الآن نتحدث على النكاح، بسم الله الرحمن الرحيم.
قال رحمه الله تعالى: (كتاب النكاح) النكاح في اللغة يُطلَق على أمرين، يُطلق على العقد ويطلق على الجماع؛ فإذا قيل: نكح بنت فلان فالمراد عقد عليها، وإذا قيل: نكح زوجته فالمراد جامعها، فهو إذن مشترك بين المعنيين بحسب ما يضاف إليه؛ إن أضيف إلى أجنبية فهو العقد، وإن أضيف إلى مباحة فهو الجماع.
أما في الشرع فإن النكاح هو أن يعقد على امرأة بقصد الاستمتاع بها وحصول الولد وغير ذلك من مصالح النكاح.
قال المؤلف: (وهو سنة)، هذا هو الأصل.
قال: (وهو سنة)؛ هذا في الأصل حكمه أنه سنة؛ وذلك لحث النبي ﷺ عليه، ولما فيه من المصالح العظيمة التي ستتبين فيما بعد.
[ ١ / ٦٠١٩ ]
وقوله: (وهو سنة) دليله قول النبي ﷺ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ» (١)؛ والأصل في الأمر الوجوب إلا أنه سيأتي -إن شاء الله- بيان اختلاف العلماء في هذه المسألة. وهو أيضًا من سنن المرسلين؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨]، ومن ضرورة البقاء؛ بقاء الأمة؛ لأنه لولا النكاح ما حصل التوالد، ولولا التوالد ما بقيت الأمة.
قال: (ويجب على من يخاف زنى بتركه) هذه الحال التي يجب فيها.
طالب: قال: وفعله مع الشهوة ..
الشيخ: نعم، وفعله مع الشهوة أفضل من نوافل العبادة؛ يعني أن النكاح إذا كان لدى الإنسان شهوة، وعنده مال يستطيع به القيام بواجب النكاح فإنه أفضل من نوافل العبادة.
فلو قال قائل: هل تفضلون أن أبقى أتعبد بالمسجد بالصلاة والتسبيح وقراءة القرآن أو أن أتزوج؟ قلنا له: ما دمت ذا شهوة وعندك ما تقوم به بواجبات النكاح فإن الأفضل أن تتزوج؛ لأن فيه من المصالح العظيمة ما يربو على نوافل العبادة.
قال: (ويجب على من يخاف زنا بتركه)؛ لأن ترك الزنا واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وقال بعض أهل العلم: إنه واجبٌ مطلقًا وأن الأصل فيه الوجوب؛ لأن قول النبي ﷺ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ» اللام للأمر، والأصل في الأمر الوجوب إلا أن يوجد ما يَصْرِفُه؛ إذا وجد صارف يصرفه عن الوجوب وإلا فالأصل وجوب ذلك، ولأن تركه مع القدرة عليه ومع وجود الشهوة فيه تَشَبُّه بالنصارى الذين يعزفون عن النكاح رهبانية، والتشبه بغير المسلمين محرم، ولكن المشهور من المذهب هو ما ذكره المؤلف.
[ ١ / ٦٠٢٠ ]
هذا وقد ذكروا أن النكاح تجري فيه الأحكام الخمسة؛ فتارة يجب وتارة يستحب وتارة يباح وتارة يكره وتارة يحرم، هذه الأحكام الخمسة؛ () الأحكام الخمسة؛ فمعناه الوجوب والاستحباب والإباحة والكراهة والتحريم، هذه الأحكام الخمسة.
متى يجب؟ على مَنْ يخاف زنى بتركه.
ما نقول: متى يُسْتَحب؛ لأنه هو الأصل.
ومتى يُباح؟ يُباح لمن لا شهوة له إذا كان غنيًّا؛ لأنه ما هناك سبب يوجب، ولكن من أجل مصالح الزوجة بالإنفاق عليها وغير ذلك صار مباحًا.
ومتى يُكْرَه؟ لفقير لا شهوة له؛ لأنه حينئذ ليس به حاجة ويُحَمِّل نفسه متاعب كثيرة.
ومتى يحرم؟ قالوا: يحرم بدار الحرب إذا صار الإنسان في بلاد الكفار يقاتل في سبيل الله وهو في دار الحرب فإنه لا يجوز له أن يتزوج؛ لأنه يُخْشَى على عائلته في هذه الدار؛ فلا يجوز له أن يتزوج.
بقينا متى يُسْتحب؟
طالب: الأصل.
الشيخ: فيما عدا ذلك؛ يستحب فيما عدا ذلك؛ لأنه هو الأصل.
فإذا قلنا: إن الأصل فيه الوجوب فهو القول الثاني، وإنه واجب فإننا نجعل الأصل هو الواجب، ونقول: يستحب لإنسان ليس له شهوة ولكن عنده مال ويريد أن ينفع الزوجة، فهذا يستحب له.
ولكن المذهب -كما سمعتم- أنه تجري فيه الأحكام الخمسة، وفي هذه الحال التي ذكرنا لا يجب وإنما يباح.
وينبغي لمن تزوَّج ألا يقصد قضاء الشهوة فقط كما هو مراد أكثر الناس اليوم، إنما ينبغي له أن يقصد بهذا أولًا: امتثال أمر النبي ﵊: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ».
وثانيًا: تكثير نسل الأمة؛ لأن تكثير نسل الأمة من الأمور المحبوبة إلى النبي ﵊، ولأن تكثير نسل الأمة سبب لقوتها وعزتها؛ ولهذا قال شعيب لقومه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٦]، وامتنَّ الله به على بني إسرائيل في قوله: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء: ٦].
[ ١ / ٦٠٢١ ]
ويَنْوِي أيضًا تحصين فرجه وفرج زوجته، وغضَّ بصره وبصر زوجته، ثم يأتي بعد ذلك قضاء الشهوة.
وقال المؤلف: (ويُسَنُّ نكاح واحدة) بدأ المؤلف بمن يُشْرَع نكاحه؛ فقال: (يُسَنُّ نكاح واحدة)؛ يعني: لا أكثر.
وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم؛ فمن العلماء من قال: إنه ينبغي أن يتزوج أكثر من واحدة ما دام عنده قدرة مالية وطاقة بدنية بحيث يقوم بواجبهن فإن الأفضل أن يتزوج أكثر؛ تحصيلًا لمصالح النكاح؛ ولأن النبي ﷺ كان عنده عدة نساء، وقال ابن عباس ﵄: خيرُ هذه الأمة أكثرُها نساء (٢).
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يُسَنُّ أن يقتصر على واحدة، وعلل ذلك بأنه أسلم للذمة مِنَ الْجَوْرِ؛ لأنه إذا تزوج اثنتين أو أكثر فقد لا يستطيع العدل بينهما، ولأنه أقرب إلى منع تَشتُّت الأسرة؛ فإنه إذا كان له أكثر من امرأة تَشَتَّتَتِ الأسرة، وصار هؤلاء أولادًا لهذه المرأة وهؤلاء أولادًا لهذه المرأة وهؤلاء أولادًا لهذه المرأة، وتشتَّتَتِ الأسرة، وربما يحصل بينهم تنافر بناء على التنافر الذي بين الأمهات كما هو مشاهد في بعض الأحيان؛ فالأولى أن يقتصر على واحدة؛ ولأنه أقرب إلى القيام بواجبها من النفقة وغيرها، وأهون على المرء من مراعاة العدل؛ فإن مراعاة العدل أمر عظيم يحتاج إلى معاناة وهذا هو المشهور من المذهب.
فإن قال قائل: قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] ألا يرجح قولَ من يقول بأن التعدد أفضل؟ لأنه قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣]، فجعل لك الاقتصار على واحدة فيما إذا خاف عدم العدل، وهذا يقتضي أنه إذا كان يتمكن من العدل فإن الأفضل أن ينكح أربعة.
