ــ
٩ - مسألة: (فإن غَيَّرَ أَحَدَ أوْصافه، لَوْنَه أو طَعْمَه أو رِيحَه) ففيه رِوايَتان إحْداهما: أنَّه غيرُ مُطَهِّرٍ، وهو قَوْلُ مالكٍ والشافعيِّ وإسحاقَ (١)، واخْتِيارُ القاضي، قال: وهي المَنْصُورَةُ عندَ أصحابِنا؛ لأنَّه ماءٌ تَغَيَّر بمُخالطَةِ ما ليس بطَهُورٍ يُمْكِنُ الاحْتِرازُ عنه، أشْبَهَ ماءَ الباقِلَّا المَغْلِيَّ. إذا ثَبَتَ هذا فإنَّ أصحابَنا لا يُفرِّقُون بينَ المَذْرُورِ كالزَّعْفَرانِ والأُشْنانِ (٢)، وبينَ الحُبُوبِ مِن الباقِلّا والحِمَّصِ، والثَّمَرِ؛ كالتَّمْرِ (٣) والزَّبِيبِ، والوَرَقِ ونَحْوه. وقال الشَّافعيَّةُ: ما كان مَذْرُورًا مَنَعَ إذا غَيَّر، وما عَداه لا يَمْنَعُ، إلَّا أن يَنْحَلَّ في الماء، فإن غَيَّر ولم يَنْحَلَّ لم يَسْلُبِ الطَّهُورِيَّة، كما لو تَغَيَّر بالكافُورِ. ووافَقَهُم أصحابُنا في الخَشَبِ والعِيدانِ، [وخالفُوهم في سائِرِ ما] (٤) ذَكَرْنا، لأنَّ تَغَيُّرَ الماءِ به إنَّما كان لانْفِصالِ (٥) أجْزاءٍ منه، وانْحِلالِها فيه، فوَجَبَ أن يَمْنَعَ كالمَذْرُورِ، وكما لو أُغْلِيَ فيه.
_________________
(١) أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن مخلد التميمي المروزي، ابن راهويه، اجتمع له الحديث والفقه والحفظ والصدق والورع والزهد، وتوفي سنة ثمان وثلاثين ومائتين. طبقات الحنابلة ١/ ١٠٩، سير أعلام النبلاء ١/ ٣٥٨ - ٣٨٣.
(٢) الاثنان، والاثنان من الحمض معروف، الَّذي يغسل به الأيدي. اللسان.
(٣) ساقطة من: الأصل.
(٤) في ا: «وخالفوا فيما».
(٥) في ا: «لاتصال».
[ ١ / ٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ولم يُفَرِّقْ أصحابُنا في التِّغْيِيرِ بينَ اللَّوْنِ والطَّعْمِ والرَّائِحَةِ، بل سَوَّوْا بينَهم، قياسًا لبَعْضِها على بعضٍ، وشَرَط الخِرَقِيُّ (١) الكَثْرَةَ في الرّائحةِ دونَ اللَّوْنِ والطَّعْمِ؛ لسُرْعَةِ سِرايَتِها، ونُفُوذِها، ولكَوْنِها تَحْصُل تارَةً عن مُجاوَرَةٍ، وتارةً عن مُخالطَةٍ، فاعْتُبِرَتِ الكَثْرَةُ ليُعْلَمَ أنَّها عن مُخالطَةٍ. والرِّوايةُ الثانيةُ، أنَّه باقٍ على طَهُورِيَّتِه، نَقَلَه عن أحمدَ جماعةٌ مِن أصْحابه (٢)؛ أبو الحارِث (٣)، والمَيمُونِيُّ (٤)، وإسحاقُ بنُ منصورٍ، وهو
_________________
(١) عمر بن الحسين بن عبد الله الخرقي، أبو القاسم. صاحب «المختصر» المشهور في المذهب، وكان علامة ذا دين وورع. توفي بدمشق سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة. طبقات الحنابلة ٢/ ٧٥ - ١١٨؛ تاريخ بغداد ١١/ ٢٣٤، المنتظم ٦/ ٣٤٦. وانظر: المغني، لابن قدامة ١/ ٦، ٧.
(٢) في م: «أصحابنا».
(٣) أبو الحارث أحمد بن محمد الصائغ، روى عن الإِمام أحمد مسائل كثيرة، بضعة عشر جزءًا، وجوَّد الرواية عنه. طبقات الحنابلة ١/ ٤، ٧٥.
(٤) أبو الحسن عبد الملك بن عبد الحميد بن مهران الميموني الرقي، كان إماما جليل القدر، صحب الإِمام أحمد من سنة خمس ومائتين إلي سنة سبع وعشرين، وعنده عنه مسائل في ستة عشر جزءًا، وتوفي سنة ثلاث وسبعين ومائتين. طبقات الحنابلة ١/ ٢١٢ - ٢١٦، العبر ٢/ ٣٥.
[ ١ / ٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مذهبُ أبي حنيفةَ وأصحابِه، لأنَّ الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (١). وهذا عامٌّ في كلِّ ماءٍ؛ لأنَّه نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْىِ، والنكرةُ في سِياقِ النَّفْي تَعُمُّ (٢)، فلا يَجوزُ التَّيَمُّمُ مع وُجودِه، وكذلك قولُ النبيِّ - ﷺ -: «التُّرَابُ كَافِيكَ مَا لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ» (٣). [وهذا ماءٌ؛ لأنَّه لم يَسْلُبْه اسمَه] (٤)، ولا رِقَّتَه، ولا جَرَيانَه، أشْبَهَ المُتَغَيَّرَ بالدُّهْنِ، فإن تَغَيَّر وَصْفان من أوْصافِه أو ثلاثةٌ، وبَقِيَتْ رقَّتُه وجَرَيانُه، فذَكَر القاضي أيضًا فيه رِوايتَين؛ إحداهما، يَجُوزُ الوضوءُ به؛ لما ذكرْنا، [فأشْبَهَ المُتَغَيِّرَ بالمُجاوَرَةِ] (٥)، ولأنَّ الصَّحابةَ، ﵃، كانوا يُسافرون وغالِبُ أسْقِيَتَهم الأَدَمُ (٦)، وهي تُغَيِّرُ أوْصافَ الماءِ عادَةً، ولم يكونُوا يَتَيَمَّمُون معها. والثانيةُ، لا يجوزُ، لأنَّه غَلَب على الماءِ، أشْبَهَ ما لو زال (٧)
_________________
(١) سورة المائدة ٦.
(٢) في م: «تفيد العموم».
(٣) أخرجه السيوطي في الجامع الكبير ٢/ ٦٤١ بلفظ قريب مما هنا في قصة طويلة، من حديث أبي ذر، وفيه: «الصعيد الطيب كاف ما لم تجد الماء».
(٤) في م: «وهذا ماء ولأنه ماء لم يسلبه اسمه».
(٥) سقط من: الأصل.
(٦) بفتحتين، وبضمتين.
(٧) في الأصل: «أزال».
[ ١ / ٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) اسمُه أو طبِخ فيه، وقال ابنُ أبي مُوسى، في الَّذي تَغَيَّرَتْ إحدى صِفاتِه بطاهرٍ: يجوزُ التَّوَضُّؤُ به عند عَدَمِ الماءِ المُطْلَقِ في إحدى الرِّوايتَين، ولا يجوزُ مع وُجودِه.
[ ١ / ٥٨ ]