ثم قال المؤلف ﵀: (كتاب العِدَد).
وهذا الكتاب منْ أهم ما يكون؛ لأنه ينبني عليه مسائل كثيرة من المواريث وصحة النكاح وغير ذلك، فهو من أهم أبواب الفقه.
(العِدَدَ) جمع عِدَّة بالكسر، وهو في اللغة مأخوذ من العَدد، يعني: من واحد، اثنين، ثلاثة، أربعة إلى آخره.
وفي الشرع: تربُّصٌ محدود شرعًا بسبب فرقة نكاح، وما أُلْحق به.
تَرَبُّص محدود شرعًا، تربص يعني انتظار، محدود شرعًا من قبل الشرع، بسبب فرقة نكاح وما أُلحِق به كوطء الشبهة مثلًا؛ فالمرأة إذا وطئت بشبهة عليها أن تَعْتَدَّ ما أنه ليس ذلك بالنكاح لكنه ملحق به.
وقولنا: تَرَبُّص، مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٤].
إذن هذه العدة شرعًا: تربص؟
طالب: محدود شرعًا.
الشيخ: بماذا؟ بسبب فرقة نكاح وما أُلْحِق به.
[ ١ / ٦٩٢١ ]
أما حكم العدة فواجب؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾؛ قال أهل العلم: إن هذا خبر بمعنى الأمر، وإنما جاء بصيغة الخبر لإقراره وتثبيته، كأنه أمر مفروغ منه، وكذلك قوله: ﴿وَأُولَاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، فالعدة إذن واجبة، ولكن لا بد من شروط.
أولًا: قال المؤلف: (كل امرأةٍ فارقَتْ زوجها).
كلمة (امرأة) هنا لا يعني أن تكون بالغة، ما هو شرط، المراد الأنثى، كل أنثى فارقت زوجها.
وقول المؤلف: (فارقت) لم يقل: طلَّقها؛ لأجل أن يشمل جميع أنواع الفرقة بموت أو حياة؛ كالفسخ لعيب، أو خلاف شرط، أو إعسار بنفقة على القول به، أو غير ذلك.
وقد ذكر ابن القيم ﵀ في بدائع الفوائد ذكر أن فرقة النكاح عشرون نوعًا، كلها تسمى فرقة، إنما الضابط: كل امرأة فارقت زوجها بموت أو حياة، والفراق بالحياة إما طلاق وإلا فسخ.
يقول: (خلا بها)، خلا بها عن مَنْ؟ خلا بها عن مُمَيِّز، يعني صار هو وإياها في مكان لم يحضرهما أحد له تمييز؛ هذا المراد بالخلوة، فـ (خلا بها) يعني: عن مميز.
يقول: (خلا بها مُطاوِعَة)، هذا شرط الخلوة؛ أن تكون مطاوعة، فلو أكرهت على الخلوة فلا عدة وإن خلا بها؛ وذلك لأن وجوب العدة بالخلوة.
() خلا بها الزوج وهو أقوى منها وإن كانت مكرهة، يمكن يجامعها.
قال: (مع علمه بها وقدرته على وطئها).
(مع علمه بها) أي: بأن يخلو بها وهو يعلم أن في المكان امرأة، فإن كان لا يعلم، مثل أن يكون أعمى ولا عَلِم بها، أو يكون أُدْخِل عليها في حجرة ليس فيها إضاءة ولم يعلم بها، فلا عِدَّة، لماذا؟ لأن ما فيه مظنة وطء، فلا عدة.
قال: (وقدرته على وطئها ولو مع ما يمنعُه)، وهذا شبه تناقض: (قدرته على وطئها) يعني بأن يكون قادرًا لكن من حيث الجسمية، وإن كان هناك مانع؛ ولهذا قال: (ولو مع ما يمنعه منهما) أي من الزوجين.
[ ١ / ٦٩٢٢ ]
(ما يمنعه) الضمير يعود على الوطء، يعني: ولو مع مانع من الوطء.
(منهما أو من أحدهما) مثال المانع منهما أن يكون الرجل مجبوبًا وهي رتقاء، المانع هنا فيهما جميعًا، المجبوب لا ذَكَر له حتى يُجامِع، والرتقاء لا يمكن أن يلجها ذكر، فهنا المانع منهما جميعًا.
(أو من أحدهما) يعني بأن يكون المانع من أحدهما وحده، مثل أن يكون هو مجبوبًا وهي سليمة، أو هي رتقاء وهو سليم.
(حسًّا أو شرعًا) يعني: ولو كان أحدهما فيه مانع حسي أو شرعي، حسي كما مثَّلْنا، والشرعي كأن يكون أحدهما صائمًا أو كلاهما صائم صوم فريضة، فإن الصائم صوم فريضة لا يحل له الجماع أو لا؟
وكذلك أيضًا لو كان في إحرام، دخَّلوه عليها وهو مُحْرِم أو هي مُحْرِمة، فإن العدة تثبت، مع أن هذا مانع شرعي.
طالب: يصح ()؟
الشيخ: إي يصح.
طالب: يتزوج منها وهو محرم.
الشيخ: لا، ما هو يتزوج، يتزوج من قبل الإحرام، لكن دخلوها عليه، أو دخل عليها في حال الإحرام.
إذن يُشْتَرط في الخلوة أن تكون المرأة مطاوعة، وأن يكون عالمًا بها، وأن يكون قادرًا على الوطء.
يقول المؤلف: (أو وَطِئَها) معطوف على قوله: (خلا بها)؛ يعني: أو امرأة وطئها زوجها ولو بدون خلوة؛ فإنها تجب العدة، كيف يطؤها بدون خلوة؟ يمكن؟
طالب: نعم يمكن.
طالب آخر: يتصور.
الشيخ: نعم يتصور، لو فرضنا فيه مميز له عشر سنوات معهما في الحجرة وجامعها، إذن ما خلا بها، أو لا؟ ولهذا قال: (أو وطئها).
طالب: ().
طالب آخر: ما يمكن يجامع وهو نائم.
الشيخ: لا، الحاضر اللي معهم.
يقول: (أو مات عنها) معطوفة أيضًا على (خلا بها)، يعني: تلزم العدةُ امرأةً مات عنها زوجها ولو بدون خلوة، ولو بدون وطء، فالموت موجِب للعدة مطلقًا.
نحتاج الآن نبغي نكمل ونبغي نجيب الشروط مجملة؛ لأن المؤلف مشتتنا ﵀.
[ ١ / ٦٩٢٣ ]
(حتى في نكاح فاسد فيه خلاف) يعني: تَلْزَم حتى في نكاح فاسد، وبيَّن المؤلف النكاح الفاسد بقوله: (فيه خلاف) وهذا باب واسع، النكاح الذي فيه خلاف لا تظن أنه مسألة أو مسألتان أو ثلاثًا أو أربعًا، كثير.
من النكاح الفاسد أن يتزوجها بلا وليٍّ، هذا فيه خلاف؛ بعض العلماء يقول: إنه يصح، إذا كانت امرأة بالغة عاقلة فلها أن تُزَوِّج نفسها، فعلى هذا يكون فيه خلاف ولّا لا؟
كذلك النكاح بلا شهود، يعني: بولي لكن بدون شهود؛ هذا أيضًا فيه خلاف.
أو بشهود من الأصول أو الفروع، أيضًا فيه خلاف.
أو تزوج امرأة رضع من أمها مرة واحدة فقط، فيه خلاف، أو ثلاثًا، فيه خلاف، أو أربعًا، معلوم أربعًا، نعم أو أربعًا أو خمسًا؛ فيه خلاف؛ بعض العلماء يقول: سبع يحرم، وبعضهم يقول: عشر.
فإذن مسائل الخلاف يتصور طالب العلم أنها مسائل قليلة، وليست بقليلة.
تزوج أخت امرأته وهي في عدة بينونة، تزوج إنسان أخت امرأته وهي معتدة عدة بينونة، فيه خلاف.
تزوج أخت زوجته من الرضاع، فيه خلاف، إي نعم شيخ الإسلام يرى أنه لا بأس به لكنه قول ضعيف هذا، الجمع بين الأختين الصحيح أنه حرام كما هو رأي الجمهور.
الحاصل أن مسائل الخلاف كثيرة، إنما يقول المؤلف: إذا عقد عليها عقدًا مختلفًا فيه ثم فارقها وجبت العدة.
وظاهر كلام المؤلف: وإن كان يعتقد عدم صحته، مثل لو جاءه أحد بعد أن عقد عليها، وقال: هذا النكاح ما يصح، قال: إذن طلقتها، هي طالق، أو فارقها، مع أنه يعتقد الآن أنه باطل ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: تجب العدة، كيف تجب العدة؟ لأنه ربما تُخْطَب، ويخطبها إنسان يرى أن النكاح صحيح، إذا خطبها مَنْ يرى أن النكاح صحيح يجوز له ولَّا ما يجوز؟ لا يجوز له؛ ولهذا قلنا: يجب أن تُطَلِّق، حتى في النكاح المختلف فيه الذي أنت تعتقد أنه ليس بصحيح، يجب أن تُطَلِّق؛ لأنه ربما يخطبها إنسان يرى أن العقد صحيح.
[ ١ / ٦٩٢٤ ]
مثال ذلك أيضًا من الأمثلة: رجل تزوج امرأة وهو لا يصلي؛ فالصحيح أن النكاح فاسد، وأنه لا يصح، فإن تاب وبدأ يصلي يجب تجديد العقد، يجيء واحد مثلًا يقول: أنا ما أرى كفر ترك الصلاة، يكون النكاح عند هذا صحيح، فحينئذ لا بد من أن يكون هناك طلاق شرعي من أجل أن تفتح الباب لمن أراد أن يخطبها من جديد.
ولهذا قال: (حتى بنكاح فاسد مختلف فيه وإن كان باطلًا وِفَاقًا لم تعتد للوفاة).
إذا كان النكاح باطلًا وفاقًا؛ يعني: بالإجماع فهو يُسَمَّى نكاحًا باطلًا، اللي بالإجماع يسمى نكاحًا باطلًا، واللي فيه خلاف يسمى نكاحًا فاسدًا، فإذا كان نكاحًا باطلًا يقول المؤلف: (لم تعتدَّ للوفاة)، تكون للحياة من باب أولى؛ ولهذا عبارة المؤلف توهم طالب العلم الضعيف اللي ما بعد ()، يقول: (لم تعتد للوفاة) وأما في الحياة فتعتدُّ، وليس الأمر كذلك؛ لأنها إذا لم تعتد للوفاة فللحياة من باب أولى؛ ولهذا لو قال المؤلف ﵀: فلا عِدَّة عليها، لكان أحسن وأوضح.
المهم إذا كان العقدُ باطلًا فإنها لا تعتد؛ مثال العقد الباطل: مثل أن يتزوج امرأة ثم يتبيَّن قبل أن يدخل عليها بأنها أخته من الرضاع، فهنا النكاح باطل لإجماع العلماء على فساده، نقول الآن: تفارقه بدون عدة، بدون عدة وبدون مهر وبدون شيء أبدًا؛ لأن هذا العقد الباطل وجوده كعدمه لا أثر له.
وكذلك لو مات عنها ثم بعد أن مات ثبت بأنها أخته من الرضاع، فإنها ليس عليها عدة؛ وذلك لأن هذا النكاح باطل بالإجماع، ولهذا قال: (لم تعتدَّ للوفاة).
نكاح الخامسة باطل ولَّا فاسد؟
طالب: باطل.
الشيخ: فيه خلاف، الرافضة يقولون: له أن يتزوج إلى تسع.
طالب: كلام الرافضة لا يُعْتَدُّ بهم.
الشيخ: لا يُعْتَدُّ بخلافهم عند أهل العلم، وإلَّا هم يقولون: له أن يتزوج إلى تسع.
فيه بعض مشايخ الصوفية يقولون: له أن يتزوج إلى خمسين إذا كان من المشايخ الكبار! ما يعتد بخلافهم؟
طالب: أبدًا، سبحان الله.
[ ١ / ٦٩٢٥ ]
الشيخ: ما يعتد بخلافهم، المهم أن نكاح الخامسة في إجماع المسلمين باطل؛ لأنه خلاف ما أجمع عليه المسلمون.
نكاح المعتدة؟
طالب: باطل.
الشيخ: لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، وهذا نهي في القرآن صريح.
إذن (لم تعتد للوفاة) ().
***
() فارقَها حيًّا قبلَ وطءٍ وخلوةٍ، أو بعدَهما، أو بعدَ أحدِهما وهو ممن لا يولدُ لمثلِه، أو تحمَّلتْ إلى آخره.
شرع المؤلف ﵀ في مفهوم الشروط الماضية فقال: (ومَنْ فارقها حيًّا) احترازًا مما إذا فارقها بالموت، إذا فارقها حيًّا (قبل وطء وخَلْوة) فلا عدة عليها؛ لأنا ذكرنا من الشروط أن يحصل وطء أو خلوة، فإذا فارقها قبل الوطء وقبل الخلوة فلا عدة عليها.
قبل الخلوة يتصور، مثاله؟
() وطلقها مثلًا قبل أن يخلو بها، فليس عليها عدة؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩].
والآية صريحة: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ الطلاق فرقة حياة ولَّا موت؟ فرقة حياة، ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾، فإذا قال قائل: الآية يقول الله فيها: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ فكيف تقولون: الخلوة؟
[ ١ / ٦٩٢٦ ]
قلنا: مَنْ أخذ بظاهر الآية لم يعتبر الخلوة، ويُعَلِّق الحكم بالوطء، وقد قال به بعض أهل العلم، لكن الصحابة ﵃ حكموا بأنَّ من خلا بها كمن مسها (٦)، وعللوا ذلك بأن الرجل استباح منها ما لا يباح لغير الزوج، فعلى هذا تكون العدة واجبة عليها. والمسألة في القلب منها شيء؛ لأن الآية الكريمة صريحة: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، ولأن الخلوة وإن كان الإنسان استباح ما لا يباح لغيره، فإنهم يقولون: إن الرجل إذا قبلها بلا خلوة فلا عدة، مع أن التقبيل لا يحل لغير الزوج، فالمسألة في القلب منها شيء، لكن المعروف عن الصحابة ﵃ أن من أرخى سِترًا أو أغلق بابًا فإنه كالزوج، كالذي دخل، فيلزمها العدة.
إذن المؤلف قال: (قبل وطء وخلوة).
(أو بعدهما)، أيش (بعدهما)؟ أي: بعد الوطء والخلوة (وهو ممن لا يولد لمثله).
مثل: خلا بها وهو ممن لا يُولَد لمثله. مَنِ الذي لا يولد لمثله؟ من دون العشر، يعني: رجل زوج ابنه هذه المرأة ودخَّله عليها، لكنه صغير الابن له تسع سنوات، وبقي عندها كل الليل وهو يجامعها، فلما كان في الصباح طلقها، ماذا نقول؟ لا عدة عليها، لماذا؟ لأنه لا يولد لمثله، وهذه المسألة أيضًا في النفس منها شيء؛ لقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، وهذا الصبي قد مَسَّ وهو زوج، وكوننا نقول: (لا يُولَد لمثله) ما هي العلة أنه يولد لمثله أو لا؟ ولهذا لو كان عِنِّينًا وجامعها، بل وخلا بها فعليها العدة، ما هي المسألة لأنها مظنة الحمل أو غير مظنة الحمل، لكن استمتاع بشهوة من هذا الصبي، كيف ما نقول: إن فيها عدة؟ ! على الأقل أن نجعلها كمسألة الخلوة، لكن هذا هو المذهب.
[ ١ / ٦٩٢٧ ]
كذلك أيضًا لو كانت هي ممن لا يولد لمثلها، مَنْ هي؟ التي دون التسع، زوجة لها ثمان سنوات دخل عليها زوجها وجامعها وتلذَّذ بها، وكان هذا أيضًا صغيرًا يمكن أن يطأها ابن ثمان، وإلا عاد يمكن الكبير ما يتمكن من وطئها، يهلكها، لكن هو تمكن من وطئها وفارقها، يقولون: لا عدة عليها، لماذا؟ لأنه لا يُولَد لمثلها. وهذه أيضًا هي المسألة الثالثة التي في نفسي منها شيء؛ وذلك لأن الآية إنما عَلَّقت الحكم بالمسيس، لكن سنأخذ كلام المؤلف الآن لأجل أن نبني عليه ما يأتي.
فصار يُشترَط الآن أن تكون الخلوة أو الوطء ممن يُولَد لمثله بمثله، ممن يولد لمثله وهو الزوج، بمثله وهي الزوجة.
يقول: (أو تحمَّلت بماء الزوج)، أيش (تحملت بماء الزوج)؟ يعني: أخذت من مائه، من منيه، ووضعته في فرجها، وحملت منه، هذا جائز لا بأس؛ لأن الماء ماء زوجها، فإذا تحملت بمائه فلا عدة عليها، لماذا؟ يقول: لأنه ما مسها ولا خلا بها، والله ﷿ يقول: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾.
فيقال: ألستم تقولون قبل قليل إنه إذا جامعها وهو ممن لا يولد لمثله فلا عدة لعدم إمكان الحمل؟ فكأن هذا إشارة منكم إلى أن العبرة بإمكان الحمل، فإذا تحمَّلت فلماذا لا تجب عليها العدة؟ لكن لاحظوا أننا إذا قلنا: لا تجب عليها العدة أنه ما يمكن تتزوج وهي حامل من ماء هذا الزوج حتى تضع؛ هذا أمر لا بد منه، لكنه لا نقول: إنها تربص على أنها معتدة للزوج، بس من أجل انشغال رحمها فقط.
ولهذا القول الثاني في هذه المسألة هو الصواب: أنه تجب العدة إذا تحملت بماء الزوج، وهذا هو الواقع؛ لأننا سنمنعها من أن تتزوج، والنسب يَلْحَق من؟ يلحق الزوج، فإذا كان الولد له وهي ممنوعة من أجل ولده أن تتزوج فهذه العدة؛ ولهذا الصواب حتى على المذهب، لأن المؤلف خالف المذهب في هذه المسألة، الصواب أنه -المذهب في هذا-: أنها تجب عليها العدة إذا تحملت بماء الزوج، وهذا هو ().
[ ١ / ٦٩٢٨ ]
طالب: الجواب عن الآية؟
الشيخ: الجواب عن الآية أن الله ذكر المسيس؛ لأنه سبب الحمل.
الطالب: إذن ليست العبرة ().
الشيخ: إي، لأن الآية أشار فيها إلى المس، فالمس إذا حصل على كل حال، وهنا إذا حصل الجماع وحبست من أجله؛ هذه العدة.
طالب: قوله: (ومن فارقَها حيًّا) ومن احتراز فيما لو فارقها ميتًا، كيف يكون؟
الشيخ: يعني: لو مات عنها قبل أن يطأها فتجب عليها العدة، بخلاف الحياة. الآن سنجمل الشروط علشان تتضح؛ لأن المؤلف مثل ما قلت لكم ().
(أو قَبَّلها) أي: قبَّل زوجته (أو لمسها بلا خلوة فلا عدة).
(قَبَّلها) لكن (بلا خلوة)، كيف (بلا خلوة)؟ يمكن يقبلها بحضور أبيها مثلًا أو بحضور أمها بلا خلوة.
(أو لَمِسَها)، صافحها مثلًا، ولو بشهوة؛ فإنه لا عدَّة عليها، وأيش الدليل؟
طالب: الآية فيما سبق.
الشيخ: ويش؟
الطالب: أنه ().
الشيخ: ﴿طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾، فهذا الرجل ما مسَّها فلا عدة عليها.
خلاصة ما قال المؤلف أن العدة واجبة في كل نكاح غير باطل؛ هذا شرط: يشترط أن يكون النكاح غير باطل، أو أن يكون النكاح صحيحًا؟
طالب: لا، غير باطل.
الشيخ: غير باطل؛ لأجل يدخل الفاسد، هذا الشرط، اضبطوه، يُشْتَرط لوجوب العدة أن يكون النكاح غير باطل، سواء العدة للوفاة أو للحياة.
ويُشْتَرط للعدة في الحياة أن يحصل وطء أو خلوة، أن يحصل وطء زيادة على ما سبق، أن يحصل وطء أو خلوة ممن يولد لمثله بمثله، هذان شرطان.
ويُشْتَرط في الخلوة أن يكون عالمًا بها، وأن يكون قادرًا عليها، وأن تكون مطاوعِة.
[ ١ / ٦٩٢٩ ]
ثلاثة شروط في الخلوة، هذه شروط داخل شرط، فكان الشرط الأساسي الذي لا بد منه شرطًا واحدًا وهو أن يكون النكاح غير باطل () مفارقة في الحياة، أن يحصل وطء أو خلوة، يشترط فيهما أن يكون ذلك ممن يولد لمثله بمثله، ويُشْتَرط في الخلوة أن تكون المرأة مطاوعة وأن يكون عالمًا بها وقادرًا على وطئها.
وبهذا تنحصر الشروط الآن، وهذه الشروط لا بد من معرفتها؛ لأنه يترتب عليها جميع ما يأتينا من مسائل العِدد.
لو أن الرجل تزوَّج امرأة ثم تبين أنها أختُه من الرضاع، ثم فارقها قبل الدخول؟ عليها عدة ولَّا لا؟
طالب: ليس عليها عدة.
الشيخ: ليش؟
طالب: نكاحها باطل.
الشيخ: نكاحها باطل؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: تبيَّن أنها أخت زوجته من الرضاع، عليها عدة ولَّا لا؟
طالب: عليها عدة.
طالب: فيه خلاف.
طالب: الآن ().
الشيخ: أنتم فاهمون السؤال؟
طالب: زوجته ().
الشيخ: إي نعم، هذا رجل تزوَّج امرأة، ثمن تبيَّن له أنها أخته من الرضاع.
طلبة: ().
الشيخ: ما يخالف، الصحيح وغير الصحيح، باطل بالإجماع. فيها عدة ولَّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: ما فيها عدة، زين. تبيَّن أنها أخت زوجته من الرضاع؟
الطلبة: عليها عدة.
الشيخ: عليها عدة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لماذا؟
طالب: فيه خلاف.
طالب آخر: فاسد.
الشيخ: لأنه فاسد؛ حيث إن فيه خلافًا؟
طالب: نعم.
الشيخ: لا، ما أصبتم.
طالب: باطل.
الشيخ: ما أصبتم، شيخ الإسلام يرى أنه يجوز الجمع بين الأختين من الرضاع.
طلبة: فاسد.
الشيخ: يعني: عليها عدة؟
طلبة: عليها عدة.
الشيخ: متأكدون؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: ما أصبتم.
الطلبة: ().
الشيخ: إن كان ذلك قبل الدخول أم بعده.
طالب: ().
[ ١ / ٦٩٣٠ ]
الشيخ: إي، واضح الآن، نقول: إن كان ذلك قبل الدخول فلا عدة لو كان صحيحًا، ولَّا لا؟ إن كان بعد الدخول، هذا هو الذي فيه الخلاف؛ في الأول إذا كان باطلًا فلا عِدَّة، وفي الثاني الذي تزوج أخت زوجته من الرضاع عليها العدة؛ لأن النكاح مختلف في صحته.
طالب: والراجح يعني يا شيخ؟
الشيخ: الراجح أن أخت زوجته من الرضاع ما يجوز الجمع بينهما، وهذه من المسائل التي نخالف فيها شيخ الإسلام ﵀.
إذن يحتاج أن الإنسان يتنبه في المسائل التي تحتاج إلى تفصيل؛ ولهذا لو قال لك قائل: هلك هالك عن بنت وأخ وعمٍّ، فللبنت النصف والباقي لمن؟ بنت وأخ وعم؟ نقول: الأخ ما هو؟
طالب: والعم.
الشيخ: إي، والعم ما هو؟
طالب: () ولَّا؟
الشيخ: الأخ إن كان أخًا من أم. نقول: عم شقيق، نعين له: بنت وأخ وعم شقيق، لازم تسأل ويش الأخ؟ إن كان أخًا من أم فليس له شيء؛ لأنه يسقط بالبنت، وإن كان أخًا لأب أو شقيقًا () عنه، إي نعم. المهم أن مسائل التفصيل يجب أن ينتبه لها.
