حد الزنا؛ أولًا: تعريف الزنا.
الزنا: فعل الفاحشة في قُبُلٍ أو دُبُرٍ، هذا هو الزنا، فقولنا: (فعل الفاحشة) خرج به فعل الرجل بامرأته فإنه لا يُسَمَّى فاحشة؛ لأنه معروف وليس بمنكر.
وقولنا: (في قُبُلٍ أو دُبُرٍ) يشمل حتى الزنا بالبهيمة فإنه فاحشة في قُبُلٍ أو دُبُرٍ، لكن مسألة الحد هل يجب عليه أو ما يجب بيأتينا إن شاء الله قريبًا.
أما حد الزنا () العقوبة عليه فهو إما رجم، وإما جلد مئة وتغريب عام، وإما جلد خمسين بلا تغريب، ولا فيه غير ذلك للزنا؛ يعني: ما فيه حد رابع للزنا.
حد الزنا؛ أي: عقوبته المقدرة من قبل الشرع؛ إما رجم، وإما جلد مئة وتغريب عام، وإما جلد خمسين بلا تغريب، خدوا بالكم فيه قسم رابع؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، ما فيه قسم رابع؛ يعني بمعنى أنه ما فيه -مثلًا- قطع يد، ولا قطع رجل، ولا قطع عروق، إنما فيه هذه الأمور الثلاثة.
[ ٢ / ٣٦٥٠ ]
فالأول وهو الرجم للمحصن؛ وهو الحر البالغ العاقل الذي تم جماعه على هذا الوصف في نكاح صحيح، (الحر) خرج به العبد، العبد ليس بمحصَن.
وقولنا: (البالغ) خرج به الصغير، و(العاقل) المجنون، (الذي تم جماعه على هذا الوصف) ويش معنى (على هذا الوصف)؟ يعني أنه حر بالغ عاقل تم جماعه في هذا الوصف في نكاح صحيح، (في نكاح صحيح) احترازًا مما لو كان نكاح غير صحيح، أو تم جماعه بزنا سابق، مثلًا.
وقولنا: (في نكاح صحيح) يشمل ما إذا كانت الزوجة معه حين الزنا أو كان قد فارقها بموت أو طلاق، المهم أن الرجل قد جامع زوجته في نكاح صحيح فإنه يكون محصنًا، هذا عقوبته الرجم.
نشوف الآن الدليل، الدليل على ذلك قول الرسول ﵊ وفعله وفعل خلفائه الراشدين وإجماع الأمة؛ عليه إجماع علماء الأمة.
أما قول الرسول ﵊ في ذلك فإنه ما ثبت في الصحيح عن عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: «خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي، فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا؛ الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِئَةٍ وَالرَّجْمُ» (٩)، فقال: «الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِئَةٍ وَالرَّجْمُ»، وسيأتي -إن شاء الله- أن قوله: «جَلْدُ مِئَةٍ» نُسِخَ فيما بعد. حينئذٍ هذا من قول الرسول ﵊.
كذلك أيضًا فعله؛ فإنه رجم بالزنا خمسة: رجم اليهودي واليهودية (٦)، ورجم ماعزًا، ورجم الغامدية (١٠)، ورجم زوجة الرجل الذي زنى بها عسيفه (١١) أي: أجيره، خمس قضايا كلها في عهد الرسول ﵊ تم فيها الرجم.
[ ٢ / ٣٦٥١ ]
ولنا أن نستدل لذلك أيضًا بالقرآن؛ فإنه ثبت في الصحيحين عن عمر ﵁ أنه خطب الناس وبَيَّن أن الرجم ثابت في كتاب الله قال: إنه قرأناها ووعيناها، ورجم النبي ﷺ ورجمنا بعده، وإني أخشى إن طال بالناس زمان أن يقولوا: إنا لا نجد الرجم في كتاب الله، وإن الرجم فريضة في كتاب الله على من زنى إذا أحصن أو قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف (١٢)، فهنا صرح ﵁ بأن الرجم كان موجودًا في كتاب الله.
حينئذٍ يكون دليله من القرآن المنسوخ لفظه، ومن السنة قولًا وفعلًا، ومن عمل الخلفاء الراشدين، ومن إجماع الأمة؛ ولهذا ما يمكن إنكار هذا الحد أبدًا.
فإذا قال قائل ما هي الآية التي نُسخت؟
نقول: الآية التي نُسخت ما نعرف لفظها الآن؛ لأنه ليس بموجود في القرآن؛ في المصحف.
فإذا قال: أليس يُرْوَى أن لفظها (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من الله، والله عزيز حكيم) (١٣)؟
قلنا: هذا لا يصح أن يكون هذا المنسوخ، لماذا؟ لأن عمر ﵁ ذكر أن الرجم يكون على من؟ على مَن زنى إذا أحصن، ما قال: إذا كان شيخًا، والآية هنا تعلق الرجم بالشيخوخة، وعلى هذا فمن زنى وهو محصن شاب بمقتضى هذه الآية؟
الطلبة: لا يرجم.
الشيخ: لا يرجم، وإذا زنى وهو شيخ غير محصن فإنه يُرْجَم وليس هذا هو الحكم، فدلَّ ذلك على أن اللفظ هذا غير محفوظ، وأن الصواب أن اللفظ الذي نُسِخَ ليس بمعروف لدينا، فتعليق الحكم بالشيخوخة هذا أمر لا يصح؛ لأن الشيخوخة تختص بمن كان شيخًا ولو كان بكرًا، ويخرج بها من كان شابًّا وهو ثيب، وهذا خلاف الحكم الذي ذكره عمر ﵁.
إذا قيل ما الحكمة في أنه يُرْجَم بالحجارة ولا يُقْتَل بالسيف والقتل بالسيف أهون؟
قلنا: لأنه لما كان بدنه أصيب باللذة المحرمة -جميع البدن- فإنه ينبغي لهذا البدن الذي تلذذ بهذه اللذة المحرمة أن يناله من العقوبة بقدره، وهذا من محاسن الشرع.
[ ٢ / ٣٦٥٢ ]
ولا يرد على هذا قول الرسول ﷺ: «إِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» (١٤)؛ لأننا نقول: المراد بإحسان القتلة التمشي فيها على المشهور، والرجم تمشٍّ على المشهور ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: الرجم تمشٍّ على المشهور. إذن يجب الرجم وجوبًا إذا تمت الشروط.
والإحصان هو أن يكون الإنسان حرًّا بالغًا عاقلًا تم جماعه في هذا الوصف في نكاح صحيح.
طالب: () نكاح قبل ()؟
الشيخ: إي، ما يكون محصنًا.
طالب: أو مجنون؟
الشيخ: أو وهو مجنون -مثلًا- ثم عقل؛ لأنه إذا كان مجنونًا ما يمكن يُقام عليه الحد من الأصل.
طالب: ()؟
الشيخ: إي، المرأة تجلد، نعم.
طالب: ()؟
الشيخ: إي، فاعترفت فرجمها.
طالب: بالنسبة لتعريف الزنى يدخل فيه اللواط؟
الشيخ: بيجينا إن شاء الله.
طالب: بالنسبة للرجم هل () الأشخاص اللي يزنون ما يُشْتَرط أنه يوضع حصى بسيارة () وتمسك على الشخص ()؟
الشيخ: لا، ما يصلح ().
طالب: ()؟
الشيخ: لا، ما يصلح.
طالب: ()؟
الشيخ: لا.
طالب: ()؟
الشيخ: يدفن بالشاحنات قصدك؟
طالب: لا ().
الشيخ: لا.
