وَلَا يُجْزِيء أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثِ مَسَحَاتٍ، إِمَّا بِحَجَرٍ ذِى شُعَبٍ، أَوْ بِثَلَاثَةٍ.
ــ
٦٠ - مسألة: (ولا يُجْزِئُ أقلُّ مِن ثلاثِ مَسَحاتٍ، إمّا بحَجَر ذي شُعَبٍ أو بثلاثةٍ) أما الاسْتِجْمارُ بثلاثةِ أحْجارٍ، فيُجْزِئ إذا حَصَل بها الإِنْقاءُ، بغيرِ خلافٍ علمْناه، لما ذكرْنا مِن النَّصِّ والإجماعِ. فأمّا الحَجَرُ الذي له ثلاثُ شُعَبٍ، فيُجْزِئ (١) الاسْتِجْمارُ به في ظاهِرِ المذهبِ. وهو اختيارُ الخِرَقِيِّ، ومذهبُ الشافعيِّ، وإسحاقَ، وأبي ثَوْر. وعن أحمدَ رواية أخرَى، لا يُجْزِئ أقَلُّ مِن ثلاثةِ أحْجارٍ. وهو قولُ أبي بكرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لقوله - ﷺ -: «لا يَسْتَنْجِ أحَدُكُمْ بدُونِ ثَلاثَةِ أحْجَارٍ». رواه مسلم (٢) و«لا يَكْفِي أحدَكُمْ دُون ثَلاثَةِ أحْجارٍ» (٣). ولأنَّه إذا اسْتَجْمَر بالحَجَرِ تَنَجَّس، فلم يَجُزِ الاسْتِجْمارُ به ثانيًا، كالصَّغِيرِ. ولَنا، أنه اسْتَجْمَرَ ثلاثًا مُنْقِيَةً بما وُجِدَ فيه شُرُوطُ الاسْتِجْمارِ، فأجْزَأه، كما لو فَصَلَه ثلاثةَ أحجارٍ، واسْتَجْمَرَ بها، فإنَّه لا فرقَ بينَهما إلَّا فَصْلُه، ولا أثَرَ لذلك
_________________
(١) في م: «فيجوز».
(٢) تقدم في صفحة ٢٢٢ بنحوه.
(٣) تقدم في صفحة ٢١٤ بمعناه.
[ ١ / ٢٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في التَّطهيرِ، والحديثُ يَقْتَضِي ثلاثَ مَسَحاتٍ بحَجَرٍ، كما يُقال: ضَرَبْته ثلاثةَ أسْواطٍ. أي ثلاثَ ضَرَباتٍ بسَوْطٍ، وذلك لأنَّ معناه معقولٌ، ومُرادَه معلومٌ، والحاصلُ مِن ثلاثةِ أحْجارٍ حاصِلٌ مِن ثلاثِ شُعَبٍ، ومِن مَسْحِه ذَكره في صَخْرَةٍ عَظِيمةٍ، بثَلاثةِ مَواضِعَ مِنها، فلا معنى للجُمُودِ على اللَّفْظِ مع وُجُودِ ما يُساويه. وقولُهم: إنَّ الحَجَرَ يَتَنَجَّس. قُلْنا: إنَّما يَمْسَحُ بالموضع الطاهِرِ، أشْبَهَ ما لو تَنَجَّسَ جانِبُه بغيرِ الاسْتِجْمارِ. ولأنَّه لو اسْتَجْمَرَ به ثلاثة، لحَصَلَ لكلِّ واحدٍ مِنهم مَسْحَةٌ، وقام مَقامَ ثلاثةِ أحْجارٍ، فكذلك إذا اسْتَجْمَرَ به الواحِدُ.