طالب: طيب، ().
الشيخ: نحب نركز على الشروط مرة ثانية:
يُشتَرط لوجوب العدة من حياة أو وفاة أن يكون النكاح غير باطل، ويُشترَط لوجوبه للمفارقة في الحياة أن يحصل وطء أو خلوة، ويُشترط في ذلك أن يكون ممن يولد لمثله بمثله، وفي الخلوة أن يكون عالمًا بها قادرًا على وطئها وهي مطاوعة.
والصواب أنه لا يُشترَط أن تكون مطاوعة، متى خلا بها وجبت، على القول بأن الخلوة موجبة للعدة، أما إذا قلنا بأنها لا توجب وأنه لا عدة إلا بالمسيس كما هو ظاهر الآية فالأمر واضح.
() تجب العدة بكل حال.
بقينا لو أن شخصًا عقد على امرأة وتوفي عنها قبل الدخول والخلوة، هل تجب العدة ولّا لا؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: تجب؟
طالب: نعم.
[ ١ / ٦٩٣١ ]
الشيخ: لماذا؟ علل، ما هو دلل؟ لأنا اشترطنا أن يكون النكاح غير باطل ولم نشترط سوى ذلك، هذا التعليل، أما الدليل فلأن الله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وقال في فرقة الحياة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩].
فإن قال قائل: لماذا لا تقيسون الفرقة بالموت على الفرقة بالحياة؛ لأن الله تعالى ذكر في الطلاق أنه إذا كان قبل المسيس فلا عدة، لماذا لا تقولون في عدة الوفاة كذلك؟
نقول: الجواب على هذا من وجهين:
أولًا: أنه لا يمكن الإلحاق؛ لأن الاعتداد بفرقة الحياة له أحكام خاصة، كم العدة فيه؟ ثلاثة قروء، أو ثلاثة أشهر لمن لا تحيض، بخلاف الفرقة في الوفاة، فيمتنع الإلحاق.
وثانيًا: ما أخرجه أهل السنن بسند صحيح من حديث ابن مسعود في امرأة عقد عليها زوجها، ثم مات قبل الدخول بها، فقال: لها الميراث، وعليها العدة، ولها المهر، فقام رجل فقال: إن النبي ﷺ قضى في بَرْوَع بنت واشق امرأة منا بمثل ما قضيت (٧)، فحينئذٍ يكون النص مانعًا من القياس؛ لأنه من المعلوم عند أهل العلم أنه لا قياس مع النص.
إذا قال قائل: رجل وطئ امرأة بشبهة بدون عقد، هل توجبون عليها العدة؟
طالب: لا عدة.
طالب آخر: الإبراء.
الشيخ: سؤالي هل نوجب عليها العدة ولَّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: المذهب أننا نوجب عليها العدة؛ لأنهم يرون أن الوطء موجب للعدة، سواء كان في زوجة، أو في شبهة، أو في زنا، فإنه موجب للعدة، يعني ثلاث حِيَض، أو إن حملت فبوضع الحمل.
[ ١ / ٦٩٣٢ ]
وأما الصحيح أنه لا يجب، وإنما يجب الاستبراء فقط؛ لأن العدة إنما تجب في نكاح غير باطل، أما هذا ما فيه نكاح أصلًا، فكيف تجب العدة؟ ! فنقول: إن الواجب في هذا هو الاستبراء فقط، بمعنى أنها إن كانت حاملًا فحتى تضع الحمل، وإن لم تكن حاملًا فبحيضة واحدة فقط، هذا هو القول الصحيح في هذه المسألة.
طالب: ().
طالب: () يستبرئها ممكن تحمل يعني؟
الشيخ: لكن جامعها ولَّا لا؟
الطالب: إي جامعها.
الشيخ: حكمها حكم الموطوءة بشبهة.
الطالب: يعني: عدة ولَّا الاستبراء؟
الشيخ: إن كان عالمًا بأن النكاح باطل فهو زنا، وإن لم يعلم فهو شبهة.
طالب: ()؟
الشيخ: المذهب أنه لا بد أن تعتد من أجل الوطء؛ لأنهم يرون أن الوطء هذا موجب للعدة في كل حال، والصحيح أنه ما يجب إلا الاستبراء فقط.
طالب: الاستبراء بحيضة؟
الشيخ: بحيضة، نعم ().
نكاح ووطء شبهة وزنا وملك.
طالب: ().
الشيخ: إي، الآن نحن نذكره لكن على أساس أن الملك ما هو استبراء، لكن أنا ودي أذكره الآن لأجل الحصر ().
طالب: ().
الشيخ: لا، هذا تعليق لكن ما مانع نسجله، هو تعليق في الحقيقة على ما مضى؛ النكاح؛ هذا واحد، وطء الشبهة اثنان، الثالث: الزنا، والرابع: الملك، لكن الملك ما هو عدة، استبراء، إي نعم.
النكاح لوجوب العدة فيه شروط ذكرناها فيما سبق ولَّا لا؟ وأسألكم عنها الآن. وطء الشبهة ذكرناها فيما سبق وقلنا فيها العدة.
طالب: على خلاف.
الشيخ: لا، قلنا: إن شيخ الإسلام ذكر الإجماع. الزنا فيه خلاف، المذهب أنه عليها عدة والقول الثاني عليها استبراء، وهو مذهب مالك، والقول الثالث لا عدة عليها ولَّا استبراء، وهو مروي عن أبي بكر وعمر وعلي وهو مذهب الشافعي أنه ما عليها شيء الزنا.
بقينا في الملك، الملك ما فيه عدة، فيه استبراء، لو أن الرجل جامع أمته، ما عاد يبيعها أو يزوجها إلا بعد أن يستبرئها، هذه أشياء حاصلة.
طالب: الراجح؟
[ ١ / ٦٩٣٣ ]
الشيخ: هذه أشياء حاصلة، على هذا إذن الوطء، يعني: ما هو بالعدة ما تجب إلا في النكاح، ما هي ما تجب إلا في النكاح؛ تجب حتى بالوطء، وطء الشبهة، والثاني الزنا على قول، وملك اليمين لكن ما هو عدة؛ استبراء إلا أنه تربص.
إذا كان سبب العدة النكاح () المشهور من المذهب أنه كوطء الشبهة، ويش يجب؟ يجب العدة، ما هي الاستبراء، تجب العدة، إن حملت فبوضع الحمل، وإن لم تحمل فبثلاث حِيَض، على حسب ما يأتينا إن شاء الله، المهم أنها عدة كاملة، ويُعَلِّلُون ذلك بأنه وطء يحصل به الحمل فوجبت به العدة كوطء الشبهة، ولكن هذا التعليل عليل جدًّا؛ لأننا نقول: هذا الواطئ وطئ من ليست زوجة له، لا شرعًا ولا اعتقادًا، ولا يُمكن أن يُلحَق السفاح بالنكاح، إنسان بيلحق وطئًا محرمًا بوطء مباح سواء بحسب اعتقاد الفاعل أو بحسب مقتضى الأدلة، إلحاق هذا بهذا من أضعف ما يكون.
ولهذا الصواب أن المزنيَّ بها ليس عليها عدة، وإنما الواجب الاستبراء، وسيأتينا إن شاء الله تعالى في باب الاستبراء كيفية الاستبراء.
القول الثاني أو الثالث في مسألة الزنا: أنه لا عدة عليها، وهذا القول أيضًا أصح من غيره، هو أصح الأقوال، لكن إن حملت على هذا القول لم يصح العقد عليها حتى تضع الحمل؛ لأنه لا يمكن أن تُوطَأ في هذه الحال؛ لأن النبي ﷺ نهى أن توطأ ذات حمل حتى تضع (٨).
إذن ويش الفائدة إذا قلنا: ما عليها عدة، وقلنا: إن حملت لا يمكن أن توطأ؟
نقول: الفائدة في ذلك أنها إذا كانت ذات زوج، ما نقول للزوج: تجنبها إذا زنت مثلًا، نقول: لك أن تجامعها الآن، ولا يجب عليك أن تتجنبها، إلا إن ظهر بها حمل فلا تجامعها، أما إذا لم يظهر بها فإنها لك.
والولد لو قال قائل: ألا يحتمل أن تكون نشأت بحمل من وطء الزنا؟
[ ١ / ٦٩٣٤ ]
نقول: هذا الاحتمال وارد، لكن قال النبي ﵊: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» (١)، فما دمنا ما تيقنا أنها حملت من الزاني فإن الولد يُحكَم بأنه لمن؟ للفراش.
أما مسألة الملك فيأتينا إن شاء الله أنه ليس من باب العدة وإنما هو من باب الاستبراء.
فهذه أربعة أسباب: الزوجية، ووطء الشبهة، والزنا، والملك.
ولاحظوا أنه في مسألة الزنا إذا حملت من الزاني وقلنا لزوجها: لا تطأها، يجوز أن يستمتع بها بغير الوطء؟ نعم، يجوز؛ لأنها زوجته، وإنما مُنِعَ من الوطء من أجل أن لا يُسقِي ماءه زرع غيره ().
***
اختصارًا للموضوع نقول: المعتدات سببه إما فرقة حياة أو ممات، إذا كانت فرقة ممات فليس فيه إلا نوعان من العدة؛ إما حامل فبوضع الحمل، أو حائل فبأربعة أشهر وعشر فقط؛ هذا اختصار.
التي تلزمها العدة بالوفاة ما عندها إلا نوعان من العدد، وهما: إن كانت حاملًا فبوضع الحمل، أو حائلًا فبأربعة أشهر وعشر.
قال المؤلف: (وَالْمُعْتَدَّاتُ سِتٌّ) يعني: ستة أصناف، وهذا الحصر مأخوذ من التتبع والاستقراء، وإلَّا ما في القرآن والسنة أنها ست، لكن العلماء تتبعوا ووجدوا أنها ست، مثلما تتبع النحويون كلام العرب ووجدوا أنه لا يخرج عن اسم، وفعل، وحرف.
يقول: (ستة أصناف؛ الحامل) وتسمى أُمَّ العدات؛ لأنها تقضي على كل عدة، الحامل تقضي على كل عدة؛ في المتوفى عنها زوجها، والمطلقة، والمفسوخة، وكل شيء، فمتى كانت المرأة المُفارَقةُ حاملًا فعدتها من الفراق إلى وضع الحمل؛ ولهذا قال المؤلف: (وَعِدَّتُها من موت وغيره)، (موت) بأن يموت عنها الزوج، (وغيره) بأن يطلِّقها أو يفسخ النكاح أو ما أشبه ذلك.
[ ١ / ٦٩٣٥ ]
(إلى وضع كل الحمل) (كل)، فلو خَرَج بعضُه لم تنقضِ العدة، ولو كان توأمين فخرج واحد لم تنقضِ العدة، الدليل قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، (أولات) بمعنى صاحبات، وقوله: ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (حمل) مفرد مضاف فيشمل كل ما في بطنها، كل حملها، يشمل كل حملها. وعلى هذا فلا بد أن تضع جميع الحمل.
وقول المؤلف: (مِن موت وغيره)، لماذا قدَّم الموت؟ لأن الموت فيه خلاف، إذا مات عنها زوجُها ووضعت الحمل قبل أربعة أشهر وعشر، فهل تنتظر حتى تنتهي الأربعة الأشهر وعشر، ولّا تنقضي عدتها؟
المؤلف يقول: تنقضي العدة، حتى لو كان وهو يموت وهي تطلق، ولما خرجت روحه خرج حملها فورًا، انتهت العدة؟ انتهت العدة وتبعها الإحداد، وجاز لها أن تتزوج ولو قبل أن يغسَّل زوجها، يمكن؟
طالب: على قول ().
الشيخ: إي نعم، يمكن؛ لعموم قوله: ﴿وَأُولَاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].
يرى بعض أهل العلم أن الحامل إذا مات عنها زوجها تعتدُّ بأطولِ الأجلين، من وضع الحمل أو أربعة أشهر وعشر، يعني: تنتظر إلى الأطول، فإذا وضعت قبل أربعة أشهر وعشر انتظرت حتى تتم أربعة أشهر وعشرًا، وإن تمت أربعة أشهر وعشرًا قبل أن تضع انتظرت حتى تضع الحمل؛ وحجة هؤلاء أنه تعارض عندنا عمومان، ولا يمكن العمل بهما إلا على هذا الوجه، ما العمومان؟ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، والثاني هو: ﴿وَأُولَاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].
فبين الآيتين عمومٌ وخصوص وَجْهيٌّ؛ يعني: واحدة أعم من الأخرى من وجه.
نشوف آية البقرة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ هذه خاصة بمن سببُ عدتها الوفاة.
[ ١ / ٦٩٣٦ ]
﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ عامة في الحوامل وغير الحوامل، أو لا؟ ﴿أَزْوَاجًا﴾ هذه عامة في الحوامل وغير الحوامل، لكن السبب الوفاة.
نأتي إلى: ﴿وَأُولَاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ نجد أنها خاصة في الحوامل عامة في سبب وجوب العدة، ما () أجلهن من الموت أو من الطلاق؛ ﴿أَجَلُهُنَّ﴾ فهي عامة باعتبار سبب وجوب العدة خاصة بالحامل.
فهاتان الآيتان بينهما عموم وخصوص وجهي، إذا اتفقتا في صورة فالأمر ظاهر، يعني: لو وضعت الحمل عند تمام أربعة أشهر وعشر.
طالب: فلا شيء.
الشيخ: تنقضي العدة ولَّا لا؟
طالب: تنقضي.
الشيخ: وتتفق الآيتان؟
طلبة: نعم.
الشيخ: تتفق الآيتان، وأظن بعضكم عنده إشكال في الموضوع، ما فيه إشكال؟ ().
عموم وخصوص من وجه، مفهوم هذا عندكم العموم والخصوص من وجه؟
طالب: نعم ().
الشيخ: نعيده؛ ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ خاص باعتبار سبب وجوب العدة؛ لأنه خاص بالوفاة.
﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ هو قال: أزواجًا حواملَ أو حوائل؟
طالب: لا.
الشيخ: عامٌّ باعتبار الحمل وغيره.
﴿وَأُولَاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ خاص بالحوامل وعام في سبب وجوب العدة، ما قال: وأولات الأحمال أجلهن من الموت أو من الطلاق، أيهما نعمل بعمومها؟ نقول: نشوف، إذا اتفقت الآيتان في صورة، فلا ..
إلى وَضْعِ كلِّ الْحَمْلِ بما تَصيرُ به أَمَةٌ أمَّ وَلَدٍ، فإنْ لم يَلْحَقْه لصِغَرِه أو لكونِه مَمْسوحًا أو وَلَدَتْ لدونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ نَكَحَها، ونَحْوَه وعاشَ لم تَنْقَضِ به، وأَكثرُ مُدَّةِ الحمْلِ أربعُ سنينَ وأَقَلُّها سِتَّةُ أشهُرٍ وغالِبُها تسعةُ أَشْهُرٍ، ويُباحُ إِلقاءُ النُّطفةِ قبلَ أربعينَ يومًا بدَواءٍ مُباحٍ.
(فصلٌ)
[ ١ / ٦٩٣٧ ]
الثانيةُ (الْمُتَوَفَّى عنها زَوْجُها بلا حَمْلٍ منه) قبلَ الدخولِ أو بعدَه، للحُرَّةِ أربعةُ أَشْهُرٍ وعشرة وللأَمَةِ نِصْفُها، فإن ماتَ زوجُ رَجْعِيَّةٍ في عِدَّةِ طَلاقٍ سَقَطَتْ وابْتَدَأَتْ عِدَّةَ وفاةٍ منذُ ماتَ، وإن ماتَ في عِدَّةِ مَن أَبَانَها في الصِّحَّةِ لم تَنْتَقِلْ، وتَعْتَدُّ مَن أبانَها في مَرَضِ موتِه الأطولِ من عِدَّةِ وفاةٍ وطَلاقٍ ما لم تَكُنْ أَمَةً أو ذِمِّيَّةً أو جاءَت البَيْنُونَةُ منها فلِطلاقٍ لا غيرُ، وإن طَلَّقَ بعضَ نسائِه مُبْهَمةً أو مُعَيَّنَهً ثم أُنْسِيَها ثم ماتَ قبلَ قُرعةٍ اعْتَدَّ كلٌّ مِنهنَّ سوى حاملِ الأطولِ منهما.
الثالثةُ (الحائلُ ذاتُ الأَقراءِ) وهي الْحَيِّضُ المفارِقَةُ في الحياةِ، فعِدَّتُها إن كانتْ حُرَّةً أو مُبَعَّضَةً ثلاثةُ قُروءٍ كاملةٍ، وإلا قُرْآنِ.
الرابعةُ (مَن فَارَقَها حَيًّا) ولم تَحِضْ لصِغَرٍ أو إياسٍ، فتَعْتَدُّ حُرَّةً ثلاثةَ أَشْهُرٍ وأَمَةً شَهرينِ، ومُبَعَّضَةً بالحسابِ، ويُجْبَرُ الكسرُ.
الخامسةُ (مَن ارْتَفَعَ حَيْضُها ولم تَدْرِ سَبَبَهُ) فعِدَّتُها سَنَةٌ: تِسْعَةُ أشهُرٍ للحَمْلِ وثلاثةٌ للعِدَّةِ، وتَنْقُصُ الأمةُ شَهْرًا، وعِدَّةُ مَن بَلَغَتْ ولم تَحِضْ والمستحاضَةِ الناسيةِ والْمُسْتَحَاضَةِ الْمُبْتَدَأَةِ ثلاثةُ أَشْهُرٍ،
طيب، نقول: الآن عملنا بالآيتين جميعًا: أربعة أشهر وعشر، ووضع الحمل.
طالب: هذا نادر.
الشيخ: المهم إذا حصل، سبحان الله! إذا لم تحصل، نفرض أنها وضعت قبل أربعة أشهر وعشر، لما مضى شهران وضعت، تنقضي العدة؟ إن نظرنا إلى آية البقرة قلنا: ما تنقضي العدة؛ لأن الله يقول: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾، إن نظرنا إلى آية الطلاق قلنا: تنقضي. إذن نعمل بأيتهما؟ ما يمكن أن نعمل بهما جميعًا حتى نقول: تنتظر إلى أربعة أشهر وعشر.
[ ١ / ٦٩٣٨ ]
طيب، مضى عليها أربعة أشهر وعشر والحمل لم ينزل؛ ما وضعته، باقٍ عليه شهران وقد مضى عليها أربعة أشهر وعشر؟
إن نظرنا إلى آية البقرة قلنا: انقضت العدة، وإن نظرنا إلى آية الطلاق قلنا: ما انقضت؛ لأنها ما وضعت، إذن فتبقى حتى تضع، ولهذا ذهب علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس إلى أنها تعتد بأطول الأجلين، وحجتهما ظاهرة؛ لأنه ما يمكن العمل بالآيتين إلا هكذا.
ولكن السنة تأبى ذلك؛ سنة الرسول ﵊ تأبى ذلك، فإن سُبيعة الأسلمية مات عنها زوجها ونفست بعده بليالٍ معدودة، فأرادت أن تتزوج، فجعلت تتجمل للخُطَّاب، فمر بها أبو السنابل بن بعكك فقال: ما لكِ؟ يعني: تتجملين للخُطَّاب، لا يمكن أن تفعلي حتى يتم لك أربعة أشهر وعشر، أخذًا بأيش؟ بأطول الأجلين، هذا هو المعقول، لكن ذهبت إلى النبي ﵊، شدت عليها ثيابها ومشت إلى الرسول ﷺ وسألته، فقال: «كَذَبَ أَبُو السَّنَابِلِ»؛ يعني: أنه أخطأ، الكذب يراد به الخطأ، أخطأ، ثم أذن لها أن تتزوج (١).
ففي هذا الحديث الثابت في الصحيحين دليل على أن عموم آية الطلاق مقدم على عموم آية البقرة، ويكون المعتبر إذن وضع الحمل، سواء كان دون أربعة أشهر وعشر، أو فوق أربعة أشهر وعشر، وهذا هو الصحيح؛ على أنها تعتد بوضع الحمل طالت المدة أم قصرت.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، وقول المؤلف: (إلى وضعِ كلِّ الحَمْلِ)، لو () الحمل تنتظر؟
طالب: نعم.
الشيخ: تنتظر، وسيأتينا -إن شاء الله- منتهى مدته؛ أطول مدة.
طالب: أيش جوابهم عن ()؟
***
الشيخ: (وإنما تنقضي بما تصير به أمةٌ أُمَّ ولد) (تنقضي العدة بما) أي: بوضع ما تصير به أمةٌ أمَّ ولد، يحتاج الآن أن نراجع عاد باب العتق.
بماذا تصير الأمة أم ولد؟
[ ١ / ٦٩٣٩ ]
إذا وضعت ما تَبَيَّن فيه خلق إنسان؛ بأن بانت مفاصله، بانت يداه ورجلاه ورأسه، بَيِّن، لا عبرة بالخطوط؛ لأن الخطوط -بإذن الله- تُشَاهَد حتى وهو علقة، لكن الكلام على التميُّز، فإذا تميز -يعني: عُرف رأسه، ورجلاه بانت، ويداه بانت- ووضعت، فحينئذٍ تنقضي العدة، فإن وضعت من لم يتبين فيه خلق الإنسان فلا عبرة بهذا الوضع، وتعتد بالحيض إن كانت مطلّقة، وبأربعة أشهر وعشر إذا كانت متوفى عنها زوجها.
إذن (بما تصير به أمة أم ولد) ما هو؟ هو الذي تَبَيَّن فيه خلق إنسان.
طالب: حتى وإن لم يعش؟
الشيخ: إي، ما هو بعائش، إذا صار () ما يعيش إلا بعد ستة أشهر.
(فإن لم يلحقه لصغره) (يلحقه) يلحق الزوجَ، (لصغره) كيف لصغره؟ متى يكون صغيرًا؟ اللي دون العشر. زوج جامع زوجته وهو دون العشر، قلنا: لا عبرة بهذا الجماع، ولا بهذه الخلوة؛ لأن الولد لا يلحقه، كيف ما يلحقه؟ نعم، قل: ما يمكن أبدًا أن ينزل ماءً يُخْلَق منه آدمي وهو دون العشر، أبدًا، حتى لو فُرِضَ أن له شهوة وأنزل ماءً فلا يمكن () ولد حتى يتم له عشر سنين.
(أو لكونه ممسوحًا)، ويش لون (لكونه ممسوحًا)؟ يعني: ما له ذَكَرٌ، فهو ما يلحقه الولد؛ يعني: سواء بأصل الخلقة أو مقطوع فهو ما يلحقه.
إذن بماذا تعتد؟ تعتد بعد الوضع بما يكون عدةً لها؛ من حِيَضٍ أو أربعة أشهر وعشر.
طالب: ما هو واضح ()؟
الشيخ: لا، ما هو ().
طالب: () تكون زانية؟
الشيخ: كيف؟ ما هو لها الولد هذا.
الطالب: () تكون زانية؟
الشيخ: ما علينا منها، زانية ولَّا غير زانية، المهم أنه ما هو لها؛ يعني هذا رجل تزوج وهو ممسوحٌ؛ ما له ذَكَرٌ، وطلق زوجته، ثم وضعت بعد ستة أشهر، بعد سبعة أشهر، بعد ثمانية أشهر، نقول: هذه ما تنقضي بها العدة، السبب: لأنه لا يُنْسَب له؛ لعدم إمكان وطئه، هذا السبب.
[ ١ / ٦٩٤٠ ]
(أو ولدت لدون ستة أشهر منذ نكحها) يعني: فإنه لا يلحقه، بعد أن تزوج امرأة، ثم طلقها وهي حامل، ثم وضعت الحمل بعد أن مضى على عقد النكاح عليها خمسة أشهر وعاش الحمل؟
طالب: لا يلحقه.
طالب آخر: ليس له.
الشيخ: لا يلحقه. هل تنقضي العدة به؟ ما تنقضي؛ لأن هذا الولد لا يُنْسَب إليه، إذن بعد وضعه تعتد بثلاث حِيَضٍ.
