طالب: () تعالى في كتاب الوصايا: باب الوصية بالأنصباء والأجزاء، إذا أوصى بمثل نصيب وارث معين فله مثل نصيبه مضمومًا إلى المسألة، فإذا أوصى بمثل نصيب ابنه وله ابنان فله الثلث، وإن كانوا ثلاثة فله الربع، وإن كان معهم بنت فله التُّسعان، وإن وصى له بمثل نصيب أحد ورثته ولم يُبيِّن كان له مثل ما لأقلهم نصيبًا، فمع ابنٍ وبنت ربع، ومع زوجة وابن تِسع، وبسهم من ماله فله سدس، وبشيء أو جزء أو حظ أعطاه الوارث ما شاء.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب الوصية بالأنصباء والأجزاء)، الأنصباء: جمع (نصيب)، وهو الشيء الْمُقدَّر. (والأجزاء) جمع (جُزْء)، وهو الشيء المقدر، لكن لا بالنسبة لشخص معين، فالأنصباء بالنسبة للأشخاص، والأجزاء بالنسبة للمسألة.
يقول: (إذا أوصى بمثل نصيب وارث معين فله مثل نصيبه مضمومًا إلى المسألة) هذا الضابط، (إذا أوصى بمثل نصيب وارث معين) قال: مثل نصيب ابني فلان، أو بنتي فلانة، أو ما أشبه ذلك (فله مثل نصيبه مضمومًا إلى المسألة)، إذن نُصحِّح المسألة الأولى، مسألة الورثة، ثم نضيف لها مثل نصيب من أوصى له.
مثال ذلك: إذا أوصى بمثل نصيب ابنه وله ابنان، كم مسألتهما، مِنْ كم؟
طلبة: ().
الشيخ: له ابنان، كم مسألتهما؟
طلبة: اثنان.
الشيخ: من اثنين، أضف إليها مثل نصيب واحد منهم، يكون له الثلث؛ لأن تكون ثلاثة فله الثلث.
[ ٢ / ٢٥٥٧ ]
(وإن كانوا ثلاثة فله الربع) إذا أوصى بمثل نصيب ابنه وله ثلاثة أبناء مسألتهم من ثلاثة، أضف إليها واحدًا مثل نصيب أحدهم تكون أربعة فيكون للموصَى له الربع، وهذا سهل.
بمثل نصيب زوجته وله زوجة وابن؟ الثمن مضمومًا إلى المسألة، وهو التسع في الواقع، يكون التسع؛ لأن نصيب الزوجة الثمن، واحد من ثمانية، والمسألة من ثمانية، أضف إليها واحدًا تكون تسعة، فيكون للموصَى له التُّسع، وللزوجة الثمن واحد، لكنه بسبب الوصية فهو التسع، والباقي للابن.
وإن كان معهم بنت فله التسعان؛ ثلاثة معهم بنت لهم التسعان؛ لأن الثلاثة لكل واحد سهمان، والبنت سهم الثلاثة سهمان يكون ستة، والبنت سهم سبعة، أضف إلى المسألة مثل نصيب أحد الابنين تكون تسعة، فيكون له التسعان.
(وإن كان معهم بنت فله التُّسعان) ووجه ذلك ظاهر؛ لأن كل ابن له اثنان من سبعة، والبنت لها واحد من سبعة، فإذا أضفنا اثنين إلى سبعة صار له التُّسعان.
(وإن وصَّى له بمثل نصيب أحد ورثته ولم يُبيِّن كان له مثل ما لأقلهم نصيبًا) قال: أوصيت لفلان بمثل نصيب وارث من ورثتي، ولا بَيَّن من هو، يقول: (فله مثل ما لأقلهم نصيبًا، فمع ابن وبنتٍ ربع، ومع زوجة وابنٍ تسع).
هذان مثالان، الأول: ابن وبنت، وأوصى لهما مثل أحد نصيب ورثته ولم يُبيِّن، نقول: الابن والبنت من ثلاثة، صح؟ للابن اثنان وللبنت واحد، أضف إلى الثلاثة مثل نصيب البنت تكن أربعة، إذن للمُوصَى له الربع.
(ومع زوجة وابنٍ تُسع) إذا قال: أوصيتُ لفلان بمثل نصيب أحد الورثة، وورثته زوجة وابن، الزوجة لها الثمن، والابن له الباقي، أضف الثمن واحدًا إلى الثمانية تكن تسعة، إذن فللموصَى له التُّسع.
(وبسهم من ماله فله سدس) إذا أوصى له بسهم من ماله فله السدس، قلَّ أو كثر، فيُؤخذ السدس من التركة أولًا، ثم يقسم الباقي على مَنْ؟ على الورثة.
