الشيخ: ثم قال: (فَصْلٌ فيما يلحق من النسب).
[ ١ / ٦٩٠٣ ]
وهذا الفصل من أهم الفصول في هذا الباب، وذلك أن الأصل فيما وُلِدَ على فراش الإنسان أنه ولده، والشبه التي تعترض الإنسان في هذا الأمر يجب أن يلغيها وألَّا يلقي لها بالًا؛ لأن الشرع يحتاط للنسب احتياطًا بالغًا؛ لأن عدم إلحاقه بأحد معناه أنه يضيع نسبه ويبقى مُعَيَّرًا ممقوتًا بين الناس، ويحصل له من العُقَد النفسية والآلام ما لا يخفى؛ فلهذا كان حرص الشارع كبيرًا على إلحاق النسب.
قال المؤلف: (من ولدت زوجته بمن أمكن أنه منه لحقهُ) هذه قاعدة عامة: (من ولدت زوجته)، ومعلوم أنه لا تكون زوجة إلا بعقد صحيح.
(من أمكن أنه منه لحقه) شوف: (من أمكن أنه منه) فإنه يلحقه ويكون ولدًا له، والدليل لذلك قول النبي ﷺ: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» (١٢).
وعُلِمَ من قوله: (من ولدت زوجتُه) أنه لو ولدت أنثى غير زوجته؛ مثل امرأة زنى بها -والعياذ بالله- فولدت ولدًا منه يلحقه، ولَّا لا؟
طالب: ما يلزم.
الشيخ: ولدت ولدًا منه يقينًا، هل يلحقه أم لا؟
طلبة: ما يلحقه.
الشيخ: إي نعم، واضح (من ولدت زوجته) فلا يلحقه؛ لأن النبي ﵊ قال: «لِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ»، العاهر: الزاني.
طيب، إذا استلحقه ولم يدعه أحد، قال: أنا أبيه، ولدي وينسب إليَّ، يلحقه ولَّا لا؟ لا يلحقه؛ لعموم قول النبي ﷺ: «وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ».
طالب: الحجر؟
الشيخ: الحجر، تعرف الحجر الحصاة؟
الطالب: نعم.
الشيخ: إي نعم، يعني معناه ما له شيء، إذا ادعاه خذ حصاة وحطها بفمه.
إذن حتى لو قال الزاني: أنا أب الولد هذا، انسبوه إليَّ، ما ينتسب إليه، حتى لو تزوج المزني بها فيما بعد، كما يجري عند بعض الناس إذا زنى بامرأة وحملت منه، قالوا: نبغي نستر عليها، نخليه يتزوجها، ويستلحق الولد، وتكون زوجته، ويكون الولد ولده، ويكون في هذا ستر على الجميع وفك مشاكل؛ لا تعير الأم، ولا يعير الولد.
[ ١ / ٦٩٠٤ ]
المهم أن كلام المؤلف واضح أنه ما يمكن أن يلحق به إلا إذا كان من زوجته، أما إذا كان من امرأة أجنبية فإنه لا يُلْحَق به ولو استلحقه.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه إذا استلحقه ولم يَدَّعِهِ أحدٌ فإنه يلحق به؛ حفظًا لنسب هذا الطفل، لئلا يضيع نسبه، ولئلا يُعَيَّر، ويش ذنبه المسكين؟ ! فإذا استلحقه الزاني وقال: أنا أريده لحقه، وإذا كان الإنسان في باب الإقرار مشاركًا بالميراث -كما مر علينا- إذا أقر بأن هذا وارثه أو أنه ابنه ولو ما عُلِم؛ إنسان مجهول قال: هذا ابني، فإنه سبق لنا أنه يُلحق به، كل ذلك حفظًا للأنساب، فهذا الرجل الذي استلحق هذا الولد بدون أن يدعيه أحد يكون له، وهو مذهب إسحاق بن راهويه، واختاره بعض السلف أيضًا؛ ذهب إليه بعض السلف؛ أن الزاني إذا استحلق الولد الذي خلق من مائه فإنه يلحقه. قالوا: وقول الرسول ﷺ: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» (١٠) جملة واحدة، جملتان متلازمتان، «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» فيما إذا كان عندنا فراش وعاهر، فلو زنى رجل بمزوَّجة، وقال: الولد لي، نقول: لا، ويدل لذلك سبب الحديث؛ فإن سبب الحديث هو أن سعد بن أبي وقاص ﵁ ادعى أن غلامًا كان عهد به إليه عتبةُ؛ لأن عتبة فجر بوليدة لزمعةَ، زمعة أبو؟
طالب: زوج النبي ﷺ.
[ ١ / ٦٩٠٥ ]
الشيخ: أبو سودة بنت زمعة، فاختصم فيه سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة، أما سعد فقال: يا رسول الله، إن هذا ابن أخي عتبة عهد به إليَّ؛ يعني وصاني عليه، وأما عبد بن زمعة فقال: يا رسول الله، هذا أخي، وُلِدَ على فراش أبي، كيف يكون ولدًا لعتبة؟ فقال سعد بن أبي وقاص: يا رسول الله، انظر إلى شبه الولد، لما نظر إلى شبهه وجد أنه يشبه عتبة، رأى شبهًا بينًا بعتبة، ولكنه ﵊ قال: «الْوَلَدُ لَكَ يَا عَبْدُ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ»، لكن قال لسودة: «وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ» (١٠).