وقول المؤلف: (ونحوه) بأن تأتي به فوق أربع سنين منذ أبانها؛ بناء على القول بأن أكثر مدة الحمل أربع سنوات، فإذا أتت به لأكثر من أربع سنوات منذ أبانها فإنها لا تنقضي به العدة، ولا يُنْسَب إلى زوجها.
مثال ذلك: هذا رجل طلَّق زوجته آخر ثلاث تطليقات وهي حامل، وبقيت على المذهب حاملًا حاملًا حاملًا، مضى أربع سنين ما وضعت، وضعت فوق أربع سنوات، من يكون الولد له؟ ليس له، إذن لا تنقضي به العدة، تنتظر حتى تحيض ثلاث حِيَضٍ.
طالب: أو استبراء في البينونة؟
الشيخ: لا.
الطالب: البينونة الكبرى.
الشيخ: طلاق، البينونة الكبرى فيها خلاف، لكن ظاهر الآية أنها عدة طلاق.
يقول المؤلف: (وعاش) قوله: (وعاش) يعود على قوله: (لدون ستة أشهر)، لدون ستة أشهر وعاش فإنها لا تنقضي به العدة؛ وذلك لأنه لا يمكن أن يولد جنين لدون ستة أشهر ويعيش؛ إذ إن أقل مدة يعيش فيها الحمل ستة أشهر.
استفدنا الآن من كلام المؤلف ﵀ أنه يُشْتَرط في الحمل الذي تنقضي به العدة أن يكون منسوبًا شرعًا إلى من له العدة، فإن لم يُنْسَب إليه لم تنقض به.
والشرط الثاني: أن يتبين فيه خلق إنسان، فإن لم يتبين به خلق الإنسان فإنها لا تنقضي به العدة.
يقول: (لم تنقض به، وأكثر مدة الحمل أربع سنين، وأقلها ستة أشهر، وغالبها تسعة أشهر).
[ ١ / ٦٩٤١ ]
الحمل له أقل، وأكثر، وغالب؛ غالبه تسعة أشهر، كما هو معروف، وأقله ستة أشهر بمقتضى دلالة القرآن؛ فإن الله يقول: ﴿حَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، ويقول: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]، فإذا أخذنا عامين للفصال بقي للحمل ستة أشهر، وهذا واضح.
أكثره أربع سنين، ما فيه دليل لا من القرآن ولا من السنة على هذا؛ ولذلك اختلف فيه العلماء، فقال بعضهم: أربع سنين، وقال بعضهم: سنتان، وقال بعضهم: ست سنوات، وقال بعضهم: سبع سنوات، وقال آخرون: لا حد لأكثره؛ لأن الكتاب -يعني القرآن- دل على أقله ولم يذكر أكثره، ولأن المعنى يقتضي ذلك، فإذا رأينا امرأة حاملًا وما زال الحمل في بطنها، ولم يجامعها أحد، ومضى أربع سنوات، نقول: الحمل الآن ما هو من زوجها؟ ! هذا ما يمكن نقوله، ولا يمكن أن يقال به، والمسألة مبنية يقولون: لأنه ما وُجِدَ أكثر من أربع سنين، هذا ما هو بصحيح، بل قد وُجِدَ أكثر من أربع سنين، ووجد إلى سبع سنوات، أو تسع.
طالب: ويمكن يوجد أكثر.
الشيخ: ويمكن يوجد أكثر ما ندري، فالمسألة معلقة بشيء موجود في البطن، يبقى حتى يوضع هذا الشيء الموجود، فالصواب أنه لا حد لأكثره. والله أعلم.
***
بسم الله الرحمن الرحيم.
(غالبها تسعة أشهر) غالب مدة الحمل تسعة أشهر؛ لأن هذا هو الواقع.
ما هو أقل زمن يتبين فيه خلق الإنسان؟
أقل زمن يتبين فيه خلق الإنسان واحد وثمانون يومًا، وغالب زمن يتبين فيه خلق الإنسان تسعون يومًا؛ ثلاثة أشهر، هذا الغالب، والحمل -عرفتم الآن- غالبه تسعة أشهر.
ما قولكم في رجل طلق امرأته فولدت لخمسة شهور منذ نكحها وعاش، تنقضي العدة ولَّا لا؟
طلبة: لا تنقضي العدة.
الشيخ: ليش؟
طالب: لأنه لا يُلْحَق ..
الشيخ: إي؛ لأن هذا ما وصل إلى أقل مدة الحمل. إذن تبتدئ عدة طلاق من جديد بعد الوضع.
البارحة أظن أشكل عليكم كونه ممسوحًا؟
طالب: إي نعم.
[ ١ / ٦٩٤٢ ]
الشيخ: الممسوح هو الذي قطع ذكره وأنثياه، هذا الممسوح، فإن قطعت أنثياه فقط فهو خَصِي، وإن قطع ذكره فقط فهو مجبوبٌ. فعندنا مجبوبٌ وخصيٌّ وممسوحٌ.
طالب: شيخ، () العدة بعد خمسة أشهر من الطلاق ولَّا من بيان الحمل؟
الشيخ: لا، من نكاحه.
الطالب: آخر مرة نكحها؟
الشيخ: من نكاحه؛ يعني: من عقده عليها.
الطالب: كيف؟
الشيخ: إي نعم. ()
يقول المؤلف ﵀: (ويباح إلقاء النطفة قبل أربعين يومًا بدواء مباح) (يُبَاح) يعني: يحل، (إلقاء النطفة قبل أربعين يومًا) النطفة هي القطرة من المني، يُبَاح إلقاؤها منين؟ من الرحم، لكن اشترط المؤلف أن تكون قبل أربعين يومًا من ابتداء الحمل؛ وذلك لأنه «يَبْقَى بِإِذْنِ اللَّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً» -كما قال النبي ﵊- «ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ» (٢).
اشترط المؤلف شرطًا آخر: (بدواء مباح)، فأما بدواء محرم فإنه لا يجوز. فلا بد من شرطين: أن يكون قبل أربعين يومًا، وأن يكون بدواء مباح. وظاهر كلام المؤلف سواء كان ذلك لحاجة أم لم يكن.
وعُلِمَ من قوله: (قبل أربعين يومًا) أنه بعد أربعين يومًا لا يُبَاح إلقاؤه ولو لم تُنْفَخ فيه الروح، وهو كذلك على المذهب، والمسألة فيها لها ثلاث حالات:
الأولى: أن يكون قبل أربعين يومًا.
الثانية: أن يكون بعدها وقبل نفخ الروح.
والثالثة: أن يكون بعد نفخ الروح.
أما بعد نفخ الروح فيه فيأتي -إن شاء الله- التفصيل فيه قريبًا.
وأما قبل أربعين يومًا ففيه خلاف بين أهل العلم؛ المشهور من المذهب الجواز أنه يجوز للمرأة أن تشرب دواء تُسقط الحمل إذا كان قبل أربعين يومًا، قالوا: لأنه الآن نطفة، ما بعد تكون إلى علقة، فلا يُعْلَم هل تفسد أو لا تفسد؟ ولأن الإنسان يجوز له أن يعزل، وهذا شبيه بالعزل.
[ ١ / ٦٩٤٣ ]
وقال بعض العلماء: إنه لا يجوز، ما دام تيقنت الحمل فإنه لا يجوز إسقاطه ولو كان نطفة، قالوا: لأن احتمال الفساد كاحتمال الموت بعد نفخ الروح، ما دام أنه علق وصار الحيوان المنوي علق بالبيضة فاحتمال أن يفسد وارد، كما أن احتمال أن يموت بعد نفخ الروح فيه وارد أيضًا، لكن الأصل أنه باقٍ، وليس كالعزل؛ لأن العزل منعٌ وهذا رفعٌ، أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: العزل منع؛ يعني: منع الماء أن يدخل في الرحم، وهذا رفع؛ يعني: رفع هذا الماء الذي وصل إلى الرحم وعلق وابتدأ تكوين إنسان، فبينهما فرق. وعلى هذا القول يكون حرامًا ما يجوز إلقاؤه. والفرق بينه وبين العزل واضح، ما فيه شك أن الفرق واضح.
ولكنه يأتي الحال الثانية إذا كان علقة، هل يجوز إلقاؤه أم لا؟
المذهب لا يجوز إلقاؤه؛ لأن العلقة دم، والدم مادة الحياة، فالآن انتقل وتحوَّل وتغير من الماء الذي لا قيمة له إلى دم هو ابتداء خلق الإنسان، وهو مادة الروح؛ ولذلك إذا نزف دم الإنسان فإنه يبقى أو يموت؟ يموت، قالوا: فإذا وصل إلى هذه المرحلة فإنه لا يجوز إلقاؤه.
وقال بعض العلماء: بل يجوز إلقاؤه؛ لأنه دم، والدم لا قيمة له؛ فإن النبي ﵊ حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام (٣)، والله حرم علينا أكل الميتة ولحم الخنزير، فإذن يكون لا قيمة له، فيجوز إلقاؤه، وليس آدميًّا محترمًا حتى نقول: إنه لا يجوز.
أما بعد نفخ الروح فيه فإنه لا يجوز إلقاؤه، ولكن إلقاؤه بعد نفخ الروح فيه له أحوال: تارة يُلْقَى في حالٍ يعيش فيها؛ مثل إذا تمت التاسع -مثلًا- المرأة وحصل عليها صعوبة في الوضع، يجوز إلقاؤه ولَّا لا؟ يجوز إلقاؤه بشرط أن نأمن السلامة؛ يعني: ألا يكون في ذلك خطر على حياته ولا على حياة أمه، فإن كان في ذلك خطر فهو حرام.
[ ١ / ٦٩٤٤ ]
الثانية: أن يُلْقَى قبل أوان نزوله؛ مثل أن يُلْقَى وله خمسة شهور، ستة شهور، قبل أوان النزول، فهذا يحرم؛ لأن الغالب أنه لا يسلم، اللهم إلا فيما لو ماتت الأم وهو حي، ورُجِيَ بقاؤه لو أُخرج، فهذا ربما يقال بالجواز.
لو قال قائل: الآن الحمل قد نُفِخَت فيه الروح وتحرك، لكن أمه لو بقي لكان خطرًا عليها؛ تموت، وإذا ماتت سيموت، فهل ننزله الآن ولَّا ما ننزله؟
طالب: ننزله.
الشيخ: أنتم فاهمون المسألة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: هذا جنين في بطن أمه قد نُفِخَت فيه الروح، وقالوا: إن بقي حتى يخرج فإنها تموت الأم، وإن أخرجناه هي تسلم، هل نخرجه؟
طالب: نعم نخرجه.
الشيخ: هه.
الطالب: ننظر ().
الشيخ: طيب. الآن نضرب مثلًا: هذا رجل ميت من الجوع وعنده طفل مملوء لحمًا وشحمًا، صغير، لحمه لين، وهذا الرجل ميت من الجوع، يقول: إذا ما أكلت الطفل هذا مِتُّ، ويش نقول؟
طالب: نقول: مت.
الشيخ: لا، الطفل صغير، ولحمه رقيق.
طالب: () حياته بموت ().
الشيخ: إي نعم، نقول: هذا لا يجوز، لا يجوز أن نخرجه من بطن أمه ونحن نعرف أنه بيموت.
فإذا قال قائل: إن أبقيتموه مات هو وأمه، فخسرتم نفسين؟
نقول: لكن هذا ليس بفعلنا، إذا أبقيناه وماتت أمه ومات هو هذا ليس بفعلنا، هذا بفعل الله ﷿، أما إذا نزَّلنا نحن الطفل ومات بفعلنا فنحن الذين قتلناه. ثم نقول: ربما تموت الأم ويكون -مثلًا- عندنا أجهزة نشق بطنها بسرعة ونخرج الولد ويسلم، وفي الحالة الأولى ربما نظن أنه لو بقي ماتت، ويكون مع المعالجة والمداراة والحمية تسلم الأم، ومعها الولد يمكن يسلم، المهم أنه ما هو على كل حال تموت الأم.
فبهذا نعرف أن الشرع كله خير، وأن الإنسان لو استحسن شيئًا قد يفوته أشياء، وإلا في بادئ الأمر يقول: كوننا نقتل نفسًا ولا نقتل نفسين أحسن، نقول: أبدًا، هذا فرق بين اللي من فعلنا واللي من فعل الله.
[ ١ / ٦٩٤٥ ]
وعلى هذا فإذا نُفِخَت فيه الروح فإنه لا يجوز إخراجه على وجه لا نأمن سلامته ويكون عليه خطر فيه.
إذا قال قائل: إذا كان بين النطفة ونفخ الروح، هو الآن -مثلًا- علقة أو مضغة لكن ما نُفِخَت فيه الروح، واضطررنا إلى تنزيله، بحيث إنه لو بقي في بطن أمه لخشي عليها الهلاك، ننزِّلُه ولَّا لا؟ في هذه الحال ننزله؛ لأنه إلى الآن ما نُفِخَت فيه الروح، والأم خطر عليها؛ يعني قال الأطباء: إنه تسعين في المئة يمكن تموت، نقول: هذا لا بأس به؛ لأن ما في ذلك قتل نفس، ولهذا الجنين في هذه المرحلة لو أنه نزل من بطن أمه لا يُغَسَّل ولا يُكَفَّن ولا يُصَلى عليه، يُحْفَر له في أي مكان ويدفن؛ لأنه إلى الآن لم يكن إنسانًا، ولا يبعث يوم القيامة؛ لأنه ما صار إنسانًا، وتأمل هذا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ [الحج: ٥].
فقوله: ﴿نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ هذا بعد الأطوار السابقة، وفي الآية الأخرى يقول: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ بعد ذكر العلقة والمضغة، ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، شوف ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾، من حيث الصورة والجسم ما تغير، لكن من حيث إنه صار إنسانًا يحس ويدرك جعله الله تعالى خلقًا آخر، ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤].
[ ١ / ٦٩٤٦ ]
الخلاصة الآن نقول: الذي يترجح لنا في هذه المسألة أنه لا يُلْقَى حتى ولو قبل الأربعين، إلا إذا كان لحاجة قبل الأربعين، أو لضرورة فيما بين الأربعين إلى نفخ الروح، وأما بعد نفخ الروح فلا يُخْرَج أبدًا.
طالب: متى الغالب في نفخ الروح؟
الشيخ: نفخ الروح ما هو غالب، يقين؛ أربعة أشهر، إذا مضى أربعة أشهر نُفِخَت فيه الروح.
***
ثم قال: (فصل: الثَّانِيةُ) يعني: من المعتدات، (المتوفي عنها زوجها) أو (المتوفى)؟
طلبة: (المتوفى).
الشيخ: (المتوفى)؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: ويش الفرق بين المُتَوفِّي والمُتَوَفَّى؟ اسم فاعل واسم مفعول، نعم، والصواب اسم المفعول؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، فالإنسان مُتَوَفى. ويجوز لكنه لغة ضعيفة جدًّا أن نجعلها لاسم الفاعل: مُتَوَفٍّ؛ يعني: متوفٍّ أجله ورزقه؛ يعني قد استوفاه واستكمله، لكن الأول هو الأصح.
(المتوفى عنها زوجها بلا حمل منه) احتراز من أيش (بلا حمل)؟ من الحامل.
طيب، والحامل؟ تقدم أن عدتها بوضع الحمل.
(بلا حمل منه قبل الدخول أو بعده) وقبل الخلوة أيضًا؟
طالب: وقبل الخلوة.
الشيخ: نعم، وقبل الخلوة.
وهل يُشْتَرط أن تكون ممن يُوطأ مثلها وهو ممن يطأ مثله؟
طالب: لا، لم يشترط.
طالب آخر: ما اشترطناه.
الشيخ: ما اشترطناه، ففي عدة الوفاة ما يُشْتَرط إلا شرط واحد فقط؛ وهو أن يكون النكاح غير باطل، ولا يُشترط سوى ذلك، فلا يُشترط وطءٌ ولا خلوةٌ ولا كِبَرٌ ولا عقلٌ، ولا شيء؛ ولهذا نقول: قبل الدخول وبعده، وقبل الخلوة وبعدها، وفي حال الصغر وفي حال الكبر.
طيب، لو عُقِد له على طفلة لها سنتان ومات عنها، تعتد؟
طالب: نعم.
الشيخ: وتحاد؟
الطالب: نعم.
الشيخ: نجنبها الزينة والطيب، ونخليها في البيت ما تطلع إلا لحاجة.
طالب: تهرب.
الشيخ: لا، نحطلها لعابيب حتى تقعد في البيت.
[ ١ / ٦٩٤٧ ]
المهم أنه لا يُشترط الكبر؛ يعني: البلوغ ما هو بشرط، والعقل ما هو بشرط، وكونه يمكن وطؤها ولَّا يجوز وطؤها ويمكن أن يولد له ليس بشرط، مطلقًا، والدليل على ذلك عموم الآية: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، ما قيَّد الله فيها شيئًا، مجرد كونها زوجة؛ ولهذا ترث منه ويرث منها.
طالب: ()؟
الشيخ: إي نعم، () على الغالب.
طالب: إذا عقد لها ولها سنتان هل تعتبر زوجة؟
الشيخ: إي.
الطالب: تعتبر زوجة؟
الشيخ: نعم.
الطالب: ويجوز يعني ..؟
الشيخ: يجوز بشروط تقدمت لنا في النكاح.
يقول: (للحرة أربعةُ أشهرٍ)، عندي أنا: (وعشرة) بالتاء.
طالب: وعشرة أيام بلياليها.
الشيخ: عندكم سدا؟
طالب: (أربعة أشهر وعشرة).
الشيخ: وعشرة أيام بلياليها، هذا بالشرح.
طالب: وعشرًا.
الشيخ: عندي بالتاء على أن التمييز مُذَكَّرٌ، (أربعة أشهر وعشرة)، لكن تقدم لنا أن ثلاثة إلى عشرة تُؤنث مع المذكر وتُذكَّر مع المؤنث إذا ذُكِرَ المُمَيَّز، أما إذا لم يُذكر فيجوز الوجهان، وعلى هذا فيكون قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] ما هي عشر ليالٍ كما قاله كثير من الناس، ولكن ﴿عَشْرًا﴾ عشرة أيام؛ لأن (أشهر) للزمان النهاري، فكذلك عشرة أيام، لكنها لم تؤنث؛ لأنه لا يجب تأنيث العدد مع تذكير المعدود إلا إذا ذُكِرَ؛ إذا كان مذكورًا.
المهم للحرة أربعة أشهر وعشرة أيام، الدليل الآية: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤].
[ ١ / ٦٩٤٨ ]
ما هي الحكمة في أنها أربعة أشهر وعشر، الحكمة لماذا؟ الحكمة في ذلك -والله أعلم- أنها حمايةٌ لحق الزوج الأول، ولذلك لما عظم حق الرسول ﵊ صارت نساؤه حرامًا على الأمة في كل الحياة؛ لعظم حقه، أما غيره فيُكْتَفى بأربعة أشهر وعشرة أيام.
طيب، لماذا كانت أربعة وعشرة؟
الأربعة ثلث الحول والعشرة ثلث الشهر، وقد جاء في الحديث: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» (٤)، وكانت النساء في الجاهلية يبقين في العدة سنةً في أكره بيت؛ يحطون لها خباء صغيرًا في بيتهم، وتقعد به بالليل والنهار، ولا تغسل ولا تنظف ولا شيء أبدًا، يعطونها () من وراء الستار، وتبقى سنة كاملة يمر عليها الصيف والشتاء، فإذا خرجت جابوا لها عصفورًا ولَّا دجاجة ولَّا شي وخلوها تتمحش به، إذا تمحشت به ومات فهذه ممتازة؛ من كراهتها ورائحتها، ثم ماذا تفعل؟ تطلع من هذا الخباء المنتن الخبيث تأخذ لها بعرة من الأرض، تعرفون البعرة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: وترمي بها، كذا، كأنها تقول بلسان الحال: كل اللي مر عليَّ ما يسوى () البعرة، هذه سنة كاملة، لكن الإسلام -والحمد لله- جاء بهذه المدة الوجيزة؛ أربعة أشهر وعشرة أيام، ثم مع ذلك هل منعها من التنظف؟ لا، تتنظف كما شاءت، وتلبس ما شاءت، غير ألَّا تتبرج بزينة -كما سيأتي- ولا تتطيب.
إذن أربعة أشهر وعشرة أيام، سواء حاضت أم لم تحض، حتى لو كانت ممن تحيض وحاضت ثلاث حِيَضٍ ما علينا منها، تحيض ثلاثة وأربعة ما علينا منها، ولو كانت ممن لا يحيض في الشهرين إلا مرة ولم تحض إلا مرتين، تنتهي عدتها ولَّا لا؟ تنتهي بأربعة أشهر وعشرة أيام.
طالب: () بعد أربعين يومًا؟
الشيخ: إي، ذكر فتح الباري كلامًا طويلًا عليها، راجعه.
() طيب، (وللأمة نصفها) يعني: شهران وخمسة أيام.
[ ١ / ٦٩٤٩ ]
فإن قال قائل: حق الزوج لا فرق فيه بين الأَمَة وبين الحرة، وأنتم تقولون: إن أربعة أشهر وعشرة أيام من أجل حماية حق الزوج، فأي فرق بين الأمة والحرة؟ ! ثم إن الآية عامة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]؟
قلنا: هذا تعليل صحيح، فعندنا الآن لو قال قائل: ليش تجعلونها على النصف وعندنا عموم الآية وعموم المعنى؛ عموم الآية هذه امرأة متوفًّى عنها زوجها، وعموم المعنى؟ ما هو عموم المعنى؟ أن حماية حق الزوج لا فرق بين أن تكون المتوفى عنها أمة أو حرة.
فالجواب على ذلك أن الصحابة أجمعوا على أن المطلَّقة عدتها نصف الحرة، على ما نقل عنهم، فهذه مقيسة عليها، بل إن بعضهم حكى الإجماع على أن المتوفى عنها إذا كانت أمةً تعتد بشهرين وخمسة أيام.
والحقيقة أن الآية لو تمسك أحدٌ بعمومها وبعموم المعنى لكان له وجه، وهو أرجح، إلا إذا منع من ذلك إجماع، ولكن الإجماع لم يمنع منه، فإنه قد نُقِلَ عن الأصم وعن الحسن أنهما كانا يريان ذلك.
فأقول: إن القول بأنه لا فرق بين الحرة والأمة هو القول الصواب ما لم يمنع منه إجماع، فإن منع منه إجماع فالحجة به.
طالب: شيخ، في الآية: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، قلنا: إن الأمة ما تعتبر زوجة؟
الشيخ: لا، إذا كانت زوجة، ما هو بالأمة التي وطئها سيدها، ذاك تسمى سُرِّيَّة، مثلًا زوجة أمة، أنا مزوجها واحدًا، وهي لي ملكي، مات عنها هذا الرجل، صار ترك زوجةً. ما هو بواضح؟
الطالب: جزاك الله خيرًا.
الشيخ: يقول المؤلف: (فإن مات زوجُ رجعيةٍ في عدة طلاق سقطت، وابتدأت عدةَ وفاةٍ منذ مات وإن مات من أبانها) إلى آخره.
هذه المسألة التي بدأها المؤلف: إذا مات الإنسان وزوجته في عدة فلا تخلو من ثلاث حالات: إما أن تكون رجعية، أو بائنًا لا ترث، أو بائنًا ترث.
[ ١ / ٦٩٥٠ ]
كم دولي؟ ثلاث. اسمع للرجعية يقول: (إن مات زوج رجعية في عدة طلاق سقطت، وابتدأت عدة وفاة منذ مات) مثال ذلك: رجل طلق زوجته طلاقًا رجعيًّا، حاضت مرتين وبقيت عليها الحيضة الثالثة ومات، تبتدئ عدة وفاة من جديد؛ منذ مات تعتد أربعة أشهر وعشرة أيام، وهي ما بقي عليها الآن إلا كم على عدة الطلاق؟ حيضة واحدة، لكن الآن نقول: تستأنف عدة وفاة أربعة أشهر وعشرة أيام.
