طالب: ().
الشيخ: كلام، فالطلاق إذن اسم مصدر (طَلَّق)، واسم المصدر يوافق المصدر في المعنى، لكن يخالفه في الحروف، وهو مأخوذ من التخلية والإطلاق الذي هو ضد القيد، وذلك لأن النكاح عقد وقيد، فإذا فُورِقَت المرأة انطلق ذلك القيد.
ولهذا نقول: إن تعريفه في الاصطلاح: هو حَلُّ قَيْدِ النكاح أو بعضه.
إن كان بائنًا فهو حَلٌّ لقيد النكاح كله، وإن كان رجعيًّا فهو حل لبعضه، ولهذا إذا طلَّق مرة نقص، بقي له طلقتان، وإذا طلق ثنتين بقي له واحدة.
فهو إذن حَلُّ قَيْدِ النكاح أو بعضه، يعني: أو حَلُّ بعض النكاح أو بعض قيده.
وإذا تأملت وجدت أن الزوج هو الذي بيده الأمر، وأن المرأة عنده كالناقة المعقولة؛ ولهذا أمر النبي ﵊ بأن نتقي الله في النساء، وقال: «إِنَّهُنَّ عَوَانٍ عِنْدَكُمْ» (١)، والعاني هو الأسير.
وبه يظهر ما فضَّل الله به الرجل على المرأة، ونعرف أن الذين ينادون بتسوية الرجل والمرأة قد ضادُّوا الله تعالى في حكمه الكوني والشرعي؛ لأن المرأة لا تساوي الرجل، لا من حيث الخِلْقة، ولا من حيث الخُلُق، ولا من حيث العقل، ولا تساويه بأي حال من الأحوال.
[ ١ / ٦٦٠٩ ]
لكن أولئك قوم -والعياذ بالله- تشبَّعوا بما عند أعداء المسلمين من تقديس المرأة وتسييدها، حتى إنهم يقدِّمونها على الرجال حينما تُذْكَر مع الرجل، فصار هؤلاء الجهَّال والسفهاء التابعون لكل ناعق صاروا يقلدونهم، ويرون أنهم إنما صنعوا الطائرات والمراكب والدبابات والأسلحة الفتاكة لأنهم ساووا المرأة بالرجل، فظنوا أن انحطاطهم في الأخلاق هو الذي أرقاهم إلى هذا، وأنَّ تأخرنا نحن بسبب أننا تمسَّكنا بهذا الدين الذي يزعم بعض الملاحدة أنه أفيون الشعوب -والعياذ بالله-، يعني مخدِّر الشعوب.
والحقيقة أن الذي أخَّرنا ليس هو الإسلام، ولكن تخلفنا عن الإسلام، وتعطيلنا لتوجيهات الإسلام، وإلا فالرب ﷿ يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠].
ولما كانت الأمة الإسلامية من قبل متمسكة بالإسلام صار لها من الظهور والعظمة ما صار أولئك يقلدونها، حتى إنهم يقولون: إن هارون الرشيد لما أهدى إلى شارلمان ملك فرنسا ساعة، وشُغِّلت عنده نفَر وهرب، وقال: إن هذا سحر من العرب! شوفت كيف؟ !
الآن انقلبت المسألة: صار آلاتهم اللي يوجِّهونها لنا الآن نقول: هذه سحر! كله بسبب تخلفنا.
ففي الواقع لو أننا أنزلنا القرآن في قلوبنا منزلة الشيء المحبوب المرغوب، وفي أعمالنا منزلة المنهاج الذي نسير عليه، ما غلبتنا قوة في الأرض من كل ناحية، لكن بالتخلف حصل ما حصل.
فالمهم يا إخواننا إن الواجب علينا نحن طلبة العلم أن نكرِّس جهودنا ضد هذا السيل الجارف الذي نسمعه الآن ينادَى به أحيانًا بتسوية المرأة بالرجل، الذي حقيقته هدم أخلاق المرأة، وفساد الأسرة، وانطلاق المرأة في الشوارع متبرجة متبهِّيَة بأحسن جمال -والعياذ بالله- وثياب، حتى تتفكك الأسرة.
[ ١ / ٦٦١٠ ]
وشَرُّ هذا ليس هذا موضع بسطه، إنما نحن طلبة العلم نعرف أن لطالب العلم مقامًا عند العامة، فإذا بدأ يتكلم في كل مناسبة، ما أقول: في كل مجلس، في كل مناسبة ضد هذه المبادئ الخبيثة صار في هذا خير كثير، ودرء مفاسد كثيرة.
طالب: ().
الشيخ: حقيقة الأمر أنه إهانة، لكن هم يدَّعُون أنهم قدسوها، ولكنهم يخدعونها بهذا الشيء، ويخدعون أنفسهم أيضًا.
الطلاق إذن عرفنا أنه اصطلاحًا: حل قيد النكاح أو بعض. وعرفنا من كلمة (طلاق) الصادر من الزوج أن المرأة عند الرجل بمنزلة الناقة المعقولة، وقد شبهها الرسول ﵊ بأنها كالأسير (١)، وهذا يدل على فضل الرجل عليها.
واعلم أن الطلاق لا يكون إلا بعد نكاح؛ لأننا نقول: حَلُّ قَيْدِ النكاح، فقبل النكاح لا طلاق، فلو قال رجل لامرأة: إن تزوجتُك فأنت طالق، فتزوجها، تطلق؟ ما تطلق.
رجل قالت له زوجته: سمعت أنك تريد أن تتزوج، وهذا لا يرضيني، وضَيَّقَت عليه، فقال لها: ترضين أني أقول: إن تزوجت امرأة فهي طالق؟ قالت: يكفي، رضيت، وما تزوج إلى الآن.
طالب: أرضاها.
الشيخ: أرضاها، ولكنه بالخيار، لو تزوَّج لم تطلق؛ لأنه قبل النكاح.
أما أحكام الطلاق فإنه تتعلق فيه الأحكام الخمسة، تجري فيه الأحكام الخمسة: يكون واجبًا، وحرامًا، وسنَّة، ومكروهًا، ومباحًا، وما هو الأصل؟ الأصل الكراهة، الدليل؟
الدليل: قوله تعالى في الذين ﴿يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، ويش معنى ﴿يُؤْلُونَ﴾؟ يحلف أنه ما يطؤها، قال: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦، ٢٢٧]، شوف في الطلاق قال: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، وهذا فيه شيء من التهديد، لكن في الفيئة قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فدل هذا على أن الطلاق غير محبوب إلى الله ﷿، وأن الأصل الكراهة، وهو كذلك.
[ ١ / ٦٦١١ ]
وأما حديث: «أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللهِ الطَّلَاقُ» (٢)، فهو ضعيف ولا يصح معنًى، حتى في المعنى ما يصح، لكن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يُغْنِي عنه.
قال المؤلف: (يُبَاحُ لِلْحَاجَةِ)، حاجة من؟ حاجة الزوج، إذا احتاج فإنه يباح له، مثل ألَّا يستطيع الصبر على امرأته، مع أن الله ﷾ أشار إلى أن الصبر أولى، فقال: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩]، لكن أحيانًا لا يتمكن الإنسان من البقاء مع هذه الزوجة، فإذا احتاج فإنه يباح له أن يُطلِّق، ويش الدليل؟
الدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، ما قال: يا أيها النبي لا تطلقوا النساء. وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، فإذا احتاج الإنسان إليه فقد أباحه الله ﷿، وهذا من حكمة الله ﷿.
وقد كان أعداء المسلمين يطعنون على المسلمين في جواز الطلاق؛ لأنهم ما وُدُّهم أن المرأة () أو تحزن، يقولون: خليها تكسر البيت على رأسك ولا تطلقها، مع أن هذا العيب حقيقة الأمر أنه عيب عليهن، لماذا؟ لأننا نعلم علم اليقين أن الرجل إذا أمسكها على هون وهو لا يريدها ولا يحبها، ماذا يحصل لها من التعاسة؟ شيء لا يطاق، لكن إذا طلقها يرزقها الله، ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًاّ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠]، فكان ما جاء به الإسلام هو الحكمة، والرحمة أيضًا، هو الحكمة والرحمة، وإلا فإلزام الإنسان بمعاشرة مَن لا يحب من أصعب الأمور، حتى قال المتنبي:
[ ١ / ٦٦١٢ ]
وَمِنْ نَكَدِ الدُّنْيَا عَلَى الْحُرِّ أَنْ يَرَى
عَدُوًّا لَهُ مَا مِنْ صَدَاقَتِهِ بُدُّ
صحيح، هذه من نكد الدنيا؛ أنك تشوف عدوًّا لك لكن لازم تصادقه، تبلاك البلاوي إلا تصادق هذا العدو.
إذن (يُبَاح للحاجة)، شوف: يُبَاح للحاجة، هذه واحدة، والمراد حاجة مَن؟ الزوج.
اللام في قوله (للحاجة) يحتمل أن تكون للتعليل، ويحتمل أن تكون للتوقيت، يعني معناه: يحتمل أن يكون المعنى: يُبَاح الطلاق إذا احتاج إليه للحاجة إليه، ويحتمل أن يكون المعنى: يباح وقت الحاجة، فتكون للتوقيت.
ثانيًا: (ويُكْرَهُ لِعَدَمِهَا)، عدم أيش؟ عدم الحاجة، يعني مع استقامة الحال يُكرَه، وقد ذكرنا أن الإشارة في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧]؛ بأن هذا فيه الإيماء والتنبيه على أن الطلاق مكروه عند الله، هذا دليل أثري.
الدليل النظري: أن الطلاق يترتب عليه تشتُّت الأسرة، لا سيما إذا جاء منه أولاد، ويترتب عليه ضياع المرأة، وربما يترتب عليه ضياع الرجل أيضًا، قد لا يجد زوجة، ثم إنه إذا عُلِمَ الإنسان بأنه مِطْلَاق لا يزوجه الناس، فَلِعلل كثيرة نقول: إنه يُكْرَه.
(وَيُسْتَحَبُّ لِلضَّرَرِ)، ضرر مَن؟ ضرر المرأة، إذا رأى أنها متضرِّرة وأنها تعبانة، فإنه يُسْتَحَبّ أن يطلِّقها ولو كان راغبًا فيها، مثل: لو فُرِض أن المرأة لما تزوجها أصابها مرض نفسي، كما يقع كثيرًا -نسأل الله العافية- مرض نفسي وضجرت وتعبت، ولا استقامت الحال مع زوجها، وهو يحبها، نقول: هنا يُسْتَحَبّ أن تطلقها؛ لما في ذلك من الإحسان إليها؛ لأن في هذا إحسانًا إليها بإزالة الضرر عنها.
أما ما يفعله بعض الجبابرة -والعياذ بالله- يقول: أنا ما أطلق حتى ترد عليَّ ما أمهرتها أو أكثر، فهذا -والعياذ بالله- ظلم، إذا رآها متضرِّرة فالذي ينبغي إذا رأى أنها متضرِّرة أن يُطْلِق سراحها.
[ ١ / ٦٦١٣ ]
وهل نقول في هذه الحال: ينبغي أن يشاورها، أو ما حاجة؟
طلبة: ينبغي.
الشيخ: أن نقول: ينبغي له أن يقول لها: أنت مثلًا كما ترين، تشاهدين أنك أُصِبْتِ بهذا الأمر، فإن رغبت أن أطلقك فلا حرج؟ في هذه الحال أنا أتردد هل يُسْتَحَبّ أن يشاورها أو لا يستحب؟ السبب لأنها ربما يكون عندها رغبة في الزوج، وتقول: لا، أرغب أني أبقى، وبقاؤها يكون ضررًا عليها وهدمًا لصحتها، فإذا قلنا: إنه يجعل المسألة من جهته هو على أنه معالِج وطبيب، إذا رأى أن المصلحة -مصلحتها هي- تقتضي أن يطلِّقها طلَّقَها.
نعم لو استضاقت منه لقلة ذات اليد، مثلًا إنسان فقير، وهي مثلًا من بيت أغنياء، وشاف أن المرأة متضجِّرة من فقره، فهنا نقول: يُسْتَحَبّ أن يشاورها، مثلما أمر الله نبيه ﵊ في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨، ٢٩]، أول مَن بدأ بها عائشة ﵂، وهي أصغرهن، وخاف ﷺ أنها لصغرها تريد الحياة الدنيا، فقال: «مَا عَلَيْكِ أَلَّا تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ فِي هَذَا»، يعني معناه: شاوري أبويك في هذا الأمر، قالت: يا رسول الله، أفي هذا أشاور -أستأمر- أبوي؟ ! إني أريد الله والدار الآخرة (٣)، ﵂.
فالمهم، إذا كان السبب هو قلة ذات يد الرجل، أو سوء عشرته مثلًا، أو ما أشبه ذلك؛ لأن بعض الناس يكون أحمق ضيِّق النفس، فهذه نرى أنه يشاورها، وأما إذا كان ذلك لسبب فيها هي فأرى أن يُنَزِّل نفسه في هذه الحال منزلة الطبيب المعالِج، وينظر ما تقتضيه المصلحة.
[ ١ / ٦٦١٤ ]
طالب: إذا كرهته لدِينِه، وكان يريد أن يطلق ()؟
الشيخ: لا أبدًا، هذه خليها تبقى، يحطها ()، إذا كرهته لدينه يعني لاستقامته، ما هو لسوء دينه فإنه لا يخيرها أبدًا، بل يبقيها عنده حتى لعل الله يهديها بعدُ.
(ويستحب للضرر، ويجب للإيلاء)، يجب للإيلاء.
طالب: قلتم: يبقيها، كيف يبقيها وهي تفوِّت واجبًا؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: يعني كونها تستنكر عليه تقواه هذا يُعْتَبَر منكرًا كبيرًا، كيف يبقيها؟
الشيخ: نعم، أَبْقِها لعل الله يهديها.
الطالب: لعلها لا تصلي أو كذا.
الشيخ: لا لا، اللي ما تصلي ما تبقى زوجة.
الطالب: أو متبرِّجة أو نحو ذلك.
الشيخ: ما يخالف، هي إذا بقيت عندي لا شك أنه أهون مما إذا راحت لأهلها، يقينًا.
الطالب: يعني إن كانت على معصية غير مكفِّرة فهو يبقيها؟
الشيخ: إي نعم، يبقيها، هذا إذا كان يمكن العلاج لها؛ لأنه ربما بعدُ بعض الناس، الناس يختلفون، بعض الناس يكون رجلًا، يعني ثيابه ثياب رجل، ولكنه .. أو صورته صورة رجل لكن معناه مع امرأة، تغلبه هي، أخشى أنها هي بعد تفسد دينَه، فالمسألة ترجع عاد إلى قوة الرجل وصلابته.
(وَيَجِبُ لِلإِيلاَءِ)، أيش معنى الإيلاء قبل؟ الإيلاء مصدر (آلَى يُؤْلِي)، بمعنى: حَلَف يَحْلِف، وهو أن يحلف الرجل على تَرْك وَطْء زوجته أكثر من أربعة أشهر، بأن يقول: والله لا أجامعك، إما لمدة سنة أو يُطْلِق، فهنا حدد الله ﷾ أربعة أشهر، إذا تمَّت الأربعة وجب عليه واحد من أمرين: إما الرجوع، ويكفِّر كفارة يمين، وإما الطلاق، يجب، وإذا لم يفعل أُلْزِم، أو طَلَّقَ عليه الحاكم.
كذلك يجب عليه أن يُطَلِّق إذا اختلَّت عفة المرأة ولم يمكنه الإصلاح، فإنه يجب عليه أن يُطَلِّق في هذه الحال، لو كانت المرأة -والعياذ بالله- تفعل الفاحشة وهو لا يستطيع أن يمنعها، فإنه يجب عليه أن يطلِّق، فإن لم يفعل صار دَيُّوثًا.
[ ١ / ٦٦١٥ ]
وكذلك أيضًا يقول المؤلف: (ويحرُم للبدعة)، يعني: إذا كان في طلاق بدعة، وهذا من التعبير الغريب ().
لكنهم جعلوها بدعة لمخالفة الشرع.
طلاق البدعة يكون في الكَمِّيَّة والوقت، يعني: إما أن يكون بدعة لوقوعه في وقت محرَّم، أو بدعة لكونه بعدَدٍ محرَّم، البدعة في الوقت مثل أن يطلِّقها وهي حائض، فإن هذا بدعة وحرام، أو في طُهْر جامَعَها فيه وهي من ذوات الحيض، فإن كانت ممن لا يحيض فلا بأس أن يطلقها، مثل صغيرة ولّا عجوز كبيرة، ولم يتبين حملها أيضًا، نزيد فيه هذا: في طهر جامعها فيه وهي من ذوات الحيض ولم يتبين حملها، فإن تبين حملُها جاز طلاقها ولو كان قد جامعها في الطهر.
وسيأتي إن شاء الله الكلام على هذا، لكنه نتعرض له هنا لنبين البدعة.
فصار بدعة، أولًا: البدعة إما في الوقت وإما في العدد؛ البدعة في الوقت تنحصر في شيئين: أن يطلقها في الحيض، أو في طهر جامعها فيه وهي من ذوات الحيض ولم يتبين حملها.
البدعة في العدد: أن يطلقها أكثر من واحدة، مثل أن يطلقها ثنتين، فيقول: أنت طالق طلقتين، أو يقول: أنت طالق ثلاثًا، هذه من البدع؛ لأن السنة أن يطلقها واحدة.
طالب: إذا عَلَّق الطلاق، مثل: طهر جامعها فيه أو بالحيض، قال: إذا طهرت أو إذا تَبَيَّن حملك فأنت طالق، يجوز؟
الشيخ: لا بأس.
الطالب: ويفارقها ..
الشيخ: لا، ما يفارقها، هي امرأته حتى تطلُق.
طالب: حكم الطلاق في وقت النفاس؟
الشيخ: ظاهر كلام أهل العلم أنه مثله؛ لأنهم قالوا في باب النفاس: إنه كالحيض فيما يَحِلّ ويَحْرُم ويجب ويسقط، إلا ما استثنوا؛ ثلاث مسائل أو أربع مسائل، وليس منها الطلاق، وعندي أنه يصح أن يطلقها في النفاس؛ لأن النفاس ما يُحْسَب من العدة، بخلاف الحيض، فهو إذا طلقها تَشْرَع من الآن في عدتها، أما الحيض فإنها لا تشرع في عدتها من الآن؛ هذا هو الفرق بينهما.
[ ١ / ٦٦١٦ ]
والمسألة ما هي إجماعية، وإلا لو أن الإجماع ثبت بأن الطلاق في حال النفاس حرام ما وسعنا أن نخرج منه.
الطالب: الراجح يا شيخ؟
الشيخ: هذا هو الراجح؛ أنه إذا طلَّقها في النفاس وقع الطلاق.
طالب: قلنا: إنه يجب أن يطلقها إذا كانت زوجته لا ترتدع عن معصيتها.
الشيخ: عن الزنا خاصة بس.
الطالب: بس الزنا؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: يعني غيرها؟
الشيخ: لا، غيره لا، غيره ما يجب، لكنه ما يشاركها في المعصية.
طالب: شيخ، () هو بدعة؟
الشيخ: لا لا، المذهب أنه بدعة، أكثر أهل العلم يقولون: إنه بدعة؛ لأنهم ما استثنوا من الحيض من أحكام النفاس إلا مسائل أربعة ما هي منها هذه.
***
قال المؤلف: (ويحرُم للبدعةِ، ويصح)، صارت الأحكام خمسة الآن؟
طالب: ().
الشيخ: يجيئنا إن شاء الله بعدين.
خمسة: (يُباح للحاجةِ، ويُكرَه لعدمِها، ويُستحَبُّ للضرَّرِ، ويجبُ للإيلاء، ويحرمُ للبدعةِ)، وذكرنا أيضًا أنه يجب فيما إذا اختلَّت عفة الزوجة ولم يتمكن من إصلاحها.
طالب: ().
الشيخ: يجيئنا إن شاء الله تعالى، يمكن يجيء في الطلاق؛ لأن هذا ما يدل على أنها تفعل الفاحشة.
قال المؤلف: (ويصح من زوجٍ مكلَّفٍ ومميِّزٍ يَعقلُه).
يصح الطلاق بهذه الشروط: (من زوج)، فغير الزوج لا يصح منه الطلاق، إلا أن يقوم مقام الزوج بوكالة فلا بأس، إنما ما يصح من غير الزوج، يعني إذن نقول: (من زوج) أو مَن يقوم مقامه، فلو طلَّق امرأة قبل أن يتزوجها يصح؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لو قال لامرأة واجهها قال: أنت طالق، وبعدين تزوجها؟
طلبة: ما يقع.
