[ ١ / ٧٣١٤ ]
قال رحمه الله تعالى: (كتاب الديات) الديات جمع دية، والمؤلف ﵀ عبَّر عن هذه الترجمة بقوله: (كتاب)، وقد سبق لنا أن العلماء يترجمون بـ (كتاب) و(باب) و(فصل)؛ فأما (الكتاب) فيترجمونه فيما إذا كان البحث مستقلًّا عما سبق وواسعًا فإنهم يجعلونه كتابًا، كأنه كتاب مستقل، وأما (الباب) فإنه يكون مشتملًا على مسائل مستقلة لكنه فرد من أفراد بحوث عامة، وأما (الفصل) فهو كالمسائل المعينة لما يبحث في هذا الباب، ويأتون بالفصول من أجل راحة القارئ؛ لأنه لو طال الكلام يمل، فإذا فُصِّل وجُزِّئ صار ذلك أقوى وأنشط.
(الديات) جمع دية؛ وهي المال المؤدى إلى المجني عليه أو ورثته بسبب الجناية بالمعنى الاصطلاحي التي هي التعدي على البدن بما يوجب قصاصًا أو مالًا، لا بالمعنى الأعم، وبناء على ذلك فإن الدية قد تكون للنفس، وقد تكون للأعضاء، وقد تكون للمنافع، وهي تختلف كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في هذا الباب.
والقاعدة العامة في وجوب الدية ما ذكره بقوله: (كل من أتلف إنسانًا بمباشرة أو سبب لزمته ديته) هذه القاعدة، القاعدة أن كل من أتلف إنسانًا بمباشرة أو بسبب لزمته ديته، فإن اجتمع مباشران فعليهما الدية، وإن اجتمع متسببان فعليهما الدية، وإن اجتمع مباشر ومتسبب؛ فإن كان المباشر يمكن تضمينه فعلى المباشر، وإن كان لا يمكن فعلى المتسبب.
القاعدة إذن كل من أتلف إنسانًا بمباشرة أو سبب لزمته ديته، سواء كانت الدية للبدن، أو لجزءٍ منه، أو للمنافع، فإن اجتمع مباشران فعليهما الدية، أو متسببان فعليهما الدية، أو مباشر ومتسبب؛ فإن كان المباشر ممكن تضمينه فعليه وحده، وإلا يمكن فعلى المتسبب وحده.
مثال المباشرة: أن يأخذ الإنسان آلة تقتل، فيقتل بها هذا الإنسان، سواء عمدًا أو خطأ، هذه نقول: مباشرة، أو يلقيه من شاهق، حسب ما تقدم لنا في كتاب الجنايات، هذه مباشرة.
[ ١ / ٧٣١٥ ]
ومثال السبب: أن يحفر حفرة في طريق الناس، فيقع فيها الناس، فهذا ما باشر لكنه تسبب، فيكون الضمان على من؟ على المتسبب.
ومثال المُباشِرَيْنِ: أن يشترك اثنان في قتل شخص، فعليهما الدية.
ومثال المتسببَيْن: أن يشترك اثنان في حفر حفرة في الطريق، فيكونان متسببَيْن عليهما الدية.
فإن اجتمع مباشر ومتسبب فالضمان على المباشر إذا أمكن تضمينه.
مثاله: هذا الذي حفر الحفرة وقف شخص عليها، فجاء إنسان آخر فدفعه فيها حتى سقط فمات، الضمان على من؟
طلبة: المباشر.
الشيخ: على المباشر؛ وهو الدافع؛ لأنه أقوى صلة بالجناية من المتسبب.
وكذلك لو أن شخصًا أعطى إنسانًا سكينًا بدون مواطأة على القتل، فقتل بها إنسانًا، فالضمان على من؟
طلبة: على المباشر.
الشيخ: على المباشر.
فإن كان المباشر لا يمكن تضمينه فعلى المتسبب؛ مثل لو أن رجلًا ألقى إنسانًا بحضرة الأسد، فأكله الأسد، فعندنا الآن مباشر ومتسبب، من المباشر؟
طلبة: الأسد.
الشيخ: الأسد، والمتسبب هذا الذي ألقى هذا الرجل مكتوفًا بحضرة الأسد، الضمان هنا على المتسبب، لماذا؟
طالب: لأن المباشر لا يمكن تضمينه.
الشيخ: لا يمكن تضمينه، كذلك إذا كان المباشر غير معتدٍ، وكان المتسبب هو المعتدي، وكانت المباشرة مبنية على ذلك السبب؛ فإن الضمان يكون على المتسبب، وذلك كما لو شهد جماعة على شخص بما يوجب قتله، فقتله السلطان، ثم بعد ذلك رجعوا وقالوا: عمدنا قتله، فهنا المباشر من؟
طلبة: السلطان.
الشيخ: السلطان، والمتسبب هؤلاء الجماعة، لكن المباشر قد بنى مباشرته على مسوِّغ شرعي؛ وهو شهادة الشهود، فهو لا يمكنه أن يتخلص من هذه الشهادة الموجبة للقتل، فالمباشرة إذن مبنية ويش عليه؟ على مسوغ شرعي، وهذا السبب هو الذي أقر على نفسه بالجناية، فيكون الضمان هنا على المتسبب لا على المباشر. هاتان حالتان.
الحالة الثالثة: إذا كان المباشر لا يمكن تضمينه لعدم تكليفه، فإن الضمان يكون على من؟
طالب: المتسبب.
[ ١ / ٧٣١٦ ]
الشيخ: المتسبب، كما مر علينا فيمن أمر بالقتل غير مكلف، الضمان على من؟
طلبة: الآمر.
الشيخ: الضمان على الآمر؛ لأنه هو السبب، وهنا غير المكلف لا يمكن تضمينه؛ لأنه لا قصد له، ولولا أمر هذا الإنسان ما ذهب يقتل.
فهذه ثلاث مسائل، وإن كانت المسألة الأخيرة والأولى داخلًا بعضهما في بعض؛ لأن كلًّا من المسألتين يقال فيها: إنه لا يمكن إحالة الضمان على المباشر، إلا أن الفرق بينهما أن عدم إحالة الضمان على المباشر في المسألة الأخيرة لا لقصور فيه، ولكن لأنه مبني على سبب أقوى، بخلاف الأولى؛ لأن السبع لا يمكن تضمينه بحال من الأحوال، لكن غير المكلف -كالصغير والمجنون- يمكن تضمينهما؛ لأن عمدهما خطأ، لكن لما كان السبب قويًّا مؤثرًا في قصدهما صار العمل بأيش؟ بالسبب ولَّا بالمباشرة؟
طالب: بالسبب.
الشيخ: العمل بالسبب، فالقاعدة هذه مهمة لطالب العلم.
فالقاعدة الآن في موجب الدية أو في مقتضى الدية نقول: هو للذات بمباشرة أو سبب، وهذه القاعدة يتفرع فيها المسائل التالية: إذا اجتمع مباشران فعليهما، أو متسببان فعليهما، أو متسبب ومباشر فالضمان على المباشر، إلا في مسائل:
أولًا: إذا لم يمكن إحالة الضمان على المباشر بأي حال من الأحوال؛ بأن كان المباشر غير أهل للتضمين، مثل أن يلقي إنسانًا بحضرة الأسد وهو عاجز عن الدفاع عن نفسه، فهنا الضمان على المتسبب؛ الملقي.
ثانيًا: إذا كانت المباشرة مبنية على سبب يسوغ شرعًا العمل به؛ مثل أن يشهد جماعة على إنسان بما يوجب القتل فيقتل، ثم يرجعون ويقولون: عمدنا قتله.
الثالث: إذا كانت المباشرة مبنية على السبب، وكان لهذا السبب تأثير قوي فيها، مع عدم صحة القصد منه؛ مثل أن يأمر غير مكلف بالقتل، فهنا الضمان على من؟
طالب: على الآمر.
الشيخ: على الآمر.
طيب لو كان الذي قتل كالآلة؛ بأن أخذه إنسان وضرب به إنسانًا آخر فمات؟
طلبة: على المباشر.
الشيخ: المباشر؟
طلبة: ().
[ ١ / ٧٣١٧ ]
الشيخ: ما عندنا المباشر في ().
طالب: بس هو المباشر.
الشيخ: المباشر في الحقيقة هذا الذي جعله كالآلة؛ لأن هذا المسكين اللي أخذ وضُرِب الثاني به حتى مات ..
طالب: كأنه عصا.
الشيخ: كأنه عصا؛ آلة، ما له أي اختيار، وسبق لنا أنه لو أكره إنسانًا على القتل فالضمان أيش؟
طالب: على المكرِه.
الشيخ: لا، إذا كان المكره مكلفًا فالضمان عليهما ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: الضمان عليهما جميعًا، على المذهب، وفيه قول آخر على المكرِه، وفيه قول ثالث على المكرَه.
طالب: لو أن إنسانًا لحق إنسانًا يريد قتله؟ ()
الشيخ: قال: (فإن كانت عمدًا محضًا ففي مال الجاني حالَّة) (إن كانت) الضمير يعود على أيش؟
طالب: الجناية.
الشيخ: الجناية، (عمدًا محضًا) (عمدًا) خرج به الخطأ، (محضًا) خرج به شبه العمد؛ لأن شبه العمد عمدًا، يقتل الإنسان لكنه لا يقصد القتل؛ لأنه جنى بما لا يقتل غالبًا، فهو لم يقصد القتل، ولأجل هذا نسميه شبه عمد.
إن كانت عمدًا محضًا، ومراد المؤلف عدوانًا؛ لأن ما كان بحق فلا ضمان فيه؛ لا بقصاص ولا بِدِيَةٍ.
(ففي مال الجاني حالة) يعني: فالدية في مال الجاني، (حالة) يعني: غير مؤجلة، فتخالف ديتي شبه العمد والخطأ بأنها حالة وأنها في مال الجاني؛ يعني الحالة وفي مال الجاني، فالعاقلة لا يجب عليها حمل شيء منها.
مثاله: رجل قتل إنسانًا عمدًا محضًا، واختار أولياء المقتول الدية، فوجبت الدية، من الذي يقوم بدفعها؟
طالب: الجاني.
الشيخ: الجاني، ولا يلزم عاقلته أن يؤدوا عنه، فإن تبرعوا بالأداء عنه يجوز ولَّا لا؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: نعم يجوز، ما فيه مانع.
وفي هذه الحال لو فُرِضَ أن الجاني فقير، فهل يجوز أن ندفع عنه من الزكاة؟
الجواب: نعم؛ لأنه داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٠] فهو غارم، ولكن يجب أن يتوب إلى الله مما صنع، فإذا علمنا توبته فإننا نقضي دينه من الزكاة.
طالب: ()؟
[ ١ / ٧٣١٨ ]
الشيخ: لا، عليه هو.
(حالَّة) يعني: معجلة، وهذا باعتبار وضعها، فإن كان القاتل فقيرًا فإنها تبقى في ذمته حتى يوسر الله عليه، كسائر ديونه.
طالب: إذا كان المجني ()، هل يجوز () عليه من الزكاة؟
الشيخ: إي نعم إذا تاب، إذا تاب فإنه يجوز.
قال المؤلف: (وشبه العمد والخطأِ) ولَّا (والخطأُ)؟
طلبة: والخطأُ.
الشيخ: إي، إن قلنا: (شبهُ) قلنا: (والخطأُ)، وإن قلنا: (شبهِ) قلنا: (والخطأِ)، ويجوز أن نقول: (شبهِ) بناءً على أن المضاف قد حُذِف، وأن التقدير: وديةُ شبهِ العمدِ، ولكن المشهور أنه إذا حُذِف المضاف أُقِيم المضاف إليه مقامه، كما قال ابن مالك:
وَمَا يَلِي الْمُضَافَ يَأْتِي خَلَفَا
عَنْهُ فِي الِاعْرَابِ إِذَا مَا حُذِفَا
وَرُبَّمَا جَرُّوا الَّذِي أَبْقَوْا كَمَا
قَدْ كَانَ قَبْلَ حَذْفِ مَا تَقَدَّمَا
(وشبه العمد والخطأ على عاقلته) عاقلة ..
طالب: ().
الشيخ: أيش؟
الطالب: ().
الشيخ: ().
