يحتاج إلى أن أكرر فأقول: حبَّسْت وسَبَّلت ووقَّفْت؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، يكفي واحدة، نجد في بعض الكتابات بعض الكُتَّاب إذا أراد أن يكتب وثيقة الوَقْف يقول: وقَّفْت، وحبَّسْت، وسبَّلْت، وأبَّدْت، وحرَّمْت، وتصدَّقْت، يجيب كل الألفاظ، هذا غلط، هو مجتهد، لكنه مخطئ، وذلك لأن العقود لا تحتاج إلى تكرار صيغها، وإلا لقلنا: إذا قال الرجل للشخص اللي بيزوجه: زوجتك بنتي، قال: قبلتُ. أنكحتك بنتي؛ قبلت. ملَّكتك بنتي؛ قبلت. زوجتك بنتي؛ قبلت. نكرر هذا ولَّا لا؟
ما نكرر؛ لأنه ينعقد العقد بأول صيغة، فيكون ما بعده من باب التنطع والتكلف، وقد قال النبي ﷺ: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» (١٢).
فلهذا ربما يُعرض عليكم وثائق وقْف مكتوب فيها: فلان وقَّف وحبَّس وسبَّل وحرَّم وأبَّد، أنا قرأتها، كل هذا غلط، لكن بعض الكُتَّاب يجتهدون، وليس كل مجتهدٍ مُصيبًا فيخطئون، نقول: بدلًا من هذا اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، وَقَّفَ فلانٌ بيتَه على فلان، نصف سطر يكفي، تقبَّل الله منه.
يعني يصلح أن تقول: حضر عندي فلان بن فلان، وتعين الرجل، فوقَّفَ بيته الفلاني على الجهة الفلانية، تقبل الله منه. وتذهب بها إلى المحكمة وتصدق عليها، وأما الكلام الطويل العريض الذي ليس منه فائدة فهو من باب التنطع، ولا ينبغي أن يُكتب.
طالب: شيخ، إذا أراد ().
الشيخ: إذا أراد؟
الطالب: () مسجد لبنائه.
الشيخ: يهدمه ليبنيه من جديد.
الطالب: نعم ().
الشيخ: الثاني يعني؟
الطالب: إي نعم.
[ ١ / ٥٤٧٠ ]
الشيخ: ويش تقولون في هذا السؤال؟ يقول: لو أعار أرضَهُ أهلَ المسجد ليصلوا فيها ما دام مسجدهم يُبنى، فهل تكون هذه الإعارة وقْفًا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: ما تكون وقْفًا، معروف أنه إعارة.
طالب: لو بعد أن أوقف وكُتبت الوثيقة () قبل أن تُصدق من الحكمة () ذلك.
الشيخ: نعم، ويش تقولون؟
طالب: ما يقول؟
الشيخ: يقول: رجل قال: وقَّفْت بيتي وقبل أن تُصدَّق من المحكمة رجع. نقول: لا يملك الرجوع حتى ولا في مجلس العقد؛ لأن لو في المجلس قال: وقَّفْت بيتي الفلاني قال له الجار اللي جنبه: يا بن الحلال، لا تُوقِّف البيت هذا، وقِّف البيت الثاني ()، وخلِّ هذا ليك أنت وعائلتك. قال: هوَّنْت، اشهدوا أني جعلت الوقف في البيت الثاني.
الطلبة: ().
الشيخ: ما يصح، أقول: يصح الرجوع ولَّا لا؟
الطلبة: ما يصح.
الشيخ: ما يصح الرجوع، وهو في نفس المكان لا يصح الرجوع.
طالب: من قال: وقَّفْت الدار إلى شيخ الدير، قال: الدار وقفته لشيخ الدير، فبعد مثلًا مات هذا الشيخ لشيخ آخر، مثلًا مات الآخر، وبعد هذا أهل الديرة بعد هذا: ما أبغي شيخ، والدار ينتقل لملكه ولا للديرة ولَّا؟
الشيخ: نقول: إذا قالوا: ما نبغي الشيخ، نقول: لازم لكم شيخ، كيف ما يكون شيخ؟ !
الطالب: يعني مات الحين ..
الشيخ: ما يخالف، مات الشيخ الأول، ومات الثاني، ومات الثالث، وبعد ما مات الثلاثة قالوا: ما نبغي مشايخ. نقول: لا بد من شيخ، لا بد.
طالب: هم يقولون يعني () نحن محبوسين () إذا كان فيها مشاكل ().
الشيخ: لا، والله، هذه (). على كل حال المسألة غير هذا، يعني مثلًا لو وقَّف على جهة وانقطعت، مثل قال: هذا وقف على فلان على زيد، ولم يذكر بعده شيئًا ومات زيد، هل يعود الملك للواقف ولَّا يعود لورثته؟
طالب: لورثته ..
الشيخ: أنا أقول لك: الآن هل يعود له أو لورثته أو للمساكين؟ فيها خلاف ستذكر إن شاء الله تعالى، يعني معناه يسمون هذا إذا انقطعت الجهة.
[ ١ / ٥٤٧١ ]
على كل حال، البيت هذا لا يمكن أن يعود ملكًا؛ لأنه أخرجه لله، فلا يمكن يعود ملكًا، لكن هل يعود إلى صاحبه أو إلى ورثته أم ماذا؟ في هذا خلاف، والقول بأنه يعود ملكًا قوْل ضعيف؛ لأن الرجل أخرجه من ملكه.
طالب: المنفعة.
الشيخ: المنفعة إي، وإلا البيت يبقى.
طالب: () مع الكناية، أو اقتران أحد الألفاظ الخمسة، أو حكم الوقف، ويشترط فيه المنفعة دائمًا من مُعَيَّن يُنتفع به مع بقاء عينه كعقار وحيوان ونحوهما.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
سبق لنا أن الوقف شرعًا تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، مثل أن يقول: هذا البيت وقْف على طلبة العلم، فيبقى أصل البيت مُحَبَّسًا، فيبقى الأصل مُحبَّسًا ممنوعًا من التصرف فيه ببيع أو هبة، أو رهن أو غير ذلك، والمنفعة مُسبَّلة يعني أنها ملك للموقوف عليه.
إذا حبَّس نخلًا فالنخل يبقى، والثمرة سبيل مُلك للموقوف عليه، يبيعها، ويعمل فيها ما شاء، وسبق لنا أن الوَقْف مما جاء به الشرع الإسلامي، وليس معروفًا في الجاهلية، وأن أول وقْف حصل في الإسلام وقف عمر بن الخطاب ﵁ وسبق لنا أنه -أي الوَقْف- سُنَّة إذا كان على أيش؟
طلبة: ().
الشيخ: إذا كان على بِرٍّ، فهو سُنَّة، وسبق لنا أنه ينعقد بصيغتين: قولية، وفعلية، وأن الفعلية مثل أن يجعل داره مسجدًا، ويأذن للناس إذنًا عامًّا بالصلاة فيه، وقلنا: مثل أن يُسوِّر أرضًا ويجعل فيها منارة، ويُسقِّف بعضها، ويقول للناس: صلوا في هذا، فتكون هذه الأرض وقفًا.
[ ١ / ٥٤٧٢ ]
وكذلك لو سوَّرها وجعلها مقبرة، أذن للناس في الدفن، أذن له في الدفن فيها، صار هذا وقفًا وإن لم يقل إنها وقف؛ لأن هذا فعل دال على الوقف، أما الصيغ القولية فلها صريح وكناية؛ فالصريح ما لا يحتمل إلا الوَقْف، والكناية ما يحتمل الوقف وغيره، هذا الظاهر، الصريح ما لا يحتمل إلا الوقف، والكناية أيش؟ ما يحتمل الوقف وغيره.
وهل الصرائح والكنايات أمر جاء به الشرع بحيث يستوي فيه جميع الناس كالصلاة والزكاة والصيام والحج، أو أمر يُرجَع فيه إلى العُرْف؟
الصحيح أن جميع صِيغ العقود القولية أمْر يُرجَع فيه إلى العُرف، فقد يكون هذا اللفظ صريحًا عند قوم، وكناية عند آخرين، ولا يدل على المعنى إطلاقًا عند ثالث، قد تكون كلمة واحدة هي عند قوم صريحة، وعند آخرين كناية، وعند قوم ثالثين لا تدل أصلًا على المعنى.
فالصحيح أن جميع ألفاظ العقود ترجع إلى عرف الناس، فما اطَّرد عند الناس أنه دال على هذا المعنى فهو صريح، وما لم يَطَّرد ولكنه يُراد به أحيانًا فهو كناية، وما لا يدل على المعنى أصلًا فليس بشيء، ولا يثبت له حكم ذلك الشيء، وعلى هذا فنقول: القاعدة: الصريح من كل شيء ما لا يحتمل غيره عرفًا ولَّا لغة ولَّا شرعًا؟
طلبة: عُرفًا.
الشيخ: عُرفًا؛ لأن هذا كله جاء من الناس وإليهم، فالعقود من الناس وبين الناس وإليهم، فما دل عليه لفظ العَقْد عند الناس حُكِم به.
(صريحه: وقَّفْت وحبَّسْت وسَبَّلْت)، (وقَّفْت وحَبَّسْت) تعود إلى الأصل، (وسبَّلْت) تعود إلى المنفعة، فإذا قال الإنسان: وقَّفْت هذا البيت على الفقراء، فما الذي وقَّفَه؟
الطلبة: أصل البيت.
الشيخ: أصل البيت. وإذا قال: حبَّسْت هذا البيت، أو حَبَسْت هذا البيت على الفقراء فالذي حَبَّسَه أو حَبَسَه؟
الطلبة: أصل البيت.
الشيخ: أصل البيت. وإذا قال: سبَّلْت هذا البيت للفقراء؟
الطلبة: منفعته.
[ ١ / ٥٤٧٣ ]
الشيخ: أي منفعته، وتسبيله المنفعة، أو تخصيصه المنفعة بالتسبيل يدل على أن الأصل عنده مُحبَّس، فإذا كتب كاتب: وقَّفْت بيتي على الفقراء، أو قاله بلفظ: وقَّفْت بيتي على الفقراء صار وقْفًا، وإذا قال: حبَست؛ صار وقْفًا، وإذا قال: سبَّلْت؛ صار وقْفًا. قال النبي ﷺ لعمر بن الخطاب: «إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِثَمَرِهَا» (١٣).
«إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا». وقال ﵊: «أَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، فَقَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» (١٤).
احتبس، فدل هذا على أن الحبس أو التحبيس يُسمَّى وقْفًا. طيب التسبيل يدل على الوقْفية باعتبار اللازم، فإن من لازم تسبيل المنفعة ألَّا يُسبَّل الأصل، ويكون الأصل حبيسًا. هل يُشترط اجتماع هذه الكلمات؟
الطلبة: ().
الشيخ: لا، لا يُشترط، إذا قال كلمة واحدة منها صار وقْفًا.
يقول: (وكِنايته) أي كناية الصيغة القولية (تصدَّقْت وحرَّمْت وأَبَّدْت)، هذه كناية؛ لأنها تحتمل الوقْف وغير الوقْف، وهي في غير الوقف أظهر؛ لأن قولك: تصدَّقْت تعني أنك ملكتَ الفقير مالًا؛ لأن الصدقة تمليك المال تَقرُّبًا إلى الله.
فإذا قلت: تصدقتُ على فلان بعشرة دراهم؛ يعني سبَّلْتها عليه؟ لا، ملَّكْتها إياه، وإذا ملكها يفعل ما شاء، فالأصل أن الصدقة موضوعة لأيش؟ للتمليك لا للحبس.
حرَّمْتُ، حرَّمْتُ مالي، حرَّمْتُ بيتي، الأصل في التحريم المنْع، فمعنى حرَّمْت بيتي؛ يعني أنني حرمته على نفسي فلا أنتفع به، لكن إذا أراد بها الوقْف صارت وقفًا.
[ ١ / ٥٤٧٤ ]
أبَّدْت، أي جعلته مؤبدًا، وظاهر اللفظ -أي جعلته مؤبدًا- أني سأبقي ملكه، ولا أزيله عن ملكي أبدًا، فهذه الكلمات الثلاث نجد أنها عند الإطلاق لا تدل على الوقْف، لكن يحتملها الوقْف بالنية، فإذا نوى تصدَّقْت بداري على زيد؛ أي جعلتها وقفًا عليه، صارت وقفًا.
حرَّمْتُ داري عليَّ لتكون على زيد؛ صارت وقْفًا، أبَّدْت داري على زيد؛ صارت وقفًا.
هنا يقول: (كنايته: تصدَّقْت وحرَّمْت وأبَّدْت)، لكن لا ينعقد بالكناية إلا بواحد من أمور ثلاثة.
ولهذا قال المؤلف: (فتُشترط النية مع الكناية، أو اقتران أحد الألفاظ الخمسة) هذه اثنان (أو حكم الوقف) يعني لا بد في الكناية من انضمام أحد الثلاثة إليها؛ وهي النية، فإذا نوى بقوله: تصدقت بداري على فلان نوى الوقف؛ صار وقفًا.
وهل يملكه فلان أو لا؟ يعني يملكه ملكًا تامًّا يتصرف فيه كما شاء؟ لا، بل يكون عنده لا يُباع، ولا يُوهب، ولا يُورث، بل له منفعته فقط.
حرَّمْت، نفس الشيء، إذا قال: أنا نويت بـ (حرَّمْت)، يعني حرَّمْت البيت على نفسي وجعلته للموقوف عليه، هذه نيتي يكون وقفًا.
إذا قال: أبَّدْت داري على فلان وقال: أنا نويت الوقْف؛ صار وقفًا، ودليل هذا قول النبي ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (١٥). فهذا نوى، فله ما نوى.
فإن قال قائل: لو قلت: اشترِ لي ثوبًا. فذهب فاشترى ثوبًا، وقال: أنا نويت أن تشتري لي خبزًا، يصح؟
الطلبة: لا، يصح.
الشيخ: ليش؟
الطلبة: لا يحتمل اللفظ.
الشيخ: لأن اللفظ لا يحتمله، ولو قال: لله عليَّ نذْر أن أتصدق بثوب، فذهب وتصدَّق بخبز، هل وفى بنذره؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، لماذا؟ لأن اللفظ لا يحتمله.
فإذا قال قائل: أنتم تقولون: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (١٥). لماذا لا تجعلون هذا حسب ما نوى؟
[ ١ / ٥٤٧٥ ]
نقول: لأن اللفظ لا يحتمله، والحديث: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» في عمل يحتمل هذه النية.
طيب تصدَّقت، هل تحتمل الوقْف؟
طالب: تحتمل.
الشيخ: تحتمل؛ لأن الوقف صدقة على الموقوف عليه. حرَّمْت تحتمل الوقف؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأن الوقْف فيه تحريم الموقوف على الوقف، ما يتصرف فيه. أبَّدْت، كذلك؛ لأن الوقف مُؤبَّد، لا يُباع، ولا يُوهب، يبقى على ما هو عليه.
الثاني: قال: (أو اقتران أحد الألفاظ الخمسة) كيف قال: الخمسة وهي ستة؟ هي خمسة ولَّا ستة؟
الطلبة: خمسة.
الشيخ: لا، ستة: وَقَّفْت، حَبَّسْت، سَبَّلْت، تَصَدَّقْت، حَرَّمْت، أَبَّدْت.
طالب: غير الذي قرنه.
الشيخ: غير الذي قرنه؛ لأنه قال: اقتران أحد الألفاظ الخمسة، يكون عندنا لفظ أول اقترن به واحد من الألفاظ الخمسة.
فمثلًا إذا قال: تصدَّقْت بهذا البيت صدقةً موقوفة؛ صار وقفًا؛ لأنه اقترن بأحد الألفاظ الخمسة.
إذا قال: تصدَّقت به صدقة مُحبَّسة؛ صار وقفًا، صدقة مُسبَّلة؛ صار وقفًا، صدقة مُحرَّمة؛ صار وقفًا، صدقة مُؤبَّدة؛ صار وقفًا.
فإذا قرن بواحد من ألفاظ الكناية أحد الألفاظ الخمسة، والباقي عندنا إذا أخذنا واحدًا من الكناية، كم يبقى عندنا من الكناية؟
طالب: اثنان.
الشيخ: يبقى اثنان، وثلاثة صريح.
(أو حكم الوقْف) لو قال المؤلف: أو بما يدل على الوقف؛ لكان أوْلى وأعم. (حكم الوقْف) مثل أن يقول: تصدَّقت بهذا البيت على فلان صدقةً لا تُباع. إذا قال: صدقةً لا تُباع، فما الذي لا يُباع؟
الطلبة: الوقف.
الشيخ: الوقف، إذن عرفنا أنه أراد بالصدقة الوقْف؛ لأنه قال: لا تُباع، تَصدَّقْت بهذا البيت على فلان صدقةً لا تُرْهن؟
طالب: وقْف.
الشيخ: هذا وقْف أيضًا؛ لأن الوقْف لا يُرْهن.
نحن قلنا: لو قال: أو بما يدل على الوقْف لكان أعم، لو قال: تصدَّقْت بهذا البيت على فلان، والناظر عليه فلان يكون وقْف ولَّا لا؟
طالب: نعم.
[ ١ / ٥٤٧٦ ]
الشيخ: يكون وقفًا، من أين علمنا ذلك؟ لقوله: والناظر، والنظر إنما يكون في الأوقاف.
قلت: تصدَّقْت بهذا البيت على فلان ومن بعده فلان، هذا أيضًا يكون وقفًا؛ لأنك إذا قلت: ومِنْ بعده فلان عرفنا أنك أردتَ الوقْف؛ إذ لو كان ملكًا لزيد؛ لم يكن لك تصرف فيه بعده، يكون بعد زيد لمن؟ لورثته.
فالمهم أنه إذا قرَن بالكناية أحد الألفاظ الخمسة، أو قرَن بها ما يدل على الوقْف، مثل أن يقول: لا تُباع، أو يقول: الناظر فلان عليه، أو يقول: على فلان ومن بعده فلان، أو ما أشبه ذلك من الكلمات التي تدل على الوقْف فإنه يكون وقفًا، إذن يا جماعة صيغ الوقف نوعان: فعلية وقولية، والقولية نوعان: صريح، وكناية.
والفرق بينهما بين الصريح والكناية:
أن الصريح لا يحتمل غير الوقف، والكناية يحتمله وغيره.
ثانيًا: الصريح لا يحتاج إلى نية ولا اقتران شيء من الألفاظ معه، والكناية تحتاج إلى نية، أو اقتران أحد الألفاظ الخمسة، أو ما يدل على الوقف؛ لأنه كناية.
هل تُشترط النية في الصيغة الفعلية؟ الصيغة الفعلية الذي يجعل أرضه مسجدًا أو مقبرة، هل تشترط فيها النية؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: ظاهر كلام المؤلف: (كمن جعل أرضه مسجدًا وأذِن للناس في الصلاة فيه) أنها لا تُشترط النية.
وهذا العمل يعني جعل الأرض مسجدًا أو مقبرة لا يخلو من ثلاث حالات:
الحال الأولى: أن ينوي بذلك أنها مسجد أو مقبرة، فتكون مسجدًا أو مقبرة، ولا إشكال في ذلك.
الثانية: أن ينوي خلاف ذلك؛ بأن ينوي بجعلها مسجدًا أنها موقتة أو بأنها مقبرة أنها موقَّتة، فقد صرح شيخ الإسلام ابن تيمية أنها تكون وقْفًا ولو نوى خلافها؛ لأن هذه النية تُعارِض الواقع؛ فإن من جعل أرضه مسجدًا، فإن المعلوم أن المسجد سوف يبقى، فكيف تنوي أنه لا يبقى؟ من جعلها مقبرة فإن من المعلوم أن المقبرة سوف تبقى، فكيف تنوي خلاف ذلك؟
[ ١ / ٥٤٧٧ ]
الحال الثالثة: ألَّا ينوي هذا ولَّا هذا، لا ينوي أنها وقْف، ولا أنها غير وقْف فتكون وقفًا لا إشكال فيها.
إذن لا إشكال في أنها تكون وقفًا بالفعل الدال على الوقف في حالين، ما هما؟
إذا نوَى أنها وقْف، وإذا لم ينوِ شيئًا.
الحال الثالثة: إذا نوى خلاف الوَقْف، وأن تكون عاريَّة، فهذه محل خلاف بين العلماء، وقد صرح شيخ الإسلام ﵀ بأنها تكون وقفًا ولو نوى خلاف ذلك.
ثم قال المؤلف: (ويُشترط فيه المنفعة دائمًا) (يُشترط فيه) يعني في الوقف، والله أعلم.
طالب: لو قال يا شيخ أنه وقف هذا البيت على أن يكون ناظره فلان، ولكن فلان أبى أن يكون ناظرًا على هذا، فهل لا يثبت الوقف؟
الشيخ: لا، يثبت الوَقْف.
طالب: يثبت الوقف؟
الشيخ: إي نعم، يثبت الوَقْف، ويُعيِّن القاضي ناظرًا.
طالب: أحسن الله إليك، بعض الناس يُوقِف أرضًا للموتى ()، ولم يحدد مساحة، ثم إذا رأى المقبرة اتسعت بالموتى يقول: أتوقف عند حد معين، له ذلك؟
الشيخ: ما فيه بأس ما دام لم يُعيِّنها فله إذا قبل عشرة، عشرين يتوقَّف.
طالب: ().
الشيخ: كيف؟
الطالب: يؤجر هذا ().
الشيخ: لا، ما هو ()، والإجارة هذه كيف تصير؟
الطالب: ().
الشيخ: كيف تكون الإجارة؟ كل سنة؟
الطالب: ().
الشيخ: () أنت اللي جبت السؤال.
الطالب: ().
الشيخ: لا بأس، لكن الشراء انتهينا ما فيه إشكال، لكن أنت أوردت السؤال على أنه إجارة، فحدِّد المدة الآن وإلا انسحب.
الطالب: يعني مثلًا ().
الشيخ: طيب عشر سنوات، هل نعلم أن الميت يبلى بعد عشر سنوات؟
الطالب: الغالب.
الشيخ: الغالب؟ لا، ما هو غالب، الغالب تختلف الأراضي. على كل حال يصح أنها تُشترى لا بأس، الفقهاء ذكروا أنه يصح أن يُعيره الأرض حتى يبلى إعارة؛ لأن الإعارة إباحة انتفاع، لكن الإجارة لما كانت عِوضًا فإنها تكون مجهولة؛ لأننا ما ندري متى يبلى.
طالب: () عارية، ولم يصرح بأنها عارية، كيف تكون ()؟
[ ١ / ٥٤٧٨ ]
الشيخ: إي نعم، نقول: يرجع.
الطالب: ().
الشيخ: إي نعم.
الطالب: مثلًا الأرض يُسوِّرها، ويجعلها مسجدًا بنية إذا بُني مسجد آخر ()؟
الشيخ: هذه لا بد أنه يُصرِّح، ولا تكون وقفًا، لا بد أن يصرح بأنها عارية، ثم هناك قرائن، مثلًا إذا وضع فيها مسجدًا موقتًا، أو علمنا أن حوله أرض ستكون مسجدًا عرف () أنها عارية.
طالب: وقف عام، وقال: هذه لله.
الشيخ: نعم، تصح، ويُصرف في أعمال الخير.
طالب: أرضًا جعلنا نصلي بها صلاة العيد؛ يعني في الصحراء هل () وقف؟
الشيخ: إي نعم، إذا أذن الناس أنهم يصلون فيها صلاة العيد تكون مسجدًا.
طالب: قوله: إنه لو نوى خلاف ذلك (): «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (١٥) ما نوى ().
الشيخ: إي نعم، هؤلاء يقولون: لأن مقتضى جعلها مسجدًا أن تكون وقفًا؛ لأنه من المعلوم أن المساجد وقْف دائمًا، هذه ما يمكن أن يقول إلا إذا صرح بأنها إعارة، فهذه ربما لو صرَّح عند القاضي حكم وقال: هذه إعارة، نأخذ بقوله، أما أنه يقول: أنا نويت خلافًا، والواقع أنه أذن فيها إذنًا عامًّا.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم ().
الشيخ: صيغتان: قولية وفعلية، وأن القولية تنقسم إلى قسمين: صريح وكناية، وأن الفرق بينهما أن الصريح ينعقد به الوَقْف بمجرد النطق به، والكناية لا ينعقد بها الوقف إلا بواحد من أمور ثلاثة؛ أن تقترن بأحد الألفاظ الخمسة، أو أن ينوي ذلك، أو أن يقرنها بأمر يختص بالوقْف.
مثال الأول: أن يقول: تصدَّقْت بهذا صدقة مؤبَّدة على فلان، فهنا يكون وقفًا ليش؟ لأنه قرنها بأحد الألفاظ الخمسة.
[ ١ / ٥٤٧٩ ]
ومثال الثاني: أن يقول: تصدَّقْت بهذا على فلان، وينوي أنه وقف، والمرجع في النية إليه لا إلى المتصدَّق عليه؛ لأن هذا لا يُعلَم إلا من جهته؛ ولأن التمليك حصل من جهته فلا يمكن أن نُخرِج مُلكه إلا على النية التي أراد، مثاله: قال: تصدَّقت ببيتي على فلان، فذهب فلان يعرضه للبيع، فقال صاحب البيت: لا تبعْه، أنا نويت أن يكون وقْفًا عليك. فقال: لا، اللفظ الذي نطقتَ به يقتضي أن يكون ملكًا لي؛ لأنك أنت قلت: تصدقتُ ببيتي على فلان. فقال: قد نويتُ الوَقْف، فإلى مَنْ نرجع؟ إلى صاحب البيت، نقول: القول قولك؛ لأن النية لا تُعلم إلا من جهتك، ولأنك أخرجتَ مُلكك لهذا الرجل على سبيل أيش؟
الفقراء، صار وقفًا، من أين علمنا أنه وقف؟ أنه ذَكَرَ معه ما يختص بالوقف، تصدقت ببيتي على فلان والناظر فلان، وقف، ليش؟ قَرَنَهُ بما يختص بالوقف، تصدقت ببيتي على فلان صدقة لا يُبَاع فيها ولا يُرْهَن، وقف؛ لأنه قرنه بماذا؟ بما يختص بالوقف؛ وهو عدم البيع والرهن.
قال المؤلف: (ويُشْتَرَط فيه المنفعة) إلى آخره.
هذا شروع في شروط الوقف، الوقف كغيره من العقود لا بد أن يكون صادرًا من ذي أهلية، فما الذي يُشْتَرَط في الواقف؟ يشترط أن يكون عاقلًا، فلو قال المجنون: وَقَّفْتُ بيتي، فإن الوقف لا يصح، لو قال الشيخ الكبير الْهَرِم الْمُهَذْرِم: وَقَّفْتُ بيتي، لا يصح، ليش؟ لعدم العقل، لو قال السكران الذي شرب الخمر: وَقَّفْتُ بيتي، لا يصح على القول الراجح، أما على المذهب فيصح؛ لأنهم يجعلون أقوال السكران كأقوال الصاحي إذا كان غير معذور بسكره.
[ ١ / ٥٤٨٠ ]
يُشْتَرَط أيضًا أن يكون بالغًا، فإن كان غير بالغ فإن الوقف لا يصح، فلو قال شاب مراهق: وَقَّفْتُ بيتي لطلبة العلم، رجل طالب علم وطيب، وحريص على العلم، وحريص على تعلُّم الناس العلم، ولكنه لم يبلغ، له أربع عشرة سنة وستة أشهر، ولا احتلام ولا إنبات، فقال: وَقَّفْتُ بيتي على طلبة العلم، وهو رجل غني ثري، قد ترك له والده عقارات كثيرة، هل يصح الوقف أو لا؟
طلبة: ما يصح.
الشيخ: لا يصح، ليش؟
طلبة: لأنه صغير.
الشيخ: لأنه غير بالغ، صغير، لا بد أن يكون بالغًا.
وهل يُشْتَرَط أن يكون جائز التبرع؟ بمعنى أنه ليس عليه دَيْنٌ يستغرق مالَهُ، هل يُشْتَرَط هذا؟ في هذا خلاف بين العلماء، وهو مبني على جواز التصرف، فإن قلنا بجواز تصرف مَن عليه دَيْنٌ يستغرق ماله قلنا بجواز الوقف، وصحة الوقف، وإن قلنا بأن مَن عليه دَيْنٌ يستغرق ماله لا يصح تصرفه على وجه التبرع، قلنا: لا يصح وقفه.
والصحيح أنه لا يصح تبرعه؛ وذلك لأن مَن عليه دَيْنٌ يستغرق ماله قد شُغِلَ مالُه بالدَّيْن؛ لأن وفاء الدَّيْن واجب، والتبرع والصدقة مستحبة غير واجبة، فلا يمكن أن نُسْقِط واجبًا بمستَحَبّ، فالصحيح أن مَن عليه دَيْنٌ يَسْتَغْرِق لا يصح منه الوقف ولو وَقَّفَ، ولا يصح منه عتق، ولا يجوز له أن يتصدق، وذلك لأن قضاء الدَّيْن واجب، ولا يجوز إسقاط الواجب بماذا؟ بالمستحب، أما المذهب فيجوز أن يتبرع مَن عليه دَيْن يستغرق إلا إذا حُجِرَ عليه، إذا حُجِرَ عليه من قِبَل القاضي فإنه لا يصح أن يتبرع لا بصدقة ولا بوقف ولا بغيرها.
إذن الشروط: أن يكون بالغًا، عاقلًا، جائز التبرع على القول الراجح.
[ ١ / ٥٤٨١ ]
هل يُشْتَرَط أن يكون جائز التصرف؟ إي من باب أولى، يُشْتَرَط حتى على المذهب أن يكون جائز التصرف، فلو كان بالغًا عاقلًا لكنه سفيه لا يُحْسِن التصرف في ماله فإنه لا يصح وقفه؛ لأنه ليس جائز التصرف، وإذا كان لا يجوز أن يبيع ماله فإن تبرعه به مِن باب أولى ألَّا يجوز.
هذه الشروط في الواقف، نحتاج إلى شروط تتعلق بالوقف، وإلى شروط تتعلق بالموقوف عليه، يعني شروط الوقف في الحقيقة تدور على ثلاثة أشياء: شروط في الواقف، وشروط في الوقف، وشروط في الموقوف عليه.
شروط الوقف قال: (وَيُشْتَرَطُ فِيهِ الْمَنْفَعَةُ دَائِمًا مِنْ مُعَيَّنٍ يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ)، (يشترط فيه) يعني في الوقف، (الْمَنْفَعَةُ دَائِمًا)، يعني أنه لا بد أن يكون الموقوف ذا منفعة دائمة، دائمة يعني مستمرة ما إلى آخر الدنيا؛ لأن هذا شيء لا يمكن، لكن ليست منقطعة، ولا بد أن يكون من مُعَيَّن، وضد المعيَّن المبهَم، والثالث أن يُنْتَفَع به مع بقاء عينه.
فقولنا: (يُشْتَرَط فيه المنفعة)، هذا قيد، فإن لم يكن فيه منفعة فإنه لا يصح وقفه، فلو وقف حمارًا مُقَطَّع الأربع، يعني: يداه ورجلاه مقطوعات، وقال: هذا وقف، ما تقولون؟ يصح ولَّا لا؟
طلبة: ما يصح.
الشيخ: ما يصح، ليش؟ هذا لا يُسْتَفَاد منه، هذا يأكل ولا يؤكل، فلا يصح الوقف، لو وَقَّفَ طبلًا، طبل من الطبول، يجوز ولَّا لا؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: ليش؟ لأن المنفعة مُحَرَّمة، والمنفعة الْمُحَرَّمة وجودها كالعدم.
لا بد أن يكون دائمًا، فلو قال: وَقَّفْتُ هذا البيت لمدة سنة بس، فالوقف لا يصح؛ لأن المنفعة حينئذ مقيَّدة بسنة، طيب بشهر؟ من باب أولى.
من معيَّن، يعني: من شيء معين لا مُبْهَم، فلو قال: وَقَّفْتُ أحد بَيْتَْيَّ، فإن الوقف لا يصح، لماذا؟ لأنه غير معيَّن، ويُشْتَرَط أن يكون معيَّنًا.
[ ١ / ٥٤٨٢ ]
هل يُشْتَرَط أن يكون معلومًا؟ ظاهر كلام المؤلف لا، فلو وَقَّفَ بيتًا وهو لم يره، يعني أنه رجل ذو عقارات كثيرة، فوَقَّفَ أحد عقاراته بدون أن يعلم، مثل أن يقول: وَقَّفْتُ بيتي الذي في الحي الفلاني، وليس له بيت سواه في هذا الحي، لكنه لا يدري عن هذا البيت، لا يدري هل هو كبير أو صغير، من طين أو من أسمنت، جيد أو رديء، ما يدري، يصح أو لا يصح؟
ظاهر كلام المؤلف أنه يصح؛ لأن هذا معيَّن، والمذهب أنه لا يصح؛ لأنه مجهول، وإذا كان مجهولًا فإنه قد يكون أكثر مما يتصوره الواقف، يعني ربما يقف هذا البيت ظنًّا منه أنه يساوي عشرة آلاف، لكنه يساوي مئة ألف، فإذا علم أنه يساوي مئة ألف ربما يندم، والشارع جاء بإزالة الندم عن الإنسان، فلهذا يقولون: إنه لا يصح إذا كان مجهولًا.
ولكن القول الراجح صحة هذا؛ لأنه لم يُجْبَر على الوقف، وليس الوقف مُعَاوَضَة حتى يقول: غُلِبت أو خُدِعت، الوقف تبرُّع أخرجه الإنسان لله، كما لو تصدق بدراهم بلا عَدّ، لو تصدق بدراهم، أخرج من الكيس دراهم وأعطاها الفقير بلا عَدّ، هل تصح الصدقة أو لا؟ تصح وتنفذ، فلو تَبَرَّز الفقير هناك وعد ولا مئة ريال، قال: الله يجزاك خيرًا، اللي أعطيتني مئة وأنا محتاج، قال: مئة؟ أنا حاسبه عشرة، أعطني تسعين ريالًا، يصح ولَّا ما يصح، ما يصح؛ لأنه تصدق وتبرَّع، والمسألة ليست مُعَاوَضَة حتى يدخلها الغبن، المسألة تبرُّع.
فلهذا كان القول الراجح أنه يصح وقف المعيَّن وإن كان مجهولًا؛ لأنه ليس معاوضة حتى نقول: إنه داخل في الغُنْم أو الغُرْم، بل هو تبرُّع محض، إذا أمضاه الإنسان نفذ.
إذن من معيَّن ويش ضده؟ المبهَم، مثل: وَقَّفْت أحد بَيْتَيَّ، فإن هذا الوقف لا يصح.
[ ١ / ٥٤٨٣ ]
(يُنْتَفَع به مع بقاء عينه)، يعني: لا بد أن يكون هذا المعيَّن ينتفع به وعينه باقية، فإن كان لا يُنْتَفَع به إلا بتلف عينه فإن الوقف لا يصح؛ لأن الوقف حَبْس الأصل وتسبيل المنفعة، فإذا كان هذا الشيء لا يُنْتَفَع به إلا بتلفه فأين حبس الأصل وتسبيل المنفعة؟ المنفعة إتلافٌ له، فلو وَقَّفَ الإنسان تمرًا للصُوَّام يفطرون به في رمضان فإن الوقف لا يصح، لماذا؟
طالب: لأن المنفعة هنا تزيل الأصل.
الشيخ: لا يمكن الانتفاع بالتمر إلا بأكله، أليس كذلك؟ إذا كان لا يمكن الانتفاع به إلا بأكله فأين الوقف، الوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، فلا يصح أن يوقِف طعامًا للأكل.