الشيخ: ما يقع، وكذلك لو قال: إن تزوجتُك فأنت طالق، ما يقع؛ لأن الله يقول في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، ولأنه لا يتصور طلاق بلا عقد؛ لأن هذا اسمه طلاق، طلاق منين وهو ما تزوج؟ يمكن هذا ولّا لا؟
طلبة: لا.
[ ١ / ٦٦١٧ ]
الشيخ: ما يمكن، فمعنى الطلاق لا يمكن أن يثبت إلا بنكاح، الدليل؛ من الآية: ﴿ثُمَّ﴾، و(ثم) للترتيب، ومن المعنى أيضًا؛ لأنه كيف يكون طلاقًا بلا عقد؟ ! هذا لا يتصور، فإذن لا بد أن يكون زوجة.
فإذا قال قائل: المعروف في مذهب الإمام أحمد أنه إذا قال لعبدٍ: إن مَلَكْتُك فأنت حُرّ، ثم ملكه، المعروف عند الإمام أحمد وإلَّا فيه خلاف أن العبد يَعتُق.
طالب: أو يُعتَق؟
الشيخ: يَعتُق، ما هو يُعْتَق.
إذا قال: إن ملكتُك أو إذا ملكتُك فأنت حر ثم ملكه، يقول: إنه يَعتُق، بخلاف: إن تزوجتك فأنت طالق.
قالوا: إن الفرق بينهما، أن شراء العبد يراد للعتق، لكن زواج المرأة يراد للطلاق؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، فالشراء يراد للعتق، فيكون مقصودًا شرعيًّا، ولهذا مَن وجب عليه إعتاق رقبة، وعنده دراهم ولا عنده رقبة، ما هو الطريق إلى إعتاقها؟ يشتريها.
إذن فالشراء يراد للعتق، فصح تعليق العتق عليه؛ لأنه مقصود شرعًا، لكن النكاح لا يراد للطلاق، ومن ثَمَّ، أظن مَرّ علينا نكاح المحلِّل أيش حكمه؟ هو باطل أيضًا؛ لأن المحلِّل لا يريدها للاستمتاع بها، للطلاق، فلهذا هو الفرق بينهما، وهو فرق وجيه واضح.
طالب: ما فيها التعليل الثاني يا شيخ أن الطلاق مكروه، والعتق مستحب؟
الشيخ: لا؛ لأننا لو قلنا: لأن الطلاق مكروه، لكان الطلاق بعد النكاح إذا كان في حال الكراهة ما يقع، ما هو بالعلة الكراهة، لو علَّلنا بالكراهة لكان لا فرق بين التي زُوِّجَت والتي ما زُوِّجَت، لكن العلة أن الطلاق لا يراد بالنكاح، بخلاف العتق فيراد بالشراء.
(يصح من زوجٍ)؛ هذا واحد، (مكلَّفٍ)، مَن المكلَّف؟ البالغ العاقل، فخرج بالبالغ الصغيرُ، وخرج بالعاقل المجنونُ، لكن الصغير قال: (ومُمَيِّز يعقلُه).
طالب: كبير مجنون.
الشيخ: إي، (ومميِّز يعقلُه)، لما كان خارجًا بقوله: (مكلَّف) دخل الآن، فصار الصغيرُ المميِّز اللي يعقل الطلاق يصح طلاقه.
[ ١ / ٦٦١٨ ]
مَن هو المميِّز؟ المميِّز سبق أن المذهب أنه محدود بالسِّن، والقول الثاني: أنه محدود بالحال؛ محدود بالسن كم؟ سبع سنوات، محدود بالحال بأن يقال: إن المميِّز هو الذي يفهم الخطاب ويرد الجواب؛ هذا المميِّز.
لكن اشترط أيضًا المؤلف في المميِّز أن يعقله، وينبغي أن نجعل (يعقله) عائدة على كل الأوصاف، على (مكلَّف) وعلى (مميِّز)؛ لأن مَن لا يعقل معنى الطلاق لا يقع منه الطلاق ولو كان مكلَّفًا، لو فرضنا رجلًا أعجميًّا ما يعرف معنى الطلاق، فتكلم به باللسان العربي وهو لا يعقله، يقع طلاقه؟ ما يقع طلاقه؛ لأنه ما يعقل معناه.
الصبي أيضًا المميِّز قال لزوجته: أنت طالق، قلنا: تدري ويش معنى (أنت طالق)؟ قال: هذه ويش معناها؟ وأيش معناه؟ قال: يعني أنها ما رُبِطَت! ! ويش صار الآن؟ صار يعقل الطلاق ولّا ما يعقله؟ صار لا يعقله، إذن لا يقع طلاقه.
لكن لو سألناه قلنا: أتعرف الطلاق؟ قال: نعم، الطلاق معناه أنه حصلت المفارقة بيني وبينها، وأصبحت غير زوجة لي، صار الآن يعقله فيقع طلاقه.
اشتراط أن يكون يعقله؛ لقول النبي ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (٤)، ومَن لا يعقل الشيء لا ينويه.
اشتراط أن يكون من زوج بَيَّنَّا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩].
رجل حدثنا أناس أنه تكلَّم على زوجته في بيته، وطار النزاع بينهما، وظهرت أصواتهما للجيران، فقال الزوج: أنت طالق أنت طالق أنت طالق، وكانت امرأةُ جاره تسمع، فجاءته وقالت: يا أبا فلان، كيف تطلق أم عيالك؟ قال: وأنت طالق معها! ! ويش رأيكم في هذا، يقع ولّا ما يقع؟
طلبة: ما يقع.
الشيخ: ما يقع الطلاق، معلوم، لماذا؟ لأنه لا يملكه.
طالب: الكلام على طلاق زوجته؟
[ ١ / ٦٦١٩ ]
الشيخ: زوجته وقع الطلاق، لكن هي بس غَيْرَةً منها بنت الحلال تقول: ليش أنك تطلق؟ وهو مع الغضب قال: وأنت بعد طالق معها؟
طالب: يمكن نقول: إن الطلاق ما يقع؛ لأنه لو عقل ما قال لها: أنت طالق؟
الشيخ: لا، لكن، هو سيأتينا إن شاء الله، الغضبان بيجيئنا الحكم فيه.
طالب: شيخ، هل المميِّز لا يدخل فيه الغضبان؟
الشيخ: بيجيئنا إن شاء الله، لا ما يدخل، المميِّز قصدهم بالسن.
***
(ومميِّزٍ يَعقله)، ثم قال المؤلف: (وَمَنْ زَالَ عَقْلُهُ مَعْذُورًا).
كلمة (مكلَّف) قلنا تعني أنه بالغ عاقل. إذا زال عقله؟
زوال العقل في الحقيقة له أقسام كثيرة، وصور كثيرة؛ منها: أن يزول عقله بالنوم، نام إنسان وسمعناه يقول لزوجته: أنت طالق، أو يقول: فلانة بنت فلان زوجتي طالق، وهو نائم، تطلق؟
طالب: لا.
الشيخ: ليش؟
طلبة: ما يعقل.
الشيخ: ما هو عاقل، «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ ..»، ومنهم: «النَّائِمُ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ». (٥)
كذلك أيضًا إنسان أُغْمِيَ عليه -نسأل الله العافية- بمرض، وطلَّق زوجته في حال الإغماء؟ ما يقع.
إنسان بُنِّجَ للدواء، وفي حال البنج بدأ يُطَلِّق زوجته، يقع الطلاق؟ لا؛ لأنه معذور.
إنسان خَرف، شايب، وصل إلى التخريف ()، وصار كل النهار ما همه إلا يقول لزوجته: قومي أنت طالق، وكلما جابت له الشاهي ولّا القهوة قال: قومي أنت طالق، لكنه مخرِّف؟ لا يقع الطلاق، ليش؟ زال عقله معذورًا، معذور هذا، كِبَر، فصار كل مَن زال عقله معذورًا فإن طلاقه لا يقع.
رجل شرب الخمر جاهلًا أنه خمر، فسَكِر، فطلَّق؟ لا يقع طلاقه؛ لأنه معذور.
رجل أُكْرِه على شرب الخمر فشربه، فسَكِرَ فطلَّق، فكذلك لا يقع طلاقه؛ لأنه معذور.
فالحاصل أنه إذا زال العقل بعذر شرعي، أو بعذر عادي كالنوم، أو بعذر طارئ كالمرض فإنه لا يقع طلاقه.
قال المؤلف: (وَعَكْسُهُ الآثِمُ) يعني: يقع طلاقه ولّا لا؟
طلبة: ().
[ ١ / ٦٦٢٠ ]
الشيخ: فمن زال عقله غير معذور فإنه يقع طلاقه؛ لأنه لا عذر له.
مثاله: السكران باختياره، إنسان -والعياذ بالله- شرب وسَكِر فإنه يقع طلاقه؛ لأنه ليس بمعذور، فالسَّكَر محرَّم بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين، فهو غير معذور في زوال عقله فيقع طلاقه، هذا هو المشهور من المذهب، وعلتهم أو تعليلهم أنه غير معذور.
وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم؛ فمنهم مَن قال: إن السكران غير المعذور يقع طلاقه، وهذا هو المذهب، وعلَّلُوا بذلك بأنه ليس بمعذور فيه، فيكون كالصاحي، وبأن هذا أنكى له، أزيد في عقوبته، وربما لا يردعه عن شرب الخمر إلا الخوف من هذا الأمر، فيكون في ذلك مصلحة الردع.
وقال بعض أهل العلم: إن السكران لا يقع طلاقه؛ لأنه إذا أَثِم عُوقِب على إثمه، لكن إذا تكلَّم بدون عقل فكيف نُلزِمه بمقتضى كلامه وهو لا يعقله؟ ! هذا يخالف قول الرسول ﵊: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (٤)، فإن هذا السكران حينما تكلم وقال: زوجتي طالق، نوى ولَّا ما نوى؟
طلبة: ما نوى.
الشيخ: أبدًا، ما يدري ويش يقول، فهذا لا يقع طلاقه، وكونه آثمًا له عقوبة، العقوبة الخاصة، وهي التعزير بالجلد، أما التعزير باعتبار كلامه مع عدم عقله فهذا زيادة، فلا نُعَزِّره، وهذا هو الذي صح به الأثر عن عثمان ﵁ (٦)، وكان عمر بن عبد العزيز ﵀ يقضي على السكران بالتأديب والإلزام بالطلاق إذا طَلَّق، فلما ذُكِر له الأثر عن عثمان رجع، فصار يؤدبه ولا يوقع الطلاق.
[ ١ / ٦٦٢١ ]
وهذا القول أصح، وهو الذي رجع إليه الإمام أحمد ﵀، كان الإمام أحمد يقول بطلاق السكران حتى تَبَيَّنَه، يعني حتى تأمله وتَبَيَّن له أنه لا يقع، وقال: إني إذا قلت: يقع، أتيت خصلتين؛ حرَّمتها عليه وأحللتها لغيره، وإذا قلت: لا يقع، فإنما أتيت خصلة واحدة، وهي أنني أحللتها له، فعلى هذا يكون مذهب الإمام أحمد شخصيًّا أنه لا يقع، أما مذهبه الاصطلاحي فإنه يقع.
لكن ما رأيكم الآن؟ هو لا شك أن هذا أصح دليلًا وأظهر، كما قاله صاحب الإنصاف، ولا شك أنه أظهر في الدليل، لكن هل يجوز للإنسان أن يُلْزِم به السكران لعله يرتدع؟ !
نقول: إذا لم يتضمن ضررًا على الزوجة؛ لأنه أحيانًا يكون ضررًا على الزوجة إذا ألزمناه بالطلاق، تكون الزوجة ذات أولاد منه، ثم يقع الإشكال في المستقبل، ثم إننا لا نأمن أيضًا ولا نجزم أن يكون في ذلك إصلاح له، ربما أنه رجل لا يهتم، ما يهمه أن تبقى زوجته أو ما تبقى، فالظاهر لي أنه لا ينبغي الإفتاء بوقوع الطلاق ما دام أن الأصح من حيث النظر عدم الوقوع، اللهم إلا فيما لو كانت الزوجة هي التي تطلب هذا، تطلب الفراق، وأن بقاءها معه متعِب، فهنا لو أننا أخذنا بهذا القول من باب التأديب وردع الناس فإنه لا بأس به، كما كان ذلك من سياسة عمر ﵁، عمر إذا لم يرتدع الناس عن الشيء ألزمهم بمقتضاه، مثلما ألزمهم بالطلاق الثلاث، كان الناس الطلاق الثلاث واحدة، لكن لما بدؤوا ما يهتمون بهذا الشيء ويطلقون ثلاثًا، قال: فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم. (٧)
طالب: يقول: روي عن علي وابن عباس وابن عمر (٨)، يعني أنه يمضي طلاق ..
الشيخ: إي، ولو رُوِيَ عنهم، يحتاج إلى النظر في صحته عنهم، ثم لو صح عنهم فلا عبرة به.
الطالب: كيف نقول: عن عثمان، ولّا عثمان يرفع إلى الرسول؟
الشيخ: لا، نظره هو.
الطالب: وهذا ()؟
الشيخ: إن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ورسوله.
طالب: شيخ، ()
[ ١ / ٦٦٢٢ ]
الشيخ: .. في البقاء وأحسن إليها بالفراق، فهذا من الإحسان المندوب إليه.
بقينا بالمباح للحاجة؛ لأن الذين طلَّقوا في عهد الرسول ﵊ ما كان ينهاهم عن هذا، وهم يطلِّقون بلا شك للحاجة، ولو كان حرامًا لمنعهم الرسول، ولو كان مكروهًا لاستفصل منهم. ثم إننا عندنا قاعدة فقهية معروفة عند أهل العلم، وهي: أن المكروه يزول عند الحاجة.
ثم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، أيضًا يدل على الإباحة.
شروط الطلاق، أظن أننا ذكرناها؛ أن يكون؟
طالب: أن يصح عن الزوج.
الشيخ: أن يصح ولّا أن يكون؟
الطالب: أن يكون من زوج.
الشيخ: نعم، هذا واحد، يعني سبق النكاح، أن يكون بعد نكاح.
الطالب: أن يكون بعد نكاح.
الشيخ: الدليل؟
ومَن أُكْرِهَ عليه ظُلْمًا بإيلامٍ له أو لولدِه أو أَخْذِ مالٍ يَضُرُّه أو هَدَّدَه بأَحَدِها قادرٌ يَظُنُّ إيقاعَه به فطَلَّقَ تَبَعًا لقولِه لم يَقَعْ، ويَقَعُ الطلاقُ في نِكاحٍ مختلَفٍ فيه، ومن الغَضبانِ، ووَكيلُهُ كهو، ويُطَلِّقُ واحدةً ومتى شاءَ إلا أن يُعَيِّنَ له وقتًا وعَددًا وامرأتُه كوكيلِه في طَلاقِ نَفْسِها.
(فصلٌ)
إذا طَلَّقَها مَرَّةً في طُهْرٍ لم يُجَامِعْ فيه وتَرَكَها حتى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها فهو سُنَّةٌ، فتَحْرُمُ الثلاثُ إِذَنْ، وإن طَلَّقَ مَن دَخَلَ بها في حَيْضٍ أو طُهْرٍ وَطِئَ فيه فبِدْعَةٌ يَقَعُ وتُسَنُّ رَجْعَتُها،
يعني: أَكْرَهَه أحد، (عليه) الضمير يعود على الطلاق.
[ ١ / ٦٦٢٣ ]
(ظلمًا) هذه مصدر في موضع الحال، أي: مظلومًا، أُكْرِهَ عليه مظلومًا، يعني معناه أن الإكراه بغير حق، هذا واحد، بأن قال له إنسان: لازم تطلق زوجك، ففعل، لكن طلَّق تبعًا لقوله، لا قاصدًا الطلاق، فإنه لا يقع الطلاق؛ لأنه لم يَنْوِه، وإنما نوى دفع الإكراه، وقد قال النبي ﵊: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (١)، وهذا ما نوى الطلاق، هذا معنى كلامه.
وقوله: (ظلمًا) احترازًا مما لو أُكْرِه عليه حقًّا، وذلك مثل المُولِي إذا تمَّت عليه أربعة أشهر وأبى أن يرجع، وأبى أن يُطلِّق، فأكرهه الحاكم عليه وطلَّق، فإن الطلاق يقع؛ لأنه بحق، وكل محرَّم يكون بحق فإنه يزول التحريم فيه؛ لأن الشيء لا يحرَّم إلا لأنه باطل، فإذا انقلب الشيء حقًّا صار غير محرَّم، فنقول مثلًا: إذا أُكْرِهَ عليه بحق فإنه لا يقع الطلاق.
كذلك لو أُكْرِه عليه لكونه لا يقوم بالنفقة الواجبة للزوجة، فقيل له: أنفِق، فكان يماطل ويأبى، فإننا نُكْرِهُه ونلزمه يُطَلِّق، فإن أبى في هذه الحال أن يُطلق، قال: كل شيء لو تودِّرُون اللحم ما يمكن أُطَلِّق، فإن القاضي يتولى التطليق عنه.
ومن هذا ما سبق لنا في باب الْخُلع، إذا كرهت المرأة البقاء مع الزوج، وقالت: أنا لا أعيب عليه في خُلُق ولا دين، لكن ما أقدر أبقى معه أبدًا، فقد سبق أنه يُكْرَه على الصحيح على المخالعة، بشرط أن يُرَدَّ إليه ما أنفَق على زوجته من المهر.
[ ١ / ٦٦٢٤ ]
وقول المؤلف: (بإيلام له)، هذا تمثيل للإكراه، (بإيلام له) يعني معناه: هذا المُكرِه آلَمَه، بماذا؟ ضرب أو حبس، أو تقييد، قيَّده مثلًا بالرمضاء في أيام الصيف في أيام القيظ، قال: ما يمكن أطلقك، خليك بههذه الرمضاء حتى إنك تطلق، أو بمنع ما ينقذه وهو ضعيف، مثل ما ذُكر أن رجلًا في عهد عمر بن الخطاب خرج يَشْتَارُ عسلًا، يأخذه من الجبال، فنزل، فدلَّت إليه امرأته الحبل من أجل يصعد به، فلما وصل إلى المكان وجاء ليطلع، قالت: لا، ما يمكن أعطيك الحبل حتى تطلقني، () غير هذه، قال: أبدًا ما فيها، فطلقها، فذهب إلى عمر ﵁ فقال: المرأة امرأتك (٢)، ولم ينفذ الطلاق، بأيش استدل؟ مُكرَه، لو ما ترسل عليه الحبل ليتمسك ويطلع بقي في هذه الحفرة حتى يموت، هذا أيضًا من الإكراه.
كذلك (أو لولده): إيلامًا لولده، هو ما صار له شيء، لكن يمسكون ولده وبدؤوا يعصرونه قدامه وقالوا: ما يمكن نُطلِق الولد إلا أنك تُطلِّق، تطلق؟
طالب: نعم، يطلق لإنقاذ ولده.
الشيخ: طيب، لكن لو قال قائل: هو ما تألم الآن؟ نقول: صحيح أنه ما تألم بدنًا، لكن تألم قلبًا. هذا يمكن أشد عليه مما لو كان هذا الفعل به هو.
(أو أخْذِ مالٍ يضرُّه)، انتبهوا لكلمة (يضره)؛ لأنها تختلف بحسب الناس، واحد يمكن لو تأخذ منه مليون ريال ما يضره، وواحد لو تأخذ منه عشرة ريالات يضره، صح ولّا لا؟ الإنسان اللي عنده مئة مليون إذا أُخِذ منه مليون، يقول: الحمد لله، عندي تسعة وتسعون مليونًا، لكن يقول: عشرة ريالات، ما عنده غير عشرة، () الخبز غداء وعشاء وأُخِذَت العشرة، تضره ولّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: منين يأكل، فالقاعدة إذن يعود على الضرر، ولهذا المؤلف ﵀ ما قال: أخذ عشرة دراهم، عشرين درهمًا، مئة درهم، قال: (أَخْذ مال يضره).
[ ١ / ٦٦٢٥ ]
ومنه -مِن المال الذي يضر- لو كان عليه ثوب في أيام الشتاء يقيه من البرد، هذا الثوب يسوى درهمين، وهو رجل عنده ملايين الدراهم، وافَقَه في برِّيَّة يبغي يأخذ منه الثوب إلا أن يطلق، الثوب الآن يضره ولّا ما يضره؟ يضره، مع أنه من الناحية المالية ليس بشيء عنده، لكن الكلام على الضرر (أخذِ مالٍ يضرُّه).
(أو هَدَّده بأحدها)، ويش أحد؟ الإيلام أو أَخْذ مال يضره.