[ ١ / ٦٠٢٢ ]
قلنا: نعم، قد استدل بهذه الآية من يرى التعدد وقال: وجه الدلالة أن الله يقول: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣]؛ فجعل الاقتصار على واحدة فيما إذا خاف عدم العدل، ولكن عند التأمل لا تجد فيها دليلًا أو فيها دلالة لهذا؛ لأن الله يقول: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] كأنه يقول: إن خفتم ألا تعدلوا في اليتامى اللاتي عندكم فإن الباب مفتوح أمامكم لكم إلى أربع، إلا أنه لا يمكن أن تتزوج أكثر من واحدة إذا كان بحالِ خوف العدل، فيكون المعنى هنا بيان الإباحة لا الترغيب في التعدد.
وعلى هذا فنقول: الاقتصار على الواحدة أَسْلَم، ولكن مع ذلك إذا كان الإنسان يرى من نفسه أن الواحدة لا تكفي ولا تعفه فإننا نأمره بأن يتزوج ثانية وثالثة ورابعة حتى يحصل له الطمأنينة وغض البصر وراحة النفس، (ويسن واحدة).
طالب: ويش يدخل اليتامى مع تعدد المرأة؟
الشيخ: يدخلهم؛ لأنه يكون الإنسان عنده اليتيمة؛ بنت عمه أو نحو ذلك؛ فيجورُ عليها، يجعلها لنفسه ويخطبها الناس ولا يزوجها، فقال الله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ لا تعدلوا بينهن ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ اتركوهن، والباب أمامكم مفتوح.
الطالب: والباءة؟
الشيخ: الباءة: النكاح؛ اللي ما يستطيع النكاح، «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ» (١) يعني النكاح بحيث يكون عنده قوة بدنية وقدرة مالية.
طالب: شيخ، إذن يبقى هنا قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣] يعني: لوجوب ().
الشيخ: إي للوجوب.
الطالب: مع خوف العدل.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: وذاك للاستحباب؟
الشيخ: أيهم؟
الطالب: للإباحة؛ ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]
[ ١ / ٦٠٢٣ ]
الشيخ: لا، ما هو للاستحباب.
الطالب: للإباحة.
الشيخ: للإباحة نعم.
قال: (ويُسَنُّ نكاح واحدة دَيِّنَة) كذا عندكم؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم، (دَيِّنَة) أي: صاحبة دين؛ لقول النبي ﷺ: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ؛ لِمَالِهَا وَحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ» (٣)، فالدَّيِّنَة تعينه على طاعة الله وتُصْلِح مَن يتربى على يدها من أولاده وتحفظه في غيبته وتحفظ ماله وتحفظ بيته، بخلاف غير الدَّيِّنَة فإنها قد تضره في المستقبل، وإن كان نكحها نكاح رغبة، لكنه لا يدري ماذا يحصل له في المستقبل؛ ولهذا قال النبي ﵊: «اظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ».
فإذا اجتمع مع الدين جمال ومال وحسب فذلك نور على نور، وإلَّا فالذي ينبغي أن يختار الدَّيِّنة.
لو اجتمع عند المرء امرأتان؛ إحداهما جميلة وليس فيها فسق أو فجور، والأخرى دونها في الجمال لكنها أدين منها فأيهما يختار؟ يختار الدينة؛ يعني الأدين.
لكن أحيانًا بعض الناس يكون مولعًا بالجمال ولا تطيب نفسه إذا خبر أن هناك امرأة جميلة لا تطيب نفسه بنكاح مَنْ دونها بالجمال ولو كانت أدين فهل نقول: إنك تُكْرِه نفسك على هذه دون هذه وإن لم ترتح إليها، أو نقول: خذ من ترتاح لها ما دامت غير فاجرة ولا فاسقة؟
الظاهر الثاني في هذه الحال إلا إذا كانت غير دينة بمعنى أنها فاسقة أو فاجرة، فهذه لا يجوز أن يأخذها؛ يعني: بقصد أنه لا ينبغي أن يأخذها إلا في مسألة الفجور وهو الزنا فهي لا تحل.
طالب: ().
الشيخ: إي، هذا حث؛ اللام، لكن حث وترغيب، وليس على سبيل الوجوب؛ لقوله: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ».
[ ١ / ٦٠٢٤ ]
وأتذكر؛ رَأَيْنَا تمثيلية طيبة في هذا الباب؛ أربعة أبناء لهم والد وأراد يزوجهم، وقال واحد منهم: أنا أبغي أتزوج الدَّيِّنَة، زوجني دَيِّنَة ما أريد غيرها. وقال واحد منهم: أنا أبغي أتزوج امرأة لها مال. والثالث قال: أبغي أتزوج امرأة لها حسب. والرابع قال: أبغي أتزوج امرأة جميلة. فتزوجوا؛ دخل الأول الذي أراد المرأة ذات المال، دخل عليها وفي الصباح قالت: يَلَّا للسوق، اشتر لي فساتين، واشتر لي أسورة، واشتر لي ()، واشتر لي قلائد، أنا أبوي يسوي بكذا، لازم تسوي هكذا. فضيقت عليه.
طالب: الدينة؟
الشيخ: لا، صاحبة المال.
فضيقت عليه حتى ملَّ منها فطلقها.
الثانية ذات الحسب يعني الشرف والنسب الرفيع لما دخل عليها قالت: أنت فلان بن فلان؟ قال: نعم () أنا فلانة بنت فلان الشريف النسيب، ما أنا بدمك وأنت بدمي فأتعبته وطلقها.
الثالثة الجميلة لما دخل عليها وقرُب منها قالت: اصبر () مراية () أمام مراية تمشط شعرها وتنمص ولا هي () تريد تصلح هندامها، وكلما دعاها إلى حاجته قالت: لا ما بعد، ما بعد تزينت ولا ولا ولا ولا، المهم أنها أيضًا ملَّ منها وطلقها.
فجاء الرابع وهو صاحب الدَّيِّنَة، فجاء إلى أبيه وأخبره بأن أهله في خير وأنهم في طاعته وأنهم في رغبته وأثنى عليها ثناء كثيرًا.
هذا الحقيقة هذا هو اللي يحكي الواقع غالبًا؛ ولهذا قال النبي ﵊: «اظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ».
طالب: () يا شيخ؛ هل هذه () عربية ولا ()؟
الشيخ: إي من الدين.
الطالب: () ولَّا صيغة مبالغة؟
الشيخ: لا، صفة مشبهة.
الطالب: ().
الشيخ: لا، هذه مما يراد به الحث يجري على اللسان بقصد الحث.
قال: دَيِّنَة أجنبية؛ يعني مثلًا إذا كان مصريًّا تكون عراقية، إذا كان سعوديًّا تكون كويتية مثلًا، كذا؟
طالب: لا.
[ ١ / ٦٠٢٥ ]
الشيخ: لا، أجنبية يعني ليس بينه وبينها نسب ما تكون من بني عمه، تكون من ناس أجانب عللوا ذلك بأمرين؛ أحدهما أنه أَنجبُ للولد يعني يكون فيه نجابة؛ لأنه يأخذ من طبائع أخواله ومن طبائع أهله؛ آبائه، فيأخذ من هؤلاء وهؤلاء فيتكون من ذلك خلق من الخلقين جميعًا وهذا أمر مقصود، وكم من أناس كثيرين جذبهم أخوالهم في الكرم والشهامة والرجولة.
والأمر الثاني مما عللوا به؛ قالوا: لأنه ربما يحصل بينه وبينها جفوة فيؤدي إلى قطيعة الرحم؛ يحصل بينها وبينه مشاكل فيأتي مثلًا عمه ويتنازع معه أو مع أبيه فيحصل بذلك قطيعة الرحم، فكونه يأخذ امرأة أجنبية أولى، وما قالوه صحيح، لكن إذا وُجِد في الأقارب مَنْ هو أفضل منها في الاعتبارات الأخرى فإنه يكون أفضل، يعني عند التساوي ربما يكون الأجنبية أولى، لكن مع التفاضل في الاعتبارات الأخرى لا شك أننا نقدم من يفضله؛ من ذلك إذا كانت مثلًا بنت العم امرأة ذات دين وخلق وأحوالهم مثلًا أحوال ضعيفة يحتاجون إلى رفق ومساعدة فإنه لا شك أن في هذا مصلحة كبيرة، فالإنسان يراعي المصالح في هذا الأمر ما دامت المسألة ما فيها نص شرعي يجب الأخذ به، فإن الإنسان يتبع في هذا المصالح.
