استيفاء القصاص والعفو عنه؛ استيفاء القصاص غير شروط القصاص؛ لأن الأول شروط لثبوته هل يثبت أو لا يثبت؟ وهذه الشروط لا يستوفى إلا بشروط؛ شروط لتنفيذه، شروط التنفيذ غير شروط القبول، فالفرق بينهما إذن أن الأول؛ الشروط الخمسة شروط لأي شيء؟ لثبوته هل يثبت أو لا، والثانية شروط لتنفيذه؛ هل ينفذ أو لا ينفذ؟
[ ٢ / ٣٥٧٦ ]
يقول: لا يستوفى القصاص إلا بشروط: أولًا: أن يكون مستحقه مكلفًا؛ وهو البالغ العاقل، لكن من مستحق القصاص؟ مستحق القصاص الورثة؛ الورثة هم الذين يستحقون القصاص؛ لأنهم هم الذين يرثون ماله، فليرثوا دمه، والدية إذا سقط القصاص من ترجع له؟ ترجع للورثة، إذن المستحق للقصاص هم الورثة، سواء ورثوا بفرض أو تعصيب أو رحم، وسواء كان سبب إرثهم الزوجية أو القرابة أو الولد.
(أن يكون المستحق مكلفًا) فلو قُتِلَ إنسان وله ثلاثة أولاد؛ اثنان بالغان وواحد لم يبلغ، يُقْتَص ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما يُقْتَص. اثنان بالغان وواحد مجنون؟
طالب: لا يُقْتَص.
الشيخ: لا يُقْتَص، نعم؛ لأنه ليس بمكلف الثالث.
(فإن لم يكن مكلفًا حُبس الجاني حتى يكلَّف) يحبس الجاني إلى أن يكلف، فمثلًا إذا كان أحد الورثة له شهرٌ واحد، صبي، كم يُحبس الجاني؟ خمس عشرة سنة إلا شهرًا، ولَّا لا؟ طيب، إذا كان أحد الورثة مجنونًا، كم يحبس الجاني؟
طالب: حتى يفيق أو يموت.
الشيخ: حتى يفيق، أو يموت وينتقل إلى ورثته، إلا أن العلماء قالوا: إن احتاج المجنون إلى نفقة فإنه لا بأس لوليه أن يتنازل عن القصاص إلى الدية؛ لأن المدة ستطول؛ لأنه ما تعلم المدة في الحقيقة، ربما يمضي سنوات كثيرة ما أفاق هذا.
الشرط الثاني: اتفاق مستحقيه عليه؛ اتفاق المستحقين على القصاص، فإن لم يتفقوا؟
طالب: فلا قصاص.
الشيخ: فلا قصاص، لو خالف واحدٌ لا يرث إلا واحدًا من الألف فإنه لا قصاص، الدليل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨]، فقوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ (شيءٌ) كلنا يعرف أنها نكرة في سياق
طالب: النفي.
الشيخ: لا، ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ في سياق الشرط؛ (مَنْ) اسم شرط.
[ ٢ / ٣٥٧٧ ]
قوله: ﴿مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ يشمل القليل والكثير، فإذا عُفِيَ عن القصاص ولو جزء من مئة أو ألف جزء فإنه يسقط القصاص؛ ولهذا قال: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨]، والله أعلم.
***
() الغائب وبلوغ الصغير وإفاقة المجنون.
الثالث: (وأن يُؤْمَن تعدي ضرره لغير الجاني) (أن يُؤْمَن تعدي ضرره) أي: ضرر الاستيفاء لغير الجاني، فإن كان لا يُؤْمَن فإنه لا قصاص.
مثال ذلك: امرأة حامل وجب عليها القصاص، فلا يُقْتَص منها؛ لأن الاقتصاص منها يؤدي إلى قتل ما في بطنها، وما في بطنها هل حصل منه جناية؟ لا، إذن فهو معصوم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤].
ويدل لذلك قصة المرأة التي زنت فحملت من الزنا، فأتت إلى النبي ﷺ فأمرها أن تنتظر حتى تضع، ثم وضعت الطفل فجاءت إلى النبي ﷺ فأمرها أن تبقى حتى تفطمه، ففطمت الصبي وجاءت إليه وفي يده كسرة خبزٍ يأكلها؛ ليتبين أن الطفل قد فطم، فأمر النبي ﷺ برجمها (١٢). القصاص مثله وهو في غاية القياس، من أوضح القياس مثل هذا، فإنه لا شك أننا لو جنينا على الحمل لكنا قتلنا نفسًا بغير حق.
وقوله: (حتى تضع ولدها وتفطمه إن لم يُوجَد من يرضعه) فإن وُجِدَ من يرضعه وطالب أولياء المقتول بالقصاص اقْتُص منها؛ لأنه في هذه الحال يُؤْمن من التعدي، ولكن مع ذلك نقول: الأفضل أن تبقى حتى تفطمه؛ لأن لبن غير الأم لا يساوي لبن الأم، لا يساويه.
الحاصل الآن أن الشرط الثالث: (أن يُؤمن تعدي ضرره لغير الجاني)، فإن لم يُؤمن فما الحكم؟ لا يثبت القصاص ولَّا لا يُسْتَوفى القصاص؟ لا يُسْتَوفى القصاص حتى يزول الخطر.
إذا أضفنا هذه الشروط الثالثة إلى الشروط الخمسة السابقة صار القصاص لا يتم إلا بثمانية شروط؛ ثلاثة لجواز الاستيفاء، وخمسة لثبوت القصاص.
[ ٢ / ٣٥٧٨ ]
طالب: () النبي ﷺ ()؟
الشيخ: لا، ما ()، بل أمرها أن ترضعه حتى تفطمه؛ ولهذا قلنا: الأولى ألَّا يُقْتَص منها حتى تفطمه، ولكن عاد الفرق بينهما أن ذاك حقٌّ لله ﷾، وأما هذا فهو حقٌّ للآدمي فإذا طالب بحقه .. إي نعم.