طالب: ويش هو العاهر؟
الشيخ: العاهر: الزاني.
قال: «احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ»، فأمر سودة بأن تحتجب منه وهو أخوها، حكم بأنه أخوها وقال: احتجبي منه، لماذا؟
قال بعض العلماء: إن هذا من باب الاحتياط؛ لأنه وُجِدَ عندنا أصل وظاهر، ويش هو الأصل؟ الفراش، والظاهر الشَّبَه البَيِّن بعُتبةَ، فلما اجتمع عندنا أصل وظاهر صار الاحتياط أن نحكم بالأصل وبالظاهر ونحتاط؛ نعمل بهذا وبهذا.
وقال بعض العلماء: إن هذا من باب إعمال الدليلين، وإن هذا ليس حكمًا احتياطيًّا، بل هو حكم واجب، وفرقٌ بين الحكم الاحتياطي ما هو واجب، كل ما قيل: هذا احتياط ما هو بواجب، كما قال شيخ الإسلام ﵀: إن الحكم الاحتياطي لا يدل على الوجوب.
لكن القول الثاني أن هذا حكم أصلي أُعمِل فيه السببان؛ وهما الأصل والظاهر، فيكون هذا الحكم ليس احتياطيًّا، لكنه يُعَكِّر على هذا أن هذا ..
[ ١ / ٦٩٠٦ ]
مَن أَمْكَنَ كونُه منه لَحِقَه، بأن تَلِدَه بعدَ نِصفِ سنةٍ منذ أَمْكَنَ وَطؤُه أو دونَ أَرْبَعِ سنينَ مُنذ أبانَها، وهو مِمَّنْ يُولَدُ لِمِثْلِه كابنِ عشرٍ، ولا يُحْكَمُ ببلوغِه إن شكَّ فيه ومَن اعْتَرَفَ بوطءِ أَمَتِه في الفَرْجِ أو دونَه فوَلَدَتْ لنِصفِ سنةٍ أو أَزيدَ لَحِقَه وَلَدُها إلا أن يَدَّعِيَ الاستبراءَ ويَحْلِفَ عليه، وإن قالَ: وَطِئْتُها دونَ الفَرْجِ أو فيه ولم أُنْزِلْ أو عَزَلْتُ. لَحِقَه، وإن أَعْتَقَها أو باعَها بعدَ اعترافِه بوَطْئِها فأَتَتْ بوَلَدٍ لدُونِ نِصفِ سنةٍ لَحِقَه والبيعُ باطلٌ.
العمل بالنقيضين وهذا بعيد، والأقرب أن هذا والله أعلم من باب الاحتياط وليس من باب الحكم بالدليلين كما قاله بعض أهل العلم.
الشاهد أن الذين قالوا بأن استلحاق الزاني للولد جائز ويُحكم له به قالوا: إن هذا الحديث «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» (١) أنهما جملتان متلازمتان، وأن هذا فيما إذا وُجِدَ مُدَّعٍ؛ مثل أن يكون امرأة فراشًا لشخص ويجيء زان -والعياذ بالله- يزني بها، ثم يقول صاحب الفراش: هي لي، هذا الولد لي، ما هو من الزاني، فهنا يُحْكَمُ له به ويقال: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ».
لكن المذهب -كما رأيتم- يقولون: أبدًا، الزاني لا ولد له؛ لأنه صحيح أنه خلق طبعًا منين؟ من مائه، لا شك في هذا، لكنه شرعًا لا يلحق به، فنحن نَعَم من حيث الحكم الكوني له ولّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: هذا الولد للزاني حكمًا كونيًّا؛ لأن الله تعالى خلقه من مائه، أما حكمًا شرعيًّا فلا، لكن يقول ..
طالب: () يا شيخ؟
الشيخ: يقول: والله هذه ما ().
يقول: عاد متى يمكن، انتبهوا للإمكان، شوف المؤلف يقول: (مَنْ أَمْكَنَ) أمكن عقلًا، وإن كان بعيدًا عادة، (لَحِقَه) يقول: (بأن تلدَه بعد نصفِ سنةٍ منذُ أمكنَ وَطْؤُه، أو دونَ أربعِ سنينَ منذ أبانَها، وهو ممنْ يولدُ لمثلِه).
[ ١ / ٦٩٠٧ ]
اشترط شرطين المؤلف:
الشرط الأول أن يكون الزوج ممن يُولد لمثله، وهو ابن عَشْرِ سنين، اللي تم له عشر سنين يمكن يولد لمثله؟ ! وعشر سنين يمكن يولد لمثله؟
طالب: قليل.
الشيخ: أي نعم، لكن نادر هذا، هو ممكن لكن نادر.
إذا كان له تسع سنين وجامعَ زوجته وهو له تسع سنين، وجاءت بولد، يصير ولَّا لا؟ يقولون: لا يُمْكِن، ما دون العشرة لا يمكن أبدًا أن يلحق الولد به؛ لأنه ما يمكن يولد له، وأبو عشر سنين يمكن يولد، يقال: إنه بين عبد الله بن عمرو بن العاص وأبيه إحدى عشرة سنة، ويقول الشافعي ﵀: رأيتُ جَدَّةً لها إحدى وعشرين سنة. إحنا عندنا تبقى واحدًا وعشرين سنة ما تزوجت، إذا كانت تجلس ما تفكر في الزواج.