(وشبه العمد والخطأ على عاقلته) قوله: (عاقلته) هذه اسم فاعل من العقل، والعقل الدية، وسمي عقلًا؛ لأنه جرت العادة بأن الإبل المؤداة يُؤتى بها إلى مكان أولياء المقتول، وتُناخ وتُعقل بعقلها، فلهذا تسمى الدية أيش؟ عقلًا، والمؤدون لها يسمون عاقلة. والعاقلة سيأتي -إن شاء الله تعالى- أنهم الذكور العصبة بشروط تُذْكر في بابها.
الخطأ ديته على العاقلة، شبه العمد ديته على العاقلة، فما هو الدليل على أن دية شبه العمد والخطأ على العاقلة مع أن الجاني غيرهما؟
الدليل ما ثبت في الصحيحين في قصة المرأتين اللتين اقتتلتا، فإحداهما ضربت الأخرى بحجر، فقتلتها وما في بطنها، فقضى النبي ﷺ أن ديتها على العاقلة؛ عاقلة القاتلة (٤). هذا من حيث الأثر، الدليل الأثري.
[ ١ / ٧٣١٩ ]
أما الدليل النظري أنه لما كان الخطأ بغير قصد من الفاعل، كان من المناسب أن يخفف عنه في أداء الدية، وهو سيتحمل الكفارة؛ لأن الكفارة عليه، وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، لأن الكفارة حق لله بينه وبين ربه، فهي عبادة يُلْزَم بها المكلف، وأما الدية فهي عبارة عن غرم كغرامة الأموال، فخفف عن هذا القاتل الذي لم يقصد القتل بأن حُمِّلَت أيش؟
طالب: العاقلة.
الشيخ: العاقلة، وهذا -والله أعلم- هو سر تعبير القرآن؛ حيث قال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] ولم يقل: يسلمها إلى أهله، بل قال: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ بالبناء للمفعول؛ لأن الذي سيسلم هذه الدية هم العاقلة. ()
(صغيرًا فنهشته حية أو أصابته صاعقة أو مات بمرض أو غَلَّ حرًّا مكلفًا وقيده فمات بالصاعقة أو الحية؛ وجبت الدية).
المؤلف قال: (إن غصب حرًّا صغيرًا) فقوله: (إن غَصَب) هذا من باب التسامح والتساهل في العبارة؛ لأن الحرَّ لا يُغْصَب؛ حيث إن اليد لا تثبت عليه، ما تثبت اليد إلا على الأموال، فالحر حر ليس بمال، حتى لو غُصِبَ فإنه ليس بمال، حتى لو باعه الغاصب فليس بمال، ولا يصح البيع، فالتعبير بالغصب هنا فيه شيء من التسامح، ولكن يريد المؤلف لو أنه قَهَر حرًّا صغيرًا.
طيب العبد يُغْصَب ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: العبد يمكن اغتصابه؛ لأنه مال.
هذا قهر حرًّا صغيرًا، صغيرًا؛ يعني: لم يبلغ، ومثله المجنون؛ لأن كلًّا منهما ليس له قصد، ولا يتمكن من الامتناع، فإذا أكرههما وقهرهما، (فنهشته حية) يعني: هو أكره هذا الصغير، وجاء به إلى بيته، واستخدمه كرهًا، فنهشته في البيت حية، فعليه ديته، لماذا؟ لعدوانه عليه بإكراهه على أن يبقى في هذا المكان.
[ ١ / ٧٣٢٠ ]
أما لو كانت الحية أمامه فالأمر ظاهر، لكن حتى وإن لم تكن الحية أمامه، حتى ولو جاءت الحية من الخارج -خارج البيت- ونهشت هذا الصبي فمات، فإنه يضمن، التعليل لأنه معتد بقهره واستيلائه عليه، فيكون ضامنًا، ولولا أنه قهر هذا الصبي، أو هذا المجنون، حتى كان في هذا المكان، لولا ذلك ما أصيب بهذه الحية التي في هذا المكان، فيكون ضامنًا.
كذلك أيضًا لو أصابته صاعقة، الصاعقة يقول الجوهري: إنها نار تنزل من السماء فيها رعد شديد، معروفة، لكن شوف كلام السابقين نار تنزل من السماء، الآن العلم الحديث يشهد بذلك؛ فإن الصاعقة عبارة عن كتلة كهربائية شديدة الحرارة، تنزل على هذا المكان تحرقه في لحظة، حتى إني قرأت في بعض المجلات أن الطاقة في الصاعقة الواحدة لو تجتمع جميع مولدات الأرض كلها بأعلى طاقاتها ما ساوت هذه الصاعقة التي يخلقها الله تعالى بلحظة.
هذه الصاعقة كان الناس يقولون: إنها حديدة تنزل من السماء، ويقولون: نحن شاهدنا ذلك، ولكن هذا ليس بصحيح، ما فيه حديدة، إنما هي نار محرقة؛ ولهذا أحيانًا تسقط على الأشجار وتولع نارًا، وتسقط على الحيوان ويُشَاهد فيه لسعات من هذه النار، ولكن يظهر لي -والله أعلم- إن صح ما نُقِل أنهم وجدوا حديدًا أنها لما ضربت هذه الأرض انصهر هذا الحديد، انصهر حتى سمعوا ()، إن صح هذا ().
طالب: تتحطم في الأرض يا شيخ.
الشيخ: إي نعم، تتحطم على الأرض من قوة الدفع، الآن لهب النار فيه دفع، رأى -مثلًا- النار تلتهب ()، ولهذا هي فيها قوة عظيمة في دفع الهواء أمامها، إي نعم.
طالب: هل هي البرق؟
[ ١ / ٧٣٢١ ]
الشيخ: لا، هي كتلة من البرق تنطلق، لكن فيها () حارة شديدة، وهذا البرق حار لو أحد () يكون حارًّا، ما هو بارد كما نظن، وفيه أيضًا () الآن سبحان الله العظيم! ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ [النبأ: ١٣] الشمس، حرارة الشمس عظيمة جدًّا؛ شوف بعدها عنا وآثرها علينا بينهما فرق، ما يؤثر هذا التأثير وإن كان () يمشي على طول ما ()، لكنه لا شك أنه لو كانت حرارة () حرارة الشمس لأحرق الأرض، لكن الله على كل شيء قدير.
طالب: البرق في بعض المناطق يحرق السيارات ويكسر البيوت.
الشيخ: هذا ينزل إلى الأرض.
الطالب: () هل هذا البرق يحتاج () بعض المناطق ينزل؟
الشيخ: إي، () صواعق.
الطالب: () هل هذا المقصود هو البرق؟
الشيخ: لا، البرق إذا كان شديدًا وله صواعق ()، تنزل من السماء بها رعد شديد، كما قال أهل اللغة.
هذا الطفل لما غصبه ()، قال: يلَّا اجلس عندي في البيت، أكرهه على ()، أنزل الله عليه صاعقة فأهلكته، فالضمان على من؟ على هذا الذي أجبره وأكرهه على أن يبقى في البيت، لا نقول: هذا تلف بفعل الله ﷿، هذه آفة سماوية، ما لي فيها دخل، نقول: لكنك أنت اعتديت على هذا بأن حبسته في هذا المكان ().
(أو مات بمرض) مات من؟ الصغير الذي حبسه هذا الإنسان مرض ومات، فإنه يضمنه، وهذا إذا كان عبدًا فظاهر أنه يضمنه؛ لأنه غاصب، وضمان العبيد ضمانُ مالٍ يضمنهم الحابس بكل حال، لكنه الآن حر، فإذا مات بمرض فإنه يضمنه، مع أنهم يقولون: إن اليد لا تستولي على الحر، ولا ضمان له؛ ولهذا قيدها بعض أهل العلم بأن مراد (مات بمرض) يختص بتلك البقعة، وهذا صحيح، أما لو مات موتًا عاديًّا بغير سبب يختص بهذه البقعة فلا وجه لضمانه؛ لأن اليد لا تثبت عليه، لكن إذا مات بمرض يختص بتلك البقعة؛ مثل أن قهره وذهب به إلى أرض وبيئة، فمرض فمات، فلا شك أنه هو السبب في جلبه إلى هذه الأرض التي مات فيها بسبب الوباء.
[ ١ / ٧٣٢٢ ]
وعلى هذا فإطلاق كلام المؤلف مرجوحٌ، والصواب أنه إذا مات بمرض يختص بتلك البقعة؛ لأنه كان السبب في إيجاده في هذه البقعة الموبوءة، هذا إذا كان حرًّا، أما إذا كان عبدًا فإنه يضمنه مطلقًا؛ لأن ضمان العبيد ضمان أموال، ما () فيها إلى أي شيء، متى استولى عليه ضمن ()، وضمن نقصه إن نقص بمرض، وضمن كل آفة تحدث عليه؛ لأن استيلاءه عليه محرم.
طالب: إن شككنا في سبب موته هل هو بضرر في تلك البقعة أو في غيرها؟
الشيخ: فالأصل عدم الضمان.
قال: (أو غلَّ) شوف الحر المكلف، قال: (أو غلَّ حرًّا مكلفًا وقيده فمات بالصاعقة أو الحية وجبت الدية) الصغير تقدم أنه مجرد قهره وحبسه يضمنه إذا مات بالصاعقة أو بالحية، أو بالمرض المختص بالبقعة، لكن المكلف قال: لا بد من أمر، بل من أمرين: أن يغله، وأن يقيده.
الغل في اليد، والقيد في الرجل؛ يعني: أمسك حرًّا وغله وقيده وقال: اقعد بهذا، فجاءت حية فنهشته؛ فإنه يضمنه، أو أصابته صاعقة فإنه كذلك يضمنه؛ لأن سبب الموت اختص بهذه البقعة.
فإن مات بمرض فظاهر كلام المؤلف أنه لا ضمان؛ لأنه قال: (فمات بالصاعقة أو الحية) وجبت الدية، ولكن الصحيح أنه إذا مات بمرض يختص بتلك البقعة فإنه يضمنه؛ لأنه لا فرق بين الصغير وبين المكلف الذي غله وقيده؛ لأنه لما غله وقيده ما يستطيع أن يتخلص، ولا أن يدافع عن نفسه، فكان في حكم الصغير.
هذه الأمثلة في مسألة الصغير ومسألة الكبير من باب المباشرة أو السبب؟
طلبة: السبب.
الشيخ: من باب السبب لا من باب المباشرة.
طالب: طيب هذه يجب فيها القتل؟
الشيخ: لا، ما يجب فيها القتل.
الطالب: ()؟
الشيخ: كلها ما فيها إلا الدية.
ثم قال: (فصل: وإذا أدب الرجل ولده، أو سلطانٌ رعيتَه، أو معلمٌ صبيَّه، ولم يسرف؛ لم يضمن ما تلف به).
[ ١ / ٧٣٢٣ ]
هذا الفصل في الواقع ينبني على قاعدة مرت علينا؛ وهي ما ترتب على المأذون فليس بمضمون، وما ترتب على غير المأذون فهو مضمون، هذه القاعدة من أحسن قواعد الفقه، هذا الفصل مبني عليها ولننظر الآن.
قال المؤلف: (وإذا أدب الرجلُ ولدَه) هذه الجملة نفهم منها أربعة شروط:
أولًا: قال: (إذا أدَّب) والتأديب بمعنى التقويم والتهذيب، أدبته؛ أي: قَوَّمت أخلاقه وهذبتها، فكلمة (أدَّب) يؤخذ منها ثلاثة شروط:
أولًا: أن يكون هذا الولد مستحقًّا للتأديب؛ يعني: فعل ما يستحق التأديب عليه، أما لو ضربه بدون سبب فإنه ضامن، لكن إذا فعل ما يستحق التأديب عليه فإنه يُؤَدَّب.
الشرط الثاني: أن يكون هذا الولد قابلًا للتأديب، فإن كان غير قابل، وهو الذي لم يميز، أو لا عقل له؛ مجنون، هذا ما ينفع فيه التأديب، تأديبه عدوان، فلا بد أن يكون المؤدَّب قابلًا للتأديب. هذان شرطان.
الشرط الثالث: أن يقصد التأديب لا الانتقام لنفسه؛ يعني: وضربه ما قصده الانتقام لنفسه، وإنما قصده التأديب، فإن قصد الانتقام لنفسه لم يكن مؤدِّبًا بل منتصرًا، وحينئذٍ يضمن ما ترتب على فعله؛ لأنه غير مؤدِّب، كثير من الناس يضرب ولده ضربًا شديدًا، لا لأنه ترك خلقًا فاضلًا أمره به، ولكن لأنه عانده وخالفه، فيضربه انتقامًا لنفسه وغضبًا. وهذا شرط ثالث.
