فَصْلٌ: الْخَامِسُ، أنْ يَكُونَ مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ، فَلَا يَجْوزُ بَيْعُ الْآبِقِ، وَلَا الشَّارِدِ، وَلَا الطَّيْرِ في الْهَوَاءِ، وَلَا السَّمَكِ في الْمَاءِ، وَلَا الْمَغْصُوبِ إلَّا مِنْ غَاصِبِهِ، أَوْ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ.
ــ
المَشَقَّةِ فيه، واقتُصِرَ على الواجِبِ. ثم يَخْتَلِفُ هذا باخْتِلافِ النّاسِ؛ فمنهم مَن لا يكونُ له سِوَى الدَّراهِمِ اليَسِيرَةِ، فيَشُقُّ إخْراجُها؛ لحاجَتِه إليها، ومنهم مَن يَكُونُ له مالٌ (١) كثيرٌ، فيَسْتَغْنِى عنها، فيَسْهُلُ إخْراجُها. واللَّهُ تعالى أعْلَمُ.
(فصل: الخامِسُ، أن يكونَ مَقْدُورًا على تَسْلِيمِه، فلا يَجُوز بَيْعُ الآبِقِ، ولا الشارِدِ، ولا الطَّيْرِ في الهَواءِ، ولا السَّمَكِ في الماءِ، ولا المَغْصُوبِ إلَّا مِن غاصِبِه، أو مِمَّن يَقْدِرُ على أَخْذِه منه) بَيْعُ العَبْدِ الآبِقِ لا يَجُوزُ، سَواءٌ عَلِمَ بمكَانِه أو جَهِلَه. وكذلك ما في مَعْناهُ؛ مِن الجَمَلِ الشارِدِ، والفَرَسِ العائِرِ (٢) وَشِبْهِهما. وبه قال مالِكٌ، والشّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصْحَابُ الرَّأْى. ورُوِىَ عن ابنِ عمرَ أنّه
_________________
(١) سقط من: م.
(٢) الفرس العائر: الذى انفلت من صاحبه.
[ ١١ / ٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اشْتَرَى مِن بعضِ ولَدِه بَعِيرًا شارِدًا. وعن ابنِ سِيرِينَ؛ لا بَأْسَ بِبَيْعِ الآبِقِ، إذا كان عِلْمُهما فيه واحِدًا. وعن شُرَيْحٍ مِثْلُه. ولَنا، ما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: نَهَى رسولُ اللَّهِ -ﷺ- عن بَيْعِ الحَصَاةِ، وعن بَيْعِ الغَرَرِ. رَواهُ مُسْلِمٌ (١). وهذا بَيْعُ غَرَرٍ، ولأنَّه غيرُ مَقْدُورٍ على تَسْلِيمِه، فلم يَجُزْ بَيْعُه، كالطَّيْرِ في الهَواءِ، فإنْ حَصَلَ في يَدِ إنْسَانٍ، جازَ بَيْعُه؛ لإِمْكانِ تَسْلِيمِه.
فصل: ولا يَجُوزُ بَيْعُ الطَّيْرِ في الهواءِ، مَمْلُوكًا كان أو لَا؛ أمّا
_________________
(١) في: باب بطلان بيع الحصى والبيع الذى فيه غرر، من كتاب البيوع. صحيح مسلم ٣/ ١١٥٣. كما أخرجه أبو داود، في: باب في بيع الغرر، وباب في بيع المضطر، من كتاب البيوع. سنن أبى داود ٢/ ٢٢٨، ٢٢٩. والترمذى، في: باب ما جاء في كراهية بيع الغرر، من أبواب البيوع. عارضة الأحوذى ٥/ ٢٣٧. والنسائى، في: باب بيع الحصاة، من كتاب البيوع. المجتبى ٧/ ٢٣٠. وابن ماجه، في: باب النهى عن بيع الحصاة، من كتاب التجارات. سنن ابن ماجه ٢/ ٧٣٩. والدارمى، في: باب النهى عن بيع الغرر، وباب في الحصاة، من كتاب البيوع. سنن الدارمى ٢/ ٢٥١، ٢٥٣، ٢٥٤. والإمام مالك، في: باب بيع الغرر، من كتاب البيوع. الموطأ ٢/ ٦٦٤. والإمام أحمد، في: المسند ١/ ١١٦، ٣٠٢، ٢/ ١٥٥، ٢٥٠، ٣٧٦، ٤٣٦، ٤٣٩، ٤٩٦.