وقوله: (بِكْر)؛ البكر التي لم تتزوج من قَبْل؛ لقول النبي ﷺ لجابر بن عبد الله لما سأله: «تَزَوَّجْتَ»؟ قال: نعم. قال: «بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا؟» قال: بل ثيبًا. قال: «فَهَلَّا بِكْرًا تُلَاعِبُكَ وَتُلَاعِبُهَا» (٤). فالبكر أفضل؛ لأنها لم تطمح إلى رجال سابقين ولم يتعلق قلبها بأحد قبله، ولأن أول من يباشرها من الرجال هذا الرجل فتتعلق به أكثر، فنكاح بكر لا شك أنه أولى وأحسن.
[ ١ / ٦٠٢٦ ]
لكن قد يختار الإنسان الثيب لأسباب مثلما فعل جابر بن عبد الله فإنه اختار الثيب؛ لأن والده عبد الله بن حرام ﵁ استُشهِدَ في أحد وخلَّف بنات يحتجن إلى من يقوم عليهن، فلو تزوج بكرًا لم تقم بخدمتهن ومعونتهن فاختار -﵁- ثيبًا لتقوم على أخواته؛ ولهذا لما أخبر النبي ﷺ بذلك أقره النبي ﵊، فإذا اختار الإنسان ثيبًا لأغراض أخرى فإنها تكون أفضل، وفي هذا دليل على اعتبار الأمور؛ لأن التفضيل يرجع إلى هذه الاعتبارات كما قلنا قبل قليل.
وقوله: (ولود) أي: كثيرة الولادة، وهذا يتناقض مع قوله: (بكر)؛ لأن البكر ما ولدت حتى نعلم أنها ولود أم لا.
طلبة: الأقارب.
الشيخ: نعم، يعتبر بالأقارب، إذا كانت من نساء عُرِفْنَ بكثرة الولادة فالغالب أنها تكون مثلهن فيختار المرأة التي عُرِفَت بكثرة الولادة؛ لأن النبي ﷺ أمر بذلك أن نتزوج الودود الولود فإنه مكاثر بنا يوم القيامة (٥).
لكن مع الأسف الآن أن بعض الناس يختار المرأة اللي يمكن تكون عقيمًا أحب إليه من الولود، ويحاولون ألا تلد نساؤهم إلا بعد ثلاث سنوات، أربع سنوات من الزواج وما أشبه ذلك، وهذا خطأ؛ لأنه خلاف مراد النبي ﷺ.
[ ١ / ٦٠٢٧ ]
يقولون أحيانًا: إن تربيتهم تشق عليهم. فنقول: إذا أحسنتم الظن بالله أعانكم الله. يقولون أحيانًا: إن المال اللي عندنا قليل. نقول لهم: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، وأحيانًا يشوف الإنسان الرزق ينفتح إذا وُلِدَ له، وقد حدثني مَنْ أثق به وهو رجل دَلَّال يبيع ويشتري بالدلالة () يقول: إني تزوجت، وإني منذ تزوجت فتح الله عليَّ باب رزق، ولما وُلِدَ ولدي فلان يقول: انفتح باب رزق آخر. وهذا معلوم؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، ويقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١]، ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء: ٣١].
طالب: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ﴾ [النور: ٣٢].
الشيخ: وكذلك ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢]، فالحاصل أن هذه العلة عليلة؛ كونه يقول: إن الأولاد سبب للفقر خطأ.
قد يقول قائل: أنا أحب أن تبقى زوجتي شابة ما أحب أنها تلد، فنقول: هذا غرض لا بأس به، لكن الولادة أو كثرة الأولاد أفضل من ذلك، أفضل من هذا.
لو قال قائل: أنا أريد أن أنظم النسل لا أحدد النسل؛ تنظيم بمعنى أجعل امرأتي تلد في كل سنتين مرة، يجوز ولَّا لا؟ يجوز، هذا لا بأس به.
وقد كان الصحابة -﵃- يعزلون في عهد النبي ﷺ، والعزل لا شك أنه يمنع من الحمل غالبًا.
[ ١ / ٦٠٢٨ ]
وقوله: (بلا أم) أن يختار امرأة لا أم لها، لماذا؟ قالوا: لأن الأم ربما تفسدها عليه، وإذا كان هذا هو التعليل فإنه لا ينبغي أن نقول: إنه يختار امرأة لا أم لها، بل نقول: يختار امرأة أمها صالحة، أما أن نقول: بلا أم فهذا فيه نظر؛ لأن من الأمهات من يكون خيرًا على بناتهن وعلى أزواجهن، فالأَوْلى أن نقول بدل (بلا أم) أن نقول: أن يختار امرأة أمها صالحة، وبهذا يزول المحذور الذي عللوا به.
ثم إن التي ليس لها أم ليست المفسدة محصورة في الأم؛ قد تفسدها خالتها أو أختها أو أحد من أقاربها أو أحد من الأباعد وتكون الأم حامية لها، أحيانًا تكون الأم حامية لها تحميها من هؤلاء الذين يفسدونها على زوجها.
فالصواب أن يقال: أن يختار امرأة أمها صالحة، أما أن نقول: دور المرأة اللي مالها أُمٌ هو أفضل، فهذا فيه نظر.
طالب: قوله: (أجنبية بلا أم) منين جاءت السنية؟
الشيخ: نعم، أجنبية تعليل بس، فقط تعليل.
طالب: () السنة بالتعليل؟
الشيخ: إي نعم؛ لأن الأحكام الشرعية تكون إما من نصوص وإما من العلل الشرعية التي دل الشرع على اعتبارها.
قال: (بلا أم، وله نظر ما يظهر غالبًا مرارًا بلا خلوة) (وله) اللام للإباحة، والضمير في قوله: (له) يعود على من أراد خطبة امرأة؛ يعني: ولمن أراد خطبة امرأة نظر إلى آخره.
وظاهر كلام المؤلف هنا (وله) أنه أي: نظر المخطوبة مباح وليس بمطلوب، وهذا فيه خلاف بين أهل العلم؛ فمنهم من قال: إنه يُسَنُّ له أن ينظر وأن النظر سنة.
[ ١ / ٦٠٢٩ ]
ومنهم من قال: إنه يباح، ولولا أن المسألة فيها خلاف لقلنا: إن قول المؤلف: (وله نظر) إنه ذكر الإباحة في مقابلة المنفي فلا ينافي الاستحباب، ولكن المسألة الخلاف فيها مشهور هل نقول: إن نظر المخطوبة من باب المباح أو من باب المستحب؟ والصحيح أنها من باب المستحب إلا إذا عَلِمَ الإنسان بصفتها بدون نظر فلا حاجة، لو أرسل امرأة يثق بها تمامًا فإنه لا حاجة إلى أن ينظر، على أنه في الحقيقة نظر الغير لا يغني عن نظر النفس؛ فقد تكون المرأة جميلة عند شخص وغير جميلة عند شخص آخر، وقد يرى الإنسان مثلًا المرأة على حال غير حالها الطبيعية؛ لأنه تعرفون الحال الطبيعية أحيانًا يكون الإنسان في حال السرور وما أشبه ذلك له حال، وفي حال الحزن له حال، في الحال الطبيعية له حال أخرى، ثم إنه أيضًا بعض الأحيان إذا علمت المرأة أنه سينظر إليها () في الزمن الأخير يعني إذا علمت ذلك أدخلت على نفسها تحسينات يسمونه؟
طالب: مكياجًا.
الشيخ: مكياجًا، يسمونه المكياج، فإذا نُظِرَ إليها ظُنَّ أنها جميلة جدًّا، وهي ليست كذلك.
إنما على كل حال نقول: إن ظاهر السنة أن النظر إلى المخطوبة سنة؛ لأن النبي ﷺ أمر به وقال: «إِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا» أي: يُؤَلَّف بينكما، ولكن كيف ينظر؟ إذا أمكن أنه ينظر إليها باتفاق مع وليها أنه يحضر وينظرها فذلك، فإن لم يمكن فله أن يختبئ لها في مكان تمر منه وما أشبه ذلك وينظر إليها.