لو أوقف ثيابًا؟
طلبة: يصح.
طلبة آخرون: لا يصح.
الشيخ: يصح ولا يصح، وفيه التفصيل، بده عليكم واحد، يصح؛ لأنه يمكن الانتفاع بها مع بقائها ولَّا لا؟ يمكن ألبس اليوم وتبقى، حصل لي نفع الآن وهو اللبس، أليس كذلك؟ حصل لي نفع وهو اللبس.
حتى البيت سيعود إلى الانهدام، يعني قد يقول أحدكم: الثياب تبلى، نقول: إذن والبيت ينهدم، لكن في حال الانتفاع تستطيع أن تنتفع به وهو باقٍ، لكن لو وَقَّفَ كيلو تمر على زيد، فجاء زيد وجلس على هذا الكيلو وأكله كله، ويش يبقى؟ لا شيء، فلهذا هناك فرق بين إيقاف الطعام للأكل وإيقاف الثياب للبس.
الثاني صحيح حتى على كلام المؤلف، والأول غير صحيح، يستثنى من هذا -على كلام المؤلف- يستثنى الماء، فلو سَبَّلَ الإنسان خزانًا من الماء على المارَّة من هذا الطريق صار الوقف صحيحًا؛ لآثار وردت في ذلك.
ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قال: إن تصحيحكم لوقف الماء وهو لا يُنْتَفَع به إلا بإتلافه يُلْزِمُكم أن تُصَحِّحوا وقف الطعام الذي لا يُنْتَفَع به إلا بإتلافه، وأنه يصح أن يوقِف الإنسان التمر على المفطرين في رمضان.
[ ١ / ٥٤٨٤ ]
وما ذهب إليه شيخ الإسلام هو الصحيح، أي أنه يجوز وقف الشيء المعيَّن وإن كان لا يُنْتَفَع به إلا بإتلافه، فيجوز مثلًا أن آتي بإناء كبير من التمر وأقول: هذا وقف على فلان، ماذا يفعل فلان بهذا التمر؟ يأكله حتى يفنى، المذهب يقولون: إنه لا يصح الوقف، وهل يصح صدقة؟ يقولون: لا، ما يصح، يعني لو قلت: هذا وقف، ما يصح أن يكون صدقة، إلا إذا قلت: تصدقت به على فلان، إذا قلت: تصدقت به على فلان صح، وإذا قلت: وَقَّفْتُه على فلان، أيش؟ على كلام المؤلف لا يصح.
إذن فالمخرج مما قال المؤلف أن نقول بدل وَقَّفْت: تصدقت، عرفتم يا جماعة؟ قد تقولون: إذن ما الفرق بين اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية في جواز الوقف والصدقة -شيخ الإسلام يقول: الصدقة جائزة والوقف جائز- ما الفرق؟ من حيث اللفظ، يقولون: الفرق أنك إذا تصدقت به على زيد وأخذه ما لك تصرف فيه، يبيعه، يرهنه، يهبه، ملكه، هو فيه حر، وإذا قلت: هذا التمر وقف على زيد، لم يتمكن من التصرف فيه، فلا يملك أن يبيعه أو أن يرهنه؛ لأن الوقف لا يباع، أيهما أصلح للفقير؛ الوقف ولَّا الصدقة؟
طلبة: الصدقة.
الشيخ: الصدقة أحيانًا، والوقف أحيانًا، إذا كان هذا الفقير أخرق فالوقف أحسن؛ لأن الأخرق يمكن يبيعه برخص، يمكن يبيعه ويشتري أشياء غير هامة، لكن لو تصدقت به صدقة راح يبيعه ويشتري جِرَار بيبسي وما أشبه ذلك، يموت من الجوع ويشتري أشياء تنزل الطعام اللي في معدته وتزيده جوعًا إلى جوعه، هذا ما هو أحسن إنه يعطيه صدقة، أعطيه أيش؟ أعطيه وقفًا، أجعله وقفًا عليه، وإذا شفته بيطلع منه كيلو منعته، تقول: أنا موقِّفُه عليك توقيف، ما يمكن تبيع منه شيئًا.
إذن القول الراجح في هذه المسألة أنه يجوز أن يوقف شيئًا .. أتموا.
طلبة: لا يُنْتَفَع به إلا بإتلافه.
الشيخ: لا يُنْتَفَع به إلا بإتلافه، قياسًا على ما قالوه هم أنفسهم في وقف الماء؛ لأنه لا فرق.
[ ١ / ٥٤٨٥ ]
(يُنْتَفَع به مع بقاء عينه كعقار) العقار يُنْتَفَع به مع بقاء عينه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: مثل أيش؟ كدُكَّان مثلًا، أوقف دكانًا على فلان، يمكن يُنْتَفَع به مع بقاء عينه، لكن إذا قال الموقوف عليه: أنا لست صاحب بيع وشراء، ويش ينفعني الدكان، ويش نقول؟ أَجِّرْهُ، الآن منفعة الدكان لك، سواء استوفيتها بنفسك أو بغيرك، ممكن تُؤَجِّره، يمكن تعطيه صديقًا لك ينزله وينتفع به.
يمكن يوقِّف حيوانًا؟ نعم، يمكن يوقِّف حيوانًا، مثل أن يوقِف فرسًا للجهاد في سبيل الله، يمكن يوقف بقرة على عائلة ينتفعون بأيش؟ بلبنها، يوقف بعيرًا على حَطَّاب ينتفع به، يوقف بعيرًا على قَصَّاب يذبحه ويبيع لحمه.
طلبة: لا.
الشيخ: لا؟
طالب: على التفصيل السابق.
الشيخ: ما هو على التفصيل السابق، يصح وقفه على الجزار، لكن يقال: لا تذبحها، انتفع بها، أَجِّرْهَا، يقول: والله أنا لست جَمَّالًا حتى أحطب عليها، نقول: أَجِّرْها.
يقول: (ونحوهما) نحو الحيوان والعقار، أوقف كتابًا على زيد، يصح؟
طلبة: يصح.
الشيخ: كتابًا؟
طلبة: نعم يصح.
الشيخ: هل هو معين يُنْتَفَع به مع بقاء عينه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، أوقف سيارة، يصح، أوقف قلمًا، يصح؛ لأن كل هذا يمكن أن يُنْتَفَع به مع بقاء عَيْنِه، أوقف ولدَه على فلان؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: ليش؟
طلبة: لا يملكه.
الشيخ: لأنه لا يُمْلَك، الولد لا يُمْلَك، ولهذا لا بد أن يكون مما يصح بيعه، المؤلف ما ذكره لكن معروف، لا بد أن يكون مما يصح بيعه، فإن كان لا يصح بيعه ولا تملُّكه كالحر مثلًا لا يجوز، أوقف أَمَة على شخص، يصح؟
طلبة: يصح.
طالب آخر: تفصيل.
الشيخ: يصح، ويمكن ينتفع بها ولو بغير الوطء، الوطء يحتاج إلى نظر، لكن غير الوطء مثل أن ينتفع بها خادمة يصح.
غير ذلك مما يُنْتَفَع به مع بقاء عينه مثل أيش؟
طالب: السلاح.
الشيخ: كالسلاح، النخل؛ أوقف نخلة على شخص، يجوز أو لا؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يصح؟
طلبة: يصح.
[ ١ / ٥٤٨٦ ]
الشيخ: لأنه يُنْتَفَع بها مع بقاء عينها، كيف يُنْتَفَع بها مع بقاء عينها؟ إي نعم، فيها ثمرة، أليس كذلك؟ إذا كان فيها ثمرة فإنه يُنْتَفَع بها.
عمر بن الخطاب ﵁ أوقف أرضه التي في خيبر بأمر الرسول ﵊ ومشورته وهي لا تخلو من نخل، ولهذا عامل النبي ﷺ أهل خيبر على ما فيها من زرع ونخل بالشطر (١).
إذن القاعدة: يُشْتَرَط في الموقوف أن يكون مشتملًا على منفعة دائمة، مباحة ولا ولو كانت حرامًا؟
طلبة: مباحة.
الشيخ: مباحة، وأن يكون معيَّنًا، سواء كان معلومًا أو مجهولًا على القول الصحيح، وهو ظاهر كلام المؤلف، وأن يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه.
طالب: مَن وَقَّفَ مثلًا دارًا لطلبة العلم سكن فيه بعض لا يتبع به علمًا، هل يجوز لمالكه التصرف حتى يخرج هذا الرجل.
الشيخ: يعني أوقفه على طلبة العلم وسكنه غير طالب العلم؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: إي، له أن يُخْرِجَه معلوم.
طالب: وهل عليهم حرام أن يسكنوا فيه.
الشيخ: إي نعم، إذا كان هذا البيت وقفًا على طلبة العلم فإنه لا يحل لمن لم يكن طالب علم أن يسكنه.
طالب: وإذا كان عنده تهاون في العلم، وكذلك حرام عليه ..
الشيخ: إي، هذا إذا كان عنده تهاون يُرْجَع إلى العرف، فإذا قيل: هذا طالب العلم؛ لأنه أحيانًا يكون طالب العلم المتهاون طالب علم بالنسبة لفتور الناس، وأحيانًا يكون طالب العلم المتهاون ليس طالب علم بالنسبة لنشاط الناس، فمثلًا نحن الآن عندنا نحن طلبة علم، ولكن معنا فتور، ولَّا لا؟ لسنا كطلبة العلم السابقين الذين يسهرون الليل ويكدحون النهار، لا، أكثر أوقاتنا نوم وأكل، لكن مع ذلك يقال عنا: إننا أيش؟ طلبة علم، لكن طلبة علم وقتنا، إي نعم، فلو أردنا أن نقول: لا يسكن الدار التي وُقِّفَت لطلبة العلم إلا رجل كان يطلب العلم كما يطلبه شيخ الإسلام ابن تيمية، صعب هذا.
[ ١ / ٥٤٨٧ ]
طالب: الذين ذهبوا إلى صِحِّيَّة وقف () الماء للمنبع، أم الماء ..
الشيخ: لا، الماء المحبوس قلت لكم، مَثَّلت بماذا؟ بالخزان، أما الماء الذي في البئر هذا واضح ما فيه إشكال؛ لأنك وَقَّفْتَ البئر، والبئر يخرج منه الماء شيئًا فشيئًا.
طالب: هل يصح بيعه الذي ذكرت ().
الشيخ: إي نعم.
الطالب: هذا ليس من ضمن شروطه.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ().
الشيخ: نعم.
طالب: إذا بنى فرن خبز مثلًا.
الشيخ: إي نعم.
طالب: ووقَّفَه كل يوم ().
الشيخ: إذا بنى فرنًا ووَقَّفَه للخبز فهو صحيح، لا بأس في هذا؛ لأنه يمكن الانتفاع بالفرن مع بقاء عينه.
طالب: يا شيخ، بعض المساجد فيها نخل () هل يجوز الأكل؟
الشيخ: ويش تقولون في هذا؟ دي مشكلة دي، يقول: بعض المساجد فيها نخل، فهل يجوز الأكل من هذا النخل؟ نقول: إن كانت النخل على أناس مخصوصين مثل أن تكون على الإمام والمؤذن كما هي العادة، العادة أن النخل الذي يكون في المسجد أو حوله يكون للإمام والمؤذن، أو لمصالح المسجد، فلا يجوز لأحد أن يأكل منها، وإن كانت لعامة الناس فيجوز، لكن بشرط أن يأكل منها حين يطيب الأكل، أما ما يفعله بعض الناس يأخذها وهي خضراء لا يأكلها ولا ينتفع بها فهذا حرام؛ لأن فيه إفسادًا لماليتها، هذا يتدرج بنا إلى أكل النخل اللي في الأسواق الآن، الآن في الشوارع نخل من أحسن النخل، بعضها سُكَّرِي وبعضها بَرْحِي طيب، فهل يجوز للناس عمومًا أن يأكلوا منها؟
الظاهر أنه يُنْظَر إلى ولي الأمر فيها، وهم البلديات، فإذا سمحوا للناس فلا بأس، لكن بشرط كما قلت أن يكون قد طاب أكلها بحيث إذا أكلها ينتفع بها، إي نعم.
طالب: أحسن الله إليكم، من قال بجواز وقف النخل استدلوا بحديث عثمان، أليس كذلك؟
الشيخ: عثمان البئر، لا، غير هذا، البئر ما فيه إشكال.
***
سبق لنا أن للوقف شروطًا، منها ما يعود إلى أيش؟
طلبة: الواقف.
[ ١ / ٥٤٨٨ ]
الشيخ: إلى الواقف، ومنها ما يعود إلى الموقوف، ومنها ما يعود إلى الموقوف عليه، سبق بعضها وسيأتي بعضها.
الذي يعود إلى الواقف ما هو؟
طالب: أن يكون بالغًا.
الشيخ: نعم.
الطالب: أن يكون عاقلًا.
الشيخ: أن يكون بالغًا، عاقلًا.
الطالب: جائز التصرف.
الشيخ: جائز التصرف.
طالب: جائز التبرع.
الشيخ: على القول الراجح أن يكون جائز التبرع.
من هو جائز التصرف؟ الرشيد، لأنه إذا لم يكن رشيدًا بأن كان سفيهًا فإنه لا يصح تصرفه.
ما تقول في رجل مَدِين دَيْنًا يستغرق ماله فوَقَّفَ بيته؟
طالب: أرجح أنه لا يجوز له التصرف في ماله؛ لأن ماله ..
الشيخ: لا يجوز التصرف ولَّا التبرع؟
الطالب: التبرع؛ لأن ماله قد شُغِل بالدَّيْن، والدَّيْن واجب والوقف مستحب، ولا يُسْقِط المستحب الواجب.
الشيخ: زين، والقول الثاني إذا قلنا: إن الشرط أن يكون جائز التصرف؟
الطالب: يجوز له أن يتبرع.
الشيخ: يجوز أن يوقف ويصح الوقف.
رجل مُبَرْسَم -الْمُبَرْسَم الذي أصابه البِرْسَام، وهي علة في الدماغ- رجل مُبَرْسَم وَقَّفَ بيته، ويش تقول فيه؟
طالب: لأنه عقله ().
الشيخ: (عَلَى بِرٍّ) هذا من الشروط، من الشروط أن يكون على بِرّ، أي: على شيء يُقَرِّب إلى الله، وهذا شرط في الجهة التي يُصْرَف إليها الوقف؛ أن تكون جهة بِرّ، أي: جهة طاعة وعبادة لله ﷿.
قال الإمام أحمد: لا أعلم الوقف إلا ما أُرِيدَ به وجه الله، ولأن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -﵁- حينما استشار النبي ﷺ في أرضه التي غنمها في خيبر إنما يريد بذلك أيش التقرب إلى الله.
وإذا لم يكن الوقف على بِرّ فلا قربة فيه، مثاله: (كَالْمَسَاجِدِ وَالقَنَاطِرِ والْمَسَاكِينِ والأَقَارِبِ)، هذه عدة جهات.
[ ١ / ٥٤٨٩ ]
(كالمساجد)، فإذا قال مثلًا: أوقفت بيتي لمصلحة المساجد، فالوقف على بِرّ ولَّا على إثم؟ على بِرّ، إذا قال قائل: المساجد لا تملك، قلنا: لكنها جهة لها مَن يتولى أمرها.
ولا فرق في هذا بين أن يكون الوقف على مسجد معين، أو على المساجد عمومًا، فإن كان على مسجد معين تعيَّن فيه، ولا يجوز صرفه إلى غيره، وإن كان على المساجد عمومًا وجب على الناظر أن يبدأ بالأحق فالأحق، سواء كانت هذه الأحقية عائدة إلى ذات المسجد، أو عائدة إلى المصلين فيه.
فإذا وَقَّفَ عقارًا على مصالح المساجد، وأخذنا غلة هذا الوقف، وعندنا عدة مساجد، مَن نقدِّم بها؟ الأحق، سواء كان عائدًا إلى ذات المسجد، أو إلى المصلين فيه، فإذا كان أحد المساجد هذه فيه عيب وخلل يحتاج إلى ترميم، والمساجد الأخرى ليست بحاجة إلى ذلك، فنُقَدِّم الذي يحتاج، لأن العيب إن لم تداركه ازداد.
إذا كانت المساجد كلها سواء في الترميم لا تحتاج إلى ترميم، لكن بعضها يكثر فيها المصلون، فتحتاج إلى زيادة تهوئة وتبريد، فما الذي نقدِّم؟ نحن نقدم هذا الذي يحتاج إلى تهوية وتبريد، نفتح فيه منافذ، نضع فيه مكيفات، ونقدمها على غيرها؛ لأن المصلين يكثرون فيه.
أحد المساجد جامع يحتاج إلى مكبِّر صوت في الخطبة والأذان، والأخريات غير جوامع لا تحتاج إلا إلى الأذان، ما الذي نقدِّم؟ الجامع؛ لأن فيه فائدتين؛ الخطبة والأذان.
إذن الوقف على المساجد جائز ومشروع، سواء كان المسجد معينًا أم على المساجد عمومًا؛ فإن كان معينًا وجب تخصيص الوقف به، وإن كان عامًّا قُدِّم الأحق فالأحق حسب ما تقتضيه المصلحة.
القناطر، أيش القناطر هذه؟ القناطر الأَنْهُر، يعني مِن جنس الجسور، فإذا وَقَّفَ وقفًا على تعمير القناطر أو الجسور، أو شق الأَنْهُر، أو حفر الآبار، أو ما أشبه ذلك مما ينفع المسلمين فهذا أيش؟ بِرّ يُصْرَف فيه.
[ ١ / ٥٤٩٠ ]
ويتعين أن يُصْرَف في النوع الذي عيَّنه الواقف، وفي العين أيضًا، فإذا وَقَّفَ على شق الأنهر لم يَجُز صرفه في القناطر، وإذا وَقَّفَ على القنطرة المعينة لم يَجُزْ صرفه في قناطر أخرى، يتعيَّن النوع، ويتعين العين الَّذي عَيَّنَها الواقف.
المساكين جهة ولَّا معين؟
طلبة: جهة.
الشيخ: جهة، المساكين جهة، قال: هذه وقف على المساكين، يُصْرَف الوقف في للمساكين؛ في حوائجهم، ويقدَّم مَن؟ الأحوج فالأحوج؛ لأن الحكم إذا عُلِّقَ بوصف ازداد قوة بحسب قوة الوصف فيه.
والعطاء إذا قُيِّدَ بحاجة ازداد قوة بحسب الحاجة، وعلى هذا فنبدأ بالأحوج فالأحوج من المساكين.
الأقارب جهة ولَّا عين؟
طالب: الأقارب جهة.
الشيخ: جهة، فإذا قال: هذا وقفٌ على أقاربي، وجب أن يُصْرَف في الأقارب، الأقارب من أين إلى أين؟ من الجد الرابع فنازل، هؤلاء كلهم أقارب؛ الإخوان، والأعمام، وأعمام الأب، أقارب أعمام الأب يتصلون بك في أي جد؟ أعمامك في الجد الأول أو لا؟ وأعمام أبيك في الجد الثاني، وأعمام جدك في الجد الثالث، وأعمام جد أبيك في الجد الرابع، من الجد الرابع فما دون هؤلاء الأقارب، ومَن فوق ليسوا بأقارب، وإن كان فيهم قرابة لكن لا يُعَدُّون من القرابة الأدْنَيْن، ولهذا لما أنزل الله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، لم يَدْعُ النبي ﷺ كل قريش، بل دعا مَن شاركوه في الأب الرابع فما دون (٢).
إذن إذا وَقَّفَ على الأقارب اختص الوقف بهم، ولكن مَن نقدِّم، الأحوج أو الأقرب؟
طلبة: الأحوج.
طلبة آخرون: الأقرب.
طالب آخر: الوصف.
[ ١ / ٥٤٩١ ]
الشيخ: الآن الوصف هو القرابة ما هو الحاجة، ونحن قلنا قبل قليل: إن ما عُلِّقَ على وصف كان أقوى بحسب قوة ذلك الوصف، فإذن نقدِّم الأقرب، ولهذا يقدَّم في الميراث ابن العم الغني على ابن ابن العم الفقير، لماذا؟ لأنه أقرب، إلا إذا علمنا أن مراد الواقف دفع الحاجة دون الصلة، فحينئذ نقدِّم مَن؟ نقدِّم الأحوج ولو بَعُد.
إذن إذا علمنا أن مراد الواقف الصلة مَن نقدِّم؟ الأقرب، إذا علمنا أن مراده دفع الحاجة نقدِّم الأحوج، إذا أشكل علينا الأمر فالأقرب؛ لأننا نقضي بنحو ما نسمع، والواقف عيَّن الاستحقاق بالقرابة، فمن كان أقرب فهو أحق، ولكن هل المسألة ترتيب أو تقديم؟
طلبة: ترتيب.
الشيخ: أنت تعرف الفرق بينها؟
طالب: إن كان الترتيب نقدِّم بحسب النسب؛ الأقرب فالأقرب، وإن كان تقديم الثاني.
الشيخ: ويش هو الثاني؟
طالب: نقدم الأقرب ().
الشيخ: لا، إذا كان ترتيبًا فلا حق للأبعد مع الأقرب ولو زاد على حاجة الأقرب؛ يعني مثلًا إذا قدَّرنا أن الريع عشرة آلاف، والأقرب يكفيه خمسة آلاف، فإننا نعطي الأقرب كل العشرة، هذا إذا قلنا: إنه ترتيب، وإذا قلنا: إنه تقديم، قلنا: أَعْطِ الأقرب ما يحتاج فقط، فنعطيه في هذا المثال كم؟ خمسة آلاف، والباقي للآخر، فهذه نقول: إنها من باب التقديم، وليست من باب الترتيب؛ لأن الترتيب لا حق للثاني مع الأول مطلقًا، والتقديم له الحق فيما فَضَل عن حاجة الأول.
قال: (من مسلم وذمي)، فإذا قال: هذا وقفٌ على أقاربي، وله ثلاثة ابناء عم؛ أحدهم مسلم، والثاني يهودي، والثالث نصراني، لكنهم ذِمِّيُّون، هل نخصه بالمسلم أو للجميع؟ قال المؤلف: (من مسلم وذمي) للجميع، نعطي المسلم درهمًا، واليهودي درهمًا، والنصراني درهمًا، ليش؟ لأن وصف القرابة ينطبق عليهم جميعًا وإن كانوا مخالفين في الدين، صح ولَّا لا؟
لكن لو قال: القريب المسلم، كذا، فهل نعطي اليهودي والنصراني؟ لا؛ لأنه خصه بالمسلم.
[ ١ / ٥٤٩٢ ]
قال المؤلف: (غَيْرَ حَرْبِيٍّ)، الاستثناء هنا منقطع؛ لأن الحربي ليس من الذمي في شيء، يعني أنه لا يُعْطَى القريبُ الحربي، مَن الحربي؟ () الكافر الذي ليس بيننا وبينه ذمة ولا عهد ولا أمان هذا حربي، يَحِلُّ لنا قتله أينما وجدناه؛ لأنه مُحَارِب.
فإذا كان رجل أوقف على أقاربه ووجدنا أبناء عم له أحدهم مسلم، والثاني يهودي ذِمِّيّ، والثالث نصراني ذمي، والرابع يهودي حربي، مَن نعطي؟ الثلاثة الأُوَل، والرابع لا نعطيه؛ لأن الرابع ليس له حق ولا كرامة، بل نقتله إذا وجدناه، كيف نعطيه ما يحيا به؟ !
ثم إن الحربي إذا أعطيناه ماذا يفعل بالمال؟ يشتري به سلاحًا يقتلنا به، فكيف نعطيه من الوقف، ولهذا استثنى المؤلف قال: (غير حربي)، مَن الحربي؟ هو الكافر الذي ليس بيننا وبينه ذمة ولا عهد ولا أمان.
طالب: إذا وقف () قال: هذا وقف على الفقراء، ثم أصبح فقيرًا هو -الواقف- هل له الحق أن يأخذ منه؟
الشيخ: ويش تقولون في هذا؟ قال: هذا وقف على الفقراء، وافتقر، هل يأخذ منه؟
طلبة: نعم يأخذ.
الشيخ: يأخذ منه، إي نعم.
طالب: قلنا: ما يحق له أن يأخذ شيئًا منه، لأنه خرج من ملكه أصلًا.
الشيخ: متى قلنا هذا؟ أنت لو قلت: لأن الواقف يخرج من ملكه، أما إننا قلنا، وإحنا ما قلنا فهذا ما هو صحيح.
الطالب: قصدي ..
الشيخ: القصد ما نعرف اللي في قلبك.
طالب: قلت: إنه خرج الآن من ملكه، كيف نعيده إلى ملكه.
الشيخ: إي، خرج من ملكه على وصف معين، واتصف هو بهذا الوصف، فيستحق، إي نعم.
طالب: لو اعتبرنا أن اختلاف الدِّين سبب مانع من موانع الإرث، في النفقة أيضًا اشترطنا اتفاق الدِّين، وهنا ..
الشيخ: هذا حق قريب، ما هو بإرث، الإرث قال الرسول ﷺ: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» (٣)، لكن هذا حق قريب، ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٦].
الطالب: النفقة أعطيناه ..
[ ١ / ٥٤٩٣ ]
الشيخ: النفقة إلزامية، الوقف تبرُّع ما هو بإلزامي، لو شاء لم يُوقِف.
طالب: أليس الوقف يراد به التقرب إلى الله؟
الشيخ: بلى.
طالب: كيف يتقرب بالإنفاق على إنسان غير مسلم؟
الشيخ: هو قريب، ولهذا لو وَقَّفَ على كافر فقط ما صَحَّ؛ لأن هذه القرابة جهة بِرّ.
طالب: التثمين من الدولة له حكم البيع؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: لو احتاجت الدولة مثلًا طريقًا وفيه مسجد موقوف أو غير موقوف؟
الشيخ: إي نعم، على كل حال المسجد مكان لمصالح المسلمين عمومًا، فالواجب أن تعدل عن الطريق يمينًا أو يسارًا، إلا إذا تعذر، فإن المسجد إذا تعذَّر تعديل الشارع وكان الناس في حاجة إلى هذا الشارع وأمكن أن يُبْنَى المسجد في مكان قريب من مكانه الأول فلا بأس من إزالته، أما إذا كان يمكن تعديل الشارع، أو كان حاجة الناس إلى المسجد أكثر من حاجتهم إلى الشارع فلا يجوز إزالة المسجد.
طالب: والبيت؟
الشيخ: لا، البيت أهون؛ لأن البيت هذا جهة خاصة، وبسيط، حق للموقوف عليهم إذا أُخِذَ البيت اشتروا بدله في أي محل. ()
***
طالب: (وَكَذَا الوَصِيَّةُ وَالوَقْفُ عَلَى نَفْسِهِ) ()
الشيخ: .. والصلاة والسلام على نبينا محمد.
ذكر المؤلف من شروط الوقف أن يكون على بِرّ، وهل هذا على إطلاقه؟
طالب: إذا كان على جهة عامة ..
الشيخ: إذا كان على جهة عامة فهو على إطلاقه، صح، إذن ليس على إطلاقه، على بِرّ متى؟ إذا كان على جهة عامة، أما إذا كان على معيَّن فلا يُشْتَرَط أن يكون على بِرّ.
يقول المؤلف ﵀: (كَالْمَسَاجِدِ وَالقَنَاطِرِ والْمَسَاكِينِ والأَقَارِبِ مِنْ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ غَيْرَ حَرْبِيٍّ).
لو وَقَّفَ على الأغنياء، قال: هذا البيت وقف على الأغنياء، فهل يصح الوقف؟
طلبة: لا يصح.
[ ١ / ٥٤٩٤ ]
الشيخ: لا يصح، لماذا؟ لأنه ليس على بِرّ؛ إذ إن الأغنياء ليسوا جهة صدقة، فلا يصح، لكن لو وَقَّفَ على فلان وهو غني صح؛ لأن هذا ليس وقفًا على جهة، والإنسان له أن يُمَلِّك ماله مَن شاء.
يقول: (الأقارب) جهة بِرّ؟
طالب: نعم.
الشيخ: جهة بِرّ، ولو كانوا غير مسلمين؟
الطالب: ولو كانوا غير مسلمين.
الشيخ: ولهذا قال المؤلف: (الأَقَارِبِ مِنْ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ)، لكن يقول: (غَيْرَ حَرْبِيٍّ)، وهنا إشكال في كلام المؤلف، قال: (ذِمِّيٍّ غَيْرَ حَرْبِيٍّ)، فهل المقابل للذمي هو الحربي؟ لا، الحربي يقابله الذمي والمعاهَد والمستأمِن، لكن كأن المؤلف أسقط المعاهَد والمستأمِن لأن العهد لا يدوم، وكذلك الأمان لا يدوم، بخلاف عقد الذمة فالأصل فيه الدوام، ومن المعلوم أنه لا بد أن يكون الوقف على جهة دائمة، هذا ما يظهر؛ أن الوقف على المستأمِن وعلى المعاهَد لا يصح، بخلاف الذمي؛ لأن الذمي له أحكام خاصة.
قال: (غَيْرَ حَرْبِيٍّ)، فلا يصح الوقف عليه، ولا يدخل في الأقارب، إذا وَقَّفَ على أقاربه فهذا رجل وَقَّفَ على أقاربه وكان له ثلاثة من الأقارب أحدهم مسلم والثاني ذمي والثالث حربي، مَن يستحق الوقف؟ المسلم والذمي، أما الحربي فلا.
قال: (وَكَنِيسَةٍ)، يعني: ولا يصح الوقف على كنيسة، والكنيسة مُتَعَبَّد النصارى، والكِنِيسة برلمان اليهود في العهد الحاضر، انتبهوا، ربما تسمعون في إذاعة اليهود الكِنِيسة لا تظن أن الكِنِيسة مُتَعَبَّد لهم، لكنها برلمان، يعني مجتمع، مؤتمر، أما الكَنِيسَة فهي مُتَعَبَّد النصارى، والبِيعَة مُتَعَبَّد اليهود، والصومعة للرهبان، المهم دور الكفر -هذه القاعدة العامة- لا يصح الوقف عليها، ما الدليل؟ الدليل قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
[ ١ / ٥٤٩٥ ]
ونحن إذا وَقَّفْنَا على بيوت الكفر فإن ذلك معونة على الإثم والعدوان، وكيف يليق بالمسلم أن يُوَقِّف على بيت يُشْرَك فيه بالله ويُكْفَر فيه بالله؟ هذا لا يمكن.
وظاهر كلام المؤلف أن الوقف على الكَنِيسَة لا يصح ولو من أهل الكَنِيسَة، فلو كان هناك ذمي نصراني وَقَّفَ شيئًا من أملاكه على كنيسته فظاهر كلام المؤلف أن ذلك لا يصح.
ولكن الصحيح أنه يصح؛ لأن إقرارنا إياهم على الكنيسة والتعبُّد بها يجب أن يكون إقرارًا على ما يتعلق بها من المصالح، والمال ليس مالنا نحن حتى نقول: لا يمكن أن نصرف مال المسلم في معابد الشرك، المال ماله هو، وهو يعتقد أن هذا دين، ونحن نُقِرُّهم على دينهم أو لا؟
طالب: نقرهم.
الشيخ: نقرهم على دينهم، ولهذا كان القول الثاني في المسألة أنه يصح الوقف على الكنيسة من أصحاب الكنائس.
(ونَسْخِ التوراة والإنجيل)، عندنا (وبِيعَة وبيت نار وصومعة) لكن مشطوب عليها، هذا الظاهر أنه من الشرح، على كل حال القاعدة العامة حتى لو فُرِضَ أن الماتن ما ذكرها فهي عندنا قاعدة عامة، كل بيوت الكفر لا يجوز من المسلم أن يُوقِف عليها شيئًا، ليش؟ لأن هذا من التعاون على الإثم والعدوان، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.
[ ١ / ٥٤٩٦ ]
قال: (وَنَسْخِ التَّوْرَاةِ والإِنْجِيلِ وَكُتُبِ زَنْدَقَةٍ)، أيضًا لا يجوز الوقف على نَسْخ التوراة والإنجيل وكتب الزندقة، نسخ التوراة والإنجيل لا يجوز لأحد أن يوقف عليه شيئًا، أما من مسلم فالأمر ظاهر أنه لا يجوز لأي واحد من المسلمين أن يوقف شيئًا على نسخ التوراة والإنجيل، وذلك لأن هذه الكتب كتب مُحَرَّفَة من حيث ذاتها، كتب منسوخة من حيث أحكامها، فلا يُعْتَمَد عليها إطلاقًا، فهي منسوخة، وما فيها من حق فقد تضمنته الشريعة الإسلامية، وهي أيضًا مُحَرَّفَة لا يوثق بها، فاليهود والنصارى كلهم حرفوا كتبهم وغيَّرُوها، إذن لا يجوز لمسلم أن يُوقِف شيئًا على نسخ التوراة والإنجيل.
وهل يجوز لغير المسلم أن يوقف شيئًا على نسخ التوراة والإنجيل، كالنصراني مثلًا يوقف شيئًا من أملاكه على نسخ الإنجيل؟
نقول: في هذا تفصيل؛ إن كان على نسخه ونشره فإننا نمنعه؛ لأننا نمنع النصارى من نشر كتبهم بين المسلمين، وإن كان على نسخه لينتفع به النصارى فقط فهذا لا بأس به، على أن في نفسي منه شيئًا؛ لأنه يمكن أن يقال: إن الفرق بينه وبين الكنيسة أن الإنجيل كتاب يمكن أن يوزَّع من هنا وهناك، والكنيسة بيت لا يمكن أن توزَّع على الناس.
فخطر نسخ الإنجيل وكذلك التوراة أعظم من تعمير الكنيسة، أي أنه يقال: إذا وَقَّفَ اليهودي على نسخ التوراة، أو النصراني على نسخ الإنجيل فإن كان على النسخ والنشر فهو ممنوع ما () وقف؛ لما في ذلك من الضرر على الإسلام والمسلمين.
وإن كان على النَّسْخ لينتفع بها أهلها فقط فهذا قد يقال: إنه لا بأس به، قياسًا على الكنيسة، يعني على الوقف على الكنيسة، وقد يقال: يُمْنَع، ولا يصح القياس على الكنيسة، لماذا؟ لأن هذا يتنقل ويمكن توزيعه ولو بالسر، لكن الكنائس لا يمكن أن تتنقل، ولا يُمَكَّنُون من بناء كنائس جديدة في بلاد المسلمين.
[ ١ / ٥٤٩٧ ]
يقول: (وَكُتُبِ زَنْدَقَةٍ)، كتب الزندقة نعم ممنوعة أصلًا وفرعًا، لا يجوز أبدًا أن يُوقِف إنسان على كتب الزندقة ككتب الشيوعية، وكذلك كتب البدع الْمُكَفِّرَة أو الْمُفَسّقَة، فلا يجوز أن يوقَف عليها شيء، وذلك لأن الموقِف على كتب البدع ينتسب للإسلام، وإذا كان ينتسب للإسلام فإن الواجب على حكام الإسلام أن يُنَزِّلُوا تصرفاته على أيش؟ على ما يقتضيه الإسلام، فإذا كان هذا المبتدع عنده بدعة مكفِّرة، وكتب فيها ما كتب، ووقَّفَ بيته على هذا الكتاب، فإن لحكام المسلمين أن يُبْطِلُوا الوقف.
ولا يقال: إن هذا كالنصراني إذا وقَّف على نسخ الإنجيل؛ لأن النصراني مُعْتَرِف بأنه على غير الإسلام، وهذا يدَّعِي أنه مسلم فنمنعه.
