() و(فِعَال) من المصادر المزدوجة، يعني التي لا تكون إلا بين شيئين غالبًا، مثل القتال؛ (قتال) قَاتَلَ يُقَاتِلُ قِتَالًا، من جانبين ولَّا لا؟ من جانبين، جَاهَدَ يُجَاهِدُ جِهَادًا أيضًا من جانبين، اللعان أيضًا من جانبين، لعان؛ يعني: حصول التلاعن بين شخصين.
[ ١ / ٦٨٧٨ ]
فإذا طبَّقنا هذه اللفظة على حقيقة اللعان وجدنا أن اللعان ليس لعنًا من الجانبين، لكنه لعن من جانب الزوج وغضب من جانب الزوجة؛ إذ إن الزوج يقول في الخامسة: (وأن لعنة الله عليه) والزوجة تقول: (وأن غضب الله عليها)، فما هو الجواب؟
الجواب: أن هذا من باب التغليب؛ أي: تغليب أحد الوصفين على الآخر.
والتغليب في اللغة العربية موجود بكثرة؛ مثل: العُمَرَانِ يعني: أبا بكر وعمر، ومثل: القَمَرَان؛ يعني: الشمس والقمر.
فعلى هذا نقول: اللعان مشتق من اللعنِ، وهو بالنسبة للزوجة على سبيل التغليب.
وما هو اللعن؟
اللعن في اللغة الطرد والإبعاد، فإذا كان من الله، فقلت يعني: لعنك الله -مثلًا- فمعناه: طردك وأبعدك عن رحمته، وإذا قيل: لعنتُ الشيء؛ فإن كان المراد: دعوتُ عليه باللعنة، فهو المعنى الأول، وإن كان لعنته؛ يعني: طردته وأبعدته عني، فهذا يكون معناه الطرد والإبعاد من اللاعن نفسه.
فإذا قال لك قائل: ما هو اللعن؟
نقول: إذا وقع من الله فهو الطرد والإبعاد عن رحمته، وإذا دعا به إنسانٌ على شخص، فمعناه أنه يسأل الله أن يطرده ويبعده من رحمته، وإذا وقع من شخص لشخص على سبيل أن هذا الشخص نفسه لعنه وليس المراد دعا عليه باللعن، فالمراد أنه طرده وأبعده عنه، بحيث لا يكون صاحبًا له، ولا رفيقًا له، وما أشبه ذلك.
لكن ما المراد باللعان هنا؟
نقول: هي شهادات مؤكدَّات بأيمان من الجانبين. ما هما الجانبان؟ الزوج والزوجة، مقرونة بلعنٍ من الزوج وغضبٍ من الزوجة.
طيب، شهادات كم عددها؟ أربعة، والخامسة أن لعنة الله عليه، أو في الزوجة: أن غضب الله عليها. هذا هو اللعان.
ما سببه؟
سببه أن يقذف الرجل زوجته بالزنا -والعياذ بالله- سواء قذفها بمعيَّن أم بغير معيَّن؛ مثل يقول: يا زانية، أو يقول: زنى بك فلان. هذا سببه؛ سبب اللعان.
[ ١ / ٦٨٧٩ ]
والأصل أن من قذف شخصًا بالزنا أن يقال له: أقم البينة، وإلا جلدناك ثمانين جلدة؛ لأن الأعراض محترمة، فإذا قال شخص لآخر: أنت زانٍ، أو يا زانٍ، أو ما أشبه ذلك، قلنا: أقم البينة وإلا ثمانون جلدة في ظهرك، قال: أنا شايفه بعيني يزني، ويش نقول؟ نقول: إن لم تأتِ بالشهداء فأنت كاذب عند الله؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣]، ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾، ما قال: في حقيقة الأمر، لكن عند الله في حكمه وشرعه أنه كاذب، وإن كان صادقًا في نفس الواقع.
طيب، جاؤوا ثلاثة يشهدون على شخص بأنه زانٍ، ويش نقول؟ نقول: إما أن تأتوا بالبينة، وإلا حددناكم.
وعلى هذا فنقول: اللعان لماذا خرج عن هذا الأصل؟ وهو أن الرجل إذا قذف زوجته قلنا: لا يخلو من ثلاث حالات: إما أن تُقِر هي، أو يقيم أربعة شهود، أو يلاعِن. اللي غير الزوج ويش نقول؟ نقول: إما أن يُقر المقذوف، وإما أن تأتي بأربعة شهود، أما الزوج فنزيد؛ فيُزَاد على ذلك أن يقال: أو تلاعن.
سعد بن عبادة لما نزلت الآية: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣]، قال: يا رسول الله، أجده على امرأتي، وأذهب أجيب أربعة شهود! واللهِ لأضربنه بالسيف غير مصفَّح، ويش معنى (غير مصفَّح)؟ بحد السيف، ما هو بجنبه، بحده، فقال النبي ﵊: «أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ! وَاللَّهِ إِنِّي لَأَغْيَرُ مِنْ سَعْدٍ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﷾» (١)، فنزلت آيات اللعان.
طالب: هل () الإقرار على كلام سعد بن معاذ؟
الشيخ: هذه مسألة نشوفها.
فنزلت الآيات، والحكمة في خروج الزوج عن القاعدة أن الزوج ما يمكن يقول هذا إلا وهو متأكد، ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
[ ١ / ٦٨٨٠ ]
الشيخ: لماذا؟
طالب: لأنه يداري عنها.
الشيخ: لأنه تدنيس لفراشه، الرجل ما يمكن أن يقول: إن زوجته تزني -والعياذ بالله- وهو مجرد اعتداء، فهو قريب من أنه صادق؛ لأنه ما يمكن يدنس فراشه بهذا الفعل القبيح؛ فلهذا شرع في حقه اللعان.
أما ما سأل عنه الأخ فهو هل النبي ﷺ أقر سعدًا أو أنه أنكر عليه؟ تأملوها ونحن نجيب () إن شاء الله. ()