وقول المؤلف: (وله نظر ما يظهر غالبًا) ما هو بنظر كل شيء؛ نظر ما يظهر غالبًا مثل الوجه والرقبة واليد والقدم ونحوها.
أما أن ينظر إلى ما لا يظهر غالبًا فهذا لا يجوز، لكن ما يظهر غالبًا وينظر إليه المحارم فللخاطب أن ينظر إليه، وأهم شيء في الأمر هو الوجه، هذا أهم شيء فينظر إليه.
طالب: شيخ؛ ينظر قبل الخطبة أو بعدها؟
الشيخ: لا، قبل إذا أراد، بعد الخطبة ويش الفائدة؟
طالب: أيجوز ()؟
[ ١ / ٦٠٣٠ ]
الشيخ: إي، يجوز أن يمكن.
الطالب: ().
الشيخ: لكن بالشرط التي ذكرها المؤلف.
الطالب: لكن ما يقال: الحكم متعلق به هو فقط؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: ينظر ().
الشيخ: ينظر، لكن النظر مثلما قلنا قبل قليل: إن تمكن أنه ينظر إليها باتفاق مع وليها، وإلا فيختبئ لها.
الطالب: لكن نحن نقول: إنه لا يجوز ()؛ لأنه أخص به.
الشيخ: بمن؟
الطالب: من أراد الخطبة.
الشيخ: فإن استطاع أن ينظر ما يدعو إليه النكاح فليفعل، إن استطاع بأي وسيلة، ومن الوسيلة أن يتفق مع وليها على ذلك.
طالب: ().
الشيخ: () لأنه أيضًا إذا خطب ثم نظر إليها لم تعجبه صار () إذا خطب () وأعجبته ().
يعني مثلًا الأول ما تبين له الأمر، يجوز أن يكرر.
طالب: أحسن، لا يكرر.
الشيخ: نعم؟
طالب: ما يكرر.
الشيخ: لماذا؟
طالب: نعم، يجوز أن يكرر.
الشيخ: يجوز أن يكرر، الدليل؟
طالب: ().
الشيخ: والنبي يقول ﵊: «إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ خِطْبَةَ امْرَأَةٍ فَاسْتَطَاعَ -أو كما قال- أَنْ يَنْظُرَ مِنْهَا مِا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ» (٦) ما يدعوه إلى نكاحها، فإذا كان في أول مرة ما وجد ما يدعوه () في الثانية وثالثة. طيب هل يجوز له مكالمتها؟
طالب: لا، ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز؟
الطالب: ().
الشيخ: كيف ما يجوز، ما هو بالنظر أبلغ؟
الطالب: ().
الشيخ: نعم صحيح، المكالمة أدعى للشهوة والتلذذ بصوتها؛ ولهذا يقول النبي ﵊: «أَنْ يَنْظُرَ مِنْهَا مَا يَدْعُوهُ»، ما قال: أن يسمع منها، قال: «أَنْ يَنْظُرَ مِنْهَا مَا يَدْعُوهُ». إي نعم، طيب، صارت الشروط كم؟
طالب: خمسة.
الشيخ: خمسة.
طالب: التكلم مع الخطيبة جائز ولَّا لا؟
الشيخ: ما يجوز.
طيب، الشروط خمسة، ما هي؟
طالب: بلا خلوة.
[ ١ / ٦٠٣١ ]
الشيخ: أن يكون بلا خلوة، وبلا شهوة، وأن ()، وأن يغلب على ظنه الإيجاب، وأن يكون مما يظهر غالبًا، أن ينظر ما يظهر غالبًا، ما هو بيروح ينظر إلى بطنها وصدرها وظهرها، لا اللي يظهر غالبًا.
طالب: ()؟
الشيخ: لا، ما هو شرط.
طالب: كيف يغلب على ظنه الإيجاب؟
الشيخ: إي نعم؛ يعني مثلًا واحد .. والله ﷾ جعل الناس طبقات؛ ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: ٣٢] واحد من الكناسين يبغي ينظر إلى بنت وزير يبغي يخطبها، هو يغلب على ظنه الإجابة؟
طالب: عدم الإجابة.
الشيخ: الغالب عدم الإجابة، أو إنسان كبير السن زَمِن أصم يبغي ينظر إلى بنت شابة جميلة، يغلب على ظنه الإجابة؟
طالب: لا ما يغلب.
الشيخ: ما يغلب على ظنه الإجابة ().
***
(ويحرُم التصريح بخطبة المعتدة) خِطبة وخُطبة، الفرق بينهما أن الخُطبة هي الكلمة التي يخطب بها الخطيب مثل خُطبة الجمعة، والخِطبة بكسر الخاء هي طلب التزوج من المرأة؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥] هذا الفرق بينهما.
وقوله: (يحرم التصريح بخطبة المعتدة) التصريح معناه أن يقول ما لا يحتمل غير النكاح، هذا التصريح؛ مثل أن يقول: أطلب زواجك أو زوجيني نفسك، أو يقول للولي: زوجني ابنتك، أو ما أشبه ذلك، هذا يحتمل غير النكاح ولَّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: ما يحتمل غير النكاح.
وقول المؤلف: (بخطبة المعتدة) يعني التي في عدة الغير مثل معتدة من وفاة، معتدة من طلاق رجعي، معتدة من طلاق بائن، فالتصريح للمعتدة ما يجوز أبدًا.
[ ١ / ٦٠٣٢ ]
وقوله: (المعتدة من وفاة والمبانة)، المؤلف فَصَّل (المعتدة من وفاة والمبانة) (المعتدة من وفاة) يعني معناه: امرأة زوجها مات عنها تكون في عدة ولَّا لا؟ تكون في عِدَّة لا يجوز لأحد أن يصرح بخطبتها في العدة؛ هذا حرام؛ الدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥] ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ﴾ فمفهومه: فيما صرحتم عليكم جناح، إذا صرحتم فعليكم جناح.
وقوله: (والمبانة) المبانة منين المبانة في حال الحياة؛ يعني التي بائن من زوجها، والبائن من الزوج إما أن تكون مطلقة آخر ثلاث تطليقات، هذه مبانة ما يمكن يراجع زوجها، أو تكون مطلقة على عوض، أو تكون مفسوخة فسخًا لا طلاق، هذه المبانة.
طالب: مفسوخة؟
الشيخ: مفسوخة يعني مثلًا حصل بينها وبين زوجها خلاف، وفسخنا العقد، فسخنا النكاح، أو وجدت في زوجها عيبًا ففسخت النكاح، أو وجد هو بها عيبًا ففسخ النكاح؛ يعني غير الطلاق.
طالب: الفسخ قبل أن يدخل بها؟
الشيخ: ما هو .. قبل الدخول ما فيه عدة أصلًا. طيب إذن ..
طالب: الفسخ؟
الشيخ: الفسخ فيه عدة، إي فيه عدة، نعم، لكن () ثلاث حيض أو حيضة واحدة ما هو بهذا موضع بحثها، المهم أنها معتدة.
هذه المبانة، ويش قلنا معنى (المبانة)؟ التي بانت من زوجها فلا رجعة له عليها؛ مثل المطلقة آخر ثلاث تطليقات؛ يعني رجل طلق امرأته آخر مرة، تعتد ونسميها أيش؟
طالب: بائن.
الشيخ: مبانة، نسميها مبانة أو بائن، طيب هذه المبانة أو البائن لا يجوز أن نخطبها صريحًا، ونقول مثلًا: زوجيني نفسك، أو نقول للولي: ترى نبغيك تزوجنا من فلانة، أو ما أشبه ذلك، ما يجوز.