[ ٢ / ٢٥٥٨ ]
مثال هذا: أوصى رجل بسهم من ماله لفلان وله ابنٌ وبنت، ماذا نُعطي فلانًا؟ السدس، والباقي يُقسم بين الابن والبنت؛ للذكر مثل حظ الأنثيين، هذا مروي عن بعض الصحابة ﵃ فأخذ به الفقهاء توقيفًا لا تعليلًا.
وقال بعضهم: إنه تعليل؛ لأن السهم في اللغة العربية السدس، ولكن في القلب شيء من هذا؛ لأن السهم يقتضي أن يكون أقل سهم، يعني فيكون كما لو أوصى بنصيب وارث ولم يُبيِّن، وهذا أحد القولين في المسألة، أنه إذا أوصى له بسهم من ماله فله مثل ما لأقل الورثة نصيبًا، وعلى هذا فمع ابن وبنت وأوصى بسهم كم يُعطَى؟
طلبة: الرُّبع.
الشيخ: الربع، يُعطى الربع؛ لأن هذا أقل سهم.
وأما السدس فهذه لعلها قضايا أعيان وردت عن بعض الصحابة ﵃ فقلنا: إنها توقيف، وما دامت المسألة ليس فيها نص شرعي ولا حقيقة شرعية فينبغي أن يُرجع في ذلك إلى المسألة، ويقال: أدنى سهم فيها هو الواجب للمُوصَى له.
(وبشيء، أو جزء، أو حظ، أو نصيب، أو ما أشبه ذلك أعطاه الوارث ما شاء) إذا قال: أوصيتُ لفلان بشيء من مالي، ثم هلك يعطيه الوارث ما شاء. وظاهر كلامهم ﵏ أنه يعطيه ما شاء مطلقًا حتى ولو كان بعيدًا أن يكون مرادًا، فلو كان إنسان عنده عشرة ملايين تَرِكة، وأوصى بشيء من ماله لفلان، فقال الورثة: مرحبًا بالوصية وبالْمُوصى له، اتفضل، هذا ريال، فقط على كلام المؤلف تبرأ ذممهم، ولا يطالبهم بشيء؛ لأن الميت أوصى بشيء من ماله، وهذا شيء فيُعطى أقل ما يقع عليه الإنسان.
[ ٢ / ٢٥٥٩ ]
ولكن ينبغي أن يقال: ما لم يخالف ذلك العرف، فإن خالف العرف رجعنا إلى ما تقتضيه الوصية، ومن المعلوم أن من عنده عشرة ملايين، وأوصى لشخص بشيء أنه لا يريد ريالًا من عشرة ملايين، هذا بعيد جدًّا؛ لأن الموصِي قصده نفع الموصَى له وإعطاؤه من هذا المال، ومثل هذا لا يرضى أن يُعطَى إياه، فيُرجع في ذلك -على القول الراجح- إلى ما يقتضيه العُرف، ولا يعطيه الوارث ما شاء بل ما يقتضيه العرف.
وكذلك أيضًا إذا قال: بجزء من ماله، وعنده عشرة ملايين، أعطاه الوارث هلَلة جزءًا من المال ولَّا لا؟ جزءًا من مال، هل يمكن أن يُقال: إن هذه الهللة أراد الموصِي أن يُعطى إياها الموصَى له وعنده عشرة ملايين؟ لا يمكن.
أعطاه الورثة غُترة النوم، أوصى له بشيء من ماله، فقال أهله: مرحبًا، عنده عشرة ملايين، فأخذوا غُتْرة النوم التي يتغلل بها إذا نام، وقالوا: تفضل، يجزئ أو لا؟ على كلام المؤلف يجزئ؛ لأن هذه مال تُورَث وتُباع في التركة فيُجزئ لكن هذا -كما ترون- لا يمكن أن يُقال به، حتى عامة الناس يرون أن هذا منتَقد، وأن الموصِي لم يُرِد ذلك.
(أو حظ)، حظ قال: أو أوصي لفلان بحظ من مالي، وأعطاه هللة، وعنده ملايين، يسعى على كلام المؤلف، هل يعقل يقال: حظ من مالي؟ كل يفهم أن المراد حظ مهم.
فعلى كل حال مثل هذه المسائل يُرجع فيها إلى العُرف لا إلى مطلق المعنى؛ لأن الناس لهم أعراف ولهم إرادات تخصص العام، أو تُعمِّم الخاص، أو تُطلق المقيَّد، أو ما أشبه ذلك.