كلها مأخوذة من كلمة (أدَّبه)، الشروط الآن كم صارت؟ ثلاثة. الأول؟
طالب: أن يكون مستحقًّا للتأديب.
الشيخ: أن يكون مستحقًّا للتأديب؛ بأن يفعل ما يستحق التأديب عليه، أن يكون قابلًا للتأديب؛ بأن يكون مميزًا عاقلًا، فإن كان غير مميز ولا عاقل فإنه أيش؟
طلبة: يضمنه.
الشيخ: يضمنه؛ يضمن ما ترتب على فعله.
الثالث أن يقصد؟
طلبة: التأديب.
الشيخ: التأديب لا الانتقام لنفسه؛ لأنه إذا قصد الانتقام لنفسه صار منتصرًا لا مؤدِّبًا، فلا بد أن يقصد تأديب الولد. وبهذا نعرف ثلاثة شروط.
طالب: لو أراد أن يزرع هيبته عند ابنه ()؟
[ ١ / ٧٣٢٤ ]
الشيخ: هذا غرض ()، وهو نوع من التأديب؛ لأن الولد إذا لم يكن في قلبه هيبة لوالده ما يمكن يتأدب.
طالب: الولد إذا عاند وعق لوالديه () الأدب () الولد؟
الشيخ: نعم، يعني كونه يعق والديه يحتاج إلى أن يؤدب.
الشرط الرابع: قال: (ولدَه) الذكر ولَّا الأنثى؟ يشمل الذكر والأنثى؛ لأن الولد في اللغة العربية تشمل الذكر والأنثى، قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، وقال ﷿: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١١]، وهو شامل للذكر والأنثى.
(ولدَه) الإضافة تقتضي الاختصاص، فيؤخذ من هذا شرطٌ أن يكون له عليه ولاية، فإن لم يكن عليه ولاية فإنه لا حق له في ضربه، وإذا ترتب على فعله شيء فهو ضامن؛ لأنه لا حق له في هذا، وهذا مأحوذ من قوله: (ولدَه) ومن قوله: (رعيتَه) ومن قوله: (صبيَّه)، فلا بد أن يكون للمؤدب ولاية التأديب، وإلا كان ضامنًا؛ لأنه معتدٍ.
طالب: البالغُ الوالدُ ليس له حق التأديب؟
الشيخ: لا، هذه عامة، لا بد أن يكون للمؤدب حق التأديب؛ ولهذا قال: (ولدَه)، فلو أنه أدب ولدَ غيرِه فعليه الضمان؛ مثل أبو أم يؤدب أولاد ابنته، فأدبهم ليس إليه، ولكنه إلى أبيهم، فلا بد أن يكون للمؤدب ولاية التأديب.
طالب: جد أبيه ()؟
الشيخ: هذه تختلف حسب الحال، الأب لا شك أنه المباشر، لكن أحيانًا يكون الجد هو صاحب البيت، وهو المسؤول عن البيت ويؤدب الجميع.
الطالب: مع وجود الأب؟
الشيخ: نعم، مع وجود الأب اللي هو ابن الجد، له حق التأديب؛ يعني: كثير من الناس الآن خصوصًا الأبناء الشباب، إذا كان لهم أولاد، وكان الوالد هو صاحب البيت يكون التأديب للوالد.
طالب: ()؟
الشيخ: الوالد وإن علا.
الطالب: وإن نزل؟
الشيخ: الولاية هنا حسب العرف.
طالب: ()؟
[ ١ / ٧٣٢٥ ]
الشيخ: لا، هذا على سبيل المثال، فالمرأة إذا كانت هي المؤدبة لأولادها ()؛ ولهذا قلنا: أن يكون للمؤدب -عام- ولاية التأديب.
قال: (أو سلطانٌ رعيتَه) فإنه لا ضمان، (سلطانٌ رعيتَه) لازم يراعى الشروط الثلاثة الأخرى، بل الأربعة؛ أن يكون مستحقًّا للتأديب، وقابلًا له، وقاصدًا التأديب، وأن يكون له الولاية؛ ولهذا قال: (سلطانٌ رعيتَه).
السلطان عندما يطلقه العلماء يريدون به الرئيس الأعلى للدولة، وقد يراد به ما دون ذلك؛ وهو من له سلطة، فيشمل الأمير والمحتسب، وما أشبه ذلك؛ لأن هؤلاء لهم سلطان على من تحت ولايتهم، فالأمير -مثلًا- سلطانه على أيش؟
طالب: على بلدته.
الشيخ: على بلدته التي أُمِّر فيها، والمحتسب كذلك على بلدته التي أُمِّر فيها، فالأحسن أن نقول: المراد بالسلطان هنا ذو السلطة على من أدَّبه، سواء كان السلطان الأعلى أو من دونه، فإذا أدَّب رعيته وتمت الشروط فلا ضمان عليه.
(أو معلمٌ صبيَّه) ليش ما قال: ولده؟
طلبة: ().
الشيخ: ما هو كل الطلبة أولاد له ولَّا لا؟ أولا الناس، لكن (صبيه) هنا الإضافة على أدنى ملابسة؛ يعني: الصبي الذي ينتسب إليه ولو بالتعليم، فإذا أدَّب صبيَّه وتمت الشروط فلا ضمان.
واستفدنا من كلام المؤلف أن للمعلم أن يؤدب الصبيان، بالضرب؟
طلبة: نعم.
الشيخ: بالضرب نعم، والضرب لا شك أنه وسيلة من وسائل التعليم، وقد قال أحكم المؤدبين وأرحم المؤدبين من الناس قال: «مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ لَسَبْعٍ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ» (٥).
والفوضويون الذين يدَّعون التقدم الآن يقول: لا تضرب الطالب، لو () عليك وضربك، قيل: بارك الله فيك، أنا استاذك لا تضربني، اجلس يا بني، أما أن تضربه هذا شيء محرم، لماذا؟ لأنه ينافي التربية الحديثة، وما أحسن أن نبدل الحاء خاء والدال باء.
طلبة: الخبيثة.
[ ١ / ٧٣٢٦ ]
الشيخ: على كل حال هذه لا شك أنها في الواقع خطة يراد بها أن يصبح الأولاد فوضويين، لا يستفيدون شيئًا، طالب له سبع سنوات أو عشر سنوات يبغي () التعليم طيب، ولا تضيع الوقت، الوقت من ذهب، احرص قم بواجباتك، إذا طلع الصباح تعالَ، () ألعب الكورة، ينفعه الكلام ولَّا لا؟
طالب: ما ينفعه.
الشيخ: لكن لو مسه بعذاب في الصباح قال: مد يدك، كان يقوم بالواجب، ولذلك أنا أعتقد أن هذه الخطة مع كونها مخالفة للشرع ولحكمة الرسول ﵊ لا شك أنها لا ().
وهذا هو الواقع لما كنا في الأول إذا خالفنا، قال: مد يدك، ثم مديت يدك، ثم انضربت () بالسيف غير مصفح، () واحد كل ما تضربه ضربة () حتى تبرد شوي، ثم يقال: مدها، ثلاث مرات، أربع مرات، هكذا الحال، هل يمكن ()؟ ما يمكن أبدًا، يمكن ()، وإذا لم () هذه، قال: يلَّا شلوه، وأظن تدرون الشل؟
طلبة: نعم.
الشيخ: الشل يجيبون الخشبة مربوط فيها خيط.
طالب: يسمونها فلكة.
الشيخ: فلكة إي نعم، يدخل رجلاه فيها ويلويها عليه، ثم يجيب اثنين من الطلبة يمسكون الخشبة وهي ملوية، ويجيء الثالث يضرب رجليه، وفيه أيضًا لكن ما أدركناه، قبلنا، يعلق بغير هدوم يجيب الرجلين هادولي، ثم يشده لفوق وهم يضربون أليتيه ..
وفيه أيضًا لكن ما أدركناه قبلنا يعلق بغيره، يجيبه الرجلين ها دولي، ثم يشده لفوق، يجيبون يضربون مع اليدين () في الوقت الحاضر يعني اللي في ثالثة ابتدائي يقدر يكتب الخط ويقرأ، في ثالثة ابتدائي الآن ما يعرف، فكلام المؤلف الآن كلام أهل العلم الذين يتلقون علمهم من شريعة الله، من كتاب الله وسنة الرسول ﵊.
يقول: (إذا أدَّب مُعلِّم صبيه) فأفادنا أن للمعلم حق التأديب وهو كذلك.
طالب: هل للضرب سن معينة لا يُضرب بعدها ()؟
[ ١ / ٧٣٢٧ ]
الشيخ: نشوف الآن، أما قول المؤلف: (الرجل ولده) فظاهره العموم، وأنه ما دام تحت رعايته فإنه مسؤول عنه كما قال الرسول ﵊: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ؛ فَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (١).
ما دام في بيته فهو مسؤول عنه، أما إذا انفصل فليس بمسؤول عنه، ويكون ولاية أبيه حينئذٍ إن كانت ولاية عامة كما لو كان ذا سلطان في مكانه فله أن يؤدب وإلا فقد انفصل عنه، وبالنسبة للمعلم الظاهر لي أن المعلم كل من يدرس عنده فله أن يؤدبه حتى لو كان أكبر منه ولَّا لا؟ يمكن يكون معلمًا جيدًا وهو صغير مثلًا وعنده ناس كبار فيه، أظن تعليم الكبار موجود.
طالب: محو الأمية.
الشيخ: ومحو الأمية للكبار يمكن يضربهم؟
طالب: لا.
الشيخ: كيف لا؟ إذا أخطؤوا.
طالب: ().
الشيخ: الصبية ما يحتمل أنها ().
طالب: () الولد ().
الشيخ: هو ما دام أن أنا لي ولاية عليه خليها () العبد ما يقوم بواجبه ولا أو يجي مثلًا إذا حضر في الدرس قام ينصرف ويا صاحبه () وغنمه.
المهم على كل حال ما دام لي ولاية عليه سواء أكبر مني ولا أصغر مني.
طالب: لو ضربنا مع النهي عن الضرب مئة جلدة؟
الشيخ: ماذا تقولون يا إخوان؟
طالب: ما يجوز، فهو محرم، إذا قلنا: منع الضرب لا تجوز مخالفته.
الشيخ: لا، هو أنا أرى أنه إذا لم يستقم الطالب إلا بالضرب فإن تقويم الطالب واجب، أليس كذلك؟ وترك الواجب محرم، فيلزم على هذا إذا لم نضربه لتقويمه أن نكون وقعنا في المحرم؛ لأننا تركنا واجبًا، ولا يجوز أن نطيع أحدًا في معصية الله ﷿، لا سيما وأن لدينا توجيهًا من الرسول ﷺ: «وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ» (٢)، وأن لدينا أيضًا شاهدًا من الواقع، وأظن الآن -حسب ما أعلم- أن بعض الناس لا يعملون بهذا، لا يعملون بعدم الضرب بل يضربون.
[ ١ / ٧٣٢٨ ]
طالب: يجادلون من منع () ومنع الضرب يجادلون.
الشيخ: إذن معناه أن الذين منعوا الضرب على بصيرة بأنهم معصومون.
طالب: الضرب في أي مكان.
الشيخ: لا، الآن استمع الآن، قال المؤلف: (ولم يُسْرِف) والإسراف مجاوزة الحد بالكمية أو بالكيفية، فإذا قدرنا أنه يتأدب بضربتين صارت الثالثة إسرافًا، يتأدب بعشر صارت الحادية عشرة إسرافًا. بالكيفية أيضًا إذا قدرنا أنه يتأدب بضرب بسيط ما نضربه ضربًا شديدًا، ولا نضربه أيضًا في أمكنة تضره كالوجه والمقاتل وشبهها؛ فإن هذا إسراف؛ فالإسراف إذن مجاوزة الحد كمية أو كيفية، ويدخل في الكيفية الموضع؛ موضع الضرب، ويدخل فيه أيضًا أن الناس يختلفون فتحمُّل الكبير لشدة الضرب ليس كتحمل الصغير يمكن لو ضربت الصغير بسوط يمكن تتأثر لحم يديه مثلًا لكن لو ضربت كبيرًا قد اعتاد على الأخذ والقبض والشد والربط والجلد يمكن ما يتأثر.
