ــ
فصل: وإن ماتَتِ الدَّجاجَةُ، وفيها بَيضَةٌ قد صَلُبَ قِشْرُها، فهي طاهِرَةٌ. وهو قولُ أبي حنيفةَ، وبعضِ الشّافِعِيَّة، وابنِ المُنْذِرِ. وكَرِهَها عليُّ بنُ أبي طالبٍ، وابنُ عُمَرَ، ومالكٌ، واللَّيثُ (١)، وبعضُ الشافعيةِ؛ لأنَّها جُزءٌ مِن المَيتَةِ. ولَنا، أنَّها بيضةٌ صُلْبَةُ القِشْرَةِ، مُنْفَصِلَةٌ عن المَيتَةِ، أشْبَهَتِ الوَلَدَ إذا خَرَج حيًّا مِن المَيتَةِ، وكَراهِيَةُ الصحابةِ مَحْمُولَةٌ على التَّنْزِيهِ، اسْتِقْذارًا لها. وإن لم تَكْمُلِ البَيضَةُ، فقال بعضُ أصحابِنا: ما كان قِشْرُها أبْيَضَ فهو طاهِرٌ، وما لم يَبْيَضَّ فهو نَجِسٌ؛ لأنَّه ليس عليه حائِلٌ حَصِينٌ. واختارَ ابنُ عَقِيلٍ أنَّها لا تَتَنَجَّسُ؛ لأنَّ البَيضَةَ عليها غاشِيَةٌ رَقِيقَةٌ، كالجلْدِ، وهو القِشْرُ قبلَ أن يَقْوَى، فلا يَتَنَجَّسُ منها إلَّا ما لَاقَى النجاسةَ، كالسَّمْنِ الجامِدِ إذا ماتتْ فيه فأْرةٌ، إلَّا أنَّ هذه تَطْهُر إذا غُسِلتْ؛ لأنَّ لها مِن القُوَّةِ ما يَمْنَعُ دُخولَ أجْزاءِ النجاسةِ فيها، بخلافِ السَّمْنِ. واللهُ أعلمُ.
٣٨ - مسألة؛ قال: (وعَظْمُها وقَرْنُها وظُفرُها نَجِسٌ) عِظامُ المَيتَةِ النَّجِسَةِ نَجِسَةٌ، مأكُولَةَ اللّحْمِ، أو غَيرِها كالفِيَلَةِ، لا تَطْهُرُ
_________________
(١) أبو الحارث الليث بن سعد الفهمي، شيخ الديار المصرية وعالمها، الإمام الثقة الحجة، المتوفي سنة خمس وسبعين ومائة. وفيات الأعيان ٤/ ١٢٧، ١٢٨، العبر ١/ ٢٦٦، ٢٦٧.
[ ١ / ١٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِحالٍ. وهذا قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وإسحاقَ. ورَخَّص في الانْتِفاعِ بعظامِ الفِيَلَةِ محمدُ بن سِيرِينَ، وابنُ جُرَيجٍ؛ لِما رَوَى أبو داودَ (١) [بإسْنادِه عن ثوْبَانَ] (٢)، أنَّ رسولَ الله - ﷺ -[قال: «اشْتَرِ] (٣) لفَاطِمَةَ قِلَادَةً مِنْ عَصَبٍ (٤) وَسِوَارَينِ مِنْ عَاجٍ». وقال مالكٌ: إنَّ الفِيلَ إنْ ذُكِّيَ فعَظْمُه طاهِرٌ، وإلَّا فهو نَجِسٌ. لأنَّ الفِيلَ مأْكُولٌ عندَه. وقال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ: عِظامُ المَيتاتِ طاهِرَة؛ لأنَّ الموت لا يُحِلُّها، فلا تَنْجُسُ به، كالشَّعَرِ. ولَنا، قولُ الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ الْمَيتَةُ﴾. والعَظْمُ مِن جُمْلَتِها، فيَكُونُ مُحَرَّمًا، والفِيلُ لا يُؤْكَلُ لحمُه، فيكونُ نَجِسًا على كلِّ حالٍ، والدَّلِيلُ على تَحرِيمِه نَهْيُ النبيِّ - ﷺ - عن كلِّ ذِى نابٍ مِن السِّباعِ. مُتَّفَقٌ عليه (٥)، والفِيلُ أعْظَمُها نابًا. وحديثُ
_________________
(١) في: باب ما جاء في الانتفاع بالعاج، من كتاب الترجل. سنن أبي داود ٢/ ٤٠٤، ٤٠٥. ورواه أيضًا الإمام أحمد، في: المسند ٥/ ٢٧٥.
(٢) سقط من: «م».
(٣) في الأصل، م: «اشترى».