طالب: ().
طالب آخر: ممكن تتزوج في عشر سنين.
الشيخ: المهم أن هذه جدة لها إحدى وعشرون سنة، تقول لها بنت بنتها: يا جدتي.
الشرط الثاني: أن تلده بعد نصف سنة منذ أمكن وطؤه، وإن لم نتحقق أنه وطئ، مثل: تزوج امرأة في البلد ولا دَخَلَ عليها، ما دخل عليها، وأتت بولد -كما قال المؤلف- بعد نصف سنة منذ العقد، لكنه ما بعد دخل إلى الآن، وعاش الولد، من يكون له؟ لا، يكون للزوج. ما دخل ولا جرى احتفال بالعرس ولا شيء! يقول: يمكن يُتَّصل بها، ممكن ولّا لا؟ ممكن أن يتصل بها فيكون الولد ولدًا له.
إذا ولدته قبل نصف السنة وعاش، ما يكون له؟ ليش؟ لأن أقل مدة الحمل الذي يعيش ستة أشهر، أقل مدة الحمل الذي يمكن أن يعيش ستة أشهر، الدليل قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، وقال: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]، أَسْقِطِ العامين من الثلاثين يبقى للحمل ستة أشهر، فعلى هذا إذا ولدت لأقل من ستة أشهر وعاش فالولد ليس له.
طيب، وكلمة (أمكن) يُشترط تحقق الاجتماع ولّا لا؟ لا يشترط، يعني: سواء تحققنا أنه اجتمع أم لم نتحقق، ما دام الأمر ممكنًا فالولد له، وهذا قول بين أقوال ثلاثة.
[ ١ / ٦٩٠٨ ]
القول الثاني: أنه يُلحَق به منذ العقد، سواء أمكن اجتماعه بها أم لم يمكن. وعلى هذا القول: إذا تزوج امرأة وهو في أقصى المشرق وهي في أقصى المغرب، ثم ولدت بعد العقد بعد نصف سنة فإنه يُلحق به ولّا لا؟ يلحق به. لو ما سافر، نعرف أنه في هذا البلد ما سافر، وهي أيضًا في ذاك البلد ما سافرت، يقولون: يُلحق به. ليش؟ يقولون: لأن المرأة تكون فراشًا بمجرد العقد، ولا يُشترط أن يمكن اجتماعه بها، بمجرد ما يعقد عليها تكون فراشًا له.
والقول الثالث: أنها لا تكون فراشًا له حتى يتحقق اجتماعه بها ووطؤه إياها؛ لأنها فراشه، فراش بمعنى مفروش، ولا يمكن يفرشها إلا إذا جامعها؛ وعلى هذا القول إذا عقد عليها ولم يدخل بها وأتت بولد لأكثر من ستة أشهر فليس ولدًا له. وهذا القول هو الصحيح وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، على أنها ما تكون فراشًا إلا بحقيقة الوطء، وإلَّا فلا تكون فراشًا. كما أن الأَمَة كما سيأتي إن شاء الله ما تكون فراشًا لمالكها إلا إذا وَطِئَها، وهذا هو مقتضى اللغة ومقتضى الدليل العقلي؛ فالفراش لا بد أن يفترش، وأما العقل فكيف يمكن أن نلحقه وهو يقول: أنا ما دخلت عليها ولا جئتها أبدًا، وهم يقولون: لكن يمكن. يا جماعة ما دخلت، قالوا: يمكن، إن كنت صادقًا فلاعن لنفي الولد، إن قلنا بجواز الملاعنة لنفي الولد، وقد سبق لنا أن المذهب أنه لا يلاعن لنفي الولد وإنما إذا () في الولد لازم يقذفها بالزنا ثم يلاعن لدرء الحد وينفي الولد.
وسبق لنا أيضًا أن المذهب لا يصح نفي الولد إلا بعد وضعه، وأن الصحيح أنه يصح نفيه قبل الوضع كما جرى بحكم النبي ﵊.
[ ١ / ٦٩٠٩ ]
أما القول الثالث اللي قلنا: إنه طرف في المسألة فهو الذي يقول: تكون فراشًا له أمكن وطؤه أم لم يمكن بمجرد العقد، وهذا أبعد ما يكون عن المعقول! والعجيب أنه مذهب أبي حنيفة، والأحناف ﵏ دائمًا تكون مسائلُهم الفقهية مبنية على النظر والعقل، لكن في هذه المسألة بعيدٌ جدًّا، كيف تكون فراشًا له وهو في المشرق وهي في المغرب؟ ونعلم أنها ما سافرت ولا سافر، أين الفراش؟ ! () والمملوكة الأمة يلحقها ولَّا لا؟ يلحقها كما سيأتي.
والموطوءة بشُبهة؛ سواء كانت الشبهة شُبهة اعتقاد أو شبهة عقد، أيضًا يلحقه ولدها.