الدليل قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ في المطلقات، ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاَحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وجه الدلالة من الآية أن الله سمى المُطَلِّق بعلًا؛ أي زوجًا، فإذا ضممت هذه الآية إلى قوله: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] صارت الرجعيةُ زوجةً متروكةً بعد الوفاة، فيلزمها عدة الوفاة.
طالب: شيخ، بالنسبة لما حكي في الإجماع بالنسبة للطلاق أو بالنسبة للمتوفى عنها زوجها؟
الشيخ: كلهم، أما المتوفى عنها زوجها فثابت الخلاف فيه.
الطالب: ظاهر كلام الشارح أن هناك قياسًا؟
الشيخ: إي نعم، قياس، لكن حكى غيره الإجماع على ذلك إلا خلاف الأصم والحسن.
طيب، هذه واحدة.
ثانيًا: البائن التي لا ترث، واستمع إليها في كلام المؤلف؛ يقول المؤلف: (وإن مات في عدة من أبانها في الصحة لم تنتقل) إذا مات في عدة المبانة التي لا ترث فإنها لا تنتقل، لماذا؟ لأنها أجنبية منه، ما يملك ردها، البينونة لها طرق كثيرة كما سبق؛ منها أن تكون هذه الطلقة آخر ثلاث تطليقات، إذا كانت الطلقة هذه آخر ثلاث تطليقات، لما مضى حيضتان مات، تستأنف العدة؟
طالب: لا، تكمل العدة.
الشيخ: تكمل العدة، يبقى عليها حيضة واحدة؛ وذلك لأنها ليست زوجة، ولا علاقة بينها وبين زوجها بأي شيء من علائق النكاح؛ فلهذا لا تنتقل.
[ ١ / ٦٩٥١ ]
ومثلها من طلقها على عِوَض؛ رجل طلق زوجته على عوض واعتدت بحيضتين، ثم مات قبل الثالثة، ماذا تصنع؟ تستمر؛ يعني: تكمل الحيضة وتنتهي، لماذا؟ لأنها ليست زوجة، وليس بينها وبين زوجها شيء من أحكام النكاح.
طالب: ويش هو العوض؟
الشيخ: قروش؛ يعني () الجهاز وطلقني، إي نعم.
يقول: (وتعتد من أبانها في مرض موته الأطولَ من عدة وفاة وطلاق، ما لم تكن أَمَةً، أو ذِمِّيةً، أو جاءت البَيْنُونَةُ منها فَلِطَلاَقٍ لا غيرَ).
شوف (تعتد من أبانها في مرض موته) لكن بشروط كما سيأتي، (من أبانها في مرض موته) إذا أبانها في مرض موته فهو مُتَّهم بقصد حرمانها، ثم مات وهي في العدة، هل ترث ولَّا ما ترث؟ ترث؛ لأنه مُتَّهم، وفي العدة تعتد الأطول من عدة وفاة أو طلاق، عدة الوفاة متى تبدأ؟ من وفاته، وعدة الطلاق تكميل، إذن أيهما الأطول؟
طلبة: عدة الوفاة.
الشيخ: عدة الوفاة؟
طالب: يمكن ().
الشيخ: إي، ما نقدر نقول: الوفاة، يمكن ما تحيض إلا بعد شهرين مرة، أنا سألتني امرأة تقول: إنه () الحيض أربعة أشهر، لكن يجيئها الحيض شهرًا كاملًا، سبحان الله، هذه عجائب! ما تحيض لكن يجيئها الحيض كأنه -والله أعلم- يجتمع في شهر واحد، سبحان الله العظيم!
أقول: تعتد الأطول من عدة وفاة وطلاق؛ ولهذا المؤلف قال: (الأطولَ من عِدَّةِ وفاةٍ وطلاقٍ).
نعيد المثال مرة ثانية للإيضاح: رجل طلَّق زوجته في مرض موته المخوف متهمًا بقصد حرمانها، في أثناء العدة مات، لنفرض أنه مضى حيضتان ومات، ويش نقول؟ تعتد الأطول من عدة الوفاة والطلاق، فإن كانت عدة الوفاة أطول اعتدت بها، وإن كانت عدة الطلاق أطول اعتدت بها.
طالب: الدليل يا شيخ؟
[ ١ / ٦٩٥٢ ]
الشيخ: ما فيه دليل، فيه التعليل، التعليل يقولون: لأنها زوجة وليست زوجة؛ فباعتبار أنها ترث زوجة، وباعتبار أنها ليست رجعية -انقطعت العلاقة بينها وبين زوجها- ليست بزوجة، فنأخذ بالأحوط ونقول: تعتد بالأطول؛ لأنها إن كانت زوجة اعتدت عدة وفاة لا غير، وإن كانت غير زوجة أكملت عدة الطلاق لا غير، فإذا كان فيها شائبة من هذه ومن هذه فإننا نقول بماذا؟ تعتد بالأطول؛ لأنه هو الأحوط.
المثال: رجل طلَّق زوجته في مرض موته المخوف متهمًا بقصد حرمانها، لما حاضت مرتين مات، نقول: الآن نشوف أيهما أطول؟ تقول: واللهِ هي تحيض بالشهر مرة، كم بقي عليها باعتبار الحيض؟ شهر، وباعتبار الموت أربعة أشهر وعشرة، نقول: إذن ابتدئي العدة من جديد أربعة أشهر وعشرة أيام، والتزمي فيها الإحداد، عدة وفاة.
فإن قالت: إنها الآن هو أبانها وهي الآن ترضع، وباقٍ على الحيض سنتان ويجيء، أيهما الأطول؛ عدة الطلاق ولَّا عدة الوفاة؟
طلبة: عدة الطلاق.
الشيخ: انتبهوا له؛ هذا رجل مطلق امرأته وهي ترضع، الحيض عادة ما يأتي المرضع، وهي لازم تنتظر حتى يأتيها الحيض، وتحيض ثلاث مرات، الآن الأطول بلا شك () أو نقول: لا إحداد عليها؛ لأن الإحداد تبع للعدة، والآن العدة هي عدة طلاق وليست عدة وفاة؟ هذه محل نظر، والظاهر أن الإحداد من توابع العدة، فإذا ألزمناها بعدة الطلاق فلا إحداد، وإذا ألزمناها بعدة الوفاة فعليها الإحداد.
كلام المؤلف يقول: (ما لم تكن أَمَةً، أو ذمية) ليش استثنى الأمة والذمية؟
طلبة: ().
الشيخ: لا؛ لأن الأمة لا ترث، فلو طلَّقها في مرض موته المخوف يُتَّهم بقصد حرمانها ولَّا لا؟ لا، ليش؟ لأنها غير وارثة.
(أو ذمية) وهو مسلم ما ترث؛ لاختلاف الدين.
(أو جاءت البينونة منها) لا ترث؛ لأنه غير مُتَّهم، ما دامت البينونة منها فهو غير مُتَّهم.
وعلى هذا فنقول: إذا مات في عدة الرجعية فلها ثلاث حالات:
[ ١ / ٦٩٥٣ ]
إذا مات في عدة منه فإن كانت رجعية انتقلت إلى عدة الوفاة.
وإن كانت بائنًا لا ترث أكملت عدة الطلاق.
وإن كانت بائنًا ترث اعتدت الأطول من عدة وفاة وطلاق.
() الطلاق؛ لأنه لا علاقة بينه وبينها، بدليل أنه لا يرث منها لو ماتت، وأنها بائنة من الآن؛ لا يجوز أن يخلو بها، ولا أن يسافر بها، ولا أن تكشف له وجهها ولا شيء، وإنما ورَّثناها منه معاملةً له بنقيض قصده، فهنا العلة ليست من قِبَلِ الزوجية، ولكن من قِبَلِ معاملة الإنسان بنقيض قصده، وهذا القول -كما ترى- قوي جدًّا؛ لأنه ما الذي يخرجه عن العموم؟ هذه مطلقة بائن لا علاقة بينها وبين زوجها، ولكننا ورثناها منه معاملةً له بنقيض قصده، ومسألة الإرث غير مسألة العدة، صحيح أن الإرث هنا قد نقول: نجعله في حكم الزوجات، ولكننا نقول: لا، ما هو في حكم الزوجات؛ لأنها لم ترث منه لأنها معتدة منه، ولكن معاملة له بنقيض قصده، ولذلك لو تمت العدة ومات بعد انتهاء العدة ترث ولَّا لا؟
طالب: ما ترث.
الشيخ: ترث منه ما دام متهمًا بقصد حرمانها، فدل ذلك على أنه ليست العلة العدة، ولا علاقة للعدة في باب الميراث، وهذا القول هو الأرجح، عندما تتأمله تجد أنه أرجح من القول الذي مشى عليه المؤلف، وهي أنها تعتد الأطول؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان.
طالب: حتى ولو تزوج؟ ()
الشيخ: (ما لم تكن أَمَةً) يعني: ما لم تكن الْمُبَانة في مرض الموت المخوف أمة فلا تنتقل؛ يعني: ما تعتد بالأطول، السبب لأنها لا ترث.
يتصور أن تكون أَمَةٌ وهي زوجة رشيد؟
طالب: نعم.
الشيخ: يتصور أَمَة وهي ().
(جاءت البَيْنُونَةُ منها) (أو ذمية) يعني: من أهل الكتاب فهذه لا ترث منه، فلا تنتقل؛ تبقى على عدتها، وهذا يمكن؟
طالب: يمكن.
الشيخ: يمكن، يمكن يتزوج المسلم نصرانية أو يهودية.
[ ١ / ٦٩٥٤ ]
(أو من جاءت البَيْنُونَةُ منها فَلِطَلاَقٍ لا غير) (من جاءت البينونة منها) مثل أن علق طلاقها على فعل لها منه بدٌّ؛ مثل أن يقول: إن خرجت من البيت فأنت طالق، يريد الطلاق، فخرجت في مرض موته المخوف، فهنا ترث ولَّا لا؟ ما ترث، وعلى هذا فلا تنتقل بالعدة، تبقى على عدة الطلاق؛ لأن البينونة جاءت منها.
طالب: ما نقول: إنه في هذه الصورة التي ذكرت أنه أراد أن تكون في العنت؟
الشيخ: أبدًا الإنسان هي زوجته له أن يحبسها عن الخروج؛ ولهذا قلنا: لها منه بدٌّ، أما ما لا بد لها منه؛ مثل أن يقول: إن ذهبت إلى الحمام فأنت طالق، وذهبت في مرض موته المخوف، ما تقدر، هذا شيء لا بد لها منه، فهي في هذه الحال تطلق ولكن ترث، إي نعم، وتعتد الأطول من عدة وفاة أو طلاق.
قال: (وإن طلق بعض نسائه مبهمة أو مُعَيَّنة ثم نَسِيها).
طالب: (أُنْسِيها).
الشيخ: يجوز (أُنْسِيها) و(نَسِيها)، يقول: (ثم نَسِيها، ثم مات قبلَ قُرعةٍ اعتدَّ كلٌّ منهنَّ سوى حاملٍ الأطولَ منهما).
قول المؤلف: (وإن طلَّق) هذا كلام مطلق، ولكن يجب أن يقيد؛ يعني: وإن طلق طلاقًا بائنًا، لماذا؟ لأنه لو طلق طلاقًا رجعيًّا لكان حتى المطلقة تنتقل إلى عدة الوفاة، فلا فرق بين المبهمة أو المعينة، فيتعين أن يُقَيَّد هذا الإطلاق بأن يقال: وإن طلَّق بعض نسائه طلاقًا دائمًا.
(مبهمة) ويش مثال الإبهام؟ مثل أن يقول: إحداكما طالق، مبهم، أيهنَّ؟ ما ندري. أو قال: هند طالق، وكان اسمهما هندًا، ما يدري، مبهمة.
(أو معينة) بأن قال: هند طالق وله زوجة أخرى اسمها زينب، هذه معينة، لكن نسي، ما يدري الآن؛ التبس عليه الأمر.
يقول المؤلف: (ثم مات قبل قرعةٍ) أفادنا المؤلف أنه في مثل هذه الصورة تُسْتَعمل القرعة، وقد سبق لنا في باب الشك في الطلاق أنها تُسْتَعمل القرعة بينهما، فمن وقعت عليها القرعة فهي طالق، فهنا نستعمل القرعة، لكن هذا الرجل مات قبل أن يُقْرَع بينهما.
[ ١ / ٦٩٥٥ ]
يقول: (اعتدَّ كل منهن) أي: من نسائه، (الأطولَ منهما) من أيش؟ من عدة الوفاة وعدة الطلاق، لماذا؟ لأن كل واحدة منهن يحتمل أن تكون هي المطلقة، والأخرى غير مطلقة.
طيب، اللي غير مطلقة تعتد عدة وفاة، والمطلقة تعتد عدة طلاق، هنا ما ندري أيتهما؟ هل هي هند ولَّا زينب ولَّا عائشة؟ ما ندري، ما نخرج من التبعة بيقين إلا إذا ألزمنا كل واحدة منهن الأطولَ من عدة وفاة وطلاق.
ما نحتاج إلى قيد آخر؟ يقول: من طلق بعض نسائه وهو في حال صحته، يحتاج ولَّا لا؟ بناء على القاعدة اللي سبقت إذا طلق طلاقًا بائنًا في مرض موته، ويش قلنا؟ إذا مات تعتد الأطول، الآن إذا كان الطلاق بائنًا وهو في مرض موته المخوف، ومات عنهن كلهن، التي لم تطلَّق ويش يلزمها؟ عدة وفاة، والتي طُلِّقت يلزمها الأطول.
فإذن نقول: كل منهن يلزمه الأطول سواء في مرض الموت أو في حال الصحة، لازم أن تعتد الأطول؛ وذلك لأن المبانة في حال المرض تعتد الأطول، واللي ما أبينت ويش تعتد؟ عدة وفاة ولو كانت أقصر. إذن فلا حاجة أن نقيده فنقول: في حال الصحة، ولكنا نقيده بالقيد السابق؛ وهو أن يكون الطلاق بائنًا.
وقول المؤلف: (سوى حامل) لماذا استثنى الحامل؟
طالب: لأن ().
الشيخ: إي؛ لأن عدتها بوضع الحمل، سواء كانت مبانة أو للوفاة، فعدتها بوضع الحمل، ما فيه أطول وأقصر، هذا السبب في استثناء الحامل.
وخلاصة المسألة هذه أن من طلَّق واحدةً من نسائه مبهمة أو معينة ثم أُنْسِيها، فلا يخلو من حالين: إما أن يكون الطلاق رجعيًّا أو بائنًا؛ فإن كان رجعيًّا انتقل الجميع إلى عدة الوفاة؛ لأن الرجعية في حكم الزوجة، وإن كان بائنًا اعتد الجميعُ الأطولَ من عدة وفاة وطلاق.
طالب: إلا الحامل.
الشيخ: الحامل؛ لأنه ما فيه أطول، السبب أنه استثنى الحامل ..، استثناء الحامل لا وجه له في الواقع، لماذا؟ لأن الحامل.
طالب: ().
[ ١ / ٦٩٥٦ ]
الشيخ: إي نعم، الحامل ما فيه أطول وأقصر، عدة الطلاق وضع الحمل، وعدة الوفاة وضع الحمل، إي نعم.
() (الأطول منهما. الثالثة: الحائل).
(الحائل) يعني: اللي غير حامل، إذا كانت الوفاة فما عدتها؟ أربعة أشهر وعشر؛ ولهذا عدة الوفاة هي أسهل شيء، عدة الوفاة للمتوفى عنها حالان: حامل أو حائل؛ الحامل بوضع الحمل، والحائل أربعة أشهر وعشر، لكن المفارقة في الحياة هي اللي فيها تفاصيل.
(الحائل ذات الأقراء المفارَقة في الحياة) ثلاثة شروط:
(الحائل) احترازًا من الحامل.
(ذات الأقراء) احترازًا ممن ليست ذات أقراء.
والثالث: (المُفارَقة في الحياة) احترازًا من المفارَقة بالموت، فقد سبق الكلام عليها.
شروط ثلاثة، هذه عدتها يقول: قرءان أو ثلاثة قروء.
يقول المؤلف ﵀ترى أنا تارك الجملة بالعناية- يقول: (المفارَقة في الحياة) فرقة الحياة ما هي؟ طلاق أو فسخ، لكن الفسخ يتنوع، ذكرنا لكم أن ابن القيم ذكر في بدائع الفوائد أن الفرقة عشرون نوعًا.
يقول: (المفارقة في الحياة، فعدتها ثلاثة قروء كاملة، وإلا قرءان)، ما هو الدليل على أن عدتها ثلاثة قروء؟ الدليل قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، الآية واضحة صريحة ﴿ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾.
أما كونها () (قَرْءان) فإنه وردت فيها أحاديث مرفوعة (٥) مجموعها يقضي بأنها حسنة، وورد فيها آثار عن الصحابة صحيحة (٦) على أن عدتها حيضتان؛ فيكون عموم الآية مخصَصًا بهذه الآثار الواردة المرفوعة والموقوفة، فيكون للأَمَةِ قَرءان بفتح القاف؛ لأن قُروء جمع (قَرء) بالفتح، تثنية (قَرء): قَرءان.
لماذا لا نقول: قرء ونصف؛ تنصيص؟ لأن الحيض ما يتبعض؛ فلهذا جبروه وقالوا: إن عدتها حيضتان.
ما هي الأقراء؟
[ ١ / ٦٩٥٧ ]
الأقراء اختلف فيها أهل العلم اختلافًا كثيرًا، ولكن القول الصواب في ذلك أنها هي الحِيَض، كما قال المؤلف؛ أن الأقراء هي الحيض، وهذا هو قول عشرة من الصحابة، منهم الخلفاء الأربعة، وإذا جاء الخلفاء الأربعة فهم لا قول لأحد سواهم، إلا إذا كان الكتاب والسنة معه، فالخلفاء الأربعة -أبو بكر وعمر وعثمان وعلي- كلهم يقولون بهذا القول، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وابن عباس، جماعة كثيرون، كلهم يقولون بهذا القول: إنها هي الحيض، وهذا هو ظاهر القرآن والسنة؛ لقوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقال تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، وابن عمر طلَّق في الحيض، فغضب الرسول ﵊ وأمر بأن تطلق طاهرًا (٧)، وهذا دليل على أن القَرء هو الحيض؛ لأن الرسول ﵊ جعل طلاق ابن عمر طلاقًا لغير العدة، ولو كانت الأقراء هي الأطهار لكان طلاقه طلاقًا للعدة؛ لأنه الآن يستقبل الطهر إذا طلقها في حال الحيض، ولكنه إذا جعلنا الأقراء هي الحِيَض فهو ما يستقبل الأقراء إلا إذا طلق في حال الطهر، ثم إن الرسول ﵊ ورد عنه في المستحاضة أنها تجلس أيام أقرائها (٨)، ومعلوم أنه لا يريد أيام طهرها، وإنما يريد أيام حيضها، والنبي ﵊ لا شك أن تفسيره هو الحجة؛ لأنه يفسر كلام الله ﷿، وهو أيضًا إمام أهل اللغة، أفصح العرب من؟ محمد ﵊، فهو إن فسر ذلك بمقتضى التفسير الشرعي للقرآن فهو تفسير شرعي، وتفسيره ﵊ أعلى أنواع تفاسير المخلوقين، وإن فسره بمقتضى اللغة العربية فهو أفصح مَن نطق بالعربية.
وعلى هذا فنقول: الصواب أن الأقراء هي الحِيَض، وعلى هذا فيكون معنى قوله تعالى: ﴿ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾ أي: ثلاث حِيَض.
[ ١ / ٦٩٥٨ ]
والمؤلف قال: (ثلاثة قروء كاملة)، فعلى هذا لو طلَّق في أثناء الحيضة -وقلنا بوقوع الطلاق- فإن البقية هذه لا تُحْتَسب؛ لأنك لو حسبتها وقلت: بعدها حيضتان صارت الأقراء ناقصة؛ صارت حيضتان ونصفًا، وإن أخذت نصف الرابعة بعَّضت الحيض، والحيضُ لا يتبعض. وعلى هذا فإذا طلَّق في أثناء الحيضة فإن بقية هذه الحيضة لا يُحسب، بناء على القول بأن طلاق الحائض يقع، وقد سبق لنا أن القول الصحيح أن طلاق الحائض لا يقع، لكن بناء على ذلك يكون لا يُحْسَب هذا، ونستفيد عدم حسبانه من قول المؤلف: (ثلاثة قروء كاملة).
(قروء كاملة) ويش؟ بالنصب ولَّا بالجر؟
طالب: بالجر.
طالب آخر: بالنصب.
طالب آخر: معطوف.
الشيخ: لا، نذهب () (قروءٍ كاملةً) نعت لـ (ثلاثة) ولَّا (كاملةٍ) نعت لـ (قروءٍ)؟
طالب: يصح.
الشيخ: يصح الجميع؟
الطالب: لا، الثاني؛ بالنصب، ثلاثة كاملة.
طالب آخر: نعت لـ (قروء).
الشيخ: الظاهر يصح الوجهان، هذه يصح فيها الوجهان، لكن الأقرب عندي أنها صفة لـ (ثلاثة)؛ يعني: لا بد أن تكون الثلاثة كاملة، فهي أقرب ولكن يجوز الوجهان، لكن لو تقول: أطعم عشرةَ مساكين محتاجين، مثلها الظاهر، نعم مثلها.
في هذه الحال نقول: يجوز لك فيها الوجهان؛ النصب أو الجر.
طالب: ()؟
الشيخ: ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، في قُبل عدتهن.
الطالب: لا، الحديث، أقصد الحديث.
الشيخ: إلا الحديث، الحديث تفسير للآية؛ لأن الرسول فسر () قال: «فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» (٧)، فلو كانت الحيض هي الأطهار لكان ابن عمر مستقبلًا للعدة، لكنه لما كانت القروء هي الحيض صار إذا طلق في أثناء الحيضة ما استقبل العدة، إي نعم.
ثم قال المؤلف: (الرَّابِعَةُ: مَنْ فَارَقَها حَيًّا وَلَمْ تَحِضْ لِصِغَرٍ أَوْ إِيَاسٍ) ..
طالب: تركت يا شيخ.
الشيخ: ويش هي؟
الطالب: ().
الشيخ: هي الحِيَض.
الطالب: (حرة أو مبعضة).
[ ١ / ٦٩٥٩ ]
الشيخ: لا، هذه ما هي عندي، (فعِدَّتُها إن كانت) () ما تركتها عمدًا؛ أنا تركت عمدًا الحيض؛ لأني متكلم عنها وحدها.
(حرة أو مبعضة ثلاثة أقراء) حرة أو مبعضة تكون ثلاثة أقراء. ويش معنى (مبعضة)؟ يعني: بعضها حرٌّ وبعضها رقيقٌ، هذا معنى مُبَعَّضة، ويمكن أن يكون ذلك؟ يمكن أن يكون ذلك؛ مثل: لو أعتقها أحدُ الشركاء وهو معسرٌ، هي امرأة مشتركة أعتقها أحد الشركاء وهو معسر، فإنه لا يعتق منها إلا ما أعتقه هو، والباقي يكون رقيقًا.
لو تزوجت هذه الأمة، ومعلوم شوفوا الأمة المشتركة ما يجوز لأسيادها أن يطؤوها، لكن يجوز أن يزوجوها. ليش ما يصح أن يطؤوها؟ لأن كل واحد ما يملكها، إنما يملك بعضها، إذن ما فيه طريق أن تنال حظها من الاستمتاع إلا بالزواج، فإذا زوجوها وطلقها زوجها فهي الآن مبعضة. كيف تعتد؟ نقول: عدتها كالحرة، والتعليل لأن الحيض لا يتبعض.
***
يقول المؤلف: (والرابعة: من فارقها حيًّا ولم تحض لصغر أو إياس) يعني: من فارقها مَنْ؟ زوجها، (حيًّا) يعني: بخلاف من فارقها ميتًا، وقد سبق.
(ولم تحض لصغر أو إياس)، (لم تحض لصغر) هذا صحيح التعبير؛ لأن (لم) حرف نفي وجزم وقلب، لكن (لم تحض لإياس)، الأَولى أن يقال: لا تحيض؛ لأنها قد حاضت ووقفت، لكن المؤلف كأنه من باب التغليب عبَّر بهذه العبارة.