فصل: ولو اسْتَجْمَرَ ثلاثةٌ بثلاثةِ أحْجارٍ، لكلِّ حَجَرٍ ثلاثُ شُعَبٍ، اسْتَجْمَرَ كلُّ واحدٍ بشُعْبَةٍ مِن كُلِّ (١) حَجَرِ، أو اسْتَجْمَرَ بحَجَر ثم غَسَلَه، أو (٢) كَسَر ما تَنَجَّسَ منه، ثم اسْتَجْمَرَ به ثانيًا، ثم فعل ذلك واسْتَجْمَر به ثلاثًا، أجْزأه؛ لحُصُولِ المعنى والإِنْقَاءِ. ويَحْتَمِلُ على قولِ أبي بكرٍ أن لا يُجْزئَه، جُمُودًا على اللَّفْظِ، وهو بعيدٌ. واللهُ أعلمُ.
_________________
(١) سقط من: «م».
(٢) في م: «و».
[ ١ / ٢٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ويُشْتَرَطُ للاسْتِجْمارِ الإِنْقاءُ، وكمالُ العَدَدِ. ومعنى الإِنْقاء في الاسْتِجْمارِ: إزالةُ عينِ النجاسةِ وبَلَلِها، بحيث [يَرْجِعُ الحَجَرُ] (١) نَقِيًّا، ليس عليه أثر إلَّا شيئًا يَسِيرًا. ومعنى الإِنْقاءِ في الاسْتِنْجاءِ ذَهابُ لُزُوجَةِ النَّجاسَةِ وآثارِها. فإنَّ وُجِدَ الإِنقاءُ، ولم يَكْمُلِ العَدَدُ، لم يُجْزِئ. وهذا مذهبُ الشافعيِّ. وقال مالكٌ: يُجْزِئ. وبه قال داوُد؛ لحُصُولِ المقْصُودِ، وهو الإِنْقاءُ، ولقوله - ﷺ -: «مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَن فَعَلَ فَقَدْ أحْسَنَ، وَمَنْ لا فَلا حَرَجَ» (٢). ولَنا، قَوْلُ سلْمانَ: لقد نَهانا -يعني النَّبيَّ - ﷺ - أنْ نَسْتَجْمِرَ بأقَلَّ مِن ثلاثةِ أحْجارٍ (٣). فأمّا قوله: «فَلا حَرَجَ». في حديثهم، يعني في تَرْكِ الوتْرِ، لا في تركِ العَدَدِ؛ لأنَّ المأمُورَ به في الخَبَرِ الوترُ، فيَعُودُ نَفْيُ الحَرجِ إليه.
_________________
(١) في م: «يخرج».
(٢) رواه أبو داود، في: باب الاستتار في الخلاء، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود ١/ ٨. كما أخرج نحوه في الاستجمار وترا البُخاريّ، في: باب الاستنثار في الوضوء، وباب الاستجمار وترا، من كتاب الوضوء. صحيح البُخاريّ ١/ ٥٢. والترمذي، في: باب ما جاء في المضمضة والاستنشاق، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذي ١/ ٤٤. والنَّسائيُّ، في: باب الرخصة في الاستطابة بحجر واحد، وباب الأمر بالاستنثار، من كتاب الطهارة. المجتبى ١/ ٣٨، ٥٧. وابن ماجه، في: باب الاستنجاء بالحجارة، وباب الارتياد للبول والغائط، وباب المبالغة في الاستنشاق والاستنثار، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه ١/ ١١٤، ١١٥، ١٢١، ١٤٢، ١٤٣. والدارمي، في: باب التستر عند الحاجة، وباب في الاستنشاق والاستجمار، من كتاب الطهارة. سنن الدارمي ١/ ١٦٩، ١٧٨. والإمام مالك، في: باب العمل في الوضوء، من كتاب الطهارة. الموطأ ١/ ١٩. والإمام أحمد، في: المسند ٢٣٦/ ٢، ٢٥٤، ٢٧٧، ٢٧٨، ٣٠٨، ٣٥١، ٣٥٦، ٣٧١، ٣٨٧، ٤٠١، ٤٦٣، ٤/ ٣١٣، ٣٣٩، ٣٤٠.
(٣) تقدم صفحة ٢٢٢.
[ ١ / ٢٢٩ ]