ــ
الخِيارَ، ولأَنَّهُ بَيْعٌ، فجازَ أن يَنْفَسِخَ بتَأْخِيرِ القَبْضِ، كالصَّرْفِ، ولأَنَّ هذا بمَعْنَى شَرْطِ الخِيارِ؛ لأنَّه كما يَحْتَاجُ إلى التَّرَوِّى في المَبِيعِ، هل يُوافِقُه أَوْ لَا؟ يَحْتاجُ إلى التَّرَوِّى في الثَّمَنِ، هل يَصِيرُ مَنْقُودًا، أَوْ لَا؟ فهما شَبيهانِ (١) في المَعْنَى وإن تَغَايَرَا في الصُّورَةِ، إلَّا أنَّه في الخِيارِ يَحْتَاجُ إلى الفَسْخِ، وهذا يَنْفَسِخُ إذا لم يَنْقُدْ في المُدَّةِ المَذْكُورَةِ؛ لأنَّه جَعَلَه كذلك.
١٦٠٠ - مسألة: (وإن باعَه، وشَرَطَ البَراءَةَ مِن كُلِّ عَيْبٍ، لم يَبْرَأُ. وعنه، يَبْرَأُ، إلَّا أن يكونَ البائِعُ عَلِمَ العَيْبَ، فكَتَمَه). اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عن أحمدَ في هذه المسألةِ، فرُوِىَ عنه، أنَّه لا يَبْرَأُ، إِلَّا أن يَعْلَمَ المُشْتَرِى بالعَيْب. وهو قَوْلُ الشّافِعِىِّ. وقال إبراهيمُ، والحَكَمُ، وحَمَّادٌ: لا يَبْرَأُ إلًّا مِمّا سمّى. وقال شرَيْحٌ: لا يَبْرَأُ إلَّا مِمّا أراه أو وَضَعَ
_________________
(١) في الأصل، ر ١، ق: «شيئان».
[ ١١ / ٢٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَدَه عليه. [ورُوِىَ نحوُه عن عطاءٍ، والحسنِ، وإسحاقَ؛ لأنَّه مُرْفَقٌ في البَيْعِ، لا يَثْبُتُ إلَّا بالشَّرْطِ، فلم يَثْبُت مع الجهلِ، كالخِيارِ] (١). ورُوِىَ عنه، أنَّه يَبْرَأُ مِن كُلِّ عَيْبٍ لم يَعْلَمْه، ولا يَبْرَأُ مِن عَيْبٍ عَلِمَه. يُرْوَى ذلك عن عثمانَ، ونحوُه عن زَيْدِ بنِ ثابتٍ (٢). وهو قولُ مالِكٍ. وقولُ الشّافِعِىِّ في الحَيَوانِ خاصَّةً، لِما رُوِى أَنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ باعَ زَيْدَ ابنَ ثابِتٍ عَبْدًا بشَرْطِ البَراءَةِ بثمانِمائَةِ دِرْهَمٍ، فأصَابَ به زَيْدٌ عَيْبًا، فأَرادَ رَدَّه على ابنِ عمرَ، فلم يَقْبَلْه، فَتَرَافَعَا إلى عثمانَ، فقال عثمانُ لابنِ عمرَ: تَحْلِفُ أنّكَ لم تَعْلَمْ بهذا العَيْبِ؟ قال: لَا. فَرَدَّه عليه، فباعَه ابنُ عمرَ بأَلْفِ دِرْهَمٍ. رَواه الإِمامُ أحمدُ (٣). وهذه قِصَّةٌ اشْتَهَرَتْ، فلم تُنْكَرْ، فكانَتْ إجْمَاعًا. ويَتَخَرَّجُ أن يَبْرَأُ مِن العُيُوبِ كُلِّها بالبَراءَةِ. وحَكاه بعضُ أَصْحَابِنَا رِوايَةً عن أحمدَ، بناءً على جَواز البَراءَة مِن المَجْهُولِ. ورُوِىَ هذا عن ابنِ عمرَ. وهو قولُ أصْحابِ الرَّأْى، وقَولُ الشَّافِعِىِّ، لِمَا رَوَتْ أمُّ سَلَمَةَ، أنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا في مَوارِيثَ دَرَسَتْ إلى رسولِ اللَّهِ -ﷺ-،
_________________
(١) سقط من: م.
(٢) أخرجه البيهقى، في: باب بيع البراءة، من كتاب البيوع. السنن الكبرى ٥/ ٣٢٨.
(٣) لم نجده في المسند. وأخرجه الإمام مالك، في: باب العيب في الرقيق، من كتاب البيوع. الموطأ ٢/ ٦١٣.
[ ١١ / ٢٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فقال رسولُ اللَّهِ -ﷺ-: «اسْتَهِمَا، وتَوَخَّيَا، ولْيَحْلِلْ كُلُّ واحِدٍ مِنْكُمَا صَاحِبَه» (١). وهذا يَدُلُّ على أنَّ البَرَاءَةَ مِن المَجْهُولِ جائِزَةٌ. ولأَنَّهُ إسْقَاطُ حَقٍّ لا تَسْلِيمَ فيه، فصَحَّ في المَجْهُولِ، كالطَّلَاقِ والعَتاقِ، ولا فَرْقَ بينَ الحَيَوانِ (٢) وغيرِه، فما ثَبَت في أحَدِهما ثَبَت في الآخَرِ، وقولُ عثمانَ قد خالَفَه ابن عمرَ، فلا يَبْقَى حُجَّةً.
فصل: وإذا قُلْنَا بفَسَادِ هذا الشَّرْطِ، لم يَفْسُدْ به البَيْعُ. في ظاهِرِ المَذْهَبِ. وهو وَجْه لأَصْحَابِ الشّافِعِىِّ؛ لِما ذَكَرْنَا من قَضِيَّةِ ابنِ عمرَ، فإنَّهُم أجْمَعُوا على صِحَّتِها. فعلى هذا، لا يُمْنَعُ الرَّدُّ بوُجودِ الشَّرْطِ، ويكونُ، وُجُودُه كعَدَمِه. وعن أحمدَ في الشُّرُوطِ الفاسِدَةِ روَايَتَانِ؛ إحْدَاهُما، يَفْسُدُ بها العَقْدُ، فيَدْخل فيها هذا البَيْعُ؛ لأَنَّ البائِعَ إنَّما رَضِى بهذا الثَّمَنِ عِوَضًا عن مالِه بهذا الشَّرْطِ، فإذا فَسَدَ الشَّرْط فات الرِّضَا به، فَيَفْسُدُ البَيْعُ؛ لعَدَمِ التَّرَاضِى.
_________________
(١) أخرجه أبو داود، في: باب في قضاء القاضى إذا أخطأ، من كتاب الأقضية. سنن أبى داود ٢/ ٢٧١. والإمام أحمد، في: المسند ٦/ ٣٢٠.
(٢) في الأصل، ق، م: «المجهول».
[ ١١ / ٢٥٧ ]