فالمهم كلمة (لم يُسْرِف) تحدد لنا الموضع؛ موضع الضرب، كميته وكيفيته، فصارت الشروط الآن كم؟ خمس يعني شرط انتفاء الضمان خمس، شروطه خمسة نعود إليها مرة ثانية:
الشرط الأول: أن يكون المؤدب مستحقًّا للتأديب، فلو كان ذلك مع الاستقامة صار ضامنًا بكل حال.
الثاني: أن يكون قابلًا له قابلًا للتأديب فلو كان غير قابل مثل الصغير اللي لم يميز، والمجنون مهما قلت له ما يفهم، واحد مثلًا عنده طفلة صغيرة بالمهد () فجاء يضربها ليش () ماذا يكون هذا تأديب ولّا لا؟ ليس تأديبًا لأنها غير قابلة للتأديب.
الشرط الثالث: أن يقصد بذلك التأديب، فإن لم يقصد التأديب وإنما قصد الانتقام لنفسه لم يكن مؤدبًا، فيكون ضامنًا.
الشرط الرابع: أن يكون له ولاية التأديب سواء كانت ولايته عامة أم خاصة، فإن لم يكن له ولاية فهو معتدٍ ظالم، فيكون ضامنًا.
[ ١ / ٧٣٢٩ ]
الشرط الخامس: ألا يسرف، فإن أسرف كان ضامنًا؛ لأنه معتدٍ والله ﷿ يقول في النساء اللاتي يخاف الرجل نشوزهن: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُن﴾ [النساء: ٣٤] لكن الآية مطلقة، والنبي ﵊ بَيَّن أنه ضرب غير مبرح، فلا بد من ألا يسرف في الضرب كمية أو كيفية.
طالب: إذا كان الناس المعلمون القادمون يخشون أن يضربهم الطلاب، أكثر المدرسين لا يضربون ولا () عليه، فإن حزموا وضربوا () الطلاب ()؟
الشيخ: إي لكن مصلحة تقويم الطلبة أهم.
الطالب: الطالب يكتب كتابات () المدرس () أو ليضرب أو كذا.
الشيخ: والله ما أرى هذا، أنا أرى أن يثبت، ويؤدبهم والعاقبة للمتقين، كثير من الشباب من الطلاب الآن مع الأساتذة الحازمين إذا كبروا فهموا وعقلوا يدعون لهم ويشكرونهم إن كانوا أحياء.
(ولو كان التأديب لحامل فأسقطت جنينًا ضمِنه المؤدِّب) لو كان التأديب المذكور لحامل تصور الحامل أن يؤدبها أبوها يمكن أو زوجها؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] وكذلك المعلم يتصور أن يؤدب حاملًا.
طالب: المعلمة.
الشيخ: معلمًا أو معلمة ما فيه مانع، أليس النبي ﵊ يُعلِّم النساء حتى جئن إليه يطلبن منه يومًا وقالوا: يا رسول الله، إن الرجال غلبونا عليك، فاجعل لنا من نفسك يومًا تعلمنا فيه مما علمك الله، فواعدهن في بيت امرأة منهن، وأتى إليهن ﵊ ووعظهن. وهذا ثابت في البخاري (٣).
يمكن أن يكون الرجل معلمًا للمرأة وهو () سواء كان أعمى أو كان مبصرًا، ولكن المبصر لا بد أن يكون بينه وبين النساء حجاب.
السلطان رعيته يمكن يؤدب امرأة حاملًا.
[ ١ / ٧٣٣٠ ]
إذا كان التأديب لحامل وهي لم تتضرر لكن أسقطت جنينًا فإن المؤدِّب يضمنه، وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان مقدار ضمان الجنين ومتى يضمن، وظاهر كلام المؤلف أن المؤدِّب يضمنه مطلقًا، لماذا؟ لأن الجناية هنا تعدت إلى الغير، والجنين لم يفعل ما يستحق التأديب عليه حتى نقول: إنه تلف بتأديبه، فلما تعدى حكم التأديب إلى الغير صار مضمونًا؛ لأن ضمان الآدمي ما يشترط فيه التحريم، قصدي يضمن حتى لو فعل الإنسان ما يُباح له وقد سبق لنا أن الرجل لو رمى صيدًا فأصاب إنسانًا يضمنه ولَّا لا؟
طلبة: يضمنه.
الشيخ: يضمنه، فعلى هذا إذا أدَّب الرجل امرأة حاملًا فأسقطت جنينًا فعليه ضمان الجنين، أما هي فإذا تمت الشروط الخمسة فلا ضمان.
(وَإِنْ طَلَبَ السُّلْطَانُ امْرَأَةً لِكَشْفِ حَقِّ اللهِ تَعَالَى، أَوِ اسْتَعْدَى عَلَيْهَا رَجُلٌ بالشُّرَطِ فِي دَعْوى لَهُ فَأَسْقَطَتْ ضَمِنَهُ السُّلْطَانُ وَالْمُسْتَعْدِي)
إن طلب السلطان امرأة لكشف حق الله؛ يعني مثلًا رجل سلطان ذو أمر سواء كان السلطان الأعظم، أو كان السلطان في مكانه مثل الأمير، طلب امرأة لكشف حق الله، اتُّهمت في شيء من حقوق الله ﷿، فطلبها، أمرها أن تحضر هي من الروعة أسقطت الجنين، وهذا يمكن ولَّا ما يمكن؟ يمكن، فإنه يضمنه؛ لأن هذا الأمر تعدى إلى الغير فيضمنه، وظاهر كلام المؤلف سواء طلبها بحق الله ﷿ وهي ظالمة، أو طلبها وهو الظالم، أو طلبها قبل أن يتبين الأمر؛ لأن السلطان إذا طلب المرأة إما أن تكون ظالمة أو مظلومة أو لم يتبين الأمر إلا بعد سقوط الجنين، فالأحوال ثلاثة.
[ ١ / ٧٣٣١ ]
وظاهر كلام المؤلف أنه ضامن لها لذلك مطلقًا، ولكن بعض أصحابنا ﵏ قيد هذا بما إذا لم تكن ظالمة، وقال: إن كانت ظالمة فهي الجانية على نفسها. وهذا القول له وجه قوي؛ لأن طلب السلطان إياها في حال الظلم مأمور به شرعًا، والقاعدة العظيمة النافعة أن ما ترتب على المأذون فغير مضمون لا سيما إذا كان السلطان لا يعلم عن حال المرأة هل هي حامل أم لا، ولا يعلم هل هي من النساء اللاتي يفزعن بأدنى سبب أو لا.
ثم على القول بالضمان ظاهر كلام المؤلف أن السلطان يضمنها ضمان شخص؛ يعني ضمانًا شخصيًّا، لا ضمان ولاية بمعنى أن الدية تكون على عاقلته كأنما قتل إنسانًا عاديًا، ولكن القول الراجح على القول بالضمان أن الدية في بيت المال، لماذا؟ لأن السلطان يتصرف لحقوق مَن؟ المسلمين بالولاية، فلو أننا ضمناه كل شيء يكون من تصرفه لاجتحنا ماله ومال عاقلته نعم، لو تيقنَّا أن السلطان ظالم فهنا يتوجه أن يكون الضمان عليه أو على عاقلته حسب ما تقتضيه الأدلة الشرعية.
قال: (أو استعدى عليها رجل بالشرط) استعدى بمعنى أقام دعوى عليها، ولكنه استعان بالشُّرَط، الشُّرَط جمع شرطة، كحُجَّة جمعها حُجَج، شُرطَة جمعها شُرَط، والشرطة جمع شرطي، معروفون الشرطة عندكم؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إي نعم، معروفون، هذا الرجل أقام عليها دعوى وذهب إلى الشرطة وقال: أنا أدعي على فلانة كذا وكذا، فقال الضابط: يلَّا روحوا جيبوها، ذهب رجلان من الشُّرَط بلباسهما الرسمي، وقالا: يلَّا امشِ، الغالب أن المرأة تفزع تخاف، هذه المرأة فزعت فأسقطت الجنين، فعلى المستعدي الضمان.
[ ١ / ٧٣٣٢ ]
قال: (ضمنه المستعدي) أي ضمنه السلطان في المسألة الأولى، وضمنه المستعدي في المسألة الثانية لماذا؟ لأن المستعدي هو السبب في هلاك هذا الجنين فكان عليه الضمان، وظاهر كلام المؤلف أيضًا، ولو كان المستعدي مستحقًّا، فإذا كان ظالِمًا واضح عليه الضمان لكن إذا كان مستحقًّا للاستعداء وهي الظالمة، ومع ذلك يقول المؤلف: إن عليه الضمان، ولكن في هذا الظاهر نظر فإنه إذا كان على حق ولم يعلم عن حال المرأة فكيف نضمنه؟ أما لو كان يعلم أن هذه المرأة من النساء اللاتي يفزعن، وأنه يخشى على حملها، فربما يُقال بأن تضمينه له وجه، وأما رجل يطلب حقه من امرأة نقول: إذا أسقطت الجنين فعليك الضمان وهو بحق.
هنا يقول المؤلف: (ضمنه المستعدي) أفلا يكون هذا الحكم ناقضًا لقاعدة قررناها من قبل إذا عرفتم القاعدة عرفتم هل هي مناسبة ولَّا لا؟
طالب: القاعدة إذا كان الضرر اللي حصل على سبيل المأذون لم يضمن، وهذا المستعدي مأذون له.
الشيخ: هذا إذا كان بحق لكن إذا قلنا إنه بغير حق مثلًا أو قلنا بظاهر كلام المؤلف فالمؤلف يقول: إن المستعدي هو الذي يضمن أفلا يكون هذا ناقضًا لقاعدة سبق أن قررناها؟
طالب: القاعدة يا شيخ إذا اجتمع متسبب ومباشر.
الشيخ: إذا اجتمع متسبب ومباشر فالضمان على من؟
طالب: الضمان على المباشر.
الشيخ: على المباشر طيب هنا عندنا متسبب وهو المستعدي، ومدعي، وعندنا المباشر وهو الشرط، وجعلنا الضمان على المستعدي، لماذا؟
طالب: ().
الشيخ: ما () لأن المباشرة مبنية على السبب يعني الآن الشرط مأمورون شرعًا بأن يستجيبوا لمثل هذه الدعاوى، فهو كحكم الحاكم بشهادة الشهود الذين قالوا: إنما تعمدنا قتله ورجعوا عن شهادتهم ولّا لا؟ قلنا: هناك إن الضمان على مَنْ؟ على الحاكم اللي باشر القتل ولَّا على الشهود؟ على الشهود هنا نقول: الضمان على المستعدي؛ لأن الشرط عبارة عن آلة لهذا الرجل واجب عليهم أن يستجيبوا.
طالب: () المستعدي.
[ ١ / ٧٣٣٣ ]
الشيخ: المستعدي اللي له دعوى هو المدعي.
طالب: كيف يجاب عن التعليل اللي قالوا أنه () الغير؟
الشيخ: يجاب عليها أن هذا أمر سائغ، وهذا الغير كجزء منه كعضو من أعضائه لو كان جنينها على الأرض مثلًا ولدته ومنين جاؤوا لها فزعت ولما جت تقوم () نقول: هذا صحيح عليها الضمان بكل حال إن لم يكن على المباشر، أما هذه إذا كان بحق كان يقول: كل الحوامل الآن يجب عليهم ينتظرن حتى يضعنه، هذا مشكل ().
رحمه الله تعالى: (ولو ماتت فزعًا لم يضمنا) لا تقولون: هذا كيف يقع هذا؟ ربما يقع، هذه المرأة لما جاءها مندوب السلطان الذي طلبها لكشف حق الله شافت أنه مندوب السلطان، ففزعت وماتت على طول، عليهما الضمان؟ ما عليهما الضمان.
لكن لو قال قائل: كيف ما عليهما الضمان؟ لولا أن مندوب السلطان جاء ما ماتت.
فالجواب: أن مثل هذا لا يحصل به الموت عادة، أبدًا يحصل به الموت عادة هذا؟ ما يحصل به الموت عادة.
ولما كان ليس معتادًا فليس فيه ضمان، مثل ما لو سلمت على واحد وصافحته، وكان يهابك هيبة عظيمة، فلما صافحته وهزيت يده، كيف أنت؟ ويش لونك؟ مات، تضمنه ولَّا لا؟ ما تضمنه؛ لأنه ما جرت العادة أن يموت الإنسان بمثل هذا الأمر؛ فعلى هذا نقول: إذا ماتت هي فلا ضمان؛ لأن هي المطلوبة، والعمل الذي () إليها عمل سائغ وليس فيه عدوان فلا ضمان عليه.