(هدَّده بأحدها قادرٌ يظن إيقاعَه به)، اشترط شرطين المؤلفُ: (قادر)، وأنه (يظن) أي الْمُكْرَه، (إيقاعه)، أي إيقاع ما هدَّدَه به فيه؛ في الرجل.
فخرج بقوله (قادر) على ما لو هَدَّدَه إنسان عاجز، واحد رجل شاب ممتلئ شبابًا وقوة، جاء شيخ كبير عاجز قال له: طلِّق امرأتك وإلا كسرت ها الشوم عليك –العصا- ويش يصير هذا؟
طالب: ما يقدر.
الشيخ: هَدَّدَه.
طالب: بس لا يقدر.
الشيخ: السبب أنه غير قادر، ما يقدر هذا، هذا لا يُعْتَبَر إكراهًا، السبب لأنه غير قادر.
لكن ما رأيكم لو كان مع هذا الشيخ الكبير، لو كان معه مسدس؟ صار قادرًا الآن؟
طلبة: نعم.
الشيخ: كذلك أيضًا اشترط معه شرطًا ثانيًا أنه (يظن إيقاعه به)، أن المهدَّد يظن أن هذا المهدِّد يُوقِع ما هدده به، فإن كان يظن أنه لا يوقِع، هو قادر الرجل المهدِّد لكن ما يُوقِع هذا الشيء، إما لقوة الحكم، أو لأي سبب من الأسباب، المهم أنه يعلم أن الرجل مهما هدد ما يقدر يفعل شيئًا، فلا إكراه.
فهنا فعل وتهديد، الفعل المؤلف قال: أو هدد بأخذ مال يضره، أو إيلام له ولولده، والتهديد اشترط أن يكون المهدِّد قادرًا، ويش بعد؟ يظن إيقاعَه به.
[ ١ / ٦٦٢٦ ]
قال المؤلف: (فطلَّق تبعًا)، شوف (طلَّق) مَن؟ الضمير يعود على مَن؟ المُكرَه، طلَّق (تبعًا) هذه مفعول من أجله، يعني: طَلَّق لأجل التبع لقوله، أي: متابعةً لقوله لا قصدًا للطلاق، فحينئذٍ يكون قصده بالطلاق أيش؟ تبعًا، يعني دفع الإكراه فقط، ما نوى الطلاق، فإنه لا يقع الطلاق؛ لقول النبي ﵊: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (١)، ولأن الاختيار في جميع العقود والفسوخ شرط، قال الله تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، فلا بد في جميع العقود والفسوخ أن تكون صادرة عن رضًا واختيار، إلا أن يكون الإكراه بحق.
وعُلِم من كلام المؤلف من قوله: (تبعًا لقوله) أنه لو طلَّق بقصد إيقاع الطلاق فإنه يقع الطلاق، وهذه المسألة مسألة كبيرة عظيمة لا تختص بمسألة الطلاق، تأتي حتى في مسألة الإكراه على الكفر، قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦].
هل يُشْتَرَط في الإكراه أن يكون قصد المُكرَه متابعة المُكرِه، بمعنى أنه لا يقصد إلا دفع الإكراه؟ أو نقول: إن الإكراه مُوجِب لرفع الحرج عن المُكرَه ولو نوى، ما دام قلبه لم يطمئن؛ لأن المُكرَه في تلك الحال يكون مُلْجَأً مُغْلَقًا عليه؟
أولًا: إن كان عاميًّا هو ما يتصور الفرق بين أن يقصد دفع الإكراه، أو يقصد إيقاع الطلاق، ما عنده فرق، يقول: هذا ألزمني أني أطلّق وطلقت، هكذا، لو تسأل العامي، قال: هذا والله ألزم أن أطلق وطلقت، ما يقول: أنا ألزمني أطلق فطلقت تبعًا لقوله لا قصدًا للطلاق.
[ ١ / ٦٦٢٧ ]
ثانيًا: إذا كان طالب علم يفرِّق بين دفع الإكراه وبين إرادة ما أُكْرِه عليه، فإن الإنسان بشر، ومقام المضايقات أمر لا يعلمه إلا مَن وقع فيه، والإنسان ما دام في سعة يجد نفسه مسيطرًا، أو يُحس من نفسه أنه مسيطر على كل الأمور، لكن إذا وقع في الشدة زال عنه التفكير.
ولهذا ذهب بعض أهل العلم -وقولهم أقرب إلى الصواب- إلى أنه بالإكراه يزول الحكم مطلقًا، ما لم يطمئن إلى الشيء، وهذا بعيد؛ لأن الإنسان إذا لم يقصد الشيء ما هو راح حين، ما يقصده إلا عند الإكراه، يكون يقصده من قبل.
فها هنا ثلاث حالات: ألَّا يقصده مطلقًا، وإنما قصد دفع الإكراه، أن يقصده من أجل الإكراه، أن يطمئن به فيكون فاعلًا له؛ أُكْرِهَ عليه أم لا.
ففي الأخيرة يقع الشيء ويُحْكَم له بالاختيار قولًا واحدًا، وفي الأولى لا يقع قولًا واحدًا، وفي الثالثة قولان، والراجح أنه لا يقع، والله أعلم. ()
(مُخْتَلَف فيه).
الطلاق أو بالأصح النكاح ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم مُتَّفَق على صحته، وقسم مُتَّفَق على بطلانه، وقسم مُخْتَلَف فيه.
الْمُتَّفَق على صحته يقع فيه الطلاق ولا إشكال فيه وبإجماع المسلمين.
والْمُتَّفَق على بطلانه لا يقع فيه الطلاق؛ لأنه باطل، والطلاق فرع عن النكاح، فإذا بطل النكاح بطل الطلاق، مثل: لو تَزَوَّج أخته من الرضاع غير عالِم بذلك، فهذا النكاح باطل؛ لإجماع المسلمين على بطلانه، ما يقع الطلاق فيه، وكذلك لو تزوجها وهي مُعْتَدَّة -تزوج امرأة وهي مُعْتَدَّة- فإنه لا يقع الطلاق فيه؛ لأن العلماء مجمعون على أن المعتدة لا يجوز نكاحها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥].
النكاح الْمُخْتَلَف فيه لا يخلو من حالين:
إما أن يرى المتزوِّج صحته، أو يرى بطلانه، فإن رأى صحته فإن الطلاق يقع ولا إشكال في ذلك.
[ ١ / ٦٦٢٨ ]
مثال ذلك: رجل تزوج امرأة رضعت من أمه ثلاث رضعات، وهو يرى أن الرضاع المحرِّم خمس رضعات، إذن النكاح في رأيه صحيح، هذا يقع فيه الطلاق بلا شك؛ لأنه مبني على صحة النكاح، والنكاح عنده صحيح.
وكذلك لو تزوج امرأة بدون شهود، وهو يرى أن الشهادة في النكاح ليست بشرط، فالطلاق يقع ولّا لا؟
طالب: يقع.
الشيخ: يقع، الحال الثانية: أن يكون المتزوِّج لا يرى صحة النكاح، فإن الطلاق اختلف فيه أهل العلم، فقال بعضهم: إنه يقع فيه الطلاق، وقال بعضهم: إنه لا يقع، الذين قالوا: لا يقع، قالوا: لأن الطلاق فرع على النكاح، وهذا لا يرى صحة النكاح، فلا يقع الطلاق منه، وهذا تعليل جيد لا بأس به.
والذين قالوا: إنه يقع، قالوا: لأنه وإن لم يَرَ هو صحة النكاح، لكن قد يكون غيرُه يرى صحته، فإذا فارقها بدون طلاق، وأتاها إنسان يرى صحة النكاح، هل يتزوجها؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما يتزوجها، إذن فهو إذا لم يطلق سوف يعطل هذه المرأة، فإذن الطلاق يصح في النكاح المختلَف فيه وإن لم يَرَ صحتَه المطلِّق.
فإذا قلتم: لماذا يقع الطلاق وهو لا يرى أن النكاح صحيح والطلاق فرع عليه؟
قلنا: من أجل ألَّا يحجزها عن غيره؛ لأنه قد يريدها من يرى أن النكاح صحيح، فإذا لم يطلقها هذا الزوج ما راح يتزوجها؛ لأنه يرى أنها لا زالت باقية في عصمته، ولهذا قال المؤلف: (ويقع الطلاق في نكاحٍ مُخْتَلَف فيه)، قال بالشرح: (ولو لم يَرَه المطلق).
والحكمة أنه يقع وإن لم يَرَه المطلِّق هو ما ذكرتُ لكم: لئلا يبقى ذلك عائقًا لها عن الزواج؛ لأنه قد يرى صحة هذا النكاح إنسان آخر ولا يتزوجها، يعتقد أنها لا زالت في عصمته.
طالب: إذا كان هو يرى أن النكاح غير صحيح وأن الطلاق لا يقع بناء عليه، لا بد أن يكون فيه فصل في المسألة؟
الشيخ: إي، فراق.
الطالب: يبقى لا يحجزها عن غيره.
الشيخ: لا، فراق أيش هو بناء عليه؟ بناء على عدم صحة النكاح.
الطالب: يعني إذا قلنا: إنه خلع مثلًا.
[ ١ / ٦٦٢٩ ]
الشيخ: ما هو خلع، إذا قلنا بعدم الصحة، أي معناه: أنه ما فيه نكاح أصلًا، نفرِّق بينهما بدون أن يقول: فسخت؛ لأنه ما يمكن يقول: فسخت؛ إذ إن الفسخ فرع عن النكاح، نقول: تَبَيَّنَّا أن النكاح لم ينعقد من الأصل، ولذلك لا يرى صحته، فإذا كان كذلك فهذا الفراق مبني على اعتقاد أن هذا النكاح غير صحيح، فإذا كان الآخر يعتقد أن النكاح صحيح فالفراق لا يثبت.
انتهينا الآن، صار النكاح ينقسم إلى ثلاثة أقسام: مُتَّفَق على صحته، وعلى بطلانه، وهذان واضحان.
و(مُختلَف فيه)، فيقع فيه الطلاق كما قال المؤلف، حتى وإن كان المطلِّق لا يرى صحته، بناء على أنه ما دام موضع خلاف بين العلماء يمكن ييجي واحد يعتقد أن النكاح صحيح، وأن الفراق ما تم، وأن الزوجة ما زالت في عصمة الزوج.
***
ثم قال: (وَمِنَ الغَضْبَانِ)، يعني: ويقع الطلاق من الغضبان، معلوم؛ لأن الغضبان له قول معتبَر، ولهذا قال النبي ﵊: «لَا يَقْضِي الْقَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ» (٣)، ومعنى ذلك أن حكمه معتبر، وإلا لما كان للنهي محل.
ولكن الغضب ينقسم إلى ثلاثة أقسام أيضًا:
القسم الأول: أن يصل به إلى حد لا يدري ما يقول، وبعضهم يقول: ربما يصل إلى الإغماء، بعض الناس -والعياذ بالله- من شدة غضبه يُغْمَى عليه؛ فهذا لا يقع طلاقه بالاتفاق؛ لأنه لا يعقل ما يقول، قد زال عقله، لا يدري ماذا يقول، يقول: أنا طلقتها وأنا ما أدري هو أنا بالسماء ولّا بالأرض، ولّا أمامي زوجتي، أو أمي، أو جدي أو جدتي، ولا أدري ويش اللي حصل، صارت الدنيا عندي كأنها خضراء ولّا صفراء، ولا أدري ويش أقول.
نقول: هذا لا يقع طلاقه بالاتفاق؛ لأنه لا يدري ما يقول، فهو كالمغمى عليه، وربما نقول: إنه مغمى عليه.
[ ١ / ٦٦٣٠ ]
القسم الثاني: ابتداء الغضب، لكن يعقل ما يقول، ويقدر يمنع نفسه، فهذا يقع طلاقه؛ لأنه صدر الطلاق من شخص يعقله غير مُغْلَق عليه، فيقع الطلاق، وكثيرًا ما يكون الطلاق في الغالب نتيجة للغضب، وهذا مُتَّفَق على أنه يقع الطلاق منه.
القسم الثالث: بَيْنَ بَيْنَ، إنسان يدري أنه بالأرض، ويدري أنه نطق بالطلاق، لكن مغصوبًا عليه، يعني لقوة الغضب عجز يملك نفسه؛ لأنه ليس بشديد، والرسول ﷺ يقول: «لَيْسَ الشَّدِيدُ باِلصُّرَعَةِ»، يعني: الذي يصرع الناس، «وَإِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» (٤)، هذا يدري ما يقول ويعي ما يقول، ويدري أنه يخاطب امرأته وأنه يطلقها، لكن الغضب سيطر عليه، كأنه يغصبه غصبًا أن يطلّق، فهذا فيه خلاف بين أهل العلم.
فمنهم من قال: إن طلاقه يقع؛ لأن له قصدًا صحيحًا، وهو يشعر بما يقول، ويشعر بالمرأة التي أوقع عليها الطلاق، فلا عذر له.
ومنهم من قال: إنه لا طلاق عليه؛ لأن النبي ﷺ يقول: «لَا طَلَاقَ وَلَا عِتَاقَ فِي إِغْلَاقٍ» (٥)، وهذا لا شك أنه مُغْلَق عليه، يعني كأن أحدًا حَدَّه وعَصَرَه حتى طَلَّق، وعلى هذا فيكون الطلاق غير واقع، وهذا هو الصحيح، وهو اختيار ابن القيم في كتاب إغاثة اللهفان، إغاثة اللهفان هذا غير الكتاب الكبير المعروف، الرسالة الصغيرة سماها إغاثة اللهفان في عدم وقوع طلاق الغضبان، وذكر له ستة وعشرين وجهًا تدل على عدم وقوعه، وتعرفون ابن القيم ﵀ نفسُه طويل، وهذا هو الأصح، ويدل عليه الحديث الذي أشرنا إليه أن هذا مُغْلَق عليه.
[ ١ / ٦٦٣١ ]
ومن هذا -من الإغلاق- ما يكون من الْمُوَسْوِسِين: الْمُوَسْوِس يُغْلَق عليه، حتى إنه يطلِّق بدون قصد، حتى إن بعضهم -نسأل الله العافية- يقول: إذا فتحت الكتاب وإذا كأني أقول: امرأتي طالق، وإذا رفعت اللقمة إلى فمي () أقول: امرأتي طالق، وكل شيء يتبدَّى له أن امرأته طالق، فهذا لا شك أنه لا يقع طلاقه، حتى لو طَلَّق ما يقع طلاقه؛ لأن بعضهم إذا شاف الضيق العظيم قال: لأجْل أستريح بأطلق، ثم طلق -نسأل الله ألا يبلينا وإياكم شرًّا- فهذا لا يقع طلاقه؛ لأنه بلا شك مُغْلَق عليه، وهذا من أعظم ما يكون من الإغلاق، يعني بعضهم الذي يُبْتَلَى بالوسواس -سواء في عباداته أو في نكاحه- يتعب تعبًا عظيمًا، حتى إنه مثلًا إذا شك هل أحدث ولّا لا؟ قال: أجل بأحدث، علشان يتيقن، إذا شك هل نوى الدخول في الصلاة ولّا ما نوى؟ يقول: إذن أنا أقطعها حتى أنوي من جديد، ثم إن نوى ودخل بالصلاة شك ثم قطعها وقال: أبغي أنوي من جديد، وهكذا.
مثل هذا يجب أنه يُفْتَى بأن يقال: لو أنك قلت لنفسك: إنك ما نويت الصلاة فأنت ناوٍ، ولو قالت لك نفسك: إنك مُحْدِث فأنت غير مُحْدِث، حتى يزول عنه هذا الأمر؛ لأن هذا يعتبر تصرفه تصرفًا لاغيًا.
ومن ذلك الطلاق، فطلاق الموسوِس لا يعتد به؛ وذلك لأنه إما أن يكون غير واقع، كما لو كان يظن أنه طلق، وإما أن يكون واقعًا بالإغلاق والإكراه، كأن شيئًا يغصبه أن يقول فيقول، ها الحين ويش نسوي في هذه ال ..، هذه صورة الآن.
طالب: ().
الشيخ: بعيد يعني؟
الطالب: لا، غير بعيد، () مسافات بعيدة.
الشيخ: مسكوك ها الحين.
الطالب: إي نعم، ليش لأنها ما ().
الشيخ: يعني سلكها لازم ().
طالب: ما تسقط عنه الصلاة؟
الشيخ: الصلاة؟
الطالب: ما يدري ما يقول هل نوى أو ما نوى؟
الشيخ: لا، ما تسقط؛ لأنه يدري ما يقول، بس يشك في النية، نقول: هذا الشك لا تتبعه.
الطالب: نقول: أسقطنا عنه الطلاق لأنه غير مكلَّف ..
[ ١ / ٦٦٣٢ ]
الشيخ: لأنه مُكْرَه، الطلاق فعل محظور مُكْرَه عليه.
طالب: () فقط في هذا الباب.
الشيخ: ما يخالف، كله واحد، من كان موسوسًا في شيء فهو لا عبرة به.
***
ثم قال المؤلف: (وَوَكِيلُهُ كَهُوَ).
طالب: ()؟
الشيخ: إي، ضروري.
الطالب: ()؟
الشيخ: لا، (ووكيله) أي: وكيل الزوج في الطلاق (كهو)، كيف قال: (كهُوَ)، و(هُو) ضمير منفصل للرفع؟
طالب: لأنه مبني.
الشيخ: مبني؟ ! ما هو بعلة ها البناء؟
طالب: ().
الشيخ: لا، كله واحد لكن ما هو بعد، ذكرنا أن ضمائر الرفع المنفصلة يُتجوَّز بها، فيؤكَّد بها المجرور، أو لا؟ تقدم لنا في باب البدل، تأتي في محل الجر، تُستعار لضمائر الجر في باب الجر، ويؤكَّد بها المجرور إذا كان ضميرًا متصلًا لأجل يصح أن يُعْطَف عليه، وما أشبه ذلك، تقدم لنا هذا في باب البدل، فضمائر الرفع المنفصلة يجوز أن تستعار للجر.
يقول: (ووكيله كهو) يعني أن وكيل الزوج في الطلاق يقوم مقام الزوج، فعلمنا من ذلك أنه يصح التوكيل في الطلاق، وهو كذلك؛ لأن ما جاز أن يصح التوكيل في عقده جاز أن يصح التوكيل في فسخه، ولأنه تصرُّف لا يتعلق بالشخص نفسه، يعني ما هو عمل بدني لا بد تقوم به أنت، فجاز أن بُوَكِّل فيه، فيجوز للزوج أن يوكِّل شخصًا في طلاق زوجته، فيقول له: وكَّلْتُك أن تطلق زوجتي، ولكن لا بد أن يعيِّنَها: فلانة، إذا كان له أكثر من زوجة.
إذن يُشْتَرَط أن يطلِّق في حال صَحْوِه، ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: وألَّا يكون غضبانَ غضبًا شديدًا، وألَّا يكون مُكْرَهًا عليه؛ يعني أنه يُشْتَرَط في الفرع ما يُشْتَرَط في الأصل، ولهذا قال: (ووكيله كهو)، لكن يختلف عن الزوج في أنه محدَّد.
قال: (ويُطَلِّقُ وَاحِدَةً)، ويطلق (مَتَى شَاءَ، إِلَّا أَنْ يُعَيِّنَ لَهُ وَقْتًا وَعَدَدًا).
يعني أنه يتقيد بما قيده به، فإن أطلق هو ما له إلا واحدة فقط، ما يطلق أكثر.
[ ١ / ٦٦٣٣ ]
مثال ذلك: قال زيد لعمرو: وَكَّلْتُك في طلاق زوجتي، فذهب الوكيل وقال لها: أنت طالق ثلاثًا، تطلُق؟ ما تطلُق؛ لأنه ما قال له: طلِّق ثلاثًا، والوكالة مطلَقة، فلا يملك إلا أقل ما يقع عليه اسم الطلاق وهو واحدة.
يطلق متى شاء؟
طالب: نعم.
الشيخ: يعني اليوم وباكر وبعد بكرة وبعد شهر وبعد شهرين؟ نعم، يطلِّق متى شاء، إلا إذا قال: لا تطلقها إلا في هذا الشهر، أو: أنت وكيلي في طلاق امرأتي في هذا الشهر، فإنه لا يطلِّق إذا خرج الوقت.
لو قال: أنت وكيلي في طلاق زوجتي في عشر ذي الحجة، فطَلَّقَها في آخر ذي القعدة؟ ما يقع، والسبب أنه حدد له الوقت، أنت وكيلي في طلاق امرأتي في شهر محرَّم، فطلقها في شهر ربيع ما يقع.
الطالب: يقع من الزوج في الأصل.
الشيخ: لا، بتوكيله يعني؟
الطالب: إي.
الشيخ: لا، ما يقع.
