ــ
٥٩ - مسألة؛ قال: (إلا الرَّوْثَ والعِظامَ والطُّعامَ، وما له حُرمَةٌ، وما يَتَّصِلُ بحَيَوانٍ) وجملةُ ذلك أنه لا يجُوزُ الاسْتِجْمارُ بالرَّوْثِ ولا العِظامِ ولا يُجْزِئُ في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ. وبهذا قال الثَّوْرِيّ، والشافعيّ، وإسحاقُ. وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ الاسْتِجْمارُ (١) بهما؛ لأنَّهما يُجَفِّفان النَّجاسةَ، ويُنْقِيان المَحَلَّ، فهما كالحَجَرِ. وأباحَ مالكٌ الاستنْجاءَ بالطَّاهِرِ منهما. ولَنا، ما روَى مسلمٌ (٢)، عن ابنِ مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: «لا تَسْتَنْجُوا بِالرَّوْثِ وَلا بالعِظَام؛ فإنَّه زَادُ إخْوَانِكُمْ مِنَ الجِنِّ». ورَوَى الدَّارَقُطْنِي (٣) أنَّ النبيَّ - ﷺ - نَهَى أنْ يُسْتَنْجَى برَوْثٍ أو عَظْم، وقال: «إنَّهُما لا يُطَهِّرانِ». وقال: إسنادٌ صحيح. ورَوَى أبو داوُد (٤)، عنه - ﷺ -، أنه قال لرُوَيفِع. بنِ ثابِتٍ: «أخْبِرِ النَّاسَ، أنه مَنِ اسْتَنْجَى برَجِيع أو عَظْم، فهُوَ بَرِئٌ مِنْ مُحَمَّدٍ». وهذا عام في الطَّاهِرِ مِنْهما وغيرِه، والنَّهْيُ يَقْتَضِي الفَسادَ
_________________
(١) في الأصل: «الاستنجاء».
(٢) بنحوه، في: باب الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن، من كتاب الصَّلاة. صحيح مسلم ١/ ٣٣٢. وبلفظه، أخرجه التِّرمذيُّ، في: باب كراهية ما يستنجى به، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي ١/ ٣٦، ١٢/ ١٤٣.
(٣) في: باب الاستنجاء، من كتاب الطهارة سنن الدارقطني ١/ ٥٦.
(٤) في: باب ما ينهى عنه أن يستنجى به، من كتاب الطهارة سنن أبي داود ١/ ٩. وأخرجه الإمام أحمد، في المسند ٤/ ١٠٨، ١٠٩.
[ ١ / ٢٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وعَدَمَ الإجْزاء. وكذلك الطعامُ يَحْرُمُ الاسْتِنْجاءُ به بطريقِ التنبِيهِ؛ لأنَّ النبيَّ - ﷺ - عَلَّلَ النَّهْيَ عن الرَّوْثِ والرِّمَّةِ بكَوْنِه زادَ الجِنِّ، فَزادُنا أولَى، لكوْنِه أعْظَمَ حُرْمَةً. فإنَّ قِيل: فقد نَهَى عن الاسْتِجْمارِ باليَمِينِ، كنَهْيِه عن الاستجمارِ بهذينِ، ولم يَمْنَعْ ذلك الإِجْزاءَ. فعنه جوابان؛ أحدُهما، إنّه قد بيَّن في الحديث أنهما لا يُطَهِّران. الثاني، الفرقُ بينَهما، وهو أنَّ النَّهْيَ ههُنا لمعنًى في شَرْطِ الفِعلِ، فمَنَعَ صِحَّتَه، كالنَّهْي عن الوُضوءِ بالماءِ النَّجِس، وثَمَّ لمعنًى في آلةِ الشرط، فلم يَمْنَعْ، كالوُضوءِ مِن إناءٍ مُحَرَّم. وكذلك ما لَهُ حُرْمَةٌ؛ مِثْلُ كُتُبِ الفِقْهِ والحدِيثِ؛ لما فيه مِن هَتْكِ الشَّريعةِ والاسْتِخْفافِ بِحُرْمَتِها، فهو في الحُرْمَةِ أعْظَمُ مِن الرَّوْثِ والرِّمَّةِ، وكذلك ما يَتَّصِلُ بحيوانٍ كعَقِبِه ويَدِه وذَنَبِ البَهِيمةِ وصُوفِها المُتَّصِلِ بها؛ لأنَّ له حُرْمَةً، فهو كالطَّعامِ [وقد يُنَجِّس الغَيرَ] (١).
_________________
(١) سقط من: «م».
[ ١ / ٢٢٥ ]