(لم تحض لصغر أو إياس) اللام في قوله: (لصغرٍ) للتعليل؛ يعني: لم تحض لأنها صغيرة، أو لا تحيض لأنها كبيرة آيسة.
طيب، الصغيرة على المذهب لا حيض قبل تمام تسع سنين، فلو حاضت ولها ثمان سنين ونصف فهذا ليس بحيض، حتى لو هي تحيض حيضًا مطردًا كل شهر وبمدة معينة محدودة، لكن ما تم لها تسع سنين، فهو على المذهب ليس بحيض؛ لأنه لا حيض قبل تسع سنين.
فلو أن رجلًا تزوج امرأة لها ثمان سنوات وفارقها وهي تحيض هذا الحيض، لكن ما تمت التسع؟
طالب: تعتد ثلاثة أشهر.
الشيخ: تعتد ثلاثة أشهر؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: إي.
طالب: () تحيض.
[ ١ / ٦٩٦٠ ]
الشيخ: تحيض، إي يمكن، إحنا فرضناها تحيض، لكن على المذهب يقولون: لا تحيض، فهذا الحيض ليس معتبرًا، كم تعتد؟
طلبة: ثلاثة أشهر.
الشيخ: متفقون على هذا؟
طلبة: على المذهب.
الشيخ: على المذهب إي، نبغي على قواعد المذهب.
طالب: العدة ().
الشيخ: حياة، طلاق. ()
في الأول أنا قلت لكم: الباب الأول اللي فيه شروط العدة هذا أساس، لا تجب عدة من مفارقة حياة إلا إذا كان الزوج يطأ مثلُه، والزوجة يُوطأ مثلها، وقلنا: إن الزوج الذي يطأ مثلُه كم؟
طالب: عشر سنوات.
الشيخ: والمرأة تسع، فهذا الرجل اللي فارقها وهي ثمان سنوات وتحيض، عليها عدة؟ ما عليها عدة على المذهب.
طالب: وإن حملت ()؟
الشيخ: المهم دعونا، نبغي على المذهب، على المذهب ما لها عدة، لكن على القول الراجح أن هذه المسألة منوطة بالوجود، وهو الصحيح، يمكن إذا وُجِد الحيض المطرد ولها ثمان سنوات وطُلقت فإنها تعتد بثلاثة قروء؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
وقوله: (أو إياس) (إياس) مصدر: أَيِسَ يَيْأَسُ إِياسًا، مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]، فقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ بماذا يكون اليأس؛ أبالزمن أم بالحال؟ المذهب أنه بالزمن، فلا حيض بعد خمسين سنة، فإذا بلغت المرأة خمسين سنة فقد أيستْ، ولو كان الحيض يأتيها، ولو كان مطردًا؛ لأنه لا حيض بعد خمسين سنة.
[ ١ / ٦٩٦١ ]
فهذه امرأة طلقها زوجها ولها خمسون سنة، وهي تحيض حيضًا مطردًا؛ تحيض كل شهرين مرة منذ بلغت إلى اليوم، كم عدتها على المذهب؟ ثلاثة أشهر، ما هي ثلاثة قروء؛ لأن اليأس عندهم مقيد بزمن؛ وهو تمام خمسين سنة، فإذا طُلِّقَت المرأة ولها خمسون سنة فإنها آيسة تعتد بثلاثة أشهر؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤].
والقول الثاني أن اليأس منوط بالحال لا بالزمن، وأن ذلك يختلف باختلاف النساء، فمن النساء من تبقى إلى ستين سنة وإلى سبعين سنة وهي تحيض حيضًا مطردًا، فهل هذه آيسة؟ ما هي آيسة، وهذا هو الصواب؛ لأن اليأس في اللغة العربية ضد الرجاء، فمتى صارت المرأة في حال لا ترجو وجود الحيض؛ إما لكبر في السن، أو ضعف في البنية، أو لأي سبب من الأسباب، فإنها تكون آيسة ولا نقيدها بالسن؛ لأن الله تعالى ما قيدها بالسن.
شوف الفرق بين العلماء؛ يعني الآن النكاح الفاسد يصير صوره كثيرة بناء على هذا، أو لا؟ يعني -مثلًا- امرأة لها خمسون سنة وتحيض في الشهرين مرة، على المذهب إذا تم لها ثلاثة شهور لو ما حاضت إلا مرة يعقد عليها ولَّا لا؟ يعقد عليها، وعلى القول الصحيح الراجح لا يعقد عليها حتى يتم لها ثلاث حيض.
إذن من لا تحيض لصغرٍ أو إياس عدتها ثلاثة أشهر.
(وأمةٌ شهرانِ، ومبعَّضَةٌ بالحسابِ).
طالب: (شهرين).
الشيخ: (شهران) عندي.
الطالب: (وأمة شهرين).
الشيخ: لا، عندي (شهران) يصح.
طالب: معمول (تَعْتَد).
الشيخ: أنا عندي ..
الطالب: (تعتد).
الشيخ: () وعدة أمة شهران، وهذا دليل على أن الماتن () شهران، ويجوز، المسألة بسيطة، وإن شئتم فكونوا ممن يلزم المثنى الألف مطلقًا وتستريحون.
[ ١ / ٦٩٦٢ ]
الآن (الأمة شهران) كيف شهران؟ يقولون: لأن الله جعل للحرة ثلاثة قروء، وجعل لمن لا تحيض ثلاثة أشهر، ومعنى هذا أن لكل حيضة شهرًا، وهذا هو الغالب، وللأمة حيضتان، يكون لها عند اليأس أو الصِّغَر شهران.
لكن قال: (مبعَّضةٌ بالحساب)، مع أنه في باب الحيض؛ التي تعتد بالحيض المبعضة كالحرة ثلاثة قروء، وهذا فيه شيء من التناقض؛ لأنك إذا قلت: الأمة شهران؛ لأن الأشهر مبنية على الحيض، فقل: المبعضة ثلاثة أشهر؛ لأن الأشهر مبنية على الحيض، وقد حكمنا بأن المبعضة تعتد بثلاث حيض، والله أعلم. يقول المؤلف: (وأمة شهران ومبعضة بالحساب ويُجْبَر الكسر).
المبعضة بالحساب، ونحن عرفنا الآن أن الأمة عدتها شهران، فنزيد من الشهر الثالث بقدر ما فيها من الحرية، هذا معنى قوله: (ومبعضة الحساب) أنه يزاد من الشهر الثالث بقدر ما فيها من الحرية، فإذا قدَّرنا أن نصفها حر صارت عدتها؟
طالب: ثلاثة أشهر ..
الشيخ: لا، شهرين ونصفًا؛ لأن المؤلف يقول: (مبعضة بالحساب).
يقول: (يُجْبَر الكسر) إذا قدرنا أن ربعها حرٌّ؟
طالب: سبعة أيام ونصف.
الشيخ: سبعة أيام ونصف، لكن يقول: (يُجْبَر الكسر) فتكون ثمانية أيام، هذا معنى قوله: (ومبعضة بالحساب ويُجْبَر الكسر)، وكيف الحساب؟ عرفتم القاعدة فيه، ما هي؟ أن نزيد من الشهر الثالث بقدر ما فيها من الحرية، لماذا قلنا: من الشهر الثالث؟ لأنه عندنا شهرين عدة الأمة، فيكون ما زاد على الشهرين فإنه يُنْظَر لمقدار نسبة ما في هذه المبعضة من الحرية، وتأخذ من هذا الشهر الثالث بقدر ما فيها من الحرية، إلا أنه إذا كان ربعها؛ وهو سبعة أيام ونصف، نجبر الكسر ونقول: ثمانية أيام.
هذه المسألة تؤيد قول من يقول: إن عدة الأمة بالأشهر شهرٌ ونصفٌ؛ لأن بعض أهل العلم يقول: إن عدة الأمة بالأشهر إذا كانت لا تحيض لصغرٍ أو إياس ما هو شهران، يقول: عدتها شهر ونصف.
[ ١ / ٦٩٦٣ ]
ووجه ذلك أن الحيض لا يتبعض، وأما الأيام فتتبعض؛ ولذلك قلتم في المبعضة: إن عدتها من الشهر الثالث بالحساب بقدر ما فيها من الحرية، وهذا القول وجيه جدًّا. لكن الأحوط -بلا شك- ما مشى عليه المؤلف؛ أن عدة الأمة شهران.
ولهذا قال بعض أهل العلم: إن عدة المبعضة ثلاثة أشهر، وتعليله لأن الأشهر بدل عن القروء، والمبعضة قلنا: إن عدتها ثلاثة قروء، فإذا كانت الأشهر بدلًا لزم أن تكون الأشهر كم؟ ثلاثة أشهر.
(الخامسة: من ارتفع حيضها) هي من ذوات الحيض، ولكنه ارتفع حيضها، وهذه تنقسم إلى قسمين، وربما يتبين لنا من أثناء البحث أنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
أولًا: من ارتفع حيضها ولم تدرِ سببه.
والثاني: من ارتفع حيضها وعلمت سببه.
أما من ارتفع حيضها ولم تدرِ سببه، يقول: (فعدتها سنة؛ تسعة أشهر للحمل، وثلاثة للعدة) يعني: امرأة من ذوات الحيض، عمرها ثلاثون سنة، ما بلغت سن الإياس، ارتفع حيضها، فطلقها زوجها وهي في هذه الحال، كم تعتد؟ سنة؛ لأن ذلك هو الذي روي عن عمر بن الخطاب ﵁، وقضى به بين الصحابة ولم يُنْكَر عليه (٩)، فعلى هذا يكون الاعتماد على قضاء عمر بن الخطاب ﵁. هذا من حيث الاستدلال بالأثر.
أما بالنظر: فتسعة أشهر للحمل وثلاثة للعدة، تسعة أشهر للحمل؛ لأن ذلك غالب الحمل، وثلاثة أشهر للعدة؛ لأن عدة الآيسة والتي لم تحض ثلاثة أشهر، فتعتد اثني عشر شهرًا من فراق زوجها لها.
[ ١ / ٦٩٦٤ ]
ولاحظوا أن الحكم الآن فيمن فورقت في الحياة، أما المفارقة في الوفاة فقد علمنا فيما سبق أنها ما لها إلا حالان فقط: حامل فعدتها بوضع الحمل، غير حامل فعدتها أربعة أشهر وعشر؛ يعني هي أسهل شيء، لكن كلامنا الآن فيمن فورقت في الحياة وارتفع حيضها ولم تدر ما رفعه، فتعتد كم؟ سنة كاملة، لماذا؟ أو ما هو الدليل؟ نقول: الدليل ما ثبت عن عمر بن الخطاب ﵁؛ حيث قضى بذلك في محضر الصحابة ولم يُنْكَر. وأما التعليل فتسعة أشهر -كما قال المؤلف للحمل- وثلاثة للعدة.
لماذا قلنا: تسعة أشهر للحمل مع أن الحمل يمكن يتبين في شهرين أو ثلاثة؟
نقول: بناء على الغالب؛ أن غالبه تسعة أشهر.
قال المؤلف: (وتنقص الأمة شهرًا) لأن عدتها بالأشهر شهران، فيكون لها تسعة أشهر للحمل، وشهران للعدة. لماذا لا نقول: إنها في الحمل نصف الحرة؟ لأن الحمل أمر طبيعي لا يختلف فيه النساء؛ الأحرار والإماء، كلهن غالب الحمل عندهن تسعة أشهر.
(وتنقص الأمة شهرًا) طيب، المبعضة؟
طالب: ().
الشيخ: () عشر شهرًا بقدر ما فيها من الحرية، ويُجْبَر الكسر على حسب ما مضى.
طيب، لنفرض أن المرأة فعلت ذلك واعتدت بسنة، ثم بعد تمام السنة جاءها الحيض، هل تعود إلى الحيض؟ الجواب: لا؛ لأنها انتهت العدة، أما لو عاد الحيض قبل تمام السنة فإنها تنتقل إليه ابتداء من جديد، فتعتد بثلاث حيض. صارت هذه المرأة التي ارتفع حيضها تعتد بسنة، كما قال المؤلف، ثم إن عاد الحيض قبل تمام السنة اعتدت به، وإن تمت السنة لم تلتفت إليه ولو عاد إليها، لماذا؟ لأن العدة انتهت وبانت من زوجها.
طالب: () ما يكفي أن نقول: ()؟
الشيخ: لا، ما تكفي؛ لأنها ما يحكم بأنها غير ذات حيض إلا إذا انتهت التسع.
[ ١ / ٦٩٦٥ ]
قال: (وعدة من بلغت ولم تحض ثلاثة أشهر) عدة من بلغت ولم تحض ثلاثة أشهر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] فهو عام، حتى لو فُرِضَ أن هذه امرأة لها ثلاثون سنة، ولا جاءها الحيض، تعتد بثلاثة أشهر؛ لعموم: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾.
طيب، وإن قُدِّر أن لها ثماني سنوات وفارقها زوجها؟
طالب: لا عدة عليها.
الشيخ: إي، لا عدة عليها؛ لأنها ليست ممن يُوطأ مثلها.
الثانية: (والمستحاضة الناسية) المستحاضة الناسية أيضًا عدتها ثلاثة أشهر.
من هي المستحاضة؟ المستحاضة هي التي أطبق عليها الدم، أو كان لا ينقطع عنها إلا يسيرًا، هذه المستحاضة. ولهذا لم يُقَل: حاضت، بل قيل: استحاضت؛ لأن السين والتاء للمبالغة والزيادة، فهذا الحيض الذي هو سيلان الدم زاد عليها؛ ولهذا سميناها استحاضة؛ لكثرة الدم وطول مدته.
والاستحاضة مرض من الأمراض، لكنه يعتاد النساءَ كثيرًا، وهو كما قال النبيُّ ﵊: «عِرْقٌ» (١٠)، «وَرَكْضَةُ شَيْطَانٍ» (١١)، «عِرْقٌ» قال العلماء: إنه عرق ينبثق من أدنى الرحم، ما هو من أقصاه، الحيض من قاع الرحم وهذا من أدنى الرحم، وركضة من الشيطان؛ لأجل أن يفسد على المرأة عبادتها ويوقعها في شك وحيرة، وهذا أمر ما نعلمه إلا من طريق الوحي.
هذه الاستحاضةُ تأتي المرأةَ فلا تخلو من ثلاث حالات:
الأولى: أن تكون معتادةً، فتجلس عادتَها ثم تغتسل وتصلِّي وتفعل كما يفعل الطاهرات.
الثانية: ألَّا يكون لها عادةٌ أو تنسى عادتَها، فترجع إلى التمييز. كيف التمييز؟
[ ١ / ٦٩٦٦ ]
يُنْظَر إلى الدم، دم الحيض له علاماتٌ ثلاثٌ ذَكَرها العلماءُ، وذَكَر بعضُ الأطباء علامةً رابعةً؛ العلامات الثلاث هي: السوادُ، والثَّخانةُ أو الثُّخُونةُ، والثالثة: الإنتانُ؛ الرائحة الكريهة. دم الحيض أسود منتِن ثخين، ودم الاستحاضة أحمر رقيق لا رائحة له، فالتمييز بيِّنٌ، فإذا كانت عادتها غير مطردة، نسيتها مثلًا، أو جاءها الاستحاضة من ابتداء الأمر، فإنها تعمل بماذا؟
طالب: بالعادة.
الشيخ: بالتمييز، بالعادة! هي ما عندها عادة، كيف العادة؟ ! بالتمييز.
وقال بعض العلماء: تقدم التمييز على العادة، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، ومذهب الشافعي؛ أن التمييز مقدم على العادة، لو هي تعلم العادة وعندها تمييز تأخذ بالتمييز، وقال: إنه ليس من المستبعد أنه لما جاءها الحيض تغيرت العادة، والتمييز إن طابق العادة فأمره ظاهر، صح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: كيف؟
طالب: الأحاديث.
الشيخ: تجتمع العادة والتمييز ما فيه إشكال، لكن إن خالف العادة؛ بأن كانت عادتها من أول الشهر، لكن ما رأت التمييز إلا في نصف الشهر، حينئذٍ يتعارضان، فهل نقدم التمييز أو نقدم العادة؟ فيه خلاف؛ فمن العلماء من قال: نقدم العادة، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وهو ظاهر الحديث؛ أن الرسول ﵊ أمرها أن تجلس قدر ما كانت حيضتها تحبسها، ولأنه أضبط وأسلم للمرأة من الاضطراب؛ لأن التمييز يمكن يجيء في الشهر هذا في أوله، وفي الشهر الثاني في وسطه، وفي الشهر الثالث في آخره، وربما يتغير عليها، فإذا قلنا: ارتبطي بالعادة صار ذلك أيسر لها وأسهل. وهذا ترجيحه واضح.
وترجيح من يقول: بأنه يُرجع إلى التمييز أيضًا قوي؛ وجهه قوي؛ لأنه يقول: ما دام عندنا تمييز، هذا دم ثخين أسود منتن وذاك دم أحمر رقيق لا رائحة له، كيف نقول: هذا استحاضة، والأول ..
[ ١ / ٦٩٦٧ ]
والمستحاضَةِ الناسيةِ والْمُسْتَحَاضَةِ الْمُبْتَدَأَةِ ثلاثةُ أَشْهُرٍ، والأَمَةِ شَهرانِ، وإن عَلِمَتْ ما رَفَعَه من مَرَضٍ أو رَضاعٍ أو غيرِهما فلا تَزالُ في عِدَّةٍ حتى يَعودَ الْحَيْضُ فتَعْتَدَّ به أو تَبْلُغَ سنَّ الإياسِ فتَعْتَدَّ عِدَّتَه.
السادسةُ (امرأةُ المفقودِ) تَتَرَبَّصُ ما تَقَدَّمَ في مِيراثِه، ثم تَعْتَدُّ للوَفاةِ، وأَمَةٌ كحُرَّةٍ في التَّرَبُّصِ، وفي العِدَّةِ نِصفُ عِدَّةِ الْحُرَّةِ، ولا تَفتقِرُ إلى حُكْمِ حاكمٍ بضَرْبِ الْمُدَّةِ وعِدَّةِ الوَفاةِ، وإن تَزَوَّجَتْ فقَدِمَ الأوَّلُ قبلَ وَطْءِ الثاني فهي للأَوَّلِ، وبعدَه له أَخْذُها زَوجةً بالعَقْدِ الأَوَّلِ، ولو لم يُطَلِّق الثاني، ولا يَطَأُ قَبلَ فراغِ عِدَّةِ الثاني، وله تَرْكُها معَه من غيرِ تَجديدِ عَقْدٍ، ويَأْخُذُ قَدْرَ الصَّدَاقِ الذي أَعطاها من الثاني، ويَرْجِعُ الثاني عليها بما أَخَذَه منه.
(فصلٌ)
ومَن ماتَ زَوْجُها الغائِبُ أو طَلَّقَها اعْتَدَّتْ منذ الفُرْقَةِ وإن لم تُحِدَّ، وعِدَّةُ موطوءةٍ بشُبهَةٍ أو زِنًا أو بعَقْدٍ فاسدٍ كمُطَلَّقَةٍ، وإن وُطِئَتْ مُعْتَدَّةٌ بشُبهةٍ أو نِكاحٍ فاسدٍ فُرِّقَ بينَهما وأَتَمَّتْ عِدَّةَ الأَوَّلِ - ولا يُحْتَسَبُ منها مَقامُها عندَ الثاني - ثم اعْتَدَّت للثاني، وتَحِلُّ له بعَقْدٍ بعدَ انقضاءِ العِدَّتَيْنِ، وإن تَزَوَّجَتْ في عِدَّتِها لم تَنْقَطِعْ حتى يَدْخُلَ بها، فإذا فارَقَها بَنَتْ على عِدَّتِها من الأَوَّلِ، ثم اسْتَأْنَفَت العِدَّةَ من الثاني، وإن أَتَتْ بوَلَدٍ من أَحَدِهما انقَضَتْ منه عِدَّتُها به ثم اعْتَدَّتْ للآخَرِ، ومَن وَطِئَ مُعْتَدَّتَهُ البائِنَ بشُبْهَةٍ اسْتَأْنَفَت العِدَّةَ بوَطْأَةٍ، ودَخَلَت فيها بَقِيَّةُ الأولَى، وإن نَكَحَ مَن أبانَها في عِدَّتِها ثم طَلَّقَها قبلَ الدخولِ بَنَتْ.
[ ١ / ٦٩٦٨ ]
أما الحال الثالثة في المستحاضة: إذا كان ما لها عادة ولا تمييز؛ يعني ابتدأ بها الدم من الأول، واستمر معها على وتيرة واحدة، هذه لا عادة لها ولا تمييز، أو يكون لها عادة لكن نسيتها، ولكن ما عندها تمييز، هذه ترجع إلى عادة النساء: ستة أيام أو سبعة، من أول وقتٍ أتاها الحيض فيه، فإذا قُدِّر أنه أول ما شافت الاستحاضة هذه أو الدم على الأصح رأته في خمسة عشر من الشهر، نقول: كلما جاء خمسة عشر من الشهر تجلس ستة أيام أو سبعة كلما جاء، فإن قالت: نسيت، قالت: والله نسيت متى أتاها الدم من أول مرة؟ نقول: ترجع إلى أول شهر هلالي، تأخذ بأول شهر هلالي، كلما دخل الشهر جلست ستة أيام أو سبعة، والباقي تُصلِّي.
ذكرنا هذا استطرادًا، وإلا فالمقام ما هو مقام البحث في الاستحاضة والحيض، لكن استطرادًا لتعرفوا من هي المستحاضة؛ هي التي أطبق عليها الدم فلا ينقطع عنها إلا يسيرًا، أو لا ينقطع أبدًا.
كم حالة لها؟ ثلاث حالات: معتادة، مميِّزة، مُتحيِّرة.
طالب: ().
الشيخ: يسمونها متحيرة، ولا ينبغي أن نسيمها متحيرة، من لا عادة لها ولا تمييز.
المعتادة تجلس عادتها، وذات التمييز تجلس تمييزًا، فإن اتفقت العادة والتمييز فذاك، وإن اختلفت العادة والتمييز فأيهما تُقدِّم؟ فيه خلاف، والمشهور من مذهب الإمام أحمد أنها تُقدِّم العادة، فإن لم يكن لها عادة ولا تمييز رجعت إلى غالب النساء: ستة أيام أو سبعة، لكن متى تبتدئ في الجلوس؟
طالب: من أول وقت.
الشيخ: من أول وقت أتاها الحيض، فإن نسيته، فمِن أول كل شهر هلالي.
طالب: ما ذكرنا الفرق الرابع؟
[ ١ / ٦٩٦٩ ]
الشيخ: إي نعم، الفرق الرابع ذكره بعض الأطباء المعاصرين، قال: الفرْق الرابع أن دم الحيض ما يتجمد، ودم الاستحاضة يتجمد، وعلل ذلك بأن دم الحيض كان في الرحم متجمدًا، ثم ينطلق فلا يعود إليه التجمد مرة أخرى، بخلاف دم الاستحاضة فإنه دم يخرج من العرق فهو كسائر الدماء، والدم الذي يخرج من العروق -كما تعرفون- يتجمد ولَّا لا؟
طالب: من غير ().
طالب آخر: يتجمد.
الشيخ: لا، يتجمد.
طالب: في العروق نعم.
الشيخ: يتجمد، إذا خرج تجمد. طيب، هذا حكم المستحاضة، نشوف كلام المؤلف الآن، قال: (المستحاضة الناسية تعتد بثلاثة أشهر) ظاهر كلام المؤلف: ولو كان لها تمييز؛ لأنه أطلق: (المستحاضة الناسية)، ولكن هذا الظاهر غير مراد؛ فإن المستحاضة الناسية إذا كان لها تمييز تجلس ثلاثة قروء؛ لأن لها الآن حيضًا صحيحًا، ما دام عندها تمييز فإنها تجلس ثلاثة قروء بحسب تمييزها.