عرفتم؟ كم دولي؟ ثلاثة.
الموطوءة بشبهة اعتقاد أن يظنها زوجته، وبشبهة عَقد أن يعقد عليها عقدًا فاسدًا، أو باطلًا ويظنه صحيحًا.
مثاله: تزوج امرأة وأتت منه بأولاد، ثم ثَبَت أنها أخته من الرضاع، ما حكم الأولاد؟ الأولاد له، والشُّبهة هنا شُبْهَة عقد؛ لأنهم ظنوا أن العقد صحيح، وهو باطل.
تزوج امرأة عَقَد عليها أبوها، وكان أحد الشهود أخاها، وجابت منه أولاد، ما تقولون؟
طالب: العقد فاسد.
الشيخ: الولد له؛ لأن العقد فاسد لكن يعتقد صحته، ما دري، ما عرف أن الأخ ما يكون شاهدًا على نكاح أخته إذا كان العاقد هو الأب، وكأنها غريبة عنده.
طالب: هذه غريبة ().
الشيخ: مع أنا تكلمنا فيها بالخطبة مرة من المرات وتكلمنا فيها هنا في الدرس، إذا كان الأب هو العاقد، هو الذي زَوَّج الرجل، والشهود واحد منهم أحد الإخوة، وواحد عمها، ما يصح العقد على المذهب؛ لأنهم يقولون: لا بد أن يكون الشاهدان ليسا من أصول الزوج ولا من فروعه، ولا من أصول الزوجة ولا من فروعها، ولا من أصول الولي ولا من فروعه.
طالب: ().
الشيخ: لا، ().
طالب: () شهد على أخيه وهو مزوجه بنت أخيه، يعني: الشاهد أخو ().
[ ١ / ٦٩١٠ ]
الشيخ: يُشترَط على المذهب في شهود النكاح ألا يكونوا من أصول الزوج ولا من فروعه ولا من أصول الزوجة ولا من فروعها ولا من أصول الولي ولا من فروعه.
طالب: طيب العم ممكن ().
الشيخ: الآن، طيب، زين.
طالب: بأي حال يا شيخ؟
الشيخ: لا، ما هو بصحيح، لكن نحن نحتاط.
طالب: طلعنا معظم النكاح في مصر فاسد على القول هذا.
الشيخ: لا، لكن نحن نتحرى؛ لأنه نخشى لو حصل خلاف بينهم وتُرْفَع للمحاكم بحيث إنهم يحكمون بالمذهب، يُفَسِّدون النكاح ويفسدون كل ما ترتب عليه، ولهذا مع اعتقادي أن هذا القول ضعيف أنا أتحرز أنه لا بد أن نشوف، نعم، حتى لو كان مثلًا جدها من جهة أمها، مثلًا أحد الشهود جدها من جهة أمها ما يصلح لأنه من أصولها.
طالب: من فروعها.
الشيخ: من أصولها، جدها من جهة أمها.
الطالب: جدها هو، إي نعم.
الشيخ: هذه ثلاثة، بقينا الرابع: الموطوءة بعقد محرم يعتقده الواطئ كالزنا، هل الولد يلحق الزاني ولّا لا؟
المذهب وهو قول أكثر أهل العلم أنه لا يلحق الزاني استنادًا إلى الحديث: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» (١)، وكما سمعنا فيما سبق شيخ الإسلام يرى أنه إذا استلحقه الزاني وليس له منازع فإنه يلحقه.
نمشي في كلام المؤلف، قال: (مَنْ وَلَدتْ زوجتُه مَنْ أَمْكَنَ أنه منه لَحِقَهُ) بشرط (بأن تلدَه) هذا تفسير للإمكان.
وسبق لنا أيضًا في درس أمس متى تكون الزوجة فراشًا، وبينا أن في المسألة ثلاثة أقوال: إما بمجرد العقد، أو إمكان الوطء، أو حقيقة الوطء وهذا هو الصحيح.
[ ١ / ٦٩١١ ]
يقول: (بأن تلدَه بعد نصفِ سنةٍ منذُ أمكنَ وَطْؤُه) وإن لم نتحقق، ما دام أمكن أن يطأ فإنه يلحقه إذا ولدت () ستة أشهر، بعد نصف سنة. وإنما قيدها المؤلف بنصف سنة؛ لأن أقل مدة الحمل الذي يعيش نصف سنة، بدليل قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، وقال في الآية الأخرى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]، فإذا أسقطنا عامين من ثلاثين شهرًا بقي ستة أشهر.
وذكر ابن قتيبة في المعارف – كتاب اسمه المعارف – أن عبد الملك بن مروان ولد لستة أشهر، وهو معروف من أعظم الخلفاء وولد لستة أشهر، والناس الآن إذا تعجل الإنسان بالشيء قالوا: والظاهر أنك ما صبرت ببطن أمك تسعة أشهر! إذا صار واحد عجل يعجل في الأمور قالوا: إنك ما بقيت في بطن أمك تسعة أشهر، يعني ولدت قبل تتم، لكن هذا لا صحة له، ولا علاقة لكون الإنسان يولد قبل تسعة أشهر بكونه يكون سريعًا في أموره غير متأن، ما لها علاقة.