طالب: ()؟
الشيخ: لأنه ().
طالب: إذا علم الناس فعله الفاحشة أو علم () هل نقول: نعمل () -مثلًا- أو يتحقق من علمه ()؟
الشيخ: أولًا يجب عليه إذا تحقق أو غلب على ظنه يجب عليه، لكن لا يقول: إن هذه زانية -مثلًا- أو هذا زانٍ.
طالب: ()؟
الشيخ: إي، ما يخالف، يخبر ولاة الأمور () هذا البيت ترى فيه شبهة، حطوا بالكم عليه، ولا يقول: إنه زانٍ أو زانية؛ لأنه إذا قال هكذا إذا ما جاب أربعة شهود يجلد هو ثمانين جلدة، إي نعم، مسألة خطيرة هذه ().
الثاني، ويش هو الثاني؟ جلد مئة وتغريب عام للحر غير المحصن، العبد خرج بكلمة (الحر).
البالغ العاقل الحر غير المحصن؛ يعني لو هو صغير أو مجنون؟
الطلبة: ().
[ ٢ / ٣٦٥٣ ]
الشيخ: لكن لاحظوا الشروط السابقة، الشروط الأربعة السابقة هذه شروط عامة لا بد أن توجد في كل حد؛ ولهذا يجب أن نعرف أن شروط الزنا -مثلًا- اللي بتجينا ثلاثة مضافة إلى الشروط العامة أربعة.
طالب: الحر.
الشيخ: كيف؟
الطالب: الحر البالغ العاقل هذه ثلاثة ().
الشيخ: وقالوا: إنه لا يُغرَّب؛ لأن ذلك غير مذكور في القرآن، ولا شك أن استدلالهم ضعيف؛ فهو لم يُذْكَر في القرآن لكن ذُكِر في السنة، وما ذُكِر في السنة فهو كالمذكور في القرآن من حيث العمل به؛ ولهذا لما لعن ابن مسعود ﵁ النامصة والمتنمصة جاءت امرأة وقالت: إنك تقول: إن الله لعن النامصة والمتنمصة، وإني قرأت القرآن من فاتحته إلى خاتمته ما وجدت ذلك، فقال لها ﵁: لعن رسول الله ﷺ النامصة والمتنمصة .. إلى آخره، وإن الله يقول: ﴿مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] (١٥)، إذن فإقرار الله للرسول هو في الحقيقة يعتبر من فعل الله ﷾؛ لأنه مرَّ علينا أن الرسول ﵊ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤]، وأن الوحي من الله يقسم كما تقسم السنة، فكما أن السنة قول الرسول وفعله وإقراره فوحي الله قوله وإقراره لرسوله ﵊.
أقول: الحر غير المحصن يجلد مئة جلدة بالقرآن والسنة، أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: ويغرب سنة بدلالة السنة.
والحكمة من تغريبه هو إبعاده عن المكان الذي أوقع فيه الفاحشة، وهذا الإبعاد سوف يكون إلى بلد غريب فيه، والغريب -كما تعرفون- أديب في الغالب ما يحاول أن يتناول هذه الفاحشة، وبهذا نعرف أنه يجب أن يُلَاحظ أن يكون تغريبه إلى بلاد لا ينتشر فيها الفساد، أما أن نغربه من بلد لا يكون فيه الزنى إلا استتارًا إلى بلد يكون فيه الزنى جهارًا، يجوز ولَّا لا؟
الطلبة: لا.
[ ٢ / ٣٦٥٤ ]
الشيخ: ما يجوز؛ لأن معنى ذلك أنا أعناه، لكننا نغربه إلى بلد يكون الزنا فيه محظورًا، إذا كان الزنا فيه محظورًا حينئذٍ نغربه؛ للبعد عن مكان الفاحشة، ولأن الغريب لا يمكن أن يتجرأ على شيء، ثم إنه مع بعده وغرابته ربما يفتح الله عليه فيتوب بهذه المدة الطويلة؛ اثنا عشر شهرًا.
أما الثالث فهو للرقيق بنص القرآن بالنسبة للأمة؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] يعني بذلك الإماء.
وقاس العلماء عليه العبد؛ قاسوا على النقص في الأمة قاسوا عليها العبد، وأخرجوه من عموم قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة﴾ [النور: ٢]، وهذا -كما مر عليكم في الأصول- تخصيص بالقياس، وعليه فيكون الرقيق يجلد خمسين جلدة.
وإذا كان قد تزوج يُرْجم نصف رجم؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ما يمكن يتنصف، إذن فليس عليه إلا الجلد منصفًا.
طيب والتغريب، التغريب يقول: لا يُغَرَّب؛ لأن تغريبه إضرار بسيده؛ لأنه يفوت به مصلحة السيد في هذه المدة.
وقيل: إنه يُغَرَّب نصف سنة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥].
وأجيب عن ذلك بأن التغريب ليس بعذاب، وَرُدَّ هذا بأن التغريب عذاب؛ لقول النبي ﷺ: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ» (١٦)، وعلى هذا فيكون التنصيف ممكنًا؛ تنصيف التغريب.
أما الرد على قولهم: إنه من حق السيد فنقول: أيضًا وإذا جُلد أمام الناس خمسين جلدة فسوف ينقص ذلك في العبد ولَّا لا؟ ولَّا ما يضره؟
الطلبة: ينقص.
الشيخ: ما يضره؟ ينقص بلا شك؛ بدل ما كان يُسوى عشرة آلاف ريال ما يسوى إلا خمسة آلاف أو ما أشبه، وهذا ضرر بالسيد، فهل نقول: إنه لا يُجْلَد؛ لأن الجلد يحط من قيمته () السيد؟ نقول هذا ولَّا لا؟
[ ٢ / ٣٦٥٥ ]
طالب: لا، ما نقول.
الشيخ: ويش معنى ذاك؟ ماذا يجاب بها؟ ()
إن تعليلكم عدم التغريب بأن ذلك يفوت مصلحة السيد نحن نعارضكم أيضًا فنقول: وجلده أمام الناس ينافي مصلحة السيد، بل هو ضرر عليه؛ ولهذا القول الراجح عندي أنه يغرب نصف سنة، وعلى سيده مراعاته عن الهروب لا يهرب.
ثم إن السيد يمكنه أن ينتفع به وهو في بلاد الغربة، أليس كذلك؟ يمكن يكتب إلى أحد من أصدقائه هناك ويقول: إن العبد يغرب إلى بلدكم وأنتم احفظوه شغلوه عندكم، وحينئذٍ يزول الإشكال.
فالصحيح عندنا أنه يُنَصَّف حتى التغريب، وهو أحد القولين في مذهب الإمام أحمد، واختاره كثير من أهل العلم؛ لأن ما يمكن تنصيفه -وقد قال الله: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾ - يجب أن ينصف؛ امتثالًا لقول الله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥].
يبقى النظر الآن في التغريب سواء في العبد أو في الحر، إذا كان امرأة ماذا يكون الأمر؛ تُغَرَّب؟
طالب: ما تُغَرَّب.
الشيخ: الحديث حديث عبادة؛ «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ» (٩) «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ» رجل بامرأة، «جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ» فهل تغرب ولَّا لا؟
نقول: إذا كان معها محرم فإنها تُغَرَّب، يمكن يكون لها محرم في البلد الذي تُغَرَّب إليه ولَّا ما يمكن؟
الطلبة: يمكن.