فلنفرض أن هذه المستحاضة كان يأتيها الدم المتميز كل شهرين مرة، كم تكون عدتها؟ ستة شهور، فقول المؤلف ﵀: (المستحاضة الناسية) وكذلك: (المبتدأة) اللي بعدها، ينبغي أن نقول: ما لم يكن لهما تمييز، فإن كان لهما تمييز فعدتهما ثلاثة قروء كغيرهما؛ لأن التمييز يعتبر حيضًا صحيحًا.
(المستحاضة الناسية والمستحاضة المبتدأة) أيشلون المستحاضة المبتدأة؟ هي التي رأت الدم المطبق من أول ما جاءها الحيض، من أول ما جاءها الدم استمر بها؛ هذه يسميها العلماء المستحاضة المبتدأة؛ لأنه ما لها عادة سابقة، فهي مبتدأة من أول ما جاءها الحيض صارت مستحاضة.
يقول: (المستحاضة المبتدأة ثلاثة أشهر، والأمة شهران) لماذا قلنا: (ثلاثة أشهر) وهي مستحاضة؟ نقول: لأن غالب النساء يحضن في كل شهر مرة، وهذه مستحاضة، وليس لها حيض صحيح، فنرجع إلى غالب النساء، وغالب النساء أن يحضن كل شهر مرة.
[ ١ / ٦٩٧٠ ]
(الأمة شهران) بناءً على ما سبق من أن عدتها حيضتان، ولكل حيضة شهر، فتكون عدتها عند عدم الحيض شهرين. انتهى الكلام على المرأة التي ارتفع حيضها، ولم تدرِ سبب الرفع.
***
قال: (وإن علمت ما رفعه من مرض، أو رضاع، أو غيرهما فلا تزال في عدة حتى يعودَ الحيض فتعتدَّ به، أو تبلغَ سن الإياس فتعتد عدته).
(إن علمت ما رفعه)، هي امرأة تحيض، ومن ذوات الحيض، فارتفع حيضها بسبب الرضاع، والغالب أن المرضِع لا تحيض، ارتفع حيضها بسبب الرضاع، ثم طلقها زوجها، كم عدتها؟ ثلاثة قروء، لكن الحيضة الآن غير موجودة، نقول: انتظري حتى يزول السبب الذي من أجله ارتفع الحيض، وهو الرضاع.
بقيت حتى فطمت الصبي، فطمت الصبي، لكن ما رجع الحيض، ماذا نعمل؟ نقول: ثلاثة أشهر؟ لا، تبقى تنتظر حتى يعود الحيض أو تبلغ سن الإياس؛ سن الإياس على المذهب خمسون سنة، إذا بلغت خمسين سنة اعتدت عدة آيسة، كم؟ ثلاثة أشهر، فإذا طُلقت وهي ذات اثنتي عشرة سنة، لها اثنتا عشرة سنة، طلقها زوجها وهي تُرضع، وفطمت الصبي ولها أربع عشرة سنة، ما جاءها الدم، انتظرت خمس عشرة سنة، ست عشرة، سبعة عشرة، إلى متى؟ () إلى خمسين، إذا عجزت وصارت ما تبغى، قلنا: الآن اعتدي لأجل أن تتزوجي!
فتبقى تمام خمسين سنة حتى يأتيها الحيض، وإن لم يأتها الحيض، فإذا تم لها خمسون سنة قلنا: اعتدي بثلاثة أشهر، وكل ها المدة وزوجها يُنفق عليها؛ لأنها رجعية، ولا يتزوج إذا كانت هي الرابعة ما يتزوج غيرها، يبقى محبوسًا وهي محبوسة إلى أن يتم لها خمسون سنة، ثم تعتد ثلاثة أشهر، هذا هو المشهور من المذهب، وهذا قاله علماء أجلاء، ما هو قول يعني هالك، قالوا: لأنا الآن علمنا ما رفعه فتنتظر! !
[ ١ / ٦٩٧١ ]
ولكن الحقيقة أن هذا القول لا تأتي بمثله الشريعة؛ لما فيه من الضرر العظيم، فيه ضرر عظيم جدًّا، ولهذا قال بعض أهل العلم: إنها تعتد بعد زوال السبب المانع، تعتد سنة؛ لأنها الآن لما زال المانع صارت مثل التي ارتفع حيضها، ولم تدرِ سببه، والتي ارتفع حيضها، ولم تدرِ سببه كم تعتد؟ سنة، تسعة أشهر للحمل وثلاثة للعدة، فقالوا: تعتد ثلاث ..
طالب: ().
الشيخ: ما ينفع، المهم بعد زوال السبب المانع تعتد بسنة؛ هذا القول أقرب للصواب ولَّا لا؟ لأن علته معقولة؛ ولأنه أبعد عن الحرج والمشقة التي لا تأتي بمثله الشريعة، ولكن بقي أن يقال: إن التي علمت ما رفعه ينبغي أن نقسمها إلى قسمين:
القسم الأول: أن تعلم أنه لن يعود الحيض.
القسم الثاني: أن تكون راجية لعود الحيض، فإن كانت لا تعلم عوده، تعلم أنه ما هو بعائد، فهذه ما تعتد سنة، تعتد ثلاثة أشهر؛ لأنها آيسة الآن، مثل لو علمت أنَّ ارتفاع الحيض لعملية استئصال الرحم مثلًا، هذه ما أحد يقول أنها تنتظر إلى خمسين سنة! وحتى لو قيل به؛ فهو قول باطل.
فهذه المرأة التي علمت أن الحيض لن يعود نقول: تعتد بثلاثة أشهر؛ لدخولها في قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤]، وهذه قد أيست أيسًا قطعيًّا فتعتد بكم؟ بثلاثة أشهر. وإن كانت ترجو ..
والقسم الثاني: من ارتفع حيضها، ولكنها لا تعلم أنه لن يعود، ففيه احتمال العَوْد، فهذه تنتظر حتى يزول السبب المانع، ثم تعتد بسنة، تسعة أشهر للحمل وثلاثة للعدة.
[ ١ / ٦٩٧٢ ]
وقيل: تعتد إذا زال المانع بثلاثة أشهر؛ لأن الصحابة إنما حكموا بالسنة لمن لا تعلم سببه، وهنا علمت السبب، فإذا زال السبب ولم يعُد فإنها تعتد بثلاثة أشهر، لكن الأحوط أن تعتد بسنة؛ لأنه إذا زال السبب ولم يرجع فإننا نحكم بعدم رجوعه منين؟ من أول ولَّا من زوال السبب؟ من زوال السبب، فإذا حكمنا بعدم رجوعه من زوال السبب، كان حُكمنا بعدم رجوعه حينئذٍ لغير سبب، وإذا كان ارتفاعه لغير سبب كانت المدة سنة كما سبق. ()
***
(السادسة: امرأة المفقود) يعني زوجة المفقود، والمفقود: هو الذي انقطع خبره فلم يُعلم له حياة ولا موت؛ هذا المفقود انقطع خبره فلم يُعلم له حياة ولا موت، مثل رجل سافر، ثم انقطعت أخباره، ما يعلم، هو وصل البلد الذي قصد، ولَّا رجع إلى بلده، ولَّا ذهب إلى بلد آخر، ولَّا مات، ولَّا أُسِر؟ ما يدري، إنما تعريفه: هو الذي انقطع خبرُه فلم يُعلم له حياة ولا موت؛ هذا المفقود.
يقول المؤلف: (تتربص) يعني تنتظر، (ما تقدم في ميراثه)، والذي تقدم في ميراثه على المذهب إن كان ظاهر غيبته الهلاك انتُظِر به أربع سنين منذ فُقِد، وإن كان ظاهر غيبته السلامة، انتُظر به تمام تسعين سنة منذ وُلد، فإذا فُقد وله تسع وثمانون سنة، وظاهر غيبته السلامة كم يُنتظر؟ سنة واحدة، وإن كان ظاهر غيبته الهلاك؟ أربع سنين، وكان مقتضى الأمر العكس، لكن هكذا ذكروا، واستندوا فيما ذكروا إلى آثار وردت عن الصحابة في ذلك. والآثار الواردة عن الصحابة في ذلك قضايا أعيان، وقضايا الأعيان لا تقتضي العموم؛ هذه من قواعد أصول الفقه، انتبهوا لها.
[ ١ / ٦٩٧٣ ]
قضايا الأعيان ما تقتضي العموم؛ يعني مثلًا لو جاء واحد وسألنا، قال: إن ابني فقد، فقلنا: انتظر خمس سنين، عشر سنين، أربع سنين، هل هذه القضية تكون عامة لكل عين؟ لا، في هذه العين نفسها فقط؛ لأنه من الجائز أن يكون المفتي نَظر إلى هذا الشخص بعينه، فرأى أنه إذا مضت خمس سنين أو عشر أو أكثر تبين أمره، وربما يكون آخَر يتبين أمره بأقل من ذلك، وربما يكون آخر يتبين أمره بما فوق ذلك، حسب حالة الرجل، فلو أن وزيرًا فُقِد مثلًا، أو أن عاملًا من العمال الذي يندس في عامة الناس ولا يُعلم عنه، بينهما فرق ولَّا لا؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: بينهما فرق كبير، هذاك يُعرف، إذا وصل البلد عُرف، أما هذا ما يُعرف، يمكن يمضي سنة أو سنتان ما يُدرى، هل هو في البلد أو في غيره؟ ولهذا الصحيح أننا لا نُقدِّر ذلك بما ذكر الفقهاء، وأن الأمر في ذلك راجع إلى اجتهاد القاضي في كل قضية بعينها، ربما تكون أربع سنين كثيرة يغلب على الظن أنه مات بأقل من ذلك، وربما تكون قليلة بحسب الحال، فالصواب أنه يُرجع في ذلك إلى اجتهاد القاضي.
رجل جاءه الوادي، وادٍ يمشي من المطر، فاجترفه وحمله، ويش ظاهر فقده؟
طلبة: الهلاك.
الشيخ: الهلاك. كم ننتظر؟
الطلبة: أربع سنوات.
الشيخ: أربع سنين في وقتنا هذا ما ننتظر أربع سنين، أيام، طائرة هليكوبتر تمشي على ممر الوادي هذا، وتعرف تكشف الأمر، فمثل هذه الأشياء الصواب أنه يُرجع فيها إلى اجتهاد القاضي، وهو يختلف باختلاف الأحوال، والأزمان، والأمكنة، والأسباب التي بها فُقِد، فلا نُقيدها بأربع سنوات ولا بتسعين سنة.
إذن (تتربص ما تقدم في ميراثه)، ما هي مُدة التربص على المذهب؟
طالب: ().
الشيخ: أنت سمعت الآن ()
طيب، فُقد وله ثمانون، ظاهر السلامة؟
طلبة: عشر سنين.
الشيخ: ظاهره الهلاك؟
الطلبة: أربع سنوات.
[ ١ / ٦٩٧٤ ]
الشيخ: أربع سنوات، والمثال الأول اللي ذكرنا له تسع وثمانون، إن كان ظاهره غيبة الهلاك أربع سنوات، السلامة سنة واحدة، والصواب ..
طالب: إن كان له تسعون؟
الشيخ: فهو يجتهد الحاكم، ذكروا إذا فقد ابن تسعين ما فيه إلا الاجتهاد، والصواب أن الاجتهاد في كل شيء، أنه يجتهد الحاكم في كل مفقود.
بعد التربص يقول: (تربص ما تقدَّمَ في ميراثِه، ثم تعتَدُّ للوفاةِ) كم؟ أربعة أشهر وعشرة أيام.
قال: (وأمة كحُرَّة في التربص، وفي العدة نصف عِدَّة الحرة)، لماذا كانت كالحرة في التربص؟ لأن التربص معنًى يعود إلى الزوج لا إليها، أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لأنا نبحث عنه، لكن العِدَّة تعود إليها، وعلى هذا فنقول: تعتد الأمة إذا كانت زوجة الإنسان أمة، والإنسان يمكن تكون زوجته أمة؟
الطلبة: إي نعم.
الشيخ: إذا كان هو رقيقًا، أو كان حُرًّا بالشروط السابقة في مُحرَّمات النكاح، فإذا كانت أمة فإنها في التربص كالحرة، وفي العدة نصف عدة الحرة، كم تكون عدتها؟
طالب: الأمة؟
الشيخ: نعم. ()
وقول المؤلف: (تتربص)، ظاهر كلامه أن ذلك على سبيل الوجوب، وأنه متى فُقِد تربصت، لكنهم ذكروا أنه يجوز أن تصبر، إذا شاءت أن تصبر وتقول: والله أنا ما لي نظر بالأزواج، أبغى أصبر إلى أن الله يجيبه أو نتيقن موته، فلها ذلك. وعلى هذا فيكون كلام المؤلف هنا مقيدًا بما إذا أرادت أن تتزوج، وأن تتخلص من هذا الزوج المفقود. وأما إذا قالت: زوجي مفقود وأبغي أنتظر حتى نتيقن، ما نلزمها حتى تتربص وتعتد.
يقول المؤلف: (ولا تفتقر إلى حُكم حاكم بضرب المدة وعدة الوفاة)، يعني ما يحتاج أنها تراجع الحاكم، هي بنفسها إذا فقدت زوجها تتربص المدة التي أشار إليها المؤلف، بناءً على القولين، ثم بعد ذلك تعتد للوفاة، ثم تتزوج، ما يحتاج تروح للقاضي.
[ ١ / ٦٩٧٥ ]
وقول المؤلف: (لا تفتقر إلى حكم حاكم)، الحاكم عند الفقهاء يعني القاضي، ما هو الأمير؛ القاضي، وهذا الذي ذكره المؤلف من مفردات مذهب الإمام أحمد.
والقول الثاني في المسألة: أنه لا بد من حكم الحاكم؛ لئلا يقع الناسُ في الفوضى؛ لأنه إذا قلنا: كل امرأة تفقد زوجها تتربص المدة التي يغلب على ظنها أنه مات، ثم تتزوج؛ صار في هذا فوضى، يمكن المرأة إذا أبطأ عنها زوجها، واشتهت زوجًا آخر، قالت: زوجي مفقود، وعمِلت هذا العمل.
ولهذا القول الثاني في المذهب، وهو مذهب الأئمة الثلاثة: أنه لا بد من مراجعة القاضي، هو الذي يتولى هذا الأمر، وهذا متعيِّن، لا سيما على القول الراجح الذي رجَّحناه، وهو أنه يُرجع فيه إلى الحكم بموته إلى اجتهاد القاضي، فما دام أنه بيرجع لاجتهاده لا بد من أن تصل المسألة إليه.
طالب: وإذا حُكم بالموت، ألا تعتد؟
الشيخ: تعتد.
الطالب: وجوبًا يعني؟
الشيخ: وجوبًا نعم.
الطالب: () المرأة؟
الشيخ: ذكرنا أنها مخيرة أصلًا.
الطالب: () إذا حكم بالموت؟
الشيخ: إذا حكم بالموت تعتد، لكن إن أحبت أن تبقى من الأصل ما تتربص المدة المذكورة ولا تتزوج فلها ذلك.
***
يقول المؤلف: (وإن تزوجت فقدم الأول)، أفادنا المؤلف بقوله: (إن تزوجت) أن لها أن تتزوج، ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لأنها لما انتهت المدة والعدة حصل الفراق، وحلت للأزواج، لكن هل هي زوجة الثاني ظاهرًا، أو ظاهرًا وباطنًا؟ الصواب أنها زوجته ظاهرًا وباطنًا؛ لأن الأحكام الشرعية إذا ثبتت ثبتت ظاهرًا وباطنًا، فعلى هذا لها أن تتزوج زوجًا آخر، تزوجت زوجًا آخر، لما تزوجت قدم الزوج الأول، حينئذٍ تقع المشكلة، أيهما الزوج، التالي ولَّا الأول؟
طالب: يُخيَّر الأول.
طالب آخر: الثاني.
الشيخ: إذا قالت هي: الأول، الحمد لله اللي فكنا الله منه، أنا أبغي الثاني.
طالب: إذن ما لها شيء.
الشيخ: الخيار لمن؟
طالب: للزوج.
[ ١ / ٦٩٧٦ ]
الشيخ: الخيار للزوج، ولهذا قال .. لا، فيه أيضًا تفصيل: إذا تزوجت آخر فقدم الأول؛ فإما أن يكون قبل وطء الثاني أو بعده. شوف الحكم هنا معلق بالوطء ما هو بالدخول، يعني ما هو بالخلوة، بالوطء، إما أن يكون قبل وطء الثاني أو بعده، يقول المؤلف ﵀: (فقدم الأول قبل وطء الثاني فهي للأول). لماذا؟ قالوا: لأنه لما قدم الأول تبيَّنا أن عقد الثاني باطل؛ حيث كان على امرأة في عصمة زوج، فيكون النكاح باطلًا، شوف العلة هذه، انتبه؛ العلة إذا لم تكن مطردة فهي باطلة، وهذه العلة سيتبين لنا أنها غير مطردة، وعلى هذا فتكون باطلة.
نحن نقول، نُعلِّل بما عللوا به حتى نرجع على هذا، ونشوف المعنى.
إذن نقول: الزوجة زوجها مفقود، تربَّصت المدة المقررة للحكم بموته، ثم اعتدَّت للوفاة، ثم تزوجت، فقدم الزوج الأول، نقول: لا يخلو من حالين:
الحال الأولى: أن يقدم قبل وطء الثاني، فإذا قدم قبل وطء الثاني، فهي له؛ للأول، غصبًا عليه ولَّا باختياره؟ غصبًا عليه، حتى لو قال: أنا ما أبغيها ما دام أنها تزوجت، فالله يساعدها، نقول: لا، هي زوجتك؛ ولهذا يقول المؤلف: (فهي للأول وبعده)، يعني بعد وطْء الثاني (له أخذها زوجة بالعقد الأول).
(بعده) أي بعد وطء الثاني، وهي الحال الثانية: إذا قدم الأول بعد وطء الثاني فهو بالخيار؛ إن شاء أخذها، وإن شاء أبقاها.
يقول المؤلف: (فله أخذها)، لكن أخذه إياها بعقد ولَّا بالزواج الأول؟
يقول: (زوجة بالعقد الأول وإن لم يطلق الثاني) أفادنا المؤلف بقوله: (وإن لم يطلق الثاني) أن النكاح صحيح؛ لأن قوله: (ولو لم يطلق) يفيد أنه لو طلق لوقع الطلاق، ولا طلاق إلا بعد نكاح، وبهذا يتبين لنا بطلان العلة السابقة، ويش العلة السابقة؟ لأنه لما قدم الأول تبينَّا بطلان العقد الثاني.
[ ١ / ٦٩٧٧ ]
هذه العلة لا فرْق بين أن يقدم قبل الوطء أو بعد الوطء، ما دام أن العلة لبطلان النكاح، كون الزوج الأول موجودًا، فهنا لا فرق بين أن يطأ أو لا يطأ، لا فرق، مع أنهم يقولون: حتى لو خلا بها إذا لم يطأ فهي للأول، مع أنه إذا خلا بها لو كان النكاح صحيحًا لوجبت العدة كما سبق، فإذن التعليل عليل؛ ولذلك الصحيح أن الزوج الأول يُخير على كل حال، كما سنذكره فيما بعد.
الآن نمشي على المذهب: إذا قدم الزوج الأول بعد وطء الثاني فهو بالخيار بين أن يأخذها أو يتركها له؛ إن أخذها، فهل يحتاج إلى عقد جديد؟ لا؛ لأن أخذه إياها استبقاءٌ لنكاحه الأول، والاستبقاء لا يحتاج إلى ابتداء.
يقول المؤلف: (ولو لم يطلق الثاني)، وإن لم يطلق؛ لأن الخيار لمن؟ للأول.
قال: (ولا يطأ قبل فراغ عدة الثاني)، معلوم، ما يطأ قبل فراغ العدة؛ لأن الثاني وطئها على أنها زوجته، فتحتاج إلى عدة، الزوج الأول لما قال: أنا أبغي زوجتي؟ قلنا: هي لك، لكن لا تطأها حتى تعتد من الثاني.
طيب، إذا كانت قد ارتفع حيْضها وهي تدري ما رفعه؟ ويش تسوي؟
طالب: تنتظر.
الشيخ: إلى؟
الطالب: أن يزول السبب.
الشيخ: زال السبب، ولا رجع الحيض؟
طالب: () سنة.
الشيخ: لا، على المذهب؟
طالب: على المذهب خمسون سنة.
الشيخ: على المذهب تبقى () إلى خمسين سنة ما يطؤها الزوج الأول، ليش؟ لأنها ما اعتدت من الثاني، ولا بد (). طيب العدة للثاني فرع عن صحة النكاح، ومعلوم أننا إذا قلنا ببطلان النكاح إذا قدم قبل الوطء؛ لأنه تبينا أن زوجها الأول موجود فإنه لا فرق بين ما كان قبل وطء أو بعده.
قال: (وله) هذا الخيار الثاني، (وله تركها معه من غير تجديد عقد) للزوج الأول (تركها) أي ترك الزوجة، (معه) أي مع الزوج الثاني (من غير تجديد عقد)، تجديد عقد لمن؟ للثاني، ما حاجة لنجدد العقد، لماذا لا نجدد عقدًا؟ لأن تركها معه إمضاء للعقد الأول.
طالب: () للعقد الثاني.
[ ١ / ٦٩٧٨ ]
الشيخ: إي، للعقد الأول منه، للعقد الأول اللي هو الزوج الثاني نعم، ما هو لعقد الأول، للعقد الأول يعني من الزوج الثاني، ما نحتاج لنجدد العقد. فإبقاؤها معه معناه إمضاء عقده، وليس معناه تركها أنها الآن ما صارت زوجة، بل هو إمضاء للعقد، فيكون هذا من باب إجازة العقد بعد تنفيذه، وهذه ما يعبر عنها بتصرف الفضولي، وقد سبق لنا أن المذهب: لا يجوز تصرف الفضولي إلا في مسائل معدودة، منها هذه المسألة، وين تقدمتنا هذه؟ في كتاب البيع.
هذا الرجل الآن الزوج الأول لما جاء ووجد الزوج الثاني قد عقد عليها وجامعها، قلنا: لك الخيار -انتبهوا نعود من جديد- لك الخيار بين أن تأخذها وبين أن تتركها له، إن أخذتها فلا حاجة إلى تجديد العقد؛ لأن أخذها استبقاء وليس ابتداء، كذا؟ طيب، ولكنها تعتد للثاني وأنت لا تطؤها حتى تفرغ عدتها من الثاني؛ هذه واحدة، ولك أن تتركها.
طيب، لو قال الثاني في هذه الحال: أنا أبغي مهري، أنا أريد مهري؟ نشوف الآن، سيأتينا إن شاء الله.
وله أن يدعها معه من غير تجديد عقد اعتمادًا على العقد الأول، وعلى هذا فيكون تركها مع الزوج الثاني إمضاء لعقده، ولهذا قلنا: لا تحتاج إلى تجديد عقد، كأنه يقول: أنا موافق على العقد الأول.
طيب، ما رأيك لو أنني أخذت هذا المسجل وبعته؟ المسجل هذا في ظني يسوى مئة ريال، وبعته بمئة وعشرين، وجاء صاحبه قلت له: والله أنا بعت المسجل بمئة وعشرين؟ قال: ما يخالف، أما ممضٍ العقد. يصح ولَّا ما يصح؟ على المذهب لا يصح، ولكن على القول الراجح يصح، ويؤيد ذلك هذه المسألة؛ فإن الصحابة قضوا بأن الزوج الأول له الخيار بين أن يأخذها أو يدعها للزوج الثاني بعقده الأول ولَّا بعقد جديد؟ بعقده الأول نعم: (وله تركُها معه).
طالب: يجوز ذلك في اللقطة.
الشيخ: (من غيرِ تجديدِ عَقْدٍ) اضبطوا المسألة الآن، مستعدون للجواب على السؤال؟
طلبة: نعم.
[ ١ / ٦٩٧٩ ]
الشيخ: طيب () سؤال: إذا اختار أَخْذَها، فهل يضمن للثاني مهره؟ الثاني خسر عليه خمسون ألفًا مهرًا، وهذا جاء بعد يومين وقال: في أمان الله، روح ما لك شيء، يضمن للثاني ولَّا ما يضمن؟
الطلبة: لا يضمن للثاني.