فإن قال قائل: إذا وَقَّفَ الشيوعي بيته على نشر كتب الشيوعية، كتب زندقة، فهل نقول: إن هذا كإيقاف النصراني بيته على نسخ الإنجيل؟
فالجواب أن نقول: لا، وذلك لأن النصراني له شبهة؛ لأن الإنجيل كتاب مُنَزَّل من عند الله لكنه مُحَرَّف ومنسوخ، بخلاف الشيوعي، فإن الكتب الشيوعية كتب ضلال وإلحاد، وليست من عند الله، وعلى هذا فنقول: كتب الزندقة يُمْنَع فيها من إثبات الأوقاف والعمل بها مطلقًا، كتب البدع كذلك يُمْنَع، لا يُوَقَّف أي شيء في بلاد الإسلام على نسخ كتب البدع.
ولكن إذا قال قائل: إذا كانت هذه الكتب تشتمل على أمور نافعة وعلى بدع غير مكفِّرة كما يوجد في كتب الأشاعرة، ونريد بالكتب المؤلَّفة للعقيدة، لاحظوا التنبه لهذا، كتب الأشاعرة فيه كتب مؤلفة للعقيدة، في العقيدة، كتب أخرى مؤلفة في غير العقيدة لكن يُتَعَرَّض فيها للعقيدة، مثل الجلالين الآن، تفسير الجلالين لم يؤلَّف أصلًا للعقيدة، مؤلف لأيش؟ لتفسير القرآن، لكن فيه أشياء مخالفة.
[ ١ / ٥٤٩٨ ]
لكن إذا جاء إنسان وألَّف كتابًا في العقيدة على منهج الأشاعرة، نقول: هذا الكتاب بِدْعِيّ، لكن هل يجوز أن نمنع من الوقف على نشر هذه الكتب أو لا؟ نقول: نعم، نمنع، كل ما خالف مذهب السلف في العقيدة يجب منعه.
أما الكتب التي لم تؤلَّف لهذا فإننا لا نمنعها، ونظير ذلك في الأشخاص أن الرجل قد يأخذ بقول من مذهب الشافعي وهو حنبلي، فهل نقول: إنه شافعي؟ لا نقول: إنه شافعي، ولو أخذ بقول من أقوال الشافعية، نرجع للأصل، فالكتاب الذي أُلِّف لتفسير القرآن أو لشرح الحديث، والمفسِّر أو الشارح أشعري، إذا أتى على النصوص في الصفات يحرِّفها إلى مذهب الأشاعرة، هل نقول: إن هذا الكتاب كتاب أشعري؟ لا، يعني ما نجعله ككتاب العقيدة، ولا نمنع من نشره ولا من طبعه، ولكننا نعلِّق على ما فيه من مخالفة لمذهب السلف.
صار كتب البدع تنقسم إلى قسمين: بدع مكفِّرة، فهذه لا يجوز أن يوقَف عليها، على نسخها أو على نشرها، كتب بدع مفسِّقَة، فهذه أيضًا ينبغي أن نمنع، كتب أخرى لم تؤلَّف للعقيدة أساسًا ولكن فيها شيء يخالف العقيدة، فهذه لا بأس من الوقف عليها، ولا يُبْطَل، ولكن يُنَبَّه على ما فيها من مخالفة السلف.
يقول المؤلف: (وَنَسْخِ التَّوْرَاةِ والإِنْجِيلِ وَكُتُبِ زَنْدَقَةٍ وَكَذَا الوَصِيَّةُ)، يعني الوصية حكمها حكم الوقف في هذا، وهي أنها إذا كانت على جهة عامة فلا بد أن تكون على أيش؟ على بِرّ، كالمساجد، والقناطر، والأقارب، والمساكين، والمجاهدين، وطلبة العلم، وما أشبه ذلك.
ولا تصح الوصية في جهة عامة على أيش؟ الكنائس، وبيوت الكفر، وكتب الزندقة والبدعة، وما أشبه ذلك، يعني حكم الوصية في هذا الباب حكم أيش؟ حكم الوقف.
[ ١ / ٥٤٩٩ ]
قال: (وَالوَقْفُ عَلَى نَفْسِهِ)، يعني: لا يصح الوقف على نفسه، إذا أوقف الإنسان شيئًا على نفسه فإنه لا يصح، بأن قال: هذا وقف عَلَيّ، نقول: هذا الوقف غير صحيح؛ لأنك أنت المالك، وكيف توقف على نفسك؟ هل الإنسان يُمَلِّك نفسه من نفسه؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، يعني لو قلت: وهبت نفسي هذه الحقيبة، تصير هبة ولّا ما تصير؟ لا تكون، كيف أهب نفسي لنفسي؟ !
كذلك لو قلت: هذا البيت وقف علَيّ، كيف وقف عليّ؟ الوقف لا بد أن يخرج عنك، ولهذا قال الإمام أحمد: أنا لا أعلم الوقف إلا ما أخرجه لله.
وجميع الوقوفات كلها خارجة عن الإنسان، عمر وَقَّفَ أرضه على غير نفسه، فلا يصح الوقف على النفس ابتداء، ولكن لو وقَّف وقفًا معلَّقًا بصفة، واتصف بهذه الصفة، مثل أن يقول: هذا وقف على طلبة العلم، وصار طالب علم، فهل يستحق؟ نعم يستحق؛ لأنه لم يُوقِفْه على نفسه ابتداء، ولو وَقَّفَ على الفقراء وكان غَنِيًّا ثم افتقر، يستحق منه ولَّا لا؟
طالب: يستحق.
الشيخ: ولو وَقَّفَ بَرَّادة للشرب ومَرَّ بها وهو عطشان، يشرب ولَّا ما يشرب؟
طلبة: يشرب.
الشيخ: يشرب؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ما نقول: وَقَّفَ على نفسه؟ لا، نقول: ما وَقَّفَ على نفسه، هذا وَقَّفَها للمسلمين، لشرب المسلمين، نقول: مت من العطش ولا تشرب من هذه، ما يصير، نقول: لك أن تشرب، واضح؟
فهناك فرق بين أن يُوقِف شيئًا معلَّقًا بوصف ثم ينطبق الوصف عليه، وبين أن يُوقِف على نفسه ابتداء، فإذا وَقَّفَ على نفسه ابتداء فإنه لا يصح، إذا كان لا يصح هل يرجع إليه ملكًا، أو يكون وقفًا في المصالح العامة، أم ماذا؟
نقول: كل شيء قيل فيه: لا يصح، فإن ذلك يعني أن وجود العقد وعدمه أيش؟ سواء، وإذا كان وجود الإيقاف وعدمه سواء فإن الوقف يرجع إليه ملكًا، فإذا قال: وَقَّفْتُ بيتي على نفسي، وكتب وثيقة، وشهَّد شهودًا، نقول: الوقف غير صحيح، هذه الورقة مَزِّقْهَا.
[ ١ / ٥٥٠٠ ]
إذن أين مصير البيت؟ ملكه، ما صار شيء إطلاقًا، إلا إذا ذكر له غاية، بأن قال: هذا وقف عَلَيَّ، ومن بعدي على الفقراء، أو: هذا وقف علَيَّ ومن بعدي على المساجد، أو: هذا وقف علَيَّ ومن بعدي على طلبة العلم، فإن الوقف يصح، لكن لا يستحق منه شيئًا، ينصرف في الحال إلى مَن؟ إلى مَن بعده، فإذا قال: هذا وقف عَلَيَّ ثم على الفقراء، نقول: خرج عن ملكك الآن وصار لمن؟ للفقراء، قال: يا جماعة أنا مبدي نفسي على الفقراء، نقول: نفسك ما لها حق في هذا، الوقف يكون لمن؟
طالب: للفقراء.
الشيخ: للفقراء.
هذا وقف على نفسي ثم على طلبة العلم، يكون في الحال لِمَن؟
طلبة: لطلبة العلم.
الشيخ: لطلبة العلم، أما هو فليس له شيء، لو وُفِّقَ هذا الرجل وصار طالب علم؟
طلبة: يستحق.
الشيخ: استحق، بالوصف الثاني ولَّا بالأول؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: بالوصف الثاني؛ أنه طالب علم، لا بالأول أنه وَقَّفَ على نفسه، والمسألة فيها خلاف؛ فالقول الثاني في المسألة أنه يصح الوقف على النفس، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة كثيرة من أهل العلم، وقالوا: إن الفائدة أنه يبقى هذا لا يُبَاع ولا يُوهَب ولا يُورَث، يبقى وقفًا عليه.
فالمسألة فيها قولان، ويأتي إن شاء الله ذكر دليل هذا القول.
طالب: إذا كانت بعض كتب أهل العلم تثير التشويش بين العامة وشُبَه الفُسَّاق والمغرضين بين طلبة العلم؟
الشيخ: هذه عاد يُرْجَع إلى الحاكم في منع انتشار هذه الكتب، مع إن الغالب أن الممنوع متبوع، يمكن لو تُمْنَع صارت بدل ما تكون النسخة بريالين تكون النسخة بعشرين ريالًا، فهذه المسائل ينبغي أن الناس يُوَجَّهُون توجيهًا سليمًا، ويُقال: إنه لا ينبغي تتبع الكتب التي تضر بالإنسان في تشويش فكره، أو تشويش اجتهاده، أو ما أشبه ذلك، لكن لو رأى ولي الأمر منعها فالأمر إليه.
طالب: يا شيخ، قلنا: لو وَقَّفَ على صفة ثم اتصف بها، طيب لو وَقَّف على صفة هو أصلًا مُتَّصِف بها؟
[ ١ / ٥٥٠١ ]
الشيخ: ما يخالف.
الطالب: هل يدخل؟
الشيخ: يدخل، نعم، لو وَقَّفَ على الفقراء وهو من أصل فقير أخذ.
طالب: العين الموقوفة هل يشترط أن يجوز بيعها؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: وهي مختص، ما يجوز؟
الشيخ: إيش لون؟
الطالب: مختص مثل الكلب وما ..
الشيخ: إي، ما يصح، توقيفه على المذهب ما يصح، والصحيح أنه يصح؛ لأن مدار الوقف على الانتفاع، فكل شيء يجوز الانتفاع به فإنه يصح وقفه حتى الكلاب.
طالب: لو قال لرجل: وَقَّفْتُ هذا البيت على طلبة العلم، ثم طلب: وأسكن معهم أنا.
الشيخ: ويش تقولون في هذا؟ قال: وَقَّفْت هذا على طلبة العلم بشرط أن أسكن فيه، يصح الشرط، أو قال: وَقَّفْتُ هذا على الفقراء ولي السكنى فيه مدة حياتي، فله ذلك؛ لأن هذا استحقاق في صفة، إي نعم.
***
الطالب: (وَحَيَوَانٍ وَقَبْرٍ وَحَمْلٍ لا قَبُولُهُ وَلَا إِخْرَاجُهُ عَنْ يَدِهِ).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ما تقول في رجل وَقَّفَ دكاكين على أن تكون غَلَّتها لطبع كتب الجهمية، هل الوقف يصح أو لا يصح؟
طالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، لماذا؟
الطالب: لأن هذه كتب مبتدعة، ولا يجوز أن توقف ..
الشيخ: لأن الوقف على المحرَّم باطل.
ما هو الدليل على أن الوقف على المحرَّم باطل؟
طالب: قوله ﷾: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
الشيخ: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾، وفي السنة؟
طالب: قول النبي ﷺ: أي شرط ..
الشيخ: «كُلُّ شَرْطٍ ..».
الطالب: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ». (٤)
الشيخ: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ»، تمام، هل يجوز الوقف على الكنائس؟
طالب: الوقف على الكنائس؟
الشيخ: نعم.
الطالب: ().
الشيخ: لماذا؟
[ ١ / ٥٥٠٢ ]
طالب: لأن هذه فيها شرك، عبادة لغير الله.
الشيخ: والدليل كما قال الإخوان، ما فيها خلاف؟
طالب: فيه خلاف.
الشيخ: نعم، ما هو؟
الطالب: الخلاف أنه لا يجوز ويجوز.
الشيخ: يجوز أو لا يجوز، الذين قالوا بالجواز مطلقًا ولَّا فيه تفصيل؟
الطالب: الذين قالوا بعدم الجواز؟
الشيخ: بالجواز.
الطالب: بالجواز قالوا بدون تفصيل.
الشيخ: بدون تفصيل، يعني سواء كان الموقِف مسلمًا أو كافرًا.
الطالب: نعم، إذا كان مسلمًا هذا لا يجوز ()، أما بالنسبة للذمي فيجوز له ذلك؛ لأن هذه تعتبر من شرائع دينه بالنسبة له.
الشيخ: هذا القول ذكرنا أنه هو القول الراجح.
رجل قال: هذا البيت وقف عَلَيّ؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، ولَّا لا يصح، كلامنا عن الصحة الآن؟
طالب: ().
الشيخ: لا يصح الوقف، إذن ماذا نصنع؟
الطالب: يبقى المال في يده.
الشيخ: يبقى ملكًا له بدون تفصيل؟
الطالب: لكن إن شرط ..
الشيخ: أقول: بدون تفصيل أو لا؟
طالب: التفصيل إن () أو غيرهم، قال: هذا المال وقف لي ثم لفلان بعدي فإنه ينتقل منه إلى الآخر مباشرة ..
الشيخ: ينتقل إلى الآخر مباشرة، وإن لم يذكر مآلًا، يعني ما ذكر: ثم كذا؟
طالب: يبقى كأن ما أوقفه.
الشيخ: يعني يعود إلى ملكه، ويش تقولون؟ يعني يقول: إن قال: وقفٌ على نفسي، ولم يذكر مآلًا، يعني ما ذكر ما يؤول إليه بعد ذلك فإن الوقف لا يصح، ويكون ملكًا، وإن ذكر مآلًا بأن قال: ثم إلى فلان، فإنه يصح الوقف وينتقل إلى من بعده في الحال، عرفتم ولَّا لا؟
هذا ما ذهب إليه المؤلف؛ أن الوقف على نفسه لا يصح، فإذا قال: هذا بيتي وقف عليَّ، افرض إنه كتب كتابًا بيده: إن بيتي وقفٌ عليّ، ثم مات، فإن البيت يرجع إلى الورثة ملكًا؛ لأن الوقف ما يصح.
[ ١ / ٥٥٠٣ ]
فإن قال: إن بيتي وقف عليَّ ومِن بعدي على الفقراء والمساكين، فالوقف يصح، ولكنه يُصْرَف في الحال إلى الفقراء والمساكين، ويقال له: اطلع من البيت؛ لأنك وقَّفْته على الفقراء والمساكين، فإما أن تخرج ويسكن فيه الفقراء والمساكين، وإما أن تبقى بأجرة في البيت، قال: هذا ممكن، قلنا: نعم، لكنك أخرجته لله، جعلته في الفقراء.
القول الثاني في المسألة: أنه يصح الوقف على النفس، وفائدة هذا أنه إذا أوقفه على نفسه لم يملك التصرف فيه، يعني لا يبيعه، وإذا توفي فإنه لا ينتقل إلى الورثة، بل يُصْرَف مصرف الوقف المنقطع، وهذا القول أصح، هذا القول هو الصحيح؛ أن الوقف على النفس يصح، وله فائدة، والفائدة ما ذكرت لكم، ما هي؟
أنه لا يتصرف فيه؛ لأنه وقف، فلا يبيعه، ولا يهبه، ولا يرهنه، وأنه إذا مات صُرِفَ مصرف الوقف المنقطع، ولم يكن ميراثًا للورثة.
لكن ما تقولون فيما لو قال: هذا وقف على الفقراء ولي السكنى فيه مدة حياتي، أو لي غَلَّته مدة حياتي، يصح ولَّا ما يصح؟
طلبة: يصح.
الشيخ: يصح، حتى على ما مشى عليه المؤلف؛ لأن الوقف هنا على غيره، لكنه استثنى غَلَّته مدة حياته، ولا بأس به.
ما تقولون فيما لو قال: هذا وقف على طلبة العلم، ثم مَنَّ الله عليه وكان طالب علم، هل يستحق أو لا؟
طلبة: يستحق.
الشيخ: نعم يستحق؛ لأنه علَّق الاستحقاق بوصف، فكان من أهل هذا الوصف، وكذلك لو قال: هذا وقف على الفقراء، ثم افتقر فإنه أيش؟
طلبة: له أن يشاركهم.
الشيخ: له أن يشاركهم، نعم.
[ ١ / ٥٥٠٤ ]
قال المؤلف: (وَيُشْتَرَطُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ وَنَحْوِهِ أَنْ يَكُونَ عَلَى مُعَيَّنٍ يَمْلِكُ)، الوقف تارة يكون على جهة، وتارة يكون على عين؛ فإذا كان على جهة فإنه لا يُشْتَرَط أن يكون الموقوف عليه معيَّنًا يملك، فإذا قال: هذا وقف على المساجد، فإنه يصح، وإن لم يقل: على المسجد الفلاني، مع أن المساجد لا تَمْلِك، لكن نقول: لأن هذا وقف على أيش؟ على جهة، كما لو وَقَّفَ على الفقراء فإنه لا يُشْتَرَط تعيين الموقوف عليه؛ لأنه على جهة.
وقوله: (عَلَى مُعَيَّنٍ يَمْلِكُ) احترازًا مما إذا كان على غير معيَّن، فلو قال: هذا وقفٌ على أحد هذين، فإنه لا يصح الوقف، لماذا؟ لأنه على غير معيَّن، أيهما؟ عَيِّن بوصف أو بشخص، وإلا فلا يصح.
لو وَقَّفَ على مَن لا يملك، مثل: مَلَك، قال: هذا وقف على جبريل، جبريل أحد الملائكة، ما هو على آدمي اسمه جبريل، على جبريل أحد الملائكة، فإن الوقف لا يصح، لماذا؟ لأن جبريل لا يَمْلِك.
أو على حيوان، قال: هذا وقف على حمار فلان، يصح ولَّا ما يصح؟
طلبة: ما يصح.
الشيخ: لا يصح؛ لأن الحمار لا يَمْلِك، لماذا لا نقول: إنه يصح على الحيوان ويُصْرَف في مصالحه؟ يقول: لأن هذا معيَّن وهو لا يَمْلِك فلا يصح، لكن لو قال: هذا وقف على الخيل التي تقاتل في سبيل الله؟
طلبة: يصح.
الشيخ: يصح، لماذا؟
طالب: لأنه غير معين.
الشيخ: لأنه غير معيَّن، جهة.
ولكن الصحيح فيما إذا وَقَّفَ على حيوان أنه يصح ويُصْرَف في مصالح هذا الحيوان؛ في علفه، فيما يحتاج إليه مما يدفئه أو يُظِلُّه عن الشمس في الحر، وما أشبه هذا؛ لأن الواقف إذا وقف على حيوان فإما أن يقصد منفعة مالكه، وإما أن يقصد منفعة الحيوان نفسه، وكل هذا غرض مقصود صحيح.
[ ١ / ٥٥٠٥ ]
(ولا على حَمْل)، لا يصح الوقف على حَمْل؛ لأنه لا يَمْلِك، فلو قال: هذا وقف على ما في بطن فلانة، فإنه لا يصح، لماذا؟ يقول: لأنه لا يملك، فإن الحمل لا يَمْلِك إلا إذا سقط حَيًّا حياةً مستقرة.
أرأيتم الإرث، لو مات شخص عن حمل يرثه، فإن الحمل لا يَمْلِك الميراث، مع أن الإرث ملك قهري لا يملكه إلا إذا سقط حَيًّا حياة مستقرة.
قالوا: فإذا كان لا يملك الميراث مع قوة نفوذه فغيره من باب أولى، ولكن لا بد من قيد، وهو أنه لا يصح على الحمل أصالةً، أما تبعًا فلا بأس، ولهذا يصح أن يقول: هذا وقف على أولادي وإن كان فيهم حمل، فإن الحمل هنا يستحق، لماذا؟ لأنه كان تَبَعًا، فالحمل الذي لا يصح الوقف عليه إذا كان أصالةً.
ولو ذهب ذاهب إلى صحة الوقف على الحمل أصالةً لم يكن بعيدًا، ونقول: إن خرج هذا الحمل حَيًّا حياة مستقرة استحق الوقف، وإلا بطل الوقف، ما لم يذكر له مآلًا.
مثال ذلك: رجل قال: هذا وَقْف على ما في بطن زوجة ابني، هو له أبناء، وابنه زوج المرأة الحامل قد توفي، فقال: هذا وقف على ما في بطن زوجة ابني، فما المانع من الصحة؟
الواقع أنه ليس هناك مانع، فيُقال: إذا وضعت طفلًا حيًّا حياة مستقرة صار الوقف له، وإن لم تضع إلا ميتًا بطل الوقف، إلا أن يذكر له مآلًا، فإن ذكر له مآلًا، يعني قال: هذا وقف على ما في بطن زوجة ابني، ثم على المساكين، فخرج الحمل ميتًا، فإن الوقف ينتقل إلى مَن؟
طلبة: إلى المساكين.
الشيخ: إلى المساكين، أقول: لو قال أحدهم بهذا لكان قولًا وجيهًا؛ لأنك لا ترى مانعًا من أنه يوقَف عليه ويكون مشروطًا بخروجه حَيًّا.
[ ١ / ٥٥٠٦ ]
قال المؤلف: (لا قبوله)، يعني: لا يُشْتَرَط قبوله، قبول أيش؟ قبول الوقف إذا وُقِّفَ على معين؛ لأن الوقف إما أن يكون على معين أو على جهة؛ فإن كان على جهة مثل على الفقراء، وعلى المساكين، وعلى طلبة العلم، فمن المعلوم أن قبوله ليس بشرط، لماذا ليس بشرط؟ لأنه على جهة، ولا يمكن أن نحيط بهذه الجهة، لا يمكن أن نحيط بجميع الفقراء ونقول: هل قبلت الوقف أو ..
(كتابُ الوَقْفِ)
وهو تَحبيسُ الأصلِ وتَسبيلُ الْمَنفعةِ، ويَصِحُّ بالقولِ وبالفعلِ الدالِّ عليه كمَن جَعَلَ أَرْضَه مَسْجِدًا وأَذِنَ للناسِ في الصلاةِ فيه، أو مَقبرةً وأَذِنَ في الدفْنِ فيها، وصَرِيحُه: وَقَفْتُ، وحَبَسْتُ، وسَبَلْتُ. وكِنايتُه: تَصَدَّقْتُ وحَرَّمْتُ وأَبَّدْتُ. فتُشْتَرَطُ النِّيَّةُ معَ الكِنايةِ أو اقترانِ أحَدِ الألفاظِ الْخَمسةِ أو حُكْمِ الوَقْفِ، ويُشْتَرَطُ فيه الْمَنفعةُ دائمًا من عينٍ يُنتفَعُ به معَ بَقاءِ عَينِه
هلك الأَبَوَان، كل واحد منهما عن ابن، وهذا اللقيط؟
الطالب: سيرث الابن، سيرث النصف من كل واحد.
الشيخ: يرث النصف مع أخيه من كل واحد منهما.
نحن ذكرنا في آخر الكلام أن الفقهاء قالوا بهذا، وأن في النفس شيئًا من هذا القول أن يُخْلَق حَمْلٌ من رَجُلَيْن.
ولكني رأيت ابن القيم ﵀ قال: إنه صح عن عمر ﵁ أنه ألْحَقَهُ بأَبَوَيْه (١)، وكذلك رُوِيَ عن علي بن أبي طالب (٢)، وأخذ به الإمام أحمد.
وقال ابن القيم: إن هذا ليس ببعيد أن يخلقه الله ﷿ من ماءين، كما أن الله تعالى يخلقه من أبيه وأمه فلا مانع من أن يخلقه من أبوين.
قال: وهذا الذي صح عن عمر أَقَرَّه الصحابة عليه، ولم ينكر أحد منهم ذلك، وأخذ به إمام أهل السنة.
وعلى هذا فنحن نتبع هذا القول بناءً على الآثار الواردة عن الصحابة، وإن كان الشافعي ﵀ يرى أنه لا يمكن أن يُلْحَق بأَبَوَيْن.
[ ١ / ٥٥٠٧ ]
وكذلك بعض الأطباء في العصر الحاضر قالوا: هذا لا يمكن، ولكن إذا جاءت الآثار عن الصحابة لا سيما أن الذي رُوِيَ عن عمر قضيتان: قضية أن الولد كان يشبههما جميعًا، فإذا كان الولد يشبههما جميعًا فلا شك أنه مخلوق من مائهما، حتى وإن أنكر الطب هذا فلا عبرة به؛ لأن هذا الشبه لا بد أن يكون بأثر كل من الأبوين، أما إذا لم يكن شبه فإن الأثر الثاني عن عمر أيضًا يدل على أنه يُلْحَق بهما، ما دامت القافة ألحقته بهما؛ لأن القافة عندها دقة وحذق في هذا الأمر، تدرك من الشبه ما لا يدركه غيرهم.
فالأن الشبه قد يكون ظاهرًا بيِّنًا لكل أحد، كل مَن رأى هذا اللقيط قال: فيه شبه من فلان ومن فلان، فهذا لا شك أنه يُلْحَق بهما وإن كذَّب الطب هذا؛ لأن الوارد عن الصحابة مع وجود الآية الكونية التي تشهد لصحة هذا يلغي قول الأطباء.
أما إذا كان لا يشبههما ولكن، وهو النوع الثاني من الشبه؛ الشبه الخفي الذي لا يدركه إلا أهل الخبرة، وهم القافة، فهذا محل نظر.
لكن أرى أن الأفضل اتباع ما جاء عن السلف، فما دام صحَّ عن عمر أنه أَلْحَق الولد بأبويه بقول القافة فليكن معتبرًا.
وقد أيَّد ذلك ابن القيم ﵀ أنه يُلْحَق بأبويه، أَيَّدَه في كتابه زاد المعاد.
[مدخل]
ثم قال المؤلف ﵀: (باب الوقف)
الوقف مصدر وَقَفَ يَقِفُ وَقْفًا، ويقال: وَقَفَ أي: تَوَقَّف عن المشي، ومصدره: وُقُوف، وَقَفَ اللازم الذي بمعنى توقَّف عن المشي مصدره وقوف، كقَعَدَ قُعُودًا، قال ابن مالك:
وَفَعَلَ اللَّازِمُ مِثْلُ قَعَدَ
لَهُ فُعُولٌ بِاطِّرَادٍ كغَدَا
[ ١ / ٥٥٠٨ ]
فَوَقَفَ من الوقوف الذي ضد المشي مصدره وقوف، ووَقَفَ المتعدي الذي بمعنى أَوْقَفَ الشيء مصدره: وَقْفًا، مثل: مَنَعَ يَمْنَع مَنْعًا، وقوف الآن، مصدر وَقَفَ اللازم، وجمْع وَقْف من المتعدي، إذا صار إنسان وقف -مثلًا- عشر دُور، يقال: هذه وُقُوف فلان، جمع وَقْف، لكن إذا قلت: وقف، يعني عن المشي تكون بمصدر وقوف.
على كل حال الوقف مصدر وَقَفَ، اللازم أو المتعدي؟
الطلبة: المتعدي.
الشيخ: باب الوَقْف، مصدر وَقَفَ اللازم ولّا المتعدي؟
الطلبة: المتعدي.
الشيخ: المتعدي، إي نعم، وَقَفَهُ أي: أَوْقَفَه، هو مأخوذ من الإيقاف، أوقف الشيء يعني: مَنَعَهُ من التحرك، لكن في الإصطلاح قال: (هو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة)، هذا الوقف، (تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة)، الأصل يعني العين، المنفعة منفعة العين، تحبيسها عن أي شيء؟
تحبيسها عن التصرف، يعني: يُحَبِّسُها لا يُتَصَرَّف فيها، لا ببيع، ولا هبة، ولا ميراث، ولا غير ذلك، يُحَبِّسُها.
تسبيل المنفعة يعني إطلاقها، يطلق المنفعة، يجعل المنتفع حرًّا طليقًا يفعل ما يشاء، ولنضرب لهذا مثلًا:
قال رجل: بيتي هذا وَقْفٌ، البيت نسميه الأصل، هو الأصل، سُكْنَى البيت منفعة، سُكْنَى البيت يجوز أن يسكنها من وُقِّف عليه البيت بنفسه، ويجوز أن يمنحها لشخص، ويجوز أن يُؤَجِّرها، وتأجير المنفعة كبيعها، فالآن المنفعة مطلقة ولّا لا؟ مطلَقة، مُسَبَّلَة، والأصل محبوس.
فإذا قلت: وقَّفْتُ داري على فلان، صارت الدار أصلها محبوس، لا يمكن لفلان أن يبيعها، ولا يمكن أن يرهنها، ولا يمكن أن يهبها، ولا تورث بعده، لكن منفعتها له، مُسَبَّلَة مطلقة، إن شاء سكن، وإن شاء أجرها، وإن شاء رهن المنفعة، وإن شاء تركها لا ينتفع بها لا بسكنى ولا بتأجير ولا بغيره؛ لأنه حر فيها، واضح؟
طالب: نعم.
الشيخ: وهنا نسأل: هل الوقف مما حدث في الإسلام، أو كان معروفًا في الجاهلية؟
[ ١ / ٥٥٠٩ ]
الجواب: الأول، الوقف من الأمور الحادثة في الإسلام التي لا تُعْرَف في الجاهلية، ولهذا يقال: إن أول وقف كان في الإسلام وقف عمر بن الخطاب ﵁، وذلك بعد فتح خيبر (٣)، فإن عمر ﵁ أصاب أرضًا في خيبر؛ لأن خيبر نصفان بعضها قُسِّم، أصاب أرضًا في خيبر، وكانت من أَنْفَس أمواله عنده وأَحَبّ أمواله إليه.
والصحابة ﵃ ليسوا مثلنا، كلما كان المال أنفس تمسَّكْنَا به أكثر، الصحابة كلما كان المال أنفس بذلوه لله، فكان ابن عمر ﵄ إذا أعجبه شيء من ماله تصدق به، يتأول قول الله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، وأبو طلحة ﵁ لما أنزل الله هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ جاء إلى رسول الله ﷺ، وقال: يا رسول الله، إن الله أنزل: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وإن أحب مالي إليّ بَيْرُحاء، بَيْرُحَاء اسم نخل () مسجد الرسول ﷺ في المدينة، وكان فيها ماء عزب طيب يأتي إليه النبي ﷺ فيشرب منه، وهذا الماء الذي يأتي إليه الرسول ويشرب منه لا بد أن يكون أغلى شيء عند الصحابة؛ لأنه أين الرجل الذي يأتي الرسول إلى بستانه ويشرب منه، مَن يُحَصِّل هذا، فكان أغلى شيء عنده هذا الماء، وإني يا رسول الله أتركها، ضعها حيث شئت، فقال الرسول ﵊: «بَخٍ بَخٍ، ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ». صحيح هذا ذكي، ثم قال: «أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ» (٤)، شوف فضل صلة القرابة؟ ما قال: في الفقراء والمساكين، قال: «أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ»، فجعلها في قرابته وبني عمه.
[ ١ / ٥٥١٠ ]
الشاهد من هذا أن عمر ﵁ لما أصاب هذه الأرض من خيبر وكانت أحب إليه وأنفس ماله عنده جاء يستشير النبي ﷺ، يستشيره لسببين: الأول سداد رأي الرسول ﵊ فإنه أرجح الناس عقلًا وأسدّهم رأيًا، والثاني: التشريع؛ لأنه ﵊ مُشَرِّع، فاستشارته تتضمن الأمريين: الاستنارة برأيه، والثاني: الاهتداء بشرعه.
فقال له الرسول ﵊: «حَبِّسْ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْ بِثَمَرَتِهَا» (٥)، يعني: امنع أصلها لا يُبَاع، واجعل ثمرتها صدقة، ففعل عمر، وتصدق بها للفقراء والمساكين وابن السبيل، وفي غيرهم، تصدَّق بها في مصالح الخير، فكان هذا أول وقف في الإسلام.
السؤال الثاني: هل الوقف سُنَّة، أو جائز، أو واجب، أو مُحَرَّم؟
نقول: الأصل فيه الجواز، لكن إذا وُقِّف لسبب للخير صار مستحبًا، ولا يجب إلا إذا نَذَرَهُ الإنسان، إذا نذر أن يوقف هذا الشيء لطلبة العلم -مثلًا-، هذا البيت لطلبة العلم، قال: لله عليّ نذر أن أُوقِف هذا البيت لطلبة العلم، وجب عليه؛ لأن ذلك من الطاعة، وقد قال النبي ﵊: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ» (٦).
فالأصل فيه الحل، ويكون مستحبًا إذا كان في طرق الخير، ويكون واجبًا بماذا؟ بالنذر، ويكون حرامًا إذا اشتمل على محرَّم في مآله أو في توزيعه، فمثلًا إذا وَقَّفَ على بعض ولده دون بعض صار حرامًا؛ لقول النبي ﵊: «اتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» (٧).
إذا وقَّفَه على شيء مُحَرَّم، قال: هذا وقف على أهل القبور، فيه ناس –مثلًا- يطلعون كل ليلة إثنين أو أحد للبر يضربون الطبول ويصخبون بالأغاني، قال: هذا وقف على أهل الطبول والأغاني، يكون حلالًا ولّا حرامًا؟
الطلبة: حرامًا.
[ ١ / ٥٥١١ ]
الشيخ: حرامًا، وإذا كان الشيء حرامًا فهو غير نافذ شرعًا، يجب ابطاله شرعًا؛ لقول النبي ﵊: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٨).
إذن الوقف قد يكون حرامًا، والمؤلف ﵀ لم يغيِّر حكمه، لعل ذلك استنادًا إلى ما هو معروف، وهو أن الأصل في المعاملات الحِل ّ، إلا ما قام الدليل على تحريمه.
أخذنا الآن ثلاثة أمور، بل أربع: تعريف الوقف لغةً، وتعريفه اصطلاحًا، وهل هو مما جاء به الإسلام، أو مما كان معروفًا في الجاهلية، والثالث ما هو؟ ما هو أول وقف في الإسلام، والرابع الحكم.
الحكم التكليفي عرفناه، أما الحكم الوضعي قال: ويصح بالقول وبالفعل الدال عليه، بَيَّنَ المؤلف في هذا الكلام صيغة الوقف، أنه يكون (بالقول وبالفعل الدال عليه)، يعني أنه ينعقد؛ إما بالقول، بأن يقول: وقَّفْت داري، وقَّفْت سيارتي، وما أشبه ذلك.
أو بالفعل الدال عليه، الفعل لا بد أن يكون هناك قرينة تدل على أنه أراد الوقف.
مثاله: قال: (كمن جعل أرضه مسجدًا وأَذِنَ للناس في الصلاة فيه). رجل حَوَّش أرضًا، وجعل بعضها مُسَقَّفًا وبعضها مفتوحًا، ووضع فيها منارة، وأَذِنَ للناس أن يصلوا، نقول: الآن صارت هذه الأرض وقفًا، هو ما قال: وقَّفْت الأرض، ما قال هذا أبدًا.
ولكن نقول: حصل الوقف بالفعل الدالّ عليه، فإن تَسْوِير الأرض ووضع المنارة، وتسقيف بعضها وفتحها للناس يصلون بها قرينة ظاهرة قوية جدًّا على أنه أراد أن تكون مسجدًا، فتكون هذه الأرض مسجدًا، ولا يمكنه أن يتصرف فيها بعد ذلك لا ببيع ولا غيره؛ لأنها خرجت عن ملكه.
