والصلاة والسلام علي نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف: (كتاب الرضاع) الرضاع مصدر رَضَعَ يَرْضَعُ رَضَاعًا، وهو لغةً: مص الثدي. هذا الرضاع في اللغة؛ مص الثدي، فإذا مص الثدي ونزل لبن فهو رضاع.
وأما شرعًا فهو مَصُّ طفل صغير لبن امرأة أو شربه ونحوه، يعني ما يختص بالمص حتى لو مثلًا وُضِعَ في فنجال وشَرِبَه كان ذلك رضاعًا في الشرع، بخلاف اللغة.
وهذا من المواضع التي كان الشرع فيها أوسع من اللغة؛ لأن الغالب في التعريفات أن اللغة أوسع من الشرع، وأن الشرع يضيف قيودات أخرى، لكن في هذا الموضع الشرع أوسع من اللغة؛ لأن اللغة مص، وهذا مص أو شُرْب.
الرضاع من رحمة الله ﷿ وحكمته، فالطفل في بطن أمه يتغذى بالدم عن طريق السُّرَّة، ثم إذا انفصل فإنه لا يستطيع أن يأكل ولا يشرب، فجعل الله له وعاءين معلَّقَين في صدر الأم.
واختار الله ﷿ أن يكون في الصدر؛ لأن ذلك أقرب إلى القلب، ولأنه أقرب إلى كون الأم تحتضن الولد، لو كان مثلًا في الجنب معناه أنها ترضعه وهو على الأرض، لكن كان على هذا لأجل أن تحتضنه وتجعله في حضنها وترق له وتحنّ عليه.
ثم جعل الله هذا الوعاء وعاءً لا يجتمع فيه اللبن كما يجتمع في القارورة، لكنه يجتمع بين عصب ولحم وشحم متفرِّقًا؛ ليكون أسهل للأم مما لو كان () كما لو كان في قارورة.
[ ١ / ٧٠٣٤ ]
ثم من رحمة الله ﷿ أنه جعله يخرج مع هذه الحلمة، وليس في شق واحد، هذه مُخَرَّقة عدة خروق لأجل ألَّا ينزل بسرعة فيشرق الطفل فيموت، ولكنها خروق عدة وصغيرة جدًّا، وبهذا كله يتبين حكمة الله ﷿، وأنه لا ينبغي العدول عن هذه الحكمة العظيمة لإسقائه لبنًا أجنبيًّا، كما فعل بعض الناس، مع أن الأطباء متفقون على أن لبن الأم خير للطفل من أي لبن آخر، وهذا هو الذي يليق بحكمة الله تعالى الكونية والشرعية، ولهذا ينبغي للمرأة ألَّا تدع إرضاع ولدها لمدة سنتين، كما قال الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
الرضاع في الحقيقة يشارك النسب في بعض الأمور، ويفارقه في أكثر الأمور، مما يشارك النسب فيه قوله: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»، وهذا لفظ الحديث: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»، هكذا ثبت عن النبي ﷺ أنه يحرُم من الرضاع ما يحرُم من النسب، يعني بالنسبة للمحرَّمات في النكاح، فكل مَن تحرُم بالنسب فهي حرام بالرضاع.
وقد أشار الله ﷿ إلى ذلك في قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣].
هذا إشارة إلى الأصول: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾، وإشارة إلى الحواشي: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾، ويش بقي ما دخل في الآية؟ الفروع، لكن يقال: إذا كان الأصول والواشي يحرُم فالفروع من باب أولى؛ لأن الفرع بعض من الأصل، ولكن جاء الحديث فأَجْمَلَ وَعَمَّ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ».
[ ١ / ٧٠٣٥ ]
بِدّنا نشوف اللي يحرُم من النسب: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ [النساء: ٢٣] هذه حرام من النسب، فنظيرها من الرضاع حرام؛ أمك من الرضاع حرام، وبنتك حرام، وأختك حرام، وعمتك حرام، وخالتك حرام، وبنت أخيك حرام، وبنت أختك حرام، فانظر مَن يحرُم من النسب وقابِل بهن مَن يحرُم من الرضاع.