[ ٢ / ٣٦٥٦ ]
الشيخ: يذهب بها محرمها من هنا إلى البلد المغربة إليه، على أن الفقهاء أيضًا يقولون: إن المغربة يجوز أن تُغَرَّب بدون محرم، لو فرضنا ما معها محرم تُغَرَّب بدون محرم، لكننا لا نوافقهم على هذا الرأي؛ لأنه مخالف لقول الرسول ﷺ: «لَا تُسَافِرِ امْرَأَةٌ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» (١٧)، ولأنه أدعى إلى فسادها في الحقيقة؛ لأنها إذا ذهبت إلى بلاد الغربة وليس معها محرم فربما تفسد أكثر؛ تحتاج إلى فلوس وإلى نفقة وإلى غير ذلك فيكون ذلك أشد فسادًا وتعرضًا للفساد؛ لهذا نرى أن المرأة تُغَرَّب بشرط أن يكون لها محرم يسافر بها ويبقى معها، إذا لم يوجد هذا فإنها تبقى في البيت، ولكنه لا يُتصل بها بمعنى أنها تحبس في بيتها مثلما سيأتينا -إن شاء الله- في المحاربين أنه إذا تعذر نفيهم فإنهم يحبسون ولا يقربهم أحد، هذه مثلها؛ تكون في بيتها محبوسة إلى مدة سنة، ويكفيها ذلك درءًا للمفسدة وبعدًا عنها.
طالب: ما يُجْبَر المحرم في السفر معها؟
الشيخ: لا، ما يُجْبَر عليه؛ لا في هذا، ولا فيما إذا كان عليها فريضة الحج ما يُجْبَر.
طالب: حد السفر للتغريب؟
الشيخ: ().
الطالب: ()؟
الشيخ: حده أنه يسافر؛ بمعنى أنه يُعْرَف أنه غريب في البلد حتى لو كان قريبًا، مثلًا من بُرَيدة إلى عنيزة هذا تغريب؛ لأنه يشعر أنه في غربة.
تقولون: المنطقة واحدة وهي القصيم؟ نقول: طيب، إذا كانت المملكة واحدة -وهي القصيم- لازم تسافرون لمصر -مثلًا- ولَّا للعراق، هذا ما يصير؛ لأنه يشعر الآن أنه غريب، أي واحد يروح من عنيزة لبُرَيدة، ومن بُرَيدة لعنيزة يشعر أنه غريب.
طالب: شيخ، الاتصال بالأقارب؟
الشيخ: ما فيه مانع الاتصال بالأقارب؛ لأنه ما هو بيحبس، بس يُغرب عن مكان الفاحشة.
طالب: السجن للمرأة؟
[ ٢ / ٣٦٥٧ ]
الشيخ: السجن هي تسجن الآن؟ هو الغالب أنه ما يمكن يثبت الزنا في الحقيقة إلا بالإقرار؛ لأن من شرط ثبوته بالشهادة أن يشهد الشاهد بأنه رأى ذكر الرجل في فرج المرأة، من اللي يشوف هذا؟ !
طالب: الحَبَل يبين.
الشيخ: الحَبَل، يمكن تدعي الشبهة، أما المذهب فالحَبَل ليس ببينة؛ لو تيجي امرأة كل سنة تجيب لنا ولدًا، () ليس ببينة، هذا كلام الفقهاء.
طالب: فيه شبهة؟
الشيخ: يمكن أنها مكرهة، سبحان الله! ()، لكن الصحيح ما ذكره عمر ﵁حديث صحيح صريح في الصحيحين-: أو كان الحَبَل أو الاعتراف (١٨)، الحَبَل بينة ما فيه شك، منين جاء ذلك؟ فإذا أمسكناها وقلنا: يلَّا يجب عليك الرجم أو الجلد، إذا ادعت شبهة () ننظر عاد: هل صحيح هذا ولَّا لا؟ هل هو فيه احتمال ولو احتمالًا بعيدًا فإنها تُقبل ويُدرأ عنها الحد، أما إذا كان أن القرينة تدل على فعلها الفاحشة فهذا ما تُقْبل.
طالب: جلد الرقيق ما يكون للسيد؟
الشيخ: لا، الأصل أنه للإمام لكن يجوز للسيد، ولَّا الأصل أنه للإمام.
طالب: أجرة المَحْرم؟
الشيخ: أجرة المَحْرم إن تبرع فذاك، وإن لم يتبرع فهي على بيت المال، كما أن أجرة تغريبها أيضًا على بيت المال؛ لأن هذا من الحدود الشرعية، كما أن العصا -مثلًا- يُشترى من بيت المال، وأجرة الجالدين على بيت المال، وهكذا.
طالب: ()؟
الشيخ: إلى بلده؟
الطالب: إي.
الشيخ: إي، يمنع حتى في ().
الطالب: لحاجة ()؟
الشيخ: لا، ما يمكن، لحاجة يوكل ويجاب.
لكن هل يجوز أن يمكَّن من استصحاب زوجته ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: إي نعم، يمكَّن، بل يمكن هذا ()، ما نقول: () بنحرمك من زوجتك. ()
[ ٢ / ٣٦٥٨ ]
ذكرنا أدلة التغريب والجلد مئة، وذكرنا أدلة التنصيف بالنسبة للمملوك، وأنه نص القرآن فيما إذا كانت أمة، وبالقياس فيما إذا كان عبدًا، وذكرنا أن الرسول ﵊ في حديث عبادة قال: «الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِئَةٍ وَالرَّجْمُ» (٩)، لكن آخر الأمرين من النبي ﷺ أنه رجم بدون جلد؛ كما في قصة ماعز والغامدية (١٠)، وكذلك قصة اليهوديين (٦)، كل من رجم فيهم الرسول ﵊ فإنه لم يجلده، وعلى هذا فيكون خبر عبادة منسوخًا، ويُشْتَرط لوجوب الحد ثلاثة شروط:
أولًا: إيلاج الحشفة الأصلية كلها، هناك حشفة غير أصلية؟ نعم وهي حشفة الخنثى المُشْكِل الذي لم يتميز أذكر هو أم أنثى؟ فإن هذا العضو منه لا يُدْرَى هل هو ذكر أو لحمة زائدة؟ لأنه لم يتبين أنه ذكر أو أنثى، فإذا أولج خنثى مُشْكِلٌ في فرج أصلي -مثلًا- فإنه ليس بزانٍ لا يجب عليه الحد؛ لأن ذلك ليس بزنا؛ إذ إننا لم نتيقن أن هذا الفرج فرج حقيقي؛ إذ قد يكون لحمة زائدة والفرج الحقيقي هو فرج الأنثى الذي في هذا الخنثى المشكل.
وقولنا: (كلها) احترازًا من البعض، وقولنا: (في فرج أصلي) يشمل كلمة (فرج) القُبُلَ والدُّبُر؛ لأنه فرج، وقولنا: (أصلي) احترازًا من فرج الخنثى المُشْكِل؛ فلو أولج ذكرٌ ذكرَه في فرج خنثى مُشْكِلٍ لم يجب الحد؛ لأنه جائز أن يكون هذا الفرج فتحة ليست بأصلية، فلا يثبت لها حكم الفرج.
وقولنا: (من آدمي) احترازًا من غير الآدمي؛ فإن الإنسان لو أولج ذكره في فرج بهيمة لم يكن عليه حد الزنا، ولكن عليه التعزير.
وأما ما ورد في السنن في حديث: «مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَاقْتُلُوهُ وُاقْتُلُوا الْبَهِيمَةَ» (١٩) فإن هذا الحديث ضعيف؛ يعني: لا يقوى على قتله، ثم إنه من حيث المعنى كيف يكون الزاني بالبهيمة أشد من الزاني بالمرأة؟ ! والصواب ما مشى عليه فقهاء الحنابلة أنه يعزر، وأن البهيمة تُقْتَل ولَّا تُذْبَح؟
[ ٢ / ٣٦٥٩ ]
طالب: تُقْتَل.