طالب: يا شيخ يحتاج إلى تشهيد، الوكالة يشهد عليها ولا ما يشهد؟
الشيخ: ما هو بشرط، إذا قال: نعم أنا موكله، ما هو بشرط.
الطالب: فهو بينه وبينه.
الشيخ: إي نعم.
طالب: يا شيخ، سبق أن أخذنا أن الطلاق بيد الزوج، فهل هناك دليل على التوكيل؟
الشيخ: إي، هو الدليل اللي ذكرنا قبل قليل.
الطالب: تعليل.
الشيخ: إي، يكفي، كل المعاملات الأصل فيها الحِلّ، ولهذا ما يُطَالَب الإنسان بالدليل على مسائل المعاملات؛ لأن الأصل فيها الحِلّ.
طالب: فإن صحت الوكالة؛ لأنه ما أحد يمنعه في أي بلد () يبلغ الزوجة أنه طلَّقها أو لا يبلغها؟
الشيخ: لا لا، يعني تقول: ما هو الداعي للتوكيل؟
الطالب: نعم.
الشيخ: الداعي للتوكيل ربما يكون إنسان سيغيب مثلًا وودُّه أن الطلاق يكون مثلًا بعد شهر أو شهرين يتأنى في الأمر.
الطالب: يكتب ورقة.
الشيخ: دعنا من كونه يكتب، ما هو معناه أنه يشترط الضرورة، ما هو بشرط، أو ربما ما يحب أنه يجابهها بالطلاق هو.
الطالب: لكن لو رجع وطلَّق.
الشيخ: مَن؟
الطالب: لو رجع في التوكيل وذاك طلَّق.
[ ١ / ٦٦٣٤ ]
الشيخ: ما يخالف، إذا رجع فإن كان قبل أن يُطلِّق انفسخت الوكالة؛ لأن له أن يفسخها، وإن كان بعد أن أمضى فقد مضى الطلاق.
الطالب: لكن لو تزوجت؟
الشيخ: نعم.
الطالب: والآخر قال: أنا فسخت.
الشيخ: لو تزوجت وقال: إني قد فسخت توكيله، وثبت أنه قد فسخ وكالته قبل أن يطلِّق، ما يصح النكاح الثاني.
الطالب: يفسخ عنده ويقول: ترى أنا فسخت ..
الشيخ: إي، يجب يبلغه.
الطالب: طيب، مثل لو صار محدَّد وقت وأنا في ديرة وهو في ديرة وبغيت أتدارك قبل هذا ولا يمضي ..
الشيخ: تفسخ وكالته يعني؟
الطالب: إي، أشهّد عليه قبل أن يقع؟
الشيخ: إي نعم، لازم تشهّد؛ لأنك لو ادعيت أنك فاسخ وكالته قبل أن يطلق ما يُقْبَل كلامك إلا بشهود.
الطالب: ولو طلق بعدما ..
الشيخ: ما يقع الطلاق، بعد الفسخ ما يقع الطلاق.
طالب: هل يلزم من عدم وجود الزوج يطلق الوكيل، ولّا يجوز أن يوكل مع وجود الزوج؟
الشيخ: يجوز أنه يوكل مع وجوده، حتى في المجلس، مثلًا افرض أنه رجل أراد أنه يكبر بحق أبيه مثلًا، وقال: وكلت أبي في طلاق امرأتي، وهو حاضر، ما فيه مانع، كما لو قال: وَكَّلْتُه أن يقبل الزواج عني، يجوز، ما فيه مانع.
طالب: ليس للوكيل أن يوكِّل؟
الشيخ: لا، ليس له أن يوكِّل، ولهذا قال: (يطلِّق) الوكيل نفسه، فليس له أن يوكِّل، (يُطلِّق واحدةً) لا اثنتين ولا ثلاثة، (ومتى شاء) يعني ولا يتقيَّد بوقت، متى ما شاء طلَّق.
طالب: إذا طلق ثلاثًا يا شيخ لماذا لا يكون، ويقع واحدة؟
الشيخ: لأنه تصرف تصرفًا غير مأذون فيه.
الطالب: ().
الشيخ: لا، الوكيل مقيَّد بما وُكِّل فيه، فهذا أصلًا يكون ما يصح.
الطالب: وإذا وكَّل له هو أيضًا أن يطلِّق.
الشيخ: مَن؟
الطالب: الوكيل.
الشيخ: إي، نعم له أن يطلق، وإذا طلق انفسخت الوكالة.
طالب: مثل يا شيخ الوكيل لو طلق في الأوقات التي ما يجوز فيها كالحائض.
الشيخ: إي بيجينا هذا، المذهب أنه يقع.
طالب: ()؟
[ ١ / ٦٦٣٥ ]
الشيخ: بيجينا مسألة العدد، المهم أن الوكيل يملك ما يملكه الزوج، ولهذا قال: (ووكيله كهو).
() للقاعدة، لا تفلَّت عليكم بالمسائل هذه الفردية، الآن عرفنا أن الطلاق يجوز التوكيل فيه، وأن الوكيل يكون كالزوج، إلا أنه يتحدد بالعدد، ما يزيد على واحدة، فإن زاد على واحدة بطل الطلاق؛ لأنه لم يؤذَن له فيه.
في مسألة الوقت يطلق متى شاء إلا إن عَيَّنَ له وقتًا، إن عين له وقتًا فإنه يتعين به.
طالب: بالنسبة () ما قيده ولا ..؟
الشيخ: واحدة فقط.
الطالب: طلق ثلاثًا.
الشيخ: ما يطلق ثلاثًا، إلا () الثلاث.
الطالب: لا ().
الشيخ: هذا كلام المؤلف يا أخي: (يطلق واحدة)، أنا أقول لكم: كونوا طلبة علم، العامي هو اللي يجيب أفراد المسائل، لكن طالب العلم يركز على معنى الكتاب، الآن الكتاب يقول المؤلف: (ووكيله كهو) يعني: يقوم مقامه في كل شيء، ولا يطلِّق في وقت الحيض، ولا في طهر جامعها فيه، كما أن الزوج كذلك.
ثانيًا: يقول المؤلف: (يطلق واحدة)، ثنتين يطلق؟ لا، ما يملك الثنتين، ولا الثلاث؛ لأنه ما أُذن له في ذلك.
في الوقت يطلق متى شاء، إلا إن عين له وقتًا معينًا فيتقيَّد، والسبب في ذلك إذا قيل: لماذا تفرقون بين الوقت وبين العدد؟ العدد تقولون: واحدة، والوقت: متى شاء، وأرى ما تقولون: الوقت في حينه، إن طلق في حين التوكيل، وإلا فلا يطلق؟
نقول: لأن الفعل (وكلتك في طلاق) يصدق الطلاق بواحدة، فالزائد مأذون فيه ولَّا لا؟ غير مأذون فيه، ومسألة الزمن؛ لأن الفعل للزمن غير مقيَّد، طلاق، ما قال: اليوم، أو غدًا، أو بعد شهر، أو بعد سنة، هذا هو الفرق.
طالب: ما يتعلق بالنسبة للزوج عندما يوكل الوكيل بأن يطلق زوجته فإن العرف أن الزوج يريد الفرقة من زوجه، فكيف نوقعها؟
الشيخ: ما نوقعها بارك الله فيك، ما قال: طلقت زوجتي.
الطالب: المؤلف يقول: (كهو)؟
[ ١ / ٦٦٣٦ ]
الشيخ: إي، يعني معناه أن هذا الوكيل ينزل منزلة الزوج، متى طلق طلقت، الآن الزوج قال: وكلتك، ما قال: طلقت زوجتي، وكلتك في طلاق زوجتي، فمعنى ذلك أنه ما يقع طلاقه إلا بعد أن يطلق الوكيل.
الطالب: فإذا طلق الوكيل ثلاثًا.
الشيخ: ما يطلق ثلاثًا؛ لأن المؤلف يقول: (يطلق واحدة).
الطالب: ويش لون يقول: (يطلق واحدة) ويقول بعده: (ووكيله كهو)؟
الشيخ: (كهو) في وقوع الطلاق، لكن لما كان الوكيل إنما يتصرف بالإذن ما يزيد على ما أُذِن فيه، ما هو بحرٍّ من كل وجه، ولهذا قلت لكم ..
الطالب: قلنا: لا بد أن نوقعها واحدة ..
الشيخ: قلت لكم: (كهو) إلا أنه -من أول ما بدأت أقرر- (ووكيله كهو) إلا أنه لا يطلق إلا واحدة، بخلاف الزوج.
الطالب: نقول: إن طلق ثلاثًا تقع واحدة يا شيخ؟
الشيخ: ما تقع، إذا طلق الوكيل ثلاثًا ما تقع.
طالب: قضية النكاح عن مُوَكِّل، يجوز في النكاح لأنه موكله، لكن هنا ذكر أن الوكيل يقول: أنت طالق فقط؟
الشيخ: يقول: طلقت زوجة موكلي فلان.
الطالب: لا بد أن يقول.
الشيخ: نعم لا بد أن يقول، أو يقول: أنت طالق بوكالتي عن زوجك.
طالب: شيخ، إذا كان الزوج غائبًا، ما العبرة للتقيد بالحيض حال كونها حائضًا يعني؟
الشيخ: لا بد أن تتقيد.
الطالب: يعني إذا كان الزوج حاضرًا مع الزوجة فالعلة واضحة في ألَّا يطلق أثناء الحيض، فإذا كان غائبًا ما العبرة وهو في سفر؟
الشيخ: إي نعم، ما يطلق إلا وهي طاهر.
طالب: ما يدري هو.
الشيخ: يسأل يا أخي، كما أن الزوج إذا أراد يطلق يسأل.
الطالب: يمكن تستحي المرأة إذا صار () ما تقول: حائض ولا شيء.
الشيخ: إذا ما علم يطلِّق، ثم إن صادف الحيض حُكم له بأنه طلاق بالحيض، وعلى المذهب أنه يقع وبيجينا إن شاء الله.
***
قال: (وامرأتُه كوكيلِه في طلاقِ نفسِها)، هذه هي الأغرب من الأول: (امرأته كوكيله).
[ ١ / ٦٦٣٧ ]
أفادنا المؤلف أنه يجوز أن يوكِّل امرأته في طلاق نفسها؛ لأنه قال: (امرأتُه كوكيلِه في طلاقِ نفسِها)، فإذن يجوز أن يقول: وكلتكِ أن تطلقي نفسك؛ لأنها تتصرف كما يتصرف الوكيل، فلها أن تطلِّق نفسها، وكما لو قال: أمرك بيدك، وكما خَيَّر النبي ﵊ نساءَه بين أن يبقين معه أو يفارقهن (٦)، فيقول: المذهب أنه يملك أن يوكِّل زوجته في طلاق نفسها.
وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم سلفًا وخلفًا، فمنع منها أهل الظاهر وجماعة من السلف والخلف، وقالوا: ما يمكن أن يكون الطلاق بيد الزوجة بالوكالة، لماذا؟ قالوا: لأن الزوجة تختلف عن الأجنبي بأنها سريعة العاطِفة، لو يجيئها أدنى شيء من زوجها قالت: ترى أنا طلقت نفسي بالوكالة وخَلَّتْه، بخلاف وكيل الزوج، فعلى هذا لا يصح أن يوكل زوجته في طلاق نفسها؛ وذلك لأنها -كما قلت- سريعة العاطفة والتأثر، وربما لا تتروَّى في الأمور، وبناء على ذلك -على هذا الرأي- قالوا: لو علَّق طلاقها على فعلها، لو علَّق طلاقها على فعل لها لم يقع الطلاق، مثل أن يقول: إن فعلت كذا فأنت طالق، ففعلت، فإنها لا تطلق؛ لأنها ما عندها تَرَوٍّ، لو يجيؤها أدنى شيء قالت: الحمد لله أبغى أطلق، أبغي أفعل ها الفعل علشان أطلق.
وهذا صحيح على الحقيقة أن النساء ضعيفات عقل ودين، وأن كل شيء يجيء بهن، حتى إنهم بعض الأحيان ().
ومع ذلك تملك أن توكَّل فيه، فهو مستثنى من قولهم هناك في باب الوكالة: إنه مَن له التصرف في شيء صح أن يوكِّل ويتوكل فيه، إلا في مسائل عدوها، منها هذه المسألة، أنه يجوز توكيل المرأة في الطلاق، وهي لا تملك الطلاق.
[ ١ / ٦٦٣٨ ]
وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، فذهب بعض أهل العلم، ومنهم أهل الظاهر، إلى أنه لا يصح أن توكَّل المرأة في طلاق نفسها، وعلَّلوا ذلك بأن المرأة ضعيفة التفكير سريعة التأثر، لينة العاطفة، أدنى ما يجيئها من الأمور يُخِلّ عليها، ولهذا وصفها النبي ﵊ بأن الإنسان لو أحسن إليها الدهر كله ثم رأت منه إساءة واحدة «قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ خَيْرًا قَطُّ». (٧)
هذه المرأة لو يوكِّلها في طلاق نفسها ربما إذا وجدت أدنى شيء طلَّقت نفسها، فمن أجل ذلك لا يصح أن يوكلها في طلاق نفسها، وهذا وإن صح أن يوكلها في طلاق غيرها فليس كطلاق نفسها.
والمشهور من المذهب أنها كوكيله في طلاق نفسها، وقاسوا ذلك على التخيير، قالوا: كما أن للإنسان أن يُخَيِّر امرأته بين البقاء وبين فسخ النكاح فإن هذا مثله؛ لأنه جعل الأمر بيدها بواسطة الوكالة، وقد ثبت أن النبي ﷺ خَيَّرَ نساءه (٦)، فإذا كان الأمر كذلك فإن الطلاق يكون كالتخيير، بل قد يكون أدنى حالًا من التخيير؛ لأن الإنسان يملك أن يفسخ هذا التوكيل، وإذا فسخه لم يكن لها أن تطلق نفسها.
وعلى كل حال فحتى على القول بالجواز لا ينبغي للإنسان أن يوكل امرأته في طلاق نفسها أبدًا؛ لأنه كما عَلَّل الْمُعَلِّلُون بعلة قوية وهي؟
طالب: العاطفة.
الشيخ: نعم، أنها ضعيفة في التفكير، سريعة التأثر، لينة العاطفة، كل هذه الأسباب توجِب أن يتوقف الإنسان في توكيلها.
طالب: الأمر إليه، هي ()؟
الشيخ: لا، الأمر إليها هي.
الطالب: () يخيِّرها، مثلًا: إن شئت كذا وإن شئت كذا.
الشيخ: لا، تملك، لو قالت: اخترت نفسي، طلقت.
طالب: مثل لو بتطلق نفسها ويقول: أفسخ، ما يمضيه إلا قبل الطلاق؟
الشيخ: لا، ما يفسخ الوكالة إلا قبل الطلاق، لكن له المراجعة إذا كان الطلاق مرة أو مرتين.
[ ١ / ٦٦٣٩ ]
طالب: قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨]، ()؟
الشيخ: لا لا، كيف؟ لأن التسريح معناه بعد وقوع الطلاق، كما قال الله تعالى: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] التسريح التخلية النهائية.
الطالب: ().
الشيخ: المهم هم يقولون -سيأتينا في التخيير-: إن لها أن تختار نفسها، فإذا قالت: اخترت نفسي انفسخ النكاح.
طالب: شيخ، إذا وَكَّلَها في أن تبتَّ نفسها متى شاءت، يجوز؟
الشيخ: إي، لها ذلك.
الطالب: يكون محرَّمًا على أنها تطلق ثلاثًا؟
الشيخ: تطلق غيرها؟
الطالب: هي.
الشيخ: تطلق نفسها.
الطالب: تطلق نفسها منه.
الشيخ: إذا قال: وكلتك في طلاق نفسك متى شئتِ، تطلق نفسها متى شاءت، لكن له أن يفسخ الوكالة ويقول: فسخت وكالتي.
الطالب: ما لها أن تطلق ثلاثًا؟
الشيخ: لا، ما تطلق ثلاثًا، مثل الوكيل: (وامرأته كوكيله في طلاق نفسها) فلا تملك إلا واحدة، إلا إذا جعل ذلك لها.
الطالب: ()؟
الشيخ: بلى.
الطالب: كيف ()؟
الشيخ: هم اللي جعلوه باختيارهم، حق لهم فجعلوه باختيارهم لهؤلاء؛ للوكيل أو للزوجة.
الطالب: هذا مخالف لظاهر القرآن.
الشيخ: ما هو مخالف بارك الله فيك، أليس النكاح أيضًا مضافًا إلى الأزواج؟
طالب: بلى.
الشيخ: ويجوز التوكيل فيه، أليس البيع مضافًا إلى البائع ويجوز التوكيل فيه؟ ما فيها شيء، هو معنى أنه مضاف إلى الأزواج يعني ما يملك أحد أن يطلق على الزوج، فإذا وكَّل فالأمر إليه، وليس هذا عبادة، يعني ما تقول: إن هذا عبادة تتعلق بنفس الفاعل، كالمصلي نقول: ما يمكن توكل واحدًا يصلي عنك، هذا عقد ومعاملة وفسخ مع إنسان آخر، الحق بينك وبين زوجتك.
***
ثم قال: (فَصْلٌ).
هذا الفصل ذكر فيه المؤلف أحكامًا مهمة وهي الطلاق البدعي، والطلاق الشرعي.
[ ١ / ٦٦٤٠ ]
قال المؤلف: (إذا طلقها) الضمير يعود على الزوجة -أعني ضمير المفعول-، وضمير الفاعل على الزوج.
(إذا طلقها مرة) يعني: طلقة واحدة، بأن قال: أنت طالق طلقة واحدة، هذه واحدة، أو قال: أنت طالق وسكت، فإنه يكون مرة واحدة؛ لأنه إذا لم يقيَّد بعدد فإن المُطْلَق يصدُق بمرة واحدة؛ لأنك إذا قلت مثلًا: أكرِم زيدًا، فأكْرَمَه مرة، امتثل ولّا لا؟ امتثل، ما يحتاج يكرر، فإذا طلقها وقال: أنت طالق مرة واحدة، طلقت واحدة، وإذا قال: أنت طالق، وسكت، طلقت مرة واحدة، هذا قيد (مرة).
(في طهر لم يجامِع فيه)، (في طهر) هذا وصف ثانٍ، (لم يجامع فيه) هذا وصف ثالث.
الوصف الأول: (مرةً)، الوصف الثاني: (في طُهْرٍ)، الوصف الثالث: (لم يُجامِعْ فيه)، الوصف الرابع: (وتركها حتى تنقضي عدتها)، ويش معنى (تركها حتى تنقضي)؟ يعني: لم يلحقها بطلاق آخر.
يقول: (فهو سُنَّة)، يعني هذا الطلاق هو طلاق السنة، وهو ما جمع أربعة قيود، أعيدها: أن يكون مرة، وفي طهر، ولم يجامعها فيه، ولا يُلْحِقها بطلقة أخرى، هذا معنى قوله: (وتركها حتى تنقضي عدتها)، يعني: لم يُلْحِقْهَا بطلقة أخرى، هذا هو طلاق السُّنَّة.
فخرج بقوله: (مرة) ما لو طلقها مرتين، بأن قال: أنت طالق طلقتين، أو أنت طالق ثنتين، أو أنت طالق مرتين، أو أنت طالق أنت طالق، فهذا سُنّة ولّا لا؟ هذا ليس بسنة؛ لأنه ما طلقها مرة، طلق ثنتين.
وخرج بقوله: (في طهر) ما لو طلقها في حيض، أو في نفاس؛ فإنه ليس بطلاق سُنّة، لو طلقها وهي حائض فليس بطلاق سُنّة، أو طلقها وهي نفساء فليس طلاق سنة.
وسيأتي إن شاء الله بيان ذلك، المهم أن نعرف القيود والخارج بالقيود.
[ ١ / ٦٦٤١ ]
وقوله: (لم يجامع فيه) خرج به ما إذا طلقها في طهر جامَعَ فيه؛ فإنه يكون طلاق بدعة، حتى ولو طال زمن الطهر، لو فُرِضَ أن هذا الرجل طهرت امرأته من النفاس وجامعها وهي ترضع، العادة أن التي ترضع لا تحيض إلا إذا فَطمت الصبي، يعني بعد سنتين تقريبًا، لو طلق خلال مدة السنتين لصار طلاق بدعة؛ لأنه في طهر جامَعَ فيه، إذن ينتظر إلى أن يأتيها الحيض وتطهر.
القيد الرابع: قال: (وتركها حتى تنقضي عدتها)، يعني معناه: لم يُلْحِقْهَا بطلقة أخرى، فإن ألحقها بطلقة أخرى فهو بدعة، كيف ألحقها بطلقة أخرى؟ يعني مثلًا قال: أنت طالق، شَرَعَت في العدة، بعد يومين أو ثلاثة أو عشرة أيام قال: أنت طالق، نقول: هذا الطلاق بدعة، وليس طلاق سنة.
