وَيَجُوزُ الاسْتِجمَارُ بِكُلِّ طَاهِرٍ يُنْقِي؛ كَالْحَجَرِ، وَالْخَشَبِ، وَالْخِرَقِ،
ــ
٥٨ - مسألة؛ قال: (ويجوزُ الاسْتِجْمارُ بكلِّ طاهرٍ يُنْقِي، كَالحَجَرِ، ونَحْوه الخَشبُ والْخِرَقُ) أمّا الاسْتِجْمارُ بالأحْجارِ، فلا خلافَ فيه، فيما علمنا، وذلك لما رُوى عن النبيِّ - ﷺ - قال: «إذا ذَهَبَ أحَدُكُم إلى الغَائِطِ، فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلاثةِ أحْجَارٍ، فَإنَّها تُجْزِئ عَنْه». رواه أبو داودَ (١) أ. فأمَّا الاسْتِجْمارُ بما سِواها، كالخَشَبِ والخِرَقِ وما في معناها مِمَّا يُنْقِي، فهو جائِزٌ في الصَّحيحِ مِن المذهب، وقولِ أكثرِ أهلِ العلمِ. وعنه، لا يُجْزِئُ إلَّا الأحْجارُ. اخْتارَها أَبو بكرٍ، وهو مذهبُ داودَ؛ لأنّ النبيَّ - ﷺ - أمَرَ بالأحْجارِ، وأمْرُه يَقْتَضِي الوُجُوبَ. ولأنَّه مَوْضِعُ رُخْصَةٍ، وردَ الشرعُ فيها بآلةٍ مَخصُوصَةٍ، فوَجَبَ الاقْتِصارُ عليها، كالترابِ في التَّيَمُّمِ، وقِياسًا على رَمْي الجِمارِ.
_________________
(١) في: باب الاستنجاء بالأحجار، من كتاب الطهارة سنن أبي داود ١/ ١٠. كما أخرجه النَّسائيّ، في: باب الاجتزاء في الاستطابة بالحجارة دون غيرها، من كتاب الطهارة. المجتبى ١/ ٣٨. والدارمي، في: باب الاستطابة، من كتاب الطهارة. سنن الدارمي ١/ ١٧٢. والإمام أحمد، في: المسند ٦/ ١٣٣.
[ ١ / ٢٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولَنا، ما روَى طاوُسٌ، عن النبيِّ - ﷺ - أنه قال: «إذا أتى أحَدُكُمُ البَرَازَ، فَلْيُنَزِّه قِبْلَةَ اللهِ، فَلا يَسْتَقْبِلْهَا وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا، ولْيَسْتَطِبْ بِثَلَاثَةِ أحْجَارٍ، أو ثَلَاثَةِ أَعْوادٍ، أو ثَلَاثِ حَثَياتٍ مِنْ تُرابٍ». رواه الدَّارَقُطْنِي (١)، قال: وقد رُوِيَ عن ابن عباس مرفوعًا، والصحيحُ أنه مُرسَلٌ. وفي حديثِ سَلْمانَ، عن النبيِّ - ﷺ -: إنَّه لَيَنْهانا أن نَسْتَنْجِيَ بأقلَّ مِن ثَلَاثَةِ أحْجارٍ، وأن نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أو عَظْم. رواه مسلمٌ (٢). وتَخْصِيصُ هذين بالنَّهْي يدُلُّ على أنه أرادَ الحِجَارَةَ وما قام مَقامَها، وَإلَّا لم يكنْ بتَخْصِيصِ هذين بالنَّهْي معنًى. ولأنَّه متى وَرَدَ النَّصُّ بشيءٍ لمعنًى معقول، وَجَب تَعْدِيَتُه إلى ما وُجِدَ فيه المعنى، والمعنى ههُنا إزالةُ عينِ النجاسةِ، وهذا يحصُلُ بغيرِ الأحْجارِ كحُصُولِه بها، فأمّا التَّيَمُّم فإنَّه غيرُ معقول.
فصل: ويُشتَرطُ فيما يُسْتَجْمَرُ به أن يكونَ طاهِرًا، كما ذكر، فإنَّ كان نَجِسًا لم يُجْزِئْه الاسْتِجْمارُ به. وبهذا قال الشَّافعي. وقال أبو حنيفةَ: يُجْزِئُه؛ لأنَّه يُجَفِّفُه كالطاهِرِ. وَلَنا، أنَّ ابنَ مسعودٍ جاء إلى النبيِّ - ﷺ - بحَجَرَين ورَوْثَةٍ ليَسْتَجْمِرَ بها، فأخذَ الحَجَرَين (٣) وألْقَى الرَّوْثَةَ،
_________________
(١) في: باب الاستنجاء، من كتاب الطهارة. سنن الدارقطني ١/ ٥٧.
(٢) في: باب الاستطابة، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم ١/ ٢٢٣.
(٣) في م: «الحجر».
[ ١ / ٢٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال: «هَذَا رِكْسٌ». يعني نَجِسًا. رواه الترمِذِي (١). وهذا تعليل مِن النبيِّ - ﷺ - يَجِبُ المصيرُ إليه. ولأنَّه إزالةُ نجاسةٍ، فلا تَحْصُلُ بالنجِس كالغَسْلِ. فإنَّ اسْتَجْمَر بنَجِس، احْتَمَل أن لا يُجْزِئَه الاسْتِجْمارُ بعدَه؛ لأنَّها نَجاسة مِن خارجٍ، فلم يَجُز فيها غيرُ الماءِ، كما لو تَنَجَّسَ المَحَلُّ بها ابتداءً، ويَحتَمِلُ أن يُجْزِئَه؛ لأنَّ هذه النجاسةَ تابِعة لنجاسةِ المَحَلِّ، فزالتْ بِزَوالِها. ويُشترطُ أن يكونَ ممَّا يُنْقِي؛ لأنَّ الإِنْقَاءَ شرط في الاسْتِنْجاءِ، فإنَّ كان زَلِجًا، كالزُّجاجِ والفَحْمِ الرِّخْو وشِبْهِهما مِمَّا (٢) لا يُنْقِي أو نَدِيًّا (٣)، لم يَجُز في الاسْتِجْمارِ؛ لأنَّه لا يَحْصُلُ به المقصودُ.
_________________
(١) في: باب الاستنجاء بالحجرين، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي ١/ ٣٤.كما أخرجه البُخاريّ، في: باب لا يستنجى بروث، من كتاب الوضوء. صحيح البُخاريّ ١/ ٥١. والنَّسائيُّ، في: باب الرخصة في الاستطابة بحجرين، من كتاب الطهارة. المجتبى ١/ ٣٧. والإمام أحمد، في: المسند ١/ ٣٤، ٣٣٨، ٤٢٧، ٤٥٠.
(٢) سقط من: م.
(٣) في م: «أو نديا لا ينقى».
[ ١ / ٢٢٣ ]