الشيخ: والفرق بين القتل والذبح أنا إذا قلنا: تُذْبَح فمعناه أنها تحل، وإذا قلنا: تقتل فإنها لا تحل؛ تكون ميتة، ويرجع صاحبها على الفاعل بها بالضمان إذا كان غير صاحبها، أما إذا كان صاحبها فإنها تتلف عليه، وإنما أُمر بقتل البهيمة لسببين:
السبب الأول -ذكره الفقهاء، وهو قد يكون بعيدًا من الناحية الطبيعية-: أنها ربما تلد إنسانًا مشوهًا، وهذا من حيث النظرية العلمية بعيد، أما من حيث قدرة الله فليس ببعيد.
والأمر الثاني: أنها تُعيَّر به إذا بقيت فيقال: هذه؟
طالب: زوجة فلان.
الشيخ: لا، ما هي بزوجة فلان.
طالب: موطوءة.
الشيخ: يقال: موطوءة فلان، أما زوجته ما يصلح؛ فلذلك كان من الحكمة إعدامها.
وقولنا: (في فرج أصلي من آدمي) يشمل اللواط؛ لأنه إيلاج حشفة أصلية في فرج أصلي من آدمي، وهذا هو المشهور من المذهب: أن حد اللوطي كحد الزاني؛ إن كان محصنًا يُرْجَم حتى يموت، إن كان حرًّا غير محصن يجلد مئة جلدة ويغرب سنة، إن كان رقيقًا فهو نصف الجلد ونصف التغريب، على القول الصحيح كما ورد.
وقال بعض أهل العلم: إن عليه التعزير؛ لأن اللواط ليس كالزنا، ليس فيه ضياع أنساب كما في الزنا، فلا يجب عليه الحد، وإنما يعزر عن هذا الفعل.
وقال آخرون: إنه لا تعزير عليه ولا حد عليه، قالوا: لأنه يُكتفى برادع الطبيعة عن رادع التأديب؛ لأن هذا ما أحد يشتهيه، فالإنسان إذا شرب خمرًا ماذا يُصْنَع به؟ يعزر بالعقوبة أو يحد، على خلاف فيه ويأتي.
لكن لو أكل عذرة عليه حد الخمر ولَّا لا؟
طالب: لا.
[ ٢ / ٣٦٦٠ ]
الشيخ: لا؛ لأن العذرة تكرهها النفس، ففي النفس رادع عنها، فيقولون -بالقياس الغبي لا الجلي- يقولون: إن هذا أيضًا -التلوط بالذكر- في النفس رادع عنه، فيكتفى بالرادع النفسي الطبيعي عن الرادع التأديبي، ولا يعزر، ولا يقال له شيء، وهذا لا شك أن هذا القول من أسخف الأقوال؛ لأننا لو أخذنا به فأصبح الناس كلهم من قوم لوط ما نقول لهم شيئًا، مع أن لوطًا ﵊ أنكر عليهم غاية الإنكار وقال: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠]، ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [النمل: ٥٤]، ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُون﴾ [الشعراء: ١٦٥، ١٦٦].
والقول الرابع في هذه المسألة -وهو الصحيح الذي أجمع عليه الصحابة- أنه يُقْتل بكل حال حتى وإن لم يكن محصنًا؛ الفاعل والمفعول به إلا أن يكون مكرهًا يقتلان جميعًا إذا كانا بالغين عاقلين، سواء كانا حرين أو رقيقين، متزوجين أو غير متزوجين، الحد هو القتل بكل حال، وذكره شيخ الإسلام وغيره إجماع الصحابة ﵃، لكنهم اختلفوا كيف يُقتل؟
فقال بعض العلماء: إنه يحرَّق بالنار، وقد روي تحريقهم عن أبي بكر (٢٠) وعلي بن أبي طالب ﵁ وعبد الله بن الزبير، وأظن عبد الملك بن هشام أو هشام بن عبد الملك (٢١)، كلهم روي عنهم تحريقهم، وهذا وجه لقتلهم.
الوجه الثاني يقولون: يُلْقَى من أعلى شاهق في البلد ويتبع الحجارة، وهذا رأي ابن عباس ﵁.
والقول الثالث: أنهم يرجمون رجمًا بالحجارة.
وهذان القولان يرميان إلى كيفية العقوبة التي أهلك الله بها قوم لوط، هل إن الله ﷾ رفع قراهم ثم قلبها وأتبعها بالحجارة -كما هو مشهور- أو أن الله تعالى رماها بالحجارة حتى تهدمت فكان عاليها سافلها؟
[ ٢ / ٣٦٦١ ]
فاللي يقولون بالأول () يقولون: يُلقى من شاهق ويُتبع بالحجارة؛ بناء على أن العقوبة التي عوقب بها قوم لوط هي رفع القرى ثم إتباعها بالحجارة.
واللي يقولون: إنه يُرْجَم رجمًا؛ بناء على أن عقوبة قوم لوط كانت بالحجارة؛ رُجِمَت بلادهم حتى كان أسفلها أعلاها، على كل حال ..، بل كان ﴿عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [هود: ٨٢] هذا اللي في القرآن، ما هو بالأسفل الأعلى، العالي هو السافل.
فالحاصل أن الصحابة ﵃ أجمعوا على قتله، وهذا هو القول الصواب؛ وذلك لأن هذا الفرج لا يحل بحال، أبدًا، وفرج المرأة المزني بها قد يحل ويش ()؟ بالنكاح الصحيح.
ثم إن هذا أيضًا لا يمكن التحرز منه، فهو كقتل الغيلة الذي يجب فيه القود بكل حال على ما سبق، هذا ما يمكن التحرز منه، هل يمكن -مثلًا- ناس شباب يمشي بعضهم إلى بعض يمكن تقول: تعال ليش تمشي معه، أنت تريد أن تفجر به؟ لكن لو تشوف رجل مع امرأة يمكن إذا كان محل تهمة أن توقفه، تقول: تعالَ، ما هذه المرأة؟
فلما كان هذا لا يمكن التحرز منه بسبب اختلاط الذكران بعضهم مع بعض صار لا يمكن التخلص منه إلا بعقوبة رادعة شديدة تقضي على هذه الجرثومة الفاسدة في المجتمع.
وأيضًا مفسدة اللواط أعظم من مفسدة الزنا؛ لأن الزنا وإن كان فيه اختلاط الأنساب واشتباه الأولاد لكن يبقى الرجل رجلًا ولَّا لا؟ لكن اللواط -والعياذ بالله- ما يبقى الرجال رجالًا، يبقى الرجال نساء، ويلحق الرجال من الذل والعار والهوان -والعياذ بالله- ما لا يدرك؛ يعني: من الذي يمكن أن يقابل الناس بوجه طلق وهو يعهد من نفسه أنه كان محل خبثهم؟ ! هذا عار في وجهه إلى أن يموت. ثم الأُمة تنقلب كلها نساء ما تهتم لا بجهاد ولا بدين ولا بعلم، ففيه من المفاسد العظيمة ما هو جدير بأن يكون هذا القول أصح الأقوال.