وكذلك بالنسبة للمستعدي، من المستعدي؟ الذي استعدى الشرط؛ يعني طلب منهم بدعواه أن تُخبَر هذه المرأة فإذا ماتت فزعًا فلا ضمان، والعلة هي العلة؛ لأن مثل هذا لا تموت به عادة، فلا ضمان، أما إذا كان مما يموت عادة ففيه الضمان لكن هذا في العادة لا يموت.
طالب: ولو كان ظالِمًا.
[ ١ / ٧٣٣٤ ]
الشيخ: لا، إذا كان ظالمًا فهو معتدٍ، فيه قول آخر وهو المذهب أنهما ضامنان عندي بالشرح، قول آخر أنهما ضامنان؛ لأنها هلكت بسببهم لولاهما ما ماتت، ولكن يُجاب عنه بما سبق بأن مثل هذا الفعل ليس سببًا للقتل إطلاقًا، وقد جرت عادة الناس بمثله ولو أننا ضمنا بمثل هذا الأمر ما بقي الناس () فيه.
(ومن أمر شخصًا مكلفًا أن ينزل بئرًا، أو يصعد شجرة، فهلك به لم يضمنه). الآمِر يعني أمر شخصًا مكلفًا، شخصًا من ذكر ولَّا أنثى؟
طالب: ذكر.
الشيخ: ذكر أو أنثى أمره، يقول: (شخصًا مكلفًا) فهو البالغ العاقل أن ينزل بئرًا فنزل، لما نزل زلت قدمه فسقط في البئر فمات، عليه الضمان؟ لا؛ لأن هذا رجل مُكلَّف بالغ عاقل، يعرف الذي ينفعه، والذي لا ينفعه، وكان بإمكانه أن يقول: لستُ بنازل فلا ضمان عليه إلا إذا كان يعلم أن في هذه البئر ما يكون سببًا للهلاك، ولم يشعره به مثل أن تكون البئر ملساء؛ بمعنى أن الإنسان ما يستطيع ينزل بها، ولكن ما أعلمه فعليه الضمان؛ لأنه غره، وكذلك لو كان في البئر حية، وإذا أحست بإنسان وشت عليه فنزل هذا الرجل، لما وشت عليه () فعليه الضمان، وذلك لأنه مفرط بعدم تنبيه هذا الرجل على ما في البئر من أسباب الهلاك، وكذلك لو كانت البئر معيبة عائبة ولم يخبره، فلما نزل انهدمت عليه فعليه الضمان، وعلى هذا فنقول: كلام المؤلف يحتاج إلى قيد وهو إذا لم يكن منه تفريط بإعلامه بما يكون سببًا في هلاكه فإن كان منه تفريط بذلك فعليه الضمان.
طالب: التحدي قال: أتحداك أن تنزل في هذا البئر.
الشيخ: ولو كان على سبيل التحدي.
طالب: ().
[ ١ / ٧٣٣٥ ]
الشيخ: ولو كان على سبيل التحدي ليش يغامر؟ هذا واحد يتحدى رجلًا قال: أبغي آكل ها الخروف هذا كله، كل الخروف قال: ما يمكن، ما تقدر. قال: أقدر. قال: إن أكلته فأنا بأعطيك كذا وكذا من المال فأكله الرجل لكنه انتفخ بطنه حتى كاد يموت وقلت له: قبل أن يتقدم الطب أنا خبروني الناس حتى إن الناس قالوا: إنه أشرف على الموت مثل هذا ().
طالب: ().
الشيخ: طيب هذا أيضًا ..
طالب: () اختيارًا ولا جبر النفس إذا علم مختار ونزل؟
الشيخ: نعم.
طالب: ().
الشيخ: () قال: انزل البئر () الدلو البئر، انزل جزاك الله خيرًا ().
طالب: ().
الشيخ: ما عندنا غصب بارك الله فيك، هذا أمر شخصًا مكلفًا قال: جزاك الله خيرًا، الدلو طاح في البئر، انزل جزاك الله خيرًا، طلعه ()، نزل هذا الرجل سقط، ومات ما عليه منه ما دام مكلفًا بالغًا عاقلًا، وبهذا نعرف ضلال أولئك القوم الذين يُضلِّلون العمال في الشركات إذا ماتوا في أثناء العمل حتى لو ماتوا موتة، ولو بدون أسباب العمل، يضمنون الشركات هؤلاء العمال، وهذا لا شك أنه حكم طاغوت، ولا يجوز أبدًا أن يعمل به حتى لو مات من نفس العمل وهو مُكلَّف بالغ عاقل فإن صاحب العمل لا يجب عليه ضمانه، وإذا حاكمه إلى المحاكم الشرعية لم يضمنوه، وأما إذا تحاكم إلى الطاغوت فإنهم يضمنونه حسب قواعدهم لكن هذا حُكم لا يتمشى على حكم الشرع؛ ولهذا لا يجوز لأحد أن يطلب التحاكم إلى هذا القانون المخالف للشرع، بل يجب الناس التحاكم إلى المحاكم اللي تحكم بشريعة الله.
كذلك لو أمره أن يصعد شجرة، مثل النخل () اليوم ما جاء ()، النخل () لي جزاك الله خيرًا ()، وهذا المطحن () وأظن () يعرفه.
طالب: ما أعرفه.
الشيخ: ().
الطالب: ما أعرف أسماءهم.
الشيخ: () الذي يصعد به الشجرة.
الطالب: يعني الحبل.
الشيخ: مثل الحبل () كذا وعلى الظهر ويصعد به هكذا.
طالب: ().
[ ١ / ٧٣٣٦ ]
الشيخ: هذا يسمونه () ولكن عاد لا تطالبوني هل هو صحيح () لغوية ولَّا لا؟ وأما () فهو عبارة عن زنبيل له عروة () به التمر.
طالب: ويش الزنبيل؟
الشيخ: ويش الزنبيل عاد؟
طالب: جوال.
الشيخ: جوال؟ لا، ما هو جوال.
طالب: ().
الشيخ: ().
طالب: ().
الشيخ: () المهم هذا الزنبيل هو المكتل عبارة عن آنية من الخوص، هذا الرجل قال للشخص: اصعد لي الشجرة جزاك الله خيرًا ()، وكان بالغًا عاقلًا فصعد فسقط ومات هل على الآمر ضمان؟ لا؛ لأن هذا بالغ عاقل.
وعُلِم من قول المؤلف: (ومن أمر) أنه لو أكرهه على ذلك فعليه الضمان؛ لأنه تسبب بهلاكه بغير اختيار الهالك فكان معتديًا، والمعتدي عليه الضمان.
وعُلِم من قول المؤلف: (ومن أمر مكلفًا) أنه لو أمر غير مكلف فعليه الضمان مطلقًا، وهو المشهور من المذهب لكن ذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا كان المأمور مميزًا يعني يعرف الصواب له سبع سنوات أو نحوها، وكان أمره مما جرت به العادة فإنه لا ضمان، إذا كان مما جرت به العادة أن يؤمر بهذا الأمر فلا ضمان، مثال ذلك: قلت لصبي له عشر سنوات: خذ -أصلحك الله- اشترِ لي بهذا الدرهم خبزًا من الخباز، فذهب الصبي، فقدَّر الله على هذا الصبي أن انزلق وسقط ومات، أو حصل حريق في المخبز وتلف به هذا الصبي، فظاهر كلام المؤلف أنك ضامن، لماذا؟ لأنه غير مكلف، ولكن بعض الأصحاب أو بعض العلماء من أصحاب الإمام أحمد ﵏ قالوا: لا ضمان إذا كان ذلك مما جرت به العادة؛ لأنه ما زال الناس من عهد الرسول ﵊ إلى يومنا هذا يرسلون في مثل هذه الحاجات القليلة البسيطة، يرسلون المميزين، ولا يعدون ذلك عدوانًا، وما يترتب على المأذون فليس بمضمون.
[ ١ / ٧٣٣٧ ]
وأظن هذا أمر واضح أن الإنسان مثلًا يقول لولد جيرانه: خذ يا بني جيب لي من البقال كذا، جيب لي من الدكان كذا، ولا يرى الناس أن هذا عدوان، وما جرت العادة بمثله مما يأذن به الناس فلا بأس به؛ ولهذا لو أمر غير مكلَّف بإذن وليه فعليه الضمان ولَّا لا؟ فلا ضمان عليه؛ لأنه غير معتد بذلك فلا يضمن.
قال المؤلف: (ولو أن الآمر سلطان) هذه إشارة خلاف، فإن بعض أهل العلم يقول: إذا كان الذي أمره أن ينزل البئر، أو يصعد الشجرة سلطان وهلك فعلى السلطان الضمان؛ ليش؟ لأن أمر السلطان لا يسع الإنسان مخالفته ولَّا لا؟ لا سيما إذا كان السلطان من الظَّلَمة الذين إذا خُولِفوا حبسوا، أو ضربوا، أو ما أشبه ذلك، أما إذا كان السلطان من السلاطين العادلين الذين إذا قلت لهم: والله ما أقدر، ولا أنا بصاعد الشجرة ولا شيء، فإن هذا لا وجْه لتضمين السلطان؛ لإمكان هذا المأمور أن يقول: لا أستطيع.
والصحيح في مسألة السلطان أنه إذا كان السلطان ممن يُخشى شره بحيث إذا أبيت حَبَسَك، أو ضربك، أو غرمك مالًا، أو آذاك في أهلك، فإن أمره مثل الإكراه، وعلى هذا يكون ضامنًا ولَّا لا؟ يكون ضامنًا. وأما إذا كان السلطان من ذوي العدل والرحمة الذين إذا قلت: لا أستطيع، قال: إذن نطلب غيرك، فإنه لا ضمان عليه في هذه الحال؛ لأنه كسائر الناس، لم يكرهك.
لو كان الآمر هو الضابط في الجيش، أو في الشرطة، قال لأحد الجنود: يلَّا اصعد العمود، هذا عمود الكهرباء ركب اللمبة فقال: ما أقدر أصعد يا رجال، بس ما أكرهه، ما ضربه ولا هدده، وصعد وهلك، يضمن؟
طلبة: يضمن.
الشيخ: يضمن؛ لأن أوامر الجنود حسب ما نسمع أوامر الجنود عندهم واجبة الطاعة.
طالب: بس ما أكرهه.
الشيخ: إي، بس لو يأبى عليه آذاه إما حبسه ولا وقفه أمام الجنود، ولا يمكن يعزله، ولا ينزله رُتبة، فالمهم أنه ربما يكون هذا مثل الإكراه.
[ ١ / ٧٣٣٨ ]
قال: (كما لو استأجره سلطان أو غيره) يعني أن السلطان لو استأجر أحدًا يصعد شجرة، أو ينزل بئرًا فهلك به لم يضمنه، وهذا واضح.
ولكن المؤلف قاس الأمر ويش هو عليه؟ على الإجارة؛ لأن الإجارة غالبًا ما تكون إلا باختيار من الإنسان، فإذا كان لو استأجره فهلك () فكذلك لو أمره ()، الموافق للصواب.
قال المؤلف: (ولو أن الآمر سلطان) (لو) هذه إشارة خلاف، وهل هذا القول الذي يقول ولو كان الآمر السلطان فهو ضامن؟
يعني أن المؤلف ﵀ قاس ما يشتبه فيه على ما هو واضح فقال: (كما لو استأجره) ووجه ذلك أن الأمر غير عقد الإجارة؛ لأن عقد الإجارة الرضا فيه واضح وليس فيه آمر ومأمور؛ إذ إنه عقد تام بين شخصين برضا منهما، وليس أحدهما آمرًا للآخر، فعدم الضمان فيه ظاهر جدًّا، فهو كما أنه لو استأجره السلطان على أن يصعد الشجرة، أو ينزل بئرًا، فهلك به فلا ضمان، فكذلك لو أمره فما الجامع بينهما؟ الجامع بينهما هو عدم الإكراه في كل منهما؛ يعني الرضا في كل منهما، فهنا قاس ما يُشتبه فيه على ما لا شُبهة فيه، وقد اشتهر عند العامة التفريق بين الاستئجار وغيره فقالوا: إن استأجرته فديته أجرته، وإن نزل تبرعًا فعليك ضمانه، ولكن هذا لا أصل له، ولا فرق بين الأمر وبين الاستئجار إذا كان الأمر ليس فيه إكراه.