كذلك إذا جعلها مقبرة وأذن للناس بالدفن فيها، سَوَّى الأرض وفتحها، وقال للناس: مَن أراد أن يدخل في الأرض فليدخل، ولما دُفِن قَبْرٌ أو قبران رجع، قال: هَوَّنْت، الأراضي زادت قيمتها، وهي في محل استراتيجي.
[ ١ / ٥٥١٢ ]
يا رجل، أنت أَذِنْت للناس في الدفن فيها ودُفِن فيها مَن دُفِن، قال: أما مَن دُفِن فلا ننبشه، وأما ما بقي من الأرض فهي لي، ماذا نقول له؟
طلبة: ليس لك ذلك.
الشيخ: نقول: ليست لك؛ لأنك سَوَّرْتَها بسور واحد، وأَذِنْت للناس في الدفن فيها، ومن المعلوم أن الناس لن يدفنوا فيها جميعًا في يوم واحد، فإذن الأرض خرجت عن ملكك، وهي وَقْف، ولا يمكن أن ترجع.
إذا قال: هل أنا وقّفتُها؟ هاتوا دليلًا إني وقّفتُها، شو ماذا نقول له؟
نقول: أنت لم تُوَقِّفْهَا باللفظ، ولكن بالفعل الدال عليه.
إذن الوقف له صيغتان ينعقد بهما: صيغة قولية، وصيغة فعلية.
لكن الصيغة الفعلية لا بد فيها من قرينة ظاهرة تدل على أنه أوقفها.
لو أن رجلًا عنده أرض، وهي بين شارعين، فجعل الناس بدلًا من أن يذهبوا مع الشوارع يستطرقون هذه الأرض، وهو ساكت، فهل نقول: إن هذا الطريق صار وَقْفًا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: ليش؟
الطالب: ليس فيه قرينة دالة.
الشيخ: لأن هذا لا يدل على الوقف، كثير من الناس إذا لم يكن محتاجًا للأرض يسمح للناس أن يتجاوزوا منها، أليس كذلك؟
الطالب: بلى.
الشيخ: ولكن إذا احتاجها حرثها وسدَّ الطريق.
إذن لا بد في الفعل من قرينة ظاهرة تدل على الوقف، وإنما قلنا ذلك؛ لأن الأصل بقاء ملك الإنسان فيما يملك، هذا هو الأصل، ولا نخرجه عن هذا الأصل إلا بقرينة ظاهرة.
الآن للوقف صيغتان؛ الصيغة الأولى: قولية، والثانية: فعلية، الصيغة القولية تنقسم إلى قسمين: صريح وكناية.
قال المؤلف: (وصريحٌ: وقَّفت وحبَّست وسبَّلت) صريح الوقف، (وقَّفت وحبَّست وسبَّلت).
فإذا قال: وقَّفْتُ بيتي على كذا، فهذه صيغة صريحة ما تحتاج إلى ()، بمجرد أن يقول: وَقَّفْتُ، صار وقفًا.
إذا قال: حبَّسْت بيتي، هذا لقب صريح يكون البيت وقفًا بمجرد قوله: حبّست.
سَبَّلْت؟
طلبة: كذلك.
الشيخ: كذلك صريحة، يكون البيت وقفًا بمجرد هذا الأمر، ولا يحتاج إلى نية.
[ ١ / ٥٥١٣ ]
هل يحتاج إلى أن أُكَرِّر فأقول: حبَّست وسبَّلت ووقَّفت؟ لا.
طلبة: لا، يكفي واحدة.
الشيخ: يكفي واحدة، ونجد في بعض الكتابات بعض الكتاب إذا أراد يكتب وثيقة الوقف يقول: وَقَّفْت وحَبَّسْت وسَبَّلْت وأَبَّدْت وحَرَّمْت وتصدقت، يجيب كل الألفاظ.
هذا غلط، هو مجتهد لكنه مخطئ، وذلك لأن العقود لا يحتاج إلى تكرار صيغها.
وإلا لو قلنا: إذا قال الرجل لشخص يتزوج: زَوَّجْتك بنتي، قال: قبلت، أنكحتك بنتي، قَبِلت، ملَّكْتك بنتي، قبلت، جوزتك بنتي، قَبِلت، يكرر هذا ولَّا لا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: ما نكرر؛ لأنه ينعقد العقد بأول صيغة، فيكون ما بعده من باب التنطع والتكلُّف، وقد قال النبي ﷺ: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» (٩).
فلهذا ربما يُعْرَض عليكم مثال في وقت مكتوب فيها: فلان وَقَّفَ حَبَّسَ سَبَّل وحَرَّم وأَبَّد، أنا قرأت كل هذا قبلًا، لكن بعض الكتاب يجتهدون وليس كل مجتهد مصيبًا، فيفتونك.
نقول: بدل من هذا، بسم الله الرحمن الرحيم وقَّف فلان بيته على فلان، نصف سطر يكفي، وتقبَّل الله منه، يعني يصلح أن يقول: حضر عندي فلان بن فلان. وتعيَّن الرجل، فوقَّف بيته الفلاني على الجهة الفلانية، تقبَّل الله منه، وتذهب إلى المحكمة وتصدق عليها.
وأما الكلام الطويل العريض الذي ليس منه فائدة فهو من باب التنطع، ولا ينبغي أن يُكْتَب.
الطالب: شيخ، إذا أراد النهوض بمسجد، بناءه؟
الشيخ: يهدمه ويبنيه من جديد.
الطالب: نعم، () مسجد قريب من الملك استعاره حتى ينتهوا من ()؟
الشيخ: الثاني يعني؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ويش لون هذا السؤال؟ يقول: لو أعار أرضه أهل المسجد ليصلوا فيها ما دام مسجدهم يُبْنَى، فهل تكون هذه الأرض وقفًا؟ ما تكون وقفًا، معروف أنه إعارة.
الطالب: لو بعد أن أوقف، وكُتِبَت الوثيقة قال: بطّلت، قبل أن تُصَدَّق من المحكمة، فهل له ذلك؟
[ ١ / ٥٥١٤ ]
الشيخ: ويش تقولون؟ رجل قال: وَقَّفْت بيتي، وقبل أن تُصَدَّق من المحكمة رجع، نقول: لا يملك، حتى ولا في نصف العقد؛ لأنه في مجلس، قال: وَقَّفْت بيتي الفلاني، قالوا: الإيجار () يا ابن الحلال لا تُوَقّف البيت هذا، وَقِّف البيت الثاني، نزل وقال: هذا بيت عائلتي، قال: هَوَّنْت، اشهدوا إني جعلت الوقف البيت الثاني، هل يصح الرجوع ولّا لا؟ ما يصح الرجوع، وباقي نفس المكان لا يصح الرجوع، إي نعم.
الطالب: يا شيخ، من قال: وقفت الدار إلى شيخ الدِّيرة، وبعد –مثلًا- مات هذا الشيخ لشيخ آخر، -مثلًا- مات الآخر، () أهل الديرة، بعد هذا ما أبغى شيخًا، هذه الدار تنزع من ملكه ولَّا للديرة؟
الشيخ: شوف إذا كان ما لهم الشيخ لازم يملكهم شيخ، كيف ما يملكهم شيخ؟
الطالب: مات.
الشيخ: ما يخالف، مات الشيخ الأول ومات الثاني ومات الثالث، وبعدما مات الثلاثة قالوا: ما نريد شيخًا، () لا بد.
الطالب: هم يقولون () شيخ ديرتنا نحن محبوسون، خلي () إذا كان فيه مشاكل ..
الشيخ: الله يهديك، خلي ويش هذا الربع ويش صار ()، على كل حال المسألة غير هذا، يعني –مثلًا- لو وَقَّفَ على جهة وانقطعت، مثل قال: هذا وقف على زيد، ولم يذكر بعده شيئًا، ومات زيد، هل يعود الملك للواقف، ولّا يعود لورثته، أو للمساكين؟ فيها خلاف، ستُذْكَر إن شاء الله تعالى.
يعني معناه يسمُّون هذا إذا انقطعت الجهة، على كل حال البيت هذا لا يمكن أن يعود ملكًا؛ لأنه أخرجه لله فلا يمكن يعود ملكًا، لكن هل يعود إلى صاحبه، أو إلى ورثته، أم ماذا؟ في هذا خلاف.
والقول بأنه يعود ملكًا قول ضعيف؛ لأن الرجل أخرجه من ملكه.
***
طالب: فتُشْتَرَط النية مع الكناية، أو اقتران أحد الألفاظ الخمسة، أو حكم الوقف، ويُشْتَرَط فيه المنفعة دائمًا من معيَّن يُنْتَفَع به مع بقاء عينه، كعقار وحيوان ونحوهما.
[ ١ / ٥٥١٥ ]
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
سبق لنا أن الوقف شرعًا: تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، مثل أن يقول: هذا البيت وَقْف على طلبة العلم، فيبقى أصل البيت مُحَبَّسًا، ممنوعًا من التصرف فيه ببيع أو هبة أو رهن أو غير ذلك، والمنفعة مُسَبَّلَة، يعني أنها ملك للموقوف عليه.
إذا حَبَّسَ نخلًا فالنخل يبقى والثمرة سبيل ملك للموقوف عليه يبيعها ويعمل فيها ما شاء.
وسبق لنا أن الوقف مما جاء به الشرع الإسلامي، وليس معروفًا في الجاهلية، وأن أول وَقْف حصل في الإسلام وقف عمر بن الخطاب ﵁، وسبق لنا أنه –أي: الوقف- سُنَّة، إذا كان على بِرٍّ، إذا كان على بِرٍّ فهو سنة.
وسبق لنا أنه ينعقد بصيغتين: قولية وفعلية، وأن الفعلية مثل أن يجعل داره مسجدًا ويأذن للناس إذنًا عامًّا بالصلاة فيه.
وقلنا: مثل أن يُسَوِّر أرضًا ويجعل فيها منارة، ويُسَقِّف بعضها ويقول للناس: صلوا في هذا، فتكون هذا الأرض وقفًا.
وكذلك لو سَوَّرها وجعلها مقبرة، أَذِنَ للناس في الدفن فيها، صار هذا وقفًا وإن لم يقل: إنها وقف؛ لأن هذا فعل دالّ على الوقف.
أما الصيغة القولية فلها صريح وكناية؛ فالصريح: ما لا يحتمل إلا الوقف، والكناية: ما يحتمل الوقف وغيره، هذا الضابط.
وهل الصرائح والكنايات أمرٌ جاء به الشرع بحيث يستوي فيه جميع الناس، كالصلاة والزكاة والصيام والحج، أو أمرٌ يُرْجَع فيه إلى العُرْف؟
الصحيح أن جميع صِيَغ العقود القولية أمرٌ يُرْجَع فيه إلى العُرْف، فقد يكون هذا اللفظ صريحًا عند قوم، وكناية عند آخرين، ولا يدل على المعنى إطلاقًا عند ثالث، قد يكون كلمة واحدة هي عند قوم صريحة، وعند آخرين كناية، وعند قومٍ ثالثين لا تدل أصلًا على المعنى.
فالصحيح أن جميع ألفاظ العقود ترجع إلى أيش؟ إلى عُرْف الناس.
[ ١ / ٥٥١٦ ]
فما اطَّرَد عند الناس أنه دالّ على هذا المعنى فهو صريح، وما لم يطَّرِد ولكنه يراد به أحيانًا فهو كناية، وما لا يدل على المعنى أصلًا فليس بشيء، ولا يثبت له حكم ذلك الشيء، وعلى هذا فنقول: القاعدة: الصريح من كل شيء ما لا يحتمل غيرَه، عُرفًا ولّا لغة ولّا شرعًا؟
الطلبة: عرفًا.
الشيخ: عُرْفًا؛ لأن هذا كله جاء من الناس وإليهم، فالعقود من الناس وبين الناس وإليهم، فما دَلّ عليه لفظ العقد عند الناس حُكِمَ به.
صريحه: (وَقَّفْت وحَبَّسْت وسَبَّلْت).
وَقَّفْت وحَبَّسْت تعود إلى الأصل، وسَبَّلْت تعود إلى المنفعة، فإذا قال الإنسان: وَقَّفْت هذا البيت على الفقراء، فما الذي وَقَّفَه؟ أصل البيت.
وإذا قال: حَبَّسْت هذا البيت، أو حَبَسْتُ هذا البيت على الفقراء، فالذي حَبَّسَه أو حَبَسَه أصل البيت.
وإذا قال: سَبَّلْت هذا البيت للفقراء، أي: منفعته، وتسبيله المنفعة أو تخصيصه المنفعة بالتسبيل يدل على أن الأصل عنده مُحَبَّس، فإذا كتب كاتب: وَقَّفْت بيتي على الفقراء، أو قاله بلفظه: وَقَّفْت بيتي على الفقراء، صار وقفًا، وإذا قال: حَبَسْت، صار وقفًا، وإذا قال: سَبَّلْت، صار وقفًا.
قال النبي ﷺ لعمر بن الخطاب: «إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِثَمَرِهَا» (١٠).
وقال ﵊: «أَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا؛ فَقَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ» (١١).
فدَلّ هذا على أن الحبس أو التحبيس وقف.
التسبيل يدل على الوقف باعتبار اللازم، فإن من لازم تسبيل المنفعة ألَّا يُسَبَّل الأصل، ويكون الأصل حبيسًا، هل يُشْتَرَط اجتماع هذه الكلمات؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، لا يُشْتَرَط، إذا قال كلمة واحدة منها صار وقفًا.
[ ١ / ٥٥١٧ ]
يقول: (وكنايته)، أي: كناية الصيغة القولية: تَصَدَّقْت وحَرَّمْت وأَبَّدْت، هذه كناية؛ لأنها تحتمل الوقف وغير الوقف، وهي في غير الوقف أظهر؛ لأن قولك: (تصدَّقت) تعني أنك ملَّكت الفقير مالًا؛ لأن الصدقة تمليك المال تقربًا إلى الله، فإذا قلت: تصدقت على فلان بعشرة دراهم، يعني سَبَّلْتها عليه؟ لا، ملَّكْتها إياه، وإذا ملكها يفعل ما شاء.
فالأصل أن الأرض موضوعة لأيش؟ للتمليك لا للحبس.
(حرّمت): حرَّمت مالي، حَرَّمت بيتي، الأصل في التحريم المنع، فمعنى (حرمت بيتي) يعني أنني حَرَّمْته على نفسي فلا أنتفع به، لكن إذا أراد بها الوقف صارت وقفًا.
(أبّدت) أي: جعلته مُؤَبَّدًا، وظاهر اللفظ –أي: جعلته مؤبدًا- أني سأُبْقِي ملكه، ولا أزيله عن ملكي أبدًا، فهذه الكلمات الثلاث نجد أنها عند الإطلاق أنها لا تدل على الوقف، لكن يحتملها الوقف بالنية، فإذا نوى تصدَّقت بداري على زيد، أي: جعلتها وقفًا عليه، صارت وقفًا، حَرَّمْت داري عليَّ لتكون على زيد، صارت وقفًا، أَبَّدْت داري على زيد، صارت وقفًا.
هنا يقول: (كنايته: تصدَّقت وحرَّمت وأَبَّدت)، لكن لا ينعقد بالكناية إلا بواحد من أمور ثلاثة، ولهذا قال المؤلف: (فتُشْتَرَط النية مع الكناية أو اقتران أحد الألفاظ الخمسة)، هذه اثنان، (أو حكم الوقف)، يعني: لابد في الكناية من انضمام أحد الثلاثة إليها، وهي: (النية)، فإذا نوى بقوله: تصدقت بداري على فلان، نوى الوقف صار وقفًا، وهل يملكه فلان أو لا؟ يعني يملكه ملكًا تامًّا يتصرف فيه كما شاء؟ لا، بل يكون عنده لا يباع ولا يُوهَب ولا يُورَث، بل له منفعته فقط.
(حرَّمت) نفس الشيء، إذا قال: أنا نويت بحرّمت، يعني حرَّمت البيت على نفسي وجعلته للموقوف عليه، هذه نيتي، يكون وقفًا؟ يكون وقفًا.
إذا قال: أَبَّدْتُ داري على فلان، وقال: أنا نويت الوقف، صار وقفًا.
[ ١ / ٥٥١٨ ]
ودليل هذا قول النبي ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (١٢). فهذا نوى فله ما نوى.
فإن قال قائل: لو قلت: اشترِ لي ثوبًا، فذهب فاشترى ثوبًا، وقال: أنا نويت أن تشتري لي خبزًا، يصح؟
الطلبة: ما يصح.
الشيخ: ليش؟
الطلبة: اللفظ لا يحتمل.
الشيخ: لأن اللفظ لا يحتمل، ولو قال: لله عَلَيَّ نذرٌ أن أتصدق بثوب، فذهب وتصدَّق بخبز، هل وَفَى بنذره؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، لماذا؟ لأن اللفظ لا يحتمل.
فإذا قال قائل: أنتم تقولون: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، لماذا لا تجعلون هذا حسب ما نوى؟
نقول: لأن اللفظ لا يحتمله، والحديث «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» في عمل يحتمل هذه النية.
(تَصَدَّقت) هل تحتمل الوقف؟
طالب: نعم.
الشيخ: تحتمل؛ لأن الوقف صدقة على الموقوف عليهم.
(حَرَّمت) تحتمل الوقف؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأن الوقف فيه تحريم الموقوف على الواقف ما يتصرف فيه.
(أَبَّدْت) كذلك؛ لأن الوقف مؤبَّد لا يُبَاع ولا يُوهَب، يبقى على ما هو عليه.
الثاني قال: (أو اقتران أحد الألفاظ الخمسة)، كيف قال: الخمسة، وهي ستة، هي خمسة ولّا ستة؟
الطلبة: خمسة.
الشيخ: لا، ستة: وَقَّفْت، حَبَّسْت، سَبَّلْت، تَصَدَّقت، حرَّمت، أَبَّدْت.
طالب: غير الذي اقترنه.
الشيخ: ها، غير الذي اقترنه، لأنه قال: (اقتران أحد الألفاظ الخمسة)، يكون عندنا لفظ أول اقترن به واحد من الألفاظ الخمسة.
فمثلًا إذا قال: تصدَّقت بهذا البيت صدقة موقوفة، صار وقفًا؛ لأنه اقترن بأحد الألفاظ الخمسة.
إذا قال: تصدَّقت به صدقة مُحَبَّسة صار وقفًا، صدقة مُسَبَّلة صار وقفًا، صدقة محرَّمة صار وقفًا، صدقة مؤبَّدة صار وقفًا.
فإذا قرن بواحد من ألفاظ الكناية أحد الألفاظ الخمسة، والباقي عندنا إذا أخذنا واحدًا من الكناية كم يبقى عندنا من الكناية؟ اثنين، يبقى اثنان وثلاثة صريح.
[ ١ / ٥٥١٩ ]
(أو حُكْم الوقف)، لو قال المؤلف: أو بما يدل على الوقف، لكان أولى وأعم.
حكم الوقف مثل أن يقول: تصدَّقت بهذا البيت على فلان صدقة لا تباع.
إذا قال: صدقة لا تباع، فما الذي لا يباع؟ الوقف، إذن عرفنا أنه أراد بالصدقة الوقف؛ لأنه قال: لا تباع، تصدَّقت بهذا البيت على فلان صدقة لا تُرْهَن، هذا وقف أيضًا؛ لأن الوقف لا يُرْهَن.
نحن قلنا: لو قال: أو بما يدل على الوقف لكان أعم، لو قال: تصدقت بهذا البيت على فلان والناظر عليه فلان، يكون وقفًا ولّا لا؟ يكون وقفًا، من أين علمنا ذلك؟ لقوله: والناظر، والنظر إنما يكون في الأوقاف.
قلت: تصدَّقت بهذا البيت على فلان ومن بعده فلان، هذا أيضًا يكون وقفًا؛ لأنك إذا قلت: ومن بعده فلان، عرفنا أنك أردت الوقف؛ إذ لو كان ملكًا لزيد لم يكن لك تصرف فيه بعده، يكون بعد زيد لمن؟ لورثته.
فالمهم أنه إذا قَرَن بالكناية أحد الألفاظ الخمسة، أو قَرَن بها ما يدل على الوقف، مثل أن يقول: لا تباع، أو يقول: الناظر فلان عليها، أو يقول: على فلان ومِن بعده فلان، أو ما أشبه ذلك من الكلمات التي تدل على الوقف فإنه يكون وقفًا.
إذن ياجماعة صِيَغ الوقف نوعان: فعلية وقولية، والقولية نوعان: صريح وكناية، والفرق بينهما؛ بين الصريح والكناية أن الصريح لا يحتمل غير الوقف، والكناية يحتمله وغيره.
ثانيًا: الصريح لا يحتاج إلى نية ولا اقتران شيء من الألفاظ معه، والكناية تحتاج إلى نية أو اقتران أحد الألفاظ الخمسة، أو ما يدل على الوقف؛ لأنه كناية.
هل تُشْتَرَط النية في الصيغ الفعلية؟ الصيغ الفعلية الذي يجعل أرضه مسجدًا أو مقبرة هل تُشْتَرَط فيها النية؟
ظاهر كلام المؤلف: (كمن جعل أرضه مسجدًا وأَذِن للناس بالصلاة فيه) أنها لا تُشْتَرَط النية، وهذا العمل –يعني: جَعْل الأرض مسجدًا أو مقبرة- لا يخلو من ثلاث حالات:
[ ١ / ٥٥٢٠ ]
الحال الأولى: أن ينوي بذلك أنها مسجد أو مقبرة، فتكون مسجدًا أو مقبرة، ولا إشكال في ذلك.
الثانية: أن ينوي خلاف ذلك، بأن ينوي بجعلها مسجدًا أنها مؤقَّتة، أو بأنها مقبرة أنها مؤقتة، فقد صرّح شيخ الإسلام ابن تيمية أنها تكون وقفًا ولو نوى خلافها؛ لأن هذه النية تعارض الواقف، فإن مَن جعل أرضه مسجدًا فإن المعلوم أن المسجد سوف يبقى، فكيف تنوي أنه لا يبقى؟ مَن جعلها مقبرة فإن من المعلوم أن المقبرة سوف تبقى، فكيف تنوي خلاف ذلك؟ !
الحال الثالثة: ألَّا ينوي هذا ولا هذا، لا ينوي أنها وقف، ولا أنها غير وقف، فتكون وقفًا لا إشكال فيه.
إذن لا إشكال في أنها تكون وقفًا بالفعل الدال على الوقف في حالين، ما هما؟
إذا نوى أنها وقف، وإذا لم يَنْوِ شيئًا، الحال الثالثة: إذا نوى خلاف الوقف، وأن تكون عاريَّة، فهذه محل خلاف بين العلماء، وقد صرَّح شيخ الإسلام ﵀ أنها تكون وقفًا ولو نوى خلاف ذلك.
ثم قال المؤلف: (ويُشْتَرَط فيه المنفعة دائمًا)، (يُشْتَرَط فيه) يعني: في الوقف، والله أعلم، نقف على هذا.
طالب: لو قال: وَقَّفْت هذا البيت على أن يكون ناظره فلان وفلان، ولكن فلان أبى أن يكون ناظرًا على هذا، فهل لا يثبت الوقف؟
الشيخ: لا يثبت الوقف، ويعيِّن القاضي ناظرًا.
الطالب: شيخ، أحسن الله إليك، أحيانًا بعض الناس يوقف أرضًا للمقبرة بدون تحديد، ما يحدد المسافة، ثم إذا رأى المقبرة اتسعت، يعني مقبرة الموتى يقول: أنا أتوقف عند حد معين، فهل له ذلك؟
الشيخ: ما فيه بأس، ما دام لم يعيِّنها فله إذا قُبِر عشرة عشرون يتوقف.
الطالب: أحسن الله إليك يا شيخ، () يأتي رجل ويجعل أرضه مقبرة، ويؤجر هذا القبر بمبلغ معين، هل القبر يدخل في الوقف ()؟
الشيخ: لا ما هو بوقف، ليس بوقف، والإيجار هذه كيف تصير؟ كيف تكون الإجارة؟ كل سنة؟
الطالب: لا أدري.
الشيخ: لا تدري! أنت اللي جيبت السؤال.
[ ١ / ٥٥٢١ ]
الطالب: الظاهر يعني () اشترى قطعة أرض مبنية إلى أن ..
الشيخ: لا بأس، ولكن الشراء انتهينا ما إشكال، لكن أنت عرضت السؤال على أنه إجارَة، فحدِّد المدة الآن وإلا انسحب.
الطالب: يعني مثلًا ().
الشيخ: عشر سنوات، هل نعلم أن الميت يبلى بعشر سنوات؟
الطالب: هذا الغالب.
الشيخ: الغالب؟ ! لا ما هو بعلى كل حال، الغالب تختلف الأراضي، فعلى كل حال يصح أنها تُشْتَرَى لا بأس، الفقهاء ذَكَرُوا أنه يصح أن يعيره الأرض حتى يبلى، إعارة؛ لأن الإعارة إباحة انتفاع، لكن الإجارة لما كانت عِوَضًا فإنها تكون مجهولة؛ لأننا ما ندري متى يبلى.
الطالب: () عاريّة، ولم يصرح بأنها عاريّة، كيف نقول ()؟
الشيخ: إي نعم، نقول: يرجع.
الطالب: هو ما نوى شيئًا.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: أصلح –مثلًا- الأرض وسَوَّرَها وجعلها مسجدًا بنية إذا بُنِي مسجد آخر يأخذ الأرض.
الشيخ: هذه لا بد إنه يصرح ولا تكون وقفًا، لا بد أن يصرِّح بأنها عاريَّة، ثم هناك قرائن، مثلًا إذا وضع فيها مسجدًا مؤقتًا، أو علمنا أن حوله أرضًا ستكون مسجدًا عرف، أرى أنها عاريَّة.
***
طالب: .. فيه المنفعة دائمًا من معيَّن يُنْتَفَع به مع بقاء عينه، كعقار وحيوان ونحوهما، وأن يكون على بِرّ، كالمساجد والقناطر والمساكين والأقارب من مسلم وذمي غير حربي، وكنيسة، ونَسْخ التوراة والإنجيل، وكتب زندقة، وكذا الوصية والوقف على نفسه، ويُشْتَرَط في غير المسجد ونحوه أن يكون على معيَّن يملك، لا ملك وحيوان وقبر وحمل، لا قبوله ولا إخراجه عن يده.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى .. سبق أن الوقف له صيغتان: قولية وفعلية، وأن القولية تنقسم إلى قسمين: صريح وكناية، وأن الفرق بينهما أن الصريح ينعقد به الوقف بمجرد النطق به، والكناية لا ينعقد بها الوقف إلا بواحد من أمور ثلاثة: أن تقترن بأحد الألفاظ الخمسة، أو أن ينوي ذلك، أو أن يقرنها بأمر يختص بالوقف.
[ ١ / ٥٥٢٢ ]
مثال الأول: أن يقول: تصدَّقت بهذا صدقة مؤبَّدة على فلان، فهنا يكون وقفًا، ليش؟ لأنه قرنها بأحد الألفاظ الخمسة.
ومثال الثاني: أن يقول: تصدَّقت بهذا على فلان، وينوي أنه وقف، والمرجع في النية إليه لا إلى المتصدَّق عليه؛ لأن هذا لا يُعلَم إلا من جهته، ولأن التمليك حصل من جهته فلا يمكن أن نُخْرِج ملكه إلا على النية التي أراد.
مثاله: قال: تصدَّقت ببيتي على فلان، فذهب فلان يعرضه للبيع، فقال صاحب البيت: لا تَبِعْه، أنا نويت أن يكون وقفًا عليك فقال: لا، اللفظ الذي نطقتَ به يقتضي أن يكون ملكًا لي؛ لأنك أنت قلت: تصدَّقت ببيتي على فلان، فقال: قد نويت الوقف، فإلى مَن نرجع؟
طالب: إلى صاحب البيت.
الشيخ: إلى صاحب البيت، نقول: القول قولك؛ لأن النية لا تُعْلَم إلا من جهتك، ولأنك أخرجت ملكك لهذا الرجل على سبيل الوقف، فلا يمكن أن نُخْرِجَه عن ملكك على شيء لم تُرِدْه.
لو قال: تصدَّقت بهذا على زيد، ومن بعده على الفقراء، وقف؟
طالب: وقف.
الشيخ: صار وقفًا، من أين علمنا أنه وقف؟ أنه ذكر فيه معه ما يختص بالوقف. تصدَّقت ببيتي على فلان والناظر فلان؟
الطلبة: وقف.
الشيخ: وقف، ليش؟ قَرَنَهُ بما يختص بالوقف، تصدقت ببيتي على فلان صدقةً لا يباع فيها ولا يُرْهَن؟ وقف؛ لأنه قرنه بماذا؟ بما يختص بالوقف، وهو عدم البيع والرهن.
قال المؤلف: (وتشترط فيه المنفعة ..) إلخ.
هذا شروع في شروط الوقف، الوقف كغيره من العقود، لا بد أن يكون صادرًا من ذي أهلية، فما الذي يُشْتَرط في الواقف؟ يُشْتَرَط أن يكون عاقلًا، فلو قال المجنون: وَقَّفْتُ بيتي، فإن الوقف لا يصح، لو قال الشيخ الكبير الْهَرِم الْمُهَذْرِم: وَقَّفْت بيتي؟
الطالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، ليش؟ لعدم العقل، لو قال السكران الذي شرب الخمر: وَقَّفْت بيتي؟
الطالب: لا يصح.
[ ١ / ٥٥٢٣ ]
الشيخ: لا يصح، على القول الراجح، أما على المذهب فيصح؛ لأنهم يجعلون أقوال السكران كأقوال الصاحي إذا كان غير معذور بسكره.
يُشْتَرَط أيضًا أن يكون بالغًا، فإن كان غير بالغ فإن الوقف لا يصح.
فلو قال شابّ مراهق: وَقَّفْت بيتي لطلبة العلم، رجل طالب علم وطيِّب، وحريص على العلم، وحريص على تعلُّم الناس العلم، ولكنه لم يبلغ، له أربعة عشر سنة وستة أشهر، ولا احتلام ولا إنبات، فقال: وَقَّفْت بيتي على طلبة العلم، وهو رجل غني ثري، قد ترك له والده عقارات كثيرة، هل يصح الوقف أو لا؟
الطلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، ليش؟
طالب: غير محتلم، صغير.
الشيخ: لأنه غير بالغ، صغير، لا بد أن يكون بالغًا.
وهل يُشْتَرَط أن يكون جائز التبرع؟ يعني بمعنى أنه ليس عليه دَيْن يستغرق ماله، هل يُشْتَرَط هذا؟ ألَّا يكون عليه دَيْن يستغرق ماله.
في هذا خلاف بين العلماء، وهو مبني على جواز التصرف، فإن قلنا بجوازِ تَصَرُّف مَنْ عليه دَيْنٌ يستغرق ماله قلنا بجواز الوقف وصحة الوقف، وإن قلنا بأن مَن عليه دَيْن يستغرق ماله لا يصح تصرُّفه على وجه التبرع، قلنا: لا يصح وقفه.
الصحيح أنه لا يصح تبرُّعه، وذلك لأن مَن عليه دَيْن يستغرق ماله قد شُغِل ماله بالدَّيْن؛ لأن وفاء الدَّيْن واجب، والتبرع والصدقة مستحبة غير واجبة، فلا يمكن أن نُسقِط واجبًا بمستحَبّ.
فالصحيح أن مَن عليه دَيْن يستغرق لا يصح منه الوقف ولو وَقَّف، ولا يصح منه العتق، ولا يجوز له أن يتصدق، وذلك لأن قضاء الدَّيْن واجب، ولا يجوز إسقاط الواجب بماذا؟ بالمستحب.
أما المذهب فيجوز أن يتبرَّع مَن عليه دَيْن يستغرق، إلا إذا حُجِرَ عليه، إذا حُجِر عليه من قِبَل القاضي فإنه لا يصح أن يتبرع، لا بصدقة ولا بوقف ولا بغيره.
إذن الشروط: أن يكون بالغًا، عاقلًا، جائز التبرع على القول الراجح.
[ ١ / ٥٥٢٤ ]
هل يُشْتَرَط أن يكون جائز التصرف؟ إي، من باب أولى، يُشْتَرَط حتى على المذهب أن يكون جائز التصرف، فلو كان بالغًا عاقلًا لكنه سفيه لا يُحْسِن التصرف في ماله، فإنه لا يصح وَقْفُه؛ لأنه ليس جائز التصرف، وإذا كان لا يجوز أن يبيع ماله فإن تبرعه به من باب أولى ألَّا يجوز.
هذه الشروط في الواقف، نحتاج إلى شروط تتعلق بالوقف، وإلى شروط تتعلق بالموقوف عليه، يعني: شروط الوقف في الحقيقة تدور على ثلاثة أشياء: شروط في الواقف، وشروط في الوقف، وشروط في الموقوف عليه.
شروط الوقف، قال: (ويُشْتَرَط فيه المنفعة دائمًا من معيَّن يُنْتَفَع به مع بقاء عينه)، (يُشْتَرَط فيه)، يعني: في الوقف، (المنفعة دائمًا) يعني: لا بد أن يكون الموقوف ذا منفعة دائمة، دائمة ..
ويُشْتَرَطُ فيه الْمَنفعةُ دائمًا من عينٍ يُنتفَعُ به معَ بَقاءِ عَينِه كعَقارٍ وحيوانٍ، ونحوِهما وأن يكونَ على بَرٍّ كالمساجِدِ والقناطرِ والمساكينِ والأقاربِ من مسلمٍ وذِمِّيٍّ، غيرَ حَرْبِيٍّ وكَنيسةٍ ونُسَخِ التوارةِ والإنجيلِ، وكُتُبِ زَنْدَقَةٍ، وكذا الوصِيَّةُ والوَقْفُ على نفسِه، ويُشترَطُ في غيرِ المسجدِ ونحوِه أن يكونَ على مُعَيَّنٍ يُمْلَكُ لا ملكٌ وحيوانٌ وقبرٌ وحَمْلٌ
هذا الرجل على سبيل أيش؟ الوقف، فلا يمكن أن نُخْرِجه عن ملكك على شيء لم ترده.
لو قال: تصدَّقت بهذا على زيد، ومِن بعده على الفقراء؟
طلبة: وقف.
الشيخ: وقف؟ صار وقفًا، من أين علمنا أنه وقف؟ أنه ذكر معه ما يختص بالوقف.
تصدقت ببيتي على فلان والناظر فلان؟
طالب: وقف.
الشيخ: وقف، ليش؟ قَرَنَه بما يختص بالوقف.
تصدقت ببيتي على فلان صدقةً لا يباع فيها ولا يُرْهَن؟ وقف؛ لأنه قرنه بماذا؟ بما يختص بالوقف وهو عدم البيع والرهن.
قال المؤلف: (ويُشْتَرَط فيه المنفعة) إلى آخره.
[ ١ / ٥٥٢٥ ]
هذا شروع في شروط الوقف، الوقف كغيره من العقود لا بد أن يكون صادرًا من ذي أهلية، فما الذي يُشْتَرَط في الواقف؟
يشترط أن يكون عاقلًا، فلو قال المجنون: وقَّفْتُ بيتي؟ فإن الوقف لا يصح، لو قال الشيخ الكبير الْهَرِم الْمُهَذْرِم: وقَّفْت بيتي؟
الطالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، ليش؟ لعدم العقل.
لو قال السكران الذي شرب الخمر: وقَّفْت بيتي؟ لا يصح على القول الراجح، أما على المذهب فيصح؛ لأنهم يجعلون أقوال السكران كأقوال الصاحي إذا كان غير معذور بسكره.