(٤) ذكرها ابن الأثير بسكون الصاد، ثم نقل عن الخطابي في المعالم قوله: إن لم تكن الثياب اليمانية فلا أدري ما هي، وما أرى أن القلادة تكون منها. ونقل عن أبي موسى: يحتمل عندي أن الرواية إنما هي العصب، بفتح الصاد، وهي أطناب مفاصل الحيوانات، وهو شيء مدور، فيحتمل أنهم كانو يأخذون عصب بعض الحيوانات الطاهرة فيقطعونه ويجعلونه شبه الخرز، فإذا يبس يتخذون منه القلائد. ونقل عنه أيضًا، عن بعض أهل اليمن، أن العصب سن دابة بحرية تسمى فرس فرعون، يتخذ منها الخرز وغير الخرز نصاب سكين وغيره، ويكون أبيض. النهاية ٣/ ٢٤٥.
(٥) أخرجه البخاري، في: باب ألبان الأتن، من كتاب الطب. صحيح البخاري ٧/ ١٨١، مسلم، في: باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، من كتاب الصيد. صحيح مسلم ٣/ ١٥٣٣. وأبو داود، في: باب النهي عن أكل السباع، من كتاب الأطعمة. سنن أبي داود ٢/ ٣١٩، ٣٢٠. والترمذي، في: باب ما جاء في كراهية أكل المصبورة، من أبواب الصيد، =
[ ١ / ١٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثَوْبَانَ، قال الخَطّابِيُّ، عن الأصْمَعِيُّ (١): العاج: الذَّبْلُ (٢). ويقال: هو عَظْمُ ظَهْرِ السُّلَحْفاةِ البَحْريِّةِ (٣). وقولُهم: إنَّ العِظامَ لا يُحِلُّها الموتُ. مَمْنُوعٌ، لأنَّ الحياةَ تُحِلُّها، وكلُّ ما تُحِلُّه الحياةُ يُحِلُّه الموتُ؛ بدَلِيلِ قولِه تعالى: ﴿قَال مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (٤). ولأنَّ دليلَ الحياةِ الإحساسُ والأَلَمُ، وهو في العَظْمِ أشَدُّ مِنه في اللَّحمِ، والضِّرْسُ يأْلَمُ، ويَلْحَقُه الضَّرَسُ (٥)، ويُحِسُّ ببَرْدِ الماءِ وحَرارتِه، وما يُحِلُّه الموتُ يَنْجُسُ، والقَرْنُ والظُّفْرُ والحافِرُ كالعَظْمِ؛ إن أُخِذَ مِن مُذَكَّى فهو طاهرٌ، وإن أُخِذ مِن حَيٍّ فهو نَجِسٌ؛ لقولِ النبيِّ - ﷺ -: «مَا يُقْطعُ مِنَ البَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ
_________________
(١) = وفي: باب ما جاء في الانتفاع بآنية المشركين، من أبواب السير، وفي: باب ما جاء في الأكل في آنية الكفار، من أبواب الأطعمة. عارضة الأحوذي ٦/ ٢٦٦، ٧/ ٥٠، ٢٩٨. والنسائي، في: باب تحريم أكل السباع، وباب تحريم أكل لحوم الحمر الأهلية، وباب إباحة أكل لحوم الدجاج، من كتاب الصيد. المجتبى ٧/ ١٧٧، ١٨١، ١٨٢. وابن ماجه، في: باب أكل كل ذي ناب من السباع، من كتاب الصيد. سنن ابن ماجه ٢/ ١٠٧٧. والدارمي، في: باب ما لا يؤكل من السباع، من كتاب الأطعمة. سنن الدارمي ٢/ ٨٥. والإمام أحمد، في: المسند ١/ ١٤٧، ٤/ ١٩٣، ١٩٤.
(٢) أبو سعيد عبد الملك بن قريب بن عبد الملك الأصمعي، الراوية، اللغوي، كان الرشيد يسميه شيطان الشعر، توفي سنة ست عشرة ومائتين. تاريخ العلماء النحويين ٢١٨ - ٢٢٤.
(٣) في القاموس: والذبل: جلد السلحفاة البحرية أو البرية، أو عظام ظهر دابة بحرية تتخذ منها الأسورة والأمشاط.
(٤) معالم السنن ٤/ ٢١٢. وفيه بعد هذا: «وأما العاج الذي تعرفه العامة فهو عظم أنياب الفيلة، وهو ميتة لا يجوز استعماله».
(٥) سورة يس ٧٨، ٧٩.
(٦) الضِّرس، بالتحريك: خور وكلال يصيب الضرس أو السن عند أكل الشيء الحامض. (اللسان).
[ ١ / ١٧٩ ]