[ ١ / ٧٣٣٩ ]
وقوله: (أو غيره) يعني لو استأجره غير السلطان، فإنه لو استأجرت إنسانا أن يصعد لك شجرة، أو أن ينزل بئرًا فهلك فإنه لا ضمان عليك؛ لأنه فعل ذلك برضاه واختياره. فلا ضمان عليك وبهذا نعرف خطأ تلك القوانين التي سنت في بعض الدول، بأن العامل لدى الشركات يكون مضمونًا بكل حال، حتى وإن كان بالغًا عاقلًا مختارًا، وحتى وإن كان غير مغرور، بأن عرف عمله وخطره إن كان فيه خطورة، يقولون: بعض الشركات إنه مضمون بكل حال، وهذا كما قلنا قبل هذا المجلس، هذا حكم طاغوتي مخالف لحكم الشريعة، ولا يجوز العمل به، ويجب أن يُحكم فيه بمقتضى شريعة الله، فيُقال: إن هذا العامل غير مضمون إلا إذا كان مكرهًا على العمل فيكون مضمونًا، أما إذا كان غير مكره فإنه ليس بمضمون فإن قُلت: أليس هذا قانونًا دوليًّا عامًّا؟
فالجواب: لا، القانون الدولي العام هو قانون المعرفة العامة، وهو من؟ الله ﷿، وليس لأحد من عباد الله أن يقنن في عباد الله ما ليس من شريعة الله، الحكم لله ﷿ وحده ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]، فأي إنسان يشرع قوانين مخالفة لشريعة الله فقد اتخذ لنفسه جانبًا من الربوبية، وشارك الله تعالى فيما هو من خصائصه، فلا أحد يحكم في عباد الله إلا بما اقتضاه شرع الله، وعلى هذا فنقول: إن القانون الدولي العام، والشعبي الإفرادي هو قانون من؟ قانون الله ﷿، الذي شرعه لعباده.
[ ١ / ٧٣٤٠ ]
وكل القوانين سوى ذلك فهي باطلة؛ لأنها ناقصة وقاصرة، حتى لو اجتمع أذكياء العالم على مشروعيتها فإنها ناقصة قاصرة، لا تفي بأي غرض من الأغراض، وإن وفت بغرض من جانب هدمت أغراضًا أخرى من جوانب أخرى، وإن قُدِّر أنها تخدم غرضًا من جانب، فإنها لا تخدم هذا الغرض إلا في أناس معينين، وفي مكان معين، وفي زمان معين، أما الأحكام الصالحة لكل زمان ومكان فإنها أحكام مَنْ؟ أحكام الله ﷾، وبهذا نعرف خطورة الذهاب لهذا المذهب، وهي أن نسن القوانين الوضعية التي لم يضعها الشرع ونحكم بها عباد الله، ونجعل التحاكم إليها لا إلى كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ.
وقد نوه الله تعالى عن أحوال هؤلاء فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠]، وتأمل كلمة ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾، فهم في الحقيقة غير مؤمنين، زعم فقط، والزعم قد يوافق الواقع وقد لا يوافقه، فهنا يزعمون أنهم آمنوا بما أُنزل إليك وما أُنزل من قبلك، وهذا بألسنتهم، لكن قلوبهم على العكس من ذلك ﴿يُرِيدُونَ﴾ والإرادة محلها القلب ﴿أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠]، ولو كانوا صادقين في إيمانهم لكفروا بهذا الطاغوت، ولم يريدوا أن يكون التحاكم إليه، ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠].
[ ١ / ٧٣٤١ ]
وعلى هذا فهم موافقون لمراد من؟ لمراد الشيطان لا لمراد الرحمن ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ [النساء: ٦١] تعالوا يا جماعة للقرآن والسنة، ويش يقولون؟ يقولون: لا؟ ما يقولون لا؛ لأنهم منافقون، فإذا قالوا: لا ظهر كفرهم، لكنهم يصدون ويعرضون ﴿يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١] ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٦٢] أردنا أن نحسن، وأن نُوفق بين الشريعة والوضيعة، وهل هم صادقون؟ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّه﴾ [النساء: ٦٤] لا أن يُتلاعب بأحكامه وتُترك، ويُراد التحاكم إلى الطاغوت.
واعلم أن الناس لو جعلوا التحاكم إلى الله ورسوله، وحكموا الله ورسوله في كل شيء لصلحت أحوالهم، لكنها تفسد أحوالهم بمقدار ما أبعدوا عن الدين، فيظنون أن هذا الفساد بسبب تمسكهم بما تمسكوا به من الدين، فيُوغلون في الإعراض عن دين الله، وفي التحاكم إلى غير الله ورسوله، وهذا هو الواقع، هم ظنوا أن ما أصابهم من الخلل الاقتصادي، والمادي، والتخلف المعنوي، والعسكري، ظنوا أن ذلك بسبب ما هم عليه من أحكام الشريعة، والحقيقة أنه بسبب ما قاموا به من مخالفة الشريعة، ولو أنهم وافقوا الشريعة لكانت هذه شريعة الله شريعة عادلة قاهرة غالبة.
[ ١ / ٧٣٤٢ ]
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ لماذا؟ ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ يعني يعليه، ولسنا بحاجة إلى بيان ذلك؛ لأن هذا معلوم بالتاريخ، لما كانت الأمة متمسكة بدين الله، لا تقاتل إلا بكتاب الله وسنة رسوله مستعينة بالله ﷿، سقطت الأديان والإمبراطوريات أمامها، سقط دين النصارى بسقوط من؟ الروم هرقل، وسقط دين المجوس بسقوط كسرى، وسقط دين المشركين بفتح مكة، فسقطت الأديان كلها وملك المسلمون مشارق الأرض ومغاربها.
ولما حصل ما حصل من مخالفة الشريعة تفرقت الأمة وتنازعت، وصار بأسها بينها، وتغلب عليها أعداؤها، فصاروا يأتون الأرض ينقصونها من أطرافها، أخذوا الأندلس، وأخذوا الشام، ومصر، والعراق، وغير ذلك، كله بسبب البُعد عن شريعة الله، وإننا هنا في هذا المكان وأنتم معنا أيضًا ندعو إلى الرجوع إلى كتاب الله، وإلى سُنَّة رسوله ﷺ، ونضمن لكل من رجع بصدق وإخلاص في ظاهره وباطنه، في روحه وقالبه، نضمن له أن ينتصر على أعدائه مهما كانت الظروف؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادِ﴾ [غافر: ٥١] بل أبلغ من ذلك أننا نضمن له أن يكون عدوه ولو كان بينه وبينه مسافة شهر مرهوبًا منه خائفًا منه، كما قال الرسول ﵊: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (٤).
فالحاصل أن هؤلاء القوم الشركات وغيرها من الشركات حتي يمكن () هذا القانون، الذين يقولون: إذا مات العامل عند من استأجره فهو مضمون بكل حال، ولو كان أعقل ممن استأجره فنقول: هذا ليس بصحيح، بل إنه إذا مات وهو بالغ عاقل غير مكره ولا مأسور ولا مغرور فلا ضمان عليه بالتأجير أبدًا.
طالب: الضمان هذا ()
[ ١ / ٧٣٤٣ ]
الشيخ: وسبق أنها إذا كانت عمدًا تجب في مال الجاني حالَّة غير مؤجلة، وسبق أن وجوبها في مال الجاني بإجماع العلماء، وسبق أيضًا أنها في الخطأ تجب على مَنْ؟ على العاقلة بإجماع العلماء أيضًا، وأنها في شِبْه العمد تجب على القول الراجح على العاقلة، وقال بعض العلماء: إنها تجب على القاتل؛ لأنه قد تعمَّد الجناية وإن كان لم يتعمد القتل، ولكن الراجح كما سبق أنها تجب على العاقلة، وسبق أيضًا أن الدية إما مخففة وإما مُغلَّظة، وستأتي هنا أيضًا.
[باب مقادير ديات النفس]
قال: (باب مقادير ديات النفس) (مقادير) جمع مِقدار، يعني القدْر الذي تكون عليه الدية، والباب هنا بيان للمقادير والكيفيات أيضًا، فهو بيان للكمية والكيفية.
قال المؤلف: (دية الحر المسلم) إلى آخره. أصل الدية ثابت بالقرآن وبالسنة أيضًا، لكن تفصيل الدية إنما جاء بالسنة؛ لأن السنة تبين القرآن، وتفسره، وتعبر عنه.
(دية الحر المسلم) شرطان: حر ومسلم، فخرج بالحر العبد المملوك، وبالمسلم من ليس بمسلم. وسيأتي بيان ذلك.
وعموم قول المؤلف: (الحر المسلم) يشمل الكبير والصغير؛ لأنه ما قيده، ويشمل العاقل والمجنون، ويشمل العالم والجاهل، ويشمل الذكر والأنثى، لكن الأنثى سيتبين -فيما بعد- إخراجها من هذا العموم، ويشمل المريض والصحيح، ويشمل الأخرس والناطق، والأعمى والبصير، والأصم والسميع، وغير ذلك. طيب ويشمل المريض مرضًا مخوفًا؟ نعم، ديته (مئة بعير) ولكن سيأتي بيان الأسنان ما هي مئة بعير كبيرة.
[ ١ / ٧٣٤٤ ]
(أو ألف مثقال ذهبًا) (ذهبًا) هذه تمييز لـ (ألف مثقال)، يعني ألف مثقال من الذهب، وكان في عهد الرسول ﷺ كان الدينار مثقالًا من الذهب، ولهذا جاء في حديث عمرو بن حزم: «وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ» (٥). فإذا كان الدينار مثقالًا صار ألف دينار ألف مثقال، وإنما عدل المؤلف عن ألف دينار إلى ألف مثقال؛ لأن الدنانير قد تختلف، فمثلًا عندنا الآن الدينار السعودي () كم من مثقال؟ ثمانية مثاقيل، فهنا فرق ثمانية مثاقيل بينما كان في عهد الرسول ﷺ وفي صدر الإسلام كم؟ مثقالًا واحدًا، أو مثقال ذهب، ومن الفضة (اثنا عشر ألف درهم فضةً) (فضةً) تمييز، اثنا عشر ألف درهم، الدرهم سبعة أعشار المثقال، إذن الدرهم الإسلامي أقل من الدينار الإسلامي، كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، فالاثنا عشر ألفًا من الدراهم كم هي من المثاقيل؟
طالب: ألف وشوي.
الشيخ: إحنا ما نبغي شوي عشرة آلاف وسبع مئة، عشرة آلاف درهم وسبع مئة مثقال، وألفان ومئة وأربعون مثقالًا، الجميع ثمان مئة وأربعون مثقالًا من الفضة.
عندما نحول الفضة الآن، عندما نحول اثني عشر ألف مثقال ذهبًا إلى الجنيهات الموجودة الآن وقلنا: إن الجنيه الموجود ثمانية مثاقيل.
طالب: ().
الشيخ: لا، الآن بنرجع للذهب، قلنا: إن الذهب الموجود الجنيه الذهب ثمانية مثاقيل، ألف مثقال اقسمها على ثمانية.
طالب: مئة وخمسة.
الشيخ: اكتب: مئة وخمس وعشرون جنيهًا. طيب اثنا عشر ألف درهم فضة كم تكون من مثقال؟ ثمان مئة وأربعون مثقالًا. نحن نقول الآن: كل مئتين ست وخمسون ريالًا، كل مئتي درهم ست وعشرون ريالًا ().
طالب: ().
الشيخ: الفضة كم؟ ثلاثة آلاف وثلاث مئة وستون، هذه في الفضة.
[ ١ / ٧٣٤٥ ]
(أو مئتا بقرة) كم؟ مئتان. (أو ألفا شاة) ألفان من الغنم، عندنا الآن مئة بعير تختلف قيمها باختلاف الأزمان واختلاف الأمكنة، ومئتا بقرة تختلف ولَّا لا؟ تختلف وألفا شاة تختلف، إذن ما يمكن ضبطها بالدراهم والدنانير، الدراهم والدنانير ثابتة، الدراهم اثنا عشر ألف درهم إسلامي، والدنانير كم؟ ألف دينار، ألف الدينار ألف مثقال، اثنا عشر ألف درهم فضة كم تكون بالمثاقيل؟
طالب: اثنا عشر.