يُشْتَرَط أيضًا أن يكون بالغًا، فإن كان غير بالغ فإن الوقف لا يصح.
فلو قال شاب مراهق: وَقَّفْت بيتي لطلبة العلم، رجل طالب علم وطيِّب، وحريص على العلم، وحريص على تعلُّم الناس العلم، ولكنه لم يبلغ، له أربع عشرة سنة وستة أشهر، ولا احتلام ولا إنبات، فقال: وَقَّفْت بيتي على طلبة العلم، وهو رجل غني ثري، قد ترك له والده عقارات كثيرة، هل يصح الوقف أو لا؟
الطلبة: ما يصح.
الشيخ: لا يصح، ليش؟
طلبة: غير بالغ، صغير.
الشيخ: لأنه غير بالغ، صغير، لا بد أن يكون بالغًا.
وهل يُشْتَرَط أن يكون جائز التبرع؟ يعني بمعنى أنه ليس عليه دَيْن يستغرق ماله، هل يشترط هذا؛ ألَّا يكون عليه دَيْن يستغرق ماله؟
في هذا خلاف بين العلماء، وهو مبني على جواز التصرف؛ فإن قلنا بجواز تصرف مَن عليه دَيْن يستغرق ماله، قلنا بجواز الوقف وصحة الوقف.
وإن قلنا بأن مَن عليه دَيْن يستغرق ماله لا يصح تصرفه على وجه التبرع، قلنا: لا يصح وقفه.
والصحيح أنه لا يصح تبرُّعه، وذلك لأن مَن عليه دَيْن يستغرق ماله قد شُغِلَ ماله بالدَّيْن؛ لأن وفاء الدَّيْن واجب، والتبرع والصدقة مستحبة غير واجبة، فلا يمكن أن نُسْقِط واجبًا بمستحب.
فالصحيح أن مَن عليه دَيْن يستغرق لا يصح منه الوقف ولو وقف، ولا يصح منه العتق، ولا يجوز له أن يتصدق، وذلك لأن قضاء الدَّيْن واجب، ولا يجوز إسقاط الواجب بماذا؟ بمستحب.
[ ١ / ٥٥٢٦ ]
أما المذهب فيجوز أن يتبرع مَن عليه دَيْن يستغرق إلا إذا حُجِر عليه، إذا حُجِرَ عليه مِن قِبَل القاضي فإنه لا يصح أن يتبرع، لا بصدقة ولا بوقف ولا بغيرهم.
إذن الشروط: أن يكون بالغًا، عاقلًا، جائز التبرع على القول الراجح.
هل يُشْتَرَط أن يكون جائز التصرف؟ إي من باب أَوْلَى، يُشْتَرَط حتى على المذهب أن يكون جائز التصرف، فلو كان بالغًا عاقلًا لكنه سَفِيهٌ لا يُحْسِن التصرف في ماله فإنه لا يصح وقفُه؛ لأنه ليس جائز التصرف، وإذا كان لا يجوز أن يبيع ماله فإن تبرُّعه به من باب أولى ألَّا يجوز.
هذه الشروط في الواقف، نحتاج إلى شروط تتعلق بالوقف، وإلى شروط تتعلق بالموقوف عليه، يعني شروط الوقف في الحقيقة تدور على ثلاثة أشياء: شروط في الواقف، وشروط في الوقف، وشروط في الموقوف عليه.
شروط الوقف، قال: (ويُشْتَرَط فيه المنفعة دائمًا من معيَّن يُنْتَفَع به مع بقايا عينه). (يشترط فيه) يعني: في الوقف، (المنفعة دائمًا)، يعني: لا بد أن يكون الموقوف ذا منفعة دائمة، دائمة يعني: مستمرة، ما هو بإلى آخر الدنيا؛ لأن هذا شيء لا يمكن، لكن ليست منقطعة.
ولا بد أن يكون (من معيَّن)، وضد المعيَّن الْمُبْهَم.
والثالث: أن (يُنْتَفَع به مع بقاء عَيْنه)، فقولنا: يُشْتَرَط فيه المنفعة، هذا قيد، فإن لم يكن فيه منفعة فإنه لا يصح وقفه، فلو وَقَّفَ حمارًا مُقَطَّع الأربع، يعني: يداه ورجلاه مقطوعات، وقال: هذا وقف، ما تقولون؟ يصح ولَّا لا؟
الطلبة: ما يصح.
الشيخ: ما يصح، ليش؟ هذا لا يستفاد منه، هذا يأكل ولا يؤكل، فلا يصح الوقف.
لو وَقَّفَ طَبْلًا، طبل من الطبول، يجوز ولَّا لا؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: ليش؟ لأن المنفعة محرَّمة، والمنفعة المحرَّمة وجودها كالعدم.
لا بد أن يكون دائمًا، فلو قال: وَقَّفْت هذا البيت لمدة سنة بس، فالوقف لا يصح؛ لأن المنفعة حينئذ مقيَّدة بسنة، طيب بشهر؟
طالب: من باب أولى.
الشيخ: من باب أولى.
[ ١ / ٥٥٢٧ ]
(من معيَّن)، يعني: من شيء معيَّن لا مُبْهَم.
فلو قال: وَقَّفْت أحد بَيْتَيَّ، فإن الوقف لا يصح، لماذا؟
طلبة: غير معيَّن.
الشيخ: لأنه غير معيَّن، ويُشْتَرَط أن يكون معيَّنًا.
هل يُشْتَرَط أن يكون معلومًا؟
ظاهر كلام المؤلف: لا، فلو وَقَّفَ بيتًا وهو لم يَرَه، يعني أنه رجل ذو عقارات كثيرة، فوَقَّفَ أحد عقاراته بدون أن يعلم، مثل أن يقول: وَقَّفْت بيتي الذي في الحي الفلاني، وليس له بيت سواه في هذا الحي، لكنه لا يدري عن هذا البيت، لا يدري هل هو كبير أو صغير، من طين، أو من أسمنت، جيد أو رديء، ما يدري، يصح أو لا يصح؟
ظاهر كلام المؤلف أنه يصح؛ لأن هذا معيَّن، والمذهب أنه لا يصح؛ لأنه مجهول، وإذا كان مجهولًا فإنه قد يكون أكثر مما يتصوره الواقف، يعني: ربما يقف هذا البيتَ ظنًّا منه أنه يساوي عشرة آلاف، لكن يساوي مئة ألف، فإذا علم أنه يساوي مئة ألف ربما يندم، والشارع جاء بإزالة الندم عن الإنسان، فلهذا يقولون: إنه لا يصح إذا كان مجهولًا.
ولكن القول الراجح صحة هذا؛ لأنه لم يُجْبَر على الوقف، وليس الوقف معاوَضَة حتى يقول: غُلِبْتُ أو خُدِعْت، الوقف تبرُّع أخرجه الإنسان لله، كما لو تصدق بدراهم بلا عدّ، لو تصدق بدراهم، أخذ من الكيس دراهم وأعطاها الفقير بلا عدّ، هل تصح الصدقة أو لا؟ تصح وتنفذ.
فلو تَبَرَّز الفقير هناك وعدّ ولَا مئة ريال، قال: الله يجزيك خيرًا اللي أعطيتني مئة وأنا محتاج، قال: مئة؟ أنا أحسبها عشرة، أعطني التسعين ريالًا، يصح ولَّا ما يصح؟
ما يصح؛ لأنه تصدَّق وتبرَّع، والمسألة ليست معاوَضَة حتى يدخلها الغَبْن، المسألة تبرُّع، فلهذا كان القول الراجح أنه يصح وقْف المعيَّن وإن كان أيش؟ وإن كان مجهولًا؛ لأنه ليس معاوضة حتى نقول: إنه داخل في الغُنْم أو الغُرْم، بل هو تبرُّع محض إذا أمضاه الإنسان نَفَع.
أذن (من معيَّن) ويش ضده؟
طالب: الْمُبْهَم.
[ ١ / ٥٥٢٨ ]
الشيخ: الْمُبْهَم، مثل: وَقَّفْت أحد بَيْتَيَّ، فإن هذا الوقف لا يصح.
(يُنْتَفَع به مع بقاء عينه) يعني: لا بد أن يكون هذا المعيَّن يُنْتَفَع به وعينه باقية، فإن كان لا يُنْتَفَع به إلا بتلف عينه فإن الوقف لا يصح؛ لأن الوقف حَبْسُ الأصل وتسبيل المنفعة، فإذا كان هذا الشيء لا يُنْتَفَع به إلا بتلفه فأين حَبْس الأصل وتسبيل المنفعة؟
المنفعة إتلاف له، فلو وَقَّفَ الإنسان تمرًا للصُّوَّام يُفْطِرُون به في رمضان فإن الوقف لا يصح، لماذا؟
الطالب: لأن المنفعة لا تزيل الأصل.
الشيخ: لا يمكن الانتفاع بالتمر إلا بأكله، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: إذا كان لا يمكن الانتفاع به إلا بأكله فأين الوقف؟ الوقف تَحْبِيس الأصل وتسبيل المنفعة، فلا يصح أن يوقِف طعامًا للأكل.
لو أوقف ثيابًا؟
طلبة: يصح.
طلبة آخرون: ما يصح.
الشيخ: يصح ولَا يصح، وفيه التفصيل، بقي عليكم واحد؟
يصح؛ لأنه يمكن الانتفاع بها مع بقائها، ولَّا لا؟ يمكن ألبسها اليوم وتبقى، حصل لي نفع الآن وهو اللبس، أليس كذلك؟ حتى البيت أيضًا سيؤول إلى انهدام.
يعني قد يقول أحدكم: الثياب تبلى، نقول إذن: والبيت ينهدم، لكن في حال الانتفاع تستطيع أن تنتفع به وهو إيش؟ وهو باقٍ، لكن لو وَقَّفَ كيلو تمر على زيد، فجاء زيد وجلس على هذا الكيلو وأكله كله، ويش يبقي؟
طلبة: لا شيء.
الشيخ: لا شيء، فلهذا هناك فرق بين إيقاف الطعام للأكل وإيقاف الثياب للبس، الثاني صحيح حتى على كلام المؤلف، والأول غير صحيح.
يُسْتَثْنَى من هذا -على كلام المؤلف- الماء، فلو سَبَّل الإنسان خزَّانًا من الماء على المارّة من هذا الطريق صار الوقف صحيحًا؛ لآثار وردت في ذلك.
[ ١ / ٥٥٢٩ ]
ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قال: إن تصحيحكم لوقف الماء وهو لا يُنْتَفَع به إلا بإتلافه يُلْزِمُكم أن تُصَحِّحُوا وقف الطعام الذي لا ينتفع به إلا بإتلافه، وأنه يصح أن يوقِف الإنسان التمر على الْمُفْطِرِين في رمضان.
وما ذهب إليه شيخ الإسلام هو الصحيح، أي أنه يجوز وقف الشيء المعيَّن وإن كان لا يُنْتَفع به إلا بإتلافه.
فيجوز –مثلًا- أن آتي بإناء كبير من التمر وأقول: هذا وقف على فلان، ماذا يفعل فلان بهذا التمر؟ يأكله حتى يفنى، المذهب يقولون: إنه لا يصح الوقف، وهل يصح صدقة؟
الطلبة: يصح.
الشيخ: يقولون: لا ما يصح، يعني لو قلت: هذا وقف، ما يصح أن يكون صدقة، إلا إذا قلت: تصدقت به على فلان، إذا قلت: تصدقت به على فلان، صح، وإذا قلت: وَقَّفته على فلان إيش؟ على كلام المؤلف: لا يصح.
إذن فالمخرج مما قال المؤلف أن نقول بدل وقّفت: تصدقت، عرفتم يا جماعة؟
قد تقولون: إذن ما الفرق بين اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية في جواز الوقف والصدقة؟ شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: الصدقة جائزة والوقف جائز، ما الفرق من حيث اللفظ؟
يقولون: الفرق أنك إذا تصدقت به على زيد وأخذه مَلَكَ التصرف فيه، يبيعه، يرهنه، يهبه، ملكه هو فيه حر، وإذا قلت: هذا التمر وَقْفٌ على زيد، لم يتمكن من التصرف فيه، فلا يملك أن يبيعه، أو أن يرهنه؛ لأن الوقف لا يباع.
أيهما أصلح للفقير: الوقف ولَّا الصدقة؟
الطلبة: الصدقة.
[ ١ / ٥٥٣٠ ]
الشيخ: الصدقة أحيانًا والوقف أحيانًا، إذا كان هذا الفقير أخرق فالوقف أحسن؛ لأن الأخرق ممكن يبيعه برُخص، ممكن يبيعه ويشتري أشياء غير هامة، لكن لو تصدقت به صدقة راح يبيعه ويشتري جِرَار بيبسي وما أشبه ذلك، يموت من الجوع ويشتري أشياء تنزّل الطعام اللي في معدته وتزيده جوعًا إلى جوعه، هذا ما هو أحسن نعطيه صدقة، أعطيه أيش؟ نعطيه وقفًا، أجعله وقفًا عليه، وإذا شفته يبغي يطلّع منه كيلو منعته، قلت: أنا موقفه عليه توقيفًا، ما يمكن تبيع منه شيئًا.
إذن القول الراجح في هذه المسألة أنه يجوز أن يوقِف شيئًا .. أتموا.
الطلبة: لا ينتفع به إلا بإتلافه.
الشيخ: لا يُنْتَفَع به إلا بإتلافه، قياسًا على ما قالوه هم أنفسهم في وقف الماء؛ لأنه لا فرق.
(يُنْتَفَع به مع بقاء عينه)، كعقار، العقار يُنْتَفَع به مع بقاء عينه؟
طالب: نعم.
الشيخ: مثل أيش؟ كدكان –مثلًا-، أوقف دكانًا على فلان يمكن يُنْتَفَع به مع بقاء عينه، لكن إذا قال الموقوف عليه: أنا لست صاحب بَيْع وشراء، ويش ينفعني الدكان، ويش نقول؟ أَجِّرْه، الآن منفعة الدكان لك، سواء استوفيتها بنفسك أو بغيرك، ممكن تؤجّره، يمكن تعطيه صديقًا لك ينزله وينتفع به.
حيوان، يمكن يوقِّف حيوانًا؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، يمكن يوقِّف حيوانًا، مثل أن يوقِف فرسًا للجهاد في سبيل الله، يمكن يوقف بقرة على عائلة ينتفعون بأيش؟ بلبنها، يوقف بعيرًا على حَطَّاب ينتفع به، يوقف بعيرًا على قَصَّاب يذبحها ويبيع لحمها؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا؟
طالب: على التفصيل السابق.
الشيخ: ما هو على التفصيل السابق، يصح وقفه على الجزار لكن يقال: لا تذبحها، انتفع بها، أَجِّرها، يقول: والله أنا لست جَمَّالًا حتى أروح أحطب عليها، نقول: أَجِّرْها.
يقول: (ونحوهما): نحو الحيوان والعقار، أَوْقَفَ كتابًا على زيد، يصح؟
طالب: يصح.
الشيخ: كتابًا، هل هو معيَّن يُنْتَفَع به مع بقاء عينه؟
طلبة: نعم.
[ ١ / ٥٥٣١ ]
الشيخ: نعم. أوقف سيارة؟
طلبة: يصح.
الشيخ: يصح، أوقف قلمًا؟
طلبة: يصح.
الشيخ: يصح؛ لأن كل هذا يمكن أن يُنْتَفَع به مع بقاء عينه، أوقف ولده على فلان؟
الطلبة: لا يصح.
الشيخ: ليش؟
طلبة: لأنه لا يملك.
الشيخ: لأنه لا يُمْلَك، الولد لا يُمْلَك، ولهذا لا بد أن يكون مما يصح ببيعه، المؤلف ما ذكرها لكن معروفة، لا بد أن يكون مما يصح بيعه، فإن كان لا يصح بيعه ولا تملُّكه كالحر –مثلًا- لا يجوز.
أوقف أَمَة على شخص؟
طلبة: يصح.
طلبة آخرون: لا يصح.
طالب: تفصيل.
الشيخ: أَمَة أوقفها على شخص، يصح؟
طالب: نعم.
الشيخ: يصح، ويمكن أن ينتفع بها ولو بغير الوطء، الوطء يحتاج إلى نظر، لكن غير الوطء -مثلًا- ينتفع بها خادمة؟
الطالب: يصح.
الشيخ: يصح، غير ذلك مما يُنْتَفَع به مع بقاء عينه مثل أيش؟ كالسلاح، النخل؛ أوقف نخلة على شخص يجوز أو لا؟
الطلبة: يجوز.
الشيخ: يصح؛ لأنه يُنْتَفَع بها مع بقاء عينها، كيف ينتفع بها مع بقاء عينها؟ إي نعم، فيها ثمرة، أليس كذلك؟ فيها ثمرة، إذا كان فيها ثمرة فإنه يُنْتَفَع بها.
عمر بن الخطاب ﵁ أوقف أرضه التي في خيبر بأمر الرسول ﵊ ومشورته (١)، وهي لا تخلو من نخل، ولهذا عامَلَ النبي ﷺ أهل خيبر على ما فيها من زرع ونخل بالشَّطْر (٢).
إذن القاعدة: يُشْتَرَط في الموقوف أن يكون مشتملًا على منفعة دائمة، مباحة ولَّا ولو كانت حرامًا؟
الطلبة: مباحة.
الشيخ: مباحة، وأن يكون معينًا، سواء كان معلومًا أو مجهولًا على القول الصحيح، وهو ظاهر كلام المؤلف، وأن يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه.
طالب: شيخ، مَن وقف –مثلًا- داره على طلبة العلم، وبعده سكن فيه بعض لا يهتم بالعلم، هل يجوز لمالكه التصرف حتى يخرج هذا الرجل؟
الشيخ: يعني أوقفه على طلبة العلم، وسكنه غير طالب علم، له أن يُخْرِجه، معلوم.
الطالب: وهو عليه حرام السكن فيه؟
[ ١ / ٥٥٣٢ ]
الشيخ: إي نعم، إذا كان هذا البيت وقفًا على طلبة علم فإنه لا يحل لمن لم يكن طالب علم أن يسكنه.
الطالب: والتهاون، إذا كان عنده تهاون بالعلم، كذلك حرام عليه؟
الشيخ: إي، هذا إذا كان عنده تهاون يُرْجَع إلى العُرْف، فإذا قيل: هذا طالب العلم؛ لأنه أحيانًا يكون طالب العلم المتهاون طالب علم بالنسبة لفتور الناس، وأحيانًا يكون طالب العلم المتهاوِن ليس طالب علم بالنسبة لنشاط الناس.
فمثلًا نحن الآن عندنا نحن طلبة علم، ولكن معنا فُتُور، ولَّا لا؟ لأننا لسنا كطلبة العلم السابقين الذين يسهرون الليل ويكدحون النهار، أكثر أوقاتنا نوم وأكل، لكن مع ذلك يقال عنّا: إننا أيش؟ طلبة علم، لكن طلبة علم وقتنا، إي نعم، فلو أردنا أن نقول: لا يسكن الدار التي وُقِّفَت لطلبة العلم إلا رجل كان يطلب العلم كما يطلبه شيخ الإسلام ابن تيمية صعب هذا.
الطالب: شيخ الذين ذهبوا إلى صحيح وقف الماء فقصدهم الماء من المنبع أم الماء حتى المجرَّد عن المنبع؟
الشيخ: لا لا، الماء المحبوس، قلت لكم ما هو، مَثَّلْتُ بماذا؟
طلبة: بالخزان.
الشيخ: بالخزان، أما الماء الذي في البئر هذا واضح ما فيه إشكال؛ لأنك وَقَّفْت البئر والبئر يخرج منه الماء شيئًا فشيئًا.
الطالب: شرط أن يصح بيعه، هذا ليس من ضمن شروط الوقف؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: لأنه ().
الشيخ: نعم. ()
***
طالب: .. والإنجيل وكتب زندقة، وكذا الوصية والوقف على نفسه، ويُشْتَرَط في غير المسجد ونحوه أن يكون على معيَّن يملك، لا ملك وحيوان وقبر وحمل، لا قبوله ولا إخراجه عن يده.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، سبق لنا أن للوقف شروطًا، منها ما يعود إلى أيش؟
طلبة: الواقف.
الشيخ: إلى الواقف، ومنها ما يعود إلى الموقوف، ومنها ما يعود إلى الموقوف عليه، وسيأتي إن شاء الله كل هذا، سبق بعضها ويأتي بعضها.
[ ١ / ٥٥٣٣ ]
الذي يعود إلى الواقف ما هو؟
طالب: أن يكون بالغًا، عاقلًا، جائز التصرف.
الشيخ: نعم؟
طالب: جائز التبرع.
الشيخ: على القول الراجح، على القول الراجح أن يكون جائز التبرع.
من هو جائز التصرف؟ الرشيد، يعني إذا لم يكن رشيدًا بأن كان سفيهًا فإنه لا يصح تصرفه.
ما تقول في رجلٍ مَدِين دَيْنًا يستغرق ماله فوقَّف بيتَه؟
الطالب: المسألة فيها قولان، أُرَجِّح أنه لا يجوز له التصرف في ماله لأن ماله ..
الشيخ: لا يجوز له التصرف ولّا التبرع؟
الطالب: التبرع.
الشيخ: طيب.
الطالب: لأن ماله قد شُغِل بالدَّيْن، والدَّيْن واجب والوقف مستحب، ولا يُسْقِط المستحبُّ الواجبَ.
الشيخ: زين، والقول الثاني إذا قلنا: إن الشرط أن يكون جائز التصرف؟
الطالب: يجوز أنه يتبرع.
الشيخ: يجوز أن يوقفه.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ويصح الوقف. رجل مُبَرْسَم؟
الطالب: ما يعني؟
الشيخ: الْمُبَرْسَم الذي أصابه البرسام، وهي علة في الدماغ، رجل مُبَرْسَم وقَّف بيته، ويش تقول فيه؟
الطالب: يعني عقله سالم ولَّا؟
الشيخ: مُبَرْسَم عقله ما هو سالم.
الطالب: لا يصح؛ لأنه غير عاقل.
الشيخ: لأنه غير عاقل، أحسنت، شاب له أربع عشرة سنة وَقَّفَ شيئًا من ماله، ويش يقول؟
طالب: لا يحق له الوقف.
الشيخ: هل يصح وقفه ولّا ما يصح؟
الطالب: ما يصح.
الشيخ: لماذا؟ أنت ما حضرت أمس؟
طالب: لأنه من شروط الواقف أن يكون بالغًا.
الشيخ: من شروط الواقف أن يكون بالغًا، وهذا لم يبلغ.
فيه شروط تعود على الموقوف؟
طالب: يُشْتَرَط في الموقوف أن يكون دائم النفع، وأن يكون مِن عنده ..
الشيخ: أن يكون ذا نفع دائم. لو وَقَّفَ ما لا نفع فيه كحمار مكسَّر الأعضاء؟
الطالب: لا يصح.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأنه لا منفعة فيه.
الشيخ: لا منفعة فيه ولا فائدة، ما الذي يستفيده الموقوف عليه، كمِّل الشروط.
طالب: ألَّا يكون الوقف على حرام.
الشيخ: لا، ما وصلنا لها.
طالب: أن يكون معيَّنًا.
[ ١ / ٥٥٣٤ ]
الشيخ: أن يكون الموقوف معيَّنًا، احترازًا من أيش؟
الطالب: مِن الْمُبْهَم.
الشيخ: من المبهم، مثِّل للمبهم؟
الطالب: كأن يكون عنده –مثلًا- عشرة بيوت ويقول: وقّفت أحد بيوتي.
الشيخ: المبهم مثل أن يكون الرجل عنده عدة بيوت، فيقول: وقّفت أحد بيوتي، هذا الوقف لا يصح؛ لأن ما ندري ما الذي وُقِّف.
طالب: بقاء عين الوقف.
الشيخ: أن يكون هذا الموقوف يُنْتَفَع به مع بقاء عَيْنِه، مثل؟
الطالب: مثل أن يوقف سكنًا.
الشيخ: زين، أن يوقف بَيْتًا على شخص، فهنا يُنْتَفَع به مع بقائه، يُسْكَن وهو باقٍ، ثوبًا للبس، احترازًا؟
طالب: مما لا ينتفع بالصفة التي ..
الشيخ: مما لا يمكن الانتفاع به إلا بفنائه، مثل؟
الطالب: الأكل.
الشيخ: الأكل ولَّا المأكول، هل أحد يوقِّف الأكل؟ يقول: وَقَّفْت أكلي على فلان؟
الطالب: الموقوف مثل التمر.
الشيخ: زين، أحسنت، مثل الطعام، لو وقَّف الإنسان طعامًا، فقال: وَقَّفْت هذا التمر على الفقراء يُفْطِرُون به في رمضان، أو على الصُّوَّام يفطرون به في رمضان، يصح ولَّا ما يصح؟
الطالب: ما يصح؛ لأنه لا يُنْتَفَع به إلا بتلفه.
الشيخ: ومن الذي قال لك: إنه لا يوقَف الذي لا يُنْتَفَع به إلا بتلفه.
الطالب: نعم؟
الشيخ: مَن الذي قال لك: إنه لا يوقَف إلا الشيء الذي يُنْتَفَع به مع بقائه؟
الطالب: المذهب.
الشيخ: قال لك المذهب، يقول واحد مش أنت: المذهب! أنا عندي مذهب ثانٍ.
الطالب: استدلوا بآثار ورَدَت عن الصحابة أنه لا يوقَف على شيء يُنْتَفَع به إلا عينه.
الشيخ: ما هو الوقف؟
الطالب: تسبيل المنفعة وتحبيس الأصل.
الشيخ: قالوا: فإذا كان تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، وكان هذا الشيء لا يمكن الانتفاع به إلا بفنائه فأين حبس الأصل؟ كذا ولَّا لا؟
قالوا: هذا أصلًا يعارض الوقف؛ لأن الوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، فإذا كان لا يمكن الانتفاع به إلا بتلفه إذن أين التحبيس، واضح؟
[ ١ / ٥٥٣٥ ]
هل يستثنى من هذا الشيء على القول بالاشتراط؟
الطالب: نعم، يستثنى الماء؛ لأنه يصح وقفه.
الشيخ: هل المراد الماء في البئر أو المراد الماء في الإناء؟
الطالب: الماء في الإناء.
الشيخ: الماء في الإناء، صحيح، يعني يجوز للإنسان –مثلًا- يأخذ برميل ماء ويجعله على السابلة ويقول: وَقَّفْت هذا الماء، مع أنه لا يمكن الانتفاع به إلا بتلفه، إلا بالشرب، استثنى هذا لأنه وردت آثار عن الصحابة في ذلك.
هل هناك خلاف في هذا الشرط؟
الطالب: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنه يصح وقف ماء ..
الشيخ: القول الثاني لشيخ الإسلام ابن تيمية أنه يجوز إيقاف ما لا يُنْتَفَع به إلا بتلفه، وقال: إن هذا كما ورد عن الصحابة في الماء أيضًا يقاس عليه غيره.
الطالب: فيه فائدة.
الشيخ: وفيه فائدة، وهي أنه لا يباع، يعني المذهب يقولون: بدل أن توقفه تصدَّق به عليهم، قل: هذا صدقة، فنقول: لا، بينهما فرق؛ لأني إذا وَقَّفْتُه لا يمكن أن يباع، فإذا تصدقت به صار المتصدَّق به عليه يملكه، يبيعه وينتفع به بما شاء.
ما تقول في شخص وَقَّف بيتًا له وهو لا يعرفه؟
طالب: لا يصح الوقف؛ استنادًا إلى أن الموقوف مجهول.
الشيخ: اشتراطًا أن يكون الموقوف معلومًا، وهنا الموقوف مجهول، فلا يصح وقفه، كذا؟ هل تعلم في هذا قولًا آخر؟
الطالب: نعم، فيه قول آخر، يكون الوقف هذا ..
الشيخ: إنه يصح الوقف ولاّ ما يصح؟
الطالب: يصح.
الشيخ: يصح الوقف.
الطالب: والسبب أنه ما أُلْزِم بذلك الوقف.
الشيخ: أيش معنى إنه ما أُلزم؟
الطالب: ما أُلْزِم أن يوقف على البيت مثلًا.
الشيخ: ما هو ظاهر.
طالب: هذا الوقف ليس معاوضة، ولكنه تبرع، فلم يُلْزَم على هذا الوقف، ولكن تصدق به ..
[ ١ / ٥٥٣٦ ]
الشيخ: لأن الوقف تبرع، ليس معاوضة يُشْتَرَط فيه العلم، الذي يشترط فيه العلم هو المعاوضة؛ لأن المعاوضة إذا لم يكن معلومًا صار ميسرًا، قد يكون غانمًا وقد يكون غارمًا، لكن المعاوضة تبرع محض، أي شيء يحصل منها فهو مفيد، واضح؟
أظن انتهى المناقشة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وأن يكون على بِرّ).
هذا من الشروط، من الشروط (أن يكون على بِرّ)، أي: على شيء يُقَرِّب إلى الله، وهذا شرط في الجهة التي يوصف إليها الوقف؛ أن تكون جهة بِرٍّ، أي: جهة طاعة وعبادة لله ﷿.
قال الإمام أحمد: لا أعلم الوقف إلا ما أُرِيدَ به وجه الله، ولأن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ حينما استشار النبي ﷺ في أرضه التي غنمها في خيبر إنما يريد بذلك أيش؟ التقرب إلى الله، وإذا لم يكن الوقف على بِرٍّ فلا قربة فيه.
مثاله: (كالمساجد والقناطر والمساكين والأقارب)، هذه عدة جهات.
(كالمساجد) فإذا قال –مثلًا-: أوقفت بيتي لمصلحة المساجد، فالوقف على بِرٍّ ولَّا على إثم؟
طالب: بِرّ.
الشيخ: على بِرّ، إذا قال قائل: المساجد لا تَمْلِك، قلنا: لكنها جهة لها مَن يتولى أمرها.
ولا فرق في هذا بين أن يكون الوقف على مسجد معيَّن أو على المساجد عمومًا، فإن كان على مسجد معيَّن تعيَّن فيه ولا يجوز صرفه إلا غيره، وإن كان على المساجد عمومًا وجب على الناظر أن يبدأ بالأحَقّ فالأحَقّ، سواء كانت هذه الأحقية عائدة إلى ذات المسجد، أو عائدة إلى المصلين فيه، انتبه.
فإذا وقَّف عقارًا على مصالح المساجد، وأخذنا غَلَّةَ هذا الوقف، وعندنا عدة مساجد، مَن نقدم بها؟
الأحق، سواء كان عائدًا إلى ذات المسجد، أو إلى المصلين فيه، فإذا كان أحد المساجد هذه فيه عيب وخَلَل يحتاج إلى ترميم، والمساجد الأخرى ليست في حاجة إلى ذلك، فنُقَدِّم الذي يحتاج، هذا يحتاج إلى ترميم نقدمه؛ لأن العيب إن لم تداركه ازداد.
[ ١ / ٥٥٣٧ ]
إذا كانت المساجد كلها سواءً في الترميم لا تحتاج إلى ترميم، لكن بعضها يكثُر فيها المصلون فتحتاج إلى زيادة تهوئة وتبريد، فما الذي نقدِّم؟
نقدم هذا الذي يحتاج إلى تهوئة وتبريد؛ نفتح فيه منافذ، نضع فيه مكيفات، ونقدمه على غيره؛ لأن المصلين يكثرون فيه.
أحد المساجد جامع يحتاج إلى مكبِّر صوت في الخطبة والأذان، والأخريات غير جوامع، لا تحتاج إلَّا إلى الأذان، ما الذي نقدِّم؟
الطلبة: الجامع.
الشيخ: الجامع؛ لأن فيه فائدتين؛ الخطبة والأذان.
إذن الوقف على المساجد جائز ومشروع، كذا؟ سواء كان المسجد معيَّنًا أم على المساجد عمومًا، فإن كان معيَّنًا وجب تخصيص الوقف به، وإن كان عامًّا قُدِّم الأحق فالأحق حسب ما تقتضيه المصلحة.
(القناطر) أيش هي القناطر هذه؟
القناطر الأنهُر، يعني من جنس الجسور، فإذا وقَّف وقفًا على تعمير القناطر، أو الجسور، أو شق الأنهر، أو حفر الآبار، أو ما أشبه ذلك مما ينفع المسلمين فهذا بِرّ يُصْرَف فيه، ويتعيَّن أن يُصْرَف في النوع الذي عَيَّنَه الواقف، وفي العين أيضًا.
فإذا وَقَّفَ على شق الأنهر لم يَجُزْ صرفه في القناطر، وإذا وَقَّفَ على القنطرة المعيَّنة لم يَجُزْ صرفه في قناطر أخرى، يتعيَّن النوع ويتعيَّن العين الذي عيَّنَها الواقف.
(المساكين) جهة ولَّا معين؟
طالب: جهة.
الشيخ: المساكين جهة، قال: هذه وقف على المساكين، يُصْرَف الوقف للمساكين في حوائجهم، ويقدَّم مَن؟ الأحوج فالأحوج؛ لأن الحكم إذا عُلِّق بوصف ازداد قوة بحسب قوة الوصف فيه، والعطاء إذا قُيِّد بحاجة ازداد قوة بحسب الحاجة، وعلى هذا فنبدأ بالأحوج فالأحوج من المساكين.
(الأقارب) جهة ولَّا عين؟
طالب: الأقارب جهة.
الشيخ: جهة، فإذا قال: هذا وقف على أقاربي، وجب أن يُصْرَف للأقارب، الأقارب من أين إلى أين؟ من الجد الرابع فنازلًا، هؤلاء كلهم أقارب، الإخوان؟
طلبة: أقارب.
الشيخ: والأعمام؟
طلبة: أقارب.
الشيخ: وأعمام الأب.
[ ١ / ٥٥٣٨ ]
طلبة: أقارب.
الشيخ: أعمام الأب يتصلون بك في أي جد؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: أعمامك في الجد الأول، وأعمام أبيك في الجد الثاني، وأعمام جدك في الجد الثالث، وأعمام جد أبيك في الجد الرابع، فمن الجد الرابع فما دون هؤلاء أقارب، ومَن فوق ليسوا بأقارب، وإن كان فيهم قرابة لكن لا يُعَدُّون من القرابة الأدنين، ولهذا لما أنزل الله ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، لم يَدْعُ النبي ﷺ كل قريش، بل دعا مَن شاركوه في الأب الرابع فما دون.
إذن إذا وَقَّفَ على الأقارب اختص الوقف بهم، ولكن مَن نقدِّم الأحوج أو الأقرب؟
طالب: الأحوج، والأقرب، الوصف من هذا.
الشيخ: الآن الوصف القرابة، ما هو الحاجة، ونحن قلنا قبل قليل: إن ما عُلِّقَ على وصف كان أقوى بحسب قوة ذلك الوصف، فإذن نقدِّم الأقرب، ولهذا يقدَّم في الميراث ابن العم الغني على ابن ابن العم الفقير، لماذا؟ لأنه أقرب، إلا إذا علمنا أن مراد الواقف دَفْع الحاجة دون الصلة، فحينئذ نقدِّم مَن؟
طلبة: الأحوج.
الشيخ: نقدِّم الأحوج ولو بعده، إذن إذا علمنا أن مراد الواقف الصلة مَن نقدم؟
طلبة: نقدم الأقرب.
الشيخ: الأقرب، إذا علمنا أن مراده دفع الحاجة نقدِّم الأحوج، إذا أشكل علينا الأمر فالأقرب؛ لأننا نقضي بنحو ما نسمع، والواقف عَيَّن الاستحقاق بالقرابة، فمن كان أقرب فهو أحق، ولكن هل المسألة ترتيب أو تقديم؟
طالب: ترتيب.