ما هو الدليل على أن هذا هو طلاق السُّنّة؟
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، فَسَّرَ النبي ﵊ العدة بأن يطلقها طاهرًا من غير جماع، في طهر لم يُصِبْهَا فيه (٨)، هذا طلاق العدة؛ أن يطلقها طاهرًا من غير جماع، يعني في طهر لم يصبها فيه.
سيأتي إن شاء الله كلمة (في طهر) تدل على أن المرأة هذه من ذوات الحيض، أما مَن ليست من ذوات الحيض فإنه يجوز أن يطلِّقها حتى في طهر جامعها فيه؛ لأنه ما هناك طهرُ حيضٍ؛ لأن التي لا تحيض من يوم يطلقها تبدأ بالعدة، حيث إن عدتها بالأشهر.
[ ١ / ٦٦٤٢ ]
(إذا طلَّقها مرةً في طُهْرٍ لم يُجامِعها فيه وتركَها حتى تنقضيَ عِدَّتُها فهو سُنَّة)، يُسْتَثْنَى من قولنا: (في طهر لم يجامعها فيه) إذا كانت حاملًا، فإنه إذا كانت حاملًا وجامعها وطلقها بعد الجماع فالطلاق طلاق سُنَّة، وليس طلاق بدعة، ولهذا لو أضاف المؤلف ﵀ إليه زيادة قيد خامس لكان أولى، فيقول: (في طهر لم يجامعها فيه، ولم يتبين حملها)؛ لأنه إذا تبين حملها جاز طلاقها، ولو كان قد جامعها في الحال؛ لأنه يكون مطلقًا للعدة، حيث إن عدة الحامل تكون بوضع الحمل.
فصارت القيود الآن خمسة: (مرة)، (في طُهْرٍ لم يُجامِعْ فيه)، ولم يتبين حملها، (وتركَها حتى تنقضيَ عِدَّتُها)، فهذا هو السنة.
إذا طلقها مرتين فأكثر فبدعة، أو في حيض أو نفاس فبدعة، أو في طهر جامعها فيه ولم يتبين حملها فبدعة، أو ألحقها بطلقة أخرى فبدعة.
عندنا كلمة سنة وبدعة قلنا: إن هذا من التعبير الغريب في باب الفقه؛ لأن عادة الفقهاء ما يقولون سنة وبدعة، يقولون: حرام أو حلال مثلًا، السنة والبدعة تُذْكَر في أي مكان؟ في العقائد، لكن هذه -﵏- صاروا يعبِّرون عنها بالسنة والبدعة، والظاهر أن هذا قديم، يعني من عهد السلف، يسمون الطلاق الموافق للمأمور يسمونه طلاق سنة، فعليه نقول: الطلاق المخالف للمأمور يكون طلاق بدعة.
قال المؤلف: (فَتَحْرُمُ الثلاثُ إِذن)، أو (وتحرُم) عندكم؟
طالب: (فتحرم).
طالب آخر: (وتحرم).
الشيخ: (وتحرم)؟
طلبة: ().
الشيخ: إي، زين، (فتحرم الثلاث إذن)، يعني: في طهر لم يجامِع فيه؛ لأنه محرَّم، أنا عَلَّلت بالحكم، وغلط.
[ ١ / ٦٦٤٣ ]
تحرم الثلاث إذن؛ لأن رجلًا طلَّق امرأته في عهد النبي ﷺ ثلاثًا، فقام الرسول ﷺ فقال: «أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللهِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ !»، حتى قام رجل فقال: يا رسول الله، ألا أقتله؟ ! (٩)، فدل هذا على أنه مُحَرَّم لهذا الحديث، ولأنه نوع من الاستهزاء بآيات الله، كيف ذلك؟
لأن الله تعالى جعل في الطلاق فسحة للإنسان، وإذا طلَّق ثلاثًا فكأنه تعجَّل ما جعل الله فيه الفسحة، فيكون مضادًّا لحكم الله، ولأن عمر بن الخطاب ﵁ ألزمهم بهذه الثلاث عقوبةً لهم (١٠)، والعقوبة ما تكون على فعل شيء مباح، ولقول ابن عمر حين سُئِلَ عمن طلق زوجته ثلاثًا، قال: لو اتقى الله لجعل له مخرجًا، فدل هذا على التحريم، وهذا هو القول الصحيح؛ أن إيقاع الثلاث مُحَرَّم جملة واحدة؛ لهذا الحديث، ولفعل عمر، ولأنه من اتخاذ آيات الله هزوًا، ولقول ابن عمر أيضًا.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن الطلاق الثلاث ليس محرَّمًا، وأنه جائز، وهذا مذهب الشافعي؛ أن الإنسان إذا طلق ثلاثًا فليس حرامًا، وقال: إن الدليل على عدم التحريم أن عمر أمضاه، ولو كان حرامًا لم يُمْضِه؛ لأن الحرام لا يجوز إمضاؤه؛ إذ إن إمضاء الحرام من باب المضادة لله؛ لأن الله إذا حرَّم شيئًا ماذا يريد من عباده؟ يريد من عباده اجتنابه، فإذا نفذناه هل اجتنبناه ولّا وقعنا فيه؟ إذا نفَّذْنَا المحرَّم وقعنا فيه في الواقع.
وأجاب عن الحديث بضعفه؛ حديث: «أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللهِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ !» (١١)، قال: إنه ضعيف.
ولكن لعل الشافعي ﵀ ما بلغه الحديث على وجه يصح.
والصواب: أن الحديث أقل أحواله أن يكون حسنًا، وقد صحَّحه جماعة من أهل العلم، ثم إن العلل التي قلنا واضحة فيه.
[ ١ / ٦٦٤٤ ]
وأما قوله: إنه لو كان حرامًا ما أمضاه عمر، فنقول: ما أمضاه رِضًا به، ولكن عقوبة لفاعله، ولهذا قال ﵁ حين إمضائه: إن الناس قد تَعَجَّلُوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم.
فإن قال قائل: إن الله قد أجاز الطلاق الثلاث في القرآن، فقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٠]، والطلقة الثالثة تَبِينُ بها، فما هو الجواب؟
الجواب: أن الطلاق الذي ذكره الله طلاق متعاقِب، ولو قلنا بأن الطلقة الثالثة ما تقع، ما صح، فـ ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ يطلق ويراجع، ويطلق ويراجع، ويطلق الثالثة، وحينئذٍ لا تحل له إلا بعد زوج، وهذه الصورةُ الثالثةُ فيها مباحة بالاتفاق، ما أحد قال من العلماء: إنها حرام، بل كلهم مُجْمِعُون على أنها مباحة، ليست حرامًا.
وقول المؤلف: (فتحرُم الثلاث إذن)، ترك المؤلف مرحلة بين مرحلتين، وهما الثنتان، بيَّنَّا واحدة من السنة، والثلاث حرام، فما حكم الثنتين؟
حكم الثنتين قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنها حرام، وقال الفقهاء: إنها مكروهة وليست حرامًا، والكل منهم يقول: إنها منهي عنها، إما نهي كراهة، وإما نهي تحريم، والأقرب أنها للتحريم، وأن الثانية محرَّمة؛ لأن فيها تعجلًا للبينونة، وقد جعل الله لك فرجًا ومخرجًا، أو لا؟ ما هو تتعجل البينونة، بدل ما أنك تطلق مرة ثم مرة ثم مرة، إذا طلقت مرتين، ويش بقي عليك؟ واحدة، وما دُمْنَا اتفقنا على أن هذا طلاق بدعة فلماذا لا تكون بدعة محرَّمة؟ !
فالصواب: ما ذهب إليه شيخ الإسلام أن الطلقتين حرام، ومع ذلك شيخ الإسلام يرى أنهما ما ينفذان، حرام ولا ينفذان، ما ينفذ إلا واحدة فقط، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
فقال: (فتحرم الثلاث إذن).
قال: (وإن طلَّق مَنْ دخلَ بها ..) إلى آخره.
[ ١ / ٦٦٤٥ ]
(وإن طلق) يعني: الزوج، (مَن دخل بها)، لو قال المؤلف: مَن لزمتها عدة، لكان أعم؛ لأن المرأة تلزمها العدة إذا دخل بها أو خَلَا بها، فإذا طلَّق مَن لها عدة بدخول أو خلوة في حيض أو طهر وطِئَ فيه –يعني: ولم يستبن حملها– فبدعة.
(إن طلق مَن دخل بها)، قلت: ينبغي أن يقال: مَن عليها عدة، حتى يشمل مَن دخل بها –يعني مَن جامعها – ومَن خَلَا بها، ومَن مسها بشهوة أو قبَّلها، على حسب ما سبق لنا في باب الصداق، فإذا طلق امرأة تلزمها عدة منه في حيض، يقول المؤلف: (فبدعة يقع).
وهذه المسألة من كبار مسائل العلم؛ لما يترتب عليها من إحلال الفروج وتحريمها، وإلحاق النسب، وغير ذلك، والعلماء مختلِفُون فيها، يعني إذا طلقها في حيض، المؤلف كما ترى يقول: إنه بدعة ويقع، وهذا هو الذي عليه المذاهب الأربعة: أحمد بن حنبل، والشافعي، ومالك، وأبو حنيفة، أن طلاق الحيض يقع، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أن طلاق الحيض لا يقع، واستدل بأدلة.
نبدأ أولًا بأدلة عامة أهل العلم الذين يقولون: إن طلاق الحيض يقع، استدلوا بأن ابن عمر ﵄ طلَّق زوجته وهي حائض، فبَلَغ ذلك النبي ﷺ، فتغيَّظ فيه، يعني: أصابه الغيظ منه، تغيَّط وقال لعمر: «مُرْهُ»، يعني: مُرْ عبد الله بن عمر، «فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لْيَتْرُكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ» (١٢).
ما وجه الدلالة من الحديث على وقوع الطلاق؟
قالوا: لأن الرسول ﷺ قال: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا»، ولو كان الطلاق لم يقع لقال: أَخْبِرْهُ أنه لم يقع، ولَمَا احتاج إلى أن يراجعها.
ويش السبب أنه ما يحتاج أن يراجعها؟ لأنه ما وقع الطلاق حتى نقول: راجِع، فإذا لم يقع الطلاق فلا رجعة.
[ ١ / ٦٦٤٦ ]
وأيضًا قالوا: إن قوله: «فَلْيُرَاجِعْهَا»، معنى المراجعة شرعًا: إعادة المطلَّقة إلى زوجها، فالرجعة كما سيأتينا إن شاء الله: إعادة مطلَّقَةٍ غيرِ بائنٍ إلى زوجها.
فقوله: «فَلْيُرَاجِعْهَا» إذن معناه أنه حصل الطلاق، وإذا حصل الطلاق فإنه يراجع.
واستدلوا أيضًا بأنه جاء في ألفاظ الحديث: «وَحُسِبَتْ مِنْ طَلَاقِهَا» (١٣)، وإذا حُسِبَتْ فهو دليل على الوقوع؛ إذ لا يُحْسَبُ شيء لم يقع.
هذا هو أهم أدلتهم، وقال شيخ الإسلام ﵀: إن الطلاق في الحيض لا يقع، واستدل لذلك بأن طلاق الحيض ليس عليه أمر الله ورسوله؛ لأن الله يقول: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، وقد بَيَّنَ النبي ﵊ أن عدتها أن يطلقها طاهرًا من غير جماع، فإذا طلقها وهي حائض هل طلقها لعدتها؟ لا، إذن فلا يكون عليه أمر الله ورسوله، وكل ما ليس عليه أمر الله ورسوله فإنه رَدٌّ وباطل؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (١٤)، ونحن إذا أمضيناه خالفنا ما قال الرسول ﵊.
ثانيًا: النبي ﵊ أمر ابن عمر أن يردها ثم ينظر، ثم يطلق إن شاء (١٢)، ولم يستفصل: أهذه هي الطلقة الثالثة أو الثانية أو الأولى، ولو كان الطلاق واقعًا لوجب أن يستفصل؛ لأنه إذا كان واقعًا وهي الطلقة الثالثة هل تمكن مراجعتها ولّا ما تمكن؟ ما تمكن مراجعتها، لكن قد ورد في بعض روايات مسلم (١٥) أنها الطلقة الأولى، فيزول هذا الاحتمال، لكن أكثر الروايات مطلَقة.
[ ١ / ٦٦٤٧ ]
أيضًا قول الرسول ﵊: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا»، إذا قلنا بوقوع الطلاق فهل مراجعتها ترتفع بها مفسدة الطلاق في الحيض ولّا لا؟ أسألكم الآن: إذا قلنا بأن الطلاق في الحيض يقع، وقلنا: إن قول الرسول: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا» يعني بعد وقوع الطلاق، هل ترتفع المفسدة بالمراجعة أو ما ترتفع؟ ما ترتفع؛ لأننا إذا أمضيناه فقد حصل الطلاق في الحيض، فلا يرتفع بِرَدِّها. ()
أو (في طهر جامعها فيه)، نزيد على هذا ما هو: ولم يَتَبَيَّنْ حملها، إذا طلقها في طهر جامعها فيه ولم يتبين حملها (فبدعةٌ)، أي: فهو طلاق بدعة، محرَّم ولّا غير محرَّم؟ محرَّم، فبدعة ومحرَّم.
والدليل على تحريمه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، (طَلِّقُوا) فعل أمر، و﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ يحتمل أن تكون اللام للتوقيت، ويحتمل أن تكون للتعليل، ولكنها للتوقيت أظهر؛ لأن العدة فرع عن الطلاق وليست سببًا له، فعليه نقول: اللام في قوله: ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ للتوقيت، كقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، مع أن ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ أوضح من هذه الآية في كونها للتعليل؛ لأن الوقت في الصلاة وقت وسبب، أما هذه فإنها وقت مجرَّد، ويؤيد ذلك القراءة الأخرى لكنها ليست سبعية: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ في قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، أي: في استقبالها، فدل هذا على أن اللام للتوقيت، يعني للظرفية.
طالب: صحت مرفوعة هذه؟
الشيخ: إي، لكنها ليست من القراءات السبعية، ما يُقْرَأ بها.
الطالب: وإذا صحت مرفوعة ما يُقْرَأ؟
الشيخ: لا، المشهور عند أكثر أهل العلم أنه ما يُقْرَأ بها ولو صحت مرفوعة؛ لأنهم يرون ما خرج عن السبع فهو شاذّ.
إذن نقول: اللام هنا للتوقيت، فهي للظرفية.
[ ١ / ٦٦٤٨ ]
وقوله: ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي: المتيقَّنَة، التي تعرف أنها في عدة حمل أو حيض، وأنها ابتدأت بها من الآن، وأن عدتها بالحمل أو بالأَقْرَاء.
إذا طَلَّقَهَا أثناء الحيض ما طلَّقَها للعدة، السبب: لأن الحيضة التي يقع فيها الطلاق ما تُحْسَب، فحينئذٍ يكون ما تبتدئ العدة بالطلاق في هذه الحال، فلا يكون مُطَلِّقًا للعدة.
إذا طلقها في طهر جامعها فيه ولم يتبين حملها، فإنها لا تدري هل تكون عدتها بالأقراء، أو تكون عدتها بالحمل، فتبقى متحيِّرة، فلا يكون مطلِّقًا لعدة متيَقَّنَة؛ لأنه إذا طلَّقها في طهر جامعها فيه فإن تَبَيَّنَ حملها، أو بالأصح فإن كانت حاملًا فعدتها بوضع الحمل، وإن كانت حائلًا فعدتها ثلاثة قروء.
لكن هل هي تعلم ولّا ما تعلم؟ ما تعلم إذا كان جامعها بعد الحيض؛ لأنه ربما أنها حملت بهذا الجماع، بخلاف ما إذا طلقها في طهر لم يجامعها فيه فإنها تتيقن أن عدتها بالأقراء ولّا بالحمل؟ تتيقن أن عدتها بالأقراء، فيكون مطلِّقًا للعدة.
إذن قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، معناه: أن يطلِّقها حاملًا أو طاهرًا في طهر لم يجامعها فيه؛ لأنه لا يمكن أن تكون العدة متيقَّنَة إلا في إحدى هاتين الصورتين: إما حامل، وإما في طهر لم يجامعها فيه.
إن كانت حاملًا فعدتها بوضع الحمل، وإن كانت في طهر لم يجامعها فيه فعدتها بالأقراء، هذا دليل من القرآن.
ووجه الدلالة أنه يحرُم في حال الحيض أو الطهر الذي جامعها فيه، وجه الدلالة من الآية؟ أن الله أمر؛ ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ﴾، والأمر للوجوب، لا سيما وأنه أعقبه بقوله: ﴿وَأَحْصَوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ [الطلاق: ١]، وقال: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾، كل هذا مما يؤكد أن الأمر للوجوب، هذا دليل من القرآن.
[ ١ / ٦٦٤٩ ]
الدليل من السنة: أن ابن عمر طلَّق زوجته وهي حائض، فبلغ ذلك النبي ﷺ فتغيظ فيه، يعني: لحقه الغيظ بسبب ما حصل من ابن عمر، فتغيظ فيه رسول الله ﵊، وقال لعمر: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيَتْرُكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» (١٢)، فهذا من السنة دليل على التحريم.
ووجه التحريم؟
طالب: أنه طلقها وهي حائض.
الشيخ: لا، وجه التحريم؟ أن الرسول تغيَّظ، وأمر عمر أن يأمر ابن عمر بمراجعتها.
إذن إذا أراد أحد أن يطلق، هل على طول نقول: تعال نكتب طلاقك؟ لا، يجب أن نسأله، نقول: هل امرأتك حامل؟ إن قال: نعم، نكتب، نقول: طلِّق، الآن طلِّق ونكتب طلاقك ولا حرج، إن قال: إنها غير حامل، سألناه: هل هي حائض أو طاهر؟ إن قال: حائض، نقول: لا تطلِّق، انتظر حتى تطهر، ولا تأتِها، ثم طلِّق، إن قال: طاهر، ماذا نقول؟ نسأله: هل جامعها أو لم يجامعها؟ إن قال: إنه جامعها، قلنا: لا تطلِّق، انتظر حتى يتبين حملها أو تحيض، وبعد الحيض طلِّق، وإن قال: إنه لم يجامعها، قلنا: لا بأس أن تطلِّق، وظاهر وواضح أن هذا يجب التفصيل فيه.
يعني لو قال قائل: إذا جاءك إنسان يقول: اشهد أني طلقت زوجتي، أو اكتب طلاق زوجتي، لماذا نستفصل؟ لماذا لا نكتب ونحمل الأمر على أنه على الوجه الصحيح الجائز؟ نقول: لأن الناس يجهلون الأحكام، فلهذا لا بد من التفصيل، مثل ما لو قال لك قائل: مات ميت عن بنت وأخ وعم شقيق، يجب أن تستفصل عن الأخ ولّا ما يجب؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: يجب، إذا قال لك: الأخ من الأم، فالباقي بعد فرض البنت للعم، إن قال لك: إنه أخ شقيق أو لأب، فالباقي بعد فرض البنت للأخ، فالشيء الذي فيه احتمال كبير يُسْتَفْصَل عنه، حتى لا يبقى الإنسان في حرج.
[ ١ / ٦٦٥٠ ]
طالب: إذا أَبَتْ أن تخبره الزوجة؟
الشيخ: تخبره بأيش؟
الطالب: تخبره بأنها حائض.
الشيخ: بأنها حائض أو طاهر؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ينتظر حتى يتبين.
الطالب: أبت تخبره؟
الشيخ: لا، يتبين.
وقول المؤلف: (فبدعةٌ يقع) يعني معناه: أن الطلاق يقع حتى في الحال التي يحرُم فيها، الدليل على هذا حديث ابن عمر، فإن الرسول ﷺ لما بلغه الخبر قال: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا»، والمراجعة ما تكون إلا فرعًا عن وقوع الطلاق؛ لأنه لا مراجعة مع غير الطلاق، فقول الرسول ﵊: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا» لا شك أنه دليل –يعني عند هؤلاء– دليل على وقوع الطلاق؛ إذ إن المراجعة فرع عنه، وحينئذٍ فيكون واقعًا.
دليل آخر من الحديث: أن الرسول ﷺ قال: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا»، ولو كانت الطلقة غير واقعة لقال: إنه لم يَقَع، أحسن من كونه يقول له: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا»؛ لأنه إذا لم يقع، سواء راجع ولّا ما راجع فالطلاق تام ولّا غير تام؟
طلبة: غير تام.
الشيخ: الطلاق غير تام، فكونه يلزمه ويقول له: روح راجِع، ما له داعٍ، يقول: أَخْبِرْه بأن طلاقه لم يقع، هذا وجه آخر.
الوجه الثالث: أنه ورد في بعض ألفاظ الحديث في صحيح البخاري: «أَنَّهَا حُسِبَتْ مِنْ طَلَاقِهَا» (١٣)، وهذا نص صريح في أنه وقع الطلاق.
وجه ذلك: لو لم يقع ما حُسِبَ من الطلاق، فحُسبانه من الطلاق دليل على الوقوع، واللفظة هذه في صحيح البخاري.
هذه ثلاثة أدلة من هذا الحديث تدل على وقوعه.
الوجه الرابع: عموم قوله تعالى: ﴿اَلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ولم يفصِّل الله ﷿ هل وقع في حيض، أو في طهر جامعها فيه، أو لا؟ فأثبت الله تعالى وقوع الطلاق، وأن العدد الذي يمكن أن يراجعها فيه كم؟ مرتان، ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ الثالثة ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠].
[ ١ / ٦٦٥١ ]
وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة: مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل، وعليه جمهور الأمة.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يقع، واستدلوا بحديث رواه أبو داود بسند صحيح؛ أن النبي ﷺ ردَّها على ابن عمر ولم يَرَها شيئًا (١٦)، فقالوا: ولم يَرَها شيئًا، يعني معناه: ما اعتُبِرَت شيئًا، هذا واحد.
وقالوا: الدليل على ذلك أيضًا قول الرسول ﵊: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (١٧)، والطلاق لغير العدة عمل ليس عليه أمر النبي ﷺ، فيكون مردودًا، وإلا لو أننا أمضينا ما لم يكن عليه أمر الله ورسوله لكنا مُضَادِّين لله ورسوله في الحكم، الله يقول: لا تفعلوا، ونحن نقول: نفعل ونُمضي! ! فيكون مضادة لحكم الله ورسوله.
وقالوا أيضًا لما أُورِد عليهم إيراد بأن الظِّهار مُنْكَر من القول وزور، هو حرام بلا شك، ومع ذلك يَمْضِي ولّا ما يمضي؟ يمضي، وتترتب عليه أحكامه، ويقال للمظاهِر: لا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به، وهو مُنْكَر وزور، فهذا الحيض مثله مُنْكَر وزُور، فتترتب عليه أحكامه، ونقول للرجل: حُسِبَت عليك وأُمْضِيَت عليك.
لكنهم يجيبون عن ذلك فيقولون: إن الظهار ليس إلا مُنْكَرًا، ما يقع إلا منكرًا، كالزنا تترتب عليه أحكامه مع أنه مُنْكَر، بخلاف الطلاق فإنه يكون مُنْكَرًا ويكون مباحًا، فإذا فُعِل على وجه الإباحة فقد فُعِل على ما عليه أمر الله ورسوله، وإذا فُعِلَ على غير وجه الإباحة فقد فُعل على غير أمر الله ورسوله فينطبق عليه الحديث، ويكون الذي له حالان؛ موافَقة للشرع ومخالَفة، نقول: إن فُعِل على الوجه الموافِق فهو نافذ، وإن فُعِل على الوجه المخالِف فهو غير نافذ.
أما ما لا يوافِق الشرع إطلاقًا فإنه يُرتَّب عليه ما رَتَّبه الشرع عليه بمجرد وجوده، فانفكوا عن هذا الإيراد.
[ ١ / ٦٦٥٢ ]
الوجه الثالث: قالوا: إن الرسول ﷺ قال لابن عمر أَمَرَه بردها، قال: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا»، وإذا كان هذا واقعًا، إذا قلنا بوقوعه في الحيض، فهل المراجعة ترفع مفسدته؟ ما ترتفع، بل تزيد المفسدة، كيف تزيد؟ لأنه إذا راجعها، ثم إن الرجل ما له رغبة فيها، فأراد أن يطلقها؛ صار عليه كم طلقة؟ صار عليه طلقتان، فلم ترتفع المفسدة إذا قلنا بوقوعه، لم ترتفع مفسدة الوقوع في المحرَّم، بل زادت عليه.
الوجه الرابع: أن أكثر الروايات الواردة في حديث ابن عمر ما فيها أنه لم يطلقها إلا واحدة، في بعض روايات مسلم (١٣) أن الطلاق كان واحدة، يعني أول مرة، لكن أكثر الروايات على أنه مُطْلَق؛ فإن كان مُطْلَقًا ولم يقيَّد بالواحدة فظاهرٌ أنه لم يقع؛ لأنه لو كان واقعًا لاحتاج الأمر بالمراجعة إلى تفصيل حتى يُعرَف هل هذه آخر واحدة أو هي ما قبلها؟ لأنها إذا كانت آخر واحدة وقد وقعت فيمكن المراجعة ولّا ما يمكن؟ ما يمكن المراجعة.
وأنا ما تمكنت من مراجعة هذه الرواية في مسلم، وإن شاء الله تحققونها، أن هذه طلقها أول مرة.
ولا سُنَّةَ ولا بِدعةَ لصغيرة وآيسة وغيرِ مدخولٍ بها ومَن بانَ حَمْلُها.
و(صريحُه) لفظُ الطلاقِ وما تَصَرَّفَ منه غيرُ أمْرٍ ومُضارِعٍ، ومُطَلِّقَةٌ اسمُ فاعلٍ فيَقَعُ به وإن لم يَنْوِه جادٌّ أو هازِلٌ، فإن نَوَى بطالِقٍ من وَثاقٍ أو في نِكاحٍ سابِقٍ منه أو من غيرِه أو من غيرِه أو أرادَ طاهرًا فغَلِطَ لم يُقْبَلْ حُكْمًا،
الشيخ: .. إن طلَّقها المرة الثالثة ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: ٢٣٠]، ﴿عَلَيْهِمَا﴾ على مَن؟ الزوج الأول والزوجة، ﴿أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ يعني: يرجع بعضهما إلى بعض.
[ ١ / ٦٦٥٣ ]
وهل هذه هي المراجعة من طلاق، أو ابتداءُ عقد؟ ابتداءُ عقد، ما هي مراجعة من طلاق، فدل هذا على أن المراجعة في الكتاب والسنة لا تعني المراجعة في الاصطلاح؛ وهي رد الرجعية إلى النكاح، بل هي أعم من ذلك.
والحاصل أن هذه المسألة فيها هذا الخلاف، وتحتاج إلى عناية تامة من طالب العلم؛ لأن سبيل الاحتياط فيها متعذِّر، ماذا تريد أن تقول إن قلت: أنا أريد الاحتياط؟ تسلك سبيل مَن؟ إن قلت: الاحتياط بتنفيذ الطلاق مُشْكِل، وقعت في حرج؛ لأنك سوف تُحِلُّها لرجل آخر لا تحل له، وإن قلت: الاحتياط ألَّا أمضيه مُشْكِل ثانٍ؛ لأنك ستحلُّها لزوجها، وهي حرام عليه.
هذه المسألة من المسائل التي لا يمكن فيها سلوك الاحتياط، التي يجب أن الإنسان بقدر ما يجتهد بقدر ما يستطيع أن يحقق فيها إما هذا القول وإما هذا القول، ما فيه خيار.
ونظيرها في العبادات اختلافُ العلماء متى يدخل وقت العصر؟ قال بعض العلماء: لا يدخل وقت العصر إلا إذا صار ظل كل شيء مثليه، وقال الجمهور: يدخل إذا صار ظل كل شيء مثله، ويحرُم أن تؤخَّر إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه، كيف تحتاط؟
إن صليت قبل أن يصير ظل كل شيء مثليه، قال لك أولئك: أنت الآن صلاتك ما تصح، حرام عليك ولا تصح، وإن صليت عقب ما يصير ظل كل شيء مثليه، قال لك الآخرون: تأخيرك الصلاة إلى هذا الوقت حرام، فأنت الآن مشكل، مَن تُرَجِّح؟
مثل ها المسائل هذه جانب الاحتياط فيها يكون متعذِّرًا، فلا يبقى أمام طالب العلم إلا أن يسلك طريقًا واحدًا، ويجتهد بقدر ما يستطيع في معرفة الصواب من القولين، ويستخير الله ويمشي عليه، ولا مانع من أن الإنسان إذا مشى على هذا برهة من الزمن بناء على أن هذا هو القول الصواب، ثم تبين له أن الصواب في خلافه هل هناك مانع أن يرجع؟ لا مانع أن يرجع، بل يجب أن يرجع، إذا تبين له الحق يجب أن يرجع.
ثم إذا أفتى بخلاف ما كان يقوله من قبل، فهل تُعْتَبَر الفتوى الأخيرة رجوعًا أو لا؟
[ ١ / ٦٦٥٤ ]
الجواب: لا، ما تعتبر رجوعًا، يكون له في المسألة قولان، إلا إذا صرَّح بالرجوع، أو صرح بحصر قوله في هذا الأخير مثلًا فإنه يعتبر رجوعًا.
عندنا الآن: إذا أفتى المجتهد بفتوى من قبل، ثم أفتى بخلافها أخيرًا، نقول: هذه لا تخلو من ثلاث حالات؛ إما أن يفتي بالأخير ويسكت عن الأول، أو يفتي بالأخير ويصرِّح بأنه رجع عن الأول، أو يفتي بالأخير ويأتي بما يدل على انحصار قوله فيه.
ففي الحال الأولى: يكون له في المسألة قولان، ولا نقول: إنه رجع؛ لأن المجتهد كما تعرفون يرى في وقت من الأوقات أن الصواب في هذا، ثم يأتيه مثلًا تَرِد عليه أدلة ما كانت بانت له من قبل، أو يأتي في المسألة مناقشة، ومع المناقشة تتمحص الأشياء وتتبين فيختلف اجتهاده، ولكن كما قال العلماء: الاجتهاد لا يُنقَض بالاجتهاد، ولهذا الإمام أحمد ﵀ تجدون عنه في الكثير من مسائل الفقه يكون له فيها روايتان، كثيرًا، راجعوا المقنع يتبين لكم، دائمًا: على روايتين، في روايتان، وكذا وكذا.
الثاني قلنا: إذا صرح بالرجوع فالأمر واضح، مثَّلنا لكم مرة بمثال للإمام أحمد في مسألة طلاق السكران؛ أنه كان بالأول يقول بطلاق السكران، يقول: ثم تبينته، فوجدت أني إذا أوقعته أتيت خصلتين، وإذا لم أوقعه أتيت خصلة واحدة.
أما الحال الثالثة التي يحصر قوله فيها، فيمكن أن نضرب لذلك مثلًا بحال أبي الحسن الأشعري، أبو الحسن الأشعري كان في أول أمره؟
طالب: أشعريًّا.
الشيخ: معتزليًّا، ما هو أشعري، هو اسمه الأشعري، كان معتزليًّا على مذهب المعتزلة تمامًا، ينصره ويدافع عنه، وبقي على هذا نحو أربعين سنة، لكن من شاء الله أن يهديه هداه، ثم اتصل بعبد الله بن سعيد بن كُلَّاب، وهو أحسن من المعتزلة بكثير، فأخذ منه وتأثر به، وترك مذهب المعتزلة.
[ ١ / ٦٦٥٥ ]
ثم إنه أخيرًا ذكر في كتابه الإبانة، وهو من آخر ما صنف أو آخر ما صنف، أن قوله ينحصر في مذهب الإمام أحمد بن حنبل؛ لأنه قال: فإن قال قائل: بماذا تقولون؟ قال: نقول بقول الإمام أحمد بن حنبل. وهذا معناه أنه رجع عما سبق، لكن ما قال: وأرجع، إلا أنه لما رجع عن مذهب المعتزلة صرح بالرجوع عنهم، وصار يذمهم ويسبهم وبين معائبهم ﵀.
الشاهد الآن قلنا بالحقيقة: هذه أتينا بها لأنها مفيدة لطالب العلم، وأنه يجب على طالب العلم إذا بَانَ له الحق أن يرجع إلى الحق، النبي ﵊ أحيانًا يفتي ثم يأتيه الوحي فيرجع عما أفتى به، وهو النبي ﷺ، لما جاءه رجل وسأله عن الشهادة هل تكفِّر؟ قال: «تُكَفِّرُ كُلَّ شَيْءٍ»، ثم انصرف الرجل، ثم دعاه فقال: «إِلَّا الدَّيْنَ، أَخْبَرَنِي بِذَلِكَ جِبْرِيلُ آنِفًا» (١).
كذلك أيضًا عمر بن الخطاب ﵁ رُوِيَ عنه في مسألة الحِمارية روايتان؛ رواية بالأول أنه منع الإخوة الأشقاء من الاشتراك مع الإخوة من الأم، والرواية الثانية شرَّكهم، وقال: ذاك على ما قضينا، وهذا على ما نقضي (٢)، وكذلك الأئمة -أئمة أهل الدين- كلهم يكون لهم في المسألة رأيان، حتى أبو حنيفة مرة قال لرجل: لا تأخذ بقولي، إني أقول القول اليوم وأقول غيره غدًا، ولكن عليك بالكتاب والسنة.
فالحاصل الآن أننا نقول: هذه المسألة -أعني مسألة الطلاق في الحيض- من أكبر مهمات هذا الباب، ويجب على الإنسان أن يحققها بقدر ما يستطيع، حتى يصل فيها إلى ما يتبين له؛ لأن المسألة ما فيها احتياط.
ثم المسألة خطيرة، افرض أن هذا الرجل طلق في الحيض امرأة هذه آخر تطليقة، هذه خطيرة، يعني إما نحلها له، ولَّا نحرمها عليه حتى تنكح زوجًا غيره.
[ ١ / ٦٦٥٦ ]
فعلى كل حال نحن فتحنا لك الأبواب وبإمكانكم ترجعون، من أحسن ما رأيت وكتب في الموضوع ابن القيم ﵀ في زاد المعاد، فإذا رجعتم إليه يتبين لكم إن شاء الله، أما شيخ الإسلام ﵀ فتعرفون أن الشيخ كلامه غالبًا يكون مجملًا، مع أنه في مسائل الطلاق لما ابتُلِيَ بها هو ﵀ صار يحققها ويُكْثِر من ذكر الأدلة، ولكن ابن القيم في الحقيقة مثل ما نقول: شيخ الإسلام يبني العظم وابن القيم يُلَيِّس ويزين ويصبّغ ويجيب أشياء يوضح فيها كلام شيخه.
وليس معنى ذلك أن ابن القيم هو هو شيخ الإسلام، ابن القيم أحيانًا يخالف شيخه، لكنه ﵀ تأثر به بلا شك وبآرائه، والغالب أنا حسب علمي مع قصوري الغالب أن شيخ الإسلام ﵀ دائمًا موفَّق للصواب، غالب ما يختار يكون هو الصواب.
فالمهم أن هذه المسألة في الحقيقة ما يكفيها هذه الجلسة؛ لأنها مسألة من كبائر المسائل، الشوكاني ﵀ كان يتردد فيها، مرة يقول كذا، ومرة يقول كذا، حتى أشار إلى هذا في نيل الأوطار، فالمسألة ما هي تقال في مجلس، يجب على طالب العلم منكم الذي يريد أن يكون نافعًا لنفسه ولأمته أن يحقق هذه المسألة تحقيقًا بَيِّنًا، ويقرأ كلام أهل العلم فيها.
لكن الشيء الذي أريده أنا من طالب العلم ألا يكون عنده اتجاه إلى قول معين من الأقوال، وأنه إذا راجع خلاف أهل العلم يكون ساذَجًا، ويقف بين أقوال أهل العلم موقف الحَكَم الذي لا يُفَضِّل أحدًا على أحد، ويقف بين الأدلة موقف الإنسان الذي ليس عنده علم؛ لأننا رأينا مشكلة فيمن اعتقد ثم استدل، ويش المشكلة؟ أنه بناءً على اعتقاده تجده يميل إلى ما يعتقد، ثم يتمحَّل في إثبات ما يريد أن يثبته، ويتعسف في رد ما يريد أن يرده.
[ ١ / ٦٦٥٧ ]
وهذه مشكلة، وقلَّ مَن يَسْلَم منها إلا من شاء الله، حتى إن شيخ الإسلام ﵀ ذكر عن البيهقي، والبيهقي إمام حافظ معروف في الحديث، قال: إن البيهقي معروف بأنه في الأدلة التي يَستدل بها يحابي نفسه، وفي أدلة خصومه ما يأتي بها، وإن أتى بها أتى على وجه ضعيف، ولكنه قال: هو أحسن من الطحاوي في شرح معاني الآثار.
فالحاصل أن هذه المسائل في الحقيقة كبيرة ومهمة جدًّا، وينبغي لكم لا تعتمدوا على ما قررنا الآن، راجعوها أنتم بأنفسكم؛ لأن من شاء الله منكم أن ينال رتبة في العلم ويبين لعباد الله الحق، يجب أن يكون على علم بهذه المسائل؛ لأنها خطيرة.
طالب: شيخ، لما يكون المحل في هذا النزاع ().
الشيخ: خمسين، فالعبرة بالحال، ومن باب أولى أن الآيِسَة التي ليس لها سنة ولا بدعة، من باب أولى مَن تيقنت عدم حصول الحيض، مثل أن يُجرى لها عملية في الرحم ويُقْطَع الرحم، هذه نعلم أنها لم تَحِض، وعلى هذا فلا سنة ولا بدعة في طلاقها، فيجوز لزوجها أن يطلقها ولو كان قد جامعها الآن؛ لأنها لا حيض لها حتى تعتد به.
المرأة التي تُرْضِع، امتنع حيضها لرضاع لها سنة وبدعة؟
طالب: نعم.
الشيخ: لماذا؟ لأنها غير آيِسَة، وكذلك مَن ارتفع حيضها لمرض فإنها غير آيِسَة، فلها سنة وبدعة.
طالب: بالنسبة للآيِسَة ما عندهم غير التعليل أن يكون بعد السن؟
الشيخ: إي، ما عندهم إلا هذا.
الطالب: () المطلقة أن الحائض لها ..؟
الشيخ: يقولون: ليس بحيض هذا.
الطالب: على أي أساس يا شيخ؟
الشيخ: هم يقولون: لا حيض بعد خمسين سنة، ما هو الدليل؟ قالوا: لأن هذا هو الغالب المعتاد، والنادر لا حكم له، فنرد عليهم بأن الله يقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فمتى وُجِد هذا الأذى فهو حيض، أما كون هذا نادرًا أو غير نادر ما يهم، فما دام وُجِدَ فإنه يعتبر حيضًا.
[ ١ / ٦٦٥٨ ]
(ولا سُنَّةَ ولا بِدعةَ لغيرِ مدخُولٍ بها)، لو زاد المؤلف: أو مَخْلُوّ بها، أو قال بدلًا من هذا: لغير مَن لا عِدة عليها، لكان أولى، أعم؛ يعني: لا سنة ولا بدعة لمن لا عدة عليها، وهي التي طُلِّقت قبل الدخول والخَلوة والْمَسّ، وما أشبه ذلك مما تقدم في الصداق؛ يعني معناه: إذا كانت المرأة لا تلزمها العدة في الطلاق فلا سنة ولا بدعة في طلاقها؛ لأن الله يقول: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ لأي شيء؟ ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، وهذه لا عدة لها، فإذا لم يكن لها عدة فطَلِّقها متى شئت، فلو أن رجلًا تزوج بامرأة عقد عليها، وبعد مضي شهر -ما دخل إلى الآن- طلقها وهي حائض، ما حكم الطلاق؟
طالب: صحيح.
الشيخ: حرام؟
طالب: لا.
الشيخ: ليس بحرام، بل هو جائز ولا شيء عليه، وواقع؛ لأن هذه المرأة لا عدة لها، والله ﷿ يقول: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، وهذه لا عِدة لها.
(ومَن بَانَ حملُها)، مَن بَانَ حملُها أيضًا فإن طلاقها ليس فيه سنة ولا بدعة؛ لأن الإنسان إذا طلَّقها فقد طلَّقها لعدتها، لماذا؟ لأن عدتها وضْع الحمل، حتى لو هي تحيض؟ حتى ولو كانت تحيض ولحيضها عبرة، خلافًا لمن قال: لا عبرة بحيضها، حتى لو كانت تحيض؛ لأن الصحيح أن الحامل ..
طالب: كيف يا شيخ؟
الشيخ: يمكن أن تحيض.
طالب: لا، يمكن.
طالب آخر: لا عبرة بالعدد.
الشيخ: إي، لا عبرة بالعدد لا بأس، صح.
طالب: لا تحيض يا شيخ.
الشيخ: تحيض بارك الله فيك.
الطالب: كيف؟ هو ممكن ينزل دم بس ليس بحيض يعني.
الشيخ: لا، هو حيض، الحامل تحيض؛ لأن بعض النساء يستمر الحيض معها على طبيعته، فيعتبر هذا حيضًا، كما تقدم لنا أنه اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ولكن إذا انقطع عنها الدم وصار فيها الحمل، ثم جاءها دم، فهذا الدم ليس بحيض؛ لأنه ليس الدم العادي الطبيعي.
[ ١ / ٦٦٥٩ ]
إذن إذا طلق الإنسان امرأته وهي حامل فلا نقول: طلاقه هذا سنة، ولا نقول: إنه بدعة، السبب؟ لأنه قد طلَّق للعدة؛ إذ إن عدتها من يوم يطلقها ابتدأت بها، من حين ما يطلقها تبتدئ بها، ومِن ثم قال بعض أهل العلم: إنَّ النفساء يجوز طلاقها؛ لأن النفساء من يوم تطلق تبدأ بالعدة ولّا لا؟
طالب: تبدأ.
الشيخ: ويش عدتها؟ ثلاث حِيَض، ولا فرق بين أن يطلقها والدم عليها في النفاس أو بعده؛ لأنها ستشرع في العدة من يوم أنه يطلقها؛ لأن النفاس لا يعتبر في العدة، أما الحيض فيعتبر ولّا ما يعتبر؟
طالب: لا يعتبر.
طالب آخر: يعتبر.
الشيخ: الحيض يعتبر؛ لأن المرأة المطلقة تعتد بكم؟
طلبة: ثلاث حيض.
طالب آخر: ثلاثة قروء.
الشيخ: ثلاث حيض ودم نفاس.
طالب: بحيضتين يا شيخ؟
الشيخ: بحيضتين ودم نفاس.
طلبة: لا.
الشيخ: لا يا أخي.
طالب: إذا قلنا: إنه يطلقها على طهر ().
الشيخ: لا أبدًا، دم النفاس ليس بشيء، لا يعتبر بالعدة أبدًا، لَمَّا لم يعتبر بالعدة صار المطلِّق فيه مطلِّقًا للعدة، بخلاف الذي يطلق في الحيض فإن هذه الحيضة -نصف الحيضة الباقي- من العدة ولّا لا؟ ليس من العدة في الواقع؛ لأنها إنما تعتد بثلاث حِيَض، والآن نقول: بثلاث حيض وكم؟ ونصف مثلًا، وهذا لا يستقيم.
فالمهم أن بعض أهل العلم يقول: إن طلاق النفساء جائز؛ لقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، ومطلِّق النفساء قد طلقها للعدة؛ لأنها تشرع في عدة متيقَّنة من حين الطلاق.
وأكثر أهل العلم يقولون: لا يجوز طلاق النفساء؛ لعموم قوله ﷺ: «مُرْهُ فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا» (٣)، «طَاهِرًا»، والنفساء ليست بطاهر.
وأجابوا عن ذلك -الذين يقولون بجواز طلاق النفساء- بأنه يخاطب ابن عمر، وابن عمر إنما طلقها وهي حائض، فمعنى طَلِّقْهَا طاهرًا، أي: من حيضها، في حال الحيض، وفي هذه الحال.
[ ١ / ٦٦٦٠ ]
إذن أربع من النساء لا يوصَف طلاقهن بسنة ولا ببدعة، لا في زمن ولا في عدد على المذهب، والصواب أنه في العدد بدعة، على المذهب يجوز أن يطلِّق الإنسان زوجته ثلاثًا وهي حامل، يجوز أن يطلِّقها ثلاثًا ولا حرج عليه، السبب؟
طالب: لأنه طلقها لعدتها.
الشيخ: لا، ثلاثًا؟ لأنهم ما عندهم بدعة في العدد في هؤلاء، فيجوز أن يطلق زوجته وهي حامل ثلاثًا ولا إثم عليه، وعندهم أيضًا أن الآيِسَة والصغيرة لو طلقهما ثلاثًا فهو جائز، وليس هذا ببدعة، وكذلك في غير المدخول بها.
ولكن هذا القول ضعيف؛ لأننا نقول: إنما انتفت السنة والبدعة باعتبار الزمن؛ لِمَا عرفتم من التعليلات والأدلة، لكن في العدد ويش اللي يبيح له أن يطلقها ثلاثًا؟ ! هل هناك مُسَوِّغ؟ ! إذ لا فرق بين الحامل والحائل في أن الإنسان إذا طلَّق ثلاثًا سد على نفسه باب المراجعة، وضيَّق على نفسه، فلا فرق؛ ولهذا الصواب بلا شك أن البدعة العددية في طلاق هؤلاء الأربعة ثابتة ولا يجوز.
طالب: لو طلقها وهي حامل ثم ()؟
الشيخ: إي نعم، تنتهي من العدة.
طالب: ما يصير يزيد على العدة إذا صار طلقها وهي نفساء، لأنها لا ().
الشيخ: حتى لو طلَّقها بعد النفاس نفس الشيء.
الطالب: ما هو اللي بعد النفاس؟
الشيخ: إي، تزيد عليها العدة، معلوم.
الطالب: كأنها زادت العدة.
الشيخ: ما يخالف، إذا كانت العدة متيقَّنة لو تصل عشر سنين ما يهم.
الطالب: والحيض ويش يخلي ..؟
الشيخ: الحيضة لأنها الآن إن اعتبرت بقية الحيضة من العدة صار فيها كسر، صار فيها مثلًا ثلاث حِيَض ونصف، وإن ما اعتبرتها زوَّدتها.
الطالب: هذا المقصد.
الشيخ: هذا المقصد.
الطالب: القُرْء الآن هو الطُّهْر ولّا الحيض؟
الشيخ: بيجيئنا إن شاء الله أن الصحيح أنها الحِيَض؛ لأن الرسول قال للمستحاضة: «دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ» (٤)، ومعلوم أنها ما تترك الصلاة في أيام الطهر؛ بل في أيام الحيض.
[ ١ / ٦٦٦١ ]
طالب: الراجح في النفساء السنة ولّا البدعة؟
الشيخ: والله أنا أرجِّح أنه لا بأس به؛ لأنه ما () في الآية: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١].
الطالب: ذكرنا سابقًا أنه ليس بسنة.
الشيخ: ويش؟
الطالب: طلاق النفساء إذا طلق.
الشيخ: ليس بسنة يعني ولا بدعة.
الطالب: لا، ما قلنا: ولا بدعة.
الشيخ: هذا معناها، إذا انتفت السنة انتفت البدعة في هذا؛ لأن الطلاق الذي فيه السنة هو الذي فيه البدعة، وما لا سنة فيه فلا بدعة فيه.
الطالب: يقع ولّا ما يقع يا شيخ؟
الشيخ: لا، الذي أرى أنه يقع طلاق النفساء.
طالب: مَن بَانَ حملها لماذا لا () طلاق السنة مع أنه موافق ()؟
الشيخ: السبب أنه لو طلقها ما فيه بدعة، فكل طلاق لا يتصور فيه البدعة فإنه لا يتصور فيه السنة.
الطالب: هل هو موافق؟
الشيخ: دعنا من كونه مشروعًا أو غير مشروع، هذا شيء آخر، حتى الطلاق قبل الدخول مشروع بنص القرآن: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦]، ما فيه شيء، ما هم قصدهم بالسنة أنه يجوز أو ما يجوز، قصدهم بوصف هذا الطلاق الذي يقع على هذه المرأة هل يوصف بالسنة والبدعة ولّا ما يوصف.
طالب: لكن سبق أن أخذنا أنه إذا طلق مثلًا أن ما عليه أمر الله ورسوله فهو سنة.
الشيخ: لا، هذه السنة الاصطلاحية، ما هي السنة الشرعية، بمعنى أنه لا يوصف بسنة ولا ببدعة وإن كان يوصف بأنه جائز أو مكروه أو حرام.
الطالب: لكن هو سنة.
الشيخ: ما هو سنة يا أخي.
الطالب: موافق لأمر الله وأمر رسوله.
[ ١ / ٦٦٦٢ ]
الشيخ: مرادهم بالسنة إذا كان الطلاق ينقسم إلى ممنوع وجائز على هذه المرأة المعينة وُصِف طلاقها بأنه طلاق سنة أو بدعة، فإذا كان جائزًا بكل حال، شوف: جائزًا بكل حال، هو ما يُوصَف بأنه طلاق سنة أو بدعة؛ لأن السنة إنما هي التي في مقابل البدعة، ما هو معنى السنة أنه مشروع أو غير مشروع، انتبه لهذا، مرادهم بأن طلاق هذه النساء الأربعة لا يوصف بأنه سنة ولا بدعة، لماذا؟ لأنه لا يوصف بالسنة إلا ما كان له مقابل ببدعة، وهذا ما يقع فيه من البدعة أبدًا، كل طلاقهم جائز.
الطالب: حتى ولو وافق؟
الشيخ: هو موافق، هو موافق للشرع، أنت فاهم أن السنة معناها السنة اللي وافقت الشرع.
الطالب: نعم.
الشيخ: لا، مرادهم بالسنة طلاق السنة وهو ما يقابل طلاق البدعة، فهؤلاء النساء لما لم يكن في طلاقهن بدعة ما صار أنه ينقسم طلاقها إلى سنة وبدعة، ولهذا لو قال مثلًا لزوجته الحامل: أنتِ طالق للبدعة، ما وقع الطلاق، وأنتِ طالق للسنة، ما وقع الطلاق، حتى يقول: أنتِ طالق، فقط؛ لأن هذه ليس لها سنة ولا بدعة.
فالمعنى أنه لا يُوصَف طلاقها بسنة ولا بدعة، أما إذا أريد بالسنة إذا قال: أنتِ طالق للسنة، بمعنى طلاقًا موافقًا للشرع، فإذا قال: أنتِ طالق للسنة طلاقًا موافقًا للشرع، فإنه يقع الطلاق.
طالب: شيخ بالنسبة إذا قلنا: النفساء أنه يقع.
طالب آخر: قوة اختلافهم في طلاق الحائض ينطبق على إذا طلقها في طهر جامع فيه؟
الشيخ: لا، ما هو مثل هذا، ليس كذلك، ولهذا بعض العلماء يقول: إن الطلاق في الطهر الذي جامعها فيه أنه ليس حرامًا، والصواب أنه حرام ولا يقع.
[ ١ / ٦٦٦٣ ]
الآن عندنا في الشرح يقول: (إذا قال لإحداهن: أنتِ طالق للسنة طلقة، وللبدعة طلقة، وقعتَا في الحال، إلا أن يريد في غير الآيِسَة إذا صارت من أهل ذلك، وإن قاله لمن لها سنة وبدعة فواحدة في الحال، والأخرى في ضد حالها إذن)، شوف: أنتِ طالق للسنة طلقة، وللبدعة طلقة، نقول: تَطلُق؟ تطلق في الحال طلقتين، ما هي طلقة واحدة، ويش السبب؟
طالب: لأنه قال: بدعة في الحال.
الشيخ: أنه ليس لها سنة ولا بدعة، فكأنه قال: أنتِ طالق، أنتِ طالق.
طالب: في كل الحالات؟
الشيخ: فهمت الآن؟ لماذا؟ لأنه ليس له سنة وبدعة، فإذا قال: أنتِ طالق للسنة وأنتِ طالق للبدعة، نقول: تطلق طلقتين في الحال.
طالب: إلا إذا أراد التوكيد.
الشيخ: حتى ولو أراد التأكيد، لأنه في هذه الحال لا يصح التوكيد، التوكيد إنما يكون في جملتين متطابقتين، أما هنا الجملتان مختلفتان: طالق للسنة، والثانية طالق للبدعة، فلا يصح التوكيد، خلافًا لمن قال: إلا إذا أراد التوكيد.
إذن إذا قال لمن لها سنة وبدعة: أنتِ طالق للسنة، وهي الآن عليها حَيْض، تَطلُق ولّا لا؟
طلبة: ما تطلق.
الشيخ: والسبب؟ لأن الطلاق الآن بدعة، تنتظر حتى تطهر، وحينئذ يقع عليها الطلاق. ()
إذن أنتِ طالق للسنة وأنتِ طالق للبدعة، تقع واحدة في الحال على كل حال؛ لأنها إما على سنة وإما على بدعة، والثانية تقع إذا كانت على ضد هذه الحال، فإن كانت الآن على السنة ويش اللي يتأجل؟ طلاق البدعة، وإن كانت على البدعة فطلاق السنة.
طالب: ()؟
الشيخ: لأنه ما بعد جاء وقت طلاق البدعة إلى الآن، إذا كانت الآن طاهرًا وقال: أنتِ طالق للسنة وطالق للبدعة ..
طالب: طلقت. ()
الشيخ: أقول: هؤلاء ليس لهن سنة ولا بدعة، فتبين أنه إذا قال: أنتِ طالق للسنة، فإنها تقع في الحال إن كانت طاهرًا لم يجامعها فيه، وإن كانت حائضًا أو في طُهْر جامَعَها فيه انتظرت إلى أن تكون على وصف السنة.
[ ١ / ٦٦٦٤ ]
هذا في غير هؤلاء الأربع، أما في هؤلاء الأربع فهو من يوم يقول: أنتِ طالق، فإنها تطلق؛ لأنها ليس لها سنة ولا بدعة، حتى لو قال: أنتِ طالق للسنة، وأنتِ طالق للبدعة، كم تطلق؟ تطلق مرتين في الحال، ليش؟ لأننا بنشطب على (للسنة)، ونشطب على (للبدعة) حيث لا سنة لهن ولا بدعة.
فالخلاصة –أهم شيء من هذا– مسألة: أنتِ طالق لكذا، وأنتِ طالق لكذا، هذه مسائل تعليق الطلاق، ويأتينا إن شاء الله، أهم شيء أنه على المذهب يجوز أن يطلق هؤلاء النساء بدون انتظار، أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: في التي لم يدخل بها يطلقها ولو كانت حائضًا ما يهم، تطلق.
ثانيًا: في الصغيرة والآيِسَة يطلقها في الحال ولو كان قد أصابها، أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: الدليل قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، وعدة الآيِسَة والصغيرة ثلاثة أشهر تبدأ من الطلاق، فيكون قد طلقهما للعدة.
الحامل ويش الدليل على وقوع الطلاق فيها، وأنه ليس لها لا سنة ولا بدعة؟ ﴿وَأُولاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، فإذن هو من يوم يطلقها تبتدئ في العدة.
طالب: بالنسبة للنفساء لو قلنا: إنه يقع مفهوم من مطلق الجواز أنه ما لها دليل خاص؟
الشيخ: لا، ما لها دليل خاص، لكن الأصل الحِلّ.
طالب: الدليل؟
الشيخ: الدليل قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]؛ لأن هذه ما لها عدة، فيكون طلاقها جائزًا بكل حال بدون انتظار.
طالب: ما نقول: إنه مثل الحيض؛ لأنه دم يخرج؟
طالب آخر: النفساء المطلقة قلنا: ما هي البدعة في العدد، التعليل؟
الشيخ: ما لهم تعليل أبدًا، يمكن تعليل في غير المدخول بها بأنهم يقولون إذا قال: أنتِ طالق، أنتِ طالق، أنتِ طالق، وقع الطلاق في الأول ولم يلحقه الثاني؛ لأن هذا ليست فيه علة، هذا وجيه إذا كان متعاقبًا، لكن إذا قال: أنتِ طالق، ثلاثًا، وقع الثلاث في غير المدخول بها.
طالب: ()؟
[ ١ / ٦٦٦٥ ]
الشيخ: أيهم؟
الطالب: هذا القول لا بدعة ()؟
الشيخ: لا، هذا المذهب، الجمهور تقدم أن مذهب الشافعي جواز العدد، جواز الطلاق بدون أي شيء.
طالب: ما نقيس النفساء على الحائض؟
الشيخ: لا، ما نقيس.
الطالب: يخرج من كل منهما دم.
الشيخ: ما هو العلة ها الدم، العلة أنه يطلق للعدة، فإن طلق للعدة جاز الطلاق وإلا فلا، وطلاق النفساء تبتدئ العدة من المطلَّقة.
طالب: ()؟
الشيخ: في اللي طلقها طاهرًا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: قالوا: إنه يخاطب في امرأة تحيض.
الطالب: والعبرة ().
الشيخ: لا، ما هو العبرة .. «فَلْيُطَلِّقْهَا» هذه المرأة طاهرًا أو حاملًا، هو الآن يوجَّه الخطاب إلى مَن؟ إلى ابن عمر الذي طلق امرأته وهي حائض، فالعبرة بعموم اللفظ إذا وُجِد، نعم نقول: هذا ما يخص ابن عمر، يعم كل إنسان طلَّق امرأته في حال الحيض، لكن العلة التي أمر الرسول قال: «فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» (٥)، ويش الله أَمَرَ؟
طالب: أن تطلَّق للعدة.
الشيخ: النفساء إذا طلقها ابتدأت في العدة من الآن؛ لأن هذا النفاس ما يحتسب، فدل هذا على أن المراد بحديث ابن عمر مَن كان في مثل حال ابن عمر، وهذا هو السبب في أننا نقول: العبرة بعموم اللفظ، بمعنى أنه لا يختص بابن عمر نفسه لكنه يعم من كان مثله، مثل ما مَرَّ علينا في قول الرسول ﵊: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» (٦)، هذا عام، لكنه إنما يعم مَن كان في مثل حال ذلك الرجل الذي كان متكلِّفًا، أما غيره فقد يكون من البِرّ الصيام في سفره.
فلهذا ينبغي أن يعرف طالب العلم ويش معنى العموم، ويش معنى الخصوص، العموم من حيث المعنى دون الشخص، وليس المراد عموم الأحوال في كل حال، فهنا نقول: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فلا نقصر الحكم على ابن عمر، لكن نقول: هو عام في كل مَن شابه حال ابن عمر، أما من خالفها فلا.
[ ١ / ٦٦٦٦ ]
فنأتي على كلمة (طاهر)، فإذا قال قائل: النفساء ليست بطاهر، والرسول ﵊ يقول: «مُرْهُ فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا» (٣)، ثم بَيَّنَ الرسول ﷺ ذلك بقوله: «فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» (٧)، فما هي العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء؟ هو قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، والنفساء مطلَّقة لعدتها؛ إذ إنها تشرع في العدة من حال الطلاق، مثل ما لو طلقها بعد أن طهرت من النفاس فإنها تبدأ بالعدة من حال الطلاق. ()
طالب: تقول: إن جامعها بعد انقضاء النفاس، قبل أن تحيض يعني.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: كيف تكون ..
الشيخ: إن جامعها تبقى، ما يجوز يطلقها إلا إن جاءها الحيض، لو بقيت سنتين ما فيه بأس.
طالب: ()؟
الشيخ: لا، الشيخ ما قال .. يقول: إذا امتنع حيضها وعلمت أنه لن يرجع فهي آيسة.
الطالب: ()؟
الشيخ: خلاص، إذا علمت نفسها أنها ما ترجو وجوده فعدتها تكون بالأشهر، لكن العلماء يقولون: إنها إذا لم تعلم ما رفعت تنتظر سنة كاملة؛ تسعة أشهر للحمل وثلاثة للعدة، حتى المذهب، أما عند الشيخ فيقول: إذا عَلِمَت ما رَفَعَه انتظرت حتى يزول ذلك الرافع، ثم إن عاد الحيض ()، وإن لم يعد انتظرت سنة احتياطًا، مع أن هذا البحث يا إخوان ما هو ببحث الـ، بحث العِدد هذا ما هو بحث الطلاق، إحنا الآن نبحث في الطلاق وعسانا نفهمه.
[ ١ / ٦٦٦٧ ]
فالمهم الآن الخلاصة: هؤلاء الأربعة يُطَلِّق الإنسان منهن من شاء متى شاء، ليس في طلاقهن سنة ولا بدعة، بمعنى أن طلاقهن لا يوصف بأنه طلاق سنة ولا طلاق بدعة، لماذا؟ لأن طلاق السنة لا يكون إلا حيث يكون طلاق البدعة، وهؤلاء لا بدعة في طلاقهن، وذلك لأن مَن لم يدخل بها ليس عليها عدة، فيطلقها متى شاء، والصغيرة والآيِسَة من يوم يطلقها تَشْرَع في العدة فقد طلَّقَها لعدتها، ومَن بَانَ حملها كذلك تشرع في العدة من حين ما يطلقها، فقد طلقها لعدتها، وأصل كل ذلك قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١].
***
ثم قال المؤلف ﵀: (وَصَرِيحُهُ) يعني: صريح الطلاق، (لفظُ الطلاق وما تصرَّف منه).
لفظ الطلاق مثل أن يقول: أنتِ طالق، أو: أنتِ الطلاق، إذا قال: أنت الطلاق، طَلَقت، كيف أنت الطلاق؟ نعم؛ لأن الطلاق اسم مصدر، طلَّق يُطلِّق، والمصدر؟
طالب: طلاقًا.
الشيخ: لا، تطليقًا، واسم المصدر: طلاق، فإذا قال: أنت الطلاق، فقد جعلها نفس الطلاق مبالغةً.
أو على أن نجعل الطلاق -اسم المصدر- بمعنى اسم الفاعل، يعني أنتِ طالق، أو على أن نجعلها على تقدير مضاف، أي: أنت ذاتُ الطلاق، وهذا مر علينا، وهو أنه إذا وُصِف الفاعل بالمصدر فله ثلاثة توجيهات: إما أن يكون وُصِفَ به مبالغة، أو أن المصدر بمعنى اسم الفاعل، أو أنه على تقدير مضاف، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وتقدم لنا هذا في التفسير.
كذلك (ما تصرَّف منه) مثل: أنتِ طالق، أنتِ طالق، أو: طَلَّقْتُكِ، أو أنت مُطلَّقة، واستثنى المؤلف مما تصرف منه، قال: (غيرَ أمرٍ ومضارعٍ ومُطَلِّقَةٍ اسمَ فاعل).
(غير أمر)، مثل أيش؟
طالب: اطْلُقِي.
الشيخ: لا، اطلُقِي، تَطلُق.
(غير أمر) مضافٍ لها، مثل؟ طَلِّقي، هذا ما يقع الطلاق معلوم.
(أو مضارع) أيضًا مضاف لها، مثل: تُطَلِّقين، أو (مُطَلِّقةٍ اسمَ فاعل)، لماذا؟
[ ١ / ٦٦٦٨ ]
لأن الطلاق المتصرِّف هنا في هذه الصيغ مضاف إلى مَن؟ إليها هي، وهي غير مُطلِّقة، فإذا جاء الأمر: طَلِّقِي، يا فلانة طَلِّقي، ما نقول: يقع الطلاق، أو لا؟ لأن الطلاق منها أو عليها؟
طلبة: عليها.
طالب آخر: منها.
طالب آخر: هي دي حال منها.
الشيخ: حال للصيغة، لكن أصل الطلاق عليها لا منها، و(طلِّقي) هذه منها.
كذلك (تُطَلِّقين) هذا أيضًا منها لا عليها.
(مُطَلِّقة اسم فاعل) منها، أما لو قال: (مُطَلَّقة) فعليها، ويقع الطلاق؛ اسم مفعول.
طالب: ولا تثبت ()؟
الشيخ: لا، ما يستتر فيها. ()
***
بسم الله الرحمن الرحيم.
تنبيه: وقع في جواب على سؤال أنه إذا قال للحامل: أنتِ طالق للسنة، فإنها لا تطلق؛ لأنه لا سُنَّة في طلاقها ولا بدعة، ولكن الذي في الشرح – شرح الروض– أنها تطلق في الحال، ويلغون وصف السنة لأنه ليس لها سنة ولا بدعة، وقد شرحنا هذا في أثناء الدرس بأنه إذا قال: أنتِ طالق للسنة وللبدعة، فإنه يقع في الحال طلقتين، انتبهوا لهذا. ()
(به) أي: بالصريح، (فيقعُ به) يعني: فيقع الطلاق بالصريح، إذا قال الإنسان لفظ الطلاق الصريح وقع، ولكن تقدم لنا أنه لا يصح إلا من زوج أو وكيله، ولا بد أن يكون من مكلَّف أو مميِّز يعقله.
[ ١ / ٦٦٦٩ ]
فإذا وقع الطلاق من أهله فإنه (يقع به)، أي: بالصريح، (وإن لم يَنْوِه)، يعني: وإن لم يَنْوِ الطلاق، مثل إنسان قال لزوجته: أنتِ طالق، وما نوى شيئًا، بس قال: أنتِ طالق، ولا نوى الطلاق، وهو يعرف معنى أنتِ طالق، أن معنى أنتِ طالق، يعني: أنني فارقتك، فإنه يقع الطلاق به، وإن لم يَنْوِه؛ وذلك لأنه فراق معلَّق على لفظ فحصل به، وليس عملًا يتقرب به الإنسان إلى ربه حتى نقول: إنما الأعمال بالنيات، هذا لفظ فراق يحصل به، أي: بهذا اللفظ، فمتى وُجِد تَمَّ الفراق، مثل البيع والشراء والإجارة والهبة إذا حصل من الإنسان لو ما نوى، ما دام وُجِدَ لفظ يحصل به الفراق فإنه يقع به، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد؛ أنه يقع الطلاق بالصريح وإن لم يَنْوِه.
واعلم أنه إذا طلق فتارة ينوي الطلاق، وتارة ينوي غيره، وتارة لا ينوي شيئًا، كم دُولِي؟ ثلاثة، إن نوى الطلاق وقع ولا إشكال فيه، وإن نوى غيره فسيأتي، وإن لم يَنْوِ الطلاق ولا غيره يقع، نأخذه من كلامه هنا: (فيقع به وإن لم ينوه).
وقال بعض أهل العلم: إنه إذا لم يَنْوِه فإنه لا يقع؛ لأن الله ﷾ يقول: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]، مع أن اليمين له حكم معلَّق عليه ولّا لا؟ له حكم معلَّق عليه، فإذا حلف الإنسان تعلَّق الحكم بيمينه بلفظه، ومع ذلك لم يجعله الله ﷾ معتبَرًا إلا إذا نَوَاه، ﴿بِمَا عَقَّدْتُّمُ الأَيْمَانَ﴾، فإذا كان اليمين لا ينعقد إلا بالنية فالطلاق أيضًا لا ينعقد إلا بالنية، فمن لم يَنْوِه لم يقع.
ولكن لاحظوا أنه سبق لنا أن مَن لم يَنْوِه لإغلاق فإنه لا يقع؛ هذا معروف، لكن كلامنا اللي ما عنده إغلاق ولا شيء.
[ ١ / ٦٦٧٠ ]
وهذا القول كما ترون تعليله قوي جدًّا، وكيف يؤاخَذ الإنسان بلفظ جرى على لسانه بدون قصد؟ ! لكن الذين يقولون بالمؤاخذة به يقولون: إن اليمين حق بينه وبين الله، وقد عفا الله عنه، والطلاق حق بينه وبين غيره، الزوجة تقول: حصل اللفظ، ما عليَّ من نيته، نوى ولّا ما نوى، ما دام حصل اللفظ فهي تطالب بالفراق، هذه واحدة.
الثاني، قال: (جَادٌّ أو هازِل)، يعني معناه: أنه يقع من الجادّ ومن الهازِل، الفرق بينهما أن الجادّ قصَد اللفظ والحكم، والهازِل قصد اللفظ دون الحكم، هذا الفرق بينهما، فالجادّ قاصد اللفظ والحكم، طلَّق زوجته قاصدًا اللفظ وقاصدًا الحكم وهو الفراق، وأما الهازِل فهو قاصدٌ للفظ غيرُ قاصد للحكم، يقول مثلًا: أنا أمزح على زوجتي، أو أمزح مع صديقي مثلًا، فقلت: إن زوجتي طالق، أو ما أشبه ذلك، أمزح، ما قصدت أنها تطلُق، صحيح أنا قصدت اللفظ، لكن ما قصدت أنها تطلُق، أمزح.
نقول: الحكم يترتب عليه، لماذا؟ لأن الصيغة وُجِدَت منك، والحكم إلى الله، الصيغة وُجِدَت منك الآن، وهي: أنتِ طالق، أو زوجتي مطلَّقة، أو ما أشبه ذلك، والحكم إلى مَن؟ إلى الله، ما هو أنت اللي تتحكم فيه، ما دام وُجِد لفظ الطلاق بنية معتَبَرة من إنسان عاقل يعقل ويميز ويدري ما هو، فكونه يقول: أنا ما قصدت أن يقع، هذا ليس إليه، هذا إلى الله. هذا من جهة التعليل من جهة النظر.
أما من جهة الأثر فعندنا حديث أبي هريرة: «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالرَّجْعَةُ» (٨)، وهذا دليله من الأثر، أما من النظر فقد علمتم ذلك.
وقال بعض أهل العلم: إنه لا يقع الطلاق من الهازِل، وكيف يقع الطلاق من الهازِل وهو لم يُرِدْه، ما أراد إلا اللفظ فقط؟ !
وشنَّع بعض العلماء على من قال بوقوع طلاق الهازِل، فقال: أنتم تقولون: إنه هَزْلٌ ليس بجد، يضحك ويمزح، كيف تقولون: يقع، وتعاملونه معاملة الجد؟ !
[ ١ / ٦٦٧١ ]
ولكن الرد على هؤلاء أن نقول: إننا ما قلنا إلا ما دَلَّ عليه الدليل، والحديث هذا صححه بعضهم وحَسَّنَه بعضهم، ولا شك أنه حجة، فنحن نأخذ به.
ثم إن النظر يقتضيه؛ لأننا لو أخذنا هذا الأمر وفتحنا الباب لكان كل واحد يدَّعِي هذا، ولا يبقى طلاق على الأرض، فالصواب أنه يقع سواء كان جادًّا أو هازِلًا.
ثم إن قولنا بالوقوع فيه فائدة تربوية، وهي كبح جماح اللاعبين، إذا عَلِمَ الإنسان اللي بيلعب بالطلاق وشِبهه أنه يؤاخَذ به يُقْدِم عليه ولّا لا؟ ما يُقْدِم أبدًا، إذا راح هذا شرقًا راح هذا غربًا، لكن علم أنه يقول: بس أنا والله أمزح، وهم يقولون: خذ امرأتك؛ يطلِّق ألف مرة ويقال: خذ امرأتك، لا شك أنه يفتح بابًا للناس، وتُتَّخَذ آيات الله هزوًا.
طالب: لماذا نقول: إن غير القاصد يتلفظ به غير قاصد له؟
الشيخ: اللي غير قاصد لفظه؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: أو لحكمه.
الطالب: وبين هذا وهذا يا شيخ؟ اللي غير قاصد اللفظ؟
الشيخ: اللي قاصد اللفظ ما قصد اللفظ.
الطالب: قصد اللفظ دون الحكم.
الشيخ: هذا قصد اللفظ ونوى، قال: أنتِ طالق، قال: أنا أردت هذا.
الطالب: ما يعرف الحكم.
الشيخ: لا، يعني ما يدري ويش معنى أنتِ طالق؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: هذا سبق لنا أنه ما يقع الطلاق.
الطالب: لا، لو ().
الشيخ: قلنا: الفرق بين الهازِل والجادّ، الجادّ أراد اللفظ والحكم، والهازِل أراد اللفظ دون الحكم، هو يعرف الحكم، لكن يقول: أنا ما أردته، أنا أمزح.
الطالب: وقلت قبل هذا: إن من ذكر تلفظ به غير قاصد اللفظ.
الشيخ: هذاك النية، يقول: ما نويت الطلاق، هذا يقول: أنا ناوٍ الطلاق وعارفه لكن هازل أمزح.
الطالب: ما الفرق بينهما؟
الشيخ: الفرق بينهما هو هذا، هذاك قال: أنتِ طالق، ولا نوى الفراق إطلاقًا لا جادًّا ولا هازلًا، وهذا قال: أنتِ طالق، ونوى الطلاق، لكنه يمزح، هذا الفرق بينهما.
طالب: كيف يمزح؟
[ ١ / ٦٦٧٢ ]
الشيخ: يضحك عليها؛ يضحك مع زوجته ولّا مع صديق له ولّا ما أشبه ذلك.
طالب: وكيف هذه تتصور يا شيخ؟
الشيخ: الأولى تتصور ما عنده هزل، يقول: صحيح أنا قلت: أنتِ طالق، لكن ما قصدت الطلاق إطلاقًا، يعني نفس الفراق ما قصَده، ما قصَد إلا مجرد: أل وطاء ولام وقاف بس.
طالب: وهو يفهم معناها يا شيخ؟
الشيخ: إي، يفهم المعنى، لكن ما نواه.
الطالب: كيف ما ينويه؟
الشيخ: نعم يفهم معناه ولا نواه، يقول: أنا ما على بالي إنه طلاق إنه للفراق، ولا على بالي إنه الطلاق من وثاق ولا شيء، ما قصد شيئًا آخر.
الطالب: الوثاق.
الشيخ: ما قصد.
طالب: هذا الهزل يا شيخ في الطلاق.
الشيخ: ما هو هزل، الهزل أنه يعرف الطلاق ويريد معنى الطلاق، لكن ما يريد حكمه، ما يريد أن يقع، قال: صحيح أنه قال لزوجته: أنتِ طالق، ويعرف أيش معنى الطلاق، وقصد اللفظ، لكن يقول: ما قصدت أني أفارقها أو تفارقني، ولكن أنا أمزح عليها، من باب المزح، هذا الفرق، وهو صحيح الفرق دقيق جدًّا، لا شك أن الفرق دقيق، لكن الفرق بينهما هو: أن مَن لم يَنْوِ الطلاق ما نوى الطلاق إطلاقًا لا جادًّا ولا مازحًا، أما هذا نوى الطلاق لكنه يمزح عليها.
الطالب: العلة ().
الشيخ: أيهم؟
الطالب: اللي لم يمزح.
الشيخ: إي.
الطالب: لأنه إذا فتحت الباب قد يقول: أنا مازح.
الشيخ: قلنا: المذهب إنه وإن لم يَنْوِه، لكن فيه قول ثانٍ أنه لا يقع به؛ لأن الله تعالى .. وذكرنا الدليل.
طالب: بالنسبة إذا كان يجهل الحكم؟
الشيخ: ما علينا مِن جَهْل الحكم.
الطالب: وإن طَلَّق ما يدريه أنها تطلق؟
[ ١ / ٦٦٧٣ ]
الشيخ: ما علينا؛ لأن كون الإنسان يجهل ما يترتب على فعله ما هو معناه ما يؤاخذ به، والدليل على ذلك أن الرسول أخبر بأن الرجل يتكلم بالكلمة من غضب الله أو من رضوان الله (٩)، وهو ما يدري ويش تبلغ، ومع ذلك تبلغ به ما بلغت، فأنت ما يلزم، أو أحد مثلًا زنى، وقال: والله إنه داري أن الزنا حرام، لكن ما درى أنه يُجْلَد مئة جلدة، لو درى أنه يُجْلَد مئة جلدة ما زنى، هل نرفع عنه الحكم؟
طلبة: لا.
الشيخ: فجهل الإنسان بتَرَتُّب أحكام فعله عليه هذا لا يُعْذَر به، ما دام عرف أن هذا الشيء محرَّم، أو هذا الشيء واجب، كونه ما يدري ويش يترتب ما هو بلازم.
مثلًا إنسان أحرَم بالعمرة ويدري أن العمرة واجبة مثلًا، قال: والله أنا بأهوّن، ما طال عليّ ..، ليش هو ما يمكن؟ قال: أنا ما دريت أن الواحد إذا أحرم لازم يتمم، ويش نقول له؟ نُلزمه بالإتمام، فجهل الإنسان بما يترتب على فعله وهو يدري أن الفعل هذا مثلًا واجب أو حرام لا يرفع الحكم.
طالب: كنت مع أحد الإخوان قلت له: هل تزوجت؟ قال: لا، طلقت، وهو ما طلق، ما الحكم؟
الشيخ: بيجينا هذا.
طالب: () مثلًا أنتِ طالق.
الشيخ: اتركها بس يا رجّال، خلونا نعرف الآن اللي بالكتاب، وفروع الطلاق يعني حاطين العلماء يمكن ستين صفحة في الطلاق وفروعه، وأنتِ وأنتِ، وإن كان قلتِ مثل اللي أقول: أنتِ طالق، وما أشبه ذلك، () هذا ما علينا منه، كصيغ ما علينا منها، إحنا ودنا الآن ما بعد وصلنا للتفريعات، ودنا نعرف الأصول اللي نضبط له ما يقع وما لا يقع؛ لأننا ابتدائيون.
فهمنا الآن إذا ألقى الإنسان الطلاق بلفظ صريح، ويش حكمه؟ يقع به الطلاق، سواء نواه أم لم يَنْوِه أو نوى غيره، وسواء كان جادًّا أم هازلًا، أقولها القاعدة هذه.
***
قال المؤلف: (فَإِنْ نَوَى بِطَالِقٍ مِنْ وَثَاقٍ).
(إن نوى بطالق) يعني: إن نوى بكلمة (طالق)، إن نوى بها طالقًا من وثاق، هل يُقْبَل؟
[ ١ / ٦٦٧٤ ]
ذكر المؤلف عدة مسائل ثم قال: (لم يقبل حكمًا)، هو قال لزوجته: أنتِ طالق، قالت: الحمد لله أن الله فَكَّنِي منك، خلاص طلقت. قال: لا، أنا ناوٍ طالقًا من وَثَاق، يعني ما قُيِّدَت يداكِ ورجلاكِ، يعني: يداك ورجلاك غير مقيدة، هذا معنى (طالق من وثاق).
ماذا نقول؟ اللفظ يحتمل ولّا ما يحتمل؟ يحتمل، نقول: لا يُقْبَل حكمًا، وكلما سمعت: لم يُقْبَل حكمًا، يعني: لم يُقْبَل عند المحاكمة، إن رَافَعَتْه وحاكَمَتْه ما يُقْبَل، السبب أنه ما يُقْبَل؟ لأن ما يدعيه خلاف ظاهر لفظه.
إذا لم تحاكمه وصدَّقَتْه ووكَلَت الأمر إلى دينه فهي زوجته.
إذن ما معنى (لم يُقْبَل حكمًا) إذا جاءت في كلام الفقهاء؟ أي: لم يُقْبَل عند المحاكمة، وأما فيما بينه وبين الله فإنه يُقْبَل، فإذا رضيت الزوجة بدينه وقالت: نعم، هذا رجل أنا أصدقه أنه يريد بقوله: أنتِ طالق، أي: من وثاق، فإنها لا تطلق.
كذلك (أو في نكاح سابق منه أو من غيره)، قال: نعم أنا أردت أنتِ طالق، لكن في النكاح السابق، وهي متزوِّجة مرتين، قال: طالق في النكاح السابق، ويش الحكم؟ لم يُقْبَل حكمًا، إذا رَافَعَتْه ما يُقْبَل، لماذا؟ لأن ما يَدَّعِيه خلاف الظاهر؛ إذ إن الظاهر أن معنى قولك ..
ولو سُئِلَ: أَطَلَّقْتَ امرأتَك؟ فقالَ: نعم وَقَعَ، أو ألك امرأةٌ؟ فقالَ: لا وأَرادَ الكَذِبَ فلا.
(فصلٌ)
وكناياتُه الظاهرةُ، نحوَ: أنتِ خَلِيَّةٌ وبَرِيَّةٌ وبائِنٌ وبَتَّةٌ وبَتْلَةٌ وأنتِ حُرَّةٌ وأنت الْحَرَجُ، والخفِيَّةُ نحوَ اخْرُجِي واذْهَبِي وذُوقِي وتَجَرَّعِي واعْتَدِّي واسْتَبرِئي واعْتَزِلِي ولستِ لي بامرأةٍ والْحَقِي بأَهْلِكِ وما أَشْبَهَه، ويَقَعُ مع النِّيَّةِ بالظاهرة ثلاثٌ وإن نَوَى واحدةً، وبالخفِيَّةِ ما نَوَاه.
(فصلٌ)
[ ١ / ٦٦٧٥ ]
وإن قالَ: أنتِ عليَّ حرامٌ أو كظَهْرِ أُمِّي فهو ظِهارٌ ولو نَوَى به الطلاقَ، وكذلك ما أَحَلَّ اللهُ عليَّ حَرامٌ، أعني به الطلاقَ. طَلُقَتْ ثلاثًا، وإن قالَ: أَعْنِي به طَلاقًا فواحدةٌ، وإن قالَ: كالْمَيْتَةِ والدمِ والخنزيرِ وَقَعَ ما نَواه من طلاقٍ وظِهارٍ ويَمينٍ، وإن لم يَنْوِ شيئًا فظِهارٌ، وإن قالَ: أَمْرُك بيَدِك مَلَكَت ثلاثًا ولو نَوَى واحدةً، ويُتَرَاخَى ما لم يَطَأْ أو يُطَلِّقْ أو يَفْسَخْ، ويَخْتَصُّ اختاري نفسَك بواحدةٍ وبالمجْلِسِ الْمُتَّصِلِ ما لم يَزِدْها فيهما، فإن رُدَّت أو وَطِئَ أو طَلَّقَ أو فَسَخَ بَطَلَ خيارُها.