[ ٢ / ٣٦٦٢ ]
وعلى هذا فنقول: إذا رأى ولي الأمر أن يحرقهم ورأى أن هذا أنكى فله ذلك، وإمامه في هذا من؟ أبو بكر الصديق ﵁، والتعذيب بالنار الذي نهى عنه الرسول ﵊ أن يكون لمجرد التعذيب، وأما العقوبة التي تقتضيها هذا فإنها جائزة؛ ولهذا لم يوبخ الله النبي الذي أحرق قرى النمل على الإحراق، وإنما وبخه على أنه زاد؛ لأن الله قال له: «فَهَلَّا نَمْلَةً وَاحِدَةً» (٢٢)؛ لأنه أحرق كل قرى النمل، قرصته نملة واحدة فأحرق الجميع، فقال الله له: «هَلَّا نَمْلَةً وَاحِدَةً» بأن أحرقت نملة واحدة، فهل هذا دليل على أنه يجوز إذا جُعل الإحراق عقوبة أن يحرق؟ وعلي بن أبي طالب ﵁ ماذا فعل بالغلاة فيه؟ أحرقهم بالنار، واعتراض ابن عباس عليه ثم رجوعه إلى رأي ابن عباس قد يكون إنه ﵁ لم يتأنَ ويتأمل ولَّا هو رجع (٢٣)؛ لأنه قال: ما أسقط ابن أم الفضل على الهنات (٢٤).
فالحاصل أن القول الصحيح في هذه المسألة أنه يجب قتل اللوطي متى كان بالغًا عاقلًا، وطبعًا عالمًا بالتحريم؛ لأن هذه الشروط لا بد منها.
قال: (من آدمي حي) لا بد أن يكون الزنا من آدمي حي، طيب فيه آدمي غير حي؟ إي نعم، ميت؛ ولهذا قيل: وقيل: أو ميت، المذهب لو زنى بامرأة ميتة ما يقام عليه الحد، ليش؟ قال: لأن هذا ما يحصل فيه اشتباه الأنساب؛ لأنه ما هو ممكن تحمل، وأيضًا ما هناك داعٍ للنفوس إليه، ما أحد -نسأل الله العافية- تدعوه نفسه إلى يطأ امرأة ميتة.
طالب: المفروض يصدر عقاب أكثر.
الشيخ: إي نعم؛ ولهذا ذهب الإمام أحمد ﵀ إلى قول آخر غير المشهور من المذهب إلى أنه يُقام عليه حدان؛ يُحَد مرتين، قال: لأن الجناية هنا أعظم وأقبح من الجناية على الحي؛ لأن الحي في الحقيقة قد يكون معه اختيار يدافع، أو أن هذه مسكينة ما عندها ما تدافع به.
[ ٢ / ٣٦٦٣ ]
ثم هذا من أقبح الأمور أيضًا أن يزني إنسان بامرأة ميتة، لكنه ليس غريبًا أن الإنسان -والعياذ بالله- إذا تعلق بامرأة ولو بعد الموت قد يتعلق بها.
ويقال: إن يزيد -أظن ابن معاوية- كان له أو هو يزيد اللي بعده÷ن كان عنده جارية حسناء وكان يحبها، وكان يداعبها مرة فتفتح فمها فيلقي فيه حب رمان، وأنه ألقى فيها مرة حبة رمان، فشرقت فماتت، فتأوه على ذلك وأبقاها عنده في بيته ينظر إليها ويقبلها كلما دخل حتى أنتنت وتفسخت، حينئذٍ ما استطاع أن يبقيها، هكذا يقولون: وأنا لا أستبعد أن ما يقال في بني أمية من الأمور التي تخالف المعقول أنه من دسائس من؟
الطلبة: الرافضة.
الشيخ: الرافضة؛ لأن الرافضة أكذب الناس في نقل الحديث وأشد الناس تهاونًا في التقول على الغير، فلا يبعد أن هذا مما تقولوه على بني أمية، ولا شك أن في خلفاء بني أمية أناس فسقة وأهل فجور، وكذلك في أمرائهم.
المهم أني أقول: إن الميت قد يشتهيه بعض الناس، وإن كانت النفوس عامة لا تشتهيه.
طالب: بالنسبة () قتله بغير ما ورد عن الصحابة؟
الشيخ: إذا رأى الإمام فيه مصلحة، فيجوز، ما دام الصحابة اختلفوا في هذا فالمسألة محل اجتهاد، والمقصود ردع الناس عن هذا الفعل الخبيث ().
طالب: ما حكمه؟
الشيخ: يعني: يُجْلَد مئتي جلدة.
الطالب: الجلد؟
الشيخ: الجلد، إي، أما الرجم ما هو ممكن؛ لأن إذا رجم مرة ما يعود حيًّا.
الطالب: ما هو بجلد ورجم؟
الشيخ: لا، ما هو بجلد ورجم.
طالب: ()؟
الشيخ: السحاق يعني؟
الطالب: لو رجل تلوط بامرأة؟
الشيخ: تلوط بها؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ما يسمى لواطًا.
الطالب: المهم، ليس مع القُبُل؟
[ ٢ / ٣٦٦٤ ]
الشيخ: إي، حتى مع الدبر ما يسمى لواطًا، اللواط إتيان الذكر الذكر؛ ولهذا قال لوط: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ [الشعراء: ١٦٥، ١٦٦]، وإتيان المرأة من دبرها؛ إن كانت زوجته فهو محرم، وإن كانت غير زوجته فهو زنا.
طالب: إتيان المرأة المرأة () تعزر ()؟
الشيخ: تعزر، إي نعم، تعزر تعزيرًا؟
يُشْتَرط الشرط الثاني انتفاء الشبهة، والشبهة محل شبهة الحقيقة، الشبهة ما هي؟ الشبهة هي الأمر التي يكون الفاعل شاكًّا في فعله هل هو من قسم المباح أو من قسم المحرم؟ هذه الشبهة في الحقيقة؛ يعني: اشتبه عليه الأمر، فلا بد من انتفاء الشبهة.
مثال ذلك -الشبهة- رجل ما نعرف أنه يعلم أن هذا الفعل محرم نخشى أن يكون لا يدري؛ بحيث يكون إنسانًا غبيًّا فغُرِّر به ففعل هذه الفاحشة، هذه شبهة لا شك أنه ما نقيم عليه الحد.
كذلك أيضًا إنسان تزوج امرأة بعقد يظنه صحيح وهو باطل، مثلًا تزوج امرأة في عدتها، ونكاح المرأة في عدتها -كما مر- باطل ولَّا صحيح؟
طالب: باطل.
الشيخ: باطل، فهو لا يدري أنه باطل، فتزوجها ودخل بها وجامعها، هذا زنا في حكم الشرع، لكن لا يقام على هذا الحد؛ لأنه شبهة؛ إذ ظن أن هذا العقد صحيح وأنه يملك به بضع المرأة.
كذلك جامع امرأة يظنها زوجته فهذا شبهة أيضًا إذا علمنا إن هذا () يمسك امرأة في السوق ويقول: جامعها، يظنها زوجته، فهذه ليست بشبهة، لكن قد تكون امرأة مثلًا () في أيام الحج، وجاء إلى امرأة في الخيمة فظن أنها زوجته وهي نائمة -مثلًا- فأتاها، فحينئذٍ نقول: إن هذه شبهة لا يُجْلَد عليها.
الخادمة عند الإنسان إذا جامعها شبهة ولَّا لا؟
طالب: لا.
[ ٢ / ٣٦٦٥ ]
الشيخ: نعم، الصحيح بلا شك أنها ليست بشبهة، والغريب أن بعض أهل العلم يقول: إن الأجيرة إذا زنا بها المستأجر فإنه شبهة؛ لأنه يحتمل أنه يفهم أن الأجرة تشمل المنافع كلها فهو شبهة، ولكن هذا ليس بشبهة في الواقع، والرجل الذي كان عسيفًا عند أحد الصحابة ﵃ وزنى بامرأته (١١)، لو قلنا: إن مثل هذه الأمور شبهة، لكن هذا قد يشتبه عليه أيضًا؛ قد يظن أن هذه المرأة لما كانت زوجها مالكًا لمنافعه أنها سيدة عليه تقول ما تريد.