الشيخ: أنت الآن تعرف الفرق بينهم؟
الطالب: إن كان ترتيبًا نقدم المنازل الأقرب، وإن كان تقديمًا نقدم الثاني.
الشيخ: ويش هو الثاني؟
الطالب: نقدم الأقرب لحاجته.
الشيخ: لا.
طالب: يعني الجهة.
الشيخ: لا، إذا كان ترتيبًا فلا حق للأبعد مع الأقرب ولو زاد على حاجة الأقرب، يعني –مثلًا- إذا قَدَّرنا أن الريع عشرة آلاف، والأقرب يكفيه خمسة آلاف، فإننا نعطي الأقرب كل العشرة، هذا إذا قلنا: إنه ترتيب.
[ ١ / ٥٥٣٩ ]
وإذا قلنا: إنه تقديم، قلنا: أَعْطِ الأقرب ما يحتاج فقط، فنعطيه في هذا المثال كم؟
طالب: خمسة آلاف.
الشيخ: خمسة آلاف، والباقي للآخر، فهذه نقول: إنها من باب التقديم وليست من باب الترتيب؛ لأن الترتيب لا حق للثاني مع الأول مطلقًا، والتقديم له الحق فيما فضل عن حاجة الأول.
(الأقارب)، قال: (من مسلم وذمي)، فإذا قال: هذا وَقْفٌ على أقاربي، وله ثلاثة أبناء عم؛ أحدهم مسلم، والثاني يهودي، والثالث نصراني، لكنهم ذِمِّيُّون، هل نخصه بالمسلم أو للجميع؟
قال المؤلف: (من مسلم وذمي)، للجميع، نعطي المسلم درهمًا، واليهودي درهمًا، والنصراني درهمًا، ليش؟ لأن وصف القرابة ينطبق عليهم جميعًا وإن كانوا مخالفين في الدين، صح ولَّا لا؟
لكن لو قال: القريب المسلم، كذا، فهل نعطي اليهودي والنصراني؟ لا؛ لأنه خصّه بالمسلم.
قال المؤلف: (غير حربي)، (من مسلم وذمي غير حربي)، الاستثناء هنا منقطع؛ لأن الحربي ليس من الذمي في شيء، يعني أنه لا يُعْطَى القريب الحربي.
مَن الحربي؟ الذي ليس بيننا وبينه ذمة ولا عهد ولا أمان، الكافر الذي ليس بيننا وبينه ذمة ولا عهد ولا أمان فهذا حربي، يحلّ لنا قتله أينما وجدناه؛ لأنه محارب.
فإذا كان رجل أوقف على أقاربه، ووجدنا أبناء عم له، أحدهم مسلم، والثاني يهودي ذمي، والثالث نصراني ذمي، والرابع يهودي حربي، مَن نعطي؟
الثلاثة الأُوَل، والرابع لا نعطيه؛ لأن الرابع ليس له حق ولا كرامة، بل نقتله إذا وجدناه، كيف نعطيه ما يحيا به؟ !
ثم إن الحربي إذا أعطيناه ماذا يفعل بالمال؟ يشتري به سلاحًا يقتلنا به، فكيف نعطيه من الوقف؟
ولهذا استثنى المؤلف قال: (غير حربي) مَن الحربي؟ هو الكافر الذي ليس بيننا وبينه ذمة ولا عهد ولا أمان.
الطالب: إذا وقف رجل قال: هذا وقف على الفقراء؟
الشيخ: على إيش؟
الطالب: على الفقراء، ثم أصبح فقيرًا هو، الواقف، هل له الحق الأخذ منه؟
[ ١ / ٥٥٤٠ ]
الشيخ: أيش تقولون في هذا؟ قال: هذا وقف على الفقراء، وافتقر، هل يأخذ منه؟
طالب: يأخذ.
الشيخ: يأخذ منه، إي نعم.
الطالب: نحن قلنا الآن: ما يحق له أن يملك شيئًا منه.
الشيخ: كيف؟
الطالب: قلنا: إذا أوقفه ما يحق له أن يملك شيئًا منه، خرج من ملكه أصلًا.
الشيخ: متى قلنا هذا؟ أنت لو قلت: لأن الواقف يخرج من ملكه، أما إننا قلنا، ونحن ما قلنا، هذا ما هو بصحيح.
الطالب: هذا القصد.
الشيخ: القصد ما نعرف اللي في قلبك، رجعت؟
الطالب: نعم.
الشيخ: أيش تقول؟
الطالب: قلت: إنه خرج الآن من ملكه، كيف نعيده له مرة ثانية؟
الشيخ: خرج من ملكه على وصف معيَّن، واتصف هو بهذا الوصف، فيستحق.
***
طالب: .. محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، قال المصنف رحمه الله تعالى: وأن يكون على بِرٍّ، كالمساجد والقناطر والمساكين والأقارب من مسلم وذمي غير حربي، وكنيسة ونسخ التوراة والإنجيل وكتب زندقة، وكذا الوصية والوقف على نفسه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد.
ذكر المؤلف من شروط الوقف أن يكون على بِرٍّ، وهل هذا على إطلاقه؟
طالب: نعم، على إطلاقه، إذا كان على جهة عامة على إطلاقه.
الشيخ: إذا كان على جهة عامة فهو على اطلاقه، صح، إذن ليس على إطلاقه، على بِرٍّ، متى؟ إذا كان على جهة عامة، أما إذا كان على معيَّن فلا يُشْتَرَط أن يكن على بِرٍّ.
يقول المؤلف ﵀: (كالمساجد والقناطر والمساكين والأقارب من مسلم وذمي غير حربي).
لو وقَّف على الأغنياء قال: هذا البيت وقفٌ على الأغنياء، فهل يصح الوقف؟
الطلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، لماذا؟
الطلبة: لأنه ليس على بِرٍّ.
الشيخ: لأنه ليس على بِرٍّ؛ إذ إن الأغنياء ليسوا جهة صدقة، فلا يصح، لكن لو وقَّف على فلان وهو غني؟
طلبة: يصح.
الشيخ: صح؛ لأن هذا ليس وقفًا على جهة، والإنسان له أن يُمَلِّك ماله مَن شاء.
يقول: (الأقارب) جهة برّ؟
طالب: نعم.
[ ١ / ٥٥٤١ ]
الشيخ: جهة بِرٍّ ولو كانوا غير مسلمين؟
الطالب: ولو كانوا غير مسلمين.
الشيخ: ولهذا قال المؤلف: على أقارب مِن مسلم وذمي، لكن يقول: غير حربي.
وهنا إشكال في كلام المؤلف، قال: (ذمي غير حربي)، فهل المقابل للذمي هو الحربي؟
لا، الحربي يقابله الذمي والمعاهَد والمستأمِن، لكن كأن المؤلف أسقط المعاهَد والمستأمِن؛ لأن العهد لا يدوم، وكذلك الأمان لا يدوم، بخلاف عقد الذمة، فالأصل فيه الدوام، ومن المعلوم أنه لا بد أن يكون الوقف على جهة دائمة، هذا ما يظهر؛ أن الوقف على المستأمِن وعلى المعاهَد لا يصح، بخلاف الذمي؛ لأن الذمي له أحكام خاصة.
قال: (غير حربي)، فلا يصح الوقف عليه، ولا يدخل في الأقارب إذا وقَّف على أقاربه.
فهذا رجل وقّف على أقاربه، وكان له ثلاثة من الأقارب أحدهم مسلم، والثاني ذمي، والثالث حربي، مَن يستحق الوقف؟
طلبة: المسلم والذمي.
الشيخ: المسلم والذمي، أما الحربي فلا.
قال: (وكنيسة)، يعني: ولا يصح الوقف على كنيسة، والكنيسة متعبَّد النصارى، والكنيست برلمان اليهود في العهد الحاضر، انتبهوا، ربما تسمعون في إذاعة اليهود: الكِنِيست، لا تظن أن الكِنِيست متعبَّد لهم، لكنها برلمان يعني مجتَمَع، مؤتمر، أما الكَنِيسة فهي متعبَّد النصارى، والِبيعَة متعبَّد اليهود، والصومعة للرهبان.
المهم دُور الكفر -هذه القاعدة العامة- دُور الكفر لا يصح الوقف عليها، ما الدليل؟ الدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
ونحن إذا وقَّفْنا على بيوت الكفر فإن ذلك معونة على الإثم والعدوان، وكيف يليق بالمسلم أن يُوقِف على بيت يُشْرَك فيه بالله، ويُكْفَر فيه بالله؟ ! هذا لا يمكن.
وظاهر كلام المؤلف أن الوقف على الكنيسة لا يصح ولو من أهل الكنيسة، فلو كان هناك ذمي نصراني وقّف شيئًا من أملاكه على كنيسته فظاهر كلام المؤلف أن ذلك لا يصح.
[ ١ / ٥٥٤٢ ]
ولكن الصحيح أنه يصح؛ لأن إقرارنا إياهم على الكنيسة والتعبُّد بها يجب أن يكون إقرارًا على ما يتعلق بها من المصالح، والمال ليس مالنا نحن حتى نقول: لا يمكن أن نصرف مال المسلم في معابد الشرك، المال ماله هو، وهو يعتقد أن هذا دين، ونحن نُقِرُّهم على دينهم أو لا؟
نقرُّهم على دينهم، ولهذا كان القول الثاني في المسألة أنه يصح الوقف على الكنيسة من أصحاب الكنائس، (وكنيسة) ويش بعدها؟
(ونسخ التوراة والإنجيل).
الطالب: عندي (وبيعة).
الشيخ: إي نعم، عندنا (وبيعة وبيت نار وصومعة)، لكن مشطوب عليها، هذا ظاهر من الشرح.
على كل حال القاعدة العامة حتى لو فُرِضَ أن الماتِن ما ذكرها، عندنا قاعدة عامة، كل بيوت الكفر لا يجوز من المسلم أن يُوقِف عليها شيئًا، ليش؟ لأن هذا من التعاون على الإثم والعدوان، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.
قال: (ونَسْخ التوراة والإنجيل وكتب زندقة)، أيضًا لا يجوز الوقف على نسخ التوراة والإنجيل وكتب الزندقة.
نسخ التوراة والإنجيل لا يجوز لأحد أن يُوقِف عليه شيئًا؛ أما من مسلم فالأمر ظاهر أنه لا يجوز لأي واحد من المسلمين أن يوقف شيئًا على نسخ التوراة والإنجيل، وذلك لأن هذه الكتب كتب محرَّفة من حيث ذاتُها، كتب منسوخة من حيث أحكامها، فلا يُعْتَمَد عليها إطلاقًا، فهي منسوخة، وما فيها من حق فقد تضمنته الشريعة الإسلامية، وهي أيضًا محرَّفة لا يوثَق بها، فاليهود والنصارى كلهم حرَّفوا كتبهم وغيَّرُوها.
إذن لا يجوز لمسلم أن يوقِف شيئًا على نسخ التوراة والإنجيل، وهل يجوز لغير المسلم أن يوقِف شيئًا على نسخ التوراة والإنجيل، كالنصراني –مثلًا- يوقف شيئًا من أملاكه على نسخ الإنجيل؟
نقول: في هذا تفصيل؛ إن كان على نسخه ونشره فإننا نمنعه؛ لأننا نمنع النصارى من نشر كتبهم بين المسلمين، وإن كان على نسخه لينتفع به النصارى فقط فهذا لا بأس به.
[ ١ / ٥٥٤٣ ]
على أن في نفسي منه شيئًا؛ لأنه يمكن أن يقال: إن الفرق بينه وبين الكنيسة أن الإنجيل كتاب يمكن أن يوزَّع من هنا وهناك، والكنيسة بيت لا يمكن أن توزَّع على الناس، فخطر نسخ الإنجيل وكذلك التوراة أعظم من تعمير الكنيسة.
أي أنه يقال: إذا وقَّف اليهودي على نسخ التوراة، أو النصراني على نسخ الإنجيل، فإن كان على النسخ والنشر فهو ممنوع، ما ننفذ الوقف؛ لما في ذلك من الضرر على الإسلام والمسلمين، وإن كان على النسخ لينتفع بها أهلها فقط فهذا قد يقال: إنه لا بأس به، قياسًا على الكنيسة، يعني على الوقف على الكنيسة، وقد يقال: يُمْنَع ولا يصح القياس على الكنيسة، لماذا؟ لأن هذا يتنَقَّل ويمكن توزيعه ولو بالسِّرّ، لكن الكنائس لا يمكن أن تتنقل، ولا يُمَكَّنُون من بناء كنائس جديدة في بلاد المسلمين.
يقول: (وكتْب الزندقة)، كتب الزندقة نعم ممنوعة أصلًا وفرعًا، لا يجوز أبدًا أن يُوقِف إنسانٌ على كتب الزندقة ككتب الشيوعية، وكذلك كتب البدع الْمُكَفِّرة أو الْمُفَسِّقَة فلا يجوز أن يوقَف عليها شيء، وذلك لأن الْمُوقِف على كتب البدع ينتسب للإسلام، وإذا كان ينتسب للإسلام فإن الواجب على حُكّام الإسلام أن يُنَزِّلُوا تصرفاته على ما يقتضيه الإسلام، فإذا كان هذا الْمُبْتَدِع عنده بدعة مكفِّرة وكَتَبَ فيها ما كَتَبَ، ووقَّفَ بيته على هذا الكتاب، فإن لِحُكَّام المسلمين أن يُبْطِلُوا الوقف.
ولا يقال: إن هذا كالنصراني إذا وقَّف على نسخ الإنجيل؛ لأن النصراني مُعْتَرِف بأنه على غير الإسلام، وهذا يَدَّعِي أنه مسلم، فنمنعه.
فإن قال قائل: إذا وَقَّف الشيوعي بيته على نشر كتب الشيوعية، كتب زندقة، فهل نقول: إن هذا كإيقاف النصراني بيته على نسخ الإنجيل؟
[ ١ / ٥٥٤٤ ]
فالجواب أن نقول: لا، وذلك لأن النصراني له شبهة؛ لأن الإنجيل كتاب مُنَزَّل من عند الله، لكنه مُحَرَّف ومنسوخ، بخلاف الشيوعي؛ فإن الكتب الشيوعية كتب ضلال وإلحاد، وليست من عند الله.
وعلى هذا فنقول: كتب الزندقة يُمْنَع فيها من إثبات الأوقاف والعمل بها مطلقًا، كتب البدع كذلك يُمْنَع، لا يُوَقَّف أي شيء في بلاد الإسلام على نَسْخ كتب البدع.
ولكن إذا قال قائل: إذا كانت هذه الكتب تشتمل على أمور نافعة، وعلى بدع غير مُكَفِّرَة، كما يوجد في كتب الأشاعرة، ونريد بالكتب المؤلَّفة للعقيدة، لاحظوا التنبه لهذا، كتب الأشاعرة فيه كتب مؤلَّفَة للعقيدة في العقيدة، كتب أخرى مؤلَّفة في غير العقيدة، لكن يُتَعَرَّض بها للعقيدة، مثل الجلالين الآن، تفسير الجلالين لم يؤلَّف أصلًا للعقيدة، مؤلَّف لأيش؟ لتفسير القرآن، لكن فيه أشياء مخالفة، لكن إذا جاء إنسان وألَّف كتابًا في العقيدة على منهج الأشاعرة، نقول: هذا كتاب بدعي، لكن هل يجوز أن نمنع من الوقف على نشر هذه الكتب أو لا؟ نقول: نعم، نمنع، كل ما خالف مذهب السلف في العقيدة يجب منعه، يجب أن يُمْنَع، أما الكتب التي لم تؤلَّف لهذا فإننا لا نمنعها، ونظير ذلك في الأشخاص أن الرجل قد يأخذ بقول من مذهب الشافعي وهو حنبلي، فهل نقول: إنه شافعي؟ لا نقول: إنه شافعي ولو أخذ بقول من أقوال الشافعية، نرجع للأصل.
فالكتاب الذي أُلِّف لتفسير القرآن أو لشرح الحديث، والْمُفَسِّر أو الشارح أشعري إذا أتى على النصوص في الصفات يُحَرِّفها إلى مذهب الأشاعرة، هل نقول: إن هذا الكتاب كتاب أشعري؟ لا، يعني ما نجعله ككتاب العقيدة، ولا نمنع من نشره، ولا من طبعه، ولكننا نعلِّق على ما فيه من مخالفة لمذهب السلف.
صار كتب البدع تنقسم إلى قسمين: بِدَع مُكَفِّرَة، فهذه لا يجوز أن نوقِف عليها، على نسخها أو على نشرها.
[ ١ / ٥٥٤٥ ]
كتب بدع غير مُفَسِّقَة، فهذه أيضًا ينبغي أن نمنع، كتب أخرى لم تؤلَّف للعقيدة أساسًا، ولكن فيها شيء يخالف العقيدة، فهذه لا بأس من الوقف عليها، ولا () ولكن ينبه على ما فيها من مخالفات السلف.
يقول المؤلف: (ونَسْخ التوراة والإنجيل وكتب زندقة، وكذا الوصية) يعني: الوصية حُكْمُهَا حكم الوقف في هذا، وهي أنها إذا كانت على جهة عامة فلا بد أن تكون على .. إيش؟ على بِرٍّ، لا بد أن تكون على بِرٍّ، كالمساجد، والقناطر، والأقارب، والمساكين، والمجاهدين، وطلبة العلم، وما أشبه ذلك، ولا تصح الوصية في جهة عامة على الكنائس، وبيوت الكفر، وكتب الزندقة، والبدعة، وما أشبه ذلك، وللوصية في الحكم أيش؟ حكم الوقف.
قال: (والوقف على نفسه)، يعني: لا يصح الوقف على نفسه، إذا أوقف الإنسان شيئًا على نفسه فإنه لا يصح، بأن قال: هذا وقف عليّ، نقول: هذا وقف غير صحيح؛ لأنك أنت المالك، وكيف تُوقِف على نفسك؟ ! هل الإنسان يُمَلِّكُ نفسه من نفسه؟ أجيبوا.
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، يعني لو قلت: وهبتُ نفسي هذه الحقيبة، تصير هبةً ولَّا ما تصير؟ لا تكون، كيف أهب نفسي لنفسي، كذلك إذا قلت: هذا البيت وقفٌ عليّ، كيف وقفٌ عليّ؟ الوقف لا بد أن يخرج عنك، ولهذا قال الإمام أحمد: لا أعلم الوقف إلا ما أخرجه لله.
وجميع الوقوفات كلها خارجة عن الإنسان، عمر وقَّف أرضه على غير نفسه، فلا يصح الوقف على النفس ابتداءً، ولكن لو وقَّف وقفًا مُعَلَّقًا بصفة واتصف بهذه الصفة، مثل أن يقول: هذا وقف على طلبة العلم، وصار طالبَ علم، فهل يستحق؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم يستحق؛ لأنه لم يوقفه على نفسه ابتداءً، ولو وقَّف على الفقراء وكان غنيًّا ثم افتقر، يستحق منه ولَّا لا؟
طلبة: يستحق.
الشيخ: ولو وقَّف بَرَّادة للشرب، ومرّ بها وهو عطشان، يشرب ولَّا ما يشرب؟
طلبة: يشرب.
الشيخ: يشرب؟ ما نقول: وقّف على نفسه؟
طلبة: لا.
[ ١ / ٥٥٤٦ ]
الشيخ: لا، نقول: ما وقّف على نفسه، هذا وقّفها للمسلمين، لشرب المسلمين، نقول: مت من العطش ولا تشرب من هذه؟ ما يصير، نقول: لك أن تشرب، واضح؟
فهناك فَرق بين أن يوقِف شيئًا مُعَلَّقًا بوصف ثم ينطبق الوصف عليه، وبين أن يوقِف على نفسه ابتداءً، فإذا وَقَّفَ على نفسه ابتداءً فإنه لا يصح.
إذا كان لا يصح هل يرجع إليه ملكًا، أو يكون وقفًا في المصالح العامة، أم ماذا؟
نقول: كل شيء قيل فيه: لا يصح، فإن ذلك يعني أن وجود العقد وعدمه سواء، وإذا كان وجود الإيقاف وعدمه سواء فإن الوقف يرجع إليه ملكًا.
فإذا قال: وقَّفْت بيتي على نفسي، وكَتَب وثيقة وشَهَّد شهودًا، نقول: الوقف غير صحيح، هذه الورقة شَقِّقْها مَزِّقْها، إذن أين مصير البيت؟
طلبة: لك.
الشيخ: لك، ملكك، ما صار شيء إطلاقًا، إلا إذا ذَكَرَ له غاية، بأن قال: هذا وَقْف عليَّ ومِن بعدي على الفقراء، أو هذا وقف عَلَيَّ ومن بعدي على المساجد، أو هذا وقفٌ عَلَيّ ومن بعدي على طلبة العلم، فإن الوقف يصح، لكن لا يستحق منه شيئًا، ينصرف في الحال إلى مَن بعده، فإذا قال: هذا وقف عليّ ثم على الفقراء، نقول: خرج عن ملكك الآن، وصار لمن؟
طلبة: للفقراء.
الشيخ: للفقراء، قال: يا جماعة أنا مقدِّم نفسي على الفقراء، نقول: نفسك ما لها حق في هذا، الوقف يكون لمن؟
طالب: للفقراء.
الشيخ: للفقراء، هذا وقف على نفسي ثم على طلبة العلم؟ يكون في الحال لمن؟ لطلبة العلم، أما هو فليس له شيء، لو وُفِّق هذا الرجل وصار طالب علم استحق بالوصف الثاني ولّا بالأول؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: بالوصف الثاني؛ أنه طالب علم، لا بالأول أنه وقّف على نفسه، والمسألة فيها خلاف.
[ ١ / ٥٥٤٧ ]
فالقول الثاني في المسألة أنه يصح الوقف على النفس، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة كثيرة من أهل العلم، وقالوا: إن الفائدة أنه يبقى هذا لا يُبَاع ولا يُوهَب ولا يُورَث، يبقى وقفًا عليه، عرفتم؟ فالمسألة فيها قولان، ويأتي إن شاء الله ذِكْر دليل هذا القول.
الطالب: شيخ، إذا كانت كتب بعض أهل العلم تُثِير التشويش بين العامة، والشُّبَه عند الفساق، والْمُغْرِضِين بين طلبة العلم؟
الشيخ: هذه عاد يُرْجَع إلى الحاكم في منع انتشار هذه الكتب، مع أن الغالب أن الممنوع متبوع، يمكن لو تُمْنَع بدل ما تكون النسخة بريالين تكون النسخة بعشرين ريالًا، فهذا المسائل ينبغي أن الناس يوجَّهُون توجيهًا سليمًا، ويقال: إنه لا ينبغي تتبع الكتب التي تَضُرّ بالإنسان في تشويش فكره، أو تشويش اجتهاده، أو ما أشبه ذلك، لكن لو رأى وَلِيّ الأمر منعها فالأمر إليه.
طالب: يا شيخ، قلنا: لو وقّف على صفة ثم اتصف بها، لو وَقَّف على صفة هو أصلًا مُتَّصِف بها؟
الشيخ: ما يخالف.
الطالب: يدخل؟
الشيخ: يدخل، نعم، لو وقَّف على الفقراء وهو من أصل فقير أخذ.
الطالب: هل يُشْتَرَط في الوقف أن يجوز بيع العين الموقوفة؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: المختص ما يجوز بيعه، مثل الكلب؟
الشيخ: إي، ما يصح توقيفه، على المذهب ما يصح، والصحيح إنه يصح؛ لأن مدار الوقف على الانتفاع، فكل شيء يجوز الانتفاع به فإنه يصح وقفه، حتى الكلاب.
طالب: إذا قال رجل: وقَّفْت هذا البيت على طلبة العلم، ثم طلبه، وأسكن معهم أنا؟
الشيخ: أيش تقولون في هذا. قال: وقّفت هذا على طلبة العلم بشرط أن أسكن فيه، يصح الشرط، أو قال: وقّفت هذا على الفقراء ولي السكنى فيه مدة حياتي، فله ذلك؛ لأن هذا استحقاق ذي صفة، إي نعم.
***
طالب: .. وصحبه أجمعين، قال رحمه الله تعالى: ويُشْتَرَط في غير المسجد ونحوه أن يكون على معيَّن يَمْلِك، لا ملك وحيوان وقبر وحمل، لا قبوله ولا إخراجه عن يده.
[ ١ / ٥٥٤٨ ]
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ما تقول يا أخ في رجل وقَّف دكاكين على أن تكون غَلَّتُها لطبع كتب الجهمية، هل الوقف يصح أو لا يصح؟
طالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، لماذا؟
الطالب: لأنهم مبتدعة، ولا يجوز أن يوقف على ..
الشيخ: لأن الوقف على المحرَّم باطل، ما هو الدليل على أن الوقف على المحرَّم باطل؟
طالب: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.
الشيخ: وفي السنة؟
الطالب: قال النبي ﷺ: كُلُّ شرط ..
الشيخ: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ» (٣)، تمام، هل يجوز الوقف على الكنائس؟
الطالب: الوقف على الكنائس لا.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأن فيها شركًا ().
الشيخ: والدليل كما قال الإخوان، ما فيه خلاف؟
طالب: فيه خلاف.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: الخلاف أنه لا يجوز أو يجوز.
الشيخ: يجوز أو لا يجوز، الذين قالوا بالجواز مطلقًا ولَّا فيه تفصيل؟
الطالب: بدون تفصيل.
الشيخ: بدون تفصيل، يعني سواء كان الموقِف مسلمًا أو كافرًا.
الطالب: لا، إن كان مسلمًا هذا لا يجوز مطلقًا، أما بالنسبة للذمي فيجوز له ذلك؛ لأن هذا تعتبر من شرائع دينهم.
الشيخ: هذا القول ذكرنا أنه هو القول الراجح.
رجل قال: هذا البيت وقفٌ عليّ؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز ولّا لا يصح؟ بنتكلم عن الصحة الآن، لا يصح الوقف، إذن ماذا نصنع؟
الطالب: يبقى المال في ملكه.
الشيخ: يبقى ملكًا له بدون تفصيل؟
الطالب: التفصل إن شرك معه غيره لو قال: هذا المال وقف لي، ثم لفلان بعينه، فالمال ينتقل لملك الآخر مباشرة.
الشيخ: ينتقل إلى الآخر مباشرة، وإن لم يذكر مآلًا؟
الطالب: إن لم يذكر مآلًا كيف؟
الشيخ: إذا لم يذكر مآلًا يعني ما ذكر: ثم كذا؟
الطالب: يبقى كأنه ما أوقفه.
[ ١ / ٥٥٤٩ ]
الشيخ: يعني يعود إلى ملكه؟ أيش تقولون؟ يعني يقول: إن قال: وقف على نفسي، ولم يذكر مآلًا، يعني ما ذكر ما يؤول إليه بعد ذلك، فإن الوقف لا يصح، ويكون ملكًا، وإن ذكر مآلًا بأن قال: (ثم إلى فلان) فإنه يصح الوقف وينتقل إلى مَن بعده في الحال، عرفتم ولَّا لا؟
هذا ما ذهب إليه المؤلف؛ أن الوقف على نفسه لا يصح، فإذا قال: هذا بيتي وقفٌ عليّ، افرض أنه كتب كتابًا بيده: إنّ بيتي وقف عليّ، ثم مات، فإن البيت يرجع إلى الورثة ملكًا؛ لأن الوقف ما صح.
فإن قال: إن بيتي وقفٌ عليّ، ومن بعدي على الفقراء والمساكين، الوقف يصح، ولكنه يُصْرَف في الحال إلى الفقراء والمساكين، ويقال له: اطلع عن البيت؛ لأنك وَقَّفْتَه على الفقراء والمساكين، فإما أن تخرج ويسكن فيه الفقراء والمساكين، وإما أن تبقى بأجرة في البيت، قال: هذا ملكي، قلنا: نعم ولكنك أخرجته لله، جعلته في الفقراء.
القول الثاني في المسألة: أنه يصح الوقف على النفس.
وفائدة هذا أنه إذا أَوْقَفَه على نفسه لم يملك التصرف فيه، يعني لا يبيعه، وإذا توفي فإنه لا ينتقل إلى الورثة، بل يُصْرَف مصرف الوقف المنقطع، وهذا القول أصح، هذا القول هو الصحيح؛ أن الوقف على النفس يصح، وله فائدة، والفائدة ما ذكرت لكم، ماهي؟ أنه لا يتصرف فيه؛ لأنه وقف، فلا يبيعه، ولا يهبه، ولا يرهنه، وأنه إذا مات صُرِف مصرف الوقف المنقطع، ولم يكن ميراثًا للورثة.
لكن ما تقولون فيما لو قال: هذا وقف على الفقراء وَلِيَ السُّكْنَى فيه مدة حياتي، أو لي غَلّته مدة حياتي، يصح ولَّا ما يصح؟
الطلبة: يصح.
الشيخ: يصح، حتى على ما مشى عليه المؤلف؛ لأن الوقف هنا على غيره، لكنه استثنى غَلَّته مدة حياته، ولا بأس بذلك.
ما تقولون فيما لو قال: هذا وقفٌ على طلبة العلم، ثم مَنّ الله عليه وكان طالب علم، هل يستحق أو لا؟
طلبة: نعم يستحق.
[ ١ / ٥٥٥٠ ]
الشيخ: نعم يستحق؛ لأنه علَّق الاستحقاق بوصفٍ، فكان من أهل هذا الوصف، وكذلك لو قال: هذا وقفٌ على الفقراء، ثم افتقر، فإن له أن يشاركهم.
قال المؤلف: (ويُشْتَرَط في غير المسجد ونحوه أن يكون على معيَّن يَملك).
الوقف تارة يكون على جهة، وتارة يكون على عين، فإذا كان على جهة فإنه لا يُشْتَرَط أن يكون الموقوف عليه معيَّنًا يَملك.
فإذا قال: هذا وقف على المساجد، فإنه يصح وإن لم يقل: على المسجد الفلاني، مع أن المساجد لا تَمْلِك، لكن نقول: لأن هذا وقفٌ على جهة.
كما لو وقَّف على الفقراء فإنه لا يُشْتَرَط تعيين الموقوف عليه؛ لأنه على جهة.
وقوله: (على معين يملك) احترازًا مما إذا كان على غير معيَّن.
فلو قال: هذا وقفٌ على أحدِ هذين، فإنه لا يصح الوقف، لماذا؟ لأنه على غير معيَّن، أيهما؟ عيِّن بوصف أو بشخص وإلا فلا يصح.
لو وَقَّفَ على مَن لا يملك، مثل: مَلَك، قال: هذا وقف على جبريل، جبريل أحد الملائكة، ما هو على آدمي اسمه جبريل، على جبريل أحد الملائكة، فإن الوقف لا يصح، لماذا؟ لأن جبريل لا يَمْلِك.
أو على حيوان، قال: هذا وقف على حمار فلان، يصح ولَّا ما يصح؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح؛ لأن الحمار لا يملك.
لماذا لا نقول: إنه يصح على الحيوان ويُصْرَف في مصالحه، يقول: لأن هذا معيَّن وهو لا يملك فلا يصح.
لكن لو قال: هذا وقفٌ على الخيل التي تقاتل في سبيل الله، يصح، لماذا؟ لأنه غير معيَّن، جهة.
ولكن الصحيح فيما إذا وقَّف على حيوان أنه يصح، ويُصْرَف في مصالح هذا الحيوان، في عَلَفِه، فيما يحتاج إليه مما يدفئه أو يُظِلّه عن الشمس في الحر، وما أشبه هذا؛ لأن الواقف إذا وَقَّف على حيوان فإما أن يقصد منفعة مالكه، وإما أن يقصد منفعة الحيوان نفسه، وكل هذا غرض مقصود صحيح.
(ولَا على حَمْل) لا يصح الوقف على حَمْل؛ لأنه لا يَمْلِك ..
وحَمْلٌ، لا قَبولُه ولا إخراجُه عن يدِه.
(فصلٌ)
[ ١ / ٥٥٥١ ]
ويَجِبُ العملُ بشرْطِ الواقفِ في جَمْعٍ وتقديمٍ، وضِدِّ ذلك واعتبارِ وَصْفٍ وعَدَمِه وترتيبٍ ونَظَرٍ وغيرِ ذلك، فإنْ أَطْلَقَ ولم يَشْتَرِطْ اسْتَوَى الغنيُّ والذَّكَرُ وضِدُّهما، والنظَرُ للموقوفِ عليه وإن وَقَفَ على وَلَدِه أو وَلَدِ غيرِه ثم على المساكينِ فهو لوَلَدِه الذكورِ والإناثِ بالسوِيَّةِ، ثم وَلَدَ بُنَيَّةٍ دونَ بناتِه
قال: هذا وقف على حمار فلان، يصح ولَّا ما يصح؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح؛ لأن الحمار لا يَمْلك، لماذا لا نقول: إنه يصح على الحيوان ويصرف في مصالحه؟ يقول: لأن هذا معيَّن وهو لا يملك فلا يصح، لكن لو قال: هذا وقف على الخيل التي تقاتل في سبيل الله؟
طالب: يصح؛ لأنه غير معين.
الشيخ: يصح، لماذا؟
الطالب: لأنه غير معين.
الشيخ: لأنه غير معيَّن، جهة.
ولكنَّ الصحيح فيما إذا وَقَّفَ على حيوان أنه يصح، ويُصْرَف في مصالح هذا الحيوان؛ في علفه، فيما يحتاج إليه مما يدفئه، أو يُظِلّه عن الشمس في الحر، وما أشبه هذا؛ لأن الواقف إذا وقَّف على حيوان فإما أن يقصد منفعة مالكه، وإما أن يقصد منفعة الحيوان نفسه، وكل هذا غرض مقصود صحيح.
(ولا على حَمْل) لا يصح الوقف على حَمْل؛ لأنه لا يَمْلِك، فلو قال: هذا وقف على ما في بطن فلانة، فإنه لا يصح، لماذا؟ نقول: لأنه لا يملك، فإن الحمْل لا يملك إلا إذا سقط حيًّا حياة مستقرة، أرأيتم الإرث لو مات شخص عن حمل يرثه، فإن الحمل لا يملك الميراث، مع أن الإرث مُلْك قهري لا يملكه إلا إذا سقط حيًّا حياة مستقرة، قالوا: فإذا كان لا يملك الميراث مع قوة نفوذه فغيره من باب أولى، ولكنْ لا بد من قيد، وهو أنه لا يصح على الحمل أصالةً، أما تبعًا فلا بأس.
ولهذا يصح أن يقول: هذا وقف على أولادي وإن كان فيهم حَمْل، فإن الحمل هنا يستحق، لماذا؟ لأنه كان تبعًا، فالحمل الذي لا يصح الوقف عليه إذا كان أصالةً.
[ ١ / ٥٥٥٢ ]
ولو ذهب ذاهب إلى صحة الوقف على الحمل أصالةً لم يكن بعيدًا، ونقول: إن خرج هذا الحمل حيًّا حياة مستقرة استحق الوقف، وإلا بطل الوقف، ما لم يذكر له مآلًا.
مثال ذلك: رجل قال: هذا وقف على ما في بطن زوجة ابني، هو له أبناء، وابنه -زوج المرأة الحامل- قد توفي، فقال: هذا وقف على ما في بطن زوجة ابني، فما المانع من الصحة؟ الواقع أنه ليس هناك مانع، فيقال: إذا وَضَعَتْ طفلًا حيًّا حياة مستقرة صار الوقف له، وإن لم تضع إلا ميتًا بطل الوقف، إلا أن يذكر له مآلًا، فإن ذكر له مآلًا بأن قال: هذا وقفٌ على ما في بطن زوجة ابني ثم على المساكين، فخرج الحمل ميتًا فإن الوقف ينتقل إلى مَن؟
طالب: المساكين.