الشيخ: اثنا عشر، لا، اثنا عشر ألف ثمان مئة وأربعون مثقالًا، اثنا عشر ألف درهم فضة بالمثاقيل ثمان مئة وأربعون مثقالًا، هذا بقطع النظر عن دراهمنا، إحنا إذا قدرناها بالمثاقيل أمكن أن نقيس كل دراهم العالم نردها إلى المثاقيل؛ المثقال بالجرامات كم؟ أربعة جرامات ورُبع، وبهذا يمكنك أن تقيس جميع دراهم العالم ودنانيره.
فالحاصل الآن عندنا بالذهب ألف مثقال ذهب، بالفضة؟
طالب: ().
الشيخ: ما بالدراهم بالمثاقيل ثمان مئة وأربعون مثقالًا.
طلبة: ثمانية آلاف وأربع مئة.
الشيخ: شوف، بارك الله فيك، اثنا عشر ألف درهم، عشرة آلاف بسبعة آلاف، عندنا ألفان ألف وأربع مئة.
طالب: ثمانية آلاف وأربع مئة.
الشيخ: ثمانية آلاف وأربع مئة بالمثاقيل، نُصحِّح الآن، أولًا: قدِّر الدية بالمثاقيل من الذهب؟ ألف مثقال. قدِّر الدية بالمثاقيل من الفضة؟ ثمانية آلاف وأربع مئة.
بقطع النظر عن الدراهم السعودية والريالات السعودية؛ لأن إحنا نريد أن يكون هذا التقدير بالنسبة لجميع العملات العالمية، كل مثقال بالجرامات سواء من الفضة أو من الذهب أربعة جرامات ورُبع، وبهذا يمكنك أنك تعرف بالحساب مقدار الدية من الذهب والفضة في أي مكان، أما الإبل والبقر والغنم فهذه خاضعة للطلب والعرض، والكثرة والقلة، تختلف باختلاف الزمان والمكان.
[ ١ / ٧٣٤٦ ]
يقول المؤلف ﵀: (هذه أصول الدية) هذه اسم إشارة، والمشار إليه خمسة الأنواع السابقة، أو خمسة الأصناف السابقة، أقول: الأصناف لأن الرسول قال ﵊ في حديث عبادة: «فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ» (٦). هذه الأصناف الخمسة، وهي الإبل، والبقر، والغنم، والذهب، والفضة، هذه أصول الدية، وهذا الذي مشى عليه المؤلف، إحدى الروايتين عن الإمام أحمد ﵀ أن الخمسة كلها أصول، وفي رواية عنه أن هناك أصلًا سادسًا؛ وهو الحلل، حلة إزار ورداء مئتا حلة، ولكن الرواية الثالثة عن أحمد أن الأصل الإبل فقط، وأن ما عداها فهو مُقوَّم بها وليس أصلًا ()؛ لأن جميع الأعضاء التي فيها مُقدَّر تُقدَّر بماذا؟ تقدر بالإبل ففي الموضحة خمس من الإبل، وفي السن خمس من الإبل، وفي الأصبع عشر من الإبل، فالشارع يُقدِّر دائمًا الإبل أجزاء الدية، فدل هذا على أن الإبل أصل، وأن ما ذُكِر من الذهب، والفضة، والبقر، والغنم من باب التقويم، تابع لها، وليس أصلًا.
وهذا ظاهر كلام الخرقي ﵀، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وجماعة من الأصحاب، على أن الأصل هو الإبل، وهذا هو الذي عليه العمل عندنا الآن، يعني ما زال الناس من قديم الزمان يحكمون بأن الأصل هي الإبل، فالدية الآن بلغت إلى كم؟ إلى مئة ألف، لو كانت الفضة أصلًا لكان دية الإنسان ثلاثة آلاف وثلاث مئة وستين ()، ولكن العلماء عندنا من قديم الزمان يُقدِّرون الدية بماذا؟ يجعلون الإبل هي الأصل، ولهذا أنا أعهد أنها كانت أقل من مئة ألف، كم كانت؟
طالب: أربعة وعشرين.
الشيخ: إي نعم، أنا أذكر أنها كانت خمس مئة ريال ().
طالب: ().
طالب آخر: أنا أديتها أربعة وعشرين.
الشيخ: أربعة وعشرين طيب، الآن وصلت إلى مئة ألف، وربما تزيد الإبل وربما تنقص، أليس كذلك؟ فالمعمول به عندنا أن الأصل هو الإبل وليست هذه أصولًا لكن المذهب -كما ترون- كلها أصول ينبني على ذلك.
[ ١ / ٧٣٤٧ ]
قال: (فَأَيَّهَا أحضر من تلزمه لزم الولي قبوله) أيَّهَا كيف (أيَّها) بالنصب؟ مفعول لأحضر مقدم. (فأيها أحضر مَنْ) (مَنْ) أيش إعرابها؟ فاعل.
(مَنْ تلزمه) ولم يقل: القاتل؛ ما قال: فأيها أحضر القاتل بل قال: فأيها أحضر من تلزمه ليش؟ قد يكون على العاقلة ما هو على القاتل، قد تكون الدية على العاقلة فأتى بقوله: (من تلزمه) ليكون عامًّا للقاتل والعاقلة.
(لزم الولي قبوله) لم يقل المؤلف: لزم المجني عليه؛ بل قال: (لزم الوليَّ) لماذا لم يقل المجني عليه؟
طلبة: لأنه قد يكون ميتًا.
الشيخ: قد يكون ميتًا، وقد يكون حيًّا؛ لأنه سيأتينا -إن شاء الله- في دية الأعضاء أنه لو قطع يديه لزمه دية كاملة ()، ولهذا لو قال المؤلف: فأيَّها أحضر من تلزمه لزم من هي له قبوله، لو قال ذلك كما قال من تلزمه لكان أعم.
على كل حال إذا أحضر الجاني مئة من الإبل، فقال من له الدية: أنا أريد ألف مثقال ذهبًا، نقول: ليس له، الأمر ليس إليك، يعني لو كانت الإبل رخيصة والذهب غاليًا، وأحضر مئة من الإبل وقال: خذ، قال: لا، أنا أريد ألف مثقال من الذهب فالأمر إليه، ولو أحضر ثمانية آلاف وأربع مئة من المثاقيل من الفضة فقال من له الدية: أنا أريدها من الإبل، ليس إليه، ولو كان من له الدية صاحب غنم، قال: أنا بأعطيك إبلًا، قال: الإبل ما فيه، أنا عندي رعايا من الغنم، أنا () ليش؟ ليس إليه.
إذن الخيار لمن عليه فأيها أحضر من تلزمه لزم الولي قبوله، ومن هذا الحكم نعرف أنه لُوحظ في دفع الدية التخفيف على من؟ على من تلزمه؛ لأنه ما دام الخيار له فهذا نوع من التخفيف، أما إذا قلنا بأن الأصل هي الإبل فإنه إذا أحضر ما سواها فلا بد من موافقة من هي له ولَّا لا؟
[ ١ / ٧٣٤٨ ]
إذا قلنا: هي الأصل وأتى بذهب أو فضة أو بقر أو غنم فإن وافق من هي له فالأمر إليه، وإن لم يوافق رجعنا إلى الأصل، فعلى هذا القول لو جاء له باثني عشر ألف درهم من الفضة؛ يعني بثمانية آلاف وأربع مئة من الفضة من المثاقيل، يقول: أنا ما أبغيها، أنا أريد إبلًا، يُلزم ولَّا ما يُلزم؟ يلزم.
طالب: إذا كانت تعادلها.
الشيخ: ولو كانت تعادلها، بل ولو كانت أكثر منها يُلزم لكن إذا رأى ولي الأمر أن تؤخذ الديات من صنف من هذه الأصناف إذا رأى ذلك وأنه من المصلحة لئلا يحصل النزاع فله ذلك، المسألة خلافية.
طالب: ().
الشيخ: أيها؟
الطالب: ().
الشيخ: لأن الأصل هو الإبل.
طالب: () أصول.
الشيخ: إذا قلنا: إنها أصول صارت هي له؛ لأنه هو المطالب بهذا الشيء، فهو الغارم، وما دام الغارم الشارع خيره فله أن يدفع ما شاء.
طالب: () الإبل إذا اختلفت القيمة يعني إذا كانت قيمة الفضة ..
الشيخ: الإبل إما أصل وإما واحدة من الأصول، ولهذا () كلام المؤلف فيه: (ففي العمد وشبهه)؛ يعني كالواجب في العمد وشبهه، وإن شئت فقل: (خمس) مبتدأ، و(في العمد) خبر مقدم؛ يعني بمعنى أنه يجوز أن نُقدِّر مبتدأ محذوفًا، وأن نجعل الخبر خمسًا وعشرين، ولنا أن نقول: (ففي قتل العمد) خبر مقدم و(خمس وعشرون) مبتدأ مؤخر.
(ففي العمد وشبهه) وأظننا لم ننسَ تعريف العمد، وهو أن يقصد من يعلمه آدميًّا معصومًا فيقتله بما يغلب على الظن موته به.
شِبْه العمد أن يقصد جناية لا تقتل غالبًا، ويزاد فيها -على المذهب-: ولم يجرحه بها.
في (خمس وعشرون بنت مخاض) الآن اتفق العمد وشبهه في أسنان الإبل (خمس وعشرون بنت مخاض) بنت بمعنى بكرة أنثى، بنت المخاض بكرة لها سنة، سميت بذلك؛ لأن أمها تكون ماخضًا، والماخض ما هي؟ الحامل في الغالب.
[ ١ / ٧٣٤٩ ]
(وخمس وعشرون بنت لبون) بكرة لها سنتان؛ لأن أمها صارت ذات لبن غالبًا، وخمس وعشرون حطة بكرة لها ثلاث سنوات، سُمِّيت حقة؛ لأنها استحقت أن يطرقها الفحل؛ الجمل، يعني يمكن الجمل يطرقها وممكن تلد ولَّا ما يمكن؟ يمكن.
(وخمس وعشرون جذعة) بكرة تم لها أربع سنوات، إذن ما شاء الله ابدأ من أول سنة إلى السنة الرابعة كلها إناث، ولا كلها ذكور؟ كلها إناث، إناث من الإبل ابدأ من السنة، سنتين ثلاث، أربع.
طالب: خمس.
الشيخ: لا، خمس لا؛ لأن أربعة هي. طيب لو أن من تلزمه الدية لو أتى ببنت لبون وحقة وجذعة وثنية، فقال من له الدية: لا أقبل.
طلبة: ().
الشيخ: أنتم فاهمين؟ أعطى له خمسًا وعشرين بنت لبون، خمسًا وعشرين حقة، خمسًا وعشرين جذعة، وخمسًا وعشرين ثنية.
طالب: يلزمه.
طالب آخر: ().
الشيخ: إي من الإبل نعم، كلها من الإبل.
طالب: يلزمه.
الشيخ: إي يلزمه، لماذا؟
طالب: لا يلزمه.
الشيخ: لا يلزمه، لماذا.
الطالب: لأنه قد يكون له قصد بنت المخاض ().
الشيخ: قد يكون له قصد () زاده خيرًا.
طالب: ().
الشيخ: ما زاد خيرًا؟ هذه مرت علينا في باب السَّلَم، ولعلكم تذكرونها وتذكرون الخلاف اللي ذكرنا فيها، ما هو قال: إن جاءه بأجود لزمه القبول، وقلنا: إن المذهب يرون وجوب قبول الصفات دون الأعيان، فإذا جاءه قبل محله لزمه القبول، وإذا جاءه بأجود لزمه القبول، وإذا أبرأه من الدين لزمه القبول.
وسبق أننا ذكرنا أن الأصح في ذلك التفصيل؛ إذا صار أن هذا الذي أعطاه أجود كل يوم يذبحه بمنته، لو المكان هذا () يعطيك بدل بنت المخاض بنت لبون وحقة وجذعة وثنية، كل ما حصل أدنى شيء راح يمن عليه، هل نلزمه بالقبول؟ ما نلزمه، أما كونه () في بنت المخاض فالغالب أنه ما يكون إلا إذا كان يحب الأكل وقام () الإبل عند الناس ()، هذا يمكن.