الشيخ: نعم، لا يضمن للثاني. لماذا لا يضمن؟ لأن الثاني دخل على بصيرة، دخل على أنها زوجة مفقود، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: والمفقود من الجائز أن يرجع، فنقول: أنت الذي فرطت ودخلت على بصيرة، بأن هذه الزوجة -زوجة المفقود- ربما يعود زوجها، وحينئذٍ ليس لك شيء. يا جماعة، أنا خسرت خمسين ألفًا وخليت بها بس بيومين ما بتُّ عندها إلا ليلة، ماذا نقول؟
طلبة: ().
الشيخ: لا، ما فيه. إذن نقول: لا شيء له؛ لأنه دخل على بصيرة.
طالب: طيب قد تكون الزوجة ().
الشيخ: إذا تركها له تحتاج إلى تجديد عقد ولَّا لا؟
طلبة: ما تحتاج.
الشيخ: للثاني؟ ما تحتاج إلى تجديد عقد؛ لأن تركه إياها إمضاء لعقده، فلا يحتاج إلى تجديده مرة ثانية. طيب، ويش الدليل على هذا؟
الدليل على هذا آثار عن الصحابة ﵃ أنهم قالوا في امرأة المفقود تتزوج: إذا قدم زوجها فهو بالخيار، والوارد عن الصحابة ﵃: لا فرق بين ما قبل الدخول وبعده، وهذا هو مقتضى القياس؛ أنه لا فرق بين ما قبل الدخول وبين ما بعده؛ لأننا إن قلنا: إن العقد صار باطلًا بتبيُّن أن زوجها موجود، وأنها مُزوَّجة، فلا فرق بين أن يطأها الثاني أو لا يطؤها، ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
[ ١ / ٦٩٨٠ ]
الشيخ: وإن قلنا: إن العلة أنه لما عقد عليها فإن نفس زوجها قد تطيب بها للزوج الثاني، إما حياءً منه وإما كراهةً لهذه الزوجة التي تزوجت ولم تنتظر، أو لسبب من الأسباب، فهنا لا فرق أيضًا بين ما قبل الدخول وبين ما بعده، ولهذا كان القياس الصحيح والنظر الصحيح ما جاء عن الصحابة من التخيير مطلقًا، ويش وجه التخيير؟ قلنا: وجه التخيير؛ لأن الزوج الأول أملك بها، الخيار للأول ما هو للثاني، الزوج الأول أملك بها لأنها زوجته، فكان التخيير له.
إذا قيل: لماذا تخيرونه؟ لماذا لا تبطلون النكاح مطلقًا، وتقولون: هي للأول كما قال به بعض أهل العلم؟ بعض العلماء يقول: هي للأول بكل حال، إذا قدم فهي له بكل حال بدون تفصيل؟
نقول: لا، نخيره؛ لأن الإنسان إذا جاء وزوجته متزوجة، أولًا: قد تستنكف نفسه عنها ويأنف منها، أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: يقول: هذه التي أرخصتني، أنا ما أريدها، أنا أرخصها أيضًا، وكما يقول المثل: من باعنا بالرخص بعناه ببلاش، أو يقول: أنا لي فيها رغبة، لكن هذا الرجل لما تزوجها تعلَّقت نفسه بها، وهي أيضًا متعلقة نفسها به في الغالب، فهو يتركها من أجل مصلحة الزوج الثاني، ويقول: الحمد لله، أما أنا يجيب الله لي بدلها. فالصواب أنه يُخير مطلقًا.
بقينا في مهرها من الزوج الأول، الزوج الأول الآن، هل تروح عليه امرأته بمهره أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: اسمع كلام المؤلف يقول: (ويأخذ قدر الصداق الذي أعطاها من الثاني)، (يأخذ) من؟ الزوج الأول (قدر الصداق الذي أعطاها) أي أعطى الزوجُ الأول (من الثاني) يأخذه من الثاني.
[ ١ / ٦٩٨١ ]
مثال ذلك: هذا الرجل المفقود كان قد تزوجها بمئة ريال، الشيء رخيص ذاك الوقت، بمئة ريال، وفُقِد، وتزوجت آخر، ورجع، وقال: أنا ما أبغيها، نقول: تبقى لمن؟ للثاني، وللزوج الأول أن يُطالِب الثاني بمهره الذي أعطاها، كم؟ مئة ريال، يأخذ مئة ريال. لماذا؟ لأن مهرها قيمتها، وهو قد فوتها عليه، فيضمن القيمة، فيعطيه مئة الريال. إذن صار الزوج الأول يخيَّر بين المرأة وبين مهرها، صح ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لأنه بيأخذ مهرها، لكن لو قال الزوج الأول: إذا كان ما أنتم معطوني إلا مئة ريال، أنا أبغي زوجتي، الآن لو أعطيتموني مئة ريال ما يجيب لي شيئًا أبدًا، ويش نقول له؟ نقول: الخيار لك الآن، لك الخيار. لكن شوف، إذا اختار أن تبقى مع الزوج الثاني ما عاد له خيار، وعلى هذا فلا بد أن يكون الزوج الأول فقيهًا؛ لأنه إذا اختار أن تبقى مع الزوج الثاني، ثم قلنا: ليس لك إلا مهرك، قال: هوَّنْت، يحصل له هذا ولَّا لا؟ ما يحصل له؛ لأنه لما اختار أن تبقى مع الزوج الثاني صارت زوجةً له بعقد مُجَازٍ.
طالب: ولو في المجلس ()؟
الشيخ: ولو كان في المجلس؛ ما فيه خيار النكاح، النكاح ما فيه خيار مجلس.
طيب، يأخذ قدْر الصداق الذي أعطاها من الثاني. هل للزوج الثاني أن يرجع على المرأة؟
طالب: له أن يرجع.
طالب آخر: ثلاثة أوجه.
الشيخ: يقول المؤلف: (ويرجع الثاني عليها بما أخذه منه).
(يرجع الثاني عليها) على الزوجة (بما أخذه) أي بما أخذه الزوج الأول (منه) أي من الزوج الثاني. مئة الريال اللي هي مهر الزوج الأول، وأعطاه إياها يقول للزوجة: أعطني إياها. إذن صار عليه غرم ولَّا ما عليه، الزوج الثاني؟ ما عليه غرم؛ لأن الغرم الذي غرمه في الأول يرجع به على الزوجة، فلا يكون عليه غُرم.
[ ١ / ٦٩٨٢ ]
والصحيح أنه لا يرجع عليها بشيء، إلا أن تكون قد غرَّته، فأما إذا لم تغره فإنه لا يرجع عليها بشيء، كيف قد غرته؟ يعني لم تُعلِمْه أنها زوجة مفقود، فحينئذٍ إذا أخذ الزوجُ الأول صداقه من الزوج الثاني رجع الثاني عليها؛ لأنها غرته، وأما بدون غرور فإنه لا يرجع عليها بشيء؛ لأن الذي فوَّتها على زوجها الأول مَنْ؟ هو، هو الذي فوتها، وإن كان أن النكاح لا بد فيه من رضاها، لكن حقيقة الأمر أنه هو الذي صار فيه نوع من التعدي على حق الأول.
الخلاصة الآن: امرأة المفقود تتربص مدة انتظاره، ثم تعتد للوفاة، ثم إن شاءت تزوجت، فإن بقي زوجها على فقده فالنكاح بحاله، وإن رجع ففيه تفصيل على المذهب: إن كان قبل وطء الثاني فهي للأول، وإن كان بعده خُيِّر الأول بين أخذها وتركها، فإن أخذها لم يحتج إلى تجديد عقد، ولكنه لا يطأ حتى تنتهي عدة الثاني، وإن تركها للثاني فالثاني لا يحتاج إلى تجديد عقد، بل يتركها بالعقد الأول، وله أن يأخذ من الثاني قدْر الصداق الذي أعطاها، ويرجع الثاني عليها بما أخذ.
والصواب في هذه المسألة أن الزوج الأول بالخيار مُطلقًا، سواء قبل وطء الثاني أو بعده، فإن أبقاها له فهي له ويأخذ منه صداقه، وإن أخذها فهي للأول ولا يرجع الثاني عليها بشيء. () والقول الثاني: () جاء عن الصحابة، هذا هو.
طالب: ذكرت التعليل.
الشيخ: نحن قلنا: الدليل أو التعليل اعتمادًا على ما جاء عن الصحابة من أنه يُخيَّر الأول، ونقول هذا لأجل ننتقل إلى القول الثاني الراجح في المسألة وهو () أو بعده، قبل الوطء أو بعده.
طالب: نعم.
الشيخ: إي نعم، وهذا القول هو الصحيح. طيب، لماذا جُعل له الخيار؟
طالب: جُعل له الخيار بعد الوطء؟
الشيخ: لا، بعد الوطء أو قبل الوطء () نقول: خيار سواء قبل الوطء أو بعده؟
طالب: لأنه لا فرق بين ما إن وطئ الزوج الثاني ما إن وطئها أو لم يطأها؛ لأنها دخلت في عصمة الثاني ().
[ ١ / ٦٩٨٣ ]
الشيخ: صحيح، هذا دليل على أن الراجح أنه لا فرق، هذا الذي قلت؛ لأجل يتبين أن الراجح أنه لا فرق، لكن ما هو الأصل في المسألة؟ لماذا خُيِّر؟ لماذا لم نقل إنه لما تبين أنه موجود تبين أن العقد باطل فتُرد إلى زوجها الأول بكل حال، كما قال به بعض أهل العلم؟
الطالب: لأنه الآن أصبحت عصمتين؛ عصمة الزوج الأول، وعصمة الزوج الثاني، فثبوتها في الزوج الأول أقوى من ثبوتها في الزوج الثاني؛ لأنه يُخيَّر، أما قبل وطئها يعني في عصمة الزوج الأول أقوى من الثاني.
الشيخ: طيب، فيه ..
طالب: نقول: لأن الزوجة نفسها متعلقة بالزوج الجديد، فلا يحق لنا أن نلزم الزوج الأول بأن يأخذها ونفسها متعلقة بزوجها وزوجها الثاني متعلق بها، هذا أيضًا تفريق بينهما، ونفسه قد تعاف ذلك.
الشيخ: إي، زين.
الطالب: فخُيِّر بين ().
الشيخ: هذا لا بأس، نقول: إذن خُيِّر () التخيير الحق لمن؟ للزوج الأول؛ فهو الآن بالخيار، إن شاء أخذها، وإن شاء تركها، فإذا قيل: أيهما أوْلى يتركها أو يأخذها؟ قلنا: هذا ().
***
(وَمَنْ مَاتَ زَوْجُهَا الْغَائِبُ أَوْ طَلَّقَهَا) يعني زوجها الغائب (اعْتَدَّتْ مُنْذُ الْفُرْقَةِ، وإِن لَمْ تُحِدَّ).
يقال: الفُرقة، ويقال: الفِرقة، بينهما فرق؟
طالب: نعم.
الشيخ: الفِرْقة يعني الطائفة، والفُرقة بالضم الافتراق.
[ ١ / ٦٩٨٤ ]
فتعتد منذ الفُرقة، وإن لم تعلم إلا بعد موته بزمان، أو بعد طلاقه بزمان، هذا هو القول الراجح، ودليله قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ وهي يصدق عليها أنها مطلَّقة من حين فارقها، وإذا كان يصدق عليها أنها مطلقة من حين فارقها، فعدتها منذ الفراق ثلاثة قروء، ولقوله في المتوفى عنها زوجها: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ متى يذرونهن؟ من بعد الوفاة مباشرة. وعلى هذا فتعتد المطلقة منذ طلَّقها زوجها، فلو فُرض أنه طلقها ولم تعلم وحاضت حيضتين، ثم علمت، كم بقي عليها؟ حيضة واحدة، وإن علمتْ بعد أن حاضت ثلاث مرات فقد انتهت عدتها.
وكذلك نقول في المتوفى عنها زوجها: لو لم تعلم بوفاة زوجها إلا بعد مضي شهرين، بقي عليها شهران وعشرة أيام، فإن لم تعلم إلا بعد انتهاء المدة فقد انتهت، ولهذا قال: (وإن لم تُحِد) يعني وإن لم تأتِ بالإحداد، وهذا فيمن توفي عنها زوجها، هي التي يلزمها الإحداد، فهنا يسقط الإحداد؛ لأنه تابع للعدة، والعدة قد تبين لنا أنها انتهت بِمُضي أربعة أشهر وعشر من موته.
ثم قال المؤلف: (وعدة موطوءة بشبُهة كمطلقة) على حسب التفصيل السابق: ثلاثة قروء، أو ثلاثة أشهر، أو سنة، أو حتى يعود الحيض، على حسب ما سبق، المهم أن الموطوءة بشبُهة عدتها عدة مطلقة. والشبهة نوعان: شُبهة عقد، وشُبهة اعتقاد، فشُبهة العقد تعود إلى العقد الذي استُبيح به الوطْء، وشُبهة الاعتقاد تعود إلى ظن المكلَّف.
[ ١ / ٦٩٨٥ ]
مثال شبهة العقد: أن يتزوجها لا يدري أنها أخته من الرضاع مثلًا، فيتبين أنها أخته، ومثل أن يتزوجها بغير ولي ظانًّا أن النكاح يصح بدون ولي، ومثل أن يشتري أمةً، لكن الأمة ما عليها عدة، أمة يظن أن البائع مالك لها وليس كذلك؛ هذه شُبهة عقد.
أما شُبهة الاعتقاد، فمثل أن يجامِع امرأة ما عقد عليها، لكن يظن أنها زوجته؛ هذه نقول فيها: شبهة اعتقاد؛ لأنه ما حصل عقد حتى نقول: العقد فيه اشتباه، لكنه أخطأ في ظنه، ظن أن هذه زوجته فجامَعها، نقول: هذه شبهة اعتقاد، عدتها كمطلقة، يعني تعتد بما سبق، وهذا هو المشهور من المذهب.
والصحيح أنها لا تعتد كمطلقة، وإنما تُستبرأ بحيضة؛ لأن هذه ليست زوجة، ولا مطلقة، ما هي مطلقة ولا هي بزوجة، وإنما كانت العدة ثلاثة قروء للمزوجة التي طلقها زوجها، ما هو لأجل العلم ببراءة الرحم فقط، لكن من أجل ذلك ومن أجل حقوق الزوج ليمتد له الأجل حتى يراجع إن شاء.
والموطوءة بشُبهة، هل يكون في حقها ذلك؟ لا؛ لأنه ما هو زوجها حتى يحتاج أن نمدَّ له الأجل لعله يراجع، إنما المقصود أن نعلم براءة رحمها، وهذا يحصل بحيضة.
هذا من جهة التعليل، أما من جهة الدليل فلأن الله إنما أوجب العدة على المطلقة: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فالعدة التي ذكرها للمطلقة، وهذه ليست مطلقة: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وهذا لا يمكن أن ينطبق على الموطوءة بشُبهة.
طالب: شيخ، ذكرنا أنه اختيار شيخ الإسلام ().
الشيخ: إي، عليها العدة، لكن ما هي عدة طلاق، الاستبراء؛ ولذلك هو يختار هنا أن الموطوءة بشُبهة تستبرأ فقط.
[ ١ / ٦٩٨٦ ]
كذلك أيضًا: عدة الموطوءة بزنا، الموطوءة بزنا عدتها كمطلقة، ترى الموطوءة بزنا، ما هو تقبيل أو استمتاع بما دُون الفرج، موطوءة بزنا عدتها كمطلقة. لماذا؟ نقول: قياسًا على المطلقة، وهذا ليس بصحيح، هذا من أبعد الأقيسة، وكيف نقيس وطئًا محرَّمًا سفاحًا على وطء جائز بنكاح صحيح؟ !
هذا بعيد جدًّا، ولهذا القول الثاني في المسألة أن عليها استبراء، وليس عليها عدة، بل سبق لنا أن القول المروي عن أبي بكر وجماعة من الصحابة أن المزني بها لا عدة عليها إطلاقًا ولا تُستبرأ ولا شيء، لا سيما إذا كانت ذات زوج؛ لقول الرسول عليه الصلاة السلام: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» (١).
طالب: () أبي بكر وعمر.
الشيخ: أيش؟
الطالب: روي عن أبي بكر وعمر.
الشيخ: أيهم؟
الطالب: أنها ().
الشيخ: لا، اللي ذكر في المغني أنه لا عدة عليها. ولهذا الصحيح أن الزانية تُستبرأ فقط، إلا إذا كانت ذات زوج فإنها لا حاجة لاستبرائها.
طالب: () في لا عدة ولا استبراء، لكن إن كانت حاملًا فتجتنب.
الشيخ: إي، هذا واضح ما فيه شك، لكن إذا كانت ذات زوج لا يُلزم الزوج باجتنابها.
الثالث قال: (أو موطوءة بعقد فاسد)، ما قال المؤلف: باطل، الموطوءة بعقد فاسد هذه صحيح أنها تكون عدتها كمطلقة؛ لأن الذي عقده يعتقد أنه صحيح، وأما العقد الباطل فإنها على القول الصحيح لا تَعتد كمُطلقة؛ لأن العقد الباطِل وجوده كعدمه، ولا يؤثر شيئًا. ما الفرق بين العقد الباطل والفاسد؟ الباطل ما اتفق العلماء على فساده، والفاسد ما اختلفوا فيه. (كمطلقة)، واختار شيخ الإسلام في هذا كله أنه لا عدة، وإنما هو استبراء.
بقي عندنا المطلقة طلاقًا ثلاثًا، طلاقًا بائنًا بالثلاث، هل هي تعتد أو تُستبرأ؟
طالب: تعتد.
الشيخ: إنسان طلق زوجته آخر ثلاث تطليقات، هل تعتد أو تُستبرأ بحيضة؟
طالب: تعتد.
[ ١ / ٦٩٨٧ ]
الشيخ: إي نعم، جمهور العلماء على أنها تعتد بثلاث حِيض؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، ولكن شيخ الإسلام ﵀ قال: إن كان أحدٌ قال بالاستبراء فهو أصح، وقال: إن سياق الآية: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ يدل على أن المراد المطلقات طلاقًا رجعيًّا؛ لقوله في آخرها: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وهذا ليس بعلًا، ليس له حق الرجعة، وقد ذكروا عن ابن اللبان، وهو من السلف القدماء أنه يرى أنه لا تعتد، وإنما تُستبرأ، ولكن لا شك أن الأحوط أن تعتد للعموم، وقد مر علينا قاعدة أنه إذا جاء لفظ عام، ثم أُعيد حُكم ينطبق على بعض أفراده فإنه لا يقتضي التخصيص، وهذه المسألة من هذا الباب.
***
يقول: (وَإِنْ وُطِئَتْ مُعْتَدَّةٌ بِشُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا).
هنا قال: (بشُبهة، أو نكاح فاسد) يريد بالشبهة هنا شبهة الاعتقاد؛ لأن شبهة العقد داخلة في قوله: (أو نكاح فاسد).
(إن وُطِئت معتدة بشبهة)، يعني امرأة معتدة لزيد، في عدة زيد زوجها؛ صورتها أنه طلق زوجته وشرعت في العدة، فجاء شخص آخر فوطئها بشبهة، هذا الوطء يحتاج إلى عدة ولَّا لا؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: كما هو المذهب، والمؤلف يُفرِّع على المذهب، يحتاج إلى عدة، فماذا نصنع؟ هل نعتبر عدة الأول أو عدة الثاني أو تتداخل العدتان؟ عندنا الآن ثلاثة احتمالات، هل نقول: تُكمِّل عدة الأول، ثم تبدأ عدة الثاني؟ أو نقول: تعتد للثاني، ثم تكمل عدة الأول؟ أو نقول: تتداخل العدتان، فتستأنف العدة للثاني، وإذا تمت انتهت عن الأول والثاني؟ الفرق بين هذه الأحوال الثلاثة واضح.
[ ١ / ٦٩٨٨ ]
المؤلف يقول ﵀: (فُرِّق بينهما) (نكاح فاسد)، النكاح الفاسد يريد به هنا النكاح الباطل في الحقيقة؛ لأن المعتدة نكاحها باطل إذا كان المتزوج غير زوْجها؛ لأن العلماء أجمعوا على أن المرأة المعتدة لو عُقد عليها النكاح فالنكاح باطل، أما إذا عقَد عليها زوجها لكن بدون ولي مثلًا صار النكاح فاسدًا لا باطلًا. وعلى هذا فقول المؤلف: (بنكاح فاسد) نقول: إن كان من الزوج فهو فاسد، وإن كان من غيره فهو باطل، فالمراد به الباطل، وكلامه أو سياق كلامه يدل على أنه من غير الزوج.
طالب: كيف يا شيخ من غير الزوج؟
الشيخ: إذا كان قد طلَّقها على عِوَض، فهنا العدة تثبت، والطلاق بائن، لكن له أن يتزوجها بعَقْد، فتزوجها بدون ولي.
الطالب: وهي في العدة؟
الشيخ: وهي في عدته، فالنكاح فاسد.
يقول: (فُرِّق بينهما)، بين مَنْ؟ بين الواطئ والزوجة المعتدة، وكلام المؤلف يدل على أن الواطئ هنا غير زوجها، ولهذا قال: (وأتمت عدة الأول، ولا يُحتسب منها مُقامها عند الثاني، ثم اعتدت للثاني).
[ ١ / ٦٩٨٩ ]
امرأة مُطلَّقة حاضت حيضتين، ثم جاء رجل فتزوجها أو وطئها بشُبهة، ويش بقي عليها عن الأول؟ بقي عليها للأول حيضة، لكن هي بقيت عند الثاني حتى حاضت هذه الحيضة، صار الآن لها ثلاث حيض، لكن الحيضة التي كانت وهي عند الثاني لا تُحسب؛ لأن المؤلف يقول: (ولا يحتسب منها مقامها عند الثاني) ما تُحسب، متى تكمل للأول؟ تكمل للأول بعد أن يُفرَّق بينها وبين الثاني، فلنفرض أننا عقدنا لها، أو عُقد لها وهي بعد الحيضة الثانية، وبقيت عند الزوج الثاني حتى حاضت، وبعد طُهرها تبينا الأمر، ففسخنا النكاح، وجوبًا نفسخ النكاح؛ لأنه غير صحيح، نفرق بينهما؛ ولهذا المؤلف يقول: (فُرِّقَ بينهما) ولم يقل: فُسخ النكاح، لماذا؟ لأن العقد باطل هنا بالإجماع، فرقنا بينهما بعد أن حاضت الثالثة، كم بقي عليها للزوج الأول؟ حيضة واحدة، تحيض حيضة واحدة تنتهي من عدة الأول، ثم تستأنف العدة للثاني كم؟ ثلاث حيض. طيب، ما قولكم لو قلنا بأنها تعتد للثاني، ثم تكمل الأول؟
طالب: الأول براء.
الشيخ: لا، يعني أقول: الاحتمالات نشوف، هل تختلف الصور ولَّا ما تختلف، نقول: لو قلنا: تبدأ بالثاني كان نقول: تحيض ثلاث حيض لمن؟ للثاني، ثم بعدها تعود بحيضة للأول، ربما يعتريها بعد ثلاث الحيض، يعتريها مثلًا ارتفاع الحيض على وجهٍ لا تدري سببه، أو على وجه تدري سببه، وتطول العدة على مَنْ؟ على الأول لو قلنا بأنها تبدأ بعدة الثاني، تطول العدة على الأول.
طيب، التداخل: إذا قلنا بالتداخل، كيف يصير؟ نقول: إذا فارقت الثاني تعتد بثلاث حيض فقط، وتدخل بقية عدة الأول في عدة الثاني، إنما ماذا نصنع على ما مشى عليه المؤلف؟ نقول: تكمِّل عدة الأول بعد التفريق، ثم تستأنف العدة للثاني.
طالب: وإن كانت حاملًا؟
الشيخ: بيجينا ها الحين، بيجينا.