وهل يحرُم من الرضاع ما يحرُم بالصهر؟
اختلف في ذلك أهل العلم؛ فذهب الأئمة الأربعة وجمهور أهل العلم إلى أنه يحرُم من الرضاع ما يحرُم بالصهر، وعلى هذا فأُمّ زوجتك من الرضاع حرام عليك كأم زوجتك من النسب؛ لأن أم زوجتك من النسب حرام بالنص والإجماع، كما قال الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
بنت زوجتِك من الرضاع، يعني لو كان لك زوجة قد أرضعت بنتًا من زوجٍ سابق، فهل تحرُم عليك تلك البنت؟ على رأي الجمهور: نعم؛ لأنها بنت زوجتك من الرضاع، فهي كبنت زوجتك من النسب، كذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لو كان لزوج المرأة أبٌ من الرضاع، هل يحرُم عليها؟
طالب: نعم.
الشيخ: على رأي الجمهور يحرُم كأبي زوجها من النسب، ولو كان لزوجها ابنٌ الرضاع، يعني ما رضع منها، رضع من زوجته الأخرى، فهو على رأي الجمهور يحرُم كابن زوجها من النسب.
ولكن ظواهر الأدلة تدل على خلاف هذا القول، يعنى على خلاف رأي الجمهور؛ لأن الله تعالى ذَكَرَ المحرَّمات ثم قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، فيكون الأصل الحِلّ أو التحريم؟ الأصل الحِلّ، وعلى هذا فإذا لم يكن هناك تحريم بَيِّنٌ فإن الأصل الحِلّ حتى يقوم دليل بَيِّن على التحريم.
ثم إن الرسول ﵊ يقول: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»، ولم يقل: ()، ومعلوم أن أُمّ الزوجة وبنت الزوجة وأبا الزوج وابن الزوج تحريمهم؟
طالب: بالمصاهرة.
[ ١ / ٧٠٣٦ ]
الشيخ: بالمصاهرة لا بالنسب، بالإجماع.
وعلى هذا فيكون الحديث مُخْرِجًا لذلك، () من الرضاع ما يحرُم من النسب، وأيضًا فإن الله تعالى يقول: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فخرج به الابن الذي من الرضاع، زوجته ما تحرم عليه؛ لأنه ليس ابنًا للصُّلب.
لكن هذه الآية أجاب الجمهور عنها بأنها احتراز من ابن التبني، والجواب عن جوابهم أن يقال: إن ابن التبني ليس ابنًا شرعيًّا حتى يحتاط إلى الاحتراز عنه، أصلًا ما دخل في قوله: ﴿أَبْنَائِكُمُ﴾؛ لأن بنوته باطلة.
وثانيًا: على فرض أنه داخل في البنوة فإن قوله: ﴿مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾، لماذا لا نجعله احترازًا من ابن الصلب وابن الرضاع، فيكون مُخْرِجًا للجنسين؛ ابن الصلب وابن الرضاع.
فإن قلت: إن عموم قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ يشمل أمها من النسب، وأمها من الرضاع؟
فالجواب أن الأم عند الإطلاق لا تدخل فيها أم الرضاع، بدليل قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾، ولو كانت الأم عند الإطلاق يدخل فيها أم الرضاع ما ذكرها مرة ثانية.
والحاصل أن هذا القول هو القول الراجح، وإن كان خلاف رأي الجمهور؛ لأنه ما دام المسألة ليست إجماعًا فلا ضَيْرَ على الإنسان أن يأخذ بقولٍ يراه أصح.
شيخ الإسلام ﵀ نقل عنه ابن رجب أنه يرى هذا الرأي؛ أن الرضاع لا يُؤَثِّر في ()، وذَكَرَ عنه ابن القيم أنه توقَّف فى ذلك، ولا يمنع أن يكون توقَّف ثم تَبَيَّن له بعد ذلك الأمر، كما يوجد في كثير من آرائه ﵀، في أن يرى، يعنى يُصَرِّح بأنه رجع عن رأيه أو يَتَبَيَّن واضحًا أنه رجع عن رأيه، وأحيانًا يكون فيه توقف.
فالحاصل أن المسألة هذه فيها خلاف، والراجح أنه لا تأثير للرضاع في المصاهرة؛ للأدلة التي شرحناها.