المهم أن مثل هذه الشبهة؛ لأني قلت لكم: إن الشبهة شبهة؛ ولذلك تهاون بعض أهل العلم ﵏ في تعداد الأمور التي يعدونها من الشبه، حتى صار بإمكان الإنسان أن يستأجر امرأة لخدمة البيت ثم يزني بها ويقول: إن هذا شبهة، وهذا لا يمكن أن يقره دين ولا عقل، فالشبهة الحقيقية هي التي يكون المرء فيها قد اشتبه عليه فعل المباح بالفعل المحظور، سواء من ناحية الحكم أو من ناحية المحل؛ يعني المرأة ..
ثالثًا: ثبوت الزنا؛ أن يثبت الزنا من الفاعل والمفعول به، وطرق ثبوته ثلاثة: الإقرار، أو البينة، أو الحمل.
أولًا: الإقرار، والإقرار هو الاعتراف، واعتراف المرء بالشيء شهادة على نفسه به، وشهادة المرء على نفسه مقبولة ولَّا لا؟
الطلبة: مقبولة.
الشيخ: ويش الدليل؟ ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥]، فأثبت الله شهادة المرء على نفسه، فشهادة المرء على نفسه إقرار يثبت به الُمقَر به، ولكن هل الإقرار هنا كالإقرار في غيره؛ بمعنى أنه يحصل بواحدة أو لا بد من تكراره؟
اختلف العلماء في هذه المسألة اختلافًا متساويًا؛ بمعنى أن كل واحد من القولين عليه طائفة كبيرة من الناس؛ فمن العلماء من يقول: إن الإقرار هنا كغيره؛ بمعنى أن الإنسان إذا أقر به إقرارًا صحيحًا حُكِمَ عليه به. ومنهم من يقول: بل لا بد من التكرار أربع مرات.
[ ٢ / ٣٦٦٦ ]
ولكلٍّ حجة فيما ذهب إليه؛ أما الأول فقالوا: إن الحجة لنا أولًا: قول الله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥]، ومعلوم أن الشاهد لا يُشْتَرط منه تكرار الشهادة، لو جئت تشهد لإنسان هل نحتاج نقول: اشهد، فإذا شهدت قلنا: اشهد ثانية، اشهد ثالثة، اشهد رابعة، اشهد خامسة؟ لا، فالآية الكريمة تدل على أنه إذا ثبتت الشهادة مرة واحدة ثبت الحكم.
الدليل الثاني من السنة قصة العسيف -وأظنكم قد مرت عليكم- قال النبي ﵊ لِأُنَيْسٍ: «اغْدُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» (١١)، ولم يقل: إن اعترفت أربع مرات أو ثلاث أو اثنتين، والإطلاق يحصل بواحدة، فهذا الحديث يدل على أنه لا يُشْتَرط التكرار.
أيضًا من المعنى لأن التكرار لا فائدة منه في الواقع؛ إذ إن الحكم يثبت أو أن الفعل يثبت بواحدة، الإنسان إذا قال: أنا -مثلًا- عندي لفلان مئة درهم، فما معنى التكرار؟ يقول: عندي مئة درهم، عندي مئة درهم، الحكم ثبت بواحدة، صحيح أنه كلما تكرر صار أثبت، لكنه -مطلق الثبوت- حاصل بالواحدة.
وأما الذين قالوا: إنه لا بد من الإقرار به أربع مرات، قالوا: لأن الله ﷾ جعل شهادة الزنا أربعة شهود، ومعلوم أن الشهود إذا شهد واحد، وجاء الثاني وشهد، وجاء الثالث وشهد، وجاء الرابع وشهد، فهذا تكرارُ شهادةٍ في الواقع، فكما أن شهادة الغير يُشْتَرط فيها التكرار باعتبار تعدد المحل الشاهد؛ يعني: لأنه يلزم من تعدد الشهداء إذا كانوا أربعة أن تتعدد الشهادة، كذلك الشهادة على النفس -وهي الإقرار- لا بد أن تتعدد.
[ ٢ / ٣٦٦٧ ]
وقالوا: وأما السنة فإن حديث ماعز صريح في ذلك؛ فإن ماعزًا جاء إلى النبي ﵊ وأقر عنده بالزنا فأعرض عنه، ثم أتاه فأعرض عنه، ثم أتاه فأعرض عنه، ثم أتاه الرابعة فأمر به فرُجِم (١٠)، وقد ذكر بعض الرواة في سياق حديثه: فلما شهد على نفسه أربع مرات أمر به فرُجِمَ (٢٥)، قال: فإن قوله: لما شهد على نفسه أربعة مرات قرينة ظاهرة في إرادة التكرار، وأن كل إقرارة منه تعتبر شهادة رجل واحد، فلا بد من التعدد.
وأيضًا احتياطًا للحدود والأخلاق أيضًا؛ لأن الزاني -والعياذ بالله- ليس أنه إذا طُهِّر بالحد فهو بالنسبة للآخرة يُطهر، لكن بالنسبة للسمعة هل يطهر منه؟ قد لا يطهر عند الناس؛ لو جلد يبقى في قلوب الناس شيء من الحزازة على هذا الرجل؛ فلذلك من أجل الاحتياط لا بد أن تتكرر.
الذين قالوا بالقول الأول يحتاجون إلى الرد على قول هؤلاء، فكيف نرد على الوجه الأول من استدلالهم بأن الشهادة لا بد فيها من أربعة رجال فكذلك الإقرار لا بد فيه من أربع مرات؟
الجواب على هذا قالوا: إنه هناك فرق بين من يُشْهَد عليه ومن يشهد على نفسه؛ الشاهد على نفسه غير مُتَّهم، والمشهود عليه يَتَّهِم الشهود؛ فلذلك لا بد من تكرارها، وأنتم تقولون: إن شهادة المال لا بد فيها من رجلين شاهدين، والإقرار به يكفي واحدة، فلم يبنَ الإقرار على الشهادة؛ إذ إن الإنسان ما يمكن يتهم على نفسه باختلاف الشهداء، فهذا هو الفرق بين الإقرار وبين الشهادة.
وأما قصة ماعز فإن الرسول ﵊ إنما ردده لأجل شبهة قامت عنده؛ ولهذا في آخر الأمر قال له: «أَبِكَ جُنُونٌ» (٢٥).
[ ٢ / ٣٦٦٨ ]
وهذا يحتمل أنه أراد ﵊ «أَبِكَ جُنُونٌ» لأني رددتك ثلاث مرات، فكيف تأتيني الرابعة؟ ما يفعل هذا مع الرسول ﵊ الذي يعني ما يقول ويفعل إلا إنسان في عقله خلل، كيف الرسول يرددك ثلاث مرات ثم تيجي الرابعة؟ ! يقول: «أَبِكَ جُنُونٌ» ليس معناه الشك في صحة إقراره، ولكن «أَبِكَ جُنُونٌ» للشك في تصرفه في كونه يأتي في المرة الرابعة والرسول ﷺ يردده ثلاث مرات؛ ولهذا مثل أنت تقول للشخص: أنا -مثلًا- لا أريد كذا، ثم يجيك مرة ثانية وثالثة ورابعة، ويش تقول له؟ تقول: أنت مجنون، أنت أقول لك: ما عنديش وتيجي؟ ! () نعم.