[ ١ / ٦٠٣٣ ]
قال: دون التعريض؛ يعني يحكم التصريح دون التعريض فيباح لنا؟ فيباح، الدليل ما ذكرنا من الآية قبل قليل؛ ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٥] هذا صريح الآية منطوق الآية أيش؟
نفي الْجُناح في التعريض، ومفهومها ثبوت الجناح في التصريح؛ التعريض مثل أن يبدي لها الرغبة بدون أن يُصَرِّح بالخطبة يبدي لها الرغبة مثل أن يقول: تالله إن المرأة اللي مثلك إنها غنيمة، أو يقول: إذا انقضت العدة فأخبريني، أو يقول: لا تفوتي نفسك، أو يقول: إني في مثلك لراغب، أو ما أشبه ذلك، هذا صريح بالخطبة ولَّا لا؟ ما هو صريح، لكن يُعَرِّض، أو يقول مثلًا: أم العيال كبرت وأنا محتاج إلى زوجة، هذا ويش يصير؟ يكون تعريضًا، فالمهم أن هذا نسميه تعريضًا وهو جائز للمعتدة من وفاة والثانية البائن بطلاق أو فسخ.
قال: (ويباحان لمن أبانها دون (».
(لمن أبانها) أي: للذي أبانها، طيب (يباحان لزوج أبانها دون الثلاث) ويش معنى (أبانها دون الثلاث)؟ يعني: أبانها بغير الطلاق الثلاث، فيه هنا بينونة بغير الطلاق الثلاث؟
طالب: نعم.
الشيخ: الآن قلنا لكم يا جماعة: فيه بينونة دون الثلاث؟
طالب: نعم.
الشيخ: إي نعم، مثل لو طلَّقها على عوض؛ رجل اتفق ويا زوجته على أنه يطلقها وتسلم له هي فلوس أو وليها أو أي واحد من الناس، المهم طلقها على فلوس، هذه نسميها بائنًا بالثلاث؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، بائنًا بالعوض، وقد سمى الله هذا العوض فداء؛ لأن المرأة اشترت نفسها من زوجها ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] لما اشترت نفسها من زوجها لو قلنا: إن زوجها له أن يراجعها استفادت المرأة من هذا ولَّا ما استفادت؟
الطلبة: ما استفادت.
[ ١ / ٦٠٣٤ ]
الشيخ: لو قلنا: إن زوجها له يراجعها، وهي شرت نفسها () ما استفادت، ولهذا نقول: لا رجعة له عليها إلَّا برضاها؛ ولهذا يقول: (ويباحان) أي: ويش اللي يباحان؟
الطالب: التعريض والتصريح.
الشيخ: التعريض والتصريح لِمَن؟ أي: لزوج أبانها دون الثلاث يعني: أبانها بغير الثلاث، ولو قال المؤلف: (بغير الثلاث) لكان أوضح؛ أبانها بغير الثلاث؛ مثل أن يطلقها على عوض أو يُفسَخ العقد فسخًا، يفسخ فسخًا لعيب في زوجها أو نحو ذلك.
المهم إن الطلاق على عوض وجميع الفسوخ؛ كل الفسوخ تعتبر بينونة، جميع الفسوخ لعيب في الزوج أو الزوجة أو إعسار في الصداق أو بالنفقة أو غير ذلك من أسباب الفسوخ كلها تعتبر أيش؟ بينونة، لكن ما هي مثل البينونة بالثلاث، يجوز لزوجها الذي أبانها أن يصرح ويعرض ويعقد أيضًا في نفس الوقت عليها أو لا؟
يجوز مثلًا هذا الرجل الذي طلق زوجته بعوض واشترت نفسها منه، يجوز له وهي في العدة أن يقول: زوجيني نفسك. ما ترغبين أن نتزوج؟ يجوز، يجوز يعقد عليها؟
نعم، يجوز؛ لأن اللي ما تحل المطلقة ثلاثًا، هذه ما طلقت ثلاثًا، يجوز أن يصرح ويعرض ويعقد أيضًا.
طالب: بمهر جديد يا شيخ؟
الشيخ: بمهر جديد، عقد جديد، كل شيء.
إذن يجوز التصريح والتعريض لزوج أبان زوجته بغير الثلاث وبالثلاث؟ بالثلاث لا يجوز التعريض ولا التصريح من الزوج؛ لا يجوز لزوجها لا تصريح ولا تعريض؛ لأنها تحرم عليه.
طالب: غير الزوج يا شيخ؟
الشيخ: غير الزوج، المبانة ()؟
الطالب: لا، الأخير اللي مبانة بدون الطلاق يعرض لها ().
الشيخ: المبانة مرت علينا قبل قليل.
الطالب: لا، اللي بعدها.
الشيخ: مرت علينا ().
طالب: نعم؟
الشيخ: (ويحرم التصريح دون التعريض بخطبة المعتدة من وفاة)، ويش بعد؟
طالب: والمبانة.
الشيخ: هذه، والمبانة، هذه المبانة.
الطالب: يعني جميع ..
[ ١ / ٦٠٣٥ ]
الشيخ: كل المبانات، كل النساء المبانات يحرم التصريح بخطبتهن دون التعريض، كل المبانات، قلناها من قبل، قال: (ويباحان لمن أبانها دون الثلاث كرجعية).
طالب: عندنا: كرجعيته.
الشيخ: كرجعيته؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: لا، كرجعية له؛ يعني المقصود كما .. وقوله: (كرجعية) الحقيقة هذا التمثيل فيه نظر جدًّا؛ لأن الرجعية بالنسبة لزوجها ما هي تُخْطَب، ويش يعنى زوج الرجعية؟ فيه رجع، يقول: الآن أنا راجعتك، وتتم الرجعة، وتعود زوجته، لكنه ذكر ذلك تمهيدًا لقوله: (ويحرمان منها على غير زوجها) يحرمان أيش؟ التعريض والتصريح (منها) أي: فيها، في الرجعية على غير زوجها، فالرجعية يحرم على زوجها التعريض والتصريح، يحرم على زوجها؟
طلبة: عليها.
الشيخ: عليها! يحرم على غير زوجها أن يخطبها تصريحًا أو تعريضًا؛ لماذا؟
طالب: لأنها زوجة.
الشيخ: لأنها زوجة إلى الآن، إلى الآن وهي في عصمة الزوج، فهل يجوز لأحد أن يأتي إلى امرأة رجل ما طلقت ويقول: أبغي أتزوجك؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: ولَّا ما يجوز؟ ولا يعرض؟
طلبة: ولا يُعَرِّض.
الشيخ: لو قال: والله () على ها الشايب هذا، ويش () يصلح؟
طالب: ما يصلح.
الشيخ: حرام ما يجوز هذا، هذا معناه خَبَّبها على زوجها.
طيب فهمنا الآن من كلام المؤلف نشوف الآن؛ فهمنا أن خطبة المعتدة لها حالات:
أولًا: أن تحرم تصريحًا وتعريضًا.
وثانيًا: تجوز تصريحًا وتعريضًا.
وثالثًا: تجوز تعريضًا لا تصريحًا. تمام، كل هذا مفهومة من كلام المؤلف، تحرُم تصريحًا وتعريضًا؟ خطبة الرجعية من غير زوجها ()، تحرم خطبة الرجعية تصريحًا وتعريضًا، والتعليل لأنها زوجة، ولا يجوز لأحد أن يخطب زوجة غيره لا تصريحًا ولا تعريضًا.
وتباح الخطبة تصريحًا وتعريضًا لزوج أبان زوجته بغير الثلاث، بماذا أبانها؟ بطلاق على عوض أو فسخ.
[ ١ / ٦٠٣٦ ]
ويحرُم التصريح دون التعريض في خطبة المبانة من غيره والمعتدة من الوفاة؛ المعتدة من الوفاة والمبانة من غيره يحرُم فيها التصريح دون التعريض، ويش الدليل؟
قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٥]. طيب، ما الدليل على جواز خطبة زوج المبانة تصريحًا وتعريضًا؟
طالب: ().
الشيخ: لا، خطبة المبانة؛ يعني الذي أبانها يجوز أن يخطبها تصريحًا وتعريضًا؟
طالب: لأن العدة له.
الشيخ: إي؛ لأن العدة له ويحل له تزوجها؛ لأنه يَحِلُّ له تزوجها، فكل امرأة يجوز أن يتزوجها ويعقد عليها فإنه يجوز التصريح والتعريض في خطبتها؛ كل امرأة يجوز أن يتزوجها فيجوز أن تصرح وتعرض في خطبتها. هل يجوز التصريح أو التعريض في خطبة المحرمة بحج وعمرة؟
طالب: لا.