[ ١ / ٧٠٣٧ ]
لكن لو قال قائل: أنا أتهيَّب من خلاف الجمهور، وأريد أن أسلك الاحتياط من الوجهين، فأقول: إن أُمّ الزوجة من الرضاع ليست حرامًا على الزوج، لكن لا أُحِلّ لها أن تكشف الوجه، يعنى: لا أُحِلّ له أن يتزوج بها موافقةً لمن للجمهور، ولا أُحِلّ لها أن تكشف وجهها، موافقةً لقول شيخ الإسلام فأعمل بالاحتياط، لو أردت أن أسلك هذا المسلك فهل لذلك أصل؟
الجواب: نعم، لذلك أصل، والأصل في ذلك قصة سودة بنت زمعة حين تنازَع عَبْد بن زمعة وسعد بن أبي وقاص، تنازعا في ماذا؟ في وَلِيد، عبد بن زمعة تنازع فيه هو وسعد بن أبي وقاص، فقال: يا رسول الله، إن هذا وُلِدَ من أخي عتبة بن أبي وقاص، وأنه عهد به إلَيَّ، وقال أخو سودة بنت زمعة: يا رسول الله، إنه أخي، وُلِدَ على فراش أبي من وليدته، فقال له سعد: يا رسول الله، انظر إلى شبهه، فلما رأى النبي ﷺ إلى شبهه رأى شبهًا بَيِّنًا بعتبة، ولكنه قال: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ».
الآن حكم بأن هذا الولد أخٌ لسودة، وأَمَرَهَا بأن تحتجب منه، لماذا أمرها أن تحتجب؟ احتياطًا؛ لأنه رأى شبهًا بَيِّنًا بعتبة، فأمرها بالاحتجاب، فهل هذا من باب إعمال الدَّلِيلَيْنِ، أو من باب الاحتياط؟
طلبة: من باب الاحتياط.
الشيخ: قال بعض منهم: من باب إعمال الدليلين، وقال بعضهم: إنه من باب الاحتياط، والأقرب أنه من باب الاحتياط؛ لأن هذين الدليلين أحكامهما متنافية ما يمكن تجتمع، فإما هذا وإما هذا، ولكن هذا من باب الاحتياط، فلو ذهب ذاهب في هذه المسألة -يعني المسألة اللي كنا نتكلم عليها- وقال: إن الرضاع لا يؤثر في التحريم بالنسبة للمصاهرة، لكني آمُرُه ألَّا يتزوج بهنّ احتياطًا، لو ذهب ذاهب إلى ذلك لم يكن هذا بعيدًا من الصواب.
طالب: () الدليل؟
[ ١ / ٧٠٣٨ ]
الشيخ: دليله من الحديث: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» أبدًا، يقولون: كما أن أم زوجك من النسب حرام عليك فأمها من الرضاع حرام عليك؛ لأنه كما أن نسب هذه المرأة المتصل بزوجتك محرِّم فرضاعُها أيضًا مُحَرِّم، ولكن يقال: إن الحكم يتعلق بالمخاطب، الذي يتعلق به التحريم، فهي نعم أُمّ زوجتي من الرضاع، لكن تحريمها عَلَيَّ ليس بسبب أن أُمّ زوجتي أمي مثلًا، هي نسيبتي، ولكنها من أصهاري، والرسول ﵊ عَلَّق الحكم بالصهر، قصدي النسب.
طالب: ().
الشيخ: الجواب: الاحتياط نوعان: احتياط لاشتباه الدليل الشرعي، وهذا لا يمكن في عهد الرسول ﵊، واضح؟ لأن الرسول ما يخفى عليه الحكم الشرعي، هذا يكون بعده.
واحتياط لاشتباه الحكم الكوني، وهذا يمكن يشتبه عليه، يخفى على الرسول ﵊، ولهذا النبي ﵊ لما رأى شبهًا بَيِّنًا بعتبة، مشكلة هذا.
فعندنا تعارَض الآن حكم كوني قدري وهو الشبه، وحكم شرعي وهو الفراش، فغُلِّبَ جانب الفراش.
طالب: ().
الشيخ: إي، ولكنه قال لما جاءت به على هذا الوصف قال: «لَوْلَا مَا سَبَقَ مِنْ كِتَابِ اللهِ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ»، فكأنه لَمَّا حكم باللعان انقضى عذابه، ومع هذا صار يُدْعَى لأمه، وقالت: هذا الذي حصل ما () يدعى لأمه.