ويحتمل أن قوله: «أَبِكَ جُنُونٌ» يعني معناه: أقررت على نفسك بدون عقل، فيكون شبهة في صحة الإقرار، فيكون الرسول ﵊ ردده للتثبت من إقراره.
وعندي أننا لو سلكنا مسلكًا وسطًا في الموضوع لأجل نجمع بين الأدلة، وقلنا: إنه إذا كان هناك قرائن قوية -ولا سيما إن كان مشهورًا- فإنه يُكْتَفى بالإقرار واحدة؛ لأن قصة العسيف تدل على هذا، فقصة العسيف تعرفون أنها اشتهرت بين الناس؛ فإن أباه افتداه بمئة شاة ووليدة (١١).
هنا توقف الشيخ -﵀- عن شرح متن الزاد إلى الشرح من مذكرة أخرى.
«أَخْبِرْهُ بِأَنَّ عَلَى ابْنِهِ الْجَلْدَ وَالتَّغْرِيبَ، وَعَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ» (١)، فهذا يدل على أن المسألة اشتهرت، وحينئذٍ لا حاجة إلى تكرار الإقرار أو ترداده؛ لأن المسألة الآن فيها قرائن تؤيد الصحة، أما إذا كان الأمر بالعكس وهي ما اشتهرت المسألة فإن الأولى التكرار لعله يرجع فيحصل الستر؛ لأن الستر مطلوب فيما لم ينكشف، أما إذا انكشف الأمر فإنه لا شك أن ثبوت الحكم يحصل بواحدة؛ لأن الإنسان إذا شهد على نفسه واحدة فقد تم الإقرار، هذا القول الذي أراه؛ أنه يفرَّق بين ما إذا اشتهر الأمر وإذا لم يشتهر.
[ ٢ / ٣٦٦٩ ]
أيضًا -يعني كمان هذا هو ظاهر الجمع بين الأدلة- فإنه إذا اشتهر الأمر، ثم جاء وأقر عندنا ولم نعمل بإقراره، ماذا يكون عند الناس في المجتمع هذا الحكم؟ يتهاونون بالزنا، يقولون: هذا رجل مشهور وذهب وأقرَّ عند القاضي ولم يُحَدّ، معناه أن المسألة بسيطة وليست بذات الأهمية، فيحصل بهذا مفسدة.
فالصواب في هذه المسألة هو أن الأمر -تكرار الإقرار وعدمه- يرجع إلى أي شيء؟ إلى القرائن والاشتهار، متى اشتهر فإنه لا وجه للتكرار.
بقينا البَيِّنَة، لا بد أن يكونوا رجالًا.
طالب: ويش راح ترداد الْمُقِرّ؟
الشيخ: إي نعم، إذا لم يشتهر؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ولا يثبت الحد إلا بتكرار أربع مرات.
البينة لا بد أن يكونوا رجالًا؛ لقوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ١٣]، وأربعة عدد لمذكر ولَّا لمؤنث؟
طلبة: لمذكر.
الشيخ: لا، (أربعة) بالتاء لمذكر ولّا لمؤنث؟
طلبة: مذكر.
الشيخ: ما فيها التأنيث؟
طلبة: بلى، تخالف.
الشيخ: يعني من ثلاثة إلى تسعة يكون مخالفًا، نعم.
وأيضًا (شهداء) جمع (شهيد) وليس جمع (شهيدة)، فعلى هذا لا بد من أربعة رجال ثقات، ولا بد أيضًا أن يشهدوا بصريح الزنا، مثلما أن الإقرار أيضًا لا بد أن يكون بصريح الزنا، وشهادتهم بالصريح أن يقولوا جميعًا بشهادتهم: رأينا ذَكَرَ هذا الرجل بفرج هذه المرأة، ويحتاج أن يقولوا: كالْمِيل في المكحلة، ولَّا ما هو لازم؟ ما هو لازم، إن قالوا ذلك فهو من باب التأكيد.
طبعًا هذه المسألة يصعب جدًّا أن تحدث، ولهذا قال شيخ الإسلام ﵀: إنه لم يثبت الزنا في الشريعة الإسلامية عن طريق الشهادة، وهو في القرن الثامن، يعني ثمانية قرون مضت وشيخ الإسلام يقول ها الكلام فيها.
فالظاهر أيضًا أن ما بعده كذلك، لكن ما رأيكم هل التصوير الآن ما يمكن يتسلَّط على هذا؟ ما أظن أنه يتسلط؛ لأنه اللي ما تسلط عليه العين ما تسلط عليه الآلة، ولَّا كيف؟ ما أظن هذا.
[ ٢ / ٣٦٧٠ ]
طالب: الآلة لا نقطع بها.
الشيخ: إن كان بيحطها بين فخوذه –الآلة- ويصور يمكن.
طالب: ().
الشيخ: إي، لكن يشاهد الذَّكَر في الفرج.
طالب: ().
الشيخ: الفخوذ بتكون متلاصقة.
طالب: ().
الشيخ: ما أظنه.
طالب: ().
الشيخ: لا ما أظنه، ولهذا الظاهر -والله أعلم- أن هذا ما يثبت بطريق البينة.
فإذا قال قائل: إذا كان لا يمكن ثبوته في الشرع كيف يذكره الله، ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [النور: ١٣]؟
قلنا: لأن الله قال: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا﴾ يعني: حين لم يأتوا، ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾، وهذا يدل على أن الأمر إما ممتنِع أو شبه ممتنع، والله ﵎ قد يقول الشيء من باب التعجيز، يعني هذا ما يمكن.
لو جاء أربعة يشهدون بهذه الشهادة هل للحاكم –القاضي- أن يُفَرِّقهم ويستنتج شهادتهم إم صحيحة ولَّا لا؟ ولَّا ما يفرِّقهم؟ أنا عندي أن هذا محل ارتياب، والعلماء يقولون: إنه إذا ارتاب في الشهود فلا بأس أن يفرِّقهم، ويش معنى يفرقهم؟ يخلِّي كل واحد يجيبه على حِدَة ويقول: تعال، ويش رأيت الأمر؟ يمكن يقول: أنا مثلًا رأيت كذا، ويجيء الثاني ويشهد على وجه مخالف، حينئذ يكون أحدهما كَذَّب الآخر.
أما الطريق الثالث لثبوت الزنا -والعياذ بالله- فهو الحمل، والدليل على أنه طريق لإثبات الزنا حديث عمر ﵁، قال: إذا قامت البينة أو كان الْحَبَل أو الاعتراف، الْحَبَل يعني الحمل، ومن سُنَّة الله ﷾ أنه لا يمكن حمل بدون جماع، هذا في الغالب، وإن كان قد يوجَد لكن الأصل أنه ما يوجد إلا بجماع، ولهذا فهو طريق للثبوت.
[ ٢ / ٣٦٧١ ]
إلا أن المرأة إذا ادَّعَت الشبهة يُرْفَع عنها الحد، مثل لو قالت: إنها تَحَمَّلت بماء الرجل، وهذا ممكن، فإنها لا تُحَدُّ، أو قالت: إنها أُكْرِهَت على هذا الشيء، فإنها لا تُحَدّ، وإلا فالأصل وجوب الحد. ()
ﷺ، وبَيَّنَ أن الحمل مما يثبت به الحد، ولكننا مع ذلك نقول: إذا ادَّعَت المرأة شبهة فإنه لا يُقَام عليها الحد؛ لأن الأصل براءة الذمة، ولما يُرْوَى عن النبي ﷺ أنه قال: «ادْرَؤُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» (٢)، فعندنا الآن تعليل ودليل، الأصل براءة الذمة وعدم الجناية، والثاني الحديث وإن كان فيه مقال: «ادْرَؤُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ».