الشيخ: إلى المساكين، أقول: لو قال أحد بهذا لكان قولًا وجيهًا؛ لأنك لا ترى مانعًا من أنه يوقَف عليه، ويكون مشروطًا لخروجه حيًّا.
قال المؤلف: (لا قبول)، يعني: لا يُشْتَرَط قبولٌ، قبول أيش؟ قبول الوقف إذا وُقِّفَ على معين؛ لأن الوقف إما أن يكون على معيَّن أو على جهة، فإن كان على جهة، مثل: على الفقراء، وعلى المساكين، وعلى طلبة العلم، فمن المعلوم أن قبوله ليس بشرط، لماذا ليس بشرط؟ لأنه على جهة، ولا يمكن أن نحيط بهذه الجهة، لا يمكن أن نحيط بجميع الفقراء، ونقول: هل قبلت الوقف أو لا.
أما إذا كان على معيَّن بأن قال: هذا وقف على فلان، فالمؤلف يقول: إنه لا يُشْترط أن يقبله فلان، بل يكون وقفًا قَبِلَ أم لم يقبل، ولكن إن قَبِلَ وأخذ الغَلَّة فهي له، وإن لم يقبل انتقل الوقف إلى مَن؟ إلى مَن بعده، مثل لو قال: وقفٌ على زيد ثم على الفقراء، فقال زيد: أنا لا أريده، نقول: لا نلزمك أن تريده، ولكن ينتقل إلى مَن؟
طلبة: إلى مَن بعده.
الشيخ: إلى مَن بعده، إلى المساكين؛ لأن الواقف قال: فلان ثم المساكين.
قال: (ولا إخراجه عن يده) يعني: ولا يجب، أو ولا يُشْتَرَط إخراجه عن يده، فيجوز أن يُوقِف شيئًا وهو تحت يده.
[ ١ / ٥٥٥٣ ]
مثل: قال: هذا البيت وقفٌ على المساجد، ولكن بقي البيت تحت نظره، هو الذي يؤجِّره، وهو الذي يُصَلِّحُه إذا دَمَرَ، فإن الوقف صحيح؛ لأنه لا يُشْتَرَط إخراجه عن يده، لكن غَلَّة الوقف تُخْرَج ولَّا لا؟ تخرج، لا بد أن تُخْرَج، لكن الوقف أصله -يعني عين الوقف- لا يُشْتَرَط إخراجه عن يده.
هذه شروط الوقف التي ذكرها المؤلف ﵀، وأهم شيء فيها أن تكون على بِرٍّ إذا كانت على جهة، أما إذا كانت على معيَّن فإن الْبِرَّ ليس بشرط.
لو قال: هذا وقف على الأغنياء.
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح. لماذا؟
طلبة: ليس على بِرٍّ.
الشيخ: ليس على بِرٍّ. إذا قال: وقفٌ على الفقراء، صَحَّ؛ لأن هذا بِرٍّ، إذا قال: وقفٌ على الكافرين.
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، إذا قال: هذا وقفٌ على فلان وهو كافر، يصح.
الطالب: القبر يا شيخ.
الشيخ: قبر؟ ما هي عندنا.
الطلبة: قبل حَمْل.
الشيخ: لا، مَلَك وحيوان وحَمْل.
الطلبة: قبر.
الشيخ: قبر؟ ما هي شرح؟
الطلبة: لا.
الشيخ: بعد حَمْل ولَّا قبل.
طالب: قبل حَمْل.
الشيخ: يعني لا يصح الوقف على القبر؛ لأن القبر لا يَمْلِك، فإن كان المقصود بالوقف على القبر أن تُشْعَل عليه السُّرُج، ويُجَصَّص، ويُبْنَى عليه فهو أبعد من الصحة؛ لأن في هذا إعانةً على الإثم والعدوان.
فإن قال: هذا وقف على المقبرة؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: فصحيح؛ لأن هذه جهة، والمقابر تحتاج إلى إصلاح، تحتاج إلى تسوير، تحتاج إلى إحضار اللَّبِن، تحتاج إلى حفر القبور، وما أشبه ذلك.
***
ثم قال المؤلف ﵀: (فصل .. ويجب العمل في شرط الواقف في جمعٍ وتقديمٍ، وضدِّ ذلك، واعتبارِ وصفٍ وعدمه وترتيبٍ ونظرٍ وغير ذلك).
أولًا: قال: (يجب العمل بشرط الواقف) أي: بما ذكره الواقف في الوقف فإن العمل به يجب، على مَن؟ يجب على الناظر، على ناظر الوقف.
وقوله: (يجب بشرط الواقف) إذا قال قائل: ما هو الدليل على أنه يجب العمل بشرط الواقف؟
[ ١ / ٥٥٥٤ ]
فالجواب: الدليل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨١].
فبَيَّنَ الله تعالى أن مَن بَدَّل شرط المالك الذي اشترطه في نقل ملكه بعد أن سمعه فعليه الإثم، وهدَّد من التبديل بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
وأما التعليل فلأن هذا الموقوف خرج من مُلْكِ الواقفِ على شرط معين، فيجب أن يكون ذلك الشرط قائمًا؛ لأنه ملكه، ولم يُخْرِجْه إلا على هذا الوصف.
فإذا قال الواقف: هذا البيت وقف على الفقراء والناظر فلان، فقام الناظر وصرف غَلَّةَ هذا الوقف على طلبة العلم وتَرَك الفقراء، فإن هذا جناية على الواقف، لماذا؟ لأن الواقف يعرف طلبة العلم، ولكنه اختار أن يكون الوقف على ما يحتاج إليه وهم الفقراء؛ لأن طلبة العلم إذا وُقِّف عليهم شمل الغني والفقير، ولكن إذا خُصَّ بالفقراء اختص بالفقراء، ولكن إذا كان طلبة العلم فقراء دخلوا فيه.
إذن نقول: الدليل على وجوب العمل بشرط الواقف أثري ونظري، يعني فيه دليلان أثري ونظري؛ الأثري؟
طلبة: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ﴾ ..
الشيخ: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
النظري: هو أن هذا الْمُلك خرج من المالك على وصفٍ معين، فلا يجوز العدول عنه؛ لأن هذا جناية على الواقف.
قال المؤلف: (في جمع وتقديم).
(في جمع) أي: إذا جَعَلَ الوقف على جماعة، ولم يُفَضِّل بعضهم على بعض وجب أن يُجْعل الوقف بين هؤلاء الجماعة فيُجْمَع بينهم.
مثاله: قال: هذا وقفٌ على زيد وعمرو وبكر وخالد، يُجْمَع بينهم في الوقف ولَّا لا؟ يُجْمَع بينهم في الوقف، سواء ولا يختلف؟
الطلبة: سواء.
[ ١ / ٥٥٥٥ ]
الشيخ: سواء؛ لأن الواقف قال: على زيد وعمرو وبكر وخالد، ولم يُفَضِّل أحدًا، فيجب أن يُجْمَع بين هؤلاء المستحقين بالسوية.
(وتقديم)، يعني: يجب أن نعمل بشرطه في التقديم، إذا قال مثلًا: على زيد وعمرو وبكر وخالد، يُقَدَّم زيد، ثم عمرو، ثم بكر، ثم خالد، يجب العمل بهذا ولَّا لا، ولَّا نجعلهم سواء؟
طالب: يجب العمل.
الشيخ: يجب العمل بالتقديم، ولكن قد يقول قائل منكم: ما الفرق بين الجمع والتقديم؟
التقديم يقدَّم الأول فالأول، فيعطَى حاجته، وما بقي يكون للذي بعده.
والجمع؟ يُجْمَع بين الجميع بالسوية.
مثال ذلك: قال: هذا وقفٌ على زيد وعمرو وبكر وخالد، يقدَّم زيد، ثم عمرو، ثم بكر، ثم خالد، وكان ريع هذا الوقف عشرين ألفًا، وكان احتياج زيد عشرة آلاف في السنة، واحتياج عمرو عشرة آلاف في السنة، واحتياج بكر عشرة آلاف في السنة، واحتياج خالد عشرة آلاف في السنة، كم مجموع ما يحتاجون؟
طلبة: أربعون ألفًا.
الشيخ: مجموع ما يحتاجون أربعون ألفًا، والريع عشرون ألفًا، لو وَزَّعْنَا الريع بينهم بالقسط لأعطينا كل واحد خمسة آلاف، وهذه صورة الجمع، هذا اللي نجمع بينهم، لكنَّ الواقف قال: يُقَدَّم فلان، ثم فلان، ثم فلان، ثم فلان، كل واحد من هؤلاء حسب المثال يحتاج إلى كم؟
طالب: عشرة آلاف.
الشيخ: إلى عشرة آلاف، نبدأ أولًا بزيد في مسألة التقديم، أعطيناه عشرة آلاف، ثم بعمرو، أعطيناه عشرة آلاف، ثم؟ انتهى، نقول: بكر وخالد ليس لكما شيء.
في السنة الثانية صار الريع ثلاثين ألفًا، كل واحد يحتاج إلى عشرة، ماذا نصنع؟ نعطي زيدًا وعَمْرًا وبَكْرًا، كده ولَّا لا؟ لأن الآن صار الريع ثلاثين ألفًا، وخالد ما له شيء، لكن نقول: انتظر العقار يزيد الآن.
في السنة الثالثة صار الريع أربعين ألفًا، فنبدأ بِمَن؟ بزيد، ثم عمرو، ثم بكر، ثم خالد، كلهم أخذ الآن.
في السنة الرابعة صار الريع ثمانين ألفًا، إي نعم، أيش نعمل؟ نعطي كل واحد عشرين ألفًا.
[ ١ / ٥٥٥٦ ]
على كل حال الجمع إذن: أن نقسم الوقف بين الموقوف عليهم بالسوية جميعًا، والتقديم: أن نبدأ بالأول فالأول، فإذا سددنا حاجته انتقلنا إلى الثاني، وهكذا.
طالب: عفا الله عنك، إذا كان الْمُوقَف عليهم من ذكور وإناث، هل يُعْطَوْن بالسوية؟
الشيخ: بيجينا إن شاء الله بعدين في كلام المؤلف.
***
طالب: () آله وصحبه أجمعين، قال رحمه الله تعالى: فصل .. ويجب العمل بشرط الواقف في جمعٍ وتقديمٍ وضد ذلك، واعتبار وصفٍ وعدمه، وترتيب ونظرٍ، وغير ذلك، فإن أطلق ولم يَشْتَرِط استوى الغني والذَّكَر وضدهما، والنظر بالموقوف عليه، وإن وَقَّفَ على ..
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى .. سبق لنا أنه يُشْتَرَط في غير المسجد ونحوه من سُبُل الخيرات أن يكون الوقف على؟
طالب: على عَيْن.
الشيخ: على عَيْن، كيف على عين؟
الطالب: ما هو على الجهة.
الشيخ: إذا كان على غير جهة فما الذي يُشْتَرَط فيه؟
الطالب: إذا كان على جهة يُشْتَرَط فيه البِرّ، واللي ما جهة ما يشترط فيه البِرّ.
الشيخ: ما يخالف، لكن ما الذي يشترط فيه؟ يعني ما الذي اختص به الوقف على غير جهة؟
الطالب: ما أعرف بالضبط أجاوب عليه.
الشيخ: هذه مشكلة، المشكلة عدم المعرفة.
طالب: أن يكون على معيَّن يَمْلك.
الشيخ: أن يكون على معين يملك، ما ضد المعيَّن؟
الطالب: ضد المعين المجهول.
الشيخ: مِثل؟
الطالب: ().
الشيخ: نعم، يَمْلك احترازًا مِن؟
الطالب: الذي لا يملك () حيوان ..
الشيخ: نعم أحسنت.
ما تقول في رجل وقَّف شجرة على بعير، قال: هذه الشجرة وقف على هذه البعير؟
الطالب: على كلام المؤلف لا يصح.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأنه لا يملك.
الشيخ: لأن البعير لا يملك، فلا يصح الوقف عليه، في رأي آخر.
الطالب: نعم فيه رأي ثانٍ أنه يصح.
الشيخ: أنه يصح، ويُصْرَف في؟
الطالب: في مصالح البعير.
الشيخ: في مصالح البعير.
المؤلف قال: إنه لا يصح الوقف على الْمَلَك.
[ ١ / ٥٥٥٧ ]
طالب: لأنه لا يَمْلِك.
الشيخ: وإيش صورة هذا؟
الطالب: قال: وَقَّفْت على ميكائيل ..
الشيخ: أو قال: وَقَّفْت على جبريل أو ميكائيل أو إسرافيل.
الطالب: هذا لا يصح.
الشيخ: هذا لا يصح، لماذا؟
الطالب: لأنه ما يملك.
الشيخ: لأنه لا يملك، صح.
هل يشترط قبول الموقوف عليه للوقف؟
الطالب: ما يشترط قبوله.
الشيخ: قال: هذا وقف على فلان، هل يُشْتَرط أن يَقبل؟
الطالب: لا، ما يُشْتَرط.
الشيخ: ما يشترط، إذن إذا قال: لا أقبل ما أريده.
الطالب: انتقل لمن بعده.
الشيخ: انتقل لمن بعده، إن كان؟
الطالب: قد عيَّن بعده أحدًا.
الشيخ: قد عيَّن بعده أحدًا، وإلا انتقل إلى صاحبه وقفًا.
يقول المؤلف: (لا يُشْتَرَط إخراجه عن يده)، أيش معنى هذه العبارة؟
طالب: معنى العبارة أي: لا يُشْتَرَط أن يُخْرِج الواقف الوقفَ من يده، فيجوز أن يكون وقفًا ولو كانت تحت يده.
الشيخ: تمام، يعني لا يُشْتَرَط لصحة الوقف أن يُخْرِج الواقف الوقفَ عن يده، فيصح أن يُوقِف دارًا وهي تحت يده وتصرفه، ونَفِّذْها.
قال المؤلف: إنه (يجب العمل بشرط الواقف).
طالب: نعم، يجب العمل به.
الشيخ: دليلك؟
الطالب: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾.
الشيخ: يعني أن ما ذكره الواقف من الشروط يجب تنفيذه، الدليل؟
الطالب: قول الله ﷿: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
الشيخ: نعم، ومن السنة؟
الطالب: أن عمر اشترط شروطًا ().
الشيخ: تمام، من السنة أن عمر اشترط في إيقافه لنصيبه من خيبر شروطًا (١)، ولولا أنه يجب تنفيذها لكان اشتراطه لا فائدة منه.
[ ١ / ٥٥٥٨ ]
يقول المؤلف: (يجب العمل بشرط الواقف)، يحتاج هذا القول أو هذا الإطلاق إلى تقييد، بشرط ألَّا يخالف الشرع، فإن اشترط شرطًا يخالف الشرع فإنه لا يُعْمَل به؛ لقول النبي ﷺ: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَلَوْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ» (٢).
فلو اشترط شروطًا فاسدة فإنه لا يُعْتَدّ بها، مثل أن يقول: هذا وقفٌ على ولدي فلان إلا أن يصلي مع الجماعة، أيش تقولون هذا الشرط؟
طالب: باطل.
الشيخ: يُعْمَل به ولَّا لأ؟
الطالب: ما يُعْمَل به.
الشيخ: ما يُعْمَل به؛ لأنه شرط فاسد مناقض للشرع، يعني معنى هذا أن هذا الولد إن صلى مع الجماعة حُرِمَ من الوقف، وإن ترك صلاة الجماعة؟
الطالب: استحق الوقف.
الشيخ: استحق الوقف، هذا ضد ما يريد الله ﷿، فإذا كان يخالف الشرع فإنه شرط فاسد لاغٍ لا يُعْمَل به.
(يجب العمل بشرط الواقف). ثم ذكر المؤلف صورًا لشروط الوقف، قال: (في جمعٍ وتقديمٍ، وضد ذلك، واعتبارِ وصفٍ وعدَمِه، وترتيب ونظر، وغير ذلك).
هذه أمثال، أولًا: (في جمع) وذلك بأن يجعل الواقف الغلَّةَ مستحَقَّة لجمع بدون تمييز، مثل أن يقول: هذا وقفٌ على أولادي وأولادهم، هاهنا جَمَع بين البطن الأعلى والبطن الأسفل، أولادي وأولادهم، بماذا عرفنا أنه جَمْع؟ لأن الواو تقتضي الاشتراك، الاشتراك بدون تمييز، فليس فيها ترتيب، فنقول: إذا قال الواقف: هذا وقفٌ على أولادي وأولادهم، فإن الجميع يستحقون هذا الوقف، الأولاد وأولادهم، فإذا كان له ثلاث أولاد: أحدهم ليس له وَلَد، والثاني له عشرة، والثالث له عشرون، كم يوزَّع الوقف عليه؟
الطالب: أثلاثًا.
الشيخ: لا، ما هو أثلاثًا.
الطالب: بالسوية.
الشيخ: سواء الأولاد وأولادهم، صاحب العشرين ولدًا، نشوف المسألة من كم؟ واحد وعشرون وأحد عشر، كم هذه؟ اثنان وثلاثون، وواحد؟
طلبة: ثلاثة وثلاثون.
[ ١ / ٥٥٥٩ ]
الشيخ: ثلاثة وثلاثون، إذن نَقْسِم الوقف على ثلاثة وثلاثين سهمًا، للذي له أولاد عشرون؟
طلبة: واحد وعشرون سهمًا.
الشيخ: واحد وعشرون سهمًا، وللذي أولاده عشرة؟
طلبة: أحد عشر سهمًا.
الشيخ: أحد عشر سهمًا، وللذي ليس له أولاد؟
طلبة: سهم واحد.
الشيخ: سهم واحد؛ لأن الواقف جعل الوقف مستحَقًّا بين الجميع، هذا الجمْع.
التقديم؛ يُقَدَّم أحد المستحقين، مثل أن يقول: هذا وقفٌ على أولادي ويقدَّم طالب العلم، هنا يستحقه الأولاد على السواء، إلا إذا كان فيهم طالب علم فإنه يقدَّم، ولكن كيف يقدَّم؟ نقول: إن كان قد جعل له شيئًا معلومًا قُدِّمَ به، مثل أن يقول: يُقَدَّم طالب العلم فيعطَى مئة في كل شهر، فهنا أيش؟
طالب: يُعْطَى منها.
الشيخ: يُعْطَى منها، والباقي للآخرين، ولو لم يأت الواحدَ منهم إلا درهمٌ واحد، وإذا لم يقدِّر شيئًا معلومًا للمقدَّم فإنه يُعْطَى كفايته، والباقي للآخرين.
فمثلًا: إذا كان ما غَلَّه الوقف في الشهر خمس مئة، وحاجة هذا الرجل المقدَّم مئتان؟
طالب: يُعْطَى مئتين.
الشيخ: فيُعْطَى مئتين، والباقي للآخرين.
هذا التقديم، إذن التقديم أن يقدّم أحد المستحقين بوصف من الأوصاف.
هذا وقفٌ على أولادي الذكور والإناث، وتُقَدَّم مَن طُلِّقَت على من لم تطلَّق، هذا وصف ولَّا لا؟
طالب: وصف.
الشيخ: وصف، يعني قُدِّمَت المطلَّقة بوصف، إذن نَقْسم الوقف بين الموقوف عليهم ونقدم مَن؟
الطالب: مَن طُلِّقَت.
الشيخ: مَن طُلِّقَت.
هذا وقف على أولادي، يُقَدَّم الأكبر.
طالب: هو نفسه.
الشيخ: نفس الشيء، يُقَدَّم الأكبر؛ فإن قَدَّر له شيئًا معلومًا أخذه، وإن لم يُقَدِّر له شيئًا معلومًا أخذ أيش؟
طالب: كفايته.
الشيخ: كفايته.
(في جمع وتقديم وضد ذلك)، ضد جمع: الإفراد، بأن أقول: وقف على أولادي ثم أولادهم، أو يقول: وقفٌ على ولدي فلان، ثم فلان، ثم فلان، إذا قال: وقف على ولدي فلان، ثم فلان، ثم فلان، هل هذا جمع؟
طالب: لا.
[ ١ / ٥٥٦٠ ]
الشيخ: لا، ليس بجمع، إفراد، كل واحد يستحقه وحده.
ضد التقديم: التأخير، بأن يقول: هذا وقف على أولادي يؤخَّر منهم مَن ليس حريصًا على صلاة الجماعة، فهنا مَن ليس حريصًا على صلاة الجماعة يؤخَّر آخر شيء، فيُجْعَل للأولين كفايتهم إذا لم يقدر لهم شيئًا معلومًا، فإن بقي شيء أُعْطِيَ هذا الذي لا يصلي مع الجماعة، لا لأنه لا يصلي، ولكن لأنه ولد، والوقف هنا على الأولاد، واضح يا جماعة؟
الفائدة من قول الواقف: يؤخَّر مَن لا يصلي مع الجماعة، ويش غرضه بهذا؟
طالب: يقدِّم الذي يصلي.
الشيخ: الحث على صلاة الجماعة، وعقوبة مَن لم يصلِّ بالحرمان من هذا الوقف، لكنه ليس حرمانًا مطلقًا؛ لأنه جعله من باب التأخير، فهو حرمان غير مطلَق؛ لأنه إذا فُرِضَ أنه بقي شيء بعد الأَوَّلِين أخذه.
(واعتبار وصف وعدمه)، يعني: ويُرْجَع إليه أيضًا في اعتبار الوصف، وفي عدم اعتبار الوصف، يعني: وفي عدم الوصف.
فإن كان الوصف ثُبُوتِيًّا فهو مُعْتَبَر، وإن كان سلبيًّا فالمعتبر أيش؟ عدمه، هذا الضابط؛ إذا كان ثبوتيًّا فهذا اعتبار وصف، إذا كان سلبيًّا فهذا اعتبار عدم الوصف.
إذا قال –مثلًا-: هذا وقف على ولدي، على الصالح منهم. هذا اعتبار عدم وصف، ولَّا اعتبار وصف؟
طلبة: اعتبار وصف.
الشيخ: اعتبار وصف.
هذا وقفٌ على الصالح من أولادي؟
الطلبة: وصف.
الشيخ: اعتبار وصف.
هذا وقف على طالب العلم من أولادي؟
الطلبة: اعتبار وصف.
الشيخ: اعتبار وصف.
إذا قال: هذا وقف على مَن لم يتزوج من أولادي، بعبارة أحسن: هذا وقف على مَن لا يستطيع الزّوَاج من أولادي.
طلبة: هذا عدم وصف.
[ ١ / ٥٥٦١ ]
الشيخ: عدم، لأنه قال: مَن لا، ولم يقل: من استطاع، وترون أني عدلت عن قولي: مَن لم يتزوج، إلى قولي: مَن لا يستطيع؛ لأنه لو قال: على مَن لم يتزوج، لكان هذا مدعاة إلى تَرْك الزواج، لا سيما إذا كانت الغلة كثيرة، فمثلًا: إذا كانت الغلة مليون ريال من هذا الوقف، مليون ريال بالسنة، وقال: هذا وقفٌ على مَن لم يتزوج، ما أحد راح يتزوج، يقول: بلا أي مَرَة، آخذ ميلون ريال، آخذ سنتين ثلاثة ملايين، وبعد ثلاثة ملايين أتزوج، يمكن؟
أما إذا قلنا: هذا وقفٌ على مَن لا يستطيع الزواج فهذا ليس فيه حَثٌّ على عدم الزواج، ليش؟ بل فيه ترغيب في الزواج؛ لأنه إذا كان لا يستطيع وَجَد أن هذا الوقف سيكون عليه، سوف يأخذ منه من أجل أن يتزوَّج؛ لأنه إذا أخذ أول مرة –مثلًا- في مثالنا هذا إذا أخذ أول مرة مليون، استطاع أن يتزوج؟
طالب: استطاع.
الشيخ: في السنة الثانية؟
الطالب: لا حق له.
الشيخ: لا حق له، لكن لو قال: على مَن لم يتزوج؟
الطالب: يبقى له حق.
الشيخ: لأُعْطِي في الثانية والثالثة والرابعة، فيكون إذن إذا كان هناك فرق بين مَن لا يستطيع وبين مَن لم يتزوج، وهو واضح، فلو قُدِّرَ أن الواقف قال: مَن لم يتزوج، ونحن نعلم أن مراده مَن لم يتزوَّج لعجزه، فالشرط صحيح ولَّا لا؟ صحيح، ونعتبر هذا الشرط.
إذا علمنا أن هذا الرجل لا يريد من أولاده أن يتزوج، وجعل الاستحقاق موقوفًا على هذا الشرط فإنه يجب أن نُلْغِي هذا الشرط، ليش؟
طلبة: مخالف ..
الشيخ: مخالف لشرط الله، الرسول ﷺ قال: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ» (٣).
وهذا سيجعل الوقف على مَن لم يتزوج، إذن هو يحث الناس، أي يحث أولاده على عدم الزواج، فهو شرط باطل لا يُعْتَبَر ولا يُعْمَل به، عرفتم يا جماعة؟
إذن ما هو الفرق بين اعتبار الوصف وعدمه؟
إن كان الوصف ثبوتيًّا فهو اعتبار وصف، إذا كان سلبيًّا فهو عدم وصف.
[ ١ / ٥٥٦٢ ]
أظن انتهى الوقت، نعم.
طالب: () على أولاده باعتبار وصف، قال: هذا وقف على أولادي، ويعطى طالب العلم مئة ريال، إذا أخذ طالب العلم مئة ريال، هل يدخل معهم مرة أخرى؟
الشيخ: نعم.
الطالب: يعني يُعْطَى بوصفه طالب علم ثم يدخل معهم باعتبار الأولاد؟
الشيخ: إي نعم، إذا كان لا يكفيه المئة يأخذ، إن كانت تكفيه لا يأخذ، إذا كان لا تكفيه يُنْظَر للكفاية، الباقي إن زاد على كفايتهم هم أيضًا يُرَدّ على الجميع.
الطالب: إي بس خص مئة ريال ..
الشيخ: ما يخالف خص مئة ريال تقديمًا، لكن نقول: لما خَصَّ هذا الرجل بمئة ريال فهذا لأنه قال: يقدَّم طالب العلم فيعطى مئة ريال، يقدم فيعطى، فظاهره أنه لا يستحق أكثر من مئة، إلا إذا كانت لا تكفيه فهو يأخذ منه.
طالب: أحسن الله إليك، إذا قال: هذا وقف على أولادي طلبة العلم منهم، وكانوا كلهم طلبة علم، لكن أحدهم أقوى في العلم من الآخر، أو أقوى في التحصيل من الآخر، هل يقدَّم الأقوى فالأقوى، أو كلهم يعطون بالسوية؟
الشيخ: ويش تقولون في هذا؟
طلبة: كلهم بالسوية.
الشيخ: يقول: إذا كان قال: وقف على أولادي طلبة العلم منهم، وكانوا كلهم طلبة، فهل يُعْطَوْن على التساوي إذا كان بعضهم أقوى من بعض، أو يُفَرَّق بين القوي والضعيف؟
الطلبة: على السواء.
طالب: إلا إذا كان ..
الشيخ: ما دام الوصف منطبقًا عليهم جميعًا فإنهم يُعْطَوْن، لكن إذا علمنا أن أحدهم أقوى طلبًا، ما هو أقوى تحصيلًا، أقوى طلبًا، يعني: بمعنى واحد يحضر الدرس في الأسبوع مرة، وواحد يحضر الدروس كل يوم، فلا شك أن الوصف الذي هو طلب العلم مختلف بين هؤلاء، عرفت الآن؟ فهنا للناظر أن يفرِّق، فيعطي الأكثر حرصًا وَجِدًّا أكثر من الآخر.
الطالب: إذا كان هذا الرجل قال: هذا وقف على أولادي، وآخر من أولادي إذا طلب العلم.
الشيخ: ويش تقولون في هذا؟ يقول: إذا قال: هذا وقف على أولادي، يؤخَّر طالب العلم، كذا؟
الطالب: نعم.
[ ١ / ٥٥٦٣ ]
الشيخ: فهل يُقْبَل هذا الشرط؟
طلبة: لا يُقْبَل.
الشيخ: لا يُقْبَل؛ لأنه خلاف شرط الله، فالعلم مما حث عليه الشرع، «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (٤).
الطالب: ().
الشيخ: المهم إذا قال: يؤخَّر طالب العلم، وصار فيهم واحد طالب علم نعطيه، ولا نعتبر هذا الشرط.
طالب: شيخ، إذا قال: هذا وقف على أولادي يقدَّم طالب العلم، ولم يذكر له شيئًا، نقول: نعطيه الكفاية؟
الشيخ: نعم.
الطالب: إذا كانت غلة الوقف كثيرة أعطيناه كفايته ..
الشيخ: نعم، إذا أعطيناه كفايته أعطينا الآخرين كفايتهم بعده، ثم الباقي يكون لهم بالسوية.
الطالب: حتى وإن كانت كفايته قليلة.
الشيخ: إي نعم، ما يخالف، نعطي كل واحد كفايته، والباقي يوزَّع عليهم بالقسط.
طالب: شيخ.
الشيخ: نعم، () لا، خَلِّ المثال، الجمع ويش معناه؟
الطالب: وقفتُ على ..
الشيخ: لا، ما هو كأن يقول، إذا قلت: كأن يقول، هذا مثال، لكن ما معنى الجمع أولًا؟
الطالب: معنى الجمع أولاده.
الشيخ: نعم.
طالب: أن يجعل الوقف في جماعة ولا يفرِّق بينهم.
الشيخ: نعم؛ أن يجعل الوقف على جماعة بدون تمييز ولا تفريق، مثاله؟
الطالب: يقول: هذه الأرض وقفتها على أولادي، أو على ..
الشيخ: ما فيه جمع هذا.
طالب: وقفت الأرض على فلان وعِلّان.
الشيخ: فلان وفلان، كذا؟
الطالب: زيد وعمرو.
الشيخ: زيد وعمرو، أو أولادي وأولادهم، هذا فيه جمع بالواو.
يقول: (وتقديم).
طالب: إذا كان تقديمًا بوصف معين من مرض أو طلبة العلم.
الشيخ: يعني معناه أن يكون الوقف على الجميع، لكن يقدَّم من اتصف بصفة، أو يقدَّم مَن عَيَّنَه بشخصه، يعني يقدَّم مَن عَيَّنَه إما بشخصه وإما بوصفه، مثال ذلك؟
الطالب: يقول له: وقف على أولادي.
الشيخ: نعم.
الطالب: ويقدَّم منهم طالب العلم.
الشيخ: أحسنت، هذا بوصف، بشخص؟
طالب: يقدَّم زيد.
[ ١ / ٥٥٦٤ ]
الشيخ: يقدَّم زيد من أولاده، ما الفائدة من ذِكْر التقديم؟ ما دام الجميع مستحقًّا للوقف، فما الفائدة من التقديم؟
الطالب: لوجود علة في هذا المقدَّم ..
الشيخ: ما يخالف، وُجِدَ علة أو قدَّمه لشخصه، المهم أيش الفائدة من التقديم؟
الطالب: النص عليه بإعطائه قبلهم.
الشيخ: كيف يعطاه قبلهم؟ يعني –مثلًا- عندنا الآن مئة ريال وهم عشرة، نبدأ بأول واحد نعطيه عشرة؟
الطالب: هذا يُعْطَى كفايته ثم ..
الشيخ: إذن الفائدة أن المقدَّم يُعْطَى ما عُيِّن له إن كان قد عُيِّن له شيء، وإلا أُعْطِي؟
الطالب: كفايته.
الشيخ: كفايته ثم انتقلنا إلى مَن؟
الطالب: بعده.
الشيخ: إلى مَن بعده، هذه الفائدة بالتقديم.
(ضد ذلك) هو الثالث؛ ضد الجمع.
طالب: الإفراد.
الشيخ: مِثل؟
الطالب: يقول: وقف على زيد، أو وقف على فلان الواحد ..
الشيخ: طيب، ضد التقديم؟
الطالب: التقديم، يعني يقول: هذا وقف ..
الشيخ: ويش ضد التقديم قبل، نعرف ضد التقديم قبل.
الطالب: التأخير.
الشيخ: التأخير، أحسنت.
الطالب: يعني: وقفت هذا البيت على أولادي مؤخّرًا منهم الذي يؤخِّر الصلاة.
الشيخ: أحسنت.
الطالب: مُؤَخَّرهم الذي ..
الشيخ: يؤخَّر منهم مَن يتهاون بالصلاة، أحسنت تمام، وفائدة التأخير؟
الطالب: فيه فائدة لأجل مصلحة، من أجل يحثه على ().
الشيخ: لأجل أن يحث هذا المؤخَّر على سبب تأخيره.
قال المؤلف: (واعتبار وصف) قرأنا هذا، قرأناه وشرحناه، (واعتبار وصف)، ويش معنى (اعتبار وصف)؟
طالب: يُعَلَّق الوقف بوصف.
الشيخ: بوصف.
الطالب: نعم.
الشيخ: فيختص به هذا الوصف، مثاله؟
الطالب: أن يقول: هذا وقف على أولادي ويقدَّم لهم طالب العلم.
الشيخ: لا، ما تقول: يُقَدَّم، يصير من باب التقديم إذا قلت: يقدم ..
الطالب: يقدَّم.
الشيخ: إذا قلت: يقدَّم، صار من باب التقديم، إحنا الآن نريد اعتبار الوصف.
الطالب: هذا وقف على أولادي إن لم يتزوَّجُوا.
[ ١ / ٥٥٦٥ ]
الشيخ: الذي لم يتزوج منهم، هذا عدم ولَّا اعتبار وصف؟
الطالب: هذا عدم.
الشيخ: طيب، ما دَخَل عليه النفي فهو عدم، اعتبار وصف؟
الطالب: اعتبار وصف مثل أن يقول: هذا وقف على أولادي الصالحين منهم.
الشيخ: الصالحين منهم، صح؟ هذا اعتبار وصف الصلاح، أو وقف على أولادي طلبة العلم منهم، هذا اعتبار وصف، عدمه؟
طالب: كأن يقول: هذا وقف على مَن لم يتزوج من أولادي.
الشيخ: صح.
الطالب: على مَن لم يستطع أن يتزوج من الأولاد.
الشيخ: زين، قلنا: هناك فرق بين أن يقول: على مَن لم يتزوج، وعلى مَن لم يستطع أن يتزوج، أيهما الشرط الصحيح؟ نعم.
طالب: على مَن لا يستطع.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأنه لو قلنا: على مَن لم يتزوج، حثّ على عدم زواج الأولاد لأجل أخذ الوقف.
الشيخ: يكون في ذلك حثّ على عدم الزواج ليستحق من الوصف، وهذا خلاف الشرع، تمام.
لو قال: هذا وقف على مَن لا يستطيع الزواج، يصح ولَّا لا؟
طالب: يصح.
الشيخ: يصح؛ لأن هذه صفة يمكن أن تراعَى، لأن الذي لا يستطع يحتاج إلى دراهم يتزوج بها.
قال المؤلف ﵀: (وترتيب)، يعني: ويُرْجَع إليه أيضًا في الترتيب، أي: ترتيب الاستحقاق.
ترتيب الاستحقاق له صور، وذلك إما بالصيغة، وإما بالأداة، يعني معناها: أن يجعل الاستحقاق مُرَتَّبًا إما بالصيغة، وإما بالأداة.