يقول: (أو تلده لدون أربعِ سنينَ منذ أبانَها).
بماذا تحصل البينونة؟ تحصل البينونة بكل فراق لا رجعة فيه، أو بتمام العدة في الطلاق الذي فيه رجعة. تحصل البينونة بماذا؟
طالب: بكل طلاق.
الشيخ: غلط، أنا ما قلت: بكل طلاق؛ بكل فراق لا رجعة فيه؛ لأن معناه أن الفراق قد يكون فسخًا، ما هو طلاق، فكل فراق لا رجعة فيه سواء كان طلاقًا أو فسخًا فإنها تبين بمجرده أو بطلاق أو بانتهاء العدة بطلاق رجعي، بانتهائها العدة من طلاق رجعي.
مثال ذلك: رجل طلق زوجته آخِرَ ثلاث تطليقات في آخر يوم من ذي الحجة عام ألف وأربع مئة، متى بانت منه؟ في نفس اليوم، في يوم تسع وعشرين من ذي الحجة سنة ألف وأربع مئة.
طالب: بعد ما انتهى كلامه بانت.
الشيخ: نعم.
[ ١ / ٦٩١٢ ]
هذه المرأة ولدت في يوم ثمان وعشرين من ذي الحجة عام ألف وأربع مئة وأربعة، يلحقه النسب؟ يلحقه، لماذا؟ لأنه دون أربع سنين منذ أبانها، هو أبانها في تسع وعشرين من ذي الحجة سنة ألف وأربع مئة وولدت في ثمان وعشرين ذي الحجة سنة ألف وأربع مئة وأربعة، دون الأربع سنين.
طالب: بيوم.
الشيخ: بيوم، ما يخالف؛ إذن يلحقه الولد، يكون الولد له؛ لأنها ولدت لأقل من أربع سنين منذ أبانها.
مثال آخر: رجل طلَّق زوجته في تسع وعشرين ذي الحجة عام ألف وأربع مئة، وولدت في تسع وعشرين محرم عام ألف وأربع مئة وخمسة؟
طالب: ما يلحقه.
الشيخ: ما يلحقه؟
الطالب: نعم.
الشيخ: خطأ.
طالب: يلحقه.
الشيخ: يلحقه؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: خطأ.
طالب: ألف وأربع مئة وأربعة؟
الشيخ: لا، هذا طلقها في تسع وعشرين ذي الحجة عام ألف وأربع مئة وأربعة وأتت بولد في يوم تسع وعشرين محرم عام ألف وأربع مئة وخمسة؟
طالب: ().
طالب آخر: فيه تفصيل، إن كان قد أبانها وإن ().
الشيخ: إي، خطأ.
طالب: () البينونة ().
طالب آخر: هو ابنه يا شيخ ().
الشيخ: يُنظر للطلاق الآن، إن كان الطلاق بائنًا، بأن كان آخر ثلاث تطليقات، فهي إذا أتت بولد في تسع وعشرين محرم سنة ألف وأربع مئة وخمسة، فالولد ليس له، لماذا؟ لأنه فوق أربع سنين.
أما إذا كانت رجعية فمعروف الرجعية كم عدتها؟ بعد أن تُطَلَّق تحيض ثلاث حِيَض، أو تبقى ثلاثة أشهر حسب الحال، هذه أتت به في تسع وعشرين محرم ألف وأربع مئة وخمسة قبل أن يُحْكَم ببينونتها؛ لأنها ما تَبِين إلا إذا حاضت كم؟ ثلاث حيض، فهذا هو التفصيل.
[ ١ / ٦٩١٣ ]
نقول: إذا كان الطلاق رجعيًّا فالولد يلحقه؛ لأنها ما تبين بالطلاق الرجعي إلا إذا انتهت العدة، وإذا كان الطلاق بائنًا فإن الولد الذي أتى في ألف وأربع مئة وخمسة ما يلحقه، ولهذا المؤلف يقول: (منذ أبانها)، ما قال: منذ طلقها؛ لأجل يشمل مجرد الطلاق إذا كان الطلاق بائنًا، أو إذا انتهت من العدة إذا كان الطلاق غير بائن.
طالب: ().
***
الشيخ: يقول المؤلف: (وهو ممن يُولدُ لمثلِه كابن عشرٍ).
(وهو)، الضميرُ يعود على الزوج.
(ممن يولد لمثله كابن عشر)؛ يعني: الذي تم له عشر.
وقوله: (كابن عشر)، هذا مثال لأدنى ما يمكن أن يولد لمثله، وهو مَنْ تم له عشر سنوات، وهل يمكن أن يولد لمن تم له عشر سنوات؟ نعم، قالوا: إنه يمكن، وهذا القول وَسَط بين قولين آخرين: أنه يمكن أن يولد له وله تسع سنين، وقول ثان: أنه لا يولد إلا وله اثنا عشر سنة.
طالب: يا شيخ، فيه دليل على هذا أو يعني ().
الشيخ: لا، ما فيه دليل، إلا استنبطوا من قول الرسول ﵊: «اضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمَا فِي الْمَضَاجِعِ» (٢)، وأيضًا أن هذا أمر قد وقع وإن كان قليلًا.
طالب: قوله: (دون أربع سنين)، الآن يعني إذا ..
