ــ
والثانى، أنَّ المَذْهَبَ أنَّه يَصِحُّ اشْتِراطُ مَنْفَعَةِ البائِعِ في المَبِيعِ (١)، كما ذَكَرْنَا. واللَّهُ أَعْلَمُ.
١٥٩٤ - مسألة: (وإِنْ جَمَعَ بينَ شَرْطَيْنِ، لم يَصِحَّ) ثَبَتَ عن أحمدَ، ﵀، أنّه قال: الشرْطُ الوَاحِدُ لا بَأْسَ به، إنّما نُهِىَ عن الشَّرْطَيْنِ في البَيْعِ. وهو ما رُوِى عن عبدِ اللَّه بِنِ عَمْرٍو، عن النبىِّ -ﷺ-، أنَّه قال: «لا يَحِلُّ سَلَفٌ وبَيْعٌ، ولا شَرْطَانِ في بَيْعٍ، ولا بَيعُ ما ليْسَ
_________________
(١) في م: «البيع».
[ ١١ / ٢٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عِنْدَكَ». أخْرَجَه أبو داودَ، والتِّرْمِذِىُّ (١)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. قال الأَثْرَمُ: قيلَ لأبِى عبدِ اللَّهِ: إنَّ هؤلاء يَكْرَهُونَ الشَّرْطَ في البَيْعِ. فَنَفَضَ يَدَهُ، وقال: الشَّرْطُ الواحِدُ لا بَأْسَ به في البَيْعِ، إنَّما نَهَى رسولُ اللَّهِ -ﷺ- عن شَرْطَيْنِ في البَيْعِ. وحَدِيثُ جابِرٍ يَدُلُّ على إباحَةِ الشَّرْطِ، حينَ باعَهُ جَمَلَه وشَرَطَ ظَهْرَه إلى المَدِينَةِ (٢). واخْتُلِفَ في تَفْسِيرِ الشَّرْطَيْنِ المَنْهِىِّ عنهما، فرُوِىَ عن أحمدَ، أنّهُما شَرْطَانِ صَحِيحَانِ لَيْسَا مِن مَصْلَحَةِ العَقْدِ. فحَكَى ابنُ المُنْذِرِ عنه، وعن إسحاقَ، في مَن اشْتَرَى ثَوْبًا، واشْتَرَطَ على البائِعِ خِيَاطَتَه و(٣) قِصارَتَه، أو طَعامًا واشْتَرَطَ طَحْنَه وحَمْلَه، إن شَرَطَ أحدَ هذه الأشْياءِ فالبَيْعُ جائِزٌ، وإنِ اشْتَرَطَ شَرْطَيْنِ، فالبَيْعُ باطِلٌ. وكذلك فَسَّرَ القاضِى في «شَرْحِه»
_________________
(١) تقدم تخريجه في صفحة ٢١٦.
(٢) تقدم تخريجه في صفحة ٢١٦.
(٣) في م: «أو».
[ ١١ / ٢٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الشَّرْطَيْنِ المُبْطِلَيْنِ بنَحْوِ هذا التَّفْسِيرِ. ورَوَى الأَثْرَمُ عن أحمدَ تَفْسِيرَ الشَّرْطَيْنِ، أَنْ يَشْتَرِيَها على أنَّه لا يَبِيعُها مِن أحَدٍ ولا يَطَؤُها. فَفَسَّرَهُ بشَرْطَيْنِ فاسِدَيْنِ. ورَوَى عنه إسماعيلُ بنُ سعيدٍ في الشَّرْطَيْنِ في البَيْعِ، أَنْ يقولَ: إذا بِعْتَها فأنَا أحَقُّ بها بالثَّمَنِ، وأنْ تَخْدِمَنِى سَنَةً. فظاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّ الشَّرْطَيْنِ المَنْهِىَّ عنهما ما كانَ مِن هذا النَّحْوِ. وأمّا إنْ شَرَطَ شَرْطَيْنِ أو أكْثَرَ مِن مُقْتَضَى العَقْدِ، أو مِن مَصْلَحَتِه، مثلَ أَنْ يَبِيعَه بشَرْطِ الخِيارِ، والتَّأْجِيلِ، والرَّهْنِ، والضَّمِينِ، أو بِشَرْطِ أَنْ يُسَلِّمَ إليه المَبِيعَ أو الثَّمَنَ، فهذا لا يُؤَثِّرُ في العَقْدِ، وإنْ كَثُرَ. وقال القاضِى في «المُجَرَّدِ»: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه متى شَرَطَ في العَقْدِ شَرْطَيْنِ، بَطَلَ، سواءٌ كانَا صَحِيحَيْنِ، أو فاسِدَيْنِ، لمَصْلَحَةِ العَقْدِ، أو لغَيْرِ مَصْلَحَتِه. أخْذًا مِن ظاهِرِ الحَدِيثِ، وعَمَلًا بعُمُومِه. ولم يُفَرِّقِ الشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى، بينَ الشَّرْطِ والشَّرْطَيْنِ، ورَوَوْا أنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- نَهَى عن بَيْعٍ وشَرْطٍ (١). ولأنَّ الصَّحِيحَ لا يُؤثِّرُ في البَيْعِ وإنْ
_________________
(١) تقدم تخريجه في صفحة ٢١٥.
[ ١١ / ٢٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كَثُرَ، الفاسِدُ يُؤَثِّرُ فيه وإنِ اتَّحَدَ. والحَديثُ الَّذى رَوَيْناهُ يَدُلُّ على الفَرْقِ. ولأنَّ الغَرَرَ (١) اليَسِيرَ إذا احْتُمِلَ في العَقْدِ، لا يَلْزَمُ احْتِمالُ الكَثِيرِ. وحَدِيثُهم ليس له أصْلٌ، وقد أنْكَرَه أحمدُ، ولا نَعْرِفُه مَرْوِيًّا في مُسْنَدٍ، فلا يُعَوَّلُ عليه. والذي ذَكَرَه القاضِى في «المُجَرَّدِ» بَعِيدٌ أيضًا؛ فإنَّ شَرْطَ ما يَقْتَضِيه العَقْدُ، لا يُؤَثِّرُ فيه، بغَيْرِ خِلافٍ، وشَرْطَ ما هو مِنِ مَصْلَحَةِ العَقْدِ؛ كالأَجَلِ، والخِيارِ، والرَّهْنِ، والضَّمِينِ، وشَرْطَ صِفةٍ في المَبِيعِ؛ كالكِتَابَةِ، والصِّنَاعَةِ، فيه مَصْلَحَة العَقْدِ، فلا يَنْبَغِى أَنْ يُؤثِّرَ في بُطْلانِه، قَلَّتْ أو كَثُرَتْ. ولم يَذْكُرْ أحمدُ في هذه المَسْأَلَةِ شَيئًا مِن هذا القِسْمِ، فالظاهِرُ أنَّه غيرُ مُرَادٍ له. والأَوْلَى تَفْسِيرُه بما حَكَاهُ ابنُ المُنْذِرِ. واللَّهُ أعلمُ.
_________________
(١) في م: «العذر».
[ ١١ / ٢٢٩ ]