الشيخ: ليش؟
طالب: () لا يجوز النكاح ..
الشيخ: لأنه ما يجوز النكاح، ما يجوز عقد النكاح عليها فيحرم التصريح والتعريض.
إذن القاعدة كل من لا يجوز العقد عليها فإنه يحرم خطبتها، تحرم خطبتها تصريحًا أما تعريضًا ففيه التفصيل.
الآن خطبة المعتدات تنقسم إلى ثلاثة أقسام؛ من يجوز خطبتها تصريحًا وتعريضًا، ومن يحرُم تصريحًا وتعريضًا، ومن يجوز تعريضًا لا تصريحًا، وكلها مفهومه من كلام المؤلف.
قال المؤلف -﵀- مبينًا معنى التعريض: (والتعريض أن يقول: إني في مثلك لراغب) هذا التعريض، طيب والتصريح؛ التصريح ما عرفه؛ لأنه بَيَّن التصريح أن يقول: أريد أن تزوجيني نفسك، أو يقول لوليها: أريد أن تزوجني فلانة؛ يعني أن يطلب نكاحها على وجه أيش؟
طالب: صريح.
الشيخ: صريح لا احتمال فيه، (أن يقول: إني في مثلك لراغب، وتجيبه: ما يُرْغَب عنك، ونحوهما) (إني في مثلك لراغب) يخاطبها، ظاهر كلام المؤلف أنه يجوز كلام المخطوب، ولا سيما مثل ها العبارة دي: (إني في مثلك لراغب).
طالب: وهي صرحت بعدُ بالقبول.
[ ١ / ٦٠٣٧ ]
الشيخ: إي نعم، وتجيبه أيضًا: ما يرغب عنك؛ يعني: ما عليك مزيد، معنى ما يرغب عنك: يعني إذن أنا ما أرغب عنك.
وقوله: (ونحوهما) مثل لا تفوتيني نفسك، وتقول: إن قُضِيَ شيء كان؛ قال لها: إذا خرجت من العدة لا تفوتيني نفسك، فقالت: إن قُضِيَ شيء كان، تقول: مو بلازم العبارة هذه، أو تقول: إن كان الله مريده فهو يتمه.
وظاهر كلام المؤلف بل صريحه على أنه يجوز للإنسان أن يخاطب مخطوبته، وعليه فنقول: هذا الإطلاق من المؤلف يجب أن يقيد بماذا؟ بألا يحدث شهوة أو تَلَذُّذ بمخاطبتها فإن حصل ذلك فإنه لا يجوز؛ لأن الفتنة يجب أن يبتعد عنها الإنسان.
طالب: طيب، لو ().
الشيخ: وين؟
الطالب: قوله: (إني في مثلك لراغب) ().
الشيخ: هي تقول: ما يُرْغَب عنك.
الطالب: يعني: خلاص موافقة.
الشيخ: والله هو قريب من الصريح، أما قوله: (إني في مثلك لراغب) هو تعريض واضح، ما قال: إني فيك لراغب؛ (في مثلك)، وإن كان من الغالب أن المثل قد يُطْلَق على النفس كقول الشاعر:
لَيْسَ كَمِثْلِ الْفَتَى زُهَيْرٍ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أما قوله: (ما يرغب عنك) ترى ما هو بصريح؛ لأنها ما قالت: ما أرغب أنا، قالت: (ما يرغب) يعني: إن اللي يبغيك ما يُرْغَب عنك، أما أنا فقد أبغيك وقد لا أبغيك.
طلبة: () هي ما عليها حرج.
الشيخ: ما عليها حرج.
طلبة: ().
الشيخ: () ما تخطب أحدًا في وقت العدة.
طالب: ().
الشيخ: لا هي ما تخطب، حتى هي ما تخطب؛ لأن العدة حق للزوج.
طالب: بس هي أصلًا ما تخطب يا شيخ؟
الشيخ: لا ربما تخطب.
الطالب: يجوز يعني المرأة تخطب؟
الشيخ: إي أما هذا عمر بن الخطاب خطب لبنته حفصة، يمكن.
طالب: قلنا: الآية ما فيها خطبة النساء يقول: ما عرضتم يعني من خطبة النساء ..
الشيخ: لأنه الغالب أن الرجال هم اللي يخطبوا المرأة.
طالب: () يقول: ما يجوز أن تجيب وهي في العدة.
الشيخ: لا، عندي: (وتجيب).
[ ١ / ٦٠٣٨ ]
الطالب: لا، أعني: إذا كان لا يحل له خطبتها أيضًا إلا أنها تجيب.
الشيخ: طبعًا () ما هو بخاطب أصلًا.
الطالب: لو خطبها فلا تجيبه.
الشيخ: إذا خطبها ما تجيبه، معلوم ما مشكلة؛ يعني هذا معناه: لو أجابته أقرته على المحرم.
طالب: لو أجابت مثلًا ينقض العقد؟
الشيخ: لا، العقد غير الخطبة.
الطالب: لكن تنفسخ الخطبة.
الشيخ: إي إذا كان ممن يباح خطبتها.
الطالب: لا إذا كانت المعتدة؟
الشيخ: لا المعتدة المبانة يجوز التعريض.
طالب: ().
الشيخ: ما يجوز، ولا تجيب.
***
قال: (فإن أجاب وليُّ مجبرة أو أجابت غير المجبرة لمسلم حرم على غيره خطبتها) يعني معنى ذلك إذا تمت الخطبة فأجابت غير المجبرة أو أجاب ولي المجبرة.
وعُلم من كلام المؤلف أن النساء قسمين: مجبرات، وغير مجبرات، وهذا مبني على المذهب كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
والصحيح أنه ما فيه امرأة تُجْبَر الصحيح أنه ليس فيه امرأة تجبر على النكاح، نعم لو زوَّج صغيرة وقلنا بجواز تزويج الصغيرة فهذه ما يعتبر إجابتها المعتبر إجابة الولي.
إنما نحن نمشي على كلام المؤلف وكونها تُجْبَر أو ما تجبر إن شاء الله يأتي في بابه.
يقول المؤلف: إذا خطب الخاطب وأجيب. من المعتبر إجابته؟ المعتبر إجابة غير المجبرة وإجابة ولي المجبرة؛ إجابة غير المجبرة من اللي ما تجبر؟ مثل الثيب؛ الثيب ما يقدر أحد يجبرها، أو البكر مع غير الأب، هذه غير مجبرة.
المجبرة من؟ البكر مع الأب على المذهب؛ البكر مع الأب.
فإذا أجاب أبو البكر؛ أجاب الخاطب اعتُبرَت الإجابة صحيحة، وإذا أجاب أخو البكر فالإجابة غير صحيحة ما لها أثر، وإذا أجاب أبو الثيب فالإجابة غير صحيحة غير معتبرة.
المعتبر إجابة المرأة نفسها إن كانت لا تُزَوَّج إلا برضاها، وإجابة وليها إن كان يستطيع أن يجبرها.
المهم إذا حصلت الإجابة ..
وقول المؤلف: (غير مجبرة لمسلم) (لمسلم) تنازعه عاملان أين العاملان اللذان تنازعا؟
[ ١ / ٦٠٣٩ ]
(أجاب) و(أجابت) يعني: إن أجاب ولي المجبرة لمسلم أو أجابت غير المجبرة لمسلم؛ فـ (لمسلم) متعلق بـ (أجاب) و(أجابت).
وعُلم منه أنها لو أجابت لغير مسلم فإنه يجوز خطبتها، فيخطب على خطبة غير المسلم، يتصور هذا؟
طالب: ما يتصور.
الشيخ: يتصور، امرأة نصرانية مثلًا يجوز أن مسلمًا يخطبها، أليس كذلك؟ لكنها قد خُطِبَت من قبل نصراني خطبها نصراني.