الشيخ: إي، بقينا، هذه يحتاج أن نتكلم عليها.
[ ١ / ٦٩١٤ ]
قوله: (دون أربع سنين) أيضًا بناء على المشهور من المذهب أن أكثر مدة للحمل أربع سنين، وستأتينا إن شاء الله في كتاب العِدَد، أكثر مدة للحمل أربع سنين، والصحيح أنه لا حدَّ لأكثره ما دُمْنا علمنا أن الولد الذي في بطنها هو هو، ما جامعها أحد ولا جاءها أحد، وبقي في بطنها أربع سنين أو خمس سنين أو عشر سنين، فهو لزوجها، ما دام المرأة ما جومعت ولا جاءها أحد، وقد وُجِدَ من وُلِد بعد سبع سنين من الحمل، وما دامت المسألة راجعة إلى اليقين فإنا نعلم علم اليقين أن هذه المرأة التي بقي الحمل في بطنها ولم يجامعها أحد فهو ولدها، من أي جاءها؟ لكن المذهب يرون أن أكثر مدة الحمل أربع سنوات، وعلى هذا فإذا جاءت بولد بعد أربع سنوات منذ أبانها زوجها فإنه لا يُلحق بزوجها؛ لأنه ما يمكن أن يبقى الحمل في بطنها أكثر من أربع سنين.
يقول المؤلف ﵀: (ولا يُحْكَمُ ببلوغه إنْ شُكَّ فيه).
هذا الولد له عشر سنوات، تزوج وجامع الزوجة، وجاءت بولد. من له الولد؟ للزوج، لكن هل يُحْكم ببلوغه؟ ما يحكم ببلوغه، لا يحكم ببلوغه إذا شككنا فيه، مثلًا نظرنا إلى عانته ما نبتت، سِنِّه.
طالب: ().
الشيخ: عشر، ما تم له خمس عشرة سنة، الإنزال نشك في إنزاله، ما ندري هل أنزل ولَّا ما أنزل؟ إي نعم، نشك.
طالب: ().
الشيخ: يقول: نعم، نشك، ما نقدِر نحكم ببلوغه؛ لأن البلوغ يترتب عليه أحكام كثيرة، وإنما ألحقنا به الولد مع الشك احتياطًا للنسب؛ ولهذا هذا الرجل له ولد ما شاء الله بارك الله لك في ولدك، يلَّا، قم صلِّ، قال: ما بعد وجبت عليَّ الصلاة، ليش؟ قال: لأنه ما بعد بلغت، منين جاء الولد؟ الله أعلم.
[ ١ / ٦٩١٥ ]
المهم المذهب هذا، أن ما يُحكَم ببلوغه إذا شككنا. لماذا ألحقت به الولد؟ يقول: ألحقنا به الولد احتياطًا للنسب وحفظًا له من الضياع، أما أن نلزمه بالواجبات، أو نجعل حكمه حكم البالغين مع الشك، يترتب على البلوغ أحكام كثيرة جدًّا، فإننا لا نحكم ببلوغه.
وعلى هذا لو كان له مال، وقال: أعطوني مالي، () قلنا: لا، نحن الآن نشك في بلوغك. هذا المعنى، على أنه لا يُحكم ببلوغه إذا شككنا فيه؛ لماذا؟ يقول: لأن الأصل عدمه.
ومن أين خُلِقَ الولد؟ قالوا: مسألة من أين خلق ما يرد علينا؛ لأن مسألة إلحاق النسب أمر يتطلع له الشرع فيثبت بأدنى شبهة؛ ولهذا سبق لنا في الفرائض أن الورثة لو أقروا بأن هذا أخوهم، وُرِّث، وثبت نسبه أيضًا، يثبت نسبه من أبيهم لو ما يدري أبوهم عنه، لو كان أبوهم ما يدري عن هذا الرجل، مات رجل وله ابنان يرثانه، جابوا واحدًا قالوا: هذا أخونا، من أمنا وأبينا، ويش يصير؟ فهو أخوهم، يُلحَق، يثبُت نسبه، وإن كان الأب ما يدري، ما دام المسألة ممكنة، وليس فيه مدعٍ، ونسبه مجهول، بالشروط المعروفة.
طالب: ()؟
الشيخ: والله، هذا المذهب وعلى ما أعلم، الله أعلم ().
يحتاج إلى أنها تحرر أكثر.
***
يقول المؤلف: (ومنِ اعترفَ بوطء أمته في الفرج، أو دونه فولدت لنصف سنة أو أزيد لحقه ولدها).
(منِ اعترف بوطء أمته)، وإن كان قد اشتراها، ما تكون فراشًا الأمة إلا بالوطء، انتبه لهذا، الفرق بين الأمة وبين الزوجة، الزوجة تكون فراشًا بالعقد إذا أمكن الوطء وإن لم نتحققه، أما الأمة ما تكون فراشًا إلا بالوطء.
وبماذا يثبت الوطء؟ يثبت الوطء بواحد من أمرين: إما باعترافه، أو بقيام البينة تشهد بأنه جامعها، أما مجرد دعواها فلا يُقْبل عليها؛ لأنها هي قد تَدَّعي أنه جامعها وينكر، تدعي أنه جامعها لأجل أن تكون أمَّ ولد لو أتت بولد، فعلى كل حال الأمة لا تكون فراشًا إلا بالوطء بأن يعترف أو يثبت ببينة.