[ ١١ / ٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المَمْلُوكُ، فلأَنَّه غيرُ مَقْدُورٍ عليه، وغيرُ المَمْلُوكِ لا يَجُوزُ لِعِلَّتَيْنِ؛ عَدَمُ القُدْرَةِ، وعَدَمُ المِلْكِ؛ لحَدِيثِ أبى هُرَيْرَةَ، قيلَ في تَفْسِيرِه: هو بَيْعُ الطَّيْرِ في الهواء، والسَّمَكِ في الماءِ. ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا، ولا فَرْقَ بين كَوْنِ الطائِرِ يَأْلَفُ الرُّجُوعَ، أو لا يَأْلَفُه؛ لأنَّه لا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه الآنَ، وإنَّما يَقْدِرُ إذا عادَ. فإنْ قيلَ: فالغائِبُ في مَكانٍ بَعيدٍ لا يَقدِرُ على تَسْلِيمِه في الحالِ! قُلْنا: الغائِبُ يَقْدِرُ على اسْتِحْضارِه، والطَّيْرُ لا يَقْدِرُ صاحِبُه على رَدِّه، إلَّا أنْ يَرْجِعَ هو بنَفْسِه، ولا يَسْتَقِلُّ مالِكُه برَدِّه، فيكونُ عاجِزًا عن تَسْلِيمِه، لعَجْزِه عن الواسِطَةِ التى يَحْصُلُ بها تَسْلِيمُه، بخِلافِ الغائِبِ. وإن باعَهُ الطَّيْرَ في البُرْجِ، نَظرتَ؛ فإن كان البُرْجُ مَفْتُوحًا، لم يَجُزْ؛ لأنَّ الطَّيْرَ إذا قَدَرَ على الطَّيَرانِ لم يُمْكِنْ تَسْلِيمُه، فإن كان مُغْلَقًا ويُمكِنُ أخْذُه، جازَ بَيْعُه. وقال القاضِى: إن لم يمكِنْ أخْذُه إلَّا بتَعَبٍ ومَشَقَّةٍ، لم يَجُزْ بَيْعُه. وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ. وهو مُلْغًى بالبَعِيدِ الذى لا يُمْكِنُ إِحْضَارُه إلَّا بتَعَبٍ ومَشَقَّةٍ. وفَرَّقُوا بينهما، بأنَّ البَعِيدَ تُعْلَمُ الْكُلْفَةُ التى يحتاجُ إليها في إحْضارِه بالعادَةِ، وتَأخِيرُ التَّسْلِيمِ مُدَّتُه مَعْلُومَةٌ. والصَّحِيحُ أنَّ تَفاوُتَ المُدَّةِ في إحْضارِ البَعِيدِ، واخْتِلافَ المَشَقَّةِ أكْثَرُ مِن التَّفاوُتِ والاخْتِلافِ (١) في إِمْساكِ طائِرٍ مِن البُرْجِ، والعادَةُ تكونُ في هذا
_________________
(١) سقط من: م.
[ ١١ / ٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كالعَادَةِ في ذلك، فإذا صَحَّ في البَعِيدِ مع كَثْرةِ التَّفَاوُتِ وشِدَّةِ اخْتِلافِ المَشَقَّةِ، فهذا أوْلَى.