[ ١ / ٧٣٥٠ ]
على كل حال إذا كان لا يتضرر المدفوع إليه بهذه الزيادة لا حالًا ولا مستقبلًا فإنه يجب عليه أن يقبل، ولنا في ذلك أصل وهو قصة عمر ﵁ مع محمد بن مسلمة وجاره حينما امتنع أن يجري الماء مع ملكه إلى ملك الثاني فقال له عمر ﵁: لأجرينه ولو على بطنك (٧). وأبو هريرة ﵁ قال: والله لأرمين بها بين أكتافكم (٨). فيمن منع وضع الخشب على الجدار، يعني لو لك جار () الخشبة على جداره، وقال لك: لا. تلزمه شرعًا بأن تضع الخشب على الجدار؛ لأن الجدار ما يتضرر بل لا يزيده إلا قوة وتماسكًا؛ ولهذا قال أبو هريرة حين كان أميرًا على المدينة قال: والله لأرمين بها بين أكتافكم. يعني اللي ما يرضى يحط خشبة على الجدار نحطها على كتفه بين كتفيه. يقول كل هذه السنين لا تجزئ في الأضحية أو لا؟
طلبة: ().
الشيخ: لأنه لا بد في الأضحية أن تكون ثنية لها خمس سنوات.
قال: (وفي الخطأ تجب أخماسًا)، ويش اللي نصبها؟
طالب: حال.
الشيخ: حال، بس الحال لا بد أن تكون مشتقًّا.
طالب: () مؤول.
الشيخ: كبعه مُدًّا، هذه تشبه بِعْهُ مدًّا.
(تجب أخماسًا ثمانون من الأربعة المذكورة، وعشرون من بني مخاض) فيها تخفيف ولَّا لا؟
طالب: فيها تخفيف.
الشيخ: كيف التخفيف؟
طالب: ().
الشيخ: إحنا دخلنا ذكورًا فيها، والذكور عند الناس أقل رغبة من الإناث، وعلى هذا فتكون الخطأ عشرون بنت لبون، عشرون بنت مخاض، عشرون حقة، عشرون جذعة، عشرون بني مخاض، يعني ذكور لكل واحد منهم سنة.
[ ١ / ٧٣٥١ ]
إذن هذا يمكن في القتل الدية كاملة يمكن تبقى، طيب إذا كان الواجب بعض الدية هل نعامل هذا البعض معاملة الكل ولَّا لا؟ نعم، نعامله فمثلًا إذا كانت الموضِحة عمدًا، الموضحة فيها خمس من الإبل، إذا كانت عمدًا يقول: واحدة بنت مخاض، والثانية بنت لبون، والثالثة حقة، والرابعة جذعة، والخامسة وسط لا، إذا كانت عمدًا تكون وسطًا على قدر القيمة، أما إذا كانت خطأ الموضحة فهي أخماس، واحدة بنت مخاض، الثانية بنت لبون، الثالثة حِقَّة الرابعة جذعة، الخامسة ابن مخاض، قال: ما هو الدليل لهذا الشيء؟ الدليل ما رواه أبو داود (٩). ﵀ من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ أنه ذكر الدية على نحو مما ذكره المؤلف.
ولكن هناك سنة أخرى في هذه المسألة، وهي أنها تجب -أي الدية- أثلاثًا، ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة معناها الحامل في بطونها أولاد (١٠).
وكلها صح فيها الحديث، فمن العلماء من أخذ بهذا، ومنهم من أخذ بهذا، أيهما أغلظ الأول ولَّا الأخير؟
طلبة: الأخير.
الشيخ: الظاهر ()؛ لأن ثلاثين حقة من السن المرتفعة، وثلاثون جذعة ويش اللي سقط () مخاض، وبنت اللبون، ثم خلفة، أربعون خلفة في بطونها أولادها، أيهم أعظم؟ خلفة في بطون أولادها وقلنا: كل واحدة بتجيب واحدًا.
طالب: () لو خلفة يا شيخ ().
الشيخ: إي، الخلفة بينها .. في بطونها أولادها.
طالب: أربعين يا شيخ.
الشيخ: إي نعم، أربعون في بطونها أولادها إن وَلدت، مع أنها قد تلد وقد تموت في نفاسها.
إذا قال قائل: أيهما أقول: يمكن أن نرد ذلك إلى رأي الحاكم الشرعي، فإذا رأى أن يجعل الدية هكذا جعلها، وإذا رأى أن يجعلها هكذا فعل، حسب ما تقتضيه الأحوال؟
[ ١ / ٧٣٥٢ ]
أما المذهب فإنها متعينة في الأصناف الأربعة، في العمد، وشبهه، وفي الخطأ في الأصناف في السنين الخمسة، بهذا نعرف أن العمد وشبه العمد يشتركان في شيء من ناحية الدية، ويفترقان في شيء، بماذا يشتركان؟ في التغليظ، كلاهما الدية فيه مُغلَّظة، ويختلفان في التأجيل وفي التحميل، شِبْه العمد على مَنْ؟
طلبة: ().
الشيخ: لا، شبه العمد على العاقلة مؤجلًا ثلاث سنوات، والعمد على الجاني حالًا. يشترك الخطأ وشبه العمد في ماذا؟
طالب: في قصد ().
الشيخ: لا ما هو، قصدي في الدية.
طالب: على العاقلة.
الشيخ: يختلفان في التغليظ، ويشتركان في أنهما على العاقلة ومؤجلة فيهما الدية بثلاث سنوات.
ما الحكمة أن يكون يفترق هذا مع هذا؟ قالوا: لأننا إذا نظرنا إلى القصد في شِبه العمد، ألحقناه بماذا؟ بالعمد، وإذا نظرنا إلى عدم قصد القتل ألحقناه بماذا بالخطأ، فرُوعي فيه الأمران، فبالنظر إلى أنه عمد غلَّظناه، وبالنظر إلى أن القاتل لم يقصد القتل خفَّفناه، وجعلناه على العاقلة مؤجلًا بثلاث سنوات.
طالب: ().
الشيخ: التغليظ في الإبل، هل تُغلَّظ بالدراهم والدنانير؟ ما تُغلَّظ؛ يعني ما نلزمه بأن يدفع ذهبًا عيار أربعة وعشرين مثلًا ما دام ذهبًا فهو ذهب لكن إذا كان معيبًا يُمنع كما سيأتي.
هل تغلظ في البقر والغنم؟ لا، ما تُغلَّظ، في البقر نصفها مسنات، ونصفها أجذعة، وفي الغنم ثنايا، وأجذعة نصفين أيضًا لكن الأجذعة، حينما تكون من الضأن، لا من المعز فإن كانت من المعز فهي ثنايا، وإن كانت من الضأن فثنايا وأجذعة، ولا فيه تغليظ، لا فرق بين العمد والخطأ وشِبه العمد، في غير الإبل وهذا مما يدل على أن الإبل أصل، هل هناك تغليظ بزمان أو مكان؟
فيه خلاف بين العلماء، فمنهم من يرى أنه لا تغليظ في الزمان ولا في المكان؛ لأن الأدلة عامة، وليس فيها تفصيل.
[ ١ / ٧٣٥٣ ]
ومنهم من يرى أن هناك تغليظًا في زمان، أو مكان، أو حال، كيف ذلك؟ قال: تُغلظ إذا كانت في الحرم حرم مكة، تُغلظ إذا كانت في الإحرام، وهذه حال القاتل المحرم، تُغلَّظ إذا كانت في أحد الأشهر الحرم، والأشهر الحرم: رجب الفرد، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، أربعة أشهر، فإذا اجتمعت الثلاثة صارت الدية ديتين؛ يعني لو قتل إنسانًا في الحرم وهو محرم وفي الأشهر الحرم.
طالب: أيهما القاتل؟
الشيخ: القاتل، ففي هذه الحال يلزمه ديتان؛ لأنها تُغلَّظ للثلث، وبعضهم قال: لا تغليظ في الإحرام، وإنما التغليظ في المقتول إذا كان ذا محرم منه فإنه تغلظ عليه الدية، ولكن القول الراجح أنه لا تغليظ لا في حرم، ولا في إحرام، ولا في أشهر حرم، ولا في محرم؛ لعموم الأدلة وعدم التفصيل، وعلى هذا فيكون الدية مئة من الإبل بكل حال؛ فالراجح من الأقوال أن الدية مئة من الإبل وليس الذهب ولا الفضة ولا البقر ولا الغنم ليست أصلًا من الأصول.
طالب: ().
الشيخ: إذا اجتمعت الثلاثة، كل صفة تُغلَّظ بثلث، إذا قتل في الأشهر الحرم شخصًا وهو غير محرم ولا في حرم، مثلًا قتل في ذي القعدة قتل رجلًا في القصيم يلزمه دية وثلث، مئة وثلاث وثلاثون وثلث، فإن قتله وهو محرم في مكة في غير الأشهر الحرم، يلزمه دية وثلثا دية، كم () من الدية؟ مئة وستة وستون وثلثان، فإن قتله في مكة وهو محرم في ذي القعدة؟
طالب: فعليه ديتان.
الشيخ: فعليه ديتان () يقول: (ولا تعتبر القيمة في ذلك بل السلامة) () يقول: (ولا تعتبر القيمة في ذلك) المشار إليه ما سبق، يعني لا يعتبر أن يكون كل واحد من الأصول موازيًا للآخر؛ لأن ذلك أمرًا غير ممكن غالبًا؛ يعني لا يُشترط أن تكون قيمة مئة إبل هي مئتا بقرة وألفا شاة واثنا عشر ألف درهم فضة، وألف مثقال ذهب، ما هو شرط.
فلو فُرض أن الإبل رخصت حتى صارت مئة بعير تساوي خمس مئة مثقال من الذهب، هل نقول: نرفع الإبل إلى مئتين؟
طلبة: لا.
[ ١ / ٧٣٥٤ ]
الشيخ: لا، موافقون؟ إي نعم، هذا هو كلام المؤلف، ولو فُرِض أن ألف مثقال ذهبًا لا تساوي إلا خمسين من الإبل، فإننا لا نرفع الذهب إلى ألفي مثقال، فالقيمة فيه مُعتبرة؛ يعني معناه لا يُعتبر أن تكون قيمة كل واحد من هذه الأصول مثل الآخر، ولكن المعتبر، قال: المعتبر السلامة، ويش معنى السلامة؟ يعني أن تكون سالمة من العيوب، فما المراد بالعيوب هنا؟ العيوب الشرعية، أو العيوب العرفية؟
الظاهر أن المراد العيوب العرفية؛ لأن الدية حق لمن؟ لله أو للآدمي؟
طلبة: للآدمي.
الشيخ: للآدمي فإذا كانت الدية حقًّا للآدمي فإن المعتَبر في العيوب ما ينقصها في حق الآدمي، أو لا ينقصها. أعرفتم؟ والفرق بين العيوب الشرعية والعيوب العرفية أن العيوب الشرعية هي ما لا يُقبل معه الشيء عند الله، والعيوب العرفية ما لا يُقبل معه عند من؟ عند الخلق، ولنضرب لذلك مثلًا يتميز به الفرق، فإذا كانت الإبل عرجاء لكن عرجها غير بَيِّن، فهي عند الله غير معيبة، وعند الناس معيبة، وإذا كانت عوراء لكن عورها غير بَيِّن فهي عند الله غير معيبة، وعند الناس معيبة.
إذن فالمعتبر أيش؟
طلبة: العرف ..
ودِيَةُ الكتابيِّ نِصفُ دِيَةِ المسلمِ، ودِيةُ المجوسيِّ والوثنيِّ ثَمانُمائةِ دِرْهَمٍ، ونساؤُهم على النصْفِ كالمسلمينَ، ودِيَةُ قِنٍّ قِيمتُه، وفي جِراحِه ما نَقَصَه بعدَ الْبُرْءِ، ويَجِبُ في الْجَنين ذَكَرًا كان أو أُنثى عُشْرُ دِيةِ أُمِّه غُرَّةٌ، وعُشْرُ قِيمتِها إن كان مَمْلوكًا، وتُقَدَّرُ الْحُرَّةُ أَمَةً، وإن جَنَى رقيقٌ خَطَأً أو عَمْدًا لا قَوَدَ فيه، أو فيه قَوَدٌ واخْتِيرَ فيه المالُ، أو أَتْلَفَ مالًا بغيرِ إذنِ سَيِّدِه تَعَلَّقَ ذلك برَقَبَتِه، فيُخَيَّرُ سَيِّدُهُ بينَ أن يَفْدِيَه بأَرْشِ جِنايتِه أو يُسْلِمَه إلى وَلِيِّ الجِنايةِ فيَمْلِكَه أو يَبيعَه ويَدْفَعَ ثَمَنَه.