فعلى هذا نقول: إذا ادَّعَت شبهة فإنها تُقْبَل ولا يقام عليها الحد، مثل أن تدعي أنها أُجْبِرَت على هذا الشيء، أُجْبِرَت على أن يزني بها رجل -والعياذ بالله- وحصل الحمل، ففي هذه الحال نقول: ليس عليها حد؛ لأن هذا أمر ممكن.
وأما إذا سكتت ما نفت، يعني ما ادَّعَت أنها مُكْرَهَة ولا ادَّعَت أنها طائعة، فإن الحمل بَيِّنَة؛ إذ إننا نعلم أن الله ﷾ لا يخلق حملًا إلا من جماع، إلا أن يكون ذلك آية فتُثْبَت كما في قضية مريم.
طالب: التلقين ().
الشيخ: التلقين، ما إخالك سرقت، فليس هذا من باب التلقين، وإنما هو من باب أنني لا أظن أنك تسرق، نظرًا إلى أن هذا الرجل عند النبي ﵊ ما يظن فيه هذا الشيء، فيخشى أن يكون هذا قال: إنه سرق، وهو ليس بسارق.
وكذلك أيضًا في مسألة القول بأنه إذا رجع عن الإقرار فإنه يُقْبَل رجوعه، والصحيح في هذا أنه لا يُقْبَل رجوعه، واستدلالهم بقضية ماعز؛ لأن بعض العلماء يقول: إذا أَقَرَّ الزاني على نفسه بالزنا ورجع فإنه يُقْبَل حتى لو ثَبَّتَ ذلك عند القاضي واشتهر بين الناس، وما بقي إلا أن يقام عليه الحد، يقولون: إذا رجع فإنه يُقْبَل.
[ ٢ / ٣٦٧٢ ]
وفي الحقيقة أننا لو اعتبرنا هذا القول لكان فيه من المفاسد شيء كثير؛ لأن كثيرًا من الناس يفعل الشيء ثم يُقِرّ به ويُثْبِت هذا الأمر ثم يُنْكِر، فالصواب أنه لا ينتفي عنه الحد برجوعه.
والاستدلال بقصة ماعز ليس بدليل؛ لأن ماعزًا لم يرجع، لكنه حاول أن يتوب، ولهذا قال النبي ﵊: «هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ يَتُوبُ فَيَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِ» (٣).
أما رجل يقول: إنه رجع، أبدًا ما حصل مني هذا الشيء، بينهما فرق، بين اللي يقول: ما حصل مني هذا الشيء، وبين اللي يقول: حصل مني ولكن أنا أريد أن أحاول التوبة، ولَّا لا؟ الفرق بينهما أن الأول نفى، والثاني أَثْبَتَ، ولكنه وعد بإزالة هذا الشيء عن نفسه بالتوبة.
فقصة ماعز ليست من باب الرجوع، بل هي في الحقيقة من باب الإقرار، ولكن الرسول يقول: «هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ يَتُوبُ فَيَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِ»، والمنكِر للشيء بعد إقراره بوقوعه هل هو تائب منه؟ ليس بتائب بالحقيقة، بل إنه يريد أن ينكر هذا الشيء، والتائب مُعْتَرِف بالذنب نادم عليه عازم على ألَّا يعود.
وكذلك أيضًا في موضوع السرقة وغيرها، لكن السرقة لا يُقْبَل الرجوع بالنسبة للمال، هو عند من يقول: إنه يجوز الرجوع، لا يُقْبَل رجوعه بالنسبة للمال، ولكن يُقْبَل رجوعه بالنسبة للحد، فإذا جاء السارق وقال: نعم، أنا سرقت هذا من هذا المكان، وفتحت الباب، ودخلت ووجدت الصندوق، وفتحت الصندوق أو كسرته ثم سرقت، وسرقت كذا وكذا من الدراهم، وثبت ذلك عند القاضي وقال: اقطعوا يده، حَكَمَ بذلك، فقال: الآن رجعت عن إقراري، أبدًا ما سرقت ولا زَيَّنْت شيئًا.
على رأي الفقهاء ﵏ يقولون: إن الإقرار يرتفع برجوعه، إلا بالنسبة لحق الآدمي وهو المال، فإنه لا يُقْبَل رجوعه، وهذا لا شك أنه فيه من التلاعب ما فيه، والصواب عدم ذلك، ويأتي عاد موضوع السرقة إن شاء الله.
طالب: بالنسبة للتوبة ()؟
[ ٢ / ٣٦٧٣ ]
الشيخ: إي نعم، إذا تاب لا يقام عليه الحد، بل إن الصواب في مسألة الْمُقِرّ أنه إذا جاء تائبًا يريد الخلاص فإنه يرتفع عنه الحد ويُعْفَى عنه، يعني يُخَيَّر الإمام أو الحاكم بين أن يقيم عليه الحد وبين ألَّا يقيم إذا جاء تائبًا.
طالب: ماعز جاء تائبًا والرسول أقام عليه الحد.
الشيخ: لا، ماعز بيطالب بإقامة الحد عليه ما جاء تائبًا.
الطالب: ما هو بتائب؟
الشيخ: لا؛ لأنه ما جاء تائبًا، جاء يطالب بإقامة الحد عليه، ثم إنه إذا كان تائبًا الصحيح في هذه المسألة أن الإمام يُخَيَّر بين أن يقيمه عليه، وبين أن يقول: اعمل من الصالحات كذا وكذا، كما في قصة الرجل الذي جاء وقال: يا رسول الله، إني أصبتُ حَدًّا فأَقِمْه علَيّ، فقال له الرسول ﵊: «صَلَّيْتَ مَعَنَا؟»، قال: نعم، قال: «إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ» (٤) فالإمام مخيَّر فيمن جاء تائبًا، وأما إذا لم يأتِ تائبًا ولكنه قبضته السلطة ثم أَقَرَّ واعترف هذا ليس بتائب.
طالب: الرسول ما أرشده يا شيخ إلى التوبة.
الشيخ: نعم؟
طالب: ماعز ما أرشده إلى التوبة.
الشيخ: ما أرشده إلى التوبة.
طالب: الغامدية يا شيخ، الرسول قال: «لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً ..» (٥)
الشيخ: إي نعم.
الطالب: وأقام عليها الحد.
الشيخ: إي؛ لأنها مُصِرَّة على إقامة الحد، حتى إنها طالبت بأن يقيم عليها الحد وهي حامل، وأَجَّلَهَا حتى تضع الولد، ثم حتى تفطمه، ثم أتت به إلى الرسول وفي يده كسرة خبز يأكلها.
طالب: ()؟
الشيخ: كيف التقدير؟
الطالب: الحد بتقدير من ..
الشيخ: إحنا قلنا: إن الإمام يُخَيَّر بين أن يقيمه وألَّا يقيمه، هذا هو الراجح في المسألة إذا جاء تائبًا، ولكن الفاعل إذا أصرَّ على أن يُطَهَّر فالظاهر أنه ينبغي أن يوافَق على هذا الشيء.
الطالب: إذا تاب مثلًا () ماعز أراد أن يُطَهِّر نفسه.
[ ٢ / ٣٦٧٤ ]
الشيخ: إي، لكن ماعزًا أراد أن الرسول يقيم عليه الحد، ولهذا أَقَرَّ ثم أعرض عنه، أقر ثم أعرض عنه، أقر ثم أعرض عنه، وفي الرابعة شاف أنه مصمم أقام عليه الحد.
***