فصل: ولا يَجُوزُ بَيْعُ السَّمَكِ في الآجامِ. هذا قولُ أكثرِ أَهْلِ العِلْمِ. ورُوِىَ عن ابنِ مَسْعُودٍ أنّه نَهَى عنه، وقال: إنَّه غرَرٌ (١). وكَرِهَهُ الحَسَنُ، والنَّخَعِىُّ، ومالِكٌ، وأبو حَنِيفَةَ، والشّافِعِىُّ، وأبو يُوسُفَ، وأبو ثَوْرٍ. ولا نَعْلَمُ لهم مُخالِفًا؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ والمَعْنَى. فإن باعَه في الماءِ، جازَ بثَلَاثةِ شُروطٍ؛ أحَدُها، أنْ يكونَ مَمْلُوكًا. وأنْ يكونَ الماءُ رقِيقًا، لا يمنعُ مُشاهَدَتَه ومَعْرِفَتَه. وأنْ يُمْكِنَ اصْطِيادُه؛ لأنَّه مَمْلُوكٌ مَعْلُومٌ يمكنُ تَسْلِيمُه، فجازَ بَيْعُه، كالمَوْضُوعِ في طَسْتٍ في الماءِ. وإنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ ممّا ذَكَرْنا، لم يَجُزْ بَيْعُه؛ لفَواتِ الشَّرْطِ. ورُوِىَ عن عمرَ ابنِ عبدِ العزيزِ، وابنِ أبى لَيْلَى، في مَن له أُجْمَةٌ يَحْبِسُ السَّمَكَ فيها، يجُوزُ
_________________
(١) أخرجه البيهقى، في: باب ما جاء في النهى عن بيع السمك في الماء، من كتاب البيوع. السنن الكبرى ٥/ ٣٤٠.
[ ١١ / ٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بَيْعُه؛ لأنَّه يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه ظاهِرًا، أشْبَهَ ما يَحْتَاجُ إلى مُؤْنَةٍ في الكَيْلِ أو الوَزْنِ والنَّقْلِ. ولَنا، قَوْلُ ابنِ مَسْعُودٍ، وابنِ عمرَ: لَا تَشْتَرُوا السَّمَكَ في الماءِ؛ لأنَّه غَرَرٌ، ولأنَّ النبىَّ -ﷺ- نَهَى عن بَيْع الغَرَرِ، وهذا منه، ولأنَّه لا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه إلَّا بعدَ اصْطِيادِه، أشْبَهَ الطَّيْرَ في الهَواءِ، ولأنَّه مَجْهُولٌ، أشْبَهَ اللَّبَنَ في الضَّرْعِ، ويُفارِقُ ما قَاسُوا عليه؛ لأنَّ ذلك مِن مُؤْنَةِ القَبْضِ، وهذا يَحْتاجُ إلى مُؤْنَةٍ ليُمْكِنَ قَبْضُه، فأمّا إن كانت له بِرْكَةٌ له فيها سَمَكٌ يُمْكِنُ اصْطِيَادُه بغيرِ كُلْفَةٍ، والماءُ رَقِيقٌ لا يَمْنَعُ المُشاهَدَةَ، صَحَّ بَيْعُه، على ما ذَكَرْنا، وإن لم يُمْكِنْ إلَّا بمشَقَّةٍ وكُلْفَةٍ، وكانت يَسِيرَةً، بمَنْزِلَةِ اصْطِيادِ الطّائِرِ مِن البُرْجِ، فالقَوْلُ فيه كالقَوْلِ في بَيْعِ الطّائِرِ في البرجِ، على ما ذَكَرْنا مِن الخِلافِ. وإن كانت كَثِيرَةً تَتَطَاوَلُ المُدَّةُ فيه، لم يَجُزْ بَيْعُه؛ للعَجْزِ عن تَسْلِيمِه في الحالِ، والجَهْلِ بإمْكانِ وقْتِ (١) التَّسْلِيمَ.
فصل: ولا يَجُوزُ بَيْعُ المَغْصُوبِ؛ لعَدَمِ إمْكانِ تَسْلِيمِه، فإن باعَه
_________________
(١) سقط من: م.
[ ١١ / ٩٣ ]