[ ١ / ٦٩١٦ ]
والأمة ()، من هي الأمة؟ هي المملوكة، والمملوكة ممن أحل الله تعالى وَطْأَها؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥، ٦]، هذه الأمة إذا ثبت أنه وَطِئها تسمى (سُرِّيَّة)؛ لأنه تسرَّاها سيدها، فتكون سرية، فإذا اعترف فأتت بولد لنصف سنة أو أزيد لحِقه.
وقوله: (لنصفِ سنةٍ) يعني: وعاش، فإن أتت به لأقل من نصف سنة ولا عاش فهو أيضًا ولده؛ لأنه بوطئها صارت فراشًا له، وقد قال النبي ﵊: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» (٣) فلو قُدِّر أنه جامعها ثم بعد أربعة أشهر أتت بولد مُخلَّق، يكون الولد له ولّا لا؟
طالب: لو عاش؟
الشيخ: لا، لو ما عاش.
الطالب: يكون له.
الشيخ: يكون له، أما إذا عاش فليس له، إذا عاش بعد أربعة أشهر فليس له، بعد أربعة أشهر منذ وطْئها.
إذا كان له ولم يعش يترتب على هذا أنها تكون أم ولد كما سبق لنا في باب العتق.
يقول المؤلف: (ومن اعترفَ بِوَطْءِ أَمَتِه في الفرجِ أو دونَه فولدَتْ لنصفِ سنةٍ أو أكثر لَحِقَه) إذا اعترف بوطء أمته في الفرج أو دونه، نعم يثبت حتى فيما إذا جامعها دون الفرج؛ لأنه ربما تأخذ شيئًا من مائه وتتلقح به، هذه وجهة النظر عندهم.
(لحقه ولدُها إلا أن يدَّعِي الاستبراء ويحلف عليه).
(إلا أن يدَّعي) من؟ السيد (الاستبراء ويحلف عليه)، كيف الاستبراء؟ الاستبراء معناه أن تحيض بعد وطئه، فإذا قال: نعم، إنه وطئها لكن حاضت بعد وطئه، هذا هو الاستبراء، والاستبراء مأخوذ من البراءة وهو الخلو، يعني: إذا ادَّعى أنه انتظر حتى حاضت فإنه لا يلحقه الولد، لماذا؟
[ ١ / ٦٩١٧ ]
لأن الغالب أن المرأة إذا حملت لا تحيض، وأن حيضها دليل على عدم حملها، فإذا قال: إنه وطئها ولكنه استبرأها، حاضت حيضة، والولد ما هو له، يقول المؤلف: إذا ادعى الاستبراء وحلف عليه، فإن الولد لا يلحقه.
إذا لم يلحقه ويش يكون الولد هذا؟ يكون مملوكًا له، فيَسْلم بكونه ليس له من أن تكون أمَّ ولد، يَحْرُم عليه بيعها، وتَعْتقُ بعد موته، ويحصل له.
طالب: مملوك ()؟
الشيخ: مملوك، ولد مملوك يبيعه، نعم؛ لأن الأمة إذا ولدت ولدًا حتى لو من زوج صحيح، فالولد لسيدها مملوكًا له، إلا عاد إذا اشتُرط، أو كان هناك غرور؛ يعني: خدع وأظهر أنها حرة، وغرُّوه بها، فهذا شيء ثانٍ.
طالب: ()؟
الشيخ: ما يُقبل؛ لأنها ذات فراش.
الآن هذا الرجل اعترف بوطء أمته، وجاءت بولد لأقل من ستة أشهر، لمن يكون الولد؟ يكون الولد له إذا عاش.
طالب: إذا مات.
الشيخ: لا، لأقل قلت؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: لا، لستة أشهر، فإنه يكون له وتكون به أمَّ ولد؛ ولهذا يقول المؤلف: (وإن قال: وطئتها دون الفرج، أو فيه ولم أُنْزِلْ، أو عَزَلْتُ لَحِقَهُ).
ليش ادعى هذه الدعوى؟ لأجل أن يكون الولد ليس من مائه، قال: وطئتها دون الفرج، معلوم أن الوطء دون الفرج ما يحصل به حمل، أو في الفرج لكن ما أنزل، أيضًا ما يحصل حمل، أو في الفرج وأنزل ولكن عزل، يعني: عند الإنزال نزع وأنزل خارج الفرج، هذا معناه، هذا معنى قوله: (أو عَزَلتُ)، في هذه المسألة يقول: لحقه نسبه، لماذا؟
لما سبق من أنه إذا جامعها في الفرج أو دونه صارت فراشًا له، وقد قال النبي ﷺ: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» (٣).
يقول: (لحقه، وإن أعتقها أو باعها بعد اعترافه بوطئها فأتت بولد لدون نصف سنة لحقه، والبيع باطل).
اعترف أنه جامع الأمة، وبعد هذا الاعتراف باعها على واحد من الناس؛ اعترف أنه وطئ أمته ثم باعها، لما باعها ومضى خمسة شهور أتت بولد وعاش الولد، لمن يكون هذا الولد؟
[ ١ / ٦٩١٨ ]
طالب: للسيد الأول.