فإذا قال: هذا وقفٌ على أولادي ثم أولادهم، أو على زيد ثم عمرو، أو على أولادي فأولادهم، أو على زيد فعمرو، هذا الترتيب بأيش؟
طلبة: بالصيغة.
الشيخ: لا إله إلا الله.
طالب: بالأداة.
الشيخ: بالأداة.
الفاء للترتيب، ثم للترتيب بالأداة، وإذا قال: هذا وقف على زيد، فإن مات زيد فعلى عمرو؟
طالب: بالصيغة.
الشيخ: هذا بالصيغة؛ لأنه أتى بجملة مستقلة تفيد أن الثاني بعد الأول.
هذا وقف على أولادي، ومَن مات عن ولد فنصيبه لولده، أيش هذا الترتيب؟
طالب: بالصيغة.
الشيخ: بالصيغة؛ لأنه قال: مَن مات عن ولد فنصيبه لولده.
[ ١ / ٥٥٦٦ ]
إذن نعمل بقوله في الترتيب، ولكن أحيانًا يأتي بالترتيب على أنه ترتيبُ بطنٍ على بطن، وأحيانًا يأتي بالترتيب على أنه ترتيب فرد على فرد، وأحيانًا يسكت، فإذا قال: هذا وقف على أولادي ثم أولادهم مَن مات عن ولد فنصيبه لولده، هذا ترتيب فرد على فرد واضح، فإذا كان أولاده ثلاثة، فمات أحدهم عن أولاد، فإن أولادهم يأخذون نصيبه، ويستحقون مع أعمامهم، لماذا؟ لأنه رَتَّبَ فردًا على فرد، قال: مَن مات عن ولد فنصيبه لولده، فإذا مات أحد الثلاثة وله أولاد فنصيبه لولده.
وتارة يكون هناك دليل على أن الترتيب لا حق فيه للمؤَخَّر مع وجود المقدَّم، مثل أن يقول: هذا وقف على أولادي ثم أولادهم؛ لا يستحق البطن الثاني مع البطن الأول شيئًا، هذا واضح أيش؟ أن البطن الثاني لا يستحق مع وجود واحد من البطن الأول.
مثال ذلك: أَوْقَفَ هذا الرجل ملكه على أولاده الثلاثة، قال: هذا وقفٌ على أولادي، ثم أولادهم، لا يستحق البطن الثاني مع الأعلى شيئًا.
فمات اثنان عن أولاد، فلمَن يكون الوقف؟
طلبة: للثالث.
الشيخ: للعم الباقي؟ طيب كذا، كان الوقف أولًا يُقْسَم أثلاثًا، لكل ولد ثُلُث، فلما مات أحدهم حاز للاثنين الباقيين، فلما مات الثاني انحصر الاستحقاق؟
طلبة: في الثالث.
الشيخ: في الثالث الباقي، لماذا؟ لأن الرجل قال: لا يستحق البطن الثاني مع الأول شيئًا.
القسم الثالث: أن يكون هناك ترتيب لكن لا يُبَيِّن الواقف أنه ترتيب جملة على جملة ولا فرد على فرد، فيقول مثلًا: هذا وقفٌ على أولادي ثم أولادهم، انتبه! وقفٌ على أولادي ثم أولادهم، فهنا هل يستحق أحد من البطن الثاني إذا مات أبوه مع البطن الأول أو لا يستحق؟
طلبة: لا يستحق.
الشيخ: شوف، وقفٌ على أولاده ثم أولادهم، وكان الأولاد ثلاثة، فمات أحد منهم عن أولاد، هل أولاده يستحقون شيئًا مع أعمامهم أو لا؟
طالب: لا يزيد من كفايته.
الشيخ: إي، يزيد مع الكفاية، كثير.
طالب: يستحق.
الشيخ: يستحق.
[ ١ / ٥٥٦٧ ]
الطالب: معنى العبارة أنه يستحق.
الشيخ: نحن عرفنا أنه إذا قال: هذا وقف على أولادي وأولادهم، أن أولادهم أيش؟
الطالب: يستحقون.
الشيخ: يستحقون معهم، يشاركون آباءهم، لكن إذا قال: وقف على أولادي ثم أولادهم، فمات أحد الأولاد الثلاثة عن أولاد، فهل يستحق أولاده شيئًا؟ هذا هو محل السؤال.
طالب: ما يستحقون.
الشيخ: يرى بعض العلماء أنه لا يستحق، وأنه ترتيب بطن على بطن، فلا يستحق أولاد الميت شيئًا مع وجود أعمامهم، ويرى آخرون أنهم يستحقون مع أعمامهم؛ لأنه يصدُق عليهم قوله: ثم أولادهم، فإن أولاد الأولاد لم يُعْطَوْا شيئًا مع وجود الأولاد، لكن لما عُدِمَ الولد في أحد المستحقين فلماذا لا ينزل ولده منزلته؟
فالمسألة فيها خلاف بين العلماء، فالمشهور من المذهب أنه ليس لأولاد المتوفى شيء مع أعمامهم، فليس للبطن الثاني شيء مع وجود واحد من البطن الأول.
وقال شيخ الإسلام ﵀: بل لهم مع أعمامهم، وعَلَّلَ ذلك بأنه قال: أولادي ثم أولادهم، فمات الولد هنا، فمن يستحقه؟ يستحقه ولده؛ لأن الغالب أن الجد لا يقصد حرمان أولاد ابنه مع وجود أعمامهم، بل ربما يكون نظرته إلى أولاد ابنه الذين انكسروا بموت أبيهم أشد شفقة من نظرته إلى أولاده.
المهم أن هذه المسألة فيها خلاف، لكن لو كان هناك عُرف شائع بين الناس بأن مثل هذه العبارة ترتيب بطن على بطن فلا يستحق البطن الثاني مع الأول شيئًا، فإننا نرجع إلى العرف.
وخير من ذلك إذا أراد الْمُوقِف أن يستحق أولاد الأبناء مع وجود أعمامهم أن يُصَرِّح، فيقول: مَن مات عن ولد أيش؟ فنصيبه؟
طالب: لولده.
الشيخ: فنصيبه لولده، هذا الترتيب، الفرق بين الترتيب والتقديم أنه في التقديم يُعْطَى المقدَّم ما خُصِّصَ له، إن كان الْمُخَصَّص قد خُصِّصَ له شيء، أو كفايته إن لم يُخَصَّص له، والباقي لمن؟ للآخرين.
[ ١ / ٥٥٦٨ ]
أما الترتيب فلا حق للثاني مع وجود الأول إطلاقًا، حتى لو بلغت الغلة ملايين الدراهم فليس للبطن الثاني مع الأول شيئًا، عرفتم يا جماعة؟ هذا فرق بين أيش؟
طالب: الترتيب والتقديم.
الشيخ: الترتيب والتقديم.
قال: (ونظر)، يعني: ويُرجَع إلى شرط الواقف في النظر مَنِ الناظر على الوقف، فإن عَيَّن الواقف ناظرًا عُمل به، بأن قال: هذا وقف على أولادي والناظر فلان، ولا يُشْتَرَط في الناظر أن يكون من أهل الوقف، فلو جعل الناظر شخصًا أجنبيًّا فلا حرج، مثل قال: هذا وقف على أولادي فلان وفلان وفلان، والناظر عليهم فلان من قبيلة أخرى، الناظر على الوقف فلان، وهو من قبيلة أخرى، وليس له حق في الوقف، يجوز هذا أو لا؟
طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز، المهم إذا عيَّن الواقف ناظرًا وجب العمل بما عينه، لماذا؟ لأنه أعلم بوقفه، ربما يقف على جماعة لكنه يرى أنهم ليسوا أهلًا للتصرف في الوقف، فيجعل النظر لشخص آخر أجنبي، نقول: هو حر، النظر عائد له، فإن لم يعيِّن ناظرًا بأن قال: هذا وقف على أولادي، أو وقف على المساجد، أو ما أشبه ذلك، فمَنِ الناظر؟ نقول: الناظر الموقوف عليه إن كان معيَّنًا، وأما إذا كان على جهة، أو على مَن لا يمكن نظره، فإن الناظر القاضي؛ لأن له النظر العام.
مثال ذلك: قال: هذا وقفٌ على زيد، مَن الناظر على الوقف؟ هو زيد؛ لأنه معيَّن، والملك ملكه؛ لأن الوقف ينتقل إليه ملكًا لكنه لا يتصرف فيه تصرفًا ينقل عينه.
فإن قال: هذا وقف على المساجد، فمَن الناظر؟
الطلبة: القاضي، الحاكم.
الشيخ: الحاكم يعني القاضي. هذا وقف على الفقراء؟
الطلبة: القاضي.
الشيخ: على القاضي؛ لأن الفقراء وإن كان لهم نظر لكن لا تمكن الإحاطة بهم، فيكون الناظر؟
طالب: القاضي.
الشيخ: القاضي.
إذا قال: هذا وقف على إمام المسجد الفلاني؟
الطلبة: هو الناظر.
الشيخ: هو الناظر؟ ليش؟
الطلبة: معيَّن.
[ ١ / ٥٥٦٩ ]
الشيخ: معين، لكنه معيَّن بوصف، يمكن هذه السنة الإمام فلان، والسنة الثانية الإمام فلان الثاني، فهو معين بوصف، والمعيَّن بوصفه قد لا يُحْسِن التصرف، أو قد لا يتصرف تصرفًا محمودًا بالنسبة للوقف، ولهذا ربما يقال: إن النظر في هذا للقاضي.
ولكن كلام الفقهاء يقتضي أن النظر للإمام الموقوف عليه؛ لأن هذا وقف خاص فيكون النظر له.
ولو قال قائل: إنه يُجْمَع بين الأمرين، ويقال: النظر للإمام وللقاضي، ومعلوم أنه بالنسبة لنا هنا أن النظر في الأوقاف ليس للقضاة اليوم، لمن؟
طالب: للأوقاف.
الشيخ: لوزارة الأوقاف، فيُرْجَع إليها في ذلك، والله أعلم.
طالب: شيخ، مثلًا يوقف في الوقف أكثر من ثلثه؟
الشيخ: إي نعم، ما دام حيًّا صحيحًا فإنه يجوز أكثر من الثلث.
الطالب: إذا خاف أن يأخذ الورثة بعده أن يقول: هذا كل مالي وقف لبنتي ().
الشيخ: وهو في حال صحته؟
الطالب: في حال صحته.
الشيخ: ما هو متهم.
الطالب: يعني يكون هذا وقف () الورثة.
الشيخ: لكن ربما بارك الله فيك تموت البنت قبله، ولَّا لا؟
الطالب: وبعدها أولادها ().
الشيخ: لا، أما إذا كان له أولاد ما يوقِّف على البنت وحدها لا يجوز، إذا لم يكن له أولاد جاز أن يوقِّف، لكن بشرط أن يكون في حال الصحة.
***
طالب: فإن أطلقه ولم يَشْتَرِط استوى الغني والذَّكَر وضدهما، والنظر للموقوف عليه، وإن وَقَّفَ على ولده أو ولد غيره ثم ابن المساكين فهو لولده الذكور والإناث بالسوية، ثم وَلَدِ بنيه دون بناته، كما لو قال: على ولد ولده وذريته من صلبه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قَال رحمه اللهُ تعالى فيما يُرجَع فيه إلى شرط الواقف: (الترتيب والنظر)، الترتيب ما معناه؟ قول المؤلف: يُرْجَع إلى شرط الواقف في الترتيب.
الطالب: الترتيب معناه –مثلًا- أنه يقول: وقفت.
الشيخ: خل إنه يقول، معنى هذا مثال، أعطني معناه ثم مَثِّل، قول: مثل أن يقول.
الطالب: معناه إنه ..
[ ١ / ٥٥٧٠ ]
الشيخ: أن يجعل الاستحقاق مُرَتَّبًا؟
الطالب: على أولاد الأولاد.
الشيخ: على البطون، أولادي ثم أولادهم، هذا الترتيب.
الشيخ: هل يجوز في الترتيب أن يعطَى البطن الثاني مع وجود البطن الأول؟
الطالب: () لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، يعني معناه الترتيب إذن لا حق للثاني مع وجود أحد من الأول.
إذا قال الرجل: هذا وقفٌ على أولادي ثم أولادهم، ومات أحد الأبناء، فهل يستحق أولاده شيئًا مع وجود أعمامهم؟
الطالب: يستحق في حالة أنه قال: إذا مات أحد من ..
الشيخ: لا لا، ما قال، قال: هذا وقف على أولادي ثم أولادهم.
الطالب: ثم أولادي ما ينفع؛ لأن البطن الأول موجود، البطن الثاني .. إذا ذهب البطن الأول بعده يستحق البطن الثاني.
الشيخ: إذن إذا قال: وقف على أولادي ثم أولادهم، ومات أحد الأولاد فإن أولاده لا يستحقون شيئًا مع وجود أعمامهم؛ لوجود أحد من البطن الأول، عندك منازعة؟
طالب: فيه قول ثانٍ أنهم يستحقون.
الشيخ: فيه قول ثان أنهم يستحقون، فيه قول ثاني؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: أنهم يستحقون، تمام، إذا قال: وقف على أولادي ثم أولادهم، مَن مات عن ولد فنصيبه لولده، فهل يستحق أولاد الابن مع وجود أعمامهم؟
طالب: يكون لهم الحق في ذلك.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأنه قيَّده بذلك، فإذا مات ().
الشيخ: لأنه قال: مَن مات عن ولد فنصيبه لولده، إذن يستحق.
إذا قال: وقفٌ على أولادي ثم أولادهم، ولا حق لأولاد الأولاد مع وجود الأولاد؟
طالب: لا يستحقون مع وجود أعمامهم.
الشيخ: قولًا واحدًا.
الطالب: نعم؛ لأن هذا شرط الواقف.
الشيخ: قولًا واحدًا؛ لأن هذا شرط الواقف، فصارت المسألة لها ثلاث صور؛ إما أن يصرِّح بالاستحقاق أو عدمه فالأمر واضح، أو لا يصرِّح بهذا ولا هذا ففيه قولان لأهل العلم.
ما معنى قول المؤلف: (ونظر)؛ (ترتيب ونظر).
طالب: () مَن جعله الواقف ناظرًا عليه يعيَّن ناظرا يتعين.
[ ١ / ٥٥٧١ ]
الشيخ: نعم، يتعين، ذكرنا أن التعيين يكون؟
الطالب: إذا كان على جهة ().
الشيخ: لا لا.
الطالب: إنه لا يشترط في تعيين الناظر أن يكون من الذين يستحقون الوقف.
الشيخ: لا لا، ذكرنا أن التعيين يكون؟
الطالب: أن الناظر غير داخل في هذا.
الشيخ: لا لا.
طالب: مثل أن يكون الواقف متولي الموقَف عليه.
الشيخ: لا، يكون بالشخص وبالوصف؛ بالشخص بأن يقول: الناظر فلان، وبالوصف بأن يقول: الناظر الصالح من الأولاد، أو الأكبر من الأولاد، أو ما أشبه ذلك، ذكرنا هذا، ولَّا لا؟
طالب: مسألة الإمام، إمام المسجد.
الشيخ: لا، الإمام غير، قلنا: إن الموقوف عليه معيَّن بالشخص أو بالوصف الموقوف عليه، الناظر غير الموقوف عليه، إذن الناظر يُرجَع فيه إلى شرط الواقف، فإذا عيَّنَه بالشخص أو بالوصف تعيَّن؛ بالشخص بأن نقول: هذا وقف على أولادي والناظر فلان، هذا معيَّن بالشخص، بالوصف: هذا وقف على أولادي والنظر للأكبر منهم، هذا بأيش؟ بالوصف، أو للصالح، أو ما أشبه ذلك، فإن لم يشترط ناظرًا فسيأتي.
قال المؤلف: (وغير ذلك)، يعني: غير ذلك من الشروط، مثل أن يشترط: هذا وقفٌ على أولادي، ولا يُؤْجَر أكثر من ثلاث سنين، المستحق للوقف يُؤَجِّره، له حق التأجير؛ لأن المنفعة له، لكن لو اشترط الواقف ألَّا يؤجَّر أكثر من ثلاث سنين –مثلًا-، يُعمَل بهذا الشرط ولَّا لا؟ يُعْمَل بهذا الشرط؛ لأن هذا شرط لا يخالف الشرع.
ولو قال: هذا وقفٌ على أولادي، والوقف دُكَّان، ولا يؤجر إلا على مَن يبيع آلات الموسيقى، يُعمَل بهذا الشرط؟ لو قال: لا يؤجر إلا على مَن يبيع آلات الموسيقى، ما يُعْمَل بهذا الشرط؛ لأن هذا الشرط محرَّم، فيؤجر على كل مَن يستغله في شيء مباح.
إذن قول المؤلف: (وغير ذلك) مقيَّد بأيش؟ بألَّا يخالف الشرع، فإن شرط شرطًا يخالف الشرع فإنه لا يصح، لا يجب العمل به، بل ولا يجوز العمل به.
[ ١ / ٥٥٧٢ ]
قال: (فإن أطلق) مبتدأ الدرس، (إن أطلق ولم يشترط)، (أطلق) يعني: في الاستحقاق، (ولم يشترط) لا ترتيبًا، ولا تقديمًا، ولا تفضيلًا، ولا تسوية، ولا جمعًا، أطلق، قال: هذا وقف على أولادي، هذا مطلق، يستوى الغني والذَّكَر وضدهما.
ضد الغني الفقير، وضد الذَّكَر الأنثى، فإذا قال: هذا وقفٌ على أولادي، وكان أولاده ابنين وبنتًا، ابن غني، وابن فقير، وبنت، وكان ريع الوقف ثلاثين ألفًا، كم نعطي الغني؟
طلبة: عشرة.
الشيخ: والفقير؟
طلبة: عشرة.
الشيخ: والأنثى؟
طلبة: عشرة.
الشيخ: عشرة، صح، على كلام المؤلف صحيح؛ لأن هذا استحقاق، يستوي فيه الأفراد، فنقول هنا: الذَّكَر والأنثى سواء، والغني والفقير سواء، نعم لو قال: هذا وقفٌ على أولادي مَن احتاج منهم، أيش نقول؟ نقول: الغني ليس له شيء، الغني في المثال الذي ذكرنا، غني وفقير وأنثى، لمن تكون الغلة؟ تكون للولد الفقير وللأنثى، ولا يكون للولد الغني شيء؛ لأنه قال: مَن احتاج منهم.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا يُفَضَّل الذَّكَر على الأنثى هنا، بخلاف العطية؛ فإن العطية تكون بقدر الإرث، فلو أراد إنسان أن يتبَرَّع لابنه وابنته بمال وجب أن يُعْطِي الذَّكَر مثل حظ الأنثيين، فإذا أعطى الأنثى مئة أعطى الذكر مئتين.
أما الوقف فقالوا: إنه يتساوى الذَّكَر والأنثى، وعَلَّلُوا ذلك بأن الوقف يراد به دفع الحاجة، والحاجة يستوي فيها الذَّكَر والأنثى، كل إنسان سواء كان ذكرًا أم أنثى يحتاج إلى أكل وشرب ولباس، فإذا كان الأمر هكذا فإنه يستوي الذكر والأنثى؛ لأن المقصود بالوقف أيش؟ دفع الحاجة، ولهذا ما رأيت أحدًا خالف في هذه المسألة؛ في أنه يُفَضَّل الذكر على الأنثى في الاستحقاق في الوقف.
[ ١ / ٥٥٧٣ ]
قال: (والنظر للموقوف عليه)، هذا الحكم فيما إذا أطلق ولم يشترط، فإن النظر يكون للموقوف عليه، فإذا قال: هذا وقف على أولادي، وكان أولاده عشرة. كم يكون النظر على هذا الوقف؟ عشرة، كلٌّ له نظر، لا ينفرد أحدهم بنظر، وهذا كما يُظَنّ سيُحْدِث أيش؟ نزاعًا؛ لأنه قل أن يتفق عشرة –مثلًا- على رأي واحد، فتجد هذا يقول: سنؤجر الوقف، والثاني يقول: لا تؤجره، والثالث يقول: أجِّره نصف سنة، والرابع يقول: أجِّره سنتين، والخامس يقول: أجِّره في أيام المواسم فقط، والرابع يقول: أجِّره في أيام الإجازات، وكل واحد يأتي بصوت من رأسه، فيحصل النزاع، ولهذا ينبغي للواقف أن يعيِّن ناظرًا، سواء من أهل الوقف أم من خارج، أما أن يُطْلِق حتى يكون النظر بين الجميع فهذا يؤدي بلا شك إلى النزاع.
إذا قلنا: إنه أطلق ولم يشترط، وقلنا: النظر للموقوف عليه، وكانوا عشرة، فلا بد أن يتفقوا على ما يتصرف به الجميع، فإذا أراد أحدهم أن يُؤْجِرَ هذا الوقف ماذا يصنع؟ يأخذ موافقة الجميع، يأخذ موافقة تسعة، إذا لم يوافقوا لم يمكن تأجيره.
إذا قال أحدهم: أنا ما أُؤَجِّر، اقسموا لي حقي، هل يملك ذلك؟ لا؛ لأن الوقف لا يوزع؛ إذ إن الوقف ليس ملكًا طِلْقًا يتمكن الإنسان من قسمه وأخذ نصيبه، الوقف إذا متّ أنت انتقل حقك إلى مَن؟ إلى مَن في درجة من الموقوف عليهم، لا إلى أولادك، إلا إذا كان الواقف قد قال: مَن مات عن ولده فنصيبه إلى ولده، ومع هذا فإنه لا ينتقل انتقالًا مطلقًا، وهذا هو وجه الإشكال الذي ذكرت أنه سيكون إشكال إذا لم يعيِّن الناظر.
قول المؤلف: (النظر للموقوف عليه) يُسْتَثْنَى من ذلك مسألتان:
[ ١ / ٥٥٧٤ ]
المسألة الأولى: إذا كان الموقوف عليهم لا يمكن حصرهم، كالمساكين، وطلبة العلم، فإن هؤلاء لا يمكن حصرهم، إذا قال الواقف: هذا وقف على المساكين، فإنه لا يمكن أن نقول: إنّ نظر هذا الوقف للموقوف عليهم، لماذا؟ لأنه يتطلب أن نبحث عن كل فقير على وجه الأرض حتى يوافق على التصرف، وهذا الشيء لا يمكن.
فإذا كان الوقف على جماعة لا يمكن حصرهم فليس النظر لهم، إذن لمن النظر؟ النظر للحاكم، للقاضي، النظر للقاضي، يُوَكِّل مَن شاء على هذا الوقف.
المسألة الثانية: إذا كان الموقوف عليه جهة لا تَمْلِك، مثل المساجد والقناطر والرُّبُط والمدارس، وما أشبه ذلك، فالنظر هنا لا يمكن أن يكون للموقوف عليه؛ لأنه أيش؟ لا يملك.
لو قال: هذا وقف على المسجد الفلاني، مَن الناظر؟ الناظر الحاكم؛ لأن المسجد الذي هو الموقوف عليه لا يملك، لكن في مثل هذا الحال ينبغي أن يقول الواقف: إن النظر للإمام؛ لأنّ جَعْل النظر للإمام أخصّ مِن كونه للحاكم للقاضي، الإمام يباشر المسجد، ويعرف مصالحه، ويعرف حوائجه، فكَوْن النظر له أولى من كَوْن النظر لمن؟ للحاكم.
إذن قول المؤلف: (النظر للموقوف عليه) متى يكون للموقوف عليه؟
طالب: إذا كان يملك، يكون الوقف ..
الشيخ: النظر للموقوف عليه إذا أطلق الواقف ولم يشترط ناظرًا، إذا لم يشترط ناظرًا فالنظر، يعني الواقف، ما قال: الناظر فلان، فالنظر يكون للموقوف عليه.
إذن إذا سُئِلْنا: متى يكون النظر للموقوف عليه؟ نقول: إذا أطلق ولم يشترط ناظرًا، انتبهوا! فالنظر للموقوف عليه، يأتي سؤال آخر: هل يُسْتَثْنَى من قولنا: النظر للموقوف عليه شيء؟ نقول: نعم، يُسْتَثْنَى شيئان:
أولًا: إذا كان الموقوف عليهم لا يمكن حصرهم.
والثاني: إذا كان الموقوف عليه لا يملك.
مثال الأول: المساكين، طلبة العلم، المجاهدون، هؤلاء لا يمكن حصرهم.
المثال الثاني: المساجد، المدارس، طبع الكتب، وما أشبه.
[ ١ / ٥٥٧٥ ]
هذا يكون النظر في هاتين الحالين أو في هاتين المسألتين يكون النظر لمن؟ للحاكم، القاضي، ويُوَكِّل مَن يرى فيه الكفاية، فيقول: أنت وكيلي في النظر على الوقف الفلاني، إذن متى يكون النظر للموقوف عليه، الجواب؟
طالب: إذا أطلق ().
الشيخ: إذا أطلق الواقف ولم يشترط ناظرًا يكون النظر للموقوف عليه.
هل يستثنى من ذلك شيء؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ما هي؟
الطالب: إذا كان على جهة عامة.
الشيخ: نعم.
الطالب: أو جهة لا يَمْلك، كالمساجد والقناطر، فيكون الوقف فيها للحاكم.
الشيخ: إذا كان على جهة عامة لا يمكن حصرهم فإنه يكون النظر للقاضي، إذا كان على جهة لا تَمْلِك فالنظر أيضًا للقاضي.
يقول المؤلف: (والنظر للموقوف عليه)، بقي عندنا مسألة: إذا وَقَّفَ هذا على إمام المسجد، فلمن يكون النظر؟
طالب: لإمام المسجد.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأنه قال: لإمام المسجد.
الشيخ: لأنه يَمْلِك، ولَّا لا؟ ومحصور، يملك ومحصور، لكن هذا نقول: معيَّن بالشخص ولَّا بالوصف؟
الطالب: بالوصف.
الشيخ: بالوصف، وإذا وَقَّفَ على زيد فالنظر لزيد، وهذا معيَّن بالشخص.
قال المؤلف ﵀: (وإن وَقَّفَ على ولده أو ولد غيره، ثم على المساكين، فهو لولده الذكور والإناث بالسوية، ثم ولد بنيه دون بناته).
يعني: ثم على المساكين، هذا وقف، أو رجل قال: هذا وقف على ولدي -شوف العبارة- على ولدي، وله عشرة من الولد؛ خمس إناث وخمسة ذكور، فكيف نُوَزِّع هذا الوقف؟
طلبة: للذكور الإناث بالسوية.
الشيخ: نوزِّع على الذكور والإناث بالسوية، هو يقول: على ولدي، ولدي مفرد؟
طلبة: يشمل.
الشيخ: يشمل؟ ليش؟
الطلبة: لأنه مضاف.
الشيخ: لأنه مفرد مضاف، يشمل كل أولاده، فقوله: على ولدي، كقوله: على أولادي، ولا فَرْق؛ لأنه مفرد مضاف، فيعُمّ جميع الأولاد، إذن لولده الذكور والإناث.
[ ١ / ٥٥٧٦ ]
وقَّف على ولد غيره، فقال: هذا وقف على أولاد زيد، وزيد له أولاد ذكور وإناث، يكون لأولاد زيد الذكور والإناث بالسوية، كما لو قال: على ولدي.
أبو الأولاد هل يستحق شيئًا؟ قال: هذا وقف على أولاد زيد، وزيد موجود أبوهم، لا يستحق شيئًا، نعم، لا يستحق شيئًا؛ لأن الرجل خَصَّه بأولاده، كيف نعطيه هو؟
يقول: (ثم على المساكين)، (ثم) تفيد أيش؟ الترتيب، ولا حق في الترتيب للمتأخِّر مع وجود أحد من المتقدِّم.
وقَّف على ولده، أو ولد غيره، ثم على المساكين، قال المؤلف: (فهو لولده الذكور والإناث بالسوية، ثم ولد بنيه)، يعني: دون بناته، فهو لولده الذكور والإناث بالسوية، ثم ولد بنيه دون بناته، واضح؟
الطلبة: واضح.
الشيخ: قال: هذا وقف على ولدي، وله عشرة من الولد؛ خمس إناث، وخمسة ذكور، يُقْسَم الوقف على العشرة كلهم بالسوية.
هؤلاء العشرة لهم أبناء وبنات، مات العشرة كلهم، لمن يرجع الوقف؟ قال المؤلف: (ثم ولد بنيه)، إذن يكون الوقف لأولاد الأبناء، سواء كان أولاد الأبناء ذكورًا أم إناثًا، (دون بناته) يعني: دون ولد بناته، فأولاد البنات لا شيء لهم مع أولاد أخوالهم.
(ثم ولد بنيه دون بناته) انتبهوا يا جماعة، الآن الوقف، يقول: هو لولده ثم ولد بنيه، مع أن العبارة: لولده، ما فيها ترتيب، والمؤلف حكم لأنها على الترتيب، كيف هذا؟ نقول: نعم؛ لأن الولد مفرد مضاف يعمّ، يعم أولاده لصلبه وأولاد أبنائه، كما هو الأمر كذلك في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]، فإن أولاد البنين لا يستحقون مع وجود الأبناء، يعني في الآية أيضًا على الترتيب، فنجعل الوقف أيضًا على الترتيب، وإن لم يكن فيه (ثم) على الترتيب.
[ ١ / ٥٥٧٧ ]
أقول في المثال: عشرة أولاد؛ خمس بنات وخمسة ذكور، ما دام هؤلاء العشرة موجودين فالوقف بينهم بالسوية، فإذا ماتوا فالوقف لأولاد البنين دون أولاد البنات، أولاد البنات ليس لهم شيء، ليش؟ لأن أولاد البنات لا يُنْسَبُون إلى الواقف، والواقف يقول: أولادي، وأولاد البنات ليسوا أولادًا له، صح؟ ولهذا لم يدخلوا في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ بإجماع المسلمين، يعني بالإجماع أن أولاد البنات لا يدخلون في عموم قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾.
فالشرع يدل على أن أولاد البنات لا يدخلون في مسمى الأولاد، والواقف ماذا قال؟ قال: الوقف على أولادي، نحتاج نحط سبورة هنا علشان نكتب: وقف على أولادي، ولّا ما نحتاج؟ ! وقف على أولادي، نقول: أولاد البنات لا يدخلون في الأولاد، بدلالة الشرع ودلالة العُرف.
أما دلالة الشرع فلأن قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ لا يتناول أولاد البنات بالإجماع، أليس كذلك؟ إذن فالشرع أخرج أولاد البنات من مسمى الأولاد.
وأما في العرف فقد قال الشاعر:
بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا وَبَنَاتُنَا
بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الْأَبَاعِدِ
الشاعر يقول: (بنونا بنو أبنائنا)، (بنونا) هذا فيه تقديم وتأخير في المبتدأ والخبر، (بنونا) خبر مقدَّم، و(بنو أبنائنا) مبتدأ مؤخَّر؛ لأن المقصود إلحاق بني الأبناء بالأبناء، لا العكس.
و(بناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد) مَثل: واحد فلان ابن فلان من بني تميم، زَوَّجَ ابنته فلان ابن فلان من هُذَيْل، أبناء بنته تميميون ولا هُذَلِيُّون؟
طلبة: هُذَلِيُّون.
الشيخ: إذن بعيد، (بنوهن أبناء الرجال الأباعد)، كيف يدخلون؟ عرفتم يا جماعة؟ إذن يدخل أولاد الأبناء ولا يدخل أولاد البنات بمقتضى دلالة الشرع ودلالة العُرف.
[ ١ / ٥٥٧٨ ]
ثم إن إدخال أبناء البنات قد يُوَلِّدُ إشكالات كثيرة، إذا صار الإنسان عنده خمس بنات كل واحدة أخذت زوجًا وجابت منه ثلاثة أولاد، ومات عنها، ثم أخذت آخر فجاءت بأربعة أولاد، ومات عنها، ثم أخذت ثالثًا وجابت خمسة أولاد، ومات عنها، ثم رابعًا وجابت ستة أولاد، ومات عنهم، ست وخمسة أحد عشر، وأربعة خمسة عشر، وثلاثة ثمانية عشر ولدًا من بنت واحدة، ويمكن الأولاد ها دولا بعد يأتي لهم أولاد، تكثر المسألة وتَشُقّ، ويتنازعون، والشرع يَحُول دون النزاع في كل صُوَرِه وأشكاله، وهذا القول هو القول الراجح؛ أن أولاد البنات لا يدخلون في مسمى الأولاد، لكن لو وُجِدَت قرينة تدل على أن أولاد البنات يُرَاد إدخالهم.
مثل أن قال: هذا وقف على أولادي، وليس له إلا بنات، فهنا القرينة تدل على أنه أراد أولاد البنات، يعني أراد البنات، فإذا مِتْنَ فلأولادهن، ليش؟ لأنه ما عنده ذكور، أو قال: هذا وقف على أولادي، ومَن مات عن ولد فنصيبه لولده، يدخلون؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يدخلون، أو قال: هذا وقف على أولادي فلان وفلان وفلانة وفلان، ثم أولادهم، يدخلون ولَّا لا؟
طلبة: يدخلون.
الشيخ: ليش؟ لأنه نَصّ على الإناث، فإذن عندنا ثلاث قرائن، إذا وُجِدَت قرينة تدل على أن الواقف أراد دخول أولاد البنات حكمنا بدخولهم، وذكرنا لذلك ثلاث صور:
الصورة الأولى: إذا قال: على أولادي، وليس له إلا بنات، فإن أولادهن يدخلون.
إذا قال: على أولادي، ومَن مات عن ولد فنصيبه لولده، فإن أولاد البنات يدخلون.
إذا قال: على أولادي فلان وفلان وفلانة وفلانة، ثم على أولادهم، فإنهم يدخلون؛ للنص على البنات.
فإذا قال قائل: قولكم: إن أولاد البنات لا يدخلون، يخالف الكتاب والسنة؟
[ ١ / ٥٥٧٩ ]
نقول: تفضل ويش الكتاب؟ قال: عيسى بن مريم، نسبه الله إلى أمه، ثم جعله من ذرية إبراهيم، ولَّا لا؟ ما هو من ذرية إبراهيم، ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٨٥] فنسبه إلى إبراهيم وهو ابن بنته.
كما لو قالَ على وَلَدِ وَلَدِه وذُرِّيَّتِه لصُلْبِه، ولو قالَ على بَنِيهِ أو بَنِي فُلانٍ اخْتُصَّ بذُكورِهم إلا أن يكونوا قَبيلةً فيَدخلُ فيه النساءُ دونَ أولادِهنَّ من غيرِهم، والقَرابةُ وأَهلُ بيتِه وقَوْمِه يَشْمَلُ الذَّكَرَ والأُنثَى من أولادِه وأولادِ أبيه وجَدِّه وجَدِّ أبيهِ، وإن وُجِدَتْ قَرينةٌ تَقتَضِي إرادةَ الإناثِ أو حِرْمَانَهُنَّ عُمِلَ بها، وإن وَقَفَ على جماعةٍ يُمكِنُ حَصْرُهم وَجَبَ تعميمُهم والتساوي وإلا جازَ التفضيلُ والاقتصارُ على أَحَدِهم.
(فصلٌ)
والوَقْفُ عقدٌ لازِمٌ لا يَجوزُ فَسْخُه ولا يُباعُ، إلا أن تَتَعَطَّلَ منافِعُه ويُصْرَفَ ثَمَنُه في مِثْلِه، ولو أنه مَسْجِدٌ وآلتُه وما فَضَلَ عن حاجتِه جازَ صَرْفُه إلى مَسجدٍ آخَرَ، والصدَقَةُ به على فُقراءِ المسلمينَ.