فظاهر كلام المؤلف أنه يجوز لي أنا أيها المسلم أن أخطب على خطبة هذا النصراني. ليش؟ لأنه قال: (إن أجابت لمسلم) فمفهومه لغير مسلم لا يحرم الخطبة على خطبته ما هو الدليل؟
الدليل قول رسول الله ﷺ: «لَا يَبِعْ أَحَدُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ» (٧)، «أَخِيهِ»، والنصراني ليس أخًا.
وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم؛ فمنهم من قال: إن قول رسول الله ﷺ: «خِطْبَةِ أَخِيهِ» إن هذا من باب الأغلب؛ لأنه يخاطب مسلمين، والغالب إن الخاطب مسلم، ومعلوم أن القيد إذا كان للأغلب فلا مفهوم له فعلى هذا يكون لا يجوز للرجل أن يخطب على خطبة النصراني؛ لأن النصراني له حقوق.
وهذا القول أصح؛ أنه لا يجوز أن يخطب على خطبة غير المسلم إذا لم يكن حربيًّا، أما إذا كان حربيًّا فليس له حق، لكن إذا كان معاهدًا أو مُسْتَأْمنًا أو ذميًّا؛ لأن هذا من باب حقوق العقد للعاقد؛ فعلى هذا لا يجوز لنا أن نخطب على خطبة غير المسلمين.
وأيضًا فيه مضرة على الإسلام لو خطبنا على خطبة غير المسلم، ماذا يتصور غير المسلمين الإسلام؟ يتصورون أن الإسلام دين وحشية واعتداء على الغير وعدم احترام الحقوق.
فما دام هذا الرجل خطبها وهو كفء لها في دينها ما يجوز إننا نعتدي عليه؛ فالصواب أن هذا أنه يحرم سواء كان الخاطب مسلمًا أو غير مسلم، وأن التقييد بالأخوة في الحديث بناء على الأغلب.
وقول المؤلف: (حَرُم على غيره خطبتها) (خطبتها) تعريضًا أو تصريحًا؟
[ ١ / ٦٠٤٠ ]
طالب: تعريضًا.
الشيخ: تعريضًا أو تصريحًا، ما يجوز يخطبها لا تعريضًا ولا تصريحًا؛ لأنه عدوان على حق أخيه.
طالب: كذلك البيع، يا شيخ؟
الشيخ: وكذلك البيع مثله المسلم وغير المسلم.
(وإن رُدَّ أو أَذِنْ أو جُهلت الحال جاز) أفادنا المؤلف ﵀ بهذه العبارة أن حال الخاطب لا تخلو من أربع أحوال؛ إما أن يجاب فتحرم الخطبة على خطبته، أو يُرَد وأعلم أنهم ردوه فتحل الخطبة، ولا ما تحل؟
طلبة: تحل.
الشيخ: تحل؛ لأنه انتهى حقه، أو يأذن لي هو؛ مثلًا علمت أنه خطب هذه المرأة فذهبت إليه وقلت: يا فلان، أنت خطبت فلانة، وأنا متعلق قلبي بها، أريد أن تسمح لي وتخليني أنا اللي أخطبها، إذا أذن يجوز؟ نعم، يجوز لأن الحق له فإذا أسقطه سقط.
الحال الرابعة: إذا جُهِلَت الحال ما نعلم هل أجيب أو رد؟ فظاهر كلام المؤلف أنه يجوز أن يخطب. وهذا ليس بصحيح هو يقول: يجوز أن يخطب؛ لماذا؟ قال: لأنه إلى الآن ما ثبت حقه ما دام ما أجابوا فهم بالخيار، ما بعد ثبت حقه في هذه المرأة، الآن هو خاطب كالذي يسوم سلعة لك أن تزود عليه، ولكن الصحيح أنه لا يجوز؛ لأن هذا اعتداء على حقه في الحقيقة، وربما يكون أهل الزوجة أو الزوجة قد ركنوا إلى هذا الخاطب أو لا؟ ركنوا إليه بس إنهم ما بعد سلموه الإجابة، وقبلوا الخطبة، فإذا جاءت خطبة واردة على هذا عدلوا عنه، أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ: ربما () مقتنعين ويبغون يزوجونه، فإذا جاءت الخطبة منك هونوا، وهذا معناه العدوان على حق أخيك.
فالصحيح أنه إذا جُهِلَت الحال حرمت الخطبة، ويدل لذلك الأثر والنظر؛ أما الأثر فعموم قول رسول الله ﷺ: «وَلَا يَخْطِبْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ»، عام، فما دامت الخطبة قائمة الآن فالنهي قائم.
[ ١ / ٦٠٤١ ]
أما النظر فلأن ذلك يورث العداوة وقطع الرزق، واللي يورث العداوة وقطع الرزق نهى عنه النبي ﵊ قال: «لَا تَسْأَلِ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ مَا فِي إِنَائِهَا أَوْ صَحْفَتِهَا»، هذا قطع الرزق كونك تروح تخطب، وأنت ما تدري هو أجيب ولا رُدَّ معناه أنك قطعت رزقه.
طالب: إذا استفسر؟ قصده يعني يستفسر؟
الشيخ: لا.
الطالب: () الخطبة الآن ()؟
الشيخ: لا يستفسر؛ لأنه إذا استفسر وهم راغبوه قالوا: ما سأل إلا وهو يبغي، ثم عدلوا.
الطالب: يستفسر مِن اللي يخطب؟
الشيخ: إي لا بأس، يستفسر من اللي يخطب لا بأس.
طالب: ().
الشيخ: العبرة بالمرأة ما باللي بيتزوج.
الطالب: ().
الشيخ: ما هو بعلى كل حال.
الطالب: ().
الشيخ: لا () لا () أول وآخر الآن.
طالب: لكن لو صار على الحال هاي؟ لو صار مثل ما قلت؟ فالضرر معروف ()، بعضها موجود.
الشيخ: هذه إلى الآن ما تمت الإجابة.
الطالب: ممكن يجوز لي أخطب؟
الشيخ: ما يجوز تخطب عليه حتى يتبين إنهم ردوا.
ثم قال المؤلف: (ويُسن العقد يوم الجمعة مساء) يسن العقد، أيش العقد؟ عقد البيع؟
طالب: عقد النكاح.
الشيخ: عقد النكاح. (يوم الجمعة مساء) (مساء) يعني: بعد العصر.
وذكر ابن القيم ينبغي أن يكون في المسجد أيضًا لشرف الزمان والمكان، وهذا فيه نظر في المسألتين جميعًا إلا لو ثبتت السنة بذلك لكان على العين والرأس، لكنني لا أعلم في هذا سنة، فهم عللوا تعليلًا وقالوا: لأن يوم الجمعة آخره فيه ساعة الإجابة (٨) فيُرْجَى إجابة الدعاء الذي يكون عادة بين الزوج ومَنْ حوله يبرِّكُون عليه؛ بارك الله لك وعليك فيُرْجَى فيه الإجابة، ولكن يقال: هل النبي ﵊ من هديه وسنته أنه يتحرى هذا الوقت؟
[ ١ / ٦٠٤٢ ]
إذا ثبت هذا فالقول بالاستحباب ظاهر، وأما إذا لم يثبت فلا ينبغي أن نَسُنَّ سنة، نعم لو صادف أنه يكون في هذا الوقت لقلنا: هذا إن شاء الله مصادفة طيبة، وأما أن نتقصى في هذا الوقت فهذا فيه نظر حتى يقوم دليل على ذلك.
وقوله: (يُسن العقد مساء بخطبة ابن مسعود) (خطبة ابن مسعود) له هو، ولَّا هو اللي رَاويها؟
طلبة: هو اللي راويها.
الشيخ: هو اللي رواها، ولَّا ما هي له؛ الرسول علمه هذه الخطبة وهي؛ «الْحَمْدُ لِلَّهِ» أو: «إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» ويقرأ ثلاث آيات؛ وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٩) [الأحزاب: ٧٠، ٧١] ثم يعقد () فلان بن فلان الذي يحمل حفيظة كذا ()، هذا يسري الآن ().
***
[ ١ / ٦٠٤٣ ]
المبانة بموت أو غيره يجوز أن تُخْطَب تعريضًا لا تَصريحًا إلا المبانة في الثلاث فلا يجوز لزوجها أن يخطبها لا تصريحًا ولا تعريضًا هذه واحدة.