الشيخ: لماذا لا يكون للسيد الثاني؟ لأنه لا يمكن أن تأتي لأقل من ستة أشهر ويعيش، فيكون للسيد الأول، ويكون البيع باطلًا، لماذا يكون باطلًا؟ لأن بيع أم الولد حرام، وكل بيع حرام فهو باطل، وهذا مبني على القول بأنه يحرُم بيع أمهات الأولاد، والمسألة خلافية، وقد كانت أمهات الأولاد في عهد النبي ﵊، وفي عهد أبي بكر وفي أول خلافة عمر يُبَعْنَ، ثم لما رأى عمر ﵁ أن الناس صاروا يُفَرِّقون بين المرأة وأولادها منع من ذلك (٤)، مثل ما صنع في مسألة الطلاق الثلاث (٥)؛ ولهذا بعض العلماء يقول: إذا أتت أم الولد بولد من سيدها ومات ولدها، فإنه يجوز لسيدها أن يبيعها؛ لأن المحظور الذي من أجله منع عمر زال، وهو التفريق بينها وبين ولدها، لكن المذهب لا، متى ما وضعت الأمة من سيدها ما تبيَّن فيه خلق الإنسان، فإنها تكون أم ولد، تعتق بموته، ولا يحل بيعها. بناء على ما قلنا: إذا باعها على شخص وأتت بولد لأقل من ستة أشهر يتبين أنها بيعت وهي أم ولد؛ لأنها ناشئ بولد، وعلى هذا فيكون البيع باطلًا.
ماذا يصنع المشتري؟
طالب: يتقاضى، يأخذ ثمنها.
الشيخ: المشتري يأخذ دراهمه، ويرد الأمة إلى سيدها.
المؤلف قال: (أعْتَقَها أو باعها)، وقال: (البيع باطل)، والعتق؟
طالب: العتق ينفذ.
الشيخ: باطل ولّا لا؟
الطالب: ينفذ.
الشيخ: المؤلف ذكر مسألتين؛ اعترف أنه جامعها ثم أعتقها فأتت بعد إعتاقه لها بولد لدون ستة أشهر وعاش، هل يبطل العتق ولّا لا؟ ما يبطل العتق؛ لأنه زادها خيرًا، بعد أن كانت لا تعتق إلا بموته أصبحت الآن عتيقة، ولهذا ما قال: العتق باطل، قال: (البيع باطل).
والخلاصة أن هذا الفصل الآن، هذا الفصل آخره في حكم الأمة، والبحث فيه في أمور:
أولًا: متى تكون الأمة فراشًا؟
طالب: بالوطء.
طالب آخر: إذا اعترف بوطئها وببينة.
[ ١ / ٦٩١٩ ]
الشيخ: إذا وُطِئَت، إذا جامعها سيِّدُها صارت فراشًا، أما قبل ذلك فليست فراشًا.
السؤال الثاني: إذا كانت فراشًا وولدت لأقل من ستة أشهر منذ جامَعَها، فلمن يكون الولد؟ لا يُلْحَق بالسيد، ويكون ملكًا له؛ لأنه وُلِدَ من مملوكته.
إذا باعها بعد أن اعترف بوطئها، وأتت لأقل من ستة أشهر، فالولد له ملكًا ولَّا نسبًا؟ نسبًا، والبيع باطل، والله أعلم.
***
() إنه في النسب وفي الولاء يتبع أباه، فيقال: فلان ابن فلان، ما يقال: ابن فلانة، إلا انقطع نسبه من جهة أبيه فيُنْسَب إلى أمه كما سبق.
في الولاء أيضًا إذا أُعتق الأب فإنه يتبع في الولاء أباه، فيكون ولاؤه لمن أعتق مَنْ؟ لمن أعتق أباه.
في الحرية والملك يتبع أمه، بمعنى أنه إذا كانت أمه حرة كان الولد حرًّا، ولو كان الأب رقيقًا، فلو تزوج رقيق بحرة فالولد حرٌّ ولو كان الأب رقيقًا. كذلك أيضًا في الملك يتبع أمه، فلو تزوج حُرٌّ بأمة لغيره فالولد ملك لسيدها.
إذن في النسب والولاء يتبع من؟
طلبة: أباه.
الشيخ: وفي الحرية والملك يتبع الأم.
في الدِّين يتبع خَيْرَهما، فولد المسلم من النصرانية مسلم، يتبع خيرهما. وكذلك لو وطئ كافرٌ امرأةً مؤمنة بشبهة فإن الولد يكون مسلمًا، يتبع أمه، فهو يتبع في الدين خيرهما؛ لأن الإسلام يعلو ولا يعلى.
وفي الطهارة والحل يتبع أخبثهما، فولد الحمار من الفرس حرام نجس، ما هو حمار؛ بغل، لكنه حمار نجس؛ يعني: حرام نجس.
هذه النِّسَب التي ذكرها العلماء في هذا الباب، فإذا سئلت: هل الولد يتبع أمه أو أباه؟ فعلى هذا التفصيل الذي سمعتم.
***
[ ١ / ٦٩٢٠ ]