طالب: () التداخل؟
[ ١ / ٦٩٩٠ ]
الشيخ: ما أدري والله، لكن الكلام على أن التصوير يحتمل الثاني، يقول: اعتدِّي للثاني فيه من قال بالتداخل، أبو حنيفة يرى التداخل، أبو حنيفة يرى أنها تتداخل.
يقول: (ثم اعتدَّت للثاني، وتحل له بعقد بعد انقضاء العدتين).
عندنا الآن هذا رجل تزوج امرأة معتدة، ودخل عليها وجامَعها، ما الواجب علينا نحوه؟ أن نفرق بينهما، فرقنا بينهما وأتمت عدة الأول، ثم اعتدَّت للثاني، وأتمت العدة، هل تحل للثاني ولَّا ما تحل؟ يقول المؤلف: (تحل له بعقد بعد انقضاء العدتين)، عدة الأول وعدة الثاني.
وظاهر كلام المؤلف أنها لا تحل له بعد انقضاء عدة الأول، وإن كانت العدة الثانية له فإنها لا تحل له، وظاهره أيضًا -بل صريحه- أنها تحل للثاني ولا تحرم عليه، فعندنا الآن ثلاث صور أو ثلاثة احتمالات:
هل تحل للثاني، الواطئ اللي وطئها في العدة بهذا النكاح بعد انقضاء العدتين أو ما تحل؟ تحل، الدليل عموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وهذا الرجل الآن نجد هذه المرأة ما بينه وبينها محرمية، فإذا تمت الشروط صح.
وقال بعض العلماء: لا تحل له أبدًا، وهذا مروي عن أمير المؤمنين عمر ﵁ عقوبةً له على فعله؛ حيث نكحها وهي في العدة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾، والقاعدة الفقهية عند أهل الفقه: من تعجَّل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه، فهذا الرجل تعجَّل الزواج من هذه المرأة المعتدة، فيعاقب بأن يحرم إياها.
[ ١ / ٦٩٩١ ]
وعندي أن هذه المسألة ينبغي أن يُرجع فيها إلى اجتهاد القاضي، ما دام رُويت عن أمير المؤمنين عمر، وعمر ﵁ معروف بسياسته، فإذا رأى القاضي أن يمنعه منها منعًا مؤبدًا عقوبةً له وردعًا لغيره، لو رأى ذلك فلا حرج عليه، ويكون هذا من باب التعزير، والتعزير يجوز بأن يُتلف على المرء ما يحبه المرءُ كالتعزير بالمال، وأن يمنع المرء مما يحبه، كما في هذه المسألة، وكما عزَّر عمر ﵁ المطلقين ثلاثًا، عزرهم بإمضاء الثلاثة عليهم.
والحاصل أن المذهب أنها تحل للزوج الذي وطئها في عدتها تحل له متى؟ بعد انقضاء العدتين. وقال بعض العلماء: تحل له إذا شرعت في عدته، إذا انقضت عدة الأول حلت للثاني؛ لأن العدة له والماء ماؤه، فتحل له. وقد سبق لنا في المحرمات بالنكاح أن المعتدة والمستبرأة، المعتدة من شخص، والمستبرأة منه إذا كان اعتدادها من أمر أو من وطء يلحق فيه النسب فإنها تحل للواطئ.
فصارت الأقوال في هذه المسألة كم؟ ثلاثة: قول أنها تحل لواطئها بعد انقضاء عدة الأول، هذا قول.
قول ثان: تحل للواطئ بعد انقضاء العدتين.
قول ثالث: لا تحل له أبدًا، هذه الأقوال الثلاثة.
والمذهب؟ المذهب هو وسط في هذه الأقوال، يقول: (تحلُّ له بعْقدٍ بعد انقضاءِ العِدَّتينِ)، ولكن من حيث القواعد الراجح القول الأول، أنها تحل له بعقد بعد انقضاء عدة الأول، لا سيما إذا تاب إلى الله ﷿ وأناب؛ لأن العدة له، فهو صاحب العدة، لكن إذا رأى الإمام أو الحاكم الشرعي أن يمنعه منها مطلقًا على حد ما رُوي عن عمر فإن له ذلك.
طالب: لو كان النكاح باطلًا، فلماذا لا تُستبرأ ولا تعتد منه، لا حق لها؟
الشيخ: هو ينبني على ما سبق، المذهب أنها تعتد منه ولو كان باطلًا.
قال: (تحل له بعد انقضاء العدتين، وَإِنْ تَزَوَّجَتْ فِي عِدَّتِهَا لَمْ تَنْقَطِعْ حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا).
[ ١ / ٦٩٩٢ ]
(إن تزوجت) من؟ المعتدة في عدتها (لم تنقطع) الضمير يعود على العدة (حتى يدخل بها). لماذا لا تنقطع؟ يعني لو قال قائل: لماذا لا تنقطع؟ لأنه لما تزوج به صارت ذات زوجين، فيجب أن نقطع عدة الأول.
طالب: ().
الشيخ: الجواب: أن هذا العقد غير صحيح، فهي إذن ليست ذات زوجين. هذا العقد الذي جاء في عدة الأول غير صحيح، ما له أثر إطلاقًا، وإلا لأورد علينا الإنسان هذا الإشكال.
مرة ثانية: إذا تزوجت في عدتها، امرأة في عدة إنسان، فجاء رجل آخر فتزوجها، إما جاهلًا أو متعمدًا ما يخاف الله والعياذ بالله، تزوجها في عدتها، هل تنقطع عدة الأول؟ لا، ما تنقطع، لماذا لا تنقطع، وقد عُقِد عليها فلا يُمكن أن تكون مشغولة لزوجين؟ فالجواب أن هذا العقد باطل فلا أثر له، لكن متى تنقطع؟
يقول: (حتى يدخل بها) المراد: حتى يطأها، (حتى يدخل بها) يعني حتى يطأها؟ من اللي يطؤها؟ الزوج الثاني، ليش؟ لأن الوطء هو اللي يقطع العدة، فإذا وطئها نفرِّق بينهما.
طالب: لماذا ترجع إلى الثاني وهو يريد أن يراجعها؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: العدة الأخيرة ليش وهو يريد أن يراجعها؟
الشيخ: مين اللي بيراجع؟
الطالب: الزوج الثاني.
الشيخ: النكاح ما صح؛ لأن تزوُّج المرأة وهي في عدتها غير صحيح.
الطالب: العدة ما هي له.
الشيخ: لا، العدة للأول، واحد آخر.
الطالب: إذا انتهت عدة الأول؟
الشيخ: نعم، إذا انتهت عدة الأول ذكرنا أن المذهب أنه ما يتزوجها إلا إذا انتهت العدة، عدتها منه.
الطالب: يكون لها عدة؟
الشيخ: إي،؛ لأنه وطئها، كل وطء على المذهب يوجب العدة ()
***
(لم تنقطعْ حتى يدخلَ بها، فإذا فارقَها بَنَتْ على عِدَّتها من الأولِ، ثم استأنفت العِدَّةَ من الثاني).
الكلام واضح هذا؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: شرحناه، (وإن تزوجت في عدتها) تزوجت من؟ مَن تزوجت؟ الفاعل من؟ من الفاعل؟ أي امرأة؟ المعتدة، إن تزوجت المرأة المعتدة.
[ ١ / ٦٩٩٣ ]
(في عدتها) قال: في عدتها (لم تنقطع) يعني لم تنقطع عدتها من الأول (حتى يدخل بها) الثاني. ومعنى (يدخل بها)؟ يطؤها. فلو فُرِض أن امرأة معتدة تزوجها رجل آخر في العدة، وقد حاضت حيضتين، ولكنه لم يدخل عليها، عقدوا له، ثم بين العقد والدخول حاضت الحيضة الثالثة، تنتهي عدتها من الأول؟ تنتهي، لماذا؟ لأنه لم يطأها، ولا تنقطع العدة بمجرد العقد، لماذا لا تنقطع بمجرد العقد؟ لأن هذا العقد غير صحيح، بل هو باطل بإجماع العلماء على فساده، وإذا كان باطلًا هل يؤثر؟ أبدًا، كلامه في هواء، ما له أثر. فإذا جامعها حينئذٍ حصل التأثير؛ لاحتمال أن تعلِق من الثاني بولد، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: لما جامعها الثاني يمكن يخلق الله من مائه ولدًا، فلما كان كذلك انقطعت عدة الأول.
يقول: (بَنَتْ على عِدَّتها من الأولِ، ثم استأنفت العدة من الثاني) هذا كالتكرار للأول، لكن هذا كرره ليبني عليه ما بعده، وهو قوله: (وإن أتت بولد من أحدهما انقضت منه عدتها به، ثم اعتدت للآخر). إن أتت بولد من أحدهما انقضت عدتها منه، ثم اعتدت للثاني، أنتم فاهمون أصل المسألة؟
طالب: نعم.
الشيخ: ويش أصل المسألة؟ أن امرأة تزوجت في عدتها، وجامَعها الزوج الثاني، ماذا قلنا في الحكم؟ قلنا: يفرَّق بينهما، وتتم عدة الأول، ثم تستأنف العدة للثاني. ترى هذا مكررًا مع ما سبق ليبني عليه ما ذكره الآن، مفهوم الآن؟
طالب: نعم.
الشيخ: طيب، لكن لو أتت بولد من أحدهما يقينًا، فإن العدة له، ثم تكمِّل للثاني، كيف هذا؟ لو أنها بعد أن تزوجت الزوج الثاني وجامَعها أتت بولد لدون ستة أشهر، وعاش الولد، لمن يكون الولد؟
طلبة: للأول.
[ ١ / ٦٩٩٤ ]
الشيخ: للأول يقينًا؟ لأنه ما يمكن يعيش لأقل من ستة أشهر، وعلى هذا فيكون للأول يقينًا، ثم تستأنف العدة للثاني. وإن أتت بولد لأكثر من أربع سنين من فراق الأول، فهو لمن؟ للثاني، بناءً على أن مدة الحمل لا تزيد على أربع سنين، فإذا أتت به بعد أربع سنين منذ فارقها الأول، فالحمل للثاني، ثم تكمل عدة الأول.
وقول المؤلف ﵀: (ثم اعتدَّت للآخر)، لا تظن أن المعنى: (ثم اعتدت) استأنفت العدة، لا، بل إن كان من الأول، إن حكمنا بأن الولد للأول فإنها تستأنف العدة للثاني، وإن حكمنا بأن الولد للثاني فإنها تكمل عدة الأول؛ لأنه لم يوجد ما يبطل ما سبق من عِدَّته، فإذا قُدِّر أنها قد حاضت مرتين بعد إبانة الأول، ويش باقٍ عليها؟ حيضة.
تزوجها الثاني ونشأت منه بحمل، ووضعت لأكثر من أربع سنين منذ أبانها الأول، من يكون له الولد؟ للثاني، لما كان للثاني انتهت عدتها من الثاني، بماذا؟ بوضع الحمل، هل تستأنف العدة للأول أو تكمِّل عدته؟ تكمل عدته؛ لأنه سبق من عدته حيضتان.
فقول المؤلف: (ثم اعتدت للآخر)، لا تظن المعنى أنها تستأنف العدة؛ لا، نقول: اعتدت للآخر، إن ثبت أن الحمل للأول استأنفت العدة للثاني، وإن ثبت أن الحمل للثاني أتمت عدة الأول؛ لأنه قد سبق له حيضتان من عدته.
طالب: إذا طلقها الأول ما تكون ()؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: إذا طلقها الأول وهي حامل ما تعتد عدتها؟
الشيخ: ما تتم عدتها حتى تضع الولد.
الطالب: لكن كيف ()؟
[ ١ / ٦٩٩٥ ]
الشيخ: ما ندري؛ لأن المرأة قد تحيض وهي حامل، مفهومة، المسألة الآن؟ وهذه -الحمد لله- قليلة الوقوع، لكن يجب أن يعرف الإنسان الحكم، وهي كثيرة الوقوع في مسألة: بعض العوام يظنون أن المرأة إذا طلقت وهي تُرضع أنها تعتد بكم؟ بثلاثة شهور، إذا اعتدت ثلاثة شهور زوَّجوها، وهذا غلط. بماذا تعتد المرضع؟ بثلاث حيض، والمعروف أن المرضع ما يأتيها الحيض في حال الرضاع، وعلى هذا تبقى حتى يعود الحيض فتعتد به. هذه ربما تقع خصوصًا عند البادية ربما تقع، يُزوِّجون هذه المرأة المطلقة وهي تُرضع، إذا مضى عليها ثلاثة شهور زوَّجوها، تأتي المسألة هذه ولَّا ما تأتي؟ تأتي هذه المسألة؛ ولهذا يجب علينا أن نعرف الحكم.
***
قال: (ومَنْ وَطِئَ مُعْتَدَّتَهُ البائنَ بشبهة استأنفت العدة بوطئه ودخلت فيها بقية الأُولَى). (وطئ معتدته البائن)، بماذا تبين المرأة؟ بكل فسْخ، جميع الفسوخ فهي بينونة، وبكل طلاق على عِوض، هذه ثنتان، والثالث: بكل طلاق تم به عدد الطلاق؛ هذه المعتدة البائن.
إذن المعتدة البائن مَنْ هي؟ كل من اعتدت بفسخ، أو بطلاق على عِوض، أو بطلاق متمم للعدد، هذه البائن. هذا رجل قد طلَّق زوجته آخر ثلاث تطليقات، بائن أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: فجاء يومًا من الأيام ووجدها على فراشه، فظنها زوجته الأخرى، عنده زوجتان، ظنها زوجته الأخرى فجامعها، هذا الوطء ويش نسميه؟ وطئًا بشبهة، والموطوءة معتدة بائن، ماذا تصنع؟
يقول المؤلف: (استأنفت العدة بوطئه ودخلت فيها بقية الأولى)، إذا كان قد مضى منها حيضتان، ويش باقٍ؟ باقٍ حيضة واحدة، جامعها قبل الحيضة الثالثة، نقول الآن: تستأنف العدة كم من حيضة؟
طالب: ثلاث حيض.
[ ١ / ٦٩٩٦ ]
الشيخ: ولكن الحيضة الباقية تدخل في الثلاث ولَّا لا؟ تدخل، وعلى هذا تعتد بثلاث حِيض وتنتهي، ما نقول: تكمل الثالثة للأول، ثم تجيب ثلاثًا، لماذا؟ ما الفرق بينها وبين ما إذا جامعها رجل آخر؟ الفرق؛ لأن العدة هنا لواحد، العدتان لواحد، فدخلت إحداهما في الأخرى، بخلاف ما إذا كانت العدتان لاثنين، فإنها لا تدخل إحداهما في الأخرى. ظاهر يا جماعة الآن؟
طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، معتدته البائن بماذا تبين؟ بالفسخ والطلاق الثلاث.
طالب: ().
الشيخ: لا، الطلاق اللي يتم به العدد؛ لأنه قد يكون ثنتين، إذا كان عبدًا يكون ثنتين.
والطلاق الذي يتم به العدد، والثالث: الطلاق على عِوض.
***
(ودخَلَتْ فيها بقية الأُولَى، وَإِنْ نَكَحَ مَنْ أَبَانَهَا فِي عِدَّتِهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا بَنَتْ). (إن نكح من أَبَانها) شوف الآن نحن قلنا: البينونات ثلاث: بينونة فسْخ، وطلاق على عِوض، وطلاق تم به العدد.
(إن نكح من أبانها) أي الثلاث اللي يمكن هنا؟ اللي على عوض والفسخ، الطلاق اللي تم به العدد ما يمكن، ويش السبب؟ لأنها لا تحل له إلا بعد زوج.
هذا رجل طلَّق زوجته على عوض، قالت: طلِّقْني طلِّقْني، قال: ما أطلقك إلا إذا كانت بتعطيني عشرة ريالات؟ قالت: أهلًا وسهلًا، هذه عشرة ريالات، طلقها. تبِينُ ولَّا ما تبين؟ تبين، الآن ملكت نفسها؛ لأنها افتدت منه، لكنه أحب أن يرجع إليها الآن، نقول: ما تحل لك إلا بعقد جديد، برضا ومهر وكل شيء، عقد عليها، يصح العقد ولَّا ما يصح؟ يصح، لكن الرجل بعد أن عقد عليها طلقها قبل أن يدخل بها، يمكن هذا ولَّا لا؟ يمكن وإن كان بعيدًا، لكن على كل حال يمكن.
طلقها قبل أن يدخل بها، يقول المؤلف: تبني على العدة الأولى، وكان باقٍ عليها جاءها حيضتان وباقٍ واحدة، وتزوجها، ولكن طلقها قبل أن يطأها، نقول: باقٍ حيضة واحدة، تكمل حيضة واحدة وتنتهي.
[ ١ / ٦٩٩٧ ]
طيب العقد الجديد هذا ما يحتاج إلى عدة؟ ما يحتاج؛ لأنه ما وُجد سبب العدة؛ لأن من شرط العدة أن يحصل وطء أو خلوة، وهذا ما حصل وطء ولا خلوة، وعلى هذا فتبني، تكمل العدة الأولى.
مثال آخر: امرأة وجد زوجها بها عيبًا ففسخها لعيبها، ثم بعد أن فسخها تراجع، وقال: أنا بأصبر على ها العيب، ثم تزوجها، تزوجها وهي الآن في العدة، ثم طلقها؟ تبني على العدة ولَّا تستأنف؟ تبني.
طالب: إذا وطئ.
الشيخ: ما وطئ، طلقها قبل أن يدخل بها، وقبل أن يخلو بها، تبني على العدة الأولى؛ لأنه ما وجد سببًا لعدة جديدة.
المسألة الثالثة: رجل طلق زوجته ثلاثًا، وفي أثناء العدة تزوجها؟ ما يصح، هذا أصلًا ما له أثر.
طالب: الخلوة لها أثر يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم، لها أثر.
طالب: ().
الشيخ: إي؛ لأنه ما يجوز يخلو بها ولا يُقبِّلها ولا شيء، بانت منه.
انتبهوا لهذه المسألة: فيه رجل آخر طلَّق زوجته طلاقًا رجعيًّا، ما هو بائنًا، طلاقًا رجعيًّا، ويش معنى الرجعي؟ رجعي يعني خلاف التقدمي كما يقولون؟ ! أيش الرجعي؟ الرجعي هو الذي يمكن أن يرجع عليها بدون عقد؛ هذا الرجعي.
رجل طلَّق امرأته طلاقًا رجعيًّا، فجاءه أحد أصدقائه وقال له: ليش تطلقها؟ هذه أم فلان، امرأة طيبة وحبيبة، ليش تطلقها؟ قال: ويش رأيك، أراجعها؟ قال: أيوه، راجعها، تلم الشعث وتخدمك في البيت، قال: تراني مراجعها، اشهد يا فلان وفلان أني راجعت زوجتي. صارت زوجة له الآن؟ صارت زوجة له بدون عقد.
فجاءه صديق آخر، ولكن يمكن هو صديق غير صديق أو غير صدوق، قال: سمعت أنك مراجع زوجتك؟ قال: إي والله، أشار عليَّ فلان أني أراجعها وبيَّن لي فوائد المراجعة. قال له: ويش () تتعبك تسبك، ويش تبغي؟ قال: أشهدك أني طلقتها! ! الآن هل تبني على عدتها ولَّا تستأنف العدة؟ الرجل ما دخل عليها ولا شيء؟ تستأنف العدة.
طالب: ().
الشيخ: لا، تستأنف العدة؛ يعني تعتد بثلاث حِيَض غير الأولى، تستأنف العدة.
[ ١ / ٦٩٩٨ ]
طالب: ما قلنا يا شيخ إنه طلاق ..
الشيخ: لماذا؟ لأنه لما راجعها أعادها على النكاح الأول، الرجعة ما هي عقْد جديد، الرجعة إعادة إلى النكاح الأول، النكاح الأول فيه دخول ولَّا لا؟ فيه دخول؛ ولهذا هي معتدة من النكاح الأول الآن، وعلى هذا فتستأنف العدة؛ لأنه لما أعادها على النكاح الأول أعادها على نكاح مدخول به، فإذا طلقها طلق امرأة مدخولًا بها، فتستأنف العدة من جديد.
وهذه مسألة يغلط فيها بعض الناس، بعض الطلبة ما يفهم الفرْق بين هذه وهذه، ولكن الفرق بينهما واضح، فلو سألك سائل: رجل تزوج امرأة طلقها طلاقًا بائنًا فتزوجها في عدتها، ثم طلَّقها قبل أن يدخل أو يخلو بها، فما تقول؟
طالب: تبني على ..
الشيخ: تبني على عدتها الأولى؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يعني بس تكمل العدة الأولى؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: كذا، تكمل العدة الأولى فقط. ورجل آخر راجع زوجته المعتدة من طلاق رجعي، راجعها، ثم طلَّقها قبل أن يدخل أو يخلو بها، ما تقولون؟ تستأنف العدة.
فإذا قلت: ما الفرْق بين الصورتين؟ فالفرق أن نقول في المسألة الأولى: كانت بائنًا منه، فعقد عليها نكاحًا جديدًا، أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: طلَّقها فيه قبل الدخول والخلوة، فكان طلاقًا لا عدة فيه؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، وهذا نكحها ولا مسَّها ولا خلا بها.
أما المسألة الثانية؛ فإن المسألة الثانية إعادة امرأة إلى نكاح.
طالب: أول.
الشيخ: نكاح سابق إي نعم، نكاح سابق حصل فيه دخول، فلما أعادها إلى النكاح الأول صارت هذه الإعادة مبنية على ما سبق، فإذا فارقها بعد هذه الإعادة تستأنف؛ لأنها مطلقة من نكاح مدخول فيه. إي نعم، هذا هو الفرق بينهما.
طالب: شيخ، يجوز الطلاق الثاني لو صارت رجعية؟
[ ١ / ٦٩٩٩ ]
الشيخ: راجعها، راجعها.
الطالب: إي، لكن راجعها، يجوز أنه يطلقها، وما انقضت عدتها؟
الشيخ: إي، يجوز.
الطالب: قلنا في الأول ().
الشيخ: هذاك إذا طلقها بدون رجعة، أما إذا راجعها فهو بإجماع العلماء أن طلاقه الثاني يقع عليها إذا راجعها.
الطالب: بعد الرجعة؟
الشيخ: بعد الرجعة إي. إضافة؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: هذاك إذا طلق وهو ما راجع؛ هذا اللي فيها الخلاف.
طالب: ()؟
الشيخ: لا، هو التعليل؛ لأن مصلحة الزوج قد تكون حتى في البائن، لكن التعليل السليم؛ لأن هذا إعادة لنكاح ..
(فصلٌ)
يَلزَمُ الإحدادُ مُدَّةَ العِدَّةِ كلَّ مُتَوَفًّى زَوْجُها عنها في نِكاحٍ صحيحٍ، ولو ذِمِّيَّةً أو أَمَةً غيرَ مُكَلَّفَةٍ، ويُباحُ لبائِنٍ من حَيٍّ، ولا يَجِبُ على رَجْعِيَّةٍ ومَوطوءةٍ بشُبْهَةٍ أو زِنًا أو في نِكاحٍ فاسدٍ أو باطلٍ أو مِلْكِ يمينٍ.
و(الإحدادُ) اجتنابُ ما يَدْعُو إلى جِمَاعِها ويُرَغِّبُ في النظَرِ إليها من الزينةِ والطِّيبِ، والتحسينِ، والْحِنَّاءِ وما صُبِغَ للزينةِ، وحُلِيٍّ وكُحْلٍ أَسودَ، لا تُوتِيا ونحوِها، ولا نِقابٍ، وأبيضَ ولو كان حَسَنًا.
(فصلٌ)
وتَجِبُ عِدَّةُ الوَفاةِ في الْمَنْزِلِ حيث وَجَبَتْ، فإن تَحَوَّلَتْ خَوْفًا أو قَهْرًا أو بِحَقٍّ انتَقَلَتْ حيثُ شاءتْ، ولها الْخُروجُ لحاجَتِها نَهارًا لا ليلًا، وإن تَرَكَت الإحدادَ أَثِمَتْ، وتَمَّتْ عِدَّتُها بِمُضِيِّ زَمانِها.