الرجعية يحرم على غير زوجها أن يخطبها تعريضًا أو تصريحًا.
المبانة في غير الثلاث يجوز لزوجها أن يخطبها تصريحًا وتعريضًا، واضح؟
المحرمة بحج أو عمرة ما تقول؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز أن تُخْطَب لا تصريحًا؟
طالب: ().
الشيخ: لا محرمة هي بحج أو عمرة؟
الطالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز لا تصريحًا ولا تعريضًا.
طالب: يا شيخ، كلامي خطأ أصل أنا قلت: إن خطبها غيره أو تزوجها غيره ..
الشيخ: أنا سألتك هل يجوز لزوجها أن يخطبها المبانة بالثلاث؟
الطالب: قلت: لا يجوز إلا إذا تزوجها غيره، هل هذا خطأ يعني؟
الشيخ: ويش لونه ..؟ ما يمكن يتزوجها غيره وهي بالعدة؟
الطالب: إذا انتهت عدتها ..
الشيخ: إحنا نسأل عن المعتدة، إلى لآن في العدة، نسأل: التي الآن في العدة، واضح عندك؟
طالب: لو قال: عند انتهاء العدة يا شيخ ممكن هو يعقد عليها؟
الشيخ: ما يمكن، المبانة بالثلاث حتى تنكح زوجًا غيره نكاح رغبة، ويطلقها وتنقضي عدتها أو المتعة، هل تجوز الخطبة على خطبة المسلم أو لا؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؟ ما الدليل؟
الطالب: () لا يجوز () أن يخطب على خطبة ().
الشيخ: أنت رويت الحديث بالمعنى؟
الطالب: () معنى الحديث.
الشيخ: الحديث ما هو لا يجوز، الحديث: «لَا يَخْطُبْ ..».
الطالب: «لَا يَخْطُبْ».
الشيخ: «عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ» (٧). هذا الدليل طيب ما هو التعليل؟
طالب: الخطاب الأول ربما ..
الشيخ: المسألة فيها دليل وفيها تعليل؛ الدليل أن النبي ﷺ نهى عن الخطبة على خطبة أخيه فقال: «لَا يَخْطُبْ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ»، والتعليل؟
طالب: () يعني هو إن الخطبة على الخطبة يدعو إلى التضرر والتباغض و().
[ ١ / ٦٠٤٤ ]
الشيخ: وأيضًا هو عدوان على حقه؛ عدوان على حق أخيه الأول.
ما هي الحالات التي تُسْتَثْنَى من هذا؟
طالب: ما حضرت.
الشيخ: ما حضرت؟
طالب: يستثنى إذا رُدَّ أو أذن له أو جهل () يجوز أن يخطب () أنه لا يجوز.
الشيخ: نعم زين؛ إذا رُدَّ جاز الخطبة؛ لأن الخطبة الآن صارت غير قائمة، أو أذن بأن استثبت وقال: أنا والله سمعت أنك خاطب من فلانة وأبغيك تأذن لي أخطبها فأذن له يجوز، إذا جهل الحال ففيه قولان لأهل العلم، ويش تقول؟
طالب: ().
الشيخ: إي نعم، هو سامع إن فلانًا خاطب من فلانة، لكن ما يدري هو هم قبلوا ولا ردوا؟
طالب: الأولى أنه لا يفعل.
الشيخ: أقول: فيها قولان؛ القول الأول ..
طالب: قيل: إنه يخطب.
الشيخ: يجوز أن يخطب، وقيل؟
الطالب: ().
الشيخ: طيب، وأيهما أصح؟
الطالب: أنه لا يخطب؛ لأنه ربما يكونوا قد رضوا بالأول فيعرض لهم هذا الأخير فيعدل عن ..
الشيخ: طيب ما فيه دليل؟ هذا صحيح، تعليل جيد.
طالب: عموم قوله ﷺ: «لَا يَخْطُبْ أَحَدُكُمْ ..»
الشيخ: إي نعم، «لَا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ» هذا عام حتى يتبين أنه رُدَّ أو يأذن.
طالب: لو أنه تقدم واحد خطب واحدة () فاسق.
الشيخ: ما يجوز، لكن إذا كان من الفسق هذا؛ إنه يخل بالدين طبعًا الفسق يخل بالدين، ويخبرهم ترى صاحبكم هذا اللي خطب فيه كذا وكذا من باب النصيحة خصوصًا إذا كان فسقه فسقًا عظيمًا أو يتعدى أو من باب الزنا.
طالب: إن كان هو لا يعلم أن الآخر هو تقدم.
الشيخ: الأصل عدم التقدم، إذا كان ما يعلم فالأصل .. مثل لو سمع واحدًا ما يذكر ها المرأة هذه؛ سمع واحدًا يذكرها، ولكن ما علم أنه خطبها فالأصل عدم الخطبة.
إذا قلنا: إنه لا يجوز الخطبة على خطبة أخيه، فكيف تجيب عن قصة فاطمة بنت قيس؛ القصة أنها جاءت تستشير الرسول ﵊؛ تقول: خطبها ثلاثة؛ أبو جهم ومعاوية وأسامة (١٠)؟
طالب: ()؟
[ ١ / ٦٠٤٥ ]
الشيخ: كلهم الثلاثة خطبوها، ويش لونها؟ () ما يمكن، ما يجوز الخطبة على خطبة أخيه، هذا ما ().
الطالب: تُحْمَل على أنه ما علم أحدهم بالآخر.
الشيخ: أن الواحد منهم ما علم بخطبة الثاني، نعم تُحْمَل على هذا.
طالب: أو أنه () ما كان فيه نهي.
الشيخ: لا هذه ما هو بعلى كل حال؛ لأن هذه حتة من الأصل، النفس تأباها () النفس تأباها.
طالب: () فسخ قبلها أقرب؟
الشيخ: لا ما يصح الأصل عدم ذلك.
طالب: () نفي تحريم التصريح () قد ينكر ().
الشيخ: إي نعم، الخطبة لأن التصريح أبلغ في طلب الزواج، أما التعريض يقول مثلًا: إني أرغب في مثلك وما أشبه ذلك ما يدل على هذا، قد يكون قالها تطييبًا لخاطرها أو ما أشبه هذا، ما هو بصريح أنه يبغيها.
طالب: الألفاظ المستحبة في التصريح؟
الشيخ: الألفاظ يقول: زوجيني نفسك. أو يقول: أنا أبغى أطلب يدك مثلًا أو ما أشبه ذلك.
طالب: ()؟
الشيخ: إي نعم يخطب زوجته وهي في العدة، لا سيما إن طلقها على عوض ما له يراجعها، ما تحل له إلا بعقد فيخطبها.
الطالب: عقد جديد؟
الشيخ: عقد جديد إي نعم، كأنه الآن يبغي يتزوج؛ ولهذا نقول: لك أن تُصَرِّح بالخطبة وتتزوجها ما فيه مانع، تتزوجها بمهر وشهود وولي وكل شيء.
طالب: قبل انقضاء العدة وبعدها ولا قبل انقضاء العدة؟
الشيخ: قبل انقضاء العدة وبعدها.
طالب: ().
الشيخ: خطبة ..
الطالب: () هل يعني ما () ابن عمر ()؟
الشيخ: ما هي بهذه المسألة؛ أنت تسأل عن خطبة المسلم على خطبة النصراني ولَّا لا؟ ما هو بزواج المسلم بالنصرانية.
الطالب: ().
[ ١ / ٦٠٤٦ ]
الشيخ: زواج المسلم بالنصرانية ما بعد جاء يأتي في موانع النكاح، وقد بحثنا هذه المسألة؛ خطبة المسلم على خطبة غير المسلم وقلنا: إن العلماء اختلفوا في ذلك؛ فمنهم من قال: لا يجوز، وأن تقييدها بقوله: «أَخِيهِ» من باب الغالب، ومنهم من قال بالجواز، والصحيح أنه لا يجوز؛ لما في ذلك من العدوان والتقييد بالأخوة بناء على الغالب.
***