ــ
١٥٥٨ - مسألة: (وفى جَوازِ الاسْتِصْباحِ بها رِوايَتانِ. ويُخَرَّجُ على ذلك جَوازُ بَيْعِها) اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ في الاسْتِصْبَاحِ بالزَّيْتِ النَّجِسِ؛ فرُوىَ عنه، أنّه لا يَجُوزُ؛ لقَوْلِ النبىِّ -ﷺ- في السَّمْنِ الذى ماتَتْ فيه الفَأْرَةُ: «وإنْ كان مائِعًا فلا تَقْرَبُوه» (١). ولأنَّ النبىَّ -ﷺ- سُئِلَ عن شُحُومِ الميْتَةِ تُطْلَى بها السُّفُنُ، وتُدْهَنُ بها الجُلُودُ، ويَسْتَصْبِحُ بها الناسُ، فقال: «لا، هو حَرَامٌ». مُتَّفَقٌ عليه (٢). وهذا في مَعْناه. وهو قولُ ابنِ المُنْذِرِ. وعنه، إباحَتُه؛ لأنَّ ذلك يُرْوَى عن ابنِ عمرَ. وهو قَوْلُ
_________________
(١) تقدم تخريجه في ١/ ١١٦.
(٢) تقدم تخريجه في ٢/ ٣٠٧.
[ ١١ / ٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الشّافِعِىِّ؛ لأنَّه أمْكَنَ الانْتِفاعُ به مِن غيرِ ضَرَرٍ، فجازَ، كالطاهِرِ. وهذا اخْتِيارُ الخِرَقِىِّ. فعلى هذا، يُسْتَصْبَحُ به على وَجْهٍ لا تَتَعَدَّى نَجاسَتُه، إمّا أن يُجْعَلَ في إبْرِيق ويُصَبَّ منه في المِصْباحِ ولا يُمَسَّ، وإمّا أن يَدَعَ على رَأْسِ الجَرَّةِ التى فيها الزَّيْتُ سِراجًا مَثْقُوبًا، ويُطْبِقَه على رَأْسِ إناءِ الزَّيْتِ، وكُلَّما نَقَصَ زَيْتُ السِّراجِ صَبَّ فيه ماءً بحيثُ يَرْتَفِعُ الزَّيْتُ، فيَمْلأُ السِّرَاجَ، وما أشْبَهَ هذا. وعلى قِياسِ هذا كُلُّ انْتِفاعٍ لا يُفْضِى إلى التَّنْجِيسِ بها يَجُوزُ. ويَتَخَرِّجُ على جَوازِ الاسْتِصْباحِ به جَوازُ بَيْعِه. وهكذا ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّه يَجُوزُ الانْتِفاعُ به مِن غيرِ ضَرُورَةٍ، فجازَ بَيْعُه، كالبَغْلِ والحِمارِ. وهل تَطْهُرُ بالغَسْلِ، فيه وَجْهَانِ ذَكَرْنَاهُما فيما مَضَى (١). وإذا قُلْنَا: تَطْهُرُ بالغَسْلِ. فالقِياسُ يَقتَضِى جوازَ بَيْعِها؛ لأنَّها عَيْنٌ نَجسَةٌ تَطْهُرُ بالغَسْلِ، أَشْبَهَتِ الثَّوْبَ النَّجِسَ. وكَرِهَ أحمدُ، ﵀، أَن تُدْهَنَ بها الجُلُودُ، وقال: تُجْعَلُ منها الأسْقِيَةُ. ونُقِلَ عن ابنِ عمرَ، أنَّه يُدْهَنُ بها الجلودُ. وعَجِبَ أحمدُ مِن هذا. فيَحْتَمِلُ أنْ يُحْمَلَ على ما لا تَتَعَدَّى نَجَاسَتُه، كالنِّعَالِ، كما قُلْنا في جُلودِ الميْتَةِ (٢).
_________________
(١) انظر ما تقدم في ٢/ ٣٠٤.
(٢) انظر ما تقدم في ١/ ١٦١.
[ ١١ / ٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فَأَمَّا شُحُومُ الميْتَةِ، وشَحْمُ الكَلْبِ والخِنْزِيرِ، فلا يَجُوزُ الاسْتِصْباحُ به، ولا الانْتِفاعُ به في جُلُودٍ ولا سُفُنٍ ولا غيرِها؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ. وإذا اسْتُصْبِحَ بالزَّيْتِ النَّجِسِ، فاجْتَمَعَ مِن دُخَانِه شئٌ، فهو نَجِسٌ؛ لأنَّه جُزْءٌ منه، والنَّجاسَةُ لا تَطْهُرُ بالاسْتِحالَةِ. فإنْ عَلِقَ بشئٍ، عُفِىَ عن يَسِيرِه؛ لمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ عنه، وإنْ كَثُرَ لم يُعْفَ عنه.
فصل: ولا يَجُوزُ بَيْعُ التِّرْياقِ الذى فيه لُحُومُ الحَيَّاتِ؛ لأَنَّ نَفْعَه إنّما يَحْصُلُ بالأَكْلِ، وهو مُحَرَّمٌ، فخَلا مِن نَفْعٍ مُباحٍ، فلم يَجُزْ بَيْعُه، كالمَيْتَةِ. وِلا يجوزُ التَّدَاوِى به، ولا بسُمِّ الأفاعِى. فأَمّا سُمُّ النَّبَاتِ، فإنْ كان لا يُنْتَفعُ به، أو يَقْتُلُ قَلِيلُه، لم يَجُزْ بَيْعُه؛ لعَدَمِ نَفْعِه، وإنْ أمْكَنَ التَّدَاوِى بيَسِيرِه، كالسَّقَمُونيَا (١)، جازَ بَيْعُه؛ لأنَّه طاهِرٌ مُنْتَفَعٌ به.
_________________
(١) كلمة يونانية، ومعناها: نبات يستخرج منه دواء مسهل للبطن ومزيل لدوده.
[ ١١ / ٥٤ ]