ثم قال المؤلف: (كتاب الإِيلاء).
الإيلاء مصدر (آلَى يُولِي إيلاء)، رباعي ولّا ثلاثي؟
طالب: رباعي.
الشيخ: إي نعم، رباعي، بدليل أنه إيلاء على وزن إكرام، أَكْرَم يُكْرِم إكرامًا، وآلَى يُولِي إيلاء.
وهو: اليمين، الإيلاء اليمين، قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦].
لكنه في الاصطلاح: (حَلِفُ زوجٍ ..) إلى آخره.
فالإيلاء في اللغة: اليمين، لكنه في الشرع مُقَيَّد، والتعاريف الشرعية الغالب أنها أخص من المعنى اللغوي، المعنى اللغوي أعم في الغالب، ولذلك الطهارة في اللغة: النظافة والنزاهة، وفي الشرع أَخَصّ.
الصلاة في اللغة: الدعاء، وفي الشرع أخص: التعبد لله بأقوال وأفعال معلومة، الزكاة: النماء والزيادة، وفي الشرع أخص.
كل التعريفات الشرعية الغالب أنها أَخَصّ من المعاني اللغوية، إلا في مسألة واحدة: الإيمان؛ فإن الإيمان في اللغة التصديق، وفي الشرع التصديق المستلْزِم للقبول والإذعان، هذا الإيمان، ليس مطلق الإيمان.
فهنا صار الإيمان في اللغة التصديق، وفي الشرع يدخل عليه قُيُود يشمل القول والعمل، حتى القول يُسَمَّى إيمانًا، والعمل يسمى إيمانًا في الشرع، لكنه في اللغة لا يسمى إيمانًا.
فتعريف الإيمان بأنه اعتقاد القلب وقول اللسان وعمل الأركان، هذا التعريف يجعل الإيمان أعمّ من المعنى اللغوي.
قال: وشرعًا (حَلِفُ زوجٍ)، فغير الزوج لا يكون يمينه إيلاء، فلو قال: والله لا أجامِع هذه المرأة، ثم عقد عليها، هل يكون يمينه إيلاء؟ لا؛ لأنه حين قالها ليست زوجة له، كما لو قال: هذه المرأة طالق، ثم تزوجها، فلا يقع الطلاق، حتى لو قال: إن تزوجتها فهي طالق، فإن الطلاق لا يقع؛ لأنه ليس زوجًا، وكلمة (زوج) لا يمكن أن يكون زوجًا حتى يكون العقد صحيحًا، إذن لا بد أن يكون النكاح صحيحًا.
[ ١ / ٦٨٣١ ]
(باللهِ تعالى أو صفتِه)، (بالله) مثل أن يقول: والله لا أطأ زوجتي، هذا (بالله).
(أو صفته)، عندي بالشرح يقول: (كالرحمن الرحيم)، وهذا خطأ، الرحمن الرحيم ليسا صفتين ولكنهما اسمان، لكن الصفة مثل أن يقول: وعزة الله وقدرة الله لا أجامع زوجتي، هذه الصفة، أما الرحمن والرحيم فإنهما من أسماء الله، ولهذا قال الله ﷿: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَانُ الرَّحِيمُ﴾، إلى أن قال في آخر الآيتين: ﴿لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤]، فجعل الله هذه أسماء.
وعلى هذا فنقول: (بالله) مثل أن يقول: والله لا أَطَأُ زوجتي.
(أو صفة من صفاته)، مثل أن يقول: وعزةِ الله لا أطأ زوجتي، أو: وقدرته، أو: وحوله، أو يقول: أقسم بحول الله وقوته ألَّا أطأ زوجتي. نقول: هذا يمين بصفة من صفات الله.
طالب: ورحمة الله يا شيخ؟
الشيخ: مثل هذا، لكن الغالب أنه ما يقول هذا؛ لأنه لا مناسبة بين المقسم والمقسَم عليه.
يقول: (باللهِ تعالى أو صفتِه على تَرْكِ وَطْءِ زوجتِه في قُبُلِها).
وعُلِمَ من قول المؤلف: (بالله أو صفته) أن الإيلاء لا يكون بالتحريم أو بالنذر أو بالطلاق وإن كانت أيمانًا، يعني فلو قال: لله عَلَيّ نذرٌ ألَّا أطأ زوجتي، فظاهر كلام المؤلف أن ذلك ليس بإيلاء، مع أن هذا حكمه حكم اليمين، وكذلك لو قال: حرام علَيَّ أن أطأ زوجتي، فظاهر كلام المؤلف أنه ليس إيلاء.
[ ١ / ٦٨٣٢ ]
ولكن الصواب هو القول الثاني في المذهب في هذه المسألة، وهو أن الحلف سواء بالله أو صفته، أو بصيغةٍ حكمُها حكم اليمين، فإن الإيلاء يثبت، والدليل لذلك أن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، إلى أن قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١، ٢]، والأحاديث الواردة في هذا أن الرسول آلَى من نسائه شهرًا (٧)، إذا قلنا: إنه حَرَّم نساءه، أما إذا قلنا بأنه حَرَّم العسل كما هو الراجح، فإن الآية تدل على أن التحريم يمين من وجه آخر.
والحاصل أن الصواب في هذه المسألة أن كل ما له حُكْم اليمين فإنه يحصل به الإيلاء، فإذا قال: لله عليَّ نذر ألَّا أجامع زوجتي فهو إيلاء؛ لأن الله سمَّى التحريم يمينًا.
(أكثرَ من أربعةِ أشهرٍ)، وظاهر كلام المؤلف أنه لو آلَى ألَّا يطأها لمدة أربعة أشهر فليس بإيلاء، أو لمدة ثلاثة أشهر فليس بإيلاء، والصواب أنه إيلاء؛ لأن الله قال: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، فأثبت الله الإيلاء، لكن جعل المدة التي يُنْظَرون فيها أربعة أشهر، فإذا قال: والله لا أجامِع زوجتي ثلاثة أشهر، فإن هذا مُؤْلٍ؛ لأنه حلف ألَّا يجامعها، ولكننا ما نقول له شيئًا الآن؛ لأنه إذا تمت المدة انحلَّت اليمين، إذا تمت ثلاثة أشهر؛ رجل قال لزوجته: والله لا أجامعك لمدة ثلاثة أشهر، فهنا نقول: هو مُؤْلٍ لكن لا نلزمه بحكم الإيلاء، بل ننظر حتى تنتهي ثلاثة الأشهر، إذا